ghaemiyeh.com
شرح
نهج البلاغة
ابن أبي الحديد
20-19
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1428ه- - 2007م
شِرح
نهج البلاغة
ابن أبي الجديد
تحقیق
محمد ابراهيم
المجلد العاشر
20-19
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ »
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ »
الحمد لله الواحد العدل
الأصل: إِنَّمَا المَرْءُ فِي الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنتَضِلُ فِيهِ المَنَايَا ، وَنَهْبٌ تُبَادِرُهُ المَصَائِبُ، وَمَعَ كُلِّ جُرْعَةٍ شَرَقٌ، وَفِي كُلِّ أَكْلَةٍ فَصَصٌ وَلا يَنَالُ الْعَبْدُ نِعْمَةً إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى، وَلا يَسْتَقْبِلُ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا بِفِرَاقِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ، فَنَحْنُ أَهْوَانُ المَنُونِ، وَأَنْفُسُنَا نَصْبُ الحُتُوفِ، فَمِنْ أَيْنَ نَرْجُو البَقَاءَ، وَهَذَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ لَمْ يَرْفَمَا مِنْ شَيْءٍ شَرَفاً ، إِلَّا أَسْرَهَا الْكَرَّةَ فِي هَدْمِ مَا بَنَيَا، وَتَفْرِيقِ مَا جَمَعَا !
الشرح: قد سبق ذرة (1)من هذا الكلام في أثناء خطبته علیه السلام ، وقد ذكرنا نحن أشياءَ كثيرة ًفي الدنيا وتقلّبها بأهلها .
ومن كلام بعض الحكماء: طوبَى للهارب من زخارف الدنيا والصادّ عن زَهرة دِمْنَتِها (2)، والخائف عند أمانها، والمتّهم لضمانها، والباكي عند ضحكها إليه والمتواضع عند إعزازها له، والناظر بعين عقله إلى فضائحها، والمتأمّل لقبح مصارعها، والتارك لكلابِها على جِيَفها، والمكذّب لمواعيدها، والمتيقّظ الخُدَعها، والمعرِض عن لُمَعها، والعامل في إمهالها ، والمتزوّد قبل إعجالها .
قوله: «تنتضل النَّضل شيء يرمى، ويروى «تبَادره» أي تتبادره، والغرض: الهدف.
والنّهب : المال المنهوب غنيمة، وجمعه نِهاب.
وقد سبق تفسير قوله : «لا ينال العبد نعمة إلا بفراق أخرى»، وقلنا : إنّ الّذي حصلت له لذّة الجماع حالَ ما هي حاصلة له، لا بدّ أن يكون مفارقاً لذة الأكل والشرب، وكذلك من يأكل ويشرب يكون مفارقاً حال أكله وشربه لذّةَ الرّكض على الخيل في طلب الصّيد، ونحو ذلك .
قوله: «فنحن أعوان المنون»، لأنّا ،نأكل ونشرب ونجامع ، ونركب الخيل، والإبل، ونتصرّف في الحاجات والمآرب، والموت إنما يكون بأحد هذه الأسباب، إمّا من أخلاط تحدثها المآكل والمشارب، أو من سقطة يسقط الإنسان من دابة هو راكبها، أو من ضعف يلحقه من الجماع المفرط، أو لمصادمات واصطكاكات تصيبه عند تصرفه في مآربه وحركته وسعيه، ونحو ذلك، فكأنّا نحن أعنّا الموت على أنفسنا .
قوله:« نصب الحتوف» يروى بالرفع والنصب، فمن رفع فهو خبر المبتدأ، ومن نصبه جعله ظرفاً .
-187 -
الأصل: لا خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أَنَّهُ لا خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ.
الشرح: قد تكرَّر ذِكُر هذا القول، وتكرّر منا شرحُه وشرحُ نظائِره. وكان يقال : ما الإنسان لولا اللسانُ إلا بهيمةٌ مُهملة، أو صورةٌ ممثَّلة. وكان يقال : اللّسان عضوٌ إن مرنته مَرَن، وإن تركته خَزن.
الأصل: يَا بْنَ آدَمَ مَا كَسَبْتَ فَوْقَ قَوَّتِكَ، فَأَنْتَ فِيهِ خَازِنٌ لِغَيْرِكَ .
الشرح: أخَذ هذا المعنى بعضُهم، فقال :
ما لي أراكَ الدّهر تجمعُ دائباً*** البَعْلِ عِرْسِك لا أبا لك تَجمَعُ !
وعاد الحسنُ البصريُّ عبد الله بن الأهتم في مرضه الّذي مات فيه، فأقبل عبدُ الله يَصرف بصره إلى صُندوق في جانب البيت، ثم قال للحسن: يا أبا سعيد، فيه مائة ألفٍ لم يؤدَّ منها زكاة، ولم تُوصِل بها ،رَحِم قال الحَسَن : ثَكِلَتْك أمك ! فلِمَ أعددتها؟ قال : لرَوعة الزّمان، ومُكاثرة الإخوان، وجفوة السلطان.
ثم مات فحضر الحسن جنازته، فلمّا دُفن صَفَق بإحدى راحتَيه الأخرى، وقال: إنّ هذا
تاهَ شَيْطانه، فحذّرَه رَوْعة زمانه، وجفوَة سلطانه، ومكاثَرة إخوانه، فيما أستودَعَه اللهُ إيَّاه فادخره ، ثمّ خرج منه كثيباً حزيناً، لم يؤدِّ زَكاةً، ولم يَصِل رَحِماً . ثم التفت فقال: أيّها الوارث، كل هنيئاً، فقد أتاك هذا المالُ حلالاً، فلا يكن عليك وبالاً، أتاك ممّن كان له جَموعاً مَنوعاً ، يَركَب فيه لُجَجَ البحار ، ومَفاوِزَ القِفار ، من باطل جَمعه، ومن حَقِّ مَنَعه، لم ينتفع به في حياته، وضَرَّه بعد وفاته، جمعَه فأوعاء، وشدَّه فأوكاه إلى يوم القيامة، يوم ذي حسرات، وإن أعظَمَ الحَسَرَات أن تَرَى مالك في ميزان غيرك، بخلت بمالٍ أُوتيته مِن رِزْقِ الله أنْ تُنفِقه في طاعة الله، فخزنُتَه لغيرك، فأنفَقَه في مرضاة ربِّه ، يا لها حَسْرةً لا تُقال، ورحمة لا تُنال ! إنا لله وإنا إليه راجعون .
الأصل: إِنَّ لِلْقُلُوبِ شَهْوَةٌ وَإِقْبَالاً ، وَإِدْبَاراً ، فَأْتُوهَا مِنْ قِبَلِ شَهْوَتِهَا وَإِقْبَالِهَا ، فَإِنَّ الْقَلْبَ إذا أُكْرِهَ عَمِي.
أخيرة
الشرح: قد تقدّم القول في هذا المعنى.
والعِلّة في كون القلب يَعمَى إِذا أَكْرِه على ما لا يحبّه، أنّ القلبَ عُضو من الأعضاء، يَتعب ویستریح كما تتعب الجنّة عند استعمالها وأحمالها، وتستريح عند تَرك العَمَل، كما يتعب اللّسان عند الكلام الطويل، ويستريحُ عند الإمساك، وإذا تَواصَل . إكراه القلب على أمر لا يحبّه ولا يؤثُره تَعِب ، لأنّ فِعَل غير المحبوب مُتعِب، ألا ترى أنّ جِماعَ غيرِ المَحْبوب يُحدِث من الضَّعف أضعاف ما يُحدِثه جماعُ المَحبوب، والركوب إلى مكان غيرِ محبوبٍ مُتعِب ولا يُشتَهى يُتعب البَدَن أضعاف ما يُتعبه الركوب إلى تلك المسافة إذا كان المكان محبوباً، وإذا أتعِب القلب وأعيا. عَجَزَ عن إدراك ما تكلفه ،إدراكه ، لأنّ فعلَه هو الإدراك، وكلّ عضو يَتعَب فإنه يَعجَز عن فعله الخاصِّ به، فإذا عجز القلب عن فعله الخاص به وهو العلم والإدراك، فذاك هو عماه .
الأصل: وكان علیه السلام يقول : مَتَى أَشْفِي غَيْفِي إِذَا غَضِبْتُ أَحِينَ أَعْجَرُ عَنِ الانتقام فَيُقَالُ لِي: لَوْ صَبَرْتَ أَمْ حِينَ أَقْدِرُ عَلَيْهِ ، فَيُقَالُ لِي: لَوْ عَفَوْتَ !
الشرح: قد تقدّم القولُ في الغَضَب مراراً .
وهذا الفصل فصيحٌ لطيفُ المعنى ، قال : لا سبيل لي إلى شفاءِ غَيْظي عند غضبي، لأنّي إِمَّا أن أكون قادراً على الانتقام فيصدَّني عن تعجيلهِ قولُ القائل : لو غَفرت لكان أولى! وإمّا ألّا أكون قادراً على الانتقام فيصدّني عنه كوني غير قادرٍ عليه فإذَنْ لا سبيل لي إلى الانتقام عند الغضب .
وكان يقال : العقل كالمِرآة المجلوة يُضدِئه الغَضَب، كما تَصْدَأ المرآة بالخل، فلا يَثبتُ فيها صورةُ القُبْح والحُسْن .
واجتمع سُفيان الثَّوريُّ وفُضَيل بن عِياض فتذاكَرا الزّهدَ ، فأجمَعا على أنّ أفضل الأعمال الحِلمُ عند الغضب، والصبر عند الطَّمَع.
-191-
الأصل: وقال علیه السلام وقد مَرَّ بِقَدَرٍ على مَزيلةٍ : هَذَا ما بَخِلَ بِهِ الْباخلونَ. وفِي خَبَرِ آخَرَ أَنَّهَ قال: هَذَا مَا كُنتُم تَنافَسُونَ فيه بالأمس !
الشرح: قد سبق القولُ في مثل هذا، وأن الحَسن البَصريّ مرّ على مَزبلَة، فقال: انظروا إلى بَطِّهم ودَجاجهم وحَلوائهم وعَسَلهم وسمنهم ، والحَسن إنما أخذه من كلام أمير المؤمنين علیه السلام، وقال ابن وَكيع في قول المتنبيّ :
لو أفكر العاشقُ في مُنتهى*** حُسنِ الذي يسبيه لم يَسبِه
إنه أراد لو أفكَر في حاله وهو في القبر، وقد تغيّرت محاسنُه، وسالت عَيْناه، قال: وهذا مثلُ قولهم : لو أفكَر الإنسان فيما يؤول إليه الطعام فعافتْه نفسُه .
وقد ضَرَب العلماء مثلاً للدنيا ومخالفة آخِرها أولها، ومضادّة مَباديها عَواقبها، فقالوا : إنّ شهوات الدنيا في القَلب لذيذةٌ كشَهَوات الأطعمة في المعدة، وسَيجِد الإنسان عند الموتِ لشهوات الدنيا في قلبه من الكَراهة والنَّتن والقبح ما يَجده للأطعمة اللذيذة إذا طبختها المعدة وبلغت غاية نُضجها ، وكما أن الطعام كلّما كان الذ طعماً وأظهر حلاوة، كان رجيعه أقذر وأشدّ نثناً، فكذلك كل شهوة في القلب أشهى وألذ وأقوى فإن نتنها وكراهتها والتأذي بها عند الموت أشدّ ، بل هذه الحال في الدّنيا مُشاهدة فإن من نُهبت دارُه ، وأخذ أهله وولدهُ ومالُه ، تكون مصيبتهُ وألمه وتفجُّعه في الذي فَقَدَ بمقدار لذته به ، وحبه له، وحرصه عليه، فكلّ ما كان في الوجود أشهى وألذ فهو عند الفقد أدهى وأمر، ولا معنى للموت إلّا فقد ما في الدنيا .
وقد رُوي أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال للضحّاك بن سُفْيان الكلابيّ : «ألست تُؤْتَى بطعامك وقد قَزَح وملح، ثم تشرَب عليه اللَبنَ والماء» ! قال : بلى قال : «فإلى ماذا يصير »؟ قال : إلى ما قد علمتَ یا رسول الله ، قال : فإنَّ الله عزّ وجلّ ضَرَب مَثل الدنيا بما يصير إليه طعام ابن آدم(1).
وَرَوَى أبيّ بن كعب أنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قال :«إن أنت ضَربتَ مثلاً لا بن آدم فانظر ما يَخرُج من ابن آدم وإن كان قَزحه وملحُه إلى ماذا صار» (2).
وقال الحسن رحمه الله : قد رأيتهم يطيبونه بالطيب والأفاويه ثمّ يرمونه حيث رأيتم، قال الله عز وجل :(نظرِ الْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ (3)، قال ابن عباس : إلى زَجيعِه .
وقال رجل لابن عمر: إنّي أريد أن أسألك وأستحيي فقال : لا تَسْتَحْيِ وسَلْ، قال: إذا قَضَى أحدُنا حاجتَه فقام، هل ينظر إلى ذلك منه؟ فقال: نعم، إن المَلَكَ يقول له : انْظُر هذا ما يَخلتَ به انظُر إلى ماذا صار ! .
-197-
الأصل: لَمْ يَذْهَبْ مِنْ مالكَ ما وَعظَكَ.
الشرح: مثل هذا قولهم : إن المصائب أثمانُ التَّجارب.
وقيل لعالم فقير بعد أن كان غنيا : أين مالك؟ قال : تَجَرتُ فيه فابتعتُ به تجربةَ الناس ،والوقت فاستفدْتُ أشْرَفَ العِوَضَين .
الأصل: إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ تَمَل كَمَا تَمَلُّ الأَبْدَانُ، فَابْتَغُوا لها طَرَائِفَ الْحِكْمَةِ.
الشرح: هذا قد تكرّر، وتكرّر منا ذكرُ ما قيل في إجمام النّفس والتنفيس عنها من كَرب الجِدّ والإحماض وفسرنا معنى قوله علیه السلام: «فابتغُوا لها طرائف الحكمة» وقلنا : المراد ألا يَجْعَلَ الإنسان وقته كلّه مصروفاً إلى الأنظار العقليّة في البراهين الكلاميّة والحِكَميّة، بل ينقلها من ذلك أحياناً إلى النظر في الحِكمة الخُلُقية فإنها حكمة لا تحتاج إلى إتعاب النفس والخاطر.
فأمّا القول في الدُّعابة فقد ذكرناه أيضاً فيما تقدّم، وأوضحنا أن كثيراً من أعيان الحُكماء والعلماء كانوا ذوي دُعابة مقتصدة لا مسرفة، فإن الإسراف فيها يُخرج صاحبه إلى الخلاعة، ولقد أحسن من قال :
أخذ طبعَك المكدودَ بالجد راحةً ***تجمّ وعَلله بشيءٍ من المَزْحِ
ولكن إذا أعطَيته ذاكَ فليَكُن*** بمقدار ما يُغطى الطعامُ من المِلْحِ
-194-
الأصل: وقال لَمَّا سَمِعَ قول الخَوَار : لا حُكْمَ إلا لله ، كلِمَةُ حَقٌّ يُراد بها باطل.
الشرح :معنى قوله سبحانه: (إن الحكم إلا يوم) ، أي إذا أراد شيئاً من أفعال نفسه فلا بدّ من وقوعه، بخلاف غيره من القادرين بالقدرة فإنه لا يجب حصولُ مرادهم إذا أرادوه، ألا ترى ما قبل هذه الكلمة: (يَنبَنِي لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابِ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَبٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) خاف عليهم من الإصابة بالعين إذا دخلوا من باب واحد، فأمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة، ثم قال لهم : وَمَا أَغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْ (1)، أي إذا أراد الله بكم سوءاً لم يدفع عنكم ذلك السُّوءَ ما أشرتُ به عليكم من التفرق، ثم قال : (إن الحكمُ إِلَّا لِلَّهِ ) أي ليس حيُّ من الأحياء يَنفُذُ حكمه لا محالة ومراده لما هو من أفعاله إلّا الحيّ القديم وحدَه، فهذا هو معنى هذه الكلمة، وضَلّت الخوارج عندها فأنكروا علي أمير المؤمنين علیه السلام موافَقَته على التحكيم، وقالوا : كيف يحكم وقد قال الله سبحانه: (إن الحكم إلا لله) ، فغلَطوا لموضع اللّفظ المشترك، وليس هذا الحُكْم هو ذلك الحكم، فإذن هي كلمة حقّی يراد بها باطل، لأنّها حقٌّ على المفهوم الأوّل، ويريد بها الخوارجُ نَفي كلّ ما يسمَّى حكماً إذا صَدر عن غير الله تعالى، وذلك باطل، لأنّ الله تعالى قد أمضَى حُكم المخلوقين في كثير من الشرائع.)
1) سورة يوسف، الآية: 67 .
الأصل: وقال علیه السلام في صِفة الغَوْعَاءِ : هُمُ الَّذِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا غَلَبُوا ، وإِذَا تَفَرَّقُوا لَمْ يُعْرَفُوا . وقيل : بَلْ قال : هُمُ الَّذِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا ضَرُّوا ، وإِذا تَفَرَّقُوا نَفَعوا، فَقِيلَ: قَدْ عَلِمْنا مَضَرَّةَ اجْتِمَاعِهِمْ، فما مَنْفَعَةُ افْتِرَاقِهِم؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ : يَرْجِعُ أهْلُ الْمِهَنِ إِلَى مِهنِهِمْ ، فَيَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِمْ كَرُجُوعِ البَنَّاءِ إِلَى بِنائِهِ ، والنِّسَاجِ إِلَى مَنْسَجِهِ، وَالخَبَّازِ إِلَى مَخْبَزِهِ.الشرح: كان الحسن إذا ذَكَر الغَوْغاء وأهل السّوق قال: قتلة الأنبياء، وكان يقال: العامّة كالبحر إذا هاج أهْلَكَ راكبه . وقال بعضهم : لا تسبُّوا الغَوْغاء فإنهم يُطْفِئُون الحريق، ويُنقذون الغريق، ويسدّون البُثوق .وقال شيخنا أبو عثمان: الغاغَة والباغة والحاكَة كأنّهم أعذارُ عامٍ واحد، ألا ترى أنّك لا تجد أبداً في كلّ بلدة وفي كل عصر هؤلاء بمقدار واحد وجهةٍ واحدة من السُّخف والنَّقْص والخمول والغباوة، وكان المأمون يقول : كلّ شرّ وظلم في العالم فهو صادرٌ والغوغاء، لأنهم قتلةَ الأنبياء والمُغْرُون بين العلماء، والنَّمَّامون بين الأودّاء، ومنهم الَلصوص وقُطّاع الطّريق، والطرارون، والمحتالُون والساعون إلى السلطان، فإذا كان القيامة حُشِروا على عادتهم في السعاية فقالوا :(رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَا عَاتِهِمْ ضعفين مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَمْنَا كَبِيرًا (1).)- 147-الأصل: وقال علیه السلام وقد أتي بجانٍ ومعه غوغاء فقال : لا مَرْحَباً بِوُجُوهِ لا تُرَى إِلَّا عِنْدَ كُلَّ سَوْءَةٍ.الشرح: أخذ هذا الّلفظ المستعينُ بالله وقد أُدخِل عليه ابنُ أبي الشَّوارب القاضي ومعه الشّهود ليَشهَدوا عليه أنّه قد خَلَع نفسه من الخلافة وبائع للمعتزّ بالله، فقال: لا مرحباً بهذه الوجوه الّتي لا تُرَى إلّا يوم سوء.
1) سورة الأحزاب، الآيتان: 67 ، 68 .
وقال من مديح الطوقاء والعامّة: إنّ في الحديث المرفوع: إنّ الله ينصر هذا الدِّين بقوم لا وكان الأحنفُ يقول : أكرِموا سُفهاءكم فإنّهم يكفُونَكم النار والعَار .وقال الشاعر :وأنِّي لاستبقي امرأ السّوء عُدةً*** لَعدِوة عرِّيض من الناسِ جائِبأخافُ كلابَ الأبْعَدين وهَرْشَها ***إذا لم تُجاوِبُها كِلابُ الأقارب- 14V-.الأصل: إِنَّ مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ، فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ خَليَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَإِنَّ الأَجَلَ جُنةٌ حَصِينَةٌ .الشرح: قد تقدّم هذا، وقلنا : إنّه ذهب كثيرٌ من الحكماء هذا المَذهَب، وإنّ لله تعالى ملائكةً مُوَكَّلَةٌ تحفظ البشر من التردِّي في بئرٍ، ومِن إصابةِ سَهم معترض في طريق، ومن رَفس دابة، ومن نَهْش حيّة، أو لَسْع عَقْرب، ونحو ذلك . والشرائع أيضاً قد وردت بمثله وإنّ الأجل جُنَّة، أي يزع، ولهذا في علم الكلام مخرَج صحيحٌ، وذلك لأن أصحَابنا يقولون : إنّ الله تعالى : إذا عَلِمَ ان في بقاء زيد إلى وقت كذا لُطّفاً له أو لغيرهِ من المكلَّفين صدَّ من يهمّ بقَتله عن قتِله بألطافٍ يفعَلها تصده عنه أو تَصرفِه عنه بصارف، أو يَمنَعه عنه بمانع ، كي لا يقطَع ذلك الإنسانُ بقَتْل زيد الألطاف التي يعلم الله أنها مقربة من الطاعة، ومُبعدة من المعصية لزيد أو لغيره، فقد بان أنّ الأجل على هذا التقدير جُنّة حَصِينة لزيد، من حيثُ كان الله تعالى باعتبار ذلك الأجل مانعاً من قتله وإبطال حياتِه، ولا جُنَّة أحصَنُ من ذلك.-198-الأصل: وقال علیه السلام : وقَدْ قَالَ لَهُ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ : نَبَايِعُكَ عَلَى أَنَّا شُرَكَاؤُكَ فِي هَذَا الأَمْر ، فقال: لا وَلَكِنَّكُما شَرِيكَان في القُوَّةِ وَالاسْتِمَانَةِ، وَعَوْنَانِ عَلَى الْعَجْزِ وَالأَوَدِ.الشَّرْحُ : قد ذكرنا هذا فيما تقدّم حيث شرحنا بيعة المسلمين لعليِّ علیه السلام كيف وقعت بعدّ
مَقتل عثمانَ، ولقد أحسنَ فيما قال لهما لمّا سألاء أن يُشرِكَاء في الأمر، فقال: أمّا المُشارَكَة فی الخلافة فكيف يكون ذلك؟ وهل يصحِّ أن يدبّر أمرَ الرعيّة إمامان!وهل يُجْمَع السَّيفان ويحك في عَمْدِوإنما تُشرِكاني في القوة والاستعانة أي إذا قوِيَ أمري وأمرُ الإسلام بي قويتما أنتما أيضاً ، وإذا عجزتُ عن أمر ، أو تأوّد عليَّ أمر - أي أعوَجَّ - كنتما عَوْنين لي ومساعِدَين على إصلاحِه.فإن قلت : فما معنى قوله : «والاستعانة»؟قلتُ : الاستعانة هاهنا الفوزُ والظَّفَرُ ، كانوا يقولون للقامِر يفوز قِدحه : قد جَرَى ابنا عِنان. وهما خَطّان يُخطان في الأرض يُزجر بهما الطير، واستعانَ الإنسانُ، إذا قال وقتَ الظَّفر والغَلَبَة هذه الكلمة .-199-الأصل: أيُّها النَّاسُ اتَّقُوا الله الَّذِي إِنْ قُلْتُمْ سَمِعَ ، وَإِنْ أَضْمَرْتُمْ عَلِمَ ، وَبَادِرُوا المَوْتَ الَّذِي إِنْ هَرَبْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ، وَإِنْ أَقَمْتُمْ أَخَدَكُمْ، وَإِنْ نَسِيتُمُوهُ ذَكَرَكُمْ .الشرح: قد تقدّم منا كلامٌ كثير في ذكر الموت، ورأى الحَسَنُ البصريُّ رجلاً يجود بنفسه ، فقال : إنّ أَمْراً هذا ،آخرُه لجدير أن يُرْهَد في أوّله، وإن أمراً هذا أوّله لجدِيرٌ أن يُخَافُ مِن آخره.ومن كلامِه : فَضَح المؤت الدّنيا.وقال خالد بنُ صَفوان : لو قال قائل : الحَسَنُ أفصَحُ الناس لهذه الكلمة لما كان مخطئاً . وقال لرجل في جنازةٍ: أترى هذا الميّت لو عادَ إلى الدّنيا لكان يَعمَل عملاً صالحاً؟ قال: نعم، قال : فإن لم يكن ذلك فكن أنت ذاك.****-200-الأصل: لا يُزَمِّدَنَّكَ فِي الْمَعْرُوفِ مَنْ لا يَشْكُرُهُ لَكَ، فَقَدْ يَشْكُرُكَ عَلَيْهِ مَنْ لا يَسْتَمْنِعُ بِشَيءٍ مِنْهُ ، وَقَدْ يُدْرَكُ مِنْ شُكْرِ الشَّاكِرِ أَكْثَرَ مِمَّا أَضَاعَ الْكافِرُ، وَالله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
الشرح: قد أخذتُ أنا هذا المعنى فقلتُ من جملةِ قصيدةٍ لي حِكميّة :لا تُسدِيَن إلى ذي اللوم مَكرُمَةً فإِنه سَبَخٌ لا يُنبت الشجَرَافإن زرعت فمحفوظ بمَضْيَعةٍ وأَكْلُ زَرْعِك شكرُ الغَيْر إن كفَرَاوقد سبق منّا كلامٌ طويلٌ في الشكر .ورأى العبّاس بنُ المأمون يوماً بحضرة المعتصم خاتماً في يد إبراهيم بن المهديّ، فاستحسَنه، فقال له : ما فَصُّ هذا الخاتم، ومن أين حصّلته؟ فقال إبراهيم: هذا خَاتمٌ رهنتُه في دولة أبيك، وافتككْتُه في دولةِ أمير المؤمنين، فقال العبّاس: فإن لم تشكر أبي على حَقْنِه دَمَك، فأنت لا تَشْكُر أمير المؤمنين على فَكّه خاتَمكَ.وقال الشاعر :لَعَمْرُك ما المعروفُ في غيرِ أهله*** وفي أهلِه إلّا كبعض الوَدائِعفمستودَعُ ضَاع الذي كان عندَه*** ومستودع ما عندَه غيرُ ضائعوما النّاس في شكرِ الصّنيعة عندهم*** وفي كفرها إلّا كبَعض المزارعفمزرعةٌ طابتْ وأُضعف نَبْتُها*** ومَزرعة أكدت على كلِّ زارعٍ-201-الأصل: كُلُ وِعَاءٍ يَضِيقُ بِمَا جُعِلَ فِيهِ، إِلَّا وَمَاءُ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ يَتَّسِع بِهِ.الشرح: هذا الكلام تَحته سرّ عظيم، ورَمزٌ إلى معنى شريف غامض، ومنه أخَذ مثبِتو النفس الناطِقَة الحجّة على قولهم، ومحصولُ ذلك أن القُوى الجُسمانيّة يُكلها ويُتعِبُها تكرارُ أفاعيلِها عليها ، كقوّة البصر يُتعبِها تكرار إدراك المَرْبيَّات، حتّى ربّما أذهَبَها وأبَطَلها أصلاً، وكذلك قوة السمع يُتعِبها تكرار الأصوات عليها، وكذلك غيرها من القُوَى الجُسْمانيَّة، ولكنّا وجدنا القوّة العاقلة بالعكس من ذلك، فإنّ الإنسان كلّما تكرّرت عليه المعقولات ازدادت قوّته العقليّة سعةً وانبساطاً واستعداداً لإدراك أمور أخرى غير ما أدركته من قبلُ، حتّى كانَ تكرارُ المَعقولات عليها يَشْحذها ويَصْقُلها ، فهي إذَنْ مخالفة في هذا الحكم للقوى الجُسمانية، فلَيست منها ، لأنّها لو كانت منها لكان حكمها حكمَ واحد من أخواتها ، وإذا لم تكن جسمانيّة فهي مجردَّة، وهي التي نسميها بالنفس الناطقة.
الأصل: أوّلُ عِوَضِ الحَلِيمِ مِنْ حِلْمِهِ، أَنَّ النَّاسَ أَنْصَارُهُ عَلَى الْجَاهِلِ.الشرح: قد تقدّم من أقوالنا في الحلم ما في بعضِه كفاية.وفي الحِكَم القديمة : لا تَشِنْ حُسْنَ الظَّفَر بقبح الانتقام.وكان يقال : اعفُ عمّن أبطأ عن الذنب، وأسرع إلى النّدم.وكان يقال : شاور الأناة والتثُّبت، وذاكر الحفيظةَ عند هيجانها ما في عواقب العُقُوبة من النّدم، وخاصِمُها بما يؤدّي إليه الحلم من الاغتباط .وكان يقال : ينبغي للحازم أن يقدَّم على عذابه وصفحِه تعريف المُذنب بما جناه، وإلّا نُسِب حلمُه إلى الغَفْلة وكلال حدّ الفِطْنة. وقالت الأنصار للنّبيّ صلی الله علیه وآله وسلم يومَ فتح مكّة : إنَّهم فعلوا بك ثمّ فعلوا، يُغْرُونه بقريش، فقال : «إنما سُمِّيت محمداً لأَحْمَد».الأصل: إِنْ لَمْ تَكُنْ حَلِيماً فَتَحَلَّمْ، فَإِنَّهُ قَلَّ مَنْ تَشَبِّهَ بِقَوْمٍ إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ .الشرح: التحلُّم : تكلف الحِلْم ، والَّذي قاله علیه السلام صحيح في مَناهِج الحكمة، وذلك لأنّ من لي تشبَّه بقوم وتكلف التخلّق بأخلاقِهم ، والتأدّبَ بآدابهم، واستمرّ على ذلك ومَرَن عليه الزمان الطويل، اكتسب رياضةً قوية، وملكة تامة، وصار ذلك التكلّف كالطَّبْع له، وانتقل عن الخُلُق الأول، ألا ترى أن الأعرابي الجلف الجافي إذا دَخَل المُدن والقُرَى وخَالط أهلها وطال مُكْتُه فيهم انتقل عن خُلُق الأعراب الذي نشأ عليه، وتلطف طبعه، وصار شبيهاً بساكِني المُدن، وكالأجنبيّ عن ساكني الوَبَر ، وهذا قد وجدناه في حيوانات أخرى غير البشر كالبازي والصّقر والفَهْد التي تُرَاضُ حتى تَذِلُّ وتأنَس وتترك طبعها القديم، بل قد شاهدناه في الأسد، وهو أبعد الحيوان من الإنس.وذَكَر ابن الصابي أنّ عَضُد الدُّولة بن بُوَيه كانت له أسُود يصطاد بها كالفُهود فتُمسِكه عليه حتّى يُدركه فيذكِّيه، وهذا من العجائب الطريفة .
الأصل: مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ رَبِحَ، وَمَنْ غَفَلَ عَنْهَا خَسِرَ، وَمَنْ خَافَ أَمِنَ، وَمَنِ اعْتَبَرَ أَبْصَرَ، وَمَنْ أَبْصَرَ ،فَهِمْ، وَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ .الشرح قد جاء في الحديث المرفوع:« حاسبوا أنفسكم قبلَ أن تحاسَبوا»(1.)قوله : «ومن خاف أمن» أي من اتّقى الله أمِنَ مِنْ عذابه يوم القيامة.ثم قال:« ومن اعتبر أبصر» أي من قاس الأمور بعضها ببعض، واتّعظ بآيات الله وأيامه أضاءت بصيرته، ومن أضاءت بصيرته فهم، ومن فهم علم .فإن قلتَ : الفهم هو العلم، فأيّ حاجةٍ له إلى أن يقول: «ومن فهم علم»؟قلت :الفهم هاهنا هو معرفة المقدّمات، ولا بد أن يستعقب معرفة المقدمات معرفة النتيجة، فمعرفة النتيجة هو العلم، فكأنّه قال : من اعتبر تنوّر قلبه بنور الله تعالى ومَنْ تنوّر قلبه عَقَل المقدّمات البرهانية، ومن عَقَل المقدمات البرهانية علم النتيجة الواجبة عنها، وتلك الثمرة الشريفة التي في مثلها يتنافس المتنافسون.- 205 -الأصل: لتَعْطِفَنَّ الدُّنْيَا عَلَيْنَا بَعْدَ شِمَاسِهَا عَطْفَ الضَّرُوسِ عَلَى وَلَدِهَا . وَتَلا عَقِيبَ ذَلِكَ : (وَنُرِيدُ أَن نَمَّنَ عَلَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَلَعْمَلَهُمْ أَيتَهُ وَنَجْعَلَهُمُ الوَرينَ (2).)الشرح :الشّماس : مصدر شَمس الفرسُ إذا منع من ظهره.والضّروس : الناقة السّيئة الخلقُ تعضُ حالبَها، والإماميّة تزعم أن ذلك وعدٌ منه بالإمام الغائب الذي يملك الأرض في آخر الزمان وأصحابنا يقولون : إنه وعدٌ بإمام يملك الأرض
ويستولي على الممالك، ولا يلزم من ذلك أنه لا بُدَّ أن يكون موجوداً، وإن كان غائباً إلى أن يظهر ، بل يكفي في صحّة هذا الكلام أن يُخلق في آخر الوقت .وبعض أصحابنا يقول : إنّه إشارة إلى مُلك السفّاح والمنصور وابني المنصور بعده. فإنهم الذين أزالوا ملكَ بني أميّة، وهم بنو هاشم، وبطريقهم عطفت الدنيا على بني عبد المطّلب عطف الضروس .وتقول الزيديّة: إنه لا بدّ من أن يملك الأرض فاطميّ يتلوه جماعة من الفاطميِّين على مذهب زيد وإن لم يكن أحد منهم الآن موجوداً .-206-الأصل: اتَّقُوا الله تُقَاةَ مَنْ شَمَّرَ تَجْرِيداً ، وَجَدٌ تَشْمِيراً ، وأَكْمَسَ فِي مَهَلٍ وَبَادَرَ عَنْ وَجَلٍ، وَنَظرَ فِي كَرَّةِ المَوْيْلِ، وَعَاقِبَةِ المَصْدَرِ، وَمَغَيَّةِ المَرْجِعِ .الشرح: لو قال : «وجرّد تشميراً»، لكان قد أتى بنوع مشهور من أنواع البديع، لكنه لم يحفِل بذلك، وجرى على مقتضى طبعه من البلاغة الخالية من التكلّف والتصنّع، على أن ذلك قد روي، والمشهور الرواية الأولى.وأكمش :جدّ وأسرع، ورجل كميش، أي جادّ.وفي مَهَل : أي في مهلة العمل قبل أن يضيق عليه وقته بدنوّ الأجل.****-207-الأصل: الجُودُ حَارِسُ الأَعْرَاضِ، وَالحِلْمُ فِدَامُ السَّفِيهِ، وَالْعَفْوُ زَكَاةَ الظُّفَرِ، وَالسُّلُو عِوَضُكَ مِمَّنْ غَدَرَ ، وَالاسْتِشَارَةُ عَيْنُ الهِدَايَةِ.وَقَدْ خَاطَرَ مَنِ اسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ، وَالصَّبْرُ يُنَاضِلُ الحِدْثَانَ، وَالْجَزَعُ مِنْ أَعْوَانِ الزَّمَانِ، وَأَشْرَفُ الْغِنَى تَرْكَ المُنى .وَكَمْ مِنْ عَقْلِ أَسِيرٍ عِنْدَ هَوًى أَمِيرًا وَمِنَ التَّوْفِيقِ حِفْظُ التَّجْرِبَةِ، وَالمَوَدَّةُ قَرَابَةٌ مُسْتَفَادَةٌ، وَلا تَأْمَنَنَّ مَلُولاً .
الشرح: مثل قوله : «الجود حارس الأعراض» قولهم : كلّ عيب فالكَرَم يغطيِّه .والفِدَام : خِرْقة تجعل على فَمِ الإبريق، فشبّه الحلم بها ، فإنّه يردّ السفيه عن السَّفَه كما يردّ الفدامُ الخمرَ عن خروج القَذَى منها إلى الكأس.فأما «والعَفْو زَكاة الظَّفَر» فقد تقدّم أنّ لكلّ شيء زكاة، وزكاة الجاه رِفْدُ الْمُسْتَعِين، وزكاة الظَّفَر العَفْو .وأمّا «السُّلُو عوضك ممّن غدر» فمَعْناه أنّ من غدَر بك من أحبائك وأصدقائك فأسلُ عنه وتناسَه ، واذكرُ ما عَامَلَك به من الغَدْر، فإنّك تسلو عنه ويكون ما أستفدتَه من السلوّ عوضاً وصاله الأوّل، قال الشاعر :اعتقَني سوء ما صنعتَ من الرّق فيا بَرْدَهَا على كَبِديفصرتُ عبداً للسّوء فيك وما أحسنَ سوءٌ قَبْلِي إلى أحدِوقد سبقَ القولُ في الاستشارة، وأنّ المستغنَى برأيه مخاطِر، وكذلك القولُ في الصّبر . والمناضَلة : المراماة.وكذلك القولُ في الجزع، وأنّ الإنسان إذا جَزع عند المصيبة فقد أعان الزمانَ على نفسِه ،وأضاف إلى نفسه مصيبةً أخرى. وسبق أيضاً القولُ في المُنى، وأنّها من بضائع النَّوْكَى.وكذلك القولُ في الهوى، وأنه يَغلب الرأي ويأسره.وكذلك القولُ في التّجربة، وقولُهم : من حارب المجرِب حلّت به النّدامة، وإنّ من أضاع التجربة فقد أضاع عقله ورأيَه .وقد سبق القولُ في المودَّة، وذكرنا قولَهم : الصّديق نسيبُ الرُّوح، والأخ نسيبُ الجسم، وسبق القولُ في المَلال.وقال العبّاس بن الأحنف:لو كنتِ عاتبةً لسكَّن عبرَتي أمَلِي رضاك وزرتُ غيرَ مُراقَبِلكن مللت فلم يكن لي حيلةٌ صَدُّ المَلُول خلاف صَد العاتبِ****- 208 -الأصل: عُجْبُ المَرْءِ بِنَفْسِهِ أَحَدٌ حُمَّادِ عقْلِهِ .
الشرح: قد تقدّم القول في العُجب ومعنى هذه الكلمة أنّ الحاسد لا يزال مجتهداً في إظهار معايب المحسود وإخفاء محاسنه ، فلمّا كان عُجب الإنسان بنفسه كاشفاً من نقص عقله كان كالحاسد الذي دأبُه إظهارُ عيب المحسود ونقصه.وكان يقال : مَنْ رضيَ عن نفسه كثر الساخط عليه .وقال مطرِّف بن الشَّخِير : لَأن أبيت نائماً، وأصبح نادماً، أحبُّ إليّ من أن أبيت قائماً وأصبح نادِماً .- 209 -الأصل: أَغْضِ عَلَى القَذَى وَالألَمِ تَرْضَ أَبَداً .الشرح: نظير هذا قول الشاعر :وَمَنْ لَمْ يُغَمِّضْ عَيْنَهُ عن صديقِهِ وَعَنْ بَعْضِ ما فيه يمث وهو عاتبُومَن يتتبع جاهداً كلّ عشرة يجدها ولا يسلم له الدهرَ صاحبوقال الشاعر :إذا أنتَ لم تشرب مراراً على القَذَى ظَمِنتَ، وأيّ النَّاس تصفُو مشاربه!وكان يقال : أَغْضِ عن الدّهر وإلّا صرعك .وكان يقال : لا تحارب الأيام وإن جنحت دون مطلوبك منها، واصحبها بسلاسة القياد، فإنّك إن تصحبها بذلك تعطك بعد المنع، وتلِن لك بعد القساوة، وإن أبيَت عليها قادتك إلى مكروه صُروفها .*-210-الأصل: مَنْ لان عُودُهُ كَنُفَتْ أَغْصَانُهُ.
الشرح : تكادُ هذه الكلمة أن تكون إيماء إلى قوله تعالى: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ ربه(1)، ومعنى هذه الكلمة أنّ مَنْ حَسُن خُلقه، ولانت كلمته كثر محبُّوه وأعوانه وأتباعه .)ونحوه قوله : «مَنْ لانت كلمته، وجبتَ محّبته»(2.)وقال تعالى: (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حولك (3)، وأصل هذه الكلمة مطابِقٌ للقواعد الحكميّة، أعني الشجرة ذات الأغصان حقيقة، وذلك لأنّ النبات كالحيوان في القوى النفسانيّة، أعني الغاذيّة ،والمنقيّة، وما يخدم الغاذيّة من القوَى الأربع، وهي الجاذبة، والماسكة، والدافعة، والهاضمة، فإذا كان اليَبس غالباً على شجَرة كانت أغصانُها أخفَّ، وكان عودها أدقّ، وإذا كانت الرُّطوبة غالبةً كانت أغصانها أكثر، وعودها أغلظ، وذلك لاقتضاء اليَبَس الذبول ، واقتضاء الرطوبة الغلظ والعبالة والضخامة، ألا ترى أنّ الإنسان الّذي غلب اليَبَسُ على مزاجه، لا يزال مَهْلُوساً نحيفاً، والذي غلبت الرطوبة عليه لا يزال ضخماً عَبْلاً .)-211-الأصل: الخِلافُ يَهْدِمُ الرَّأْي.الشرح: هذا مثل قوله علیه السلام في موضع آخر: «لا رأي لمن لا يُطاع».ويُروى: لا إمرة لمن لا يطاع .وفي أخبار قصير وجَذِيمة: «لو كان يطاع لقصيرٍ أمر !» .وكان يقال : اللّجاج يَشحَذ الزِّجاج، ويثير العَجاج.وقال دُريد بن الصِّمة :أمرتُهُمُ أمري بمنعرج اللوَى*** فَلَمْ يَسْتَبينوا النُّصْحَ إِلَّا ضُحَى الْغَدِفَلَمَّا عصوْنِي كنتُ منهم وقد أرَى*** غَوايتهم وأنني غير مهتديوكان يقال : أهدى رأي الرّجل ما نفذ حكمُه، فإذا خولف فسد .
ومن كلام أفلاطون: اللَّجاج عسر انطباع المعقولات في النّفس، وذلك إما لفرْطِ حِدّة تكون في الإنسان، وإما لغلظ طبع فلا ينقاد للرأي.- 212 -الأصل: مَنْ نَالَ أَسْتَطَالَ .الشرح: يجوز أن يريد به: مَنْ أَثْرَى ونال من الدنيا حظَّا استطال على النّاس.ويجوز أن يريد به: مَنْ جاد استطال بجوده.يقال : نالني فلان بكذا أي جادَ به عليّ، ورجل نالٌ أي جوادٌ ذو نائل، ومثله رجل طان أي ذو طين، ورجل مالٌ أي ذو مال.- 213 -الأصل: في تقلب الأحوال، عِلْمُ جَوَاهِرِ الرِّجَالِ.الشرح: معناه : لا تُعلَم أخلاق الإنسان إلا بالتجربة، واختلاف الأحوال عليه. وقديماً قيل تَرى الفتيان كالنَّخْلِ، وما يدريك ما الدَّخْلُ .وقال الشاعر:لا تحمدنَ امراً حتّى تجربه ***ولا تذمّنّه إلّا بتجريبِوقالوا : التجربة محكّ، وقالوا : مثل الإنسان مثلُ البطّيخة ظاهرها مونق، وقد يكون في باطنها العيب والدود، وقد يكون طعمها حامضاً وتفِهاً .وقالوا للرجل المجرّب يمدحونه : قد آل وائل عليه .وقال الشاعر يمدح :ما زال يحلُبُ هذا الدَّهْرَ أسْطُرَهُ ***يكون متَّبعاً طوراً ومتّبَعاحتب استمرّت على شَزْرٍ مَرِيرته ***مستحكَم الرأي لا قَحْماً ولا ضَرَعا
- 214 -الأصل: حَسَدُ الصَّدِيقِ مِنْ سُقْمِ المَوَدَّةِ.الشرح: إذا حسدك صديقُك على نعمة أعطيتَها لم تكن صداقته صحيحة، فإنّ الصديق حقاً من يَجري مَجرَى نفسك، والإنسان لم يحسد نفسه .وقيل لحكيم : ما الصديق ؟ فقال : إنسان هو أنت، إلا أنه غيرُك.وأخذ هذا المعنى أبو الطّيب فقال :مَا الخِلُّ إِلَّا مَنْ أَوَدُّ بقَلْبِهِ وأرى بطرف لا يرى بوائِهومن أدعية الحكماء: اللّهمّ اكفني بوائق الثقات، واحفظني من كيد الأصدقاء. وقال الشاعر:احذر عدوَّکَ مرَّةً واحْذَرْ صديقك ألفَ مرّةفلربمّا انقلب الصدي*** مقُ فَكَانَ أعرف بالمضرّةوقال آخر :احذر مودّة ماذق*** شاب المرارة بالحلاوةيحصی الذّنوب عليك أیّ*** -امَ الصداقةِ للعداوةوذكر خالد بن صفوان شبيبَ بن شيبة فقال : ذاك رجل ليس له صديق في السرّ ولا عدوِّ في العلانية.وقال الشاعر :إذا كان دَوّاماً أخوك مصارماً موجهةً في كلّ أوبٍ رَكاتبةفخلَّ له ظهرَ الطريقِ ولا تكن مطيَّة رَحال كثير مذاهبُة****-215-الأصل: اكْثَرُ مَصارع العُقُول تَحْتَ بُرُوقِ المطامع .
الشرح: قد تقدّم منا قولٌ في هذا المعنى.ومنه قول الشاعر :طَمِعتَ بلَيلَى أن تَريعَ وإنما تُقطع أعناق الرّجال المطامِعُوقال آخر :إذا حدّثَتك النفسُ أنّك قادرٌ على ما حَوت أيدي الرِجال فكذَّبِوإيّاك والأطماع إن وُعُودَها رَقارِقُ آل أو بَوَارِقُ حُلب-216-الأصل: لَيْسَ مِنَ الْعَدْلِ الْقَضَاءُ عَلَى الثَّقَةِ بِالظَّنِّ.الشرح: هذا مِثلُ قولِ أصحاب أصُول الفقه : لا يجوز نَسْخ القرآن والسنّة المتواتِرة بخبَر الواحد، لأن المَظنون لا يَرفَع المَعلوم.ولفظ الثّقة هاهنا مرادِفٌ للفظ العِلم، فكأنه قال : لا يجوز أن يُزال ما علم بطريق قطعيةٍ لأمر ظنّي .فإن قلت : أليس البراءة الأصليّة معلومة بالعقل، ومع ذلك تُرفَع بالأمارات الظنّية كأخبار الآحاد ؟قلت : ليست البراءةُ الأصليّة معلومةً بالعقل مطلقاً، بل مشروطة بعدم ما يرفعها من طريق علمي أو ظنّي، ألا ترى أنّ أكلَ الفاكهة وشربَ الماء معلوم بالعقل حسنه، ولكن لا مطلقاً، بل بشَرط انتفاء ما يقتضي قبحه، فإنا لو أخبرنا إنسانٌ أنّ هذه الفاكهةَ أو هذا الماء مسموم لقَبُح منّا الإقدامُ على تناولهما وإن كان قول ذلك المخبر الواحد لا يفي العِلم القَطْعِي.*-217-الأصل: بِئْسَ الزَّادُ إِلَى المَعَادِ، العُدْوَانُ عَلَى الْعِبادِ.
الشرح: قد تقدَّم من قَولِنا في الظّلم والعُدوان ما فيه كفاية .وكان يقال : عَجَباً لمن عُومِل فأُنْصِف، إذا عامَلَ كيف يَظلِم ! وأعجب منه : من عُومل فظلِم إذا عامَل كيف يَظلِم !وكان يقال : العدوّ عدوّان : عَدوّ ظلمتَه، وعدوٌّ ظَلَمَك، فإن اضطرّكَ الدهرُ إلى أحدهما فاستَعن بالذي ظلمك، فإن الآخر مَوْتُور .-218-الأصل: مِنْ أَشْرَفِ أَفْعَالِ الْكَرِيمِ غَفْلَتُهُ عَمَّا يَعْلَمُ.الشرح: كان يقال : التغافُل من السُؤدُد.وقال أبو تمّام:ليس الغَبِيُّ بِيُّ بسَيْد في قوِمِه*** لكنّ سيِّد قومِه المُتَغابيوقال طاهرُ بنُ الحسين بن مصعَب :ويكفيك من قوم شواهدُ أمِرهم فخذ صفوهم قبل امتحان الضَّمائِرفإن امتحانَ القومِ يُوحش منهمُ وما لَكَ إلّا ما تَرَى في الظَّواهِرِوإنّك إن كشّفتَ لم تر مُخلِصاً ***وأبدَى لك التجريبُ خبثَ السَّرائروكان يقال : بعضُ التغافل فضيلة، وتمام الجود الإمساك عن ذكر المواهب، ومن الكرّم أن تَصفَح عن التّوبيخ ، وأن تلتمس ستْر هَتْك الكريم.-219-الأصل: مَنْ كَسَاهُ الْحَيَاءُ ثَوْبَهُ ، لَمْ يَرَ النَّاسُ عَيْبَهُ .الشرح: قد سبق منّا قولٌ كثيرٌ في الحياء .
### فصل: بعض ما قيل في الحياءوكان يقال : الحياء تمام الكَرم، والحِلم تمام العقل .وقال بعضُ الحكماء : الحياء انقباض النّفس عن القبائح، وهو من خصائص الإنسان؛ لأنّه لا يوجد في الفرَس ولا في الغنم والبقر، ونحو ذلك من أنواع الحيوانات، فهو كالضّحك الّذي يختصّ به نوع الإنسان، وأوّل ما يظهر من قوة الفهم في الصبيان الحياء، وقد جَعَله الله تعالى في الإنسان ليرتدع به عمّا تَنزع إليه نفسُه من القبيح، فلا يكون كالبَهمية، وهو خُلُقٌ مركب من جُبْن وعفة، ولذلك لا يكون المستحي فاسقاً، ولا الفاسقُ مستحياً، لتنافي اجتماع العفّة والفِسق، وقلما يكون الشجاع مستحيًّا والمستحي شجاعاً لتنافي اجتماع الجبن والشجاعة، ولعِزَّة وجودِ ذلك ما يجمع الشعراء بين المدح بالشّجاعة والمدح بالحياء نحو قول القائليجري الحياءُ الغَضُّ من قَسَماتِهِمْ ***في حين يجري من أكفهم الدَّمُوقال آخر :كريمٌ يَغُضُّ الطَّرف فَضلُ حياته ***ويَدْنُو وأطراف الرماح دَوانِومتى قصد به الانقباض فهو مدحٌ للصبيان دون المشايخ، ومتى قُصِد به ترك القبيح فهو مَدح لكل أحد، وبالاعتبار الأوّل قيل : الحياء بالأفاضل قبيح، وبالاعتبار الثاني وَرَد : إن الله ليستحيي من ذي شَيْبة في الإسلام أن يعذِّبه ، أي يُترك تعذيبه ويستقبح لكرمه ذلك .فأمّا الخجل فحيرة تلحق النفس لفَرْط الحياء، ويحمَد في النِّساء والصبيان ويُذَم بالاتفاق في الرّجال. فأمّا القحة فمذمومة بكلّ لسان، إذ هي انسلاخٌ من الإنسانية، وحقيقتُها لجاجُ النفس في تعاطي القبيح، واشتقاقها من حافرَ وَقَاح أي صُلب.ولهذه المناسبة قال الشاعر:يا ليت لي مِن جِلْدِ وجهك رُقْعةً ***فأعدَّ منها حافِراً للأشَهبِوما أصدَقَ قول الشاعر :صلابةُ الوجه لم تغلب على أحدٍ ***إلا تكامل فيه الشرُّ واجتمعافأما كيف يُكتسب الحياء، فمن حقّ الإنسان إذا هَمّ بقبيح أن يتصوّر أجلّ من نفسه أنه يراه، فإنّ الإنسان يَستحيي ممن يَكبُر في نفسِه أن يطّلع على عَيْبه ولذلك لا يستحيي من الحيوان غير الناطق، ولا مِن الأطفال الذين لا يميزون، ويستحيي من العالم أكثر مما يستحيي من الجاهل ومن الجماعة أكثر مما يستحيي من الواحد، والذين يستحيي الإنسان منهم ثلاثة: البشر، ،نفسه والله تعالى أما البشر فهم أكثر من يستحيي منه الإنسان في غالب الناس، ثمّ نفسه، ثمّ خالقه، وذلك لقلّة توفيقه وسوء اختياره.
واعلم أن من استحيَا من الناس ولم يستحي من نفسه فنفسه عنده أخسّ من غيره، ومن استحيا منهما ولم يستحي من الله تعالى فليس عارفاً، لأنه لو كان عارفاً بالله لما استحيا من المخلوق دون الخالق ، ألا تَرَى أن الإنسان لا بد أن يستحيي من الذي يعظمه ويعلم أنه يراه أو يستمع بخبره فيُبكته، ومن لا يعرف الله تعالى كيف يستعظمه ! وكيف يَعلَم أنه يطلع عليه! وفي قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «استحيوا من الله حقَّ الحياء» (1، أمرٌ في ضمن كلامه هذا بمعرفته سبحانه وحثّ عليها وقال سبحانه (ألم يعلم بِأَنَّ اللهَ يَرَى )(2)، تنبيهاً على أن العبد إذا علم أن ربّه : أَلَمْ يراه استحيا من ارتكاب الذنب.)وسُئل الجنيد رحمه الله عمّا يتولّد منه الحياء من الله تعالى فقال : أَنْ يَرَى العبدُ آلاء اللهسبحانه ونعمه عليه، ويرى تقصيره في شكره .فإن قال قائل : فما معنى قول النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم : «مَن لا حياء له فلا إيمان له» (3.)قيل له : لأنّ الحياء أوّل ما يظهر من أمارة العَقْل في الإنسان، وأما الإيمان فهو آخر المراتب، ومُحَال حصول المرتبة الآخرة لمن لم تحصل له المرتبة الأولى، فالواجب إذن أن مَنْ لا حياء له فلا إيمان له .وقال علیه السلام: «الحياء شعبة من الإيمان »(4.)وقال : «الإيمان عُرْيان، ولباسه التقوى، وزينته الحياء» (5.)****-220-الأصل: بِكَثْرَةِ الصَّمْتِ تَكُونُ الهيبةُ ، وبالنَّصَفَةِ يَكْثُرُ المُوَاصِلُونَ، وبالإفضالِ تَعْظُمُ الأَقْدَارُ، وبالتَّوَاضُعِ تَتِمُ النِّعْمَةُ، وباحتمال المُوَنِ يَجِبُ السُّؤدد، وبالسِّيرَةِ الْعادِلَةِ يُقْهَرُ المُناوئ، وبالحِلْم عَن السَّفِيهِ تَكْثُرُ الأنصارُ عَلَيْهِ .
1) أخرجه الترمذي، كتاب : صفة القيامة، الرقائق (2458) ، وأحمد كتاب: «مسند المكثرين» من الصحابة، باب مسند عبد الله بن مسعود (3662) . والحاكم في «المستدرك» (7915) .
2) سورة العلق، الآية: 14 .
3) أخرجه البخاري كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان (9) ، ومسلم كتاب الإيمان، باب: بيان عدد «شعب الإيمان» (35) والنسائي، كتاب الإيمان وشرائعه :باب: ذكر «شعب الإيمان» (5004) ، وأبو داود كتاب السنة :باب ود الإرجاء (4676).
4) أخرجه الحكيم الترمذي في «النوادر» (41/1) ، والديلمي في «مسند الفردوس» (380) .
5) أخرجه الحكيم الترمذي في «النوادر » (207/2) ، والديلمي في «مسند الفردوس)»(380) .
الشرح: قال يحيى بن خالد: ما رأيت أحداً قطّ صامتاً إلا هِبته حتّى يتكلّم، فإما أن تزداد تلك الهيئة أو تنقص. ولا رَيْب أن الإنصاف سببُ انعطاف القلوب إلى المنصف، وأن الإفضال والجود يقتضي عِظَم القَدْر ، لأنه إنعام ، والمُنعِم مشكور، والتواضع طريقٌ إلى تمام النعمة، ولا سوددَ إلا باحتمال المون، كما قال أبو تمام :والحمدُ شَهْدٌ لا تَرَى مُشتاره ***يجنيه إلّا من نقيع الحَنْظَلِغُلُ لحَامِلهِ ويَحسَبه الذي ***لم يُوهِ عاتِقَهُ خفيف المحْمَلوالسِّيرة العادلة سببٌ لقهر المِلك الذي يُسيّر بها أعداءه، ومَن حَلُم عن سَفيه وهو قادرٌ على الانتقام منه نَصره الناس كلهم عليه ، واتفقوا كلهم على ذمّ ذلك السفيه وتقبيح فِعْلِه، والاستقِراءُ و اختبارُ العادات تَشهّد بجم ذلك.- 221 -الأصل: الْعَجَبُ لِغَفْلَةِ الحُسَّادِ، عَنْ سَلامَةِ الأَجْسادِ!الشرح: إنما لم يحسد الحاسد على صحّة الجسد لأنه صحيحُ الجسد، فقد شارك في الصحّة، وما يُشارك الإنسانُ غيره فيه لا يَحسده عليه، ولهذا أرباب الحَسد إذا مَرِضوا حسدوا الأصحّاء على الصحة.فإن قلت : فلماذا تَعجَّب أمير المؤمنين علیه السلام ؟قلت : لكلامه علیه السلام وَجه ، وهو أن الحسد لمّا تمكن في أربابه وصار غريزة فيهم، تعجب كيف لا يتعدّى هذا الخُلُق الذميم إلى أن يحسد الإنسان غيره على ما يشاركه فيه، فإن زيداً إذا أبغض عَمْراً بُغضاً شديداً وَدّ أن تزول عنه نعمته إليه، وإن كان ذا نعمة كنعمته، بل ربما كان أقوى وأحسن حالا .ويجوز أن يريد معنى آخر ، وهو تعجبُّه من غَفْلة الحُسّاد، على أن الحسد مؤثّر في سلامة أجسادهم، ومقتضٍ سُقْمَهُم، وهذا أيضاً واضح.
- 222 -الأصل: الطَّامِعُ فِي وِثَاقِ الذُّلّ.الشرح: من أمثال البُختريّ قوله :واليأسُ إحدَى الرّاحتَيْن ولن تَرَى*** تَعِباً كظَنَّ الخائب المکدودِوكان يقال : ما طمِعتُ إلا وذَلّت - يَعُنون النفس .وفي البيت المشهور :تُقطّع أعناقَ الرّجال المَطامِعُوقالوا : عَزَّ من قَنِعِ، وَذَلَّ من طمع.وقد تقدّم القولُ في الطّمع مراراً .- 223 -الأصل: وقال علیه السلام وقد سئل عن الإيمان: الإيمانُ مَعْرِفَةٌ بالقَلْبِ، وَإِقْرَارُ بالنِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالأرْکان.الشرح: قد تقدّم قولُنا في هذه المسألة.وهذا هو مذهبُ أصحابنا المعتِزلة بعيَنه، لأنّ العمل بالأركان عندنا داخلٌ في مسمَّى الإيمان - أعني فعل الواجبات، فمن لم يَعمَل لم يُسم مؤمناً وإن عَرَف بقلبه وأقرَّ بلسانه، وهذا خلاف قول المُرجئة من الأشعريّة ،والإماميّة، والحشويّة.فإن قلت : فما قَولك في النوافل : هل هي داخلةٌ في مسمَّى الإيمان أم لا؟ قلت: في هذا خلافٌ بين أصحابنا، وهو مستقصّى في كتبي الكلاميّة .
الأصل: مَنْ أَصْبَحَ عَلَى الدُّنْيَا حَزِيناً، فَقَدْ أَصْبَحَ لِقَضَاءِ اللَّه سَاخِطَاً .وَمَنْ أَصْبَحَ يَشْكُو مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ، فَإِنَّمَا يَشْكُو رَبَّهُ.وَمَنْ أَتَى غَنِيًّا فَتَوَاضَعَ لَهُ لِغِنَاهُ ذَهَبَ ثُلُنَا دِينِهِ.وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ ، فَهُوَ كَانَ مِمَّنْ يَتَّخِذُ آيات الله هُزُواً .وَمَنْ لَهِجَ قَلْبُهُ بِحبّ الدُّنْيَا النّاط مِنْهَا بِثَلاث : هَمْ لا يُغِيُّهُ، وَحِرْصِ لا يَتْرُكُهُ، وَأَمَلٍ لا يُدْرِكُهُ.الشرح: إذا كان الرّزق بقضاء الله وقَدَره، فمن حَزِن لفوات شيء منه فقد سَخط قضاءَ الله وذلك معصية، لأنّ الرّضا بقضاء الله واجب، وكذلك من شَكا مصيبةٌ حلّت ،به، فإنّما يشكو فاعلَها لا هي لأنها لم تنزل به من تلقاء نفسها، وفاعلها هو الله، ومن اشتكى الله فقد عَصَاه، والتواضُع للأغنياء تعظيماً لغِناهم أو رجاءَ شيءٍ ممَّا في أيديهم فشق .وكان يقال : لا يُحمد النّيه إِلَّا من فقير على غَنِيّ .فأمّا قوله علیه السلام :«ومن قرأ القرآن فماتَ فدخل النار، فهو ممن كان يتخذ آياتِ الله هُزُواً» .فلِقائل أن يقول : قد يكون مؤمناً بالقرآن ليس بمتّخذ له هُزُواً، ويقرؤه ثمّ يدخل النار، لأنّه أتي بكَبيرة أخرى نحوَ القتل والزّنى والفرار من الزَّحف وأمثال ذلك!والجواب أن معنى كلامه علیه السلام هو أن من قرأ القرآن فمات فدَخَل النار لأجل قراءته القرآن فهو ممّن كان يتّخذ آياتِ الله هُزُواً، أي يقرؤه هازئاً به ساخراً منه، مستهيناً بمواعظه وزواجره غیر معتقد أنّه من عندِ الله.فإن قلت : إنما دخل مَن ذكرتَ النار ، لا لأجل قراءته القرآن، بل لهُزئه به، وجحوده إيّاه، وأنت قلت معنى كلامه أنّه من دَخل النار لأجل قراءته القرآن فهو ممّن كان يستهزئ بالقرآن!قلت: بل إنّما دخل النار لأنّه قرأه على صفة الاستهزاء والسُّخرية، ألا ترى أنّ الساجد للصَّنَم يُعَاقَب لسجوده له على جهة العبادة والتعظيم، وإن كان لولا ما يحدثه مضافاً للسّجود من أفعال القلوب لما عُوقب .ويمكن أن يُحمّل كلامُه علیه السلام على تَفسير آخرَ، فيقال: إنّه عَنَى بقوله : إنّه كما كان ممّن
يتّخذ آيات الله هُزُواً : أنّه يعتقد أنّها من عند الله ، ولكنّه لا يعمل بمُوجبها كما يَفعَله الآن كثيرٌ من الناس.قولُه علیه السلام : «التاط بقَلْبه» أي لَصِق ولا يُغِبه، أي لا يَأْخُذُه غِبا، بل يلازمه دائماً، وصَدَق علیه السلام فإنّ حُبّ الدنيا رأسُ كلِّ خطيئة، وحبُّ الدنيا هو المَوجِب للهَمّ والغمّ والحِرص والأمَل والخَوْف على ما أكتَسَبه أن يَنفَد، وللشُّح بما حَوَتْ يدُه، وغير ذلك من الأخلاق الذميمة.- 225 -الأصل: كَفَى بِالْقَنَاعَةِ مُلكاً، وَبِحُسْنِ الخُلُق نَعِيماً .الشرح: قد تقدم القولُ في هذين، وهما القناعة وحُسن الخُلُق.وكان يقال : يستحقّ الإنسانيّة مَن حَسُن خُلقه، ويكاد السّيءُ الخُلُقِ يُعَدّ من السِّباع.وقال بعضُ الحكماء : حدُّ القناعة هو الرّضا بما دون الكفاية، والزّهد: الاقتصار على الزّهيد، أي القليل، وهما مُتقارِبان ،وفي الأغلب إنما الزهد هو رَفض الأمور الدنيويّة مع القُدرة عليها ، وأما القَناعة فهي إلزام النّفس الصبرَ عن المشتهيّات الّتي لا يقدر عليها، وكلّ زُهْد حَصَل عن قناعة فهو تزهد وليس بزُهد، وكذلك قال بعض الصُّوفيّة : القناعة أوّل الزُّهد، تنبيهاً على أنّ الإنسان يحتاج أوّلاً إلى قدغ نفسه وتخصّصه بالقناعة ليَسهُل عليه تَعاطِي الزّهد، والقناعة التي هي الغنى بالحقيقة، لأنّ الناسَ كلّهم فقراء من وجهين: أحدُهما لافتقارِهم إلى الله تعالى كما قال :(أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إلى اللَّهِ وَاللهُ هُوَ الْغَيُّ الْحَمِيدُ (1).)والثاني : لكَثرة حاجاتهم فأغناهم لا محالة أقلهم حاجة، ومن سدّ مَفاقِره بالمُقتنيات فما في أنسدادِها مطمَع ، وهو كَمَن يَرقَع الخَرْق بالخَرْق، ومن يَسُدّها بالاستغناء عنها بقَدْر وُسعه والاقتصار على تَناوُل ضروريّاته فهو الغنيّ المقرَّب من الله سبحانه، كما أشار إليه في قصّة طالوت: (إنَّ الله مُبْتَليكُم بِنهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِي إِلَّا مَنِ اعْتَرَفَ غُرْفَةٌ بِيَدِهِ (2)، قال أصحاب المعاني والباطن : هذا إشارةٌ إلى الدنيا .)
-226-الأصل: وسئل علیه السلام عن قول الله عزّ وجل: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوةً طَيِّبَةٌ (1)، فَقَالَ : فَقَالَ : هِيَ الْقَنَاعَةُ.)الشرح: لا ريبَ أنّ الحياةَ الطّيبة هي حياةُ الغِنَى، وقد بيّنا أن الغِنيَّ هو القَنوع، لأنّه إذا كان الغِنَى عدمُ الحاجة فأغنَى الّناس أقلهم حاجةً إلى الناس، ولذلك كان الله تعالى أغْنَى الأغنياء، لأنّه لا حاجةَ به إلى شيء، وعلى هذا دَل النبيَّ بقوله صلی الله علیه وآله وسلم: «ليس الغِنَى بِكَثرة العَرَض ، إنّما الغِنَى غِنَى النفس» (2.)وقال الشاعر :فَمن أشرِب الياسَ كان الغنيَّ*** ومن أشربَ الحِرْصَ كان الفقيراوقال الشاعر:غِنَى النَّفْسِ ما يَكْفِيك من سَدَّ خَلَّةٍ فإِنْ زَادَ شيئاً عادَ ذاكَ الغِنَى فَقْراوقال بعض الحكماء: المخيَّر بين أن يستغنيَ عن الدنيا وبين أن يستغني بالّدنيا كالمخيَّربین أن يكون مالكاً أو مَمْلوكاً . ولهذا قال علیه السلام: «تَعِس عبدُ الدِّينار والدّرهم، تَعِس فلا انتَعَش، وشيك فلا انتقش»(3.وقيل لحكيم : لم لا تَعْتَم؟ قال: لأني لم أتخذ ما يَغُمُّني فقدُه.وقال الشاعر:فَمن سَرَّه الا يَرَى ما يَسُوءُ فلا يتخذ شيئاً يَخافُ له فَقْدَا
1) سورة النحل، الآية : 97 .
2) أخرجه البخاري كتاب الرقاق، باب الغنى غنى النفس (6446) ، ومسلم، كتاب الزكاة باب : ليس الغنى عن كثرة العرض (1051) ، والترمذي، كتاب الزهد باب ما جاء أن الغنى غنى النفس (2373) وابن ماجه :كتاب الزهد باب القناعة (4137) بلفظ : ولكن الغني بدل قوله :«إنما الغنى».
3) أخرج نحوه البخاري، كتاب الجهاد والسير باب الحراسة في الغزو (2887)، وابن ماجه :کتاب الزهد باب في المكثرين (4136) ، والبيهقي في «السنن الكبرى» (18279)، والطبراني في «الأوسط» (2595).)
وقال أصحابُ هذا الشأن : القَناعة من وجهٍ صَبْر ، ومِنْ وَجْهِ جُود، لأنّ الجُودَ ضَرْبان : جودٌ بما في يدك منتزعاً، وجود عمّا في يد غيرك متورّعاً ، وذلك أشرَفهما، ولا يحصُل الزّهد في الحقيقةِ إلّا لمن يعرف الدّنيا ما هيَ، ويَعرِف عيوبَها وآفاتِها ويُعرف الآخرة وافتقاره إليها، ولا بد في ذلك من العِلم، ألا تَرَى إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُون الحَيَوةَ الدُّنْيَا لَيْتَ لَنَا مثل مَا أُوتِي فَرُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظِّ عَظِيم له وَفَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ و امن وعمل صالحاً وَلَا يُلَقَنهَا إِلَّا الضكبِرُونَ (1).)ولأنّ الزّاهد في الدنيا راغبٌ في الآخرة وهو يِبيعُها بها، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى من المُؤْمِنِينَ ...(2)الآية .)والكّيِّس لا يَبيعُ عَيْناً بأثر، إلّا إذا عَرَفَهما وعرف فضل ما يَبتاعُ على ما يَبيع.-227-الأصل: شَارِكُوا الَّذِينَ قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقُ، فَإِنَّهُ أَخْلَقُ لِلْغَنَى ، وَأَجْدَرُ بِإِقْبَالِ الحظ.الشرح: قد تقدّم القول في الحظ والبختِ.وكان يقالُ : الحظّ يُعدِي كما يُعدِي الْجَرَب، وهذا يُطابق كلمة أمير المؤمنين علیه السلام لأنّ مخالطة المجدود ليست كمخَالطة غير المجدود، فإن الأولى تقتضي الاشتراك في الحظ والسعادة، والثانية تقتضي الاشتراك في الشقاء والحرمان.والقول في الحظ وسيعٌ جداً.وقال بعضهم : البَخْت على صورة رجلٍ أعمى أصمّ أخرس، وبين يديه جواهرُ وحِجارة، وهو يَرمي بكلتا يَدَيه .وكان مالكُ بن أنس فقيةَ المدينة، وأخذ الفقه عن اللَّيث بن سعد، وكانوا يزدحمون عليه واللَّيْتُ جالس لا يلتفتون إليه، فقيل لليّث : إنّ مالِكاً إنما أخذ عنك فما لَكَ خاملاً وهو أنبَه الناسِ ذِكْراً ! فقال : دانِقُ بَخْتِ خيرٌ من جملٍ بُخْتِي حُمِّل عِلماً .وقال الرّضيّ :
أسِیغ الغيظ من نُوَب اللَّيالي*** وما يَحفِلن بالجنِق المَغيظِوأرجو الرِّزق من خَرْق دَقيقٍ يُسَدُّ بسلك حرمانٍ غَليظوارجِع ليس في كَفَّي منه سِوَى عَضُ اليدين على الحظوظالأصل: وقالَ علیه السلام في قوْلِهِ عَزَّ وجَل : (وإِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ (1): الْعَدْلُ الإنصاف، والإحْسانُ التَّفضُلُ.)الشرح: هذا تفسيرٌ صحيح اتّفق عليه المفسرون كافّة ، وإنما دخل النّذب تحت الأمر لأنّ له صفةً زائدة على حُسنه، وليس كالمُباح الذي لا صِفَة له زائدة على حُسنه .وقال الزّمخشريّ : العَدْل هو الواجب؛ لأنّ الله عزّ وجلّ عَدَل فيه على عباده، فجعل ما فَرَضَه عليهم منه واقعاً تحت طاقتِهم، والإحسان النَّذب، وإنما علق أمره بهما جميعاً؛ لأنّ الفَرْض لا بدّ أن يقع فيه تفريط، فيَجبُره النّدب، ولذلك قال رسولُ الله صلی الله علیه وآله وسلم الإنسان علّمه الفرائض فقال : والله لا زدتُ فيها ولا نقضتُ منها : «أفلح إنْ صَدَق» ((2، فعقدَ الفلاح بشَرط الصِّدق والسلامة من التّفريط ، وقال صلی الله علیه وآله وسلم: «استقيموا ، ولن تحصوا »(3)، فليس ينبغي أن يترك ما يَجبر كَسْر التفريط من النوافل .)ولقائل أن يقول : إن كان إنما سمى الواجب عَدْلاً لأنه داخلٌ تحت طاقة المكلّف فليسمّ النّدب عَدْلاً لأنه داخلٌ تحت طاقة المكلف، وأما قوله : إنما أمر بالنّدب لأنه يجبر ما وَقَع فيه التفريط من الواجب، فلا يصحّ على مذهبه، وهو من أعيان المعتزلة لأنه لو جُبرت النافلة بالتفريط في الواجب لكانت واجبةً مثله، وكيف يقول الزمخشريّ هذا ومن قول مشايخنا إن
1) سورة النحل، الآية: 90 .
2) أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب الزكاة في الإسلام (46) ، ومسلم، كتاب الإيمان :باب بیان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام (11) والنسائي، كتاب الصلاة باب: كم ، فرضت في اليوم والليلة (458) ، وأبو داود :کتاب الصلاة، باب : فرض الصلاة (391).
3) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (447) ، والدارمي، كتاب: الطهارة، باب ما جاء في الطهور لا (655) وابن ماجه ،کتاب الطهارة باب المحافظة على الوضوء (277)، وأحمد في كتاب : مسند الأنصار باب ومن حديث ثوبان (21873).
تارِك صلاة واحدةٍ من الفرائض لو صلى مائة ألف ركعة من النوافل لم يكفِّر ثوابها عقاب تَرك تلك الصلاة !- 229 -الأصل: وقال علیه السلام : مَنْ يُعْطِ ِبالْيَدِ الْقَصِيرَةِ يُعْطَ بِالْيَدِ العَوِيلَةِ.قال الرّضي رَحمهُ الله تعالى : ومَعْنَى ذَلِكَ أنَّ ما يُنْفِقُهُ المَرْءُ مِنْ مالِهِ في سَبِيلِ الخير والبر وإنْ كان يَسِيراً فإنّ الله تعالى يَجْعَلُ الجزَاءَ عَلَيه عظيماً كَثِيراً ، والْيَدَانِها هنا عِبارَةٌ عَنِ النّعْمَتَيْنِ نَفَرَقَ علیه السلام بَيْنِ نِعْمَةِ الْعَبْدِ ونِعْمَةِ الرَّبِّ تَعَالَى ذِكْرُهُ، بِالْقَصِيرَةِ والطَّوِيلَةِ، فَجَعَلَ عليه تِلْكَ قَصِيرَةٌ وهَذِهِ طَوِيلَةٌ ؛ لأنَّ نِعَمَ اللهِ أبَداً تُضَعَفُ على نِعَمِ المَخْلُوقِينَ أضْعَافاً كَثيرَةٌ ، إِذْ كَانتْ نِعَمُ الله أَصْلَ النِّعَمِ كلها ، فكُلُّ نِعْمَةٍ إِلَيْها تَرْجِعُ، ومنها تُنْزَعُ .الشرح: هذا الفَصل قد شرحه الرضيّ رحمه الله، فأغنى عن التعرّض بِشَرْحِه .الأصل: وقال علیه السلام لابِنه الحَسنِ : لا تَدْعُونَ إِلى مُبارَزَةِ، فَإِنْ دُعِيتَ إليها فأجب، فإِنَّ الدَّاعي إليها باغٍ، والْباغِي مَصْرُوعٌ .### نُبَدِّ عن شجاعة علي علیه السلامالشرح: قد ذَكر علیه السلام الحِكمة، ثم ذكر العِلّة، وما سمِعنا أنه علیه السلام دعا إلى مُبارَزة قط، وإنما كان يدَعى هو بعينه، أو يدعو من يبارز، فيَخْرُج إليه فيقتله، دعا بنو ربيعة بن عبد بن شمس بني هاشم إلى البراز يوم بذر ، فخرج علیه السلام فقتل الوليد واشترك هو وحمزة علیه السلام في قتل عتبة، ودعا طَلحَة بن أبي طلحة إلى البراز يوم أحد، فخرج إليه فقتله، ودعا مَرْحَبٌ إلى البراز يوم خيبر فخرج إليه فقتله.فأما الخَرْجة التي خرَجَها يوم الخندق إلى عمرو بن عبد ود فإنّها أجلّ من أن يقال جليلة،
وأعظم من أن يقال عظيمة، وما هي إلا كما قال شيخنا أبو الهذيل وقد سأله سائلٌ : أيّما أعظم منزلة عند الله ، عليِّ أم أبو بكر ؟ فقال : يا بن أخي والله لمبارزة عليَّ عَمْراً يوم الخندق تَعدِل أعمال المهاجرين والأنصار وطاعاتهم كلها وتُربِي عليها فضلاً عن أبي بكر وحده. وقد رُوي عن حذيفة بن اليمان ما يُناسِب هذا، بل ما هو أبلغ منه، رَوَى قيسُ بن الرّبيع عن أبي هارون العبدي، عن ربيعة بن مالك السعدي، قال: أتيتُ حذيفة بن اليمان فقلت: يا أبا عبدِ الله إن الناس يتحدثون عن عليّ بن أبي طالب ومناقبه، فيقول لهم أهل البصيرة: إنكم لتفرطون في تقريظ هذا الرجل، فهل أنت محدّثي بحديث عنه أذكُرُه للناس؟ فقال: يا ربيعة، وما الذي تسألني عن عليّ وما الذي أحدثك عنه والذي نفس حذيفة بيده لو وضع جميعُ أعمال أمة محمد صلی الله علیه وآله وسلم وآله في كفّة الميزان منذ بعث الله تعالى محمداً إلى يوم الناس هذا، ووضع عملٌ واحدٌ من أعمال عليِّ في الكفة الأخرى لرَجَحَ على أعمالهم (1كلّیها .)فقال ربيعة : هذا المدح الذي لا يقام له ولا يُقعد ولا يُحمل، إني لأظنه إسرافاً يا أبا عبد الله ! فقال حذيفة: يا لُكَع، وكَيف لا يُحمل ! وأين كان المسلمون يوم الخندق وقد عبر إليهم عمرو وأصحابه فملكهم الهلع والجزع، ودعا إلى المبارزة فأحجَموا عنه حتى برز إليه علي فقتله والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجراً من أعمال أمة محمد صلی الله علیه وآله وسلم إلی هذا اليوم وإلى أن تقوم القيامة.وجاء في الحديث المرفوع:« إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك اليومَ حينَ برز إليه: «برزالإيمان كلّه إلى الشَّرْك كلِّه »(2.)وقال أبو بكر بن عيّاش : لقد ضَرَبَ علي بن أبي طالب علیه السلام ضربة ما كان في الإسلام أيْمَنَ منها ضَرْبَتُه عَمْراً يوم الخندق، وقد ضُرِب علي ضربة ما كان في الإسلام أشأم منها يعني ضربة ابن مُلْجم لعنه الله.وفي الحديث المرفوع أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لَمّا بَارزَ على عَمْراً ما زال رافعاً يَدَيْه مُقْمِحاً رأسه نحو السماء، داعيا ربه قائلاً : «اللهم إنّك أخذْتَ منّي عُبيدة يومَ بَدْرَ، وحمزةَ يوم أحد، فاحفظ على اليومَ عليًّا ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ »(3).)
وقال جابرُ بنُ عبد الله الأنصاري : والله ما شبّهتُ يومَ الأحزاب، قتلَ عليّ عمراً وتخاذُل المُشركين بعدُه، إلا بما قصه الله تعالى من قصة طالوتَ وجالوت في قوله : (نَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ الله وقَتَلَ دَاوُردُ جَالُونَ (1).)ورَوَى عمرو بن أَزْهر عن عَمْرو بن عُبيد، عن الحسن أن عليَّا علیه السلام لمّا قَتَلَ عمراً اختزّ رأسَه وحَمَله فألقاه بين يدي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، فقام أبو بكر وعُمَر فقبلا رأسَه، ووَجْه رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يتهلّل فقال: «هذا النّصر» أو قال: هذا أوّل النصّر.وفي الحديث المرفوع : أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يومَ قُتِل عمرو: «ذهبت ريحُهم، ولا يغزوننا بعد اليوم، ونحن نَغْزُوهم إن شاء الله .### خبر غزوة الخندقوينبغي أن نذكُر ملخَّص هذه القصَّة من مغازي الواقديّ وابن إسحاق، قالا : خرج عَمرو بن عبد ودّ يومَ الخندق وقد كان شهد بدراً فارتُتْ جريحاً ، ولم يشهد أحداً، فحضر الخندقَ شاهراً سيفه معلماً ، مُدَّلاً بشجاعته وبأسه ، وخرج معه ضِرار بن الخطّاب الفِهريّ وعِكْرمةُ بن أبي جهل وهُبيرة بن أبي وَهْب وتوفّل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميّون، فطافوا بخُيولهم على الخَندق إصعاداً وانحداراً، يَطلُبون موضعاً ضيقاً يعبرونه، حتّى وقفوا على أضيق موضع فيه في المكان المعروف بالمزار، فأكرهوا خيولهم على العُبور فعبرت وصاروا مع المسلمين على أرض واحدة ورسولُ الله صلی الله علیه وآله وسلم جالسٌ وأصحابُه قيام على رأسه، فتقدَّم عمرو بن عبد ودّ فدعا إلى البراز مراراً، فلم يقم إليه أحد، فلما أكثَر، قام عليُّ علیه السلام فقال: أنا أبارزه يا رسول الله، فأمره بالجلوس، وأعاد عمرو النداء والناسُ سُكوت كان على رؤوسهم الطير، فقال عمرو: أيّها الناس، إنّكم تزعمون أنّ قتلاكم في الجنّة وقَتلانا في النار، أفما يحب أحدكم أن يقدم على الجنّة أن يُقدِّم عدوا له إلى النار! فلم يقم إليه أحد، فقام علىُّ علیه السلام دفعةً ثانية وقال : أنا له يا رسول الله، فأمَره بالجلوس، فجال عمرو بفرسَه مُقبِلاً ،ومديراً ، وجاءت عُظماء الأحزاب فوقفت مِن وراء الخندق ومدّت أعناقَها تَنظر فلما رأى عَمرو أن أحداً لا يجيبه ، قال :ولقد يُحِحْتُ من النّدا وبجَمْعِهِمْ: هل مِنْ مُبارِزُ!ووقفتُ مذ جَبن المشیَّ ع موقف القِرْن المُناجِزإنّی کذلک لم أَزَل متسرعاً قبل الهزاهِزإنّ الشجاعة في الفَتَى والجود من خير الغرائز
1) سورة البقرة، الآية : 251 .
فقامَ عليُّ علیه السلام فقال : يا رسول الله آتذَن لي في مُبارَزته، فقال: اذن، فدنا فقلّده سيفَه، وعمَّمه بعِمامته، وقال: امضِ لشأنِك، فلمّا انصرَف قال: «اللَّهم أعِنه عليه» (1، فلمّا قَرُب منه قال له مجيباً إيّاه عن شعره :)لا تَعَجلنَّ فقد أنَا*** كَ مجيب صوتك غير عاجزذو نِيّةٍ وبصیرةيرجو بذاك نَجَاةَ فائزأنّی لأمل أن أقيم عليك نائحةَ الجنائزمِن ضَرْبةٍ فَوْهَاءَ يب** في ذِكرُها عند الهزاهِزُفقال عمرو : من أنت ! وكان عمرو شيخاً كبيراً قد جاوزَ الثّمانين، وكان نديمَ أبي طالب بن عبد المطّلب في الجاهليّة، فانتَسَب عليُّ علیه السلام له وقال : أنا عليُّ بنُ أبي طالب، فقال: أجَل، لقد كان أبوك نديماً لي وصديقاً، فارجع فإنّي لا أحب أن أقَتلك - كان شيخنا أبو الخير مصدق بن شَبيب النحويّ يقول إذا مررنا في القراءة عليه بهذا الموضع: والله ما أمره بالرّجوع إبقاءً عليه بل خوفاً . منه ، فقد عَرَف قَتْلاه ببدر وأحد، وعَلِم أنّه إِنْ نَاهَضَه قتله، فاستَحْيا أَنَّ يُظهر الفَشَل، فأظهر الإبقاء والإرعاء، وإنّه لكاذب فيهما - قالوا : فقال له عليُّ علیه السلام : لكنّي أحِبُّ أن أقتَلك، فقال يا بن أخي، إنّي لأكره أن أقتل الرجلَ الكريم مثلك ، فارجع وراءَك خيرٌ لك، فقال عليَّ علیه السلام : إن قريشاً تتحدّث عنك أنّك قلت: لا يدعوني أحدٌ إلى ثلاث إلا أجبتُ ولو إلى واحدة منها، قال: أجل، فقال عليُّ علیه السلام : فإنّي أدعوك إلى الإسلام، قال: دع عنك هذه، قال: فإنّي أدعوك إلى أن تَرجع بمن تبعك من قريش إلى مكّة، قال : إذن تتحدّث نساء قريش عنّي ان غلاماً خَدَعَني ،قال : فإني أدْعُوك إلى البراز، فحمي عمرو وقال : ما كنتُ أظنّ أن أحداً من العرب يَرومُها منّي، ثمّ نزل فعَقَر فرَسَه - وقيل : ضرب وجهه ففرّ - وتجاوَلا ، فثارت لهما غبرة وارَتْهما عن العيون، إلى أن سمع الناسُ التكبيرَ عالياً من تحت الغَيّرة، فعلموا أن عليّاً قَتَله، وانجلت الغبرة عنهما وعلىُّ راكب صدره يحزّ الغَبرة، وفرّ أصحابه ليَعبرُوا الخندق، فظفرت بهم خيلُهم إلَّا نوفل بن عبد الله، فإنه قصر فرسه، فوقع في الخندق، فرماه المسلمون بالحجارة، فقال: يا معاشر الناس، قتلة أكرُم من هذه، فنزل إليه علىُّ علیه السلام فقَتَله، وأدرك الزُّبيرُ هبيرة بن أبي وهب فضَرَبَه فقطع ثفر فرسِه وسقطتْ دِرْعٌ كان حَمَلَها من ورائه ، فأَخَذَها الزبير، وألقى عِكْرمة رمحه وناوش عُمر بن الخطّاب ضرار بن عمرو، فحّمل عليه ضرار حتى إذا وجد عمرُ مسَّ الرّمْح رَفَعه عنه وقال : إنها لَنعِمة مشكورة، فاحفَظها يا بنَ الخطّاب، إنّي كنتُ آليتُ ألا تُمكِنَنِي يَدايَ من قتلِ قرشيّ فأقتله. وانصَرف ضرارٌ راجعاً إلى
1) أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (68/2) .
أصحابه، وقد كان جرى له معه مثل هذه في يوم أحد . وقد ذَكَر هاتَين القصّتين معاً محمدُ بنُ عُمَر الواقديّ في كتاب المَغازي (1.)- 231 -الأصل: خِيَارُ خِصَالِ النِّسَاءِ شِرارُ خِصَالِ الرِّجَالِ : الزَّهْوُ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلُ، فَإِذَا كَانَتِ المَرْأَةُ مَزْهُوَةً لَمْ تُمَكِّنْ مِنْ نَفْسِها ، وَإِذَا كَانَتْ بَخِيلَةٌ حَفِظَتْ مَالَهَا وَمَالَ بَعْلِهَا ، وَإِذَا كَانَتْ جَبَانَةٌ فَرِقَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَعْرِضُ لَهَا .الشرح : أَخَذ هذا المعنى الطُغرائيُّ شاعرُ العَجَم فقال :الجودُ والإقدام في فتيانِهم*** والبخلُ في الَفتَيات والإشفاقُوالطّعنُ في الأحداقِ دأبُ رُماتِهم*** والراميات سهامها الأحداقُوله :قد زادَ طيب أحاديث الكِرام بها*** ما بالكراثم من جُبْن ومن بَخَلِوفي حكمةِ أفلاطون من أقوى الأسباب في محبّة الرجل لامرأته واتّفاق ما بينهما أن يكون صوتها دونَ صوتهِ بالطَّبع، وتميّزها دون تميُّزِه وقلبُها أضعف من قلبهِ، فإذا زاد من هذا عندها شيء على ما عندَ الرجل تنافَرًا على مقداره.وتقول : زُهي الرجلُ علينا فهو مَزْهُو، إذا افتخر، وكذلك نُخِيَ فهو مَنْخُو، من النَّخوة، ولا يجوز زَهَا إِلَّا في لغة ضعيفة. وفَرِقتْ : خافت. والفرق : الخوف.****-232 -الأصل: وَقِيلَ لَهُ عَلَيْهِ السّلامُ : صِف لَنَا العَاقِلَ، فَقَالَ : هُوَ الَّذِي يَضَعُ الشيْء مَوَاضِعَهُ.فَقِيل : قصف لنا الجَاهِلَ، قَالَ : قَدْ قلت.قالَ الرّضي رَحمهُ اللهُ تَعَالَى : يَعْنِي انَّ الْجَاهِلَ هُوَ الَّذِي لا يَضَعُ الشَّيْءَ مَوَاضِعَهُ، فَكَأَنَّ صِفَةٌ لَهُ، إِذْ كَانَ بِخِلافِ وصف العَاقِلِ .
1) اخرجه العلامة المجلسی فی البحار 6/39 .
الشرح: هذا مثلُ الكلام الذي تَنسبُه العربُ إلى الضّبّ. قالوا : احْتَصَمَت الضبع والثعلبُ إلى الضّبّ، فقالت :الضبع : يا أبا الحِسْل إنّي التقطتُ تَمْرة، قال: طيبّاً جنيِت، قالت: وإن هذا أخذها منّي، قال: حظَّ نفسه أحرز، قالت: فإني لطمْتُه، قال: كريمٌ حَمَى حقيقتَه، قالت : فلَطَمني قال : حُرِّ انتَصَر، قالت: اقضِ بينَنا، قال: قد فعلتُ.- 233 -الأصل: واللهِ لَدُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَهْوَنُ فِي عَيْنِي مِنْ عُراقِ خِنْزِيرٍ فِي يَدِ مَجْدُومٍ.الشرح: العراق : جمع عَرْق، وهو العَظم عليه شيءٌ من الَّلحم، وهذا من الجمُوع النادرة، نحو رَحل ورُخال وتؤمم وتُوام، ولا يكون شيء أحقر ولا أبغَضُ إلى الإنسان من عُراق خنزير في يدِ مخدوم، فإنّه لم يَرْضَ بأن يجعله في يد مجذوم - وهو غاية ما يكون من التَّنغير - حتّى جعله عراق خنزير.ولعَمْري لقد صَدَقَ - وما زال صادقاً - ومن تأمّل سِيرتَه في حالتَي خلوه من العمل ووِلايته الخلافة عَرَف صحة هذا القول .- 234 -الأصل: إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا الله رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التَّجَارِ ، وإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَهْبَةٌ فَتِلْكَ عِبَادَةُالعَبِيدِ، وإنْ قَوْماً عَبَدُوا الله شُكْراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الأحْرارِ .*الشرح: هذا مقامٌ جليلٌ تَتقاصر عنه قُوَى أكثر البَشَرِ ، وقد شَرَحْناء فيما تقدم، وقلنا : إنّ العبادة لرجاء الثواب تجارةً ومُعاوضة، وإن العبادة لخوفِ العِقاب لمنزِلَةُ مَن يَستجدي لسلطان قاهر يخاف سطوَته .وهذا معنى قوله : «عبادةُ العبيد»، أي خوف السّوط والعصا، وتلك ليس عبادةٌ نافعة، وهي كمن يَعتذِر إلى إنسان خوفَ أذاه ،ونقمته، لا لأنّ ما يَعتذِر منه قبيح لا ينبغي له فعله، فأمّا العبادة
الله تعالى شكراً لأنعُمه فهي عبادة نافعة ؛ لأنّ العبادة شكرٌ مخصوص، فإذا أوقَعَها على هذا الوجه فقد أوقَعها الموقع الّذي وُضعت عليه.فأما أصحابُنا المتكلِّمون فيقولون : ينبغي أن يَفعَل الإنسان الواجبَ لوجهِ وجوبه ، ويتركَ القبيح لوجه ،قبحه، وربّما قالوا يُفعل الواجب لأنه واجب ويُترك القبيحُ لأنّه قبيح، والكلامُفی هذا الباب مشروحٌ مبسوط في الكُتُب الكلاميّة .- 235 -الأصل: المَرْأَةُ شَرِّ كُلُّهَا ، وَشَرُّ مَا فِيهَا أَنَّهُ لا بُدَّ مِنْهَا .الشرح: حَلَفَ إنسانٌ عند بعض الحكماء أنه ما دخل بابي شَرِّ قطّ، فقال الحكيم: فمِن أينَ دَخَلَتِ امراتك ! .وكان يقال : أسباب فِتنة النساء ثلاثة: عينٌ ناظرة وصورةٌ مستحسَنةُ، وشهوةٌ قادرة، فالحكيم من لا يردِّد النظرة حتّى يَعرفَ حقائق الصورة، ولو أنّ رجلاً رأى امرأة فأعجبته ثمّ طالَبها فامتنعت هل كان إلّا تاركها ! فإن تأبى عقله عليه في مُطالَبتها كتابيِها عليه في مُساعَفَتها قَدَع نفسه عن لذته قَدْع الغَيُور إيَّاه عن حُرمةِ مُسلم.وكان يقال: من أتعب نفسَه في الحلال من النِّساء لم يتق إلى الحرام منهنّ كالطَّليح مُناه أن يسترِيح .- 236 -الأصل: مَنْ أَطَاعَ التَّوَانِيَ ضَيْعَ الحُقُوقَ، وَمَنْ أَطَاعَ الْوَاشِي ضَيْعَ الصَّدِيقَ.الشرح: قد تقدّم الكلام في الثّواني والعَجْز، وتقدّم أيضاً الكلام في الوشاية والسِّعاية.ورُفِع إلى كسرَى أبرَويز أنَّ النصارى الذين يَحضُرون بابَ المَلِك يُعرفون بالتجسّس إلى ملك الروم، فقال : مَن لم يَظهَر له ذنب لم يظهر منّا عُقوبة له .
ورُفع إليه أنّ بعض الناس يُنكر إصغاءَ المِلك إلى أصحاب الأخبار، فوقّع هؤلاء بمنزلةِ مَداخِل الضّياء إلى البيت المُظلم، وليس لقَطع مواد النور مع الحاجة إليه وجهٌ عند العقلاء.قال أبو حيّان: أّمّا الأصل في التدبير فصحيح؛ لأنّ المَلِك محتاج إلى الأخبار، لكن الأخبار تنقسم إلى ثلاثة أوجه :خبرٌ يتّصل بالدَّين، فالواجب عليه أن يُبالِغ ويَحتاط في حِفظه وحِراسته وتحقيقه ونفي القَذَى عن طريقه وساحته .وخبرٌ يتّصل بالدّولة ورسومها، فينبغي أن يتيقّظ في ذلك خوفاً من كيد ينفّذ، وبغي يَسرِي .وخبر يدور بينَ الناس في منصرَفِهم وشأنِهم وحالهم، متى زاحمَتهم فيه اضطَغَنوا عليك، وتمنَّوْا زَوالَ مُلْكِكَ، وأرصدوا العَداوَة لك ، وجَهَرُوا إلى عدوّك وفتحوا له باب الحيلة إليك .وإنّما لحقَ الناسَ من هذا الخبر هذا العارض، لأنّ في منع الملك إيّاهم عن تصرّفاتهم وتتبّعه لهم في حركاتهم، كَرْباً على قلوبهم، ولهيباً في صدورهم ولا بد لهم في الدهر الصالح والزَّمان المعتدل، والخصب المتتابع، والسبيل الآمن، والخير المتّصل من فكاهة وطي- واسترسال وأشَر ويَطَر، وكلّ ذلك من آثار النعمة الدارّة، والقلوب القارّة، فإنْ أعْضَى المَلِك بصرَه على هذا القِسم عاشَ محبوباً، وإن تنكّر لهم فقد استأسَدَهم أعداء والسلام:- 237-الأصل: الْحَجَرُ الْغَصْبُ في الدَّارِ رَهْنٌ عَلَى خَرَابِهَا ..قال الرضي رحمه الله تعالى : وقَدْ رُوِيَ مَا يَنَاسِبَ هَذَا الْكَلامَ عَنِ النَّبِيِّ صلی الله علیه وآله وسلم، وَلا عَجَبَ أَن يَشْتَبِهَ الكَلامَانِ فَإِنَّ مُسْتَقَاهُما مِنْ قَلِيبٍ، وَمَفْرَغَهُمَا مِنْ ذَنُوبٍ .!.الشرح :الذُّنُوب: الدلو المَلأى، ولا يقال لها وهيَ فارغةً ذُنُوب، ومعنى الكلمة أن الدّار المبنيّة بالحجارة المَغصوبة ولو بحَجَر واحد لا بدّ أن يتعجّل خرابها، وكأنّما ذلك الحَجَر رَهن على حصول التخرب أي كما أن الرَّهن لا بدّ أن يُفْتَكَ، كذلك لا بد لما جعل ذلك الحجرُ رَهْناً عليه أن يَحْصُل .وقال ابن بسّام لأبي عليّ بن مُقلة لمّا بَنَى داره بالزّاهر يبغداد من الغَضب وظُلمِ الرعيّة :بجَنبِک دارَان مَهدومَتانِ***ودارُک ثالثةٌ تتُهدَمُ
قَليتَ السلامة للمُنصِفي- ***من دامت فكيفَ لمن يَظلمُ!والدّاران: دارُ أبي الحسن بن الفُرات، ودار محمّد بن داودَ بن الجراح.وقال فيه أيضاً :قلْ لابنِِ مُقلة مهلاً لا تكن عَجِلاً ***فإنما أنتَ في أضغاثِ أحلامتبني بأنقاض دُورٍ الناس مجتهداً ***داراً ستُنقَضُ أيضاً بعد أيّاموكان ما تفرّسه ابن بسام فيه حقَّا ، فإنّ داره نقضت حتى سوّيت بالأرض في أيّام الراضي بالله.- 238-الأصل: يَوْمُ المَظْلُومِ عَلَى الظَّالِمِ، أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ الظَّالِمِ عَلَى المَظْلُومِ.الشرح: قد تقدّم الكلامُ في الظلم مراراً .وكان يقال : اذكر عندَ َالظّلم عدلَ الله تعالى فيكَ، وعند القُدرة قدرةَ الله تعالى عليك.وإنما كان يومُ المظلوم على الظالم أشدَّ من يومه على المظلوم، لأن ذلك اليومَ يومُ الجَزاء الكُليّ، والانتقام الأعظم، وقصارى أمر الظالم في الدنيا أن يَقتُل غيره فيُميته مِيتةً واحدة، ثمّ لا سبيل له بعد إمانته إلى أن يُدخل عليه ألماً آخر، وأمّا يوم الجَزاء فإنه يومٌ لا يموت الظالم فيه فيَستريح، بل عذابه دائمٌ متجدّد، نعوذ بالله من سُخطِه وعِقابه!- 239 -الأصل: اتَّقِ الله بَعْضَ التَّقَى وإنْ قَلَّ، وَاجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهُ سِتْراً وإِنْ رَقَّ .الشرح: يقال في المَثَل : ما لا يُدْرَك كله لا يُتْرَك كلُّه .فالواجب على من عَسُرتْ عليه التقوى بأجمعها أن يتقي الله في البعض، وأن يجعل بينه وبينه سِتْراً وإن كان رَقيقاً .وفي أمثال العامّة : اجعل بينك وبين الله رَوْزنة، والرَّوْزَنة لفظة صحيحةٌ مُعَرَّبة، أي لا تَجعل ما بينَك وبينه مَسدوداً مظلماً بالكليّة.
-240-الأصل: إِذَا ازْدَحَمَ الْجَوَابُ، خَفِي الصَّوَابُ .الشرح هذا نحو أن يورد الإنسانُ إشكالاً في بعض المسائل النَّظريّة بحضرةِ جماعةٍ من أهل النظر، فيتَغالب القومُ ويتسابقون إلى الجواب عنه، كلَّ منهم يورد ما خَطَر له .فلا ريب أنّ الصواب يَخفى حينئذ، وهذه الكلمة في الحقيقة أمر للنّاظر البَحاث أن يتحرّى الإنصاف في بحثه ونظره مع رفيقه، وألا يقصد المراء والمغالَبة والقَهرَ.-241-الأصل: إن الله تعالى في كُلِّ نِعْمَةٍ حَقًّا ، فَمَن ادَّاهُ زَادَهُ مِنْهَا ، وَمَنْ قَصَّرَ فِيهِ خَاطَرَ بِزَوَالِ نِعْمَتِهِ .الشرح : قد تقدّم الكلامُ في هذا المعنى.وجاء في الخبر : مَن أوتي نعمةً فأدَّى حق الله منها بِرَد اللَّهفة، وإجابةِ الدّعوة وكشف المظلمة، كان جديراً بدوامها ومَنْ قَصَّر قصر به.- 242 -الأصل: إذَا كَثُرتِ المُقْدُرَة قَلتِ الشَّهْوَة.الشرح: هذا مِثلُ قولهم : كلُّ مقدورٍ عليه مملول، ومثل قول الشاعر.وكلُّ كثير ِعدوُّ الطَّبيعةومثل قول الآخرواخ كثرتُ عليه حتّى مَلّني ***والشيءُ مملولٌ إذا هو يرخُصُياليته إذْ بَاعَ وُدِّيَ باعَه ***ممن يزيد عليه لا من يَنقُصُ
ولهذا الحُكْم عِلَّة في العِلْم العقليّ، وذلك أنّ النفس عندهم غنيَّة بذاتها، مكتِفيَة بنفسها، غيرُ محتاجة إلى شيء خارج عنها، وإنما عَرضت لها الحاجة والفَقر إلى ما هو خارج عنها لمقارَنَتها الهَيُولَى، وذلك أن أَمْرَ الهيولى بالضّدّ من أمرِ النّفس في الفقر والحاجة، ولمّا كان الإنسانُ مركّباً من النّفس والهيُولىَ عرض له الشوقُ إلى تحصيل العلوم والقنيات لانتفاعه بهما، والتذاذِه ،بحصولهما، فأما العلوم فإنه يحصِّلها في شبيهِ بالخزانة لَه، يَرجع إليها متى شاء، ويستخرج منها ما أراد أعني القُوَى النفسانيّة التي هي محلّ الصّوّر والمعاني على ما هو مذكور في موضعه. وأما القنيات والمحسوسات فإنّه يروم منها مثل ما يَرومُ من تلك، وأن يُودِعها خزانةً محسوسةً خارجةً عن ذاته، لكنّه يَغلَط في ذلك ذاته، لكنّه يُغلَط في ذلك من حيث يستكثر منها ، إلى أن يتنبّه بالحِكمة على ما ينبغي أن يقتنَى منها، وإنّما حَرَص على ما مُنع لأنّ الإنسان إنما يطلب ما ليسَ عندَه لأن تحصيلَ الحاصل مُحال، والطَّلَب إنما يتوجّه إلى المعدوم، لا إلى الموجود، فإذا حصَّله سَكَنَ وعَلِم أنه قد ادّخره، ومتى رَجَع إليه وَحْده إن كان ممّا يَبقَى بالذّات، خَزَنَه وتَشوّق إلى شيءٍ آخَر منه، ولا يزال كذلك إلى أنّ يعلم أنّ الجُزئيات لا نهاية لها وما لا نهاية له، فلا مَطمع في تحصيله، ولا فائدَة في النزوع إليه، ولا وَجه لَطَلبَه سواء كان معلوماً أو محسوساً، فوَجَب أن يقصد من المعلومات إلى الأهم ومن المُقْتَنَيات إلى ضرُورات البدن ومُقيماته . ويَعدِل عن الاستكثار منها، فإنّ حصولها كلّها مع أنّها لا نهاية لها غيرُ ممكن، وكلّما فضل عن الحاجة وقَدر الكفاية فهو مادة الأخزان والهموم، وضُروب المكاره والغَلط في هذا الباب ذلك طمعُ الإنسان في الغِنَى من معدن الفقر، لأن الفقر هو الحاجة، والغنَى هو الاستقلال، إلى أن يحتاج إليه، ولذلك قيل : إن الله تعالى غَنيّ مُطلَقاً، لأنه غيرُ محتاج البتّة، فأما من كثرت قنياته فإنّه يستكثر حاجاته بحَسَب كثرة ،قنياته وعلى قدرها رغّبه إلى الاستكثار بكثرة وجوه فَقره، وقد بيِّن ذلك في شرائع الأنبياء، وأخلاق الحكماء، فأما الشيء الرخيصُ الموجود كثيراً فإنّما يُرغَب عنه، لأنّه معلوم أنه إذا التمسَ وُجد والغالي فإنّما يقدر عليه في الأحيان ويصيبه الواحدُ بعدَ الواحد وكلّ إنسان يتمنى أن يكون ذلك الواحدَ ليصيبَه وليحصُلَ له ما لا يحصل لغيره .-243 -الأصل: احْذَرُوا نِفارَ النّعَمَ ، فَمَا كُلُّ شَارِدٍ بِمَرْدُودٍ .الشرح: هذا أمرٌ بالشُّكْر عَلَى النعمة وترك المعاصي، فإنّ المعاصي تُزيل النَّعَم كما قيل:
إذا كنتَ في نعمةٍ فازعَها*** فإنّ المَعاصي تُزيل النّعَمُوقال بعض السلف : كُفران النّعْمة بوار، وقلّما أقلعت نافرةٌ فرجعت في نصابها ، فاستَدعِ شارِدَها بالشّكر، واستَدِم راهنها بكَرَم الجوار، ولا تحسب انّ سُبوغ ستر الله عليك غير متقلّص عمَّا قليل عنك إذا أنتَ لم تَرْجُ الله وَقاراً .وقال أبو عصمة: شَهِدتُ سُفيانَ وفُضَيْلاً فما سمعتُهما يتذاكران إلّا النعم، يقولان : أنعم الله سبحانَه علينا بكذا، وفَعل بنا كذا .وقال الحسن : إذا استوى يَؤماك فأنتَ ناقص، قيل له : كيف ذاك؟ قال :«إِنْ زَادَكَ الله اليومَ نِعَماً فعليك أن تَزْدَاد غَداً له شُكراً .وكان يقال : الشكر جُنّة من الزوال، وأمَنة من الانتقال.وكان يقال: إذا كانت النعمة وسيمةً فاجعل الشكرَ لها تَميمة.- 244 -الأصل: الكَرَمُ اعْطَفُ مِنَ الرَّحِمِ.الشرح : مِثلُ هذا المعنى قولُ أبي تمام لابن الجَهمِ :إلا يَكُنْ نسبٌ يؤلف بيننا*** أدب أقمناه مقامَ الوَالدِأو يختلف ماء الوصال فماؤنا عَذب تحدر من غمامٍ واحدومن قصيدة لي في بعض أغراضي :ووشائج الأدب عاطفة ال- فُضلاء فوق وشائج النَّسَبِ-245 -الأصل: مَن ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقُ ظَنّه .الشرح: هذا قد تقدّم في وصيته علیه السلام لولَده الحسن.
ومن كلام بعضهم: إنّي لأستحيي أن يأتيني الرجُلُ يحمر وجهه تارةً من الخَجَل، أو يصفّر أخرى من خوف الرّدّ قد ظَنّ بي الخير وبات عليه وغَدًا عليّ أن أردَّه خائباً .- 246 -الأصل: أَفْضَلُ الأَعْمَالِ مَا أَكْرَمْتَ نَفْسَكَ عَلَيْهِ .الشرح: لا رَيْب أنّ الثّواب على قدر المَشّقة، لأنه كالعِوَض عنها ، كما أن العِوَض الحقيقيّ عِوَضٌ عن الألم، ولهذا قال صلی الله علیه وآله وسلم : «أفضل العبادة أحمزُها» (1. أي أشَقَّها .)-247 -الأصل: عَرَفْتُ الله سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ العَزَائِمِ، وَحَلَ العُقُودِ، وَنَقْضِ الْهِمَمِ.الشرح: هذا أحدُ الطُّرُق إلى معرفة البارئ سبحانه، وهو أن يَعزِم الإنسانُ على أمرٍ ، ويصمِّمَ رأيه عليه ، ثمّ لا يَلبَثَ أن يُخطر الله تعالى بباله خاطراً صارِفاً له عن ذلك الفعل، ولم يكن في حِسابه، أي لولا أن في الوجود ذاتاً مدبّرة لهذا العالم لما خَطَرت الخواطرُ الّتي لم تكن محتَسبة، وهذا فصلٌ يتضمّن كلاماً دقيقاً يذكره المتكلّمون في الخاطر الّذي يَخطِر عن غيرِِ مُوجب لخُطُوره، فإنه لا يجوز أن يكون الإنسان أخطَرَه بباله، وإلّا لكان ترجيحاً من غير مرجّح لجانب الوجود على جانب العدم، فلا بدّ أن يكون المخطِر له بالبال شيئاً خارجاً عن ذات الإنسان، وذاك هو الشيء المسمَّى بصانِع العالم.وليس هذا الموضع ممّا يحتمل استقصاء القولِ في هذا المبَحث .ويقال : إنّ عَضُد الدولة وقعت في يده قصّة وهو يَتصفّح القِصص، فأمر بصَلب صاحبها، ثمّ أتبع الخادَم خادماً آخر يقول له : قل للمطهّر - وكان وزيرَه - لا يَصلبُه، ولكن أخرِجه من الحبس فاقطع يدَه اليمنى، ثم أتبَعه خادماً ثالثاً ، فقال : بل تقول له : يقطع أعصابَ رجليه ، ثم
1) ذكره العجلوني في كشف الخفاء (459) وقال : لا يُعرف .
أتبعه خادماً آخَر فقال له : ينقله إلى القَلعة بسيراف في قيوده فيَجعله هناك، فاختلفت دَواعيه في ساعةٍ واحدة أربع مرّات .-248-الأصل: مَرَارَةُ الدُّنْيَا حَلاوَة الآخِرَةِ، وَحَلاوَةُ الدُّنْيَا مَرَارَةُ الآخِرَةِ.الشرح: لمّا كانت الدنيا ضدَّ الآخرة، وجب أن يكون أحكام هذه ضدّ أحكام هذه، كالسّواد يجمَع البَصر والبَياض يفرق البصر، والحَرارة توجب الخفّة، والبُرودة توجب التّقل، فإذا كان في الدّنيا أعمالٌ هي مرة المَذاق على الإنسان قد ورد الشرعُ بإيجابها فتلك الأفعال تَقتضِي وتوجِب لفاعلها ثواباً حُلْوَ المَذاق في الآخرة.وكذاك بالعكس ما كان من المشتَهيَات الدنياويّة الّتي قد نَهَى الشرعُ عنها تُوجب، - وإن كانت حُلوة المذاق - مرارة العقوبة في الآخرة.- 249 -الأصل: فَرَضَ الله الإِيمَانَ تَظهيراً مِنَ الشِّرْكِ، وَالصَّلاةَ تَنْزِيهاً عَنِ الْكِبْرِ، والزَّكَاةَ تَسْبِيباً للرِزْقِ، وَالصِّيام ابتلاء لإلخلاص الخَلْقِ، وَالحَج تَقْوِيَة لِلدِّين، وَالْجِهَادَ هِزاللإسلام، وَالأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ مَصْلَحَةٌ لِلْعَوَامَ، وَالنَّهْيَ عَنِ المُنكَرِ رَدْعاً لِلسُّفَهَاءِ، وَصِلَةَ الرَّحِيم مَنْمَاةٌ لِلْعَدَدِ، وَالْقِصَاصَ حَقْناً لِلدِّمَاءِ، وَإِقَامَةَ الحُدُودِ إِعْظَاماً لِلْمَحَارِمِ، وَتَرْكَ شُرْبِ الْخَمْرِ تَحْصيناً لِلْعَقْل، ومُجَانَبَةَ السَّرقة إيجاباً لِلْعِفْةِ، وَتَرْكَ الزِّنَى تَحْمِيناً لِلنَّسَبِ، وَتَرْكَ اللّواط تكثِيراً لِلنَّسل ، والشَّهَادَاتِ اسْتِظْهَاراً عَلَى المُجَاحَدَاتِ، وَتَرْكَ الكَذِبِ تَشْرِيفاً لِلصِّدْقِ، وَالسَّلامَ أَمَاناً مِنَ المَخَاوِفِ وَالأَمَانَة نِظَاماً للأمةِ، وَالطَّاعَة، تَعْظِيماً للإمَامَةِ.الشرح: هذا الفصِلُ يتضمّن بيان تعليل العبادات إيجاباً وسَلْباً.قال : فَرَضَ الله الإيمان تظهيراً من الشِّرْك، وذلك لأنَّ الشِّرْكَ نَجَاسَة حُكْمِية لا
عينية، وأيّ شيء يكون أنجَس من الجَهْل أو أقبَح ! فالإيمان هو تطهيرُ القَلب من نجاسةِ ذلك الجهل.وفُرِضت الصّلاة تنزيهاً من الكِبر، لأن الإنسان يقوم فيها قائماً، والقيام مُنافٍ للتكبُّر وطاردٌ له، ثم يَرفع يديه بالتّكبير وقتَ الإحرام بالصّلاة فيصير على هيئة من يمدّ عنقَه ليوسِّطه السَّيَّاف، ثم يستكتف كما يفعَله العبيد الأذلاء بين يدَي السادة العظماء، ثمّ يركَع على هيئة من يمدّ عنقَه ليضربها السياف ، ثمَّ يَسجد فيضعَ أشرف أعضائه وهو جَبهته على أدون المواضع، وهو التراب. ثم تتضمّن الصلاة من الخضوع والخشوع والامتناع من الكلام والحركة الموهمة لمن رآها أنَّ صاحبَها خارجٌ عن الصّلاة، وما في غضون الصلاة من الأذكار المتضمّینة الذُّلَّ والتواضع لعظمِة الله تعالى.وفرضت الزّكاة تسبيباً للرزق، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُةٌ (1)، وقال : («مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ له)(2).)وفُرض الصيامُ ابتلاء لإخلاص الخلق، قال النّبيّ صلی الله علیه وآلاه وسلم حاكياً عن الله تعالى: «الصومُ لي وأنا أجزي به »(3، وذلك لأنّ الصوم أمرٌ لا يطّلع عليه أحد، فلا يقوم به على وجهه إلّا المخلِصون.)وفُرِض الحجّ تقوية للدّين، وذلك لما يحصُل للحاجّ في ضمنه من المتاجِر والمكاسب، قال الله تعالى : (لِيَشْهَدُوا مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَةٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَةِ (4). وأيضاً فإنّ المشركين كانوا يقولون : لولا أنّ أصحاب محمّد كثير وأُولُو قوّة لما حجوا ، فإنّ الجيشَ الضعيفَ يعجز عن الحجّ من المكان البعيد .)وفُرِض الجهاد عزًا للإسلام، وذلك ظاهر، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضُهُم بِبَعْضٍ هَدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَتَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَ كَثِيرا (5)، وقال سبحانه :(وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ. عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (6). وفُرِض الأمر بالمعروف مصلحةً للعوامّ، لأنّ الأمر بالعدل والإنصاف وردِّ الودائع، وأداء
1) سورة سبأ، الآية : 39 .
2) سورة الحديد، الآية : 11 .
3) أخرجه البخاري كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: (يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَمَ اللَّهُ) (7492) ومسلم كتاب الصيام ،باب فضل الصيام (1151)، والترمذي، كتاب الصوم :باب ما جاء في فضل الصوم (764) ، والنسائي، كتاب الصيام ،باب فضل الصيام (2211).
4) سورة الحج، الآية : 28 .
5) سورة الحج، الآية : 40 .
6) سورة الأنفال الآية: 60 .
الأمانات إلى أهلها وقضاءِ الديون، والصِّدق في القول، وإيجاز الوعد، وغير ذلك من محاسن الأخلاق مصلحة للبَشَر عظيمة لا محالة .
وفُرِض النهيُ عن المنكر رَدْعاً للسّفهاء، كالنّهي عن الظلم والكَذِب والسَّفَه، وما يجري مَجرَى ذلك . وفُرِضَت صِلَة الرَّحِم مَنْماةٌ للعَدَد، قال النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم :«صلة الرَّحم تزيد في العمر وتُنَمّي العَدَد» (1).
وفُرِض القِصاصُ حَقْناً للدّماء، قال سبحانه: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَتأُولِي الْأَلْبَبِ (2))وفُرِضت إقامة الحدود إعظاماً للمحارم، وذلك لأنه إذا أقيمت الحدودُ امتنع كثيرٌ من الناس عن المعاصي التي تجبُ الحدُودُ فيها، وظهر عظم تلك المعاصي عند العامّة فكانوا إلى تركها أقرب .وحُرِّم شربُ الخمر تحصيناً للعقل، قال قوم لحكيم : (اشرب اللّيلة معنا، فقال: أنا لا أَشرَب ما يَشْرَب عَقْلي، وفي الحديث المرفوع: «إنَّ ملكاً ظالماً خيَّر إنساناً بين أن يُجامِع أمّه أو يَقتل نفساً مؤمِنة، أو يَشرَب الخمر حتِّى يَسكر ، فرأى أنّ الخمر أهوَنُها ، فشَرِب حتّى سَكِر، فلمَّا غَلَبه قام إلى أمّه فوَطئِها، وقام إلى تلك النفس المؤمنة فقَتلها»، ثم قال علیه السلام : « الخمرُ جماعُ الإثم، الخمر أمُّ المعاصي»(3.)وحُرمت السَّرِقة إيجاباً للعفّة، وذلك لأنّ العفّة خُلُقٌ شريف، والطمعُ خُلُق دنيءً، فحرمت السّرقة ليتمرَّن الناسُ على ذلك الخُلقِ الشريف، ويجانبوا ذلك الخُلُقَ الذميم، وأيضاً حُرّمت لما في تحريمها من تحصين أموال الناس.وحرَّم الزنى تحصيناً للنَّسَب، فإنَّه يُفضي إلى اختلاط المياه واشتباءِ الأنساب، وألا يُنسَب أحدٌ بتقدير ألا يشرَع النكاح إلى أب، بل يكون نَسبُ الناس إلى أمَّهاتهم، وفي ذلك قلبُ الحقيقة، وعكسُ الواجب؛ لأنّ الولد مخلوقٌ من ماء الأب، وإنّما الأم وعاء وظَرْف .وحُرّم اللواط تكثيراً للنَّسل، وذلك اللِّواط بتقدير استفاضتِه بين الناس والاستغناء به عن النساء يُفضِي إلى انقطاع النِسل والذِرِّية، وذلك خلاف ما يريد الله تعالى من بقاء هذا النوع الشّريف الَّذي ليس في الأنواع مِثله في الشّرف لمكان النفس الناطقة الّتي هي نسخةً ومِثال للحَضْرة الإلهية، ولذلك سَمت الحكماء الإنسانَ العالَمَ الصغير .
وحُرِّم الاستمناء باليد وإتيان البهائم للمعنى الّذي لأجلِه حُرّم اللَّواط، وهو تقليل النَّسل، ومن مستحسَن الكلمات النبويّة قولُه علیه السلام في الاستمناء باليد: «ذلك الوَأد الخَفيّ» (1لأنّ الجاهليّة كانت تَيْد البناتِ أي تَقتُلُهنَّ خَنْقاً، وقد قدّمنا ذكَر سبب ذلك، فشبَّه علیه السلام إتلاف النطفة الّتي هي ولدٌ بالقوّة بإتلاف الولد بالفعل .)وأوجبت الشهاداتُ على الحقوق استظهاراً على المجاحُدات، قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : «لو أعطِيَ الناسُ بدعاويهم لاسْتَحلَّ قومٌ من قوم دماءَهم وأموالهم»(2، ووَجَب تركُ الكذبِ تشريفاً للصدق، وذلك لأنُّ مصلحة العامة إنما تتمّ وتنتظم بالصِّدق، فإنّ الناس يَبنُون أكثرَ أمورهم في معاملاتهم على الأخبار، فإنّها أعمّ من العِيان والمُشاهَدة، فإذا لم تكن صادقةً وقع الخطأ في التدبيرات، وفسَدتُ أحوالُ الخَلْق .)وشُرع رَدُّ السلام أماناً من المخاوف؛ لأن تفسير قول القائل : «سلامٌ عليكم»، أي لا حَرْبَ بيني وبينكم بل بيني وبينكم السلام، وهو الصلح.وفُرِضت الإمامة نظاماً للأمّة، وذلك لأنّ الخَلق لا يرتفع الهرج والعَسف والظّلم والغَضَب والسّرقة عنهم إلا بوازعٍ قويِّ، وليس يكفِي في امتناعهم قُبح القبيح، ولا وعيدُ الآخرة، بل لا بدّ لهم من سلطان قاهر ينظّم مصالحهم، فيُردَع ظالمهم، ويأخذ على أيدي سُفَهائهم.وفُرِضت الطّاعة تعظيماً للإمامة، وذلك لأن أمرَ الإمامة لا يتم إلّا بطاعة الرّعيّة، وإلّا فلو عَصَت الرعيّة إمامَها لم ينتفعوا بإمامته ورئاستِه عليهم .****-250-الأصل: وكان عیله السلام يقول : أَحْلِفُوا الظَّالِمَ إِذَا أَرَدْتُمْ يَمِينَهُ بِأَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ حَوْلِ الله وَقُوَّتِه، فَإِنَّهُ إِذَا حَلَفَ بِهَا كَاذِباً مُوجِلَ، وَإِذَا حَلَفَ بالله الَّذِي لا إلهَ إِلَّا هُوَ لَمْ يُعَاجَل، لأنَّه قَدْ وَحدَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
1) ذكر القضاعي في مسند الشهاب (56) ، والعجلوني في «كشف الخفاء» (1225)، دون قوله : «الخمر أم المعاصي».
2) أخرج نحوه البخاري كتاب تفسير القرآن باب إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً (4552) ومسلم كتاب القضية باب اليمين على المدعى عليه (1711)، والنسائي، كتاب: آداب القضاة، باب : عظة الحاكم اليمين (5425) ، وابن ماجه ، كتاب الأحكام، باب البيئة على المدعي (2321).
الشرح: رَوَى أبو الفرج عليُّ بن الحسين الأصبَهانيّ في كتاب «مَقاتِل الطالبّيين» أن يحيى بن عبد الله بن الحسَن بن عليَّ بن أبي طالب علیه السلام لمّا أمّنه الرشيدُ بعد خروجه بالدّيلم وصار إليه بالغَ في إكرامه وبَرِّه ، فسَعَى به بعد مدّة عبدُ الله بن مصعب الزبيريّ إلى الرشيد - وكانَ يبغضه - وقال له : إنه قد عاد يدعو إلى نفسه سِرًا، وحَسَنَ له نقضَ ،أمانه فأحضَرَه وجَمَع بينه وبين عبدالله بن مصعب ليناظِرَه فيما قَذَفَه به ورفعه عليه فجَبَهَه ابنُ مصعب بحضرة الرشيد، وادّعى عليه الحركة في الخروج وشقّ العصا، فقال يحيى : يا أمير المؤمنين أتصدّق هذا عليّ وتَستنصِحه، وهو ابنُ عبدِ الله بن الزبير، الذي أدخَل أباك عبدَ الله وولده الشّعب، وأضرَم عليهم النار حتى خلَّصه أبو الجدليّ، صاحب عليِّ بن أبي طالب علیه السلام منه عنوة، وهو الذي ترك الصلاة على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أربعين جُمُعة في خُطبته ، فلمّا التاثَ عليه الناسُ قال : إن له أَهَيلَ سُوء إذا صَلَّيت عليه أو ذكرتُه أتلعوا أعناقَهم واشربوا لذكره، فأكرَه أن أسرَّهم أو أقر أعينهم، وهو الذي كان يَشتُم أباك ويلصق به العيوب حتى ورم كبده، ولقد ذبحث بقرة يوماً لأبيك فوجدت كبدها سَوْداء قد نقبت فقال علي ابنه : أما ترى كبد هذه البقرة يا أبت فقال : يا بني هكذا ترك ابن الزبير كبد أبيك ، ثم نفاه إلى الطائف، فلمّا حضرته الوفاة قال لابنه عليّ : يا بنيّ إذا مِتّ فالحق بقومِك من بني عبد مناف بالشام، ولا تُقِم في بلدٍ لابن الزبير فيه إمرة، فاختار له صحبة يزيد بن معاوية على صحبة عبد الله بن الزبير . ووالله إن عداوة هذا يا أمير المؤمنين لنا جميعاً بمنزلة سواء، ولكنّه قَوِي عليَّ بك، وضعُفَ عنك، فتقرب بي إليك ليظفر منك بي بما يريد، إذا لم يقدر على مثله منك، وما ينبغي لك أن تسوّغه ذلك فيّ، فإن معاوية بن أبي سفيان وهو أبعد نسباً منك إلينا ذكر الحسن بن علي يوماً فَسَبَّه، فساعَدَه عبد الله بن الزبير على ذلك، فزجره وانتهره، فقال : إنما ساعدتك يا أمير المؤمنين، فقال : إن الحَسَن لحمي اكله ولا أُوكِلُه . ومع هذا فهو الخارج معأخي محمّد على أبيك المنصور أبي جعفر والقائل لأخي في قصيدة طويلة أولها :إنّ الحمامة يوم الشّعب من وثن*** هاجت فؤاد مُحِبِّ دائم الْحَزَنِيُحرّض أخي فيها على الوثوب والنهوض إلى الخلافة، ويَمدَحُه ويقول له :لا عَزّ رُكْنَا نزارٍ عند سَطوَتِها*** إن أسلمتك ولا رُكنَا ذَوِي يَمَنِالستَ أكرمهم عُوداً إذا انتسَبوا*** يوماً وأطهرهم ثوباً من الدَّرَنِ!وأعظم الناس عند الناس منزلةً*** وأبعَدَ الناسِ مَن عَيْبٍ ومن وَهَن!قومُوا بِبَيْعَتكم ننهض بطاعتها*** إنّ الخلافة فيكُمْ يا بني حَسَنِإنا لنأمُل أن ترتدّ الفتنا*** بعد التّدَابُر والبغضاء والإِحَنِحتّى يتابَ على الإحسان مُحسِنُنَا ويأمن الخائِف المأخوذ بالدِّمنِوتنقضي دولةٌ أحكامٌ قادتها فينا كأحكام قوم عابدي وثن
فطالما قد بروا بالجور أعظمنا*** بري الصناع قداحَ النَّبْع بالسفنفتغيّر وجهُ الرّشيد عند سماع هذا الشعر وتغيظ على ابن مصعب، فابتدأ ابنُ يَحلف بالله الّذي لا إله إلّا هو وبأيمان البيعة أنّ هذا الشِّعر ليس له، وأنه لسَدِيف، فقال يحيى : والله يا أمير المؤمنين ما قاله غيرُه ، وما حلفتُ كاذباً ولا صادقاً بالله قبل هذا، وإنّ الله عزّ وجلَّ إذا مجده العبد في يمينه فقال : والله الطالب الغالب الرحمن الرحيمُ، استَحْيَا أن يعاقبه، فدَعْني أن أحلفه بيمين ما حَلف بها أحدٌ قطُّ كاذباً إلا عُوجِل، قال فحلّفه، قال قل : بَرِئْتُ من حَوْل الله وقوته، واعتصمتُ بحولي وقوَّتي، وتقلّدت الحول والقُوَّة من دون الله، استكباراً على الله واستعلاء عليه، واستغناء عنه إن كنتُ قلتُ هذا الشعر! فامتنَع عبد اللهِ من الحِلف بذلك، فغَضِب الرشيد، وقال للفضل بن الربيع يا عباسيُّ ما لَه لا يَحلِف إن كان صادقاً ! هذا طَيلَساني عليّ، وهذه ثيابي لو حَلّفني بهذه اليمين أنّها لي لحلفتُ فوَكزَ الفضل عبد الله برجله - وكان له فيه هَوًى - وقال له : احلِف وَيحك !فجعل يحلِف بهذه اليمين ووجههُ متغيِّر، وهو يُرعد، فضَرَب يحيى بين كتفيه ، وقال : يا بن ،مُصعب قطعتَ عُمرَك، لا تُفْلِح بعدها أبداً !قالوا :فما بَرح من موضعه حتى عَرَضَ له أعراضُ الجذام، استدارَتْ عيناه، وتفقأ وجهُه، وقام إلى بيته فتقطّع وتشقّق لحمه وانتثر شَعرُه، ومات بعد ثلاثة أيام، وحضر الفضلُ بن الربيع جَنازَته ، فلمّا جُعل في القبر انخَسَفَ اللّحد به حتى خرجت منه غَبرة شديدة، وجَعل الفضلُ يقول : الترابَ التُّرابَ ! فطرح الترابُ وهو يَهوي، فلم يستطيعوا سَدّه حتى سقف بخشب، وطمّ عليه، فكان الرشيد يقول بعد ذلك للفضل : أرأيت يا عباسيّ ما أسرَع ،ما أديل ليحيى من ابن مصعب !- 251 -الأصل: يَا بْنَ آدَمَ كُنْ وَصِيَّ نَفْسِكَ، وَأَعْمَلْ فِي مَالِكَ ما تُؤثِرُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ مَنْ بَعْدَك .الشرح: لا ريبَ أن الإنسان يُؤثر أن يُخرج مالُه بعد موته في وجوه البِرّ والصدقات والقُرُبات ليَصِل ثوابُ ذلك إليه، لكنَّه يضنّ بإخراجه وهو حيَّ في هذه الوجوه لحبّه العاجلة وخوفِه من الفقر والحاجة إلى الناس في آخر العُمر، فيقيم وصيَّا يَعْمَل ذلك في ماله بعد موته.وأوصَى أمير المؤمنين علیه السلام الإنسانَ أن يَعمَل في ماله وهو حيّ ما يُؤثر أن يُجعَل فيه وصيّةبعد موته، وهذه حالة لا يُقدِر عليها إلّا من أخَذَ التوفيقُ بيَدِه.
-252-الأصل: الْحِدَّةُ ضَرْبٌ مِنَ الْجُنُون، لأنَّ صَاحِبَهَا يَنْدَمُ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَمْ فَجُنُونُهُ مُسْتَحْكِم.الشرح: كان يقال : الحدّة كُنية الجهل.وكان يقال : لا يصحّ لحديدٍ رَأْيٌ ؛ لأنّ الحدّة تُصْدِئُ العَقْل كما يُصْدِئَ الخَلُّ المِرآة، فلا يَرَى صاحبُه فيه صورة حَسن فيَفَعَله، ولا صُورة قبيح فيجتنَبِِه.وكان يقال : أوّل الحدّة جنون وآخِرها نَدَم.وكان يقال : لا تَحمِلنّك الحدّة على أقتراف الإثم ، فتَشفِيَ غيظك، وتُسقِم دِينَك .- 253 -الأصل: صِحْةُ الجَسَدِ مِنْ قِلَّةِ الحَسَدِ.الشرح: معناه انّ القليل الحَسدِ لا يزال مُعافَّى في بدنه، والكثير الحَسد يُمْرِضه ما يجده في نفسه من مَضاضَة المُنافسة، وما يتجرعه من الغيظ، ومزاجُ البدن يتبع أحوالَ النّفس.قال المأمون : ما حَسَدْتُ أحداً قط إلّا أبا دلف على قول الشاعر فيه :إنَّما الدنيا أبو دُلَف بین باديه ومحتَضرِةفإذا وَلَّى أبو دُلَف ولّت الدنيا على أثرةوَرَوَى أبو الفرج الأصْبَهاني عن عبدوس بن أبي دُلفٍ قال : حدّثني أبي ، قال : قال لي المأمون: يا قاسم، أنت الذي يقول فيك عليُّ بن جَبَلة :إنما الدُّنيا أبو دُلَفالبيتين، فقلت مُسرعاً : وما ينفَعني ذلك يا أمير المؤمنين مع قوله فيَّ :أبا دلف يا أكذبَ الناس كلَّهم سِوايَ فإني في مديحك أكذَبُومع قول بكر بن النطّاح في :أبا دُلَف إنّ الفقير بعَينه لَمَنْ يُرتجِي جَدْوَى يديكَ ويَأْمُلُهُ
أرى لك باباً مُعْلَقاً متمنَّعاً*** إذا فَتَحوه عنك فالبؤسُ داخلُةكانّك طبلٌ هائلُ الصُوت معجِبٌ خَلِيٌّ من الخَيْرات تَعْسٌ مَدَاخِلُهُوأعجب شيء فيك تسليمُ إمرة عليك على طنز وأنّك قابِلُةقال: فلما انصرَفْتُ قال المأمون لمن حوله الله دَرّه حَفِظَ هَجَاءَ نفسه حتى انتفع به عندي، وأطفأ لهيب المُنافسة .-254 -الأصل: وقالَ علیه السلام لَكُمَيْلِ بنِ زِيَادٍ النَّخَعِي :يا كُمَيْلُ، مُرْ أَهْلَكَ أَنْ يَرُوحُوا في كَسْبِ المَكَارِمِ، وَيُدْلِجُوا فِي حَاجَةٍ مَنْ هُوَ نَائِمٌ، فَوَ الذي وَسِعَ سَمْعُهُ الأضوات ما مِنْ أَحَدٍ أَوْدَعَ قلباً سُرُوراً إِلَّا وَخَلَقَ اللهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ السُّرُورِ لُطْفاً، فَإِذَا نَزَلَتْ بِهِ نَائِبَةٌ جَرَى إِلَيْهَا كَالْمَاءِ فِي انْحِدَارِهِ، حَتَّى يَطْرُدَها عَنْهُ كما تُظْرَدُ غَرِيبةُ الإِبِلِ.الشرح: قال عمرو بنُ العاصِ لمعاوية : ما بقيَ من لذّتك ؟ فقال : ما من شيء يُصيبُه الناس من الّلّذة إلّا وقد أصبتُه حتى مَللتُه، فليس شيءٌ عندي اليوم الذّ من شربة ماء بارد في يوم صائف، ونظري إلى بَني وبناتي يَدرُجون حولي، فما بقيَ من لذّتك أنت ؟ فقال : أرضٌ أغرسُها وأكلّ ثمرتها ، لم يبق لي لذّة غير ذلك. فالتفت معاويةُ إلى وَرْدان غلام عَمْرو ، فقال : فما بقي من لذّتك يا ورند؟ فقال : سرورٌ أُدخِله قلوب الإخوان، وصنائعُ أعتِقدَها في أعناق الكرام، فقال معاوية لعَمرو : تبا لمجلسي ومجلسك ! لقد غلبني وغلبك هذا العبد، ثم قال يا وَردان، أنا أحقُّ بهذا منك ، قال : قد أمكنتك فافَعل.فإن قلت : السرور عَرَضٌَ، فكيف يخلق الله تعالى منه لُطفاً؟قلت : مِنْ هاهنا هي مِثلُ «مِن» في قوله : (وَلَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَا مِنكُم مَلَيْكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (1)، أي عِوَضاً منكم.)ومثلُه :فليتَ لنا من ماء زمزم شَرْبَةً ***مبرَّدة باتت على طَهَيانِ
1) سورة الزخرف، الآية : 60 .
أي ليت لنا شربةً مبرَّدة باتتْ على طَهَيان، وهو اسمُ جَبَل ، بدلاً وعِوضاً من ماء زَمزم.-255-الأصل: إذا أَمْلَقْتُمْ فَتَاجِرُوا الله بالصَّدَقَةِ .الشرح: قد تقدّم القولُ في الصّدقة.وقالت الحكماء : أفضل العبادات الصَّدَقة، لأنّ نفعها يتعدّى، ونفعُ الصلاة والصّوم لا يتعدّى .وجاء في الأثر أنّ عليَّا علیه السالم العَمِل ليهوديّ في سَقْيِ نَخْلٍ له في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمُدّ من شعَير، فخبزه قُرْصاً ، فلمّا همّ أن يُفطر عليه، أتاه سائل يستطعم، فدفعه إليه، وبات طاوياً وتاجَر الله تعالى بتلك الصدقة، فعدّ الناس هذه الفعلة من أعظم السّخاء، وعدُّوها أيضاً من أعظم العبادة.وقال بعضُ شعراء الشِّيعة يذكر إعادة الشمس عليه، وأحسن فيما قال :جادَ بالقُرْص والطَّوى مِلءُ جَنْبَي ه وقات الطَّعامَ وهو سَغُوبُفأعاد القُرْصُ المنيرُ عليه ال- قرص المُقرِض الكرام كسوبُ- 256 -الأصل: الْوَفاءُ لأهْلِ الْغَدْرِ غَدْرٌ عِنْدَ الله وَالغَدْرُ بِأَهْلِ الْغَدْرِ وَفاءٌ عِنْدَ الله .الشرح: معناه أنه إذا اعتيدَ من العدوّ أن يغير ولا يفي بأقواله وأيمانه وعهوده، لم يجز الوفاء له، ووَجَب أن ينقض عهوده ولا يوقف مع العهد المعقود بيننا وبينه، فإنّ الوفاء لمن هذه حالُه ليس بوفاءٍ عند الله تعالى، بل هو كالغَدْر في تبحه، والغدر بمن هذه حاله ليس بقبيح، بل هو في الحسن كالوفاء لمن يستحِقُ الوفاء عند الله تعالى .
- 257 -الأصل: كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَج بِالإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَمَغْرُورٍ بالسِّتْر عَلَيْهِ، وَمَفْتُونِ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ، وَما ابتلى الله سُبْحَانَهُ أَحَداً بِمِثْلِ الإِمْلاءِ لَهُ.قَالَ الرَضِي رَحِمَهُ الله تعالى: وَقَدْ مَضَى هَذَا الكلام فيما تقدَّمَ، إِلَّا أَنَّ فيه هاهنا زيادَةٌ جیّدةً.الشرح: قد تقدم الكلام في الاستدراج والإملاء.وقال بعضُ الحكماء : احذر النِّعم المتواصلة إليك أن تكون استدراجاً، كما يحذر المحارِب من اتباع عدوِّه في الحرب إذا فرّ من بين يديه من الكمين، وكم من عدوَّ فرَّ مستدرَجاً، ثمّ إذ هو عاطفٌ، وكم من ضارع في يديك ثمّ إذ هو خاطف .- 258 -الأصل: ومن كلامه علیه السلام المتضمَّن ألفاظاً من الغريب تحتاجُ إلى تفسير : قوله علیه السلام في حديثِه : فإذا كانَ ذَلِكَ ضَرَبَ يَعْسُوبُ الدِّينِ بِذَنَبِهِ ، فَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ كَما يَجتَمِعُ قُزَعُ الخریف.قال الرّضي رحمه الله تعالى : يَعْسُوبُ الدِّينِ : السَّيِّدُ العَظِيمُ المَالِكُ لِأُمُورِ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ ، والْقُزَعُ : قِطَعُ الْغَيْمِ الَّتِي لا مَاءَ فيهاالشرح أصاب في اليَعسوب ، فأمَّا القُزَع فلا يُشترط فيها أن تكون خاليةً من الماء، بل القُزَع قِطعٌ من السحاب رقيقة، سواء كان فيها ماء أو لم يكن، الواحدة قَزَعة بالفتح، وإنما غرّه قول الشاعر يصف جيشاً بالقلة والخفّة.كانّ رعاله قُزّع الجهاموليس يدلّ ذلك على ما ذكره، لأنّ الشاعر أراد المبالَغة، فإنّ الجهام الّذي لا ماء فيه إذا كان أقطاعاً متفرقة خفيفة، كان ذِكره أبلَغ فيما يريدُه من التشبيه، وهذا الخبر من أخبار المَلاحِم
الّتي كان يُخبر بها علیه السلام، وهو يَذكُر فيه المهديَّ الَّذي يُوجَد عند أصحابنا في آخر الزمان. ومعنى قوله : «ضَرَب بذَنَبه» أقام وثبت بعد اضطرابه، وذلك لأنّ اليَعسوب فَحْل النَّحْل وسَيّدها، وهو أكثر زمانه طائرٌ بجَناحَيه، فإذا ضرَب بذَنَبه الأرض فقد أقامَ وتَرَكَ الطَّيران والحركة .فإن قلت : فهذا يشبه مذهبَ الإماميّة في أنّ المهديّ خائف مستتر ينتقل في الأرض، وأنّه يظهر آخر الزمان ويثبت ويقيم في دار ملكه .قلت: لا يبعد على مذهبنا أن يكون الإمام المهديّ الذي يظهر في آخر الزمان مضطرب الأمر، منتشرَ المُلك في أول أمره لمصلحة يعلمها الله تعالى، ثم بعد ذلك يثبت مُلكُه ، وتنتظم أمورُه.وقد وردت لفظة اليعسوب عن أمير المؤمنين علیه السلام في غير هذا الموضع، قال يومَ الجمل لعبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد وقد مرّ به قتيلاً : «هذا يعسوب قريش»، أي سيدها .-259 -الأصل: وفي حديثه علیه السلام : هَذَا الخَطِيبُ الشَّحْشَحُ.قالَ : يُرِيدُ المَاهِرَ بالخُطبةِ، الماضي فيها ، وكُلُّ ماض في كلام اوْ سَيْر فَهُوَ شَحْشح والشَّحْشَحُ في غَيْرِ هذا المَوْضع : الْبَخِيلُ المُمْسِكُ .الشرح: قد جاء الشَّخشح بمعنى الغَيُور، والشخشَح بمعنى الشجاع، والشَّخشَح بمعنى المواظِب على الشيء الملازم ،له والشَّخشَح الحاوي، ومثله الشَّخشحان.وهذه الكلمة قالها علىُّ علیه السلام الصَعصعة بن صوحان العبديّ رحمه الله، وكَفَى صعصعةَ بها فخراً أن يكون مثل عليُِّ علیه السلام يَثني عليه بالمهارة وفَصاحة اللّسان، وكان صَعصعةُ من أفصَح الناس، ذكَرَ ذلك شيخُنا أبو عثمانَ الجاحظ .****- 260 -الأصل: ومنهُ : إِنَّ لِلْخُصُومَةِ تُحَماً.
قال الرَّضِي رَحمهُ الله : يُرِيدُ الْقُحَم المَهَالِك؛ لأنَّهَا تُقْحِمُ أَصْحَابَهَا فِي المَهَالِكِ وَالمَتَالِفِ فِي الأَكْثَر فَمِنْ ذلِكَ تُحْمَةُ الأَعْرابِ، وَهُوَ أَنْ تُصِيبَهُمُ السنّة فَتَتَفَرَّقُ أَمْوَالُهُمْ ، فَذَلِكَ تَقَحُمُهَا فِيهِمْ وَقِيلَ فِيهِ وَجْهُ آخَرُ ، وَهُوَ أَنَّهَا تُقْحِمُهُمْ بِلادَ الرِّيف ، أَي تُحْوِجُهُمْ إِلى دُخُولِ الحضر عِنْدَ مُحُولِ البَدوِ .الشَّرْحُ : أصلُ هذا البناءِ للدُّخول في الأمر على غير رويّة ولا تثبُت، فَحَمَ الرجلُ في الأمر بالفتح تحوماً، وأقحم فلانٌ فرسه البحرَ فانقحَم ، واقتحمْتُ أيضاً البحرَ دخلتُه مكافحة، وقَحَم الفرسُ فارِسَه تقحيماً على وجهه إذا رماه وفحل مِقْحَام أي يقتحم الشَّوْلَ مِن غير إرسال فيها.وهذه الكلمة قالها أمير المؤمنين حين وَكَّل عبد الله بن جعفر في الخصومة عنه، وهو شاهد.وأبو حنيفةً لا يُجيز الوكالة على هذه الصورة، ويقول: لا تجوز إلا من غائب أو مريض ،وأبو يوسف ومحمد يُجيزانها أخذاً بفعل أمير المؤمنين علیه السلام.****-261 -الأصل: ومنه : إذا بلغ النساءُ نَصَّ الحقاقِ فَالعَصبة أولى.قال الرَّضِيُّ رَحمهُ الله : ويروى «نصُّ الحقائق»، والنصُّ منتهى الأشياء ومبلُغ أقصاها كالنصِّ في السير لأنه أقصى ما تقدُر عليه الدابّة، ويقال: نصصتُ الرجلَ من الأمر إذا استقصيت مسألته لتستخرج ما عنده فيه، ونص الحقائقِ يريدُ به الإدراكَ، لأنه منتهى منتهى الصّغر، والوقتُ الذي يخرجُ منه الصغير إلى حدِّ الكبر، وهو من أفصح الكنايات عن هذا الأمر وأغربها ، يقولُ : فإذا بلغَ النساء ذلك فالعصبة أولى بالمرأة منْ أُمها إذا كانوا محرماً مثل الإخوة والأعمام، وبتزويجها إن أرادوا ذلك.والحقاقُ : مُحاقَّةُ الأم للعصبة في المرأة، وهو الجدال، والخُصومة، وقول كلّ واحِدٍ منهما للآخَرِ : أنا أحَقُّ منك بِهَذا ، يُقال منه : حافَقْتُهُ حقاقاً ، مِثْلُ جادلته جدالاً . قال : وقد قِيلَ إِنَّ نَصَّ الحقاقِ بُلُوغ العقل وهو الإدراك ؛ لأنه علیه السلام إنما أرادَ مُنتَهى الأمر الذي تجبُ به الحُقوقُ والأحكامُ . قال : ومَنْ رواهُ «نص الحقائق»، فإنما أرادَ جَمْعَ حقيقةٍ، هذا معنی ما ذكره أبو عُبَيْدِ القاسم بن سلام.
قال : والذي عندي أن المرادَ بنصّی الحقاقِِ هاهنا بُلُوغ المرأةِ إلى الحَدّ الذي يجوزُ فيه تزويجها وتَصَرُّفُها في حقوقِها ، تشبيهاً بالحقاق مِنَ الإبل ، وهي جَمْعُ حِقَّةٍ وحِقٌّ، وهو الذي استكمَل ثلاثَ سنينَ ودخلَ في الرابعةِ، وعند ذلك يبلغُ إلى الحدِ الذي يُمكِنُ فيه مِنْ رُكوب ظهره ونصِّه في سيره. والحقائق أيضاً : والحقائق أيضاً : جَمْعُ حِقَّةٍ، فالرّوايتان جميعاً ترجعان إلى مسمَّى واحِدٍ، وهذا أشبه بطريقة العربِ مِنْ المعنى المذكور أوّلاً .****الشرح: أمّا ما ذكَره أبو عُبيد فإنّه لا يَشفِي الغليل؛ لأنّه فسَّر معنى النّصّ، ولم يفسر معنى نَصَّ الحقائق، بل قال هو عبارةٌ عن الإدراك، لأنه منتهى الصغر، والوقت الذي يَخرُج منه الصغيرُ إلى حدّ الكِبَر، ولم يبيّن من أي وجه يدل لفظ نَصِّ الحقاق على ذلك، ولا اشتقاق الحقاق وأصله، ليَظهَر من ذلك مُطابقَة اللّفظ للمعنى الذي أشيرَ إليه.فأمّا قولهُ:« الحقاق هاهنا مَصدَر حاقّه يُحاقه»، فلِقائلٍ أن يقول : إن كان هذا هو مقصودَه علیه السلام فقَبل الإدراك يكون الحِقاق أيضاً، لأنّ كلّ واحدة من القرابات تقول للأخرى : أنا أحقُّ بها منك، فلا معنى لتخصيص ذلك بحال البُلوغ، إلا أن يزعم زاعمٌ أَنَّ الأم قبل البلوغ لها الحَضانة، فلا يُنازعها قبلَ البلوغ في البنت أحد ولكن في ذلك خلافٌ كثير بين الفقهاء. وأمّا التفسير الثاني، وهو أنّ المراد بنَصّ الحقاق منتهى الأمر الذي تجب به الحقوق فإنّ أهلَ اللغة لم يَنقُلوا عن العَرَب أنّها استَعمَلت الحقاق في الحُقوق، ولا يُعرف هذا في كلامهم.فأمَّا قولُه : «ومن رواه نَصَّ الحَقائق»، فإنّما أراد جمع حقيقة، فِلقائلٍ أن يقول : وما معنى الحقائق إذا كانت جمعَ حقيقة هاهنا؟ وما معنى إضافة «نَصّ» إلى «الحقائق» جمع حقيقة، فإنّ أبا عُبَيْدة لم يفسِّر ذلك مع شدّة الحاجة إلى تفسيره !وأمّا تفسيرُ الرضيّ - رحمه الله - فهو أشبَه من تفسير أبي عُبيدة، إلّا أنّه قال في آخره: والحقائق أيضاً جمعُ حِقّة، فالروايتان تَرجِعان إلى معنًى واحد. وليس الأمر على ما ذكر من الحقائق جمعُ حِقّة، ولكنّ الحقائق جمع حِقاق، والحِقاق جمع حِقّ، وهو ما كان من الإبل أبنَ ثلاث سنينَ، وقد دخل في الرابعة، فأستَحقّ أن يُحمل عليه ويُنتفع به، فالحقائق إذَن جمع الجَمْع لحِقِّ لا لحقّة، ومثل إفال وأفائل . قال : ويُمكنِ أن يقال : الحقاق هاهنا الخصومة يقال : ما له فيه حقّ ولا حقاق أي ولا خصومة، ويقال لمن يُنازع في صغار الأشياء إنّه لبرق الحقاق، أي خصومَتُه في الدَّنيء من الأمر، فيكون المعنى إذا بَلَغت المرأةُ الحَدَّ الَّذي يستطيع الإنسانُ فيه الخصومَة والجَدَالَ فَعَصَبْتُها أولى بها من أمّها والحَدُّ الذي تَكمُل فيه المرأة والغُلامُ للخصومة والحكومة والجدال والمناظرة هو سنُّ البُلوغ.
-262 -الأصل: ومنه : إن الإيمَانَ يَبْدُو لُمْظَةٌ في القَلْبِ، كُلَّمَا ازْدَادَ الإِيمَانُ ازْدَادَتْ اللُّمْظَةُ. . قال الرَّضِي رَحمه الله : اللُّمْظَةُ مِثْلُ النُّكْتَةِ أَوْ نَحْوِهَا مِنَ البَيَاضِ، وَمِنْهُ قِيلَ: فَرَسٌ أَلْمَظُ إذَا كَانَ بِجَحْفَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْبَيَاضِ.الشرح: قال أبو عُبيدة : هي لُمْظَة بضم اللام والمحدِّثون يقولون: لَمظة بالفَتح، والمعروفُ من كلام العَرَب الضّم، مِثلُ الدُّعْمَة والشهبة والحُمْرة. قال: وقد رواه بعضُهم : «الُمطة» بالطّاء المهملة، وهذا لا نَعرِفه .قال : وفي هذا الحديث حُجّة على مَنْ أنكر أن يكون الإيمانُ يزيدُ ويَنقُص، ألا تراه يقول: كُلما ازداد الإيمان ازدادت اللُّمْظة .-263 -الأصل: ومنهُ : إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ لَهُ الدِّينُ الظُّنُونُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّبَهُ لِمَا مَضَى إِذَا قَبَضَهُ. قال الرّضي رحمه الله : الظُّنُونُ : الَّذِي لا يَعْلَمُ صَاحِبُهُ أَيَقْضِيهِ مِنَ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ أم لا، فَكَأَنَّهُ الَّذِي يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ ، فَمَرَّةً يَرْجُوهُ، وَمَرَّةً لا يَرْجُوهُ ، وهو مِنْ أَفْصَحِ الكَلامِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ أَمْرٍ تَطْلُبُهُ وَلا تَدْرِي عَلَى أَيْ شَيْءٍ أَنْتَ مِنْهُ فَهُوَ ظَنُّونٌ، وَعَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الأَعْشَى :مَنْ يَجْعَل الجُدَّ الظُّنُونَ الَّذِي ***جُنبَ صَوْبَ اللَّجِبِ المَاطِرِمِثلَ الفُرَاتِي إِذَا مَا ظما ***يَقْذِفُ بِالبُومِي وَالمَاهِرِوالجد : البثرُ العَادِيةُ في الصَّحْرَاءِ وَالظُّنُونُ : التي لا يُعْلَمُ هَلْ فِيهَا مَاءٌ أم لا .الشرح: قال أبو عبيدة: في هذا الحديث من الفِقه أنّ من كان له دين على النّاس فليس عليه أن يُزَكيه حتى يَقبِضه ، فإذا قَبَضَه زَكّاه لما مضى، وإن كان لا يرجوه ، قال : وهذا يردّه قول من قال : إنّما زَكاتُه على الذي عليه المال ؛ لأنّه المنتفع به، قال : وكما يُروى عن إبراهيم، والعَمَل عندنا على قول عليِّ علیه السلام ، فأمّا ما ذَكَره الرضيّ من أنّ الجُد هي البئر العادية في الصّحراء،
فالمعروف عند أهل الّلغة أن الجُدّ البئرُ التي تكون في موضع كثير الكَلا، ولا تُسمَّى البئرُ العاديَّة في الصَّحْرَاءِ المَوَاتِ جُدا، وشِعر الأعشى لا يدلِّ على ما فَسَّره الرضيّ؛ لأنه إنما شبّه عَلْقَمة بالبئِرِ والكَلا ، يَظُنّ أن فيها ماءً لمكان الكَلا، ولا يكون موضع الظن هذا هو مرادَه ومقصودَه، ولهذا قال : الظّنون، ولو كان عاديّة في بَيداءَ مقفِرة لم تكن ظَنُوناً ، بل كان يُعلم أنّه لا ماء فيها ، فسَقط عنها اسمُ الظَّنون.- 264 -الأصل: وَمنهُ : أنهُ شَيَّع جيشاً يُغْزِيهِ فَقالَ : اعْزُبُوا عَنِ النِّسَاءِ مَا اسْتَطَعْتُمْ.ومَعْنَاهُ: اصْدِقُوا عَنْ ذِكْرِ النِّسَاءِ وَشَغْلِ القُلُوبِ بِهِنَّ وَامْتَنِعُوا مِنَ الْمَقارَبَة لَهُنَّ، لِأَنَّ ذلِكَ يَفْتُ فِي عَضُدِ الْحَمِيَّةِ، وَيَقْدَحُ فِي مَعَائِدِ الْعَزِيمَةِ، وَيَكْسِرُ عَنِ العَدُقِ، وَيَلْفِتُ عَنِ الإِبْعَادِ فِي الْعَزْهِ، فَكُلُّ مَنِ امْتَنَعَ مِنْ شَيْءٍ فَقَدْ أَعْزَبَ عَنْهُ ، وَالْعَازِبُ وَالعَزُوبُ : المُمْتَنِعُ مِنَ الأكل والشرب.الشرح :التفسير صحيح، لكنّ قوله : «من امتنع من شيء فَقد أعزَب عنه» ليس بجيّد، والصحيح «فقد عَزَبٍ عَنْه» ثلاثي، والصواب :وكلُّ مَنْ مَنعته من شيء فقد أعزَبتَه عنه، تُعدِّيه بالهمزة، كما تقول : أقمته وأقعدته، والفعل ثُلاثيّ قامَ وقعَد، والدليل على أنّ الماضي ثلاثي هاهنا . قوله : «والعازب والعزوب : الممتنِع من الأكل والشّرب، ولو كان رُباعيَّا لكان «المُعزب»، وهو واضح، وعلى هذا تكون الهمزة في أوّل الحرف همزة وصل مكسورة، كما في «اضربِوا» لأنّ المضارع يعزب بالكسر.****- 265 -الأصل: ومنه: كالياسر الفالج، يَنتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَةٍ مِنْ قِدَاحِهِ.قال : الباسِرُونَ هُمُ الذين يَتَضارَبُونَ بِالقِدَاحِ عَلَى الْجَزُور، والفالِجُ : الْقَاهِرُ الْغَالِبُ ،يُقَالُ : قَدْ فَلَجَ عَلَيْهِمْ وَفَلَجَهُمْ ، قَالَ الرَّاجِزُ :لما رأيتُ فَالِجاً قَدْ نَلَجا
الشرح: أوّل الكلام أنّ المرء المسلِم ما لم يغشَ دناءة يَخشَع لها إذا ذكرت، ويغِري به لئامَ النّاس، كالياسِر الفالِج ينتظِر أوّل فوزَةٍ من قداحه أو داعي الله، فما عند الله خيرٌ للأبرار، يقول : هو بين خيرتين : إما أن يصيرَ إلى ما يُحِبّ من الدنيا، فهو بمنزلة صاحب القدح المُعلّى، وهو أوفرُها نصيباً ، أو يموت فما عند الله خيرٌ له وأبقى.وليس يعنِي بقوله : الفالج : القامر الغالبَ كما فسّره الرّضي رحمه الله ، لأنّ الياسر الغالبَ القامرَ لا ينتظر أوّل فوزةٍٍ من قداحه وكيف ينتظر وقد غلَب! وأيّ حاجة له إلى الانتظار! ولكنّه يَعني بالفالج الميمونَ النَّقيبة الَّذي له عادةً مطردة أن يغلب وقل أن يكون مقهوراً .- 266 -الأصل: ومنهُ : كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسولِ الله فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَّا أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُو مِنْهُ . قالَ : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذا عَظُمَ الخَوْفُ مِنَ الْعَدُوِّ ، وَاشْتَدَّ عِضَاضُ الحَرْب فَزِعَ المُسْلِمُونَ إِلَى قِتَالِ رسُول الله صلى الله عليه وآله وسلم بِنَفْسِهِ ، فَيُنزِلُ الله تعالى النَّصْرَ عَلَيْهِمْ بِهِ، وَيَأْمَنُونَ مَا كَانُوا يَخَافُونَهُ بمكانه .وقَوْلُهُ: «إِذَا احْمَرَّ البَأْسُ» : كِنَابَةٌ عَنِ اشْتِدَادِ الأَمْرِ ، وقد قيل في ذَلِكَ أَقْوَالٌ، أَحْسَنُهَا أَنَّهُ شَبَّهَ حَمْيَ الْحَرْبِ بِالنَّارِ الَّتِي تَجْمَعُ الْحَرَارَةَ وَالحُمْرَةَ بِفِعْلِهَا وَلَوْنِهَا ، ومِمَّا يُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُ الرَّسُول صلی الله علیه وآله وسلم وَقَدْ رَأَى مُجْتَلَد النَّاسِ يَوْمَ حُنَيْنٍ وهِيَ حرب هَوَازِنَ : الآن حَمِيَ الْوَطيسُ » (1، والوطيسُ : مُسْتَوْقَدُ النار ، فَشَبَّه رَسُولُ الله صلی الله علیه وآله وسلمما استحَرَّ من جلاد الْقَوْمِ باختدَامِ النَّارِ وَشِدَّةِ التِهابِها .)الشرح: الجيّد في تفسير هذا اللّفظ أن يقال : البأس الحزب نفسَها ، قال الله تعالى: (وَالصَّبِرِينَ في الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ (2)، وفي الكلام حذف مضاف تقديره إذا احمر موضعُ البأس، وهو الأَرْضُ التي عليها معرَكة القوم ، واحمرارُها لِما يسيل عليها من الدّم.)
### من غريب كلام الإمام علي وشرحه لأبي عبيدولما كان تفسير الرضيّ رحمه الله قد تعرّض للغريب من كلامه علیه السلام ، ورأينا أنّه لم يذكر ذلك إلا اليسير آثرنا أن نذكُر جملةً من غريب كلامِه علیه السلام ممّا نقلَه أرباب الكُتُب المصنفَّة في غريب الحديث عنه علیه السلام.فمن ذلك ما ذَكَره أبو عبيد القاسمُ بنُ سلام رحمه الله في كتابه : لأن أطَّلِيَ بجواءِ قِدر أحبّ إليّ من أن أطَّلِيَ بزغفرَان. قال أبو عُبَيد : هكذا الرواية عنه «بجواءِ قذر»، قال: وسمعت الأصمعيَّ يقول : إنما هي الجاوة، وهي : الوعاء الذي يُجعَل القذر فيه وجَمْعُها جياء.قال : وقال أبو عَمرو : يقال لذلك الوعاء: جواء وجياء ، قال : ويقال للخرقة التي يُنزل بها الوعاءُ عن الأثافيَّ : جِعال.ومنها قولُه علیه السلام حين أقبَل يريد العراق فأشارَ إليه الحسنُ بنُ عليّ علیه السلام أن يرجع : والله لا أكونُ مِثْلَ الضَّبُحُ تسمعُ الدم حتى تخرج فتصاد .قال أبو عبيد : قال الأصمعيّ : اللّدم صوتُ الحجر، أو الشيءُ يقَع على الأرض، وليس بالصّوت الشديد، يقال منه : لدم الدِم بالكسر، وإنما قيل ذلك للضّبع، لأنّهم إذا أرادوا أن يصيدوها رمَوْا في جُحْرِها بحَجَر خفيف، أو ضرَبُوا بأيديهم فتحسَبه شيئاً تصيده فتخرج لتأخذه قتصاد، وهي زعموا أنها من أحمق الدّواب، بلَغ من حُمْقها أن يدخل عليها فيقال : أمّ عامر نائمة، أو ليست هذه والضبع، هذه أم ،عامر، فتسكُت حتى تؤخذ، فأراد علي علیه السلام : أني لا أُخدَع كما تُخدَع الضّبع بالَّلدم.ومنها قولُه علیه السلام : من وَجد في بطنه رِزَّا فليَنصرف وليتوضأ .قال أبو عبيد : قال أبو عمرو : إنما هو أرزَّا مثل أرز الحيّة، وهو دَورانها وحَرَكتها، فشبه دَوَران الرِّيح في بطنه بذلك .قال : وقال الأصمعيّ : هو الرّز، يعني الصَّوتَ في البطن من القرقرة ونحوها قال الراجز : كان في ربايه الكبار رِزْعِشارٍ جُلْنَ في عِشار وقال أبو عبيد : فقه هذا الحديث أن ينصرف فيتوضأ ويبني على صلاته ما لم يتكلم، وهذا إنما هو قبل أن يُحدث .
قلت : والّذي أعرفه من الأرزِ أنه الانقباض لا الدّورَان ،والحركة ، يقال : أرز فلانٌ بالفَتح وبالكسر ، إذا تضامَّ وتقبَّض من بُخله فهو أرُوز ، والمصدّر اززاً وأروزاً، قال رؤبة :فذاك يَخَالُ أروز الأرزّفأضاف الاسمَ إلى المصدر كما يقال : عُمر العدل وعَمْرو الدهاء، لما كان العدل والدّهاء أغلبَ أحوالهما، وقال أبو الأسود الدُّولي يدمُّ إنساناً : إذا سئل أزر، وإذا دُعي اهتزّ - يعني إلى الطّعام، وفي الحديث: ـإن الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حُجرها »(1. أي يجتمع إليها وينضمّ بعضه إلى بعض فيها .)ومنها قوله : لئن وليتُ بني أمية لأنفُضَنّهم نفض القصاب التُّرابَ الوذمة . وقد تقدّم منا شرحُ ذلك والكلام فيه .ومنها قوله في ذي التَّديّة المقتول بالنَّهْرَوان : إنه مُودن اليد أو مندن اليد أو مخدّج اليد .قال أبو عبيدة : قال الكسائيّ وغيره : المودن اليَدِ : القصيرُ اليَدِ ، ويقال : أودنتُ الشيءَ أي قصّرته، وفيه لغةٌ أخرى، وكنته فهو مؤدون، قال حسّان يذمّ رجلاً :وأمك سوداء مؤدونةٌ*** كان أنامِلَها الحُنظُبُوأما مُتدن اليد بالثاء فإنّ بعض الناسَ قال : نراه أخَذه من اثُّندُوة، وهي أصل اللَّذي . فشَبّه يدَه في قِصَرها واجتماعها بذلك، فإن كان من هذا فالقياس أن يقال : مِثَنْد، لأنّ النون قبل الدال في التندُوَةِ، إلا أن يكون من المقلوب، فذاك كثيرٌ في كلامهم .وأمّا مُخدّج اليد فإنّه القصيرُ اليد أيضاً، أخِذ من إخراجِ الناقةِ وَلَدها، وهو أن تَضَعه لغير خَلْقه ، قال : وقال الفرّاء : إنّما قيل ذو التَّديّة، فأدخلت الهاء فيها، وإنّما هي تصغير تَمامِ في «نَدْي»، واللَّذي مذكَّر، لأنها كأنّها بقيَّة ثَدْي قد ذَهَبَ أكثَرُه فقللها كما تقول لُحَيمة وشُحَيمة، فأنت على هذا التأويل ، قال : وبعضُهم يقول ذو اليُدَيّة، قال أبو عبيد : ولا أرى الأصل كان إلّا هذا، ولكنّ الأحاديث كلِّهِا تتابعث بالثاء ذو التديّة .
1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب الإيمان بأرز إلى المدينة (1876)، ومسلم، کتاب: الإيمان باب بيان أن الإسلام بدأ غريباً ،(147) ، وابن ماجه كتاب المناسك، باب : فضل المدينة (3111) ، وأحمد كتاب باقي مسند الكثرين باب مسند أبي هريرة (7787).
ومنها قوله علیه السلام لقوم وهو يعاتبهم : ما لَكُم لا تُنظفون عذِراتكم!قال : العَذِرة فناء الدار، وإنما سُمِّيت تلك الحاجة عَذرة لأّنها بالأفنية كانت تُلقى، فكنى فَكَنَى عنها بالعَذِرة كما كَنَى عنها بالغائط، وإنما الغائط الأرضُ المطمئنة، وقال الحُطَيئة يهجو قوماً :لعَمْرِي لقد جرّبتُكُمْ فوجدتُكُمْ ***قِباحَ الوُجوه سيئ العذراتِومنها قولُه علیه السلام : لا جُمعة ولا تشريق إلّا في مصر جامع.قال أبو عبيد : التّشريق هاهنا صلاةُ العيد، وسُمّيت تشريقاً لإضاءة وقتِها، فإنّ وقتَها إشراق الشمس وصفاؤُها وإضاءتها، وفي الحديث المرفوع : «من ذبح قبل التشريق فَلْيُعِد»(1، أي قبل صلاة العيد.)قال : وكان أبو حنيفة يقول : التشريق هاهنا هو التّكبير في دُبُر الصلاة، يقول: لا تكبيرَ إلا على أهل الأنصار تلك الأيّام، لا على المسافرين أو من هو في غير مِصر.قال أبو عبيد : وهذا كلامٌ لم نجد أحداً يعرفه إنّ التكبير يقال له التّشريق، وليس يأخذ به أحدٌ من أصحابه لا أبو يوسف ولا محمّد، كلّهم يَرَى التكبيرَ على المسلمين جميعاً حيث كانوا في السفر والحَضَر وفي الأمصار وغيرها .ومنها قوله علیه السلام: «استكثروا من الطَّواف بهذا البيت قبل أن يُحال بينكم وبينَه ، فكأنِّي برجلٍ من الحَبَشة أصعَلَ أصمعَ حَمش السّاقين قاعداً عليها وهي تُهْدَم»(2.)قال أبو عبيد : هكذا يُروَى «أصعَل» وكلامُ العَرَب المعروف «صعل» وهو الصغيرُ الرّأس، وكذا رؤوس الحبشة، ولهذا قيل للظَّليم : صَعل، وقال عَنترةُ يصف ظَليماً :صَعْل يلوذُ بذي العشيرة بيضه ***كالعَبْد ذِي الفَرْوِ الطُّويلِ الأَصْلَمِقال : وقد أجازَ بعضُهم أصعَل في الصّعل، وذكر أنّها لغة لا أدري عمّن هي! والأصمعُ : الصغيرُ الأذُن، وامرأة صَمْعاء.وفي حديث ابن عباس : إنّه كان لا يَرَى بَأساً أن يُضَحي بالصمعاء. وحمش الساقين بالتَّسكين دَقيقها .
ومنها : أنّ قوماً أتَوه برجل فقالوا : إنّ هذا يؤمُّنا ونحن له كارهون، فقال له : إنك لخَرُوط، أتوم قوماً هم لَك كارهون!قال أبو عبيد : الخَرُوط : المتهوّر في الأمور، الرّاكِبُ برأسه جَهْلاً، ومنه قيل : انخَرَطَ علينا ،فلان أي اندرَا بالقَوْل السيئ والفِعْلِ . قال : وفقه هذا الحديث أنّه ما أفتَى علیه السلام بفسادِ صلاتهِ لأنه لم يأمُرُه بالإعادة، ولكنّه كَرِه له أن يؤم قوماً هم له كارهون .ومنها : أنّ رجلاً أتاه وعليه ثوبٌ من قهز فقال : إنّ بني فلان ضَرَبوا بني فلانة بالكناسة، فقال علیه السلام : صَدقني سنّ بكْرِه .قال أبو عبيد : هذا مَثل تَضربِه العَرَب للرجل يأتي بالخبر على وَجهه ويصدق فيه . ويقال: إنّ أصله أنّ الرجل ربّما باع بعَيره فيسأل المشتري عن سِنّه فيكذبه، فعرض رجلٌ بَكْراً له فصَدَق في سِنّه ، فقال الآخر : صَدَقني من بكره، فصار مَثَلاً .والقِهْز بكسر القاف : ثياب بيض يُخالطها حَرير، ولا أراها عربية ، وقد استعملها العربُ، قال ذو الرّمّة يصف البِزَاة البِيض :من الورق أو صُقع كأنّ رؤوسها*** من القهر والقُوهِي بيضُ المَقَانِعِومنها : ذَكر علیه السلام آخر الزمان والفتن فقال: خير أهل ذلك الزمان كلّ نُومَة، أولئك مصابيح الهدى، ليسوا بالمسابيح ولا المذابيع البُذُر.وقد تقدّم شرح ذلك .ومنها : أنّ رجلاً سافر مع أصحاب له فلم يرجع حين رجعوا فانّهم أهله أصحابه ورفعوهم إلى شُرَيح، فسألهم البينة على قتله، فارتفعوا إلى عليّ علیه السلام ، فأخبروه بقول شُرَيح، فقال:أورَدَها سعد وسعد مُشتمِل ***ياسعد لا تَروىَ بهذاك الإبلثم قال : إن أهْوَن السَّقْي التشريع، ثمّ فرّق بينهم وسألهم، فاختلفوا، ثم أقرّوا بقتلهم، فقتلهم به .قال أبو عُبيد : هذا مثل أصله أنّ رجلاً أورَد إبله ماء لا تصلُ إليه الإبل إلّا بالاستقاء، ثم اشتمل ونام وتركها لم يستسق لها، والكلمة الثانية مثل أيضاً ، يقول : إن أيسر ما كان ينبغي أن
يُفعل بالإبل أن يمَكّنها من الشريعة ويَعرِض عليها الماء. يقول : أقلّ ما كان يَجب على شُرَيح أن يستقصي في المسألة والبحث عن خبر الرّجل ولا يقتصر على طلب البّينة.ومنها قوله، وقد خرج على الناس وهم ينتظرونه للصلاة قياماً : «ما لي أراكُم سامدين».قال أبو عبيد : أي قائمين وكلُّ رافِع رأسَه فهو سامد وكانوا يَكرَهونَ أن ينتظروا الإمام قياماً ولكنْ قُعوداً، والسامد في غير هذا الموضع: اللَّاهي اللَّاعب، ومنه قوله تعالى : (وانتُم سَيدُونَ (1)، وقيل : السُّمود الغِناء بِلُغة حِمْيَر .)ومنها : أنه خرج فرأى قوماً يصلّون قد سَدَلوا ثيابهم، فقال: كأنهم اليهود خرجوا من فُهرهم.قال أبو عبيد : فُهْرُهم بضم الفاء : موضع مِدراسهم الذي يجتمعون فيه كالعيد يصلّون فيه ويُسدلون ثيابهم، وهي كلمةٌ نبطيّة أو عبرانية أصلها بُهر بالباء فُعربت بالفاء.والسَّدل : إسبال الرّجل ثوبه من غير أن يضمّ جانبيه بين يديه، فإن ضمّه فليس بسَدل، وقد رويت فيه الكراهة عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم.ومنها : أن رجلاً أتاه في فريضة وعنده شُرَيح، فقال: أتقول أنت فيها أيها العبد الأنظر !قال أبو عبيد : هو الذي في شفَته العُليا طُول ونتوء في وسطها محاذِي الأنف . قال : وإنّما نراه قال لشُريح: «أيّها العبد»، لأنه كان قد وقع عليه سَبيٌ في الجاهليّة.ومنها : أنّ الأشعث قال له وهو على المِنبر : غلبتنا عليك هذه الحمراء، فقال علیه السلام : مَن يعذِرني من هؤلاء الضّياطرة، يتخلف أحدُهم يتقلّب على فراشِه وحشاياه كالعَير ويهجر هؤلاء للذكر ! أَأَطرُدهم؟ إني إِنْ طَرَدْتهم لمن الظالمين، والله لقد سمعته يقول : والله ليضربنكم على الدِّين عَوْداً كما ضَرَبْتموهم عليه بدءاً .قال أبو عبيد : الحمراء : العَجَم والمَوَالي، سمّوا بذلك لأن الغالب على ألوان العرب السُّمْرة، والغالب على ألوان العجم البياض والحُمْرة. والضَّياطرة : الضِّخام الذين لا نَفْع عندهم ولا غَناء، واحدُهم ضَيْطار.
1) سورة النجم الآية : 61 .
ومنها : قوله علیه السلام : اقتلوا الجانّ ذا الطُّفيتَين، والكلب الأسود ذا الغُرَّتَين.قال أبو عُبيد : الجانّ حية بيضاء، والطّفية في الأصل : خُوصة المُقْل، وجمعُها طفيّ، ثم شُبهت الخُطّتان على ظهر الحية بِطفيتَين. والغُرّة: البياض في الوجه.### من غريب كلام الإمام علي وشرحه لابن قتيبةوقد ذكر ابنُ قُتيبة في غريب الحديث له علیه السلام كلمات أخرى : فمنها قوله : من أراد البقاء - ولا بقاءَ - فليُباكر الغداء، وليُخفّف الرداء، وليُقِلّ غِشيان النساء. فقيل له : يا أمير المؤمنين، وما خِفّة الرداء في البقاء؟ فقال : الدِّين .قال ابن قتيبة : قوله «الرِّداء الدَّين» مذهب في اللغة حَسَنٌ جيّد، ووجه صحيح، لأن الدَّين أمانةٌ، وأنت تقول : هو لك عليّ وفي عنقي حتى أؤدّيه إليك، فكأن الدين لازمِ للعنق، والرِّداء موضِعه صَفحتا العنق، فسمّى الدين رداءً وكَنَى عنه به وقال الشاعر :إن لي حاجةً إليك فقالت*** بين أدُني وعاتقي ما تريديريد قوله :« بين أذني وعاتقي ما تريد» في عنقي والمعنى أني قد ضمنته فهو عليَّ، وإنما قيل للسيف رداء لأنّ حمالته تقع موقع الرداء، وهو في غير هذا الموضع العطاء ، يقال : فلانٌ غمر الرداء أي واسعُ العطاء ، قال : وقد يجوز أن يكون كَنَى بالرّداء عن الظَّهر، لأنه يقع عليه، يقول : فليخفِّف ظهره ولا يثقله بالدَّين، كما قال الآخر: «خماص الأزُر»، يريد خماصالبطون.وقال: وبلغني نحو هذا الكلام عن أبي عبيد قال : قال فقيه العرب : من سَرّه النساء - ولا نساء - فليُبكّر العشاء، وليُباكِر الغداء، وليخفّف الرّداء، وليُقِلَ غِشيان النساء قال: فالنسء التأخيرُ ، ومنه : (إِنَّمَا النِّيهُ زِيَادَةٌ في الكُفْرِ(1).)وقوله : فليُبّكر العشاء أي فليؤخِّره، قال الشاعر:فأكريتُ العشاء إلى سُهَيلويجوز أن يريد فلينقص العَشاء، قال الشاعر:والطلّ لم يفضل ولم يكرومنها : أنه أتِي علیه السلام بالمال فكوّم كومةٌ من ذَهب وكَومة من فضة، فقال: يا حمراءُ ويا بيضاءُ احمرّي وابيّضي وغُرِّي غَيْري.هذا جَناي وخيارُه فية*** وكلُّ جانٍ يَدُهُ إلى فية
1) سورة التوبة، الآية: 37 .
قال ابن قُتيبة : هذا مَثَل ضَرَبه، وكان الأصمعيّ يقوله :« وهجانه فيه»، أي خالصُه، وأصل المثل لعَمرو بن عَديّ ابن أخت جَذِيمة الأبرش، كان يجني الكمأة مع أثراب له، فكان أترابه يأكلون ما يجدون وكان عمرو يأتي به خالَه ويقول هذا القول .ومنها حديث أبي جاب قال: جاء عَمِّي من البَصْرة يذهب بي وكنت عند أمي، فقالت : لا أتركك تذهب به، ثم أنت عليها فذكرت ذلك له، فجاء عَمِّي من البصرة، فقال : نعم والله لأذْهَبَن به وإن رغم أنفك ، فقال علي علیه السلام : كذبت والله ووَلَقْت، ثم ضرب بين يَدَيه بالدّرة .قال : ولَقْت مثل كَذبتَ وكذلك وَلَعت بالعين وكانت عائشة تقرأ : (إذ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُر (1)وقال الشاعر :)وهنّ من الأحلاف والولَعَانيعني النساء أي من أهل الأخلاف.ومنها قوله علیه السلام : إن من ورائكم أموراً متماحلة رُدْحاً وبلاة مكلّحاً مبلحاً .قال ابن قتيبة : المتماحلة الطَّوال : يعني فتناً يَطول أمرُها ويعظم، ويقال : رجل مُتماحل وسَبْسَب مُتماحل والرّدحُ جمع رداح، وهي العظيمة، يقال للكتيبة إذا عَظمَتْ : رَدَاح، ويقال للمرأة العظيمة العجيزة: رداح.قال : ومنه حديثُ أبي موسى، وقيل له زمن عليّ ومعاوية : هي أهيَ فقال : إنما هذه الفتنة حَيْضة من حيضات الفتن، وبقيت الرداح المُظلمة التي من أشرَف أشرَفت له .ومكلّحاً أي يكلح الناسُ بشدتها، يقال كلح الرجل وأكلحَه، الكلحَة الهمّ. والمبلّح، من قولهم : بلّح الرجُل إذا انقطع من الإعياء، فلم يقدر على أن يتحرّك، وأبلحَه السيرُ، وقال الأعشى:واشتكى الأوصال منه ويَلَحْومنها قولُه علیه السلام يوم خَيبر :أنا الذي سَمَّتْنِ أُمِّي حَيْدَرَهُ*** كليثِ غابات كريهِ المَنْظَرَهُفيهم بالصّاعَ كَيْلَ السَّنْدَرَهُ
1) سورة النور، الآية : 15 .
قال ابن قتيبة : كانت أمّ عليِّ علیه السلام سمَته وأبو طالب غائبٌ حين ولدَته أسَداً باسم أبيها أسَدِ بن هاشم بن عبد مناف فلمّا قدم أبو طالب غيّر اسمه وسمّاه عَليًّا. وحَيْدرة: اسمٌ من أسماء الأسد، والسَّندرة : شجرةً يُعمَل منها القسي والنبل ، قال :حنوْتُ لهم بالسَّندَرِي المؤثرفالسّندرة في الرَّجَز يُحتمل أن تكون مكيالاً يُتخذ من هذه الشجرة، سمّي باسمها كما يسمَّى القَوْس بنَبْعة . قال : وأحسب إن كان الأمرُ كذلك أنّ الكَيْل بها قد كان جُزافاً فيه إفراط ، قال : ويحتمل أن تكون السَّندَرة هاهنا امرأةً كانت تكيل كيلاً وافياً أو رَجُلاً .ومنها قوله علیه السلام : من يَطْلُ أَيْر أبيه يتمنطقُ به.قال ابن قتيبة : هذا مثَل ضربَه يريد من كثُرتْ إخْوَتُه عَزّ واشتدّ ظهره، وضَرَبَ المِنطُقة إذا كانت تشدّ الظّهر مثلاً لذلك، قال الشاعر :فلو شاء ربي كان أيرِ ابيكُمُ*** طويلاً كاير الحارث بن سَدُوسقيل : كان للحارث بن سدوس أحدٌ وعِشرون ذَكَراً ، وكان ضرارُ بنُ عَمْرو الضبيّ يقول : ألا إن شَرَّ حائل أمّ فزوجوا الأمهات، وذلك أنه صُرع ، فأخذته الرماح، فاشتّبك عليه إخوتُه لأمّه حتى خلّصوه.قال : فأمّا المَثَل الآخَرُ وهو قولهم : من يَطل ذَيْلُه يَتَمَنْطَقَ ،به فليس من المثل الأوّل في شيء، وإنما معناه من وَجَد سعةً وضَعَها في غير موضعها، وأنفق في غير ما يلزمه الإنفاق فيه.ومنها قوله : خيرِ بئرٍ في الأرض زَمزم، وشر بئر في الأرض برهوت.قال ابن قتيبة : هي بئرٌ بحضّرَمَوت يُروى أن فيها أرواحَ الكُفار .قال : وقد ذَكرَ أبو حاتم عن الأصمعيّ عن رجل من أهل حضرَمَوت قال : نجد فيها الرائحة المنتنة الفظيعة جداً، ثمّ نمكث حيناً فيأتينا الخبرُ بأنّ عظيماً من عُظَماء الكفّار قد مات، فنَرى أنّ تلك الرائحة منه ، قال : وربما سمع منها مثل أصوت الحاجّ، فلا يستطيع أحد أن يُمشي بها .ومنها قولُه علیه السلام : أيّما رجل تزوّج امرأة مجنونةً، أو جَزْماءَ، أو بَرْصاءَ، أو بها قَرْن، فهي امرأتُه ، إن شاءَ أَمْسَكَ، وإن شاء طَلّق .قال ابن قتيبة : القَرْن بالتسكين : الغفلة الصغيرة، ومنه حديث شريح أنه اختصم إليه في قَرْن بجارِيَةٍ ، فقال : أقيدوها فإن أصاب الأرض فهو عَيْب، وإن لم يُصب الأرض فليس بعيب
ومنها قوله علیه السلام : لوَدَّ معاوية أنّه ما بقي من بني هاشم نافِخُ ضِرْمَة إِلَّا طَعن في نيطه.قال ابن قتيبة : الضِّرمة النار، وما بالدار نافُع ضِرمة، أي ما بها أحد.قال : وقال أبو حاتم عن أبي زيد : طُعنَ فلانٌ في نبطه أي في جِنَازته، ومن ابتدأ في شيء أو دَخَل فيه فقد طَعَن فيه ، قال : ويقال : النِّيط : الموت، رماه الله بالنِّيط ، قال : وقد روي «إلّا طعن» بضم الطاء، وهذا الرّاوي يذهب إلى أن النّيط نياط القلب، وهي علاقته التي يتعلّق بها، فإذا طعن إنسان في ذلك المكان مات.ومنها قولُه علیه السلام : إنّ الله أوحَى إلى إبراهيمَ علیه السلام أن ابن لي بيتاً في الأرض، فضاقَ بذلك ذَرْعاً ، فأرسل الله إليه السّكيِنة، وهي رِيحٌ خَجُوج ، فتطوّقت حول البَيْتِ كالجَحَفَة .وقال ابن قتيبة: الخَجُوج من الرِّياح السريعة المرور، ويقال أيضاً : خَجَوْجاء، قال ابن أحمر:هَوْجاءُ رَعْبَلة الرّواح خَجَوْ ***جاةُ الغُدُو رَواحُها شَهْرُقال : وهذا مثلُ حديث علىِّ علیه السلام الآخر، وهو أنّه قال : السَّكينة لها وجهُ كوَجه الإنسان، وهي بعدُ ريحٌ هَفَّافة، أي خفيفةً سريعةٌ، والجَحَفَة : التَّرْس :ومنها أنّ مكاتباً لبعض بني أسَد ، قال : جئتُ بنَقَدِ أجلبه إلى الكوفة، فانتهيت به إلى الجِسر، فإِنِّي لَأُسَرِّبه عليه إذ أقبل مولّى لبكر بن وائل يتخلل الغَنَم ليقطعها ، فَنَفَرَتْ نَقَدة، فقَطرت الرَّجُل في الفُرات ، فغَرِق فأخذت فارتفعنا إلى علي فقَصَضنا عليه القصة، فقال: انطلقوا فإن ، فتم النَّقَدَة بعَيْنها فادفعوها إليهم. وإن اختلطت عليكم فأدفعوا شَرْواها من الغَنَم إليهم . قال ابن قتيبة : النقد : غَنَم صغار الواحدةُ نَقدة، ومنه قولهم في المَثَل : «أذل من النَّقَد» .وقوله : «أُسَرِّبه» أي أرسله قطعة قطعة. وشَرْواها : مثلها .ومنها قولُه علیه السلام في ذكر المَهْدِيّ من وَلَد الحُسَين ، قال : إنه رجلٌ أَجْلَى الجَبين، أقنى الأنف، ضَخْم البطن، أرْبَل الفخذين، أفلج الثّنايا ، بفخذه اليُمنى شامة(1.)
1) أخرجه ابن منظور في لسان العرب : 317/11 ، وأخرجه العلامة المجلسي في البحار : 40/51 .
قال ابن قتيبة : الأجْلَى والأجْلَح شيء واحد، والقَنا في الأنف : طوله ودقة أرْنَبَته وحَدَبٌ في وَسَطه. والأرْبَل الفَخِذَين : المتباعدُ ما بينهما، وهو كالأفْحَج تَرَبَّل الشيء، أي انفَرَج، والفَلَج : صفرةً في الأسنان.ومنها قوله علیه السلام: إنّ بني أمية لا يزالون يطعنُون في مَسجّل ضَلالة، ولهم في الأرض أجَل حتى يُهَرِيقوا الدّم الحرام في الشهر الحَرَام ، والله لكأني أنظر إلى غِرْنَوْق من قُرَيْش يتخبّط في دَمِه ، فإذا فعلوا ذلك لم يَبقَ لهم في الأرض عاذِر، ولم يبقَ لهم مُلْك، على وجِه الأرض.قال ابنُ قتيبة : هو من قولك: ركبَ فلانٌ مَسجّله، إذا جَد في أمرٍ هو فيه كلاماً كانَ أو غيره، وهو من السَّجل وهو الصَّب. والغرنوق: الشابّ.قلت : والغِرْنوق: القُرَشي الّذي قتَلوه، ثمّ انقضَى أمرهم عقيبَ قتلِه إبراهيم الإمام، وقد اختَلَفت الرّواية في كيفيّة قتله، قُتِل بالسّيف، وقيل : خُنق في جراب فيه نُورَة، وحديث أميرِ المؤمنين علیه السلام يُسيدُ الرّواية الأولى.ومنها ما رُوي أنّه اشترى قميصاً بثلاثة دَرَاهم ثم قال : الحمد الله هذا مِن رياشه.قال ابنُ قتيبة : الرِّيش والرِّياش واحد وهو الكِسوة، قال عزّ وجلّ :( يَنبَنِي ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ ليكسا بورى سوء يكُمْ وَرِينا (1)، وقُرِى :(ورياشا) .)ومنها قوله علیه السلام : لا قود إلّا بالأسل.قال ابن قتيبة : هو ما أرهف وأرقّ من الحديد، كالسِّنان والسيف والسكين، ومنه قيل: أسَلة الذِّراع لما استدَّقّ منه ، قال : وأكثَرُ الناس على هذا المذهب وقومٌ من الناس يقولون : قد يجوز أن القَوَد بغير الحديد كالحجر والعصا إن كان المقتول قُتل بغير ذلك.ومنها أنه علیه السلام رأى رجلاً في الشمس، فقال: قُمْ عنها فإنها مبحرة مَجْفَرة، تُنْقِل الرّيح،وتُبلي الثَّوب، وتُظهر الدّاءَ الدّفين.
1) سورة الأعراف الآية 26 .
قال ابنُ قتيبة : مَبخَرة: تُورِث البَحْر في الفَمِ. ومَجْفَرة: تقطع عن النّكاح وتُذهبُ شَهوة الجماع، يقال جفر الفَحْل عن الإبل، إذا أكثر الضَّراب حتى يملَّ وينقطع، ومثله فَذَرَ، وتقذر، قذوراً، ومثله أقطع فهو مقطع .وجاء في الحديث أن عثمان بن مظعون قال: يا رسول الله إني رجل تَشُقُ عليَّ العُزبة في المغازِي، أفتأذن لي في الخصاء؟ قال : لا ، ولكن عليك بالصَّوم فإنّه مُجْفِر .قال : وقد روى عبدُ الرحمن عن الأصمعيّ عمّه، قال : تكلّم أعرابيّ فقال : لا تنكحن واحدة فتحيض إذا حاضت وتمرض إذا مرضت ولا تنكحنّ اثنتين فتكون بين ضَرّتين ولا تنكحن ثلاثاً فتكون بين أثافٍ، ولا تنكِحَنّ أربعاً فيفْلِسنك ويُهْرِمُنك، ويُنْحِلْنَكَ ويُجفرنك فقيل له : لقد حَرَّمْتَ مَا أحَلَّ الله ، فقال : سبحان الله ،كُوزان وقُرْصان، وطمران وعبادة الرّحمن وقوله : «تُنْفِل الريح»، أي تُنْتِتُها ، والاسم الثّفل، ومنه الحديث «وليخرجن ثفلات». والداء الدّفين، المستر الذي قد قَهَرَتْه الطبيعة، فالشمسُ تُعينه على الطَّبيعة وتُظهِره.ومنها قوله علیه السلام وهو يذكر مسجد الكوفة في زَاويته : فارَ التنور، وفيه هَلَك يَغُوث ويَعُوق، وهو الفاروق، ومنه يستتِر جبلُ الأهواز ، ووَسَطه على رَوْضة من رياض الجنّة، وفيه ثلاثُ أعيُنِ أنبتتْ بالضَّغْثِ، تذهِب الرَّجس، وتُطهر المؤمنين : عَيْن من لبن، وعَيْن من دُهْن، وعينٌ من ماء جانبُه الأيمن ذِكر، وفي جانبه الأيسر مَكْر، ولو يعلم الناسُ ما فيه من الفَضْل لأتوه ولو حبوا .قال ابن قتيبة : قوله «أنبتتْ بالضّغث» أحسِبُه الضّغث الذي ضرب أيّوب أهله. والعَين التي ظهرت لما رَكَض الماء برجله قال : والباء في «بالضِّغث» زائدة، تقديرُه: أنبتَت الضّغث كقوله تعالى : (تَنْتُ بِالدُّهْنِ (1)، وكقوله : (يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) ((2).)وأما قوله : «في جانبه الأيمن ذكر»، فإنه يعني الصلاة «وفي جانِبه الأيسر مَكر» أراد به المَكْر به حتى قُتِل علیه السلام في مسجد الكوفة .ومنها أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا رافع مولاه يتلقى جعفَر بنَ أبي طالب لمّا قَدِم من الحَبَشَة، فأعطاه عليُّ علىه السلام حَتِيا وعُكّة سَمْن، وقال له: أنا أعلم بجعفر أنّه إنْ عَلم ثراه مرَّة واحدة ثم أطعَمه، فادفع هذا السَّمن إلى أسماء بنت عُميس تَذْهَنُ به بني أخي مِنْ صَمَر البَحْر، وتُطعمهم من الحتّي .
قال ابن قتيبة : الحتيّ : سَوِيق يُتخذ من المُقل ، قال الهذليّ يذكُر أضيافه :لا دَر دَرْيَ إن أَطْعَمْتُ نازِلَكُمْ*** فِرْت الحيي وعندي البُرُّ مكنوزُوقوله : «ثراء مَرَّة أي بَلّه دفعة واحدة وأطعمه الناسَ والثرى : النَدا. وصَمَرُ البحرِِ : تثنه وغَمْقُهُ، ومنه قيل للدبر الصُّمَارَى.ومنها قوله يوم السوري لما تكلّم : الحمد لله الذي اتخذ محمداً منا نبياً، وابتعثه إلينا رسولاً، فنحن أهل بيت النبوة، ومعدن الحكمة أمان لأهل الأرض، ونجاةٌ لمن طَلَب، إنّ لنا حقَّا إن نُعْطَه نأخذه، وإن تُمنعه نركب أعجازَ الإبل، وإن طالَ السرَى، لو عَهد إلينا رسولُ الله صلی الله علیه وآله وسلم عهداً لجالَدنا عليه حتى نموت أو قال لنا قولاً لأنفذنا قوله على رَغْمِنا . لن يُسرع أحدٌ قَبْلي إلى صِلَةِ رَحِمٍ ودعوة حَقٌّ، والأمرُ إليك يا بن عوف على صدق النية، وجُهد النضح، واستغفر الله لي ولَكُم.قال ابنُ قتيبة : أي أن مَعناء رَكِبنا مركب الضّيم والذل، لأنّ راكب عجزُ البعير يجد مَشَقّة، لا سيما إذا تطاول به الركوب على تلك الحال، ويجوز أن يكون أراد نصبر على أن تكون أتباعاً لغَيْرِنا ، لأنّ راكب عجز البعير يكون رِِدْفاً لغيره.ومنها قوله علیه السلام لما قَتل ابنُ آدم أخاه : غَمَصَ الله الخَلْق ونقص الأشياء.قال ابن قتيبة : يقال غمَصْتُ فلاناً أغيصه واغتمصُته، إذا استضغَرْته واحتَقَرته، قال : ومعنى الحديث أنّ الله تعالى نقص الخَلْق من عظم الأبدان وطولها من القوة والبطش وطول العُمر ونحو ذلك .ومنها أنّ سلامة الكنديّ قال: كان عليُّ علیه السلام يعلمنا الصلاة على رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقول : اللهم داحيَ المدحُوّات، وبارئ المسموكات، وجبّارَ القلوب على فِطرَاتها، شقيّها وسعيدها، اجعل شرائف صلواتِك، ونواميَ بركاتِك، ورأفة تحيّاتك، على محمد عبدك ورسولك، الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، والمُعْلن الحقِّ بالحقّ، والدامغ جيشات الأباطيل، كما حَملته فاضطلع بأمْرِِك لطاعِتك، مستوفزاً في مَرْضاتك، لغير نكل في قِدَم، ولا وَهَن في عَزْم، داعياً لوخيك، حافظاً لِعَهْدِك ماضياً على نفاذ أمرك، حتى أورَى قَبَساً لقابس آلاء الله تصل بأهله أسبابه ،به هديت القلوب بعد خَوْضات الفتن والإثم، موضحات الأعلام، وناثرات الأحكام، ومنيرات الإسلام، فهو أمينك المأمون، وخازِنُ عِلمك المخزون، وشهيدُك يوم الدِّين، وبعيثُك نعمة، ورسولك بالحق رحمة اللهم افسح له مفسحاً في عَذلك، واجزه مضاعفاتِ الخَير من
فضلك، مهنَّاتٍ غير مكدِّرات من فَوْزِ ثوابك المحلول، وجَزل عطائك المَعلول، اللهم أعلِ على بناء البانين بناءَه، وأكرِم مثواهُ لديك ونُزُله، وأتمم له نورَه واجزه من ابتعاثِك له مقبول الشهادة، مَرْضِيّ المقالة ذا منطق عَدْل وخُطة ،فصل وبرهان عظيم (1.)قال ابن قتيبة: داحي المدحوّات، أي باسط الأرَضِين، وكان الله تعالى خَلقها رَبوة ثم بَسطها، قال سبحانه: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنَهَا (2)، وكلّ شيء بسطته فقد دَحَوْته ومنه قيل لموضع بَيض النَّعامة : أَدْحِي، لأنها تَدْحُوه للبيض أي تُوسعه ، ووزنهُ أفعول .)وبارئُ المَسْمُوكات خالق السموات. وكلّ شيء رفعته وأعليته فقد سَمَكْته ، وسَمْك البيت والحائط ارتفاعُه، قال الفرزدق :إنّ الذي سَمَك السماءَ بَنَى لنا ***بيتاً دعائمه أعزُّ وأطوَلُوقوله : جبّار القلوب على فِطرَاتها. من قولك جَبَرْت العَظم فجُبر إذا كان مَكْسوراً فلامْتَه وأَقَمْتَه ، كأنه أقامَ القلوب وأثبتَها على ما فَطَرها عليه من معرفته والإقرار به، شقيّها وسعيدها، قال : ولم أجعل جباراً هاهنا، من أجبرتُ فلاناً على الأمر إذا أدخلته فيه كَرْهاً ، وقَسَرْته، لأنّه لا يقال من أفعل فعّال لا أعلم ذلك إلا أنّ بعض القراء قرأ (أَمْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (3)بتشديد الشين وقال : الرشّاد الله، فهذا فعّال من أفعل، وهي قراءة شاذّة، غيرُ مستعمَلة، فأمّا قولُ الله عزّ وجلّ : (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّار )(4)فإنه أراد وما أنتَ عليهم بمسلَّط تسليط الملوك . والجَبابرِة : الملوك، واعتبار ذلك قولُه : (لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُهَيْطِرِ) (5)أي: بمُتَسلّط تسلط الملوك ، فإن كان يجوز أن يقال من أجبرتُ فلاناً على الأمر: أنا جَبارٌ له، وكان هذا محفوظاً، فقد يجوز أن يُجعَل قولُ عليِّ علیه السلام : جبّار القلوب من ذلك، وهو أحسَنُ في المعنى.)وقوله: «الدامغ جَيشات الأباطيل»، أي مُهْلِك ما نَجَم وارتفع من الأباطيل، وأصل الدَّمغ من الدِّماغ، كأنّه الذي يَضرِبِ وَسَط الرأسِ فَيَدْمَغُه ، أي : يصيب الدّماغ منه. ومنه قولُ الله من وجلّ: (بَلْ نَقْذِفُ بِالحَيَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ (6)أي يُبطله والدّماغ مقتل، فإذا أصيبٌ هَلَك صاحبُه .)وجَيْشات: مأخوذٌ من جاشَ الشيءُ أي ارتَفَع، وجاش الماءُ إذا طَمى، وجاشت النفْسُ.وقوله : «كما حمل فاضطَلَع» افتَعَل من الضَّلاعة وهي القوّة.
وقوله : «الغيرِ نُكْل في قِدَم»، النَّكْل : مَصدَر وهو النُّكول ، يقال : نكل فلانٌ عن الأمر يَنكُل نكولاً ، فهذا المشهور ونَكِل بالكسر ينَكل نُكلاً قليلة .والقِدَم : التقدّم، قال أبو زيد : رجلٌ مِقْدام إذا كان شجاعاً، فالقدم يجوزُ أن يكون بمعنى التقدم، وبمعنى المتقدّمِ.قوله : «ولا وَهْن في عَزْم أي ولا ضعف في رأي.وقوله : «حتّى أورى قبساً لقابس»، أي أظهَر نوراً من الحقِّ يقال : أَوْرَيْت النارَ إِذا قَدحْتَ ما ظهر بها قال سبحانه:( أَفَرَيَتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (1).)وقوله : «آلاء الله تصل بأهله أسبابه»، يريد نِعَم الله تَصِل بأهلٍ ذلك القَبَس، - وهو الإسلام والحقّ سبحانه - أسبابَه وأهله المؤمنون به.قلتُ : تقديرُ الكلام حتى أورى قبساً لِقابس تَصِل أسبابُ ذلك القَبس آلاء الله ونِعمَهُ بأهلِه المؤمنين به واعلم أنّ اللام في «الغير نُكل» متعلقةٌ بقوله : «مستوفِزاً»، أي هو مُستوفِزٌ لغير نُكول، بل للخوف منك، والخضوع لك .قال ابنُ قُتَيبة : قوله علیه السلام: «به هَدَيتَ القلوب بَعدَ الكُفر ، والفِتَن مُوضحات الأعلام» ، أي هديته لمُوضحات الأعلام ، يقال هَدَيتَ الطّريق وللطريق وإلى الطريق.وقولُه : نائرات الأحكام، ومُنيرات الإسلام يريد الواضحات البّينات، يقال: نار الشيءُ وأنارَ، إذا وَضَح.وقولُه : «شهيدك يومَ الدّين»، أي الشّاهد على النّاس يومَ القيامة. وبَعِيتُك رَحْمة، أي عُوتُكَ، فَعِيل في معنى مَفعول . وقوله : «افسَح له مَفسَحاً»، أي أوسِع له سَعةً، ورُوِي «مُفتسحاً» بالتاء .قوله : «فِي عَدلك» أي في دار عدلك، يعني يومَ القيامة، ومن رواه: «عَدْنِك» بالنون، أراد جَنَّةَ عَدْنٍ.وقوله : «من جَزْل عطائك المغلول» ، من العَلَل، وهو الشَّرْب بعد الشُّرب، فالشُّرب الأوّل نَهَل، والثاني عَلَل، يريد أنّ عطاءَه عزّ وجلّ مُضاعَف كأنّه يَعُلّ عِبادَه، أي يُعطيهم عطاء بعد عَطاء.وقوله : «أعل على بناء البانين بناءَه»، أي ارْفَع فَوقَ أعمال العاملين عَمَلَه . وأكرِم مثواه، أي مَنزِلَته من قولك : ثويت بالمكان أي نَزَلْته وأقمت به، ونُزله : رزقه .
1) سورة الواقعة، الآية : 71 .
ونحن قد ذَكَرْنا بعضَ هذه الكلمات فيما تقدّم على رواية الرّضي رحمه الله وهي مخالِفةً لهذه الرواية وشرحنا ما رَواه الرّضيّ، وذَكَرْنا الآن ما رواه ابن قتيبة وشرَحَه لأنّه لا يخلو من فائدة جديدة .ومنها قوله علیه السلام: خُذ الحكمةَ أنَّى أتتك فإنّ الكلمة من الحكمة تكونُ في صدر المنافق فتَلَجْلَجُ في صَدْرِه حتى تَسكُن إلى صاحبها .قال ابن قتيبة : يريدُ الكلمة قد يَعلَمها المنافقُ فلا تزال تتحرّك في صَدْرِه ولا تَسكُن حتّى یَسمَعَها منه المؤمنُ أو العالم فيعِيها ويثقفها ويَفقهها منه ، فتَسكُن في صَدْره إلى أخواتها من كَلِم الحِكمة .ومنها قوله علیه السلام : البيت المَعمور نتاقُ الكَعْبة من فَوْقِها .قال ابنُ قُتيبة : نِتاقُ الكَعْبة، أي مُظلّ عليها من فوقِها، من قول الله سبحانه: ﴿وَإِذْ نَنقنا الجبل فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَةٌ (1)، أي زُعزع فأظلّ عليهم .)ومنها قولُه علیه السلام : «أنا قَسيم النار»، قال ابن قُتَيبة : أراد أنّ الناسَ فريقان: فريقٌ معي فهم على هُدًى، وفريقٌ عليَّ فهم على ضَلالة، كالخَوارج، ولم يَجْسُر ابن قُتيبة أن يقول : «وكأهل الشّام» يتورّع يزعم ، ثمّ إن الله أنطَقَه بما تورّع عن ذِكْرِه، فقال متمِّماً للكلام بقوله : فأنا قَسِيم النّار، نصفٌ في الجنّة معي، ونصفٌ في النار، قال : وقَسِيم في معنى مُقاسِم، مثل جَليس وأكيل وشَرِيب.قلت : قد ذكر أبو عُبَيد الهَرَويّ هذه الكلمةَ في الجَمْع بين الغَرِيبَين ، قال : وقال قوم: إنّه لم يُرِد ما ذَكَره، وإنما أراد: هو قَسِيم النّار والجنّة يوم القيامة حقيقة، يقسم الأمة فيقولُ هذا للجنة، وهذا للنار .### خطبة الإمام علي علیه السلام الخالية من الألفوأنا الآن أذكُرُ من كلامِهِ الغريب ما لم يُورِده أبو عُبيد وابن قُتَيبة في كلامهما وأشرَحُه أيضاً، وهي خُطْبَةٌ رواها كثيرٌ من الناس له علیه السلام خاليّةٌ من حَرف الألف ، قالوا : تذاكر قوم من
1) سورة الأعراف الآية : 171 .
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أيُّ حروف الهجاء أدخَل في الكلامِ؟ فأجمَعوا على الألف، فقال عليُّ علیه السلام :حَمِدْتُ مَنْ عظمت ،مِئَته وسَبَعت نعمته، وسبقت غضبه رحمته، وتمت كلمته، ونفذت مشيئته، وبلغت قضيته ، حَمِدته حمد مقر بربوبيته، متخضِّعٍ لعبوديَّته، متنصل من خطيئته، متفرِّد بتوحيدِهِ، مؤملٍ منه مغفرةً تُنجيه، يومَ يُشْغَلُ عن فصيلتِهِ وبنيه .ونستعيُنُه ونسترشدُهُ ونستهديه، ونُؤْمِنُ بِهِ ونتوكَّلُ عليه، وشهدُتُ له شهودَ مُخلِص موقِنِ، وفَرَّدْتُهُ تفريد مُؤْمِنٍ مُتيقن، ووحَّدتُهُ توحيدَ عبدٍ مذعِن ،ليس له شريكٌ في مُلْكِهِ، ولم يكن له وليُّ في صنعِهِ جَلَّ عن مشير ووزير، وعن عوْنِ مُعِينٍ ونصيرٍ ونظيرٍ.عَلِمَ ،فستر، وبَطن فخبرَ، وملكَ فقهرَ، وعُصى فغفر، وحكم فعدلَ، لم يزل ولن يزولَ، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَى (1)، وهو بعد كلَّ شيء ربِّ متعزّز بعزّيّه، متمكن بِقُوَّتِهِ، متقدّسٌ يعلوِّه، متكبّرٌ بسموِّه، ليس يدركُهُ بصرٌ، ولم يُحِط به نظرٌ ،قويٌ منيعٌ، بصيرٌ سميع، رؤوفٌ رحيمٌ.)عَجَزَ عن وصفِهِ من يصفهُ، وضَلَّ عن نعته من يعرفه .قرُبَ فبعد، وبعد فقرب، يُجيب دعوةَ من يدعوه، ويرزُقُه ويحبوه، نو لطف خَفِيَّ، ويطشِ قويِّ، ورحمة مُوسَعةٍ، وعقوبة موجعةٍ، رَحْمَتُهُ جنة عريضة موفقة، وعقوبته جحيمٌ ممدودةٌ موبقةٌ .وشهِدْتُ ببعث محمدِ رسولهِ، وعبدِهِ وصفيَّه، ونبيه ونَجِيه، وحبيبه وخليلِهِ، بعثه في عصرٍ، وحين فترة وكفر، رحمةً لعبيده، ومنةٌ لمزيدِهِ، ختم به نبوّتَهُ، وشيّدَ به حجّته، فوعظ ونصح ، وبلغ وكدح ، رؤوفٌ بكلِّ مؤمن، رحيمٌ سخيَّ ، رضيُّ وليُّ زكيُّ، عليه رحمةٌ وتسليمٌ، وبركةً وتكريمٌ، مِنْ رَبِّ غَفُورٍ رَحِيمٍ، قريبٍ مُحِيبٍ .وَصيَّتكُمْ معشرَ من حضرني بوصيَّةِ رَبِّكُم، وذكرتكُم بسنة نبيكُمْ، فعليكم برَهْبَةٍ تَسْكُنُ قلوبكم، وخشية تُذري دُمُوعكم، وتقيّة تنجيكُمْ قَبْل يوْم تُبليكم وتذهلكم، يوْمَ يفوز فيه من ثقل وزنُ حَسنته، وخف وزن سيئته، ولتكن مسألتكم وتملقكُمْ مسألة ذلّ وخضوع وشكر وخشوع بتؤبة وتورّع وندم ورجُوعِ ، وليغتنم كلُّ مُعْتَنِم منكُمْ صحته قبل سقمه، وشبيبته قبل هَرَمِهِ، وسعته قبلَ فَقْرِهِ، وَفَرْغَتَهُ قبل شغله، وحضره قبل سفره، قبل تكبر وتَهَرُّم وتسقم، يملهُ طبيبه، ويعْرِضْ عَنْهُ حبيبه وينقطعُ عَمْدُهُ، ويتغيَّرُ ،عقله، ثم قيلَ : هُوَ موعُوكٌ، وَجَسمُهُ مَنْهُودٌ ، ثم جُدَّ في نزع ،شدِيدٍ وحضرَهُ كُلُّ قَرِيبٍ وبعيد ، فشَخَصَ بصرُهُ ، وطمح نظرهُ، ورَشَحَ جبينه، وعطف عَرِيتُهُ، وسَكَن حَنِينُهُ ، وحزَنْته نفسه، وبكتهُ عِرْسُهُ، وحُفِرَ رَمْسهُ ، ويُتمَ مِنْهُ ولَدُهُ، وتفرّق منْهُ عدَدُهُ، وقُسِمَ جَمْعُه ، وذَهَبَ بصرُهُ وسَمْعُهُ، ومدَّدَ وجُرَّدَ ، وعُرّي وغسِلَ، ونُشف وسُجِّيَ،
1) سورة الشورى الآية: 11 .
ويُسط له وهيّئ، ونُشر عليهِ گفته، وشُدَّ مِنْهُ ذَقَنُهُ ، وقُمْصَ وعمم، ووُدِع وسلّم، وحُمِلَ فَوْقَ سرير وصلي عليْهِ بتكبير، ونُقِل مِنْ دُورٍ مُؤَخَرَفَةٍ، وقُصُورٍ مُشيَّدَةٍ، وحُجَرٍ مُنجَلَةٍ، وجعل في ضريح ملْحُودٍ وضيق مرصود، بلبن منضود مسقف بجلمود وهيل عليه حفره، وحُشِيَ عَلَيْهِ مَدَرُهُ، وتحققَ حِفْرُهُ، ونُسِيَ خيره، ورجع عنه وليه وصفيه، ونديمه ونسيبه، وتبدل به قرینه حبيبة، فهو حشو قبر ورهين قفر، يسعى بجسمه دود قبره، ويسيل صديدَهُ مِنْ مَنْخِرِه، يسحق تُزيه للحمة ، وينشَفُ دَعَهُ، ويَوم عظمَهُ حَتَّى يَوْم حشره، فتُشِرَ مِنْ قَبْرِهِ حِينَ يُنْفَخُ فِي صُورٍ، ويُدعى بحشر ونشورٍ.فتم بعثرتُ قُبور، وحُصلَتْ سَرِيرَةُ صُدُورٍ، وَجيءَ بِكل نبي وصديق وشهيد، وتوحد لِلفَضلِ قدير بعبله خبير بصير نكُمْ مِنْ زَفْرَة تُضنيه، وحسرة تنفيه، في موقفٍ مَهول، ومَشْهَدِ جَليل، بَيْنَ يَدَيْ ملك عظيم، ويكلِّ صَغِيرٍ وكَبيرِ عَليم، فحينئذٍ يُلْحِمُهُ عرَقْهُ، ويُحصِرُه قلقه، عبرته غير مرحومة، وصرخته غير مسموعة، وحجته غير مقولة، زالت جريدته، ونشرت صحيفته، نظر في سوء عمله، وشهدت عليه عينه بنظره، ويده ببطشه، ورجله بخطوه، وفرجه بلمسه، وجلده بمسه، فسليل جيده، وخُلَّتْ يده، وسيق فسحب وخلص فورد جهنَّمَ بكرْبٍ وشدّةٍ، فظل يعذِّبُ في جحيم، ويُشقى شَرْبةٌ مِنْ حَمِيمٍ تَشْوي وجْهَهُ وتسلح جلْدَهُ، وتضربهُ زِبْنِيَّةٌ بمقْمَع مِنْ حَدِيدٍ، ويعودُ جلده بَعْدَ نضجه كجَلْدٍ جديدٍ، يستغيث فتعرض عنه خزنةُ جَهَنَّمَ، ويستضرِحُ فيلبث حقبةٌ يَنْدَمُ .نَعُوذُ بِرَبِّ قَدِيرٍ، مِنْ شَرِّ كلِّ مصيرٍ ، ونَسْأله عفو مَنْ رَضِيَ عنه، ومغفرة مَنْ قبله، فهو وليُّ مسألتي، ومُنجح طلبتي، فمنْ زُحْزِحَ عَنْ تعذيب رَبِّهِ جُعِل في جَنَّتِهِ بِقُرْبهِ، وخلد في قصورٍ مُشيَّدة، ومُلْكِ بحور عين وحفدة، وطيف عليه بكؤوس، أسكن في حَظِيرَة قُدوس، وتقلبَ في نعيم، وسُقي مِنْ تسنيم ، وشرب مِنْ عَيْنٍ سَلْسَبيل، ومزج له بزنجبيل، مُخَتُم بِمسك وعبير، مُستَدِيم للملكِ، مُستشَعرٍ لِلسُّرُر ، يشربُ مِنْ خُمُورٍ ، في روض مُعْدِقٍ، لَيْسَ يُصَدِّعُ مَنْ شَرِبَه ، ولَيْسَ يُنزَف.هَذِهِ مَنْزِلةُ مَنْ خشي ربَّهُ ، وحذر نفسَهُ معصيته، وتلك عُقوبةٌ مَنْ جَحَد مشيئته، وسولت له نفسه معصيته، فهو قَوْل فصل وحكم عدل وخبر قصص قص، وَوَعْظ نَصُّ، (تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ و حمید (1)نَزَلَ بِهِ رُوحُ قُدُسِ مُبين، عَلَى قَلْب نبي مُهْتَدِ رَشِيد، صلَّتْ عَليهِ رُسُلٌ سَفَرَةٌ، مُكَرَّمُونَ بَرَرَةٌ، عُذتُ بربِّ عَلِيمٍ، رَحِيمٍ كَريمٍ مِنْ شَرِّ كُلِّ عَدُوٌّ لَعِينِ رَجِيمِ، فَلْيَتضرَّعُ مُتَضرعكم، وليبتهلْ مُبتهلُكُمْ ، وليستغفر كل مزبوب منكُمْ لي ولكم، وحسبي رَبِّي وَحدَهُ.)
1) سورة فصلت الآية : 42 .
الشرح: فصيلةُ الرجل: رهطُه الأذَنون. وكدح : سعى سعياً فيه تعب، وفرغته: الواحدةُ من الفَراغ ، تقول : فَرَغْت فرغةً، كقولك : ضربتُ ضربةً. وسجى الميت : بسط عليه رداءً .ونَشَر الميّت من قبّره بفتح النون ،والشين، وأَنشَرَه الله تعالى.وبُعثرِت قبور : انتَشرت ونُبِشَتْ.قوله: «وسيق بسحب وحدَه»، لأنه إذا كان معه غيره كان كالمتأسِّي بغيره، فكان أخفّ لألمه وعذابه، وإذا كان وحده كان أشدّ ألماً وأهول، وروي «فسيقَ يُسحَب وحدَه» وهذا أقرب إلى تناسُب الفَقْرتين، وذاك أفخم معنًى.وزينية على وَزْن «عِفْرِية» واحد الزبانية، وهم عند العرب الشّرط، وسُمِّيَ بذلك بعض الملائكة لدَفعهم أهل النار إليها كما يَفعل الشّرط في الدُّنيا، ومن أهل اللّغة من يجعَل واحد الزّبانية زبانيّ. وقال بعضهم: زَابن، ومنهم من قال : هو جمع لا واحد له نحو أبابيل وعبادِيد، وأصل الزبن في اللّغة الدَّفْع ، ومنه ناقَةٌ زَبُون : تَضرب حالتَها وتَدفعه.وتقول : مَلك زيدٌ بفلانةَ بغير ألف، والباء هاهنا زائدة كما زيدت في «كَفَى بالله حسيباً»، وإنما حَكمنا بزيادتها لأنّ العَرَب تقول : ملكتُ أنا فلانةً أي تزوّجتها، وأملكت فلانةً بزيدٍ أي زوّجتها به، فلمّا جاءت الباء هاهنا ولم يكن بُدِّ من إثبات الألف لأجل مجيئها جعلناها زائدة، وصار تقديرُه : ومَلَك حُوراً عيناً .وقال المفسِّرون في تَسنيم : إنه اسمُ ماءٍ في الجنة سُمِّي بذلك لأنه يجري من فوق الغُرف والقُصور.وقالوا في سلسبيل : إنه اسمُ عَيْنٍ في الجنة ليس يُنزِف ولا يُحْمِّرُ كما يُحْمَر شارب الخمر في الدنيا .انقضَى هَذا الفصلُ، ثم رجعنا إلى سَنَن الغرَضِ الأَوَّل .****- 267 -الأصل: وقال علیه السلام : لمَّا بَلغهُ إغارَةُ أَصْحابِ معاوِيةَ على الأنبار، فخرج بنفسِه ماشياً حتی لي أتى النُّخَيْلَةَ ، وادْرَكهُ النَّاس وقالوا : يا أمير المؤمنين، نحن نكفيكهم، فقال علیه السلام: والله ما تَكْفُونَنِي أَنْفُسَكُمْ، فَكَيْفَ تَكْفُونَنِي غَيْرَكُمْ إِنْ كَانَتْ الرِّعَايَا قَبْلِي لَتَشْكُو حَيْفَ رُمَاتِهَا ، فَإِنِّي اليَوْمَ لأَشْكُو حَيْف رَعِيَّتِي، كأنَّني المَقُودُ وَهُمُ الْقَادَةُ ، أَوِ المَوْزُوعُ وَهُمُالوَزَعَةُ
قال : فلمّا قال هذا القول في كلام طَويلِ قد ذكرنا مُخْتَارَهُ في جملةِ الخُطب، تقدّم إِلَيْهِ رَجلان من أصحابه، فقال أحدهما : (إنّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي (1)، فمُرْنَا بِأَمْرِكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ تُنفّذ، فقال: وَأَيْنَ تَقَعَانِ مِمَّا أُرِيدُ !)الشرح: السّنن الطريقة، يقال: تَنعٌ عن السَّنن، أي عن وَجه الطريق. والنُّخَيلة: بظاهر الكوفة، ورُوي ما تَكْفُوني» بحذف النون.والحيف : الظلمِ.والوَزَعة : جمع وازع ، وهو الدافع الكافّ.ومعنى قوله : «ما تكفُونني أنفسَكم»، أي أفعالُكم رديئةٌ قبيحةٌ تحتاجُ إلى جند غيركم أستعين بهم على تثقيفِكم وتهذيبكم ، فَمَنْ هذه حاله كيف أثقف به غَيره، وأهذِّب به سواه!وإن كانت الرعايا : إن هاهنا مخفّفة من الثقيلة، ولذلك دَخَلت اللام في جوابها.وقد تقدّم ذكرُنا هذين الرّجلين وإن أحدهما قال : يا أمير المؤمنين، أقول لكَ ما قاله العبد الصالح: (رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي . فشكر لهما وقال: وأين تقعان ممّا أريد!)- 268 -الأصل: وَقِيلَ : إِنَّ الحَارِثُ بنَ حَوْطٍ أتاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَالَ لَهُ : أَتُرَانِي أَظُنُّ أَنْ أَصْحَابَ الجَمَلِ كَانُوا عَلَى ضَلالةٍ؟فَقَالَ علیه السلام: يَا حَارٍ ، إِنَّكَ نَظَرْتَ تَحْتَكَ، وَلَمْ تَنظُرْ فَوْقَكَ فَحِرْتَ إِنَّكَ لَمْ تَعْرِفِ الحَقِّ فَتَعْرِفَ أَهْلَهُ، وَلَمْ تَعْرِفِ الْبَاطِلَ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ .فَقَالَ الْحَارِثُ : فَإِنِّي أَعْتَزِلُ مَعَ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَر .فقال علیه السلام : إِنَّ سَعْداً وَعَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ لَمْ يَنْصُرَا الحَقِّ، وَلَمْ يَخُذلا الباطل.
1) سورة المائدة الآية: 25 .
الشرح: اللّفظة الّتي وردتّ قبلُ احسن من هذه اللفظة، وهي: أولئك قومٌ خَلَّلُوا الحق ولم ينصرُوا الباطل، وتلك كانت حالهم، فإنّهم خذلوا عليا ولم ينصُروا مُعاويَة ولا أصحابَ الجَمَل.فأمَّا هذه اللّفظة ففيها إشكالُ، لأنّ سعداً وعبد الله لَعَمْرِي إِنَّهُما لم يَنصُرا الحقّ، وهو جانبُ عليّ علیه السلام، لكنّهما خَذُلا الباطلَ، وهو جانبُ معاويةَ وأصحاب الجَمَل، فإنّهم لم يَنصُروهم في حَرْب ،قط لا يأنفسهم ولا بأموالهم ولا بأولادهم، فينبغي أن تتأول كلامَه فنقول : إنّه ليس يعني بالخذلان عدمَ المُساعَدة في الحرب، بل يَعني بالخذلان هاهنا كلَّ ما أثر في مَحْق الباطل وإزالته، قال الشاعر يصف فَرَساً :وهو كالَّدلوِ بكفَّ المستَقِي ***خذلت عنه العَراقي فأَنجَذَمْأي باينته العراقي، فلمّا كان كلّ مؤثِّر في إزالِة شيءٍ مُبليناً له نقل اللّفظ بالاشتراك في الأمر العامّ إليه، ولمّا كان سعدٌ وعبدُ الله لم يَقُومَا خَطِيبَين في النّاس يُعلِّمانهم باطلاً معاويةَ وأصحاب الجمل، لم يَكشِفا اللَّبس والشُّبهة الداخلةَ على الناس في حَرب هذين الفَرِيقين، ولم يُوضحا وجوبَ طاعة علىّ علیه السلام فيرد الناسَ عن اتّباع صاحب الجَمَل وأهل الشام صدق عليهما أنّهما لم يَخذُلا الباطل. ويُمكن أن يتأوّل على وجهٍ آخَر، وذلك أنّه قد جاء خذلت الوحشيّة. إذا قامَتْ على ولدها، فيكون معنى قوله : «ولم يَخذُلا الباطل»، أي لم يقيما عليه ويَنْصُراه، فترجع هذه اللّفظة إلى اللّفظة الأولى، وهي قوله : «أولئك قوم خذلُوا الحقّ ولم يَنصروا الباطلَ».والحارث بن حَوط بالحاء المهملة. ويقال: إن الموجود في خَطّ الرضي «ابن خوط» بالخاء المعجمة المضمومة .- 269 -الأصل: صَاحِبُ السُّلْطانِ كَرَاكِب الأَسَدِ يُعْبَطُ بِمَوْقِهِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَوْضِعِهِ.### بعض ما قيل في صحبة السلطانالشرح: قد جاء في صُحْبة السّلطان أمثال حِكَمية مستحسَنةٌ تُناسب هذا المعنى، أو تَجرِي مَجْراه في شرح حال السلطان، نحو قولهم : صاحب السلطان كراكب الأسَد يهابُه الناس، وهو لمرْكُويه أهيب.
وكان يقال: إذا صَحِبْتَ السلطانَ فلتكن مُدَارَاتُك له مُداراة المرأة القبيحةِ لبَعْلِها المُبغض لها ، فإنّها لا تدع التصنع له على حالٍ.قيل للعَتَّابي : لم لا تَقصِد الأمير ؟ قال : لأني أراء يُعطِي واحداً لغيرِ حَسَنة ولا يَدٍ، ويَقتُل آخر بلا سيّئة ولا ذَنْب ولستُ أدري أي الرّجُلين أكون! ولا أرجو منه مقدار ما أخاطِر به .وكان يقال : العاقل مَن طَلَب السلامةَ مِن عَمَل السلطان لأنّه إن عَفْ جَنى عليه العَفاف عداوةَ الخاصّة، وإن بَسَط يده جنّى عليه البسط السنة الرّعية .وكان سعيدُ بنُ حُمَيد يقول : عمل السّلطان كالحمّام، الخارج يُؤثر الدخول، والداخل يُؤثر الخروج.ابن المقفَّع : إقبالُ السّلطان على أصحابِه تَعَب، وإعراضُه عنهم مَذَلَّة.وقال آخر : السلطان إن أرضَيْتَه ،أتعبَك، وإن أغضبته أعطَيَك .وكان يقال: إذا كنتَ مع السلطان فكُنْ حَذِراً منه عند تقريبه ، كاتماً لِسرِه إذا استَسَرّك، وأميناً على ما أنتَمنَك تشكر له ولا تكلّفه الشكر لك، وتُعلّمه وكأنك تتعلم منه وتؤدّبه وكأنه يؤذِّيُك، بصيراً بهواء، مؤثراً لمنفعته ذليلاً إنْ ضامَك، راضياً إن أعطاك، قانعاً إِنْ حَرَمك، وإلا فأبعد منه كلّ البُعد.وقيل لبعضِ مَن يَخدم السلطانَ: لا تَصحَبهم، فإنّ مَثَلهم مَثَل قدر التثور، كلّما مسّه الإنسانُ اسوَدّ منه ، فقال : إن كان خارج تلك القِدْر أسود قداخِلُها أبيض.وكان يقال : أفضَل ما عُوشِر به المُلوك قلّة الخلاف، وتخفيف المؤونة .وكان يقال : لا يقدر على صُحبة السلطان إلا من يستقلّ بما حملوه، ولا يُلحِف إذا سألَهم، ولا يغترّ بهم إذا رَضُوا عنه، ولا يتغيّر لهم إذا سَخطوا عليه، ولا يَطغَى إذا سَلّطوه، ولا يبطر إذا أكرَموه.وكان يقال: إذا جعلتك السلطانُ أخاً فاجعله رَبَّا ، وإن زادك فزِده.وقال أبو حازم : للسُّلطان كُحْل يَكحل به مَنْ يُولِّيه، فلا يُبْصِر حتى يُعزَل .وكان يقال : لا يَنبغي لصاحب السلطان أن يبتدئَه بالمسألة عن حاله، فإن ذلك من كلام النَّوْكَى ، وإذا أردت أن تقول : كيف أصبح الأمير؟ فقل : صَبّح الله الأمير بالكرامة، وإن أردت أن تقول : كيف يجد الأمير نفسه؟ فقل : وهب الله الأمير العافية، ونحو هذا، فإن المسألة تُوجب الجواب، فإن لم يُجِبُك اشتدّ عليك، وإن أجابك اشتدّ عليه.وكان يقال : صُحبةُ المُلوك بغير أدب كركوب الفلاة بغير ماء .
وكان يقال : ينبغي لمن صَحِب السلطانَ أن يستعدّ للعُذْرِِ من ذَنْبٍ لم يَجْنِه، وأن يكون آنسَ ما يكونُ به، أوحشَ ما يكونُ منه .وكان يقال : شِدّة الانقباضِ من السّلطان تُورث التهمة، وسُهولة الانبساط إليه تُورث الملالة .وكان يقال : أصحب السلطان بإعْمالِ الحَذَر، ورفض الدّالّة، والاجتهاد في النّصيحة، وليَكُن رأس مالِكَ عنده ثلاث : الرّضا، والصبر، والصِّدق .واعلم أنّ لكل شيء حَدًّا ، فما جاوَزَه كان سَرَفاً، وما قَصّر عنه كان عَجْزاً، فلا تبلُغ بك نصيحةُ السّلطان أن تُعادِيَ حاشيَته وخاصّتَه وأهلَه، فإنّ ذلك ليس من حَقّه عليك، وليَكُن أَقضَى لحقِّه عنك، وأدعى لاستمرارِ السّلامة لك، أن تستصلح أولئك جُهْدَك، فإنّك إذا فعلتَ ذلك شكرتَ نعمَته، وأَمِنْتَ سطوَتَه، وقلّلت عدوّك عنده، وإذا جاريتَ عند السلطان كُفْواً من أكفائِك فلتكنُ مُجاراتُك ومُباراتُك إيّاه بالحجّة، وإن عَضَهك، وبالرفق وإن خَرف بك. واحذر أن يستلحّك فتَحمَى، فإنّ الغَضَب يُعمِي عن الفرصة، ويَقطَع عن الحجّة، ويُظهر عليك الخَصم، ولا تتورّدَن على السلطان بالدّالّة وإن كان أخاك ولا بالحجّة وإن وثقتَ أنّها لك، ولا بالنصيحة وإن كانت له ،دونك، فإنّ السلطان يعرض له ثلاث دونَ ثلاث : القدرة دونَ الكَرَم ، والحَمِيّة دون النصفة، واللجاج دونَ الحَظّ .- 270-الأصل: احْسِنُوا فِي عَقِبٍ غَيْرِكُمْ تُحْفَظُوا في عَقِبِكُمْ.الشرح: أكثر ما في هذه الدنيا يقع على سبيل القَرض والمكافأة، فقد رأينا عِياناً مَن ظَلم الناس فظُلِم عقِبُه ،ووَلدُه، ورأينا من قَتلَ الناس فقُتِل عَقِبه وولدُه، ورأينا من أخْرَب دُوراً فأُخرِِبتْ داره، ورأينا من أحسَن إلى أعقاب أهل النعم فأحسَنَ الله إلى عقَبِه وولدهِ.وقرأتُ في تاريخ أحمد بن طاهر أنّ الرشيد أرسَل إلى يحيى بن خالد وهو في محبسه يقرِّعه بذنوبه، ويقول له : كيف رأيت ألَمْ أَخَرِّبْ دارك؟ ألم أقتُل ولدك جعفراً؟ ألم أنْهَب مالك؟ يحيى للرسول قُل له : أما إخْرابُك داري فستُخرَّب دارُك، وأما قتلك ولدي جعفراً فسيُقتل ولدُك محمد، وأما نهبُك مالي فسيُنْهَب مالك وخِزانَتُك. فلما عاد الرسولُ إليه بالجواب وَجَمَ طويلاً وحزن، وقال: والله ليكونن ما قال فإنه لم يَقُل لي شيئاً قط إلا وكان كما قال، فأخربَتْ
دارُه - وهي الخلَد - في حِصارِ بَغداد ، وقُتِل ولده محمد، ونُهب مالُه، وخزانتُه، نهبها طاهر بنُ الحسين .- 271 -الأصل: إِنَّ كَلامِ الحُكماءِ إِذا كَانَ صَوَاباً كَانَ دَوَاءٌ ، وإِذا كَان خَطَأَ كَانَ دَاءً .الشرح: كلّ كلام يقلّد المتكلّم به لحسن عقيدةِ الناس فيه نحو كلام الحكماء وكلام الفُضلاء والعُلماء من الناس إذا كان صواباً كان دواء وإذا كان خطأ كان داءٌ ، لأنّ الناس يَحذُون حَدة المتكلّم به، ويقلدونه فيما يتضمّنه ذلك الكلامُ من الآداب والأوامر والنَّواهي، فإذا كان حقَّا أفلحوا، وحَصَل لهم الثّواب واتّباع الحقّ، وكانوا كالدَّواءِ المُبرِئ للسّقَم، وإذا كان ذلك الكلامُ خطأ واتّبعوه خسروا ولم يفُلِحوا ، فكان بمنزلة الداء والمَرَض.- 272 -الأصل: وقالَ علیه السلام حينَ سألهُ رجلٌ أنْ يُعَرِّفَهُ ما الإيمانُ، فقال : إِذَا كَانَ عَدُ فَأْتِنِي حَتَّى أخبِركَ على أسماعِ النَّاس، فإن نسيت مقالتي حَفِظها عَلَيْكَ غَيْرُكَ، فَإِنَّ الكَلامَ كالشَّارِدَةِ يَثْقَفُهَا هَذَا ويُخْطِتُهَا هَذَا .قال : وقد ذكرنا ما أجابَه علیه السلام فيما تقدَّم من هذا الباب، وهو قوله : «الإيماُن على أربع شعب».الشرح: يقول : إذا كان غَدٌْ فأتني فتكون «كان» هاهنا تامّة، أي إذا حَدَث ووُجِد، وتقول : إذا كان غداً فأتني فيكون النصب باعتبار آخر ، أي إذا كان الزمان غداً ، أي موصوفاً بأنه من الغَدِ، ومن النحويين من يقدَّره : إذا كان الكونُ غداً، لأنّ الفعل يدلّ على المَصدَر ، والكَوْن هو التجدّد والحدوث.و قائل هذا القول يُرجّحه على القول الآخر، لأنّ الفاعل عندهم لا يُحذَف إلا إذا كان في الكلام دليلٌ عليه ·
ويثقفَها ، يجدها ، ثَقِفتُ كذا ،بالكسر أي وجدته وصادفته.والشاردة الصّالة.-273 -الأصل: يا بنَ آدَمَ لا تَحْمِلْ هَمَّ يَوْمِكَ الَّذِي لَمْ يَأْتِكَ عَلَى يَوْمِكَ الَّذِي اتاك، فإنهُ إِنْ يَكُنْ مِنْ عُمُركَ يَاتِ الله فيهِ بِرِزْقِكَ.الشرح: قد تقدَّم هذا الفصلُ بتمامه . واعلَمُ أنّ كلّ ما أدْخَرْتَه مما هو فاضل عن قوتك فإنما أنت فيه خازنٌ لغََيرك.وخلاصةُ هذا الفصل النهيُ عن الحِرص على الدّنيا والاهتمام لها، وإعلامُ الناس أن الله تعالى قد قَسم الرّزق لكل حَيَّ مِن خلقِه، فلو لم يتكلَّف الإنسان فيه لأتاه رِِزْقه من حيث لا يحتسب .وفي المَثل : يا رزّاقَ البُغاث في عُشِّه.وإذا نظر الإنسانُ إلى الدّودة المكنونة داخلَ الصخرة كيف تُرزَق، علم أنّ صانع العالم قد تكفّل لكل ذي حياة بمادة تقيم حياته إلى انقضاءِ عُمُرِه .-274-الأصل: أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً ما ، عَسَى انْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَا ، وَأَبْغِضُ بَغِيضَكَ هَوْناً ما ، عَسَى أَن يَكُونَ حَبِيبكَ يَوْماً مَا .الشرح: الهون بالفتح : التأنّي، والبغيض: المبغض.وخلاصةُ هذه الكلمة: النّهي عن الإسراف في المودّة والبِغضة، فربّما انقلب من تَودّ فصار عدواً، وربّما انقلب مَنْ تُعادِيه فصار صديقاً .وقد تقدّم القولُ في ذلك على أتمّ ما يكون .
وقال بعضُ الحكماء : توَقَّ الإفراطَ في المحبّة، فإن الإفراط فيها داعٍ إلى التّقصیر منها، ولأن تكونَ الحالُ بينَك وبينَ حبيبك نامية أولى من أن تكون مُتناهية .ومن كلام عمَرَ: لا يكن حبُّك كلفاً، ولا بغضك تَلفاً .وقال الشاعر :راحبِب إذا أحببت حُباً مقارباً*** فإنّك لا تدّري متى انت نازعٌ!وأبغض إذا أبغضت غير مباينٍ*** فإنّك لا تدري متى أنتَ راجعُ!وقال عَدِيٌّ بن زيد :ولا تأمَنن من مُبْغِض قربَ داره*** ولا مِن محِبِ أن يملِّ فيبعدا- 275-الأصل: النَّاسُ فِي الدُّنْيَا عَامِلان:عَامِل فِي الدُّنْيَا للدُّنْيَا، قَدْ شَغَلَتْهُ دُنْيَاهُ مَنْ آخِرَيْهِ يَخْشَى عَلَى مَنْ يُخَلِّفُ الْفَقْرَ، وَيَأْمَنُهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَيُغْنِي عُمرَهُ فِي مَنفَعَةِ غَيْرِهِ.وَعَامِل عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لِما بَعْدَهَا، فَجَاءَهُ الَّذِي له من الدنيا بِغَيْرِ عَمَلٍ، فَأَحْرَزُ الحقِّيْنِ معاً، وَمَلَكَ الدَّارَيْن جَمِيعاً ، فَأَصْبَحَ وَجيهاً عِندَ الله ، لا يَسْأَلُ الله حَاجَةٌ فيمنعه.الشرح معنى قوله : «ويأمنُه على نَفْسِه»، أي ولا يبالي أن يكون هو فقيراً، لأنه يعيش عَيشَ الفقراء وإن كان ذا مالٍ، لكنه يدخر المال لولده فيقني عمرَه في منفعة غيره.ويجوز أن يكون معناه إنه لكثرة ماله قد أمن الفقر على نفسه ما دام حَيَّا، ولكنه لا يأمَن الفقر على ولده لأنه لا يثق من ولده بحُسْن الاكتساب كما وثق من نفسه، فلا يزال في الاكتساب والازدياد منه لمنفعة ولده الذي يخاف عليه الفقرَ بعد مَوْته .فأما العاملُ في الدنيا لما بعدها فهم أصحابُ العبادة، يأتيهم رزقُهم بغير اكتساب ولا كَد ،وقد حصلت لهم الآخرةُ، فقد حُصل لهم الحظَّان جميعاً.
الأصل: وَرُوِيَ أنهُ ذُكرَ عِنْدَ عمر بن الخطاب في أيامهِ حَلْي الكعبة وكثرَتْهُ ، فقال قوم: لو أخذْتَهُ فَجَهَّزْتَ بهِ جيوش المسلمين، كان أعظم للأجر، وما تَصْنعُ الكعبةُ بالحلّي !فهمَّ عُمرُ بذلك، وسأل عنه أمير المؤمنين علیه السلام ، فقال : إِنَّ هَذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلی الله علیه وآله وسلم وَالأَمْوَالُ أَرْبَعَةٌ : أَمْوَالُ المُسْلِمِينَ، فَقَسَّمَها بَيْنَ الوَرَثَةِ فِي الفَرَائِضِ، وَالفَيْءُ فَقَسَّمَهُ عَلَى مُسْتَحِقِّيهِ، وَالخُمْسُ فَوَضَعَه اللهُ حَيْثُ وَضَعَهُ ، والصَّدَقاتُ فَجَعَلَهَا اللهُ حَيْثُ جَعَلها ، وكَانَ حَلْي الكعبة فيها يَوْمَئِذٍ فَتَرَكَهُ الله عَلَى حالِهِ ، ولَمْ يَتْرُكْهُ نِسْياناً ، وَلَمْ يَخف منه مكاناً ، فَافِرهُ حَيْثُ اقره اللهُ وَرَسُولُهُ ، فَقَالَ لَهُ عُمر لَوْلاكَ لا فَتَضَحْنَا وَتَرَكَ الحلْيَ بِحَالِهِ.الشرح هذا استدلال صحيح، ويمكن أن يورد على وجهين :أحدهما : أن يقال: أصلُ الأشياء الحظر والتحريم، كما هو مذهب كثير من أصحابنا البغداديين، فلا يجوز التصرف في شيء من الأموال والمنافع إلا بإذن شرعيّ، ولم يوجد إذن شَرْعي في حَلْي الكَعْبة، فبقينا فيه على حُكْم الأصل .والوجه الثاني: أن يقال : حلي الكعبة مال مختصّ بالكعبة هو جَارٍ مَجرى سُتور الكعبة، ومَجَرَى باب الكعبة، فكما لا يجوز التصرف في ستُور الكعبة وبابها إلّا بنصّ فكذلك حَلي الكعبة، والجامع بينهما الاختصاص الجاعلُ كلَّ واحد من ذلك كالجزء من الكعبة، فعلى هذا الوجه ينبغي أن يكون الاستدلالُ .ويجب أن يُحمل كلام أمير المؤمنين عليه السلام علیه، وألا يُحمل على ظاهره، لأنّ لمعترضِ أن يعترضِ استدلاله إذا حمل على ظاهره، بأن يقول : الأموالُ الأربعة التي عدّدها إنما قسَمَها الله تعالى حيث قسمها لأنّها أموال متكرّرة بتكرر الأوقات على مر الزمان يَذهَب الموجود منها ويَخلُفه غيرُه ، فكان الاعتناء بها أكثر، والاهتمامُ بوجوهِ متصرّفها أشد، لأن حاجات الفقراء والمساكين وأمثالهم من ذَوِي الاستحقاق كثيرة ومتجدّدة بتجدّد الأوقات، وليس كذلك حَلي الكعبة، لأنَّه مال واحدٌ باقي غير متكرّر، وأيضاً فهو شيء قليل يسير ليس مثله ممّا يقال : ينبغي أن يكون الشارع قد تعرّض لوجوه مصرفه حيث تعرّض لوجوه مصرف الأموال، فافترق الموضعان.
الأصل: رُوِيَ أَنَّهُ رُفِعَ إِلَيْهِ رَجُلانِ سَرَقا مِنْ مَالِ الله أَحَدُهُما عَبْدٌ مِنْ مَالِ الله، والآخَرُ مِنْ عُرْضِ النَّاسِ، فَقَالَ : أَمَّا هَذَا فَهُوَ مِنْ مَالِ الله فَلا حَدٌ عَلَيْهِ، مَالُ الله أَكَلَ بَعْضُهُ بَعْضاً، وَأَمَّا الآخَرُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ الشَّدِيدُ. فَقَطعَ يَدَهُ.الشرح: هذا مَذهَب الشِّيعة أنّ عبد المغنَم إذا سرَق من المَعْنَم لم يقطع ، فأما العبدُ الغريبُ إذا سَرَق من المَعْنَم فإنّه يُقطع إذا كان ما سَرَقه زائداً عمّا يستحقه من الغنيمة بمقدار النصاب الّذي يجب فيه القطع، وهو رُبع دينار، وكذلك الحُرّ إذا سَرَق من المَعْنَم حُكمُه هذا الحكُم بعيَنه ، فوَجَب أن يحمَل كلام أمير المؤمنين على أن العبدَ المقطوعَ قد كان سَرَق من المَعْنَم ما هو أَرْيَدُ من حَقَّه من الغنيمة بمقدارِ النصاب المذكور أو أكثر.فأمّا الفقهاء فإنّهم لا يُوجبون القطع على مَنْ سَرَق من مال الغنيمة قبل قِسمَتها، سواءٌ كان ما سَرَقه أكثر من حقَّه أو لم يكن، لأنّ مُخالَطَة حقه ومُمازَجته للمسروق شُبهة في الجملة تَمنَع من وجوب القَطع، هذا إن كان له حقٌّ في الغنيمة بأن يكونَ شَهِد القتالَ بإذنِ سَيِّده، فإن لم يكن ذلك وكان لسيّده فيها حقّ لم يُقطع أيضاً، لأنّ حصّةَ سيّده المُشاعةَ شُبهة تَمنُع من قَطعه، فإن لم يَشهَد القتالَ ولا شَهِدَه سيده وسَرَق من الغنيمة قبل القِسمة ما يجب في مثِلهِ القَطع وجب عليه القطع.-278-الأصل: لَوْ قَدِ اسْتَوَتْ قَدَمَايَ مِنْ هَذِهِ المَدَاحِضِ لَغَيَّرْتُ أَشْيَاءَ .الشرح: لسنا نَشُكّ أنّه كان يذهب في الأحكام الشرعية والقضايا إلى أشياءَ يُخالف فيها أقوال الصحابة، نحو قطعه يد السارق من رؤوس الأصابع، وبيعه أمهات الأولاد، وغير ذلك، وإنّما كان يَمنَعه من تغيُّر أحكام مَن تَقدِّمه اشتغاله بحرب البغاة والخوارج، وإلى ذلك يشير بالمداحض التي كان يؤمل استواء قدميه منها ، ولهذا قال القُضاته : «اقضُوا كما كنتم تقضون حتّى يكون للناس جماعةٌ»، فَلَفظة «حتى» - هاهنا - مُؤذِنةٌ بأنّه فَسَح لهم في اتباع عادَتِهم في القضايا
والأحكام الّتي يَعهدَونها إلى أن يصيرَ للنّاس جماعة، وما بعد «إلى» و«حَتّى» ينبغي أن يكون مخالفاً لما قبلهما .فأما أصحابُنا فيقولون: إنّه كان فيما يُحاول أن يَحكُم بين الناس مجتهداً، ويجوز لغيرِه من المجتهدين مخالَفُته .والإماميّة تقول: ما كان يَحكُم إلا عن نص وتوقيف، ولا يجوز لأحد من الناس مخالَفته .والقول في صحّة ذلك وفسادِه فَرْع من فروع مسألة الإمامة .- 279 -الأصل: اعْلَمُوا عِلْماً يَقِيناً أنَّ الله لَمْ يَجْعَلْ لِلْعَبْدِ وَإِنْ عَظُمَتْ حِيلَتُهُ، وَاشْتَدَّتْ طَلِبَتُهُ، وَقَوِيَتْ مَكِيدَتُهُ، اكْثَرَ مِمَّا سُمِّيَ لَهُ فِي الذِّكْرِ الحَكِيم وَلَمْ يَحُلْ بَيْنَ الْعَبْدِ في ضَعْفِهِ وَقِلَّةِ حِيلَتِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَبْلُغَ ما سُمِّيَ لَهُ في الذِّكْرِ الحَكِيم وَالعَارِفُ لهذا، العَامِلُ بِهِ، أَعْظَمُ النَّاسِ رَحْمَةً فِي مَنْفَعَةٍ، وَالتَّارِكُ لَهُ، الشَّاكُ فِيهِ، أَعْظَمُ النَّاسِ شُغْلاً في مَضَرَّةٍ .ورَبِّ مُنْعَم عَلَيْهِ مُسْتَدْرَج بالنُّعْمَى، ورُبِّ مُبْتَلَى مَصْنُوع لهُ بِالْبَلْوَى فَزِدْ أَيُّهَا المُسْتَمِعُ في شُكْرِك، وقصر مِنْ عَجَلَتِكَ، وقف عِنْدَ مُنتَهَى رِزْقِكَ.الشرح: قد تقدّم القول في الحِرص والجشع وذمِّهما وذمّ الكادح في طلّب الرّزق، ومدح القَناعة والاقتصار ، ونذكر هُنا طَرَفاً آخر من ذلك. قال بعضُ الحكماء : وجدتُ أطول الناس فما الحَسود، وأهنأهم عيشاً القَنُوعَ، وأصبرَهم على الأذى الحريص، وأخفضَهم عيشاً ارفضهم للدنيا، وأعظمهم ندامة العالمَ المفرطّ.وقال عمر : الطّمع فَقْر ، واليأس غِنّى، ومن يئس ممّا عند الناس استغنى عنهم.وقيل لبعض الحكماء : ما الغِنَى؟ قال : قله تمَنِّيك ورضاك بما يكفيك، ولذلك قيل : العيشُ ساعات تمرّ، وخُطوب تكُرّ .وقال الشاعر :قنع بعيشك تَرْضَه*** واترك هواكَ وأنت ُحرُفلرُبّ حَثف فوقَه ***ذَهَبٌ وياقوت و درُّوقال آخر :
إلى مَتَى أنا في حِلّ وتَرْحالِ*** من طول سعي وإدبار وإقبال !ونازحُ الدارِ لا أنفَكُ مغترباً*** عن الأحبّةِ لا يدرون ما حاليبمشرِِق الأرضِ طَوْراً ثم مَغربها*** لا يخطرُ الموتُ مِن حِرص على باليولو قنعتُ أتاني الرزْقُ في دَعَةٍ ***إِنَّ القُنُوعَ الغِنّى لا كثرةُ المالِوجاء في الخبر المرفوع: «أجملوا في الطلب، فإنه ليس لعبدِ إلا ما كُتِب له، ولن يَخرُج عبدٌ من الدّنيا حتى يأتيَه ما كُتب له في الدنيا وهي راغمة »(1.)-280-الأصل: لا تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ جَهْلاً ، ويَقِينَكُمْ شكا، إذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا ، وإِذَا تَيَقَّتُتُمْ فَأَقْدِمُوا .الشرح: هذا نهيٌ للعلماء عن تَرك العمل، يقول: لا تجعلوا عِلمَكم كالجهل، فإنّ الجاهل قد يقول : جَهِلتُ فلم أعمل، وأنتم فلا عُذر لكم، لأنكم قد علمتم وانكشفَ لكم سر الأمر، فوجبَ عليكم أن تَعملوا ، ولا تجعلوا عِلمكم جَهْلاً ، فإنّ مَنْ عَلِم المنفعة في أمرٍ ولا حائل بينه وبينه ثم لم يأته كان سفيهاً .-281-الأصل: إنّ العَمَعَ مُورِدٌ غَيْرُ مُصْدِرٍ ، وضامِنٌ غَيْرُ وَفِي ، ورُبَّما شَرِقَ شَارِبُ المَاءِ قَبْلَ رِيهِ، وكُلَّما عَظُمَ قَدْرُ الشيء المُتَنَافَسِ فيهِ عَظُمَت الرّزِيَّةُ لِفَقْدِهِ، والأماني تُعْمِي أَعْيُنَ البصائر، والحظ يأتي مَنْ لا يأتيه.الشرح: قد تقدم القول في هذه المعاني كلِّها .وقد ضرب الحكماء مثالاً لفرط الطمع، فقالوا : إن رجلاً صادَ قُبرةً فقالت: ما تريد أن
1) أخرج نحوه ابن ماجه كتاب التجارات باب الاقتصاد في طلب المعيشة (2144)، والبيهقي : في السنن الكبرى (10147).
تصنع بي؟ قال : أذبحك وآكلُك، قالت: والله ما أشفِي مِنْ قَرَم، ولا أشبع من جُوع، ولكني أعلِّمك ثلاث خصالٍ هُنّ خيرٌ لك من أكلي، أما واحدة فأعلِّمك إيّاها وأنا في يدك، وأمّا الثانية فإذا صِرْتُ على الشّجرة، أمّا الثالثة فإذا صرتُ على الجبل . فقال هاتي الأولى قالت : لا تَلَهْفَنّ على ما فات فخلاها، فلما صارت على الشجرة قال: هاتي الثانية، قالت: لا تُصَدِّقَنَ بما لا يكون أنه يكون، ثمّ طارت، فصارت على الجبل فقالت يا شقيّ لو ذَبَحْتَني لأخْرَجْتَ من حَوْصَلَتِي دُرِّتَين وزنُ كلّ واحدة ثلاثون مثقالاً، فعَضُّ على يديه وتلهف تلهفاً شديداً، وقال: هاتي الثالثة، فقالت : أنت قد أُنسِيتَ الاثنتين، فما تصنع بالثالثة؟ ألم أقل لك : لا تَلَهْفَنَّ على ما فات! وقد تَلَهُفْتَ وألم أقل لك لا تصدقن بما لا يكون أنه يكون، وأنا وَلحْمى ودَمِي وريشي لا يكون عشرين مثقالاً ، فكيف صدقت أنّ في حَوْصَلتي درّتين كل واحدة منهما ثلاثون مثقالاً ! ثم طارت وذهبت .وقوله : «وربما شَرِق شاربُ الماء قبل ريه كلامٌ ،فصيح ، وهو مَثَلُ لمن يُخْتَرم بغتةً، أو تَطرُقه الحوادث والخُطوب وهو في تلْهِيَةٍ مِنْ عَيْشه .ومثل الكلمة الأخرى قولهم : على قدر العَطِيّة تكون الرّزية.والقول في الأماني قد أوسَعْنا القول فيه من قبل، وكذلك في الحظوظ.- 282 -الأصل: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ تَحْسُنَ في لامِعَةِ العُيُونِ عَلَانِيَتِي، وَتَقْبُحَ فيما أُبْطِن لَكَ سَرِيرَتي، محافظاً على رِياءِ النَّاسِ مِنْ نفسي بجميع ما أَنْتَ مُطَّلِعُ عَلَيْهِ مِني ، فَأُبَدِيَ لِلنَّاسِ حُسْنَ ظَاهِرِي، وأُقْضِيَ إِلَيْكَ بِسُوءٍ عَمَلِي، تَقَرُّباً إلى عِبَادِكَ، وَتَبَاهُداً مِنْ مَرْضَاتِكَ.الشرح: قد تقدّم القولُ في الرّياء، وأن يُظهر الإنسانُ من العبادة والفعل الجميل ما يُبطن غير ويقصد بذلك السُّمعة والصِّيت لا وجه الله تعالى.وقد جاء في الخبر المرفوع: «أخوَفُ ما أخافُ على أمتي الرياء والشَّهوة الخفيّة» (1.)قال المفسِّرون: والرِّياء من الشهوة الخفيّة، لأنه شَهوة الصِّيت والجاه بين الناس بأنه مَتين
1) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (6824) ، وابن المبارك في الزهد (1114).
الحكم والمواعظالدّیين، مُواظِب على نوافِل العِبادات، وهذه هي الشّهوة الخفيّة، أي ليست كشهوة الطعام والنّكاح وغيرِهما من المَلاذّ الحسيّة.وفي الخبر المرفوع أيضاً : أنّ اليسير من الرّياء شِرْكٌ، وأن الله يُحِبّ الأتقياء الأخفياء الذين هم في بُيُوتهم إذا غابوا لم يُفتقدوا ، وإذا حَضَروا لم يُعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى، ينجون من كلَّ غَبراء مُظلِمة (1.)-283 -الأصل: وقال علیه السلام : لا والَّذِي أَمْسَيْنَا مِنْهُ فِي غُبْرِ لَيْلَةٍ دَهْمَاءَ، تَكْثِرُ عَنْ يَوْمٍ أَغَرَّ ، مَا كَانَ كَذَا وَكَذَا .الشرح قد رُوي: «تفترّ عن يوم أغرّ».والغُبر : البقايا، وكذلك الإغبار، وَكَشَر أي بَسم، وأصلُه الكَشف.وهذا الكلام إما أن يكون قاله على جهة التفاؤل، أو أن يكون إخباراً بغَيْب، والأوّل أوجه.- 284-الأصل: قَلِيلٌ تَدُومُ عَلَيْهِ، أَرْجَى مِنْ كَثِيرٍ مَمْلُولٍ مِنْهُ .الشرح: لا ريبَ أنّ من أراد حفظ كتاب من الكُتُب العلميّة فحَفظ منه قليلاً قليلاً، ودام على ذلك، فإنّ ذلك أنفع له وأرجَى لِفَلاحه من أن يَحفَظ كثيراً، ولا يَدُوم عليه لمَلالِه إياه وضَجَره منه، والتجربة تَشهد بذلك.والقول في غير الحفظ كالقول في الحفظ، نحو الزّيارة القليلة للصّديق، ونحو العطاء اليسير الدائم الّذي هو خيرٌ من الكثير المنقطع، ونحو ذلك .
1) أخرجه ابن ،ماجه ،کتاب الفتن، باب من ترجى له السلامة من الفتن (3989).
-285-الأصل: إِذَا أَضَرَّتِ النَّوَافِلُ بِالْفَرَائِضِ فَارْفُضُوهَا .الشرح: قد تقدّم القولُ في النافلة : هل تصح ممّن عليه فريضة لم يؤدها، وذكرنا مذاهبَ الفُقَهاء في ذلك .ولا ريبَ أنّ مَن استغرق الوقت بالنّوافل حتّى أن أوقات الفرائض لم يفعل الفرائضَ فيها، وشَغَلها بالعبادة النَّفْلية، فقد أخطأ والواجب أن يرفض النافلة حيث يتضيّق وقتُ الفريضة، لا خلاف بين المسلمين في ذلك، ويصلح أن يكون هذا مَثَلاً ظاهرُه ما ذكرنا ، وباطنُه أمرٌ آخر .- 286 -الأصل: مَنْ تَذَكَّرَ بُعْدَ السَّفَرِ اسْتَعَدَّ .الشرح: هذا مثل قولهم في المَثَل : «الليلُ طويل، وأنتَ مُقمر»، وقال أيضاً : عَشِّ ولا تَغترّ وقال أصحابُ المعاني : مَثَل الدنيا كرَكْبٍ في فَلاة وَرَدوا ماءً طيّباً، فمنهم من شَرِِب من ذلك الماء شُرْباً يسيراً، ثمّ أفكر في بعد المسافة التي يقصدونها ، وأنّهُ ليس بعد ذلك الماء ماء آخر، فتزوّد منه ماءً أوصله إلى مَقصِده، ومنهم من شرب من ذلك الماءِ شُرْباً عظيماً ، ولَها عن التزوّد ،والاستعداد، وظنّ أنّ ما شَرِب كافٍ له ومُغْنِ عن ادخار شيء آخر، فقطع به، وأخْلَفَه ظَنُّه ، فعَطِش في تلك الفلاة ومات.وقد رُوي عن النّبيّ صلی الله علیه وآله وسلم لو أنّه قال لأصحابه :«إنّما مَثَلي وَمَثَلَكُم ومَثَلُ الدّنيا كقوم سَلَكوا مَفازةٌ غَبْراء حتى إذا لم يَدْرُوا ما سَلَكوا منها أكثَرُ أَمْ ما بَقِي ! أنفَدوا الزّاد وحَسَروا الظّهر، وبقُوا بين ظَهْرَانَي المَفازة لا زاد ولا حَمولة فأيقَنوا بالهَلَكة، فبينما هم ينما هم كذلك كذلك خرج عليهم رجل في حُلّة يقطُر رأسُه ماءً، فقالوا : هذا قريب عهد بريف، وما جاءكم هذا إلا من قريب فلمّا انتهى إليهم وشاهد حالَهم قال : أرأيتم إن هدَيْتُكم إلى ماءٍ رَواء، ورياض خُضْرٍ ما تعملون؟ قالوا : لا نَعْصِيك شيئاً، قال: عُهودَكم ومواثيقكم بالله، فأعطوه ذلك، فأوردهم ماءً رَواءً ورياضاً خُضْراً، ومكث بينهم ما شاء الله، ثم قال: إنّي مُفارقكم قالوا : إلى أين؟ قال : إلى ماءٍ ليس
كمائِكم، ورياضٍ ليست كرياضِكم، فقال الأكثرون منهم : والله ما وَجَدْنا ما نحن فيه حتّى ظنّنا أنا لا نجده، وما نَصنَع بمنزل خير من هذا وقال الأقلون منهم : ألم تُعطُوا هذا الرجلَ مَواثيقَكم وعهودَكم بالله لا تَعصُونه شيئاً، وقد صدُقَكم في أوّل حديثه والله ليصدُقَّنَكم في آخِره فراحَ فيمَن تَبِعه منهم، وتخلّف الباقون، فدَهَمهم عدو شديد البأس عظيم الجَيش، فأصبَحوا ما بين أسيرٍ وَقتيل »(1.)-287 -الأصل: لَيْسَتِ الرُّؤْيَةُ مَعَ الإِبْصَارِ ، فَقَدْ تَكْذِبُ العُيُونُ أَهْلَهَا ، وَلا يَغْشُ العَقْلُ مَنِ اسْتَنْصَحَهُ .الشرح: هذا مِثل قوله تعالى: (فإنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَرُ ولكن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (2).)أي ليس العَمَى عَمَى العين بل عَمَى القَلْب. كذلك قول أمير المؤمنين علیه السلام ، ليست الرؤية مع العُيون وإنما الرؤية الحقيقية مع العقول.وقد ذهبَ أكابرُ الحُكماء إلى أن اليَقينيّات هي المَعقولات لا المَحسوسات، قالوا : لأنّ حُكمَ الحِسَ في مَظنَّة الغَلَط ، وطالَ ما كذَبَ الحِسَ، واعتقدنا بطريقه اعتقاداتٍ باطلة، كما نرى الكبير صغيراً، والصغير كبيراً ، والمتحرّك ساكناً، والساكن متحركاً، فأما العقل فإذا كان المعقول به بَدِيهِيًا أو مُستنداً إلى مقدمات بديهية فإنه لا يقع فيه غَلَط أصْلاً .-288-الأصل: بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْمَوْعِظَةِ حِجَابٌ مِنَ الفِرَّةِ .الشرح: قد تقدّم ذِكرُ الدّنيا وغُرورها، وأنَّها بشَهَواتها ولذّاتِها حِجابٌ بين العبد وبين المَوعظة، لأنّ الإنسانَ يغترٌ بالعاجِلة، ويتوهّم دَوامَ ما هو فيه، وإذا خَطر بباله الموتُ والفَناء وَعَد
نفسَه رحمةَ الله تعالى وعفوَه ، هذا إن كان ممّن يَعترِف بالمعَادِ، فإن كثيراً ممّن يُظهر القول بالمَعاد هو في الحقيقة غيرُ مستيقِنِ له، والإخلاد إلى عفوِ الله تعالى والاتّكال على المغفرة مع الإقامة على المعصية، غرورٌ لا محالةَ، والحازمُ من عَمِل لما بعدَ الموت، ولم يُمَنْ نفسه الأماني التي لا حقيقةَ لها- 289-الأصل: جَاهِلَكُمْ مُرْدَادٌ ، وَعَالِمُكُم مُسَوّفٌ.الشرح: هذا قريب ممّا سلف : يقول : إنّ الجاهَل من الناس مُزداد من جَهْلِه ، مُصِرٌ على خطيئته، مسوّف من توهُّماته وعقيدته الباطلة بالعفو عن ذَنْبه، وليس الأمر كما توهمه. (لَيْسَ بأمانيكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَبِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ. وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (1).)-290-الأصل: قطعَ العِلْمُ عذر المُتَعَلِّلين.الشرح: هذا أيضاً قريبٌ ممّا تقدم، يقول: قَطع العِلْم عُذرَ الَّذِين يُعللون أنفسهم بالباطل، ويقولون : إنّ الربِّ كَريم رحيم، فلا حاجة لنا إلى إتعاب أنفسنا بالعبادة، كما قال الشاعر:قَدِمتُ على الكريم بغير زاد*** من الأعمال ذا ذنب عظيمِوسوء الظنّ أن تَعقدّ زاداً*** إذا كانَ القدومُ على الكريموهذا هو التعليل بالباطل، فإن الله تعالى وإن كان كريماً رحيماً عفوّاً غفوراً، إلا أنه صادق القول، وقد توعد العُصاة وقال: ﴿وَإِنَّ الْفُجَارَ لَفِي حَمِيمٍ يَصْلَوْنَها يومَ الدِّينِ وَمَا هُم عنها بنايين (2)، وقال :( لَا تَختَصِمُوا لَدَى وَقَدْ قَدَّمْتُ البكر بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَولُ لَدَى وَمَا أَنَا بِظَلَرٍ)
الميد (1)، ويكفي في رحمته وعفوه وكرمه أن يغفر للتائب أو لمن ثوابُه أكثَر ممّا يستحقّه من العِقاب، فالقَول بالوعيد معلوم بأدِلَّة السّمع المتظاهِرة المتناصرة الّتي قد أطنَب أصحابُنا فی تعدادها وإيضاحها، وإذا كان الشيءُ معلوماً ، فقد قَطعَ العلمُ به عذرَ أصحاب التعلّل والتَّمنيّ، ووجب العملُ بالمعلوم ورفض ما يُخالفه .)-291-الأصل: كُلُّ مُعَاجَل يَسْأَلُ الإنظار، وكُل مُوجّلٍ يَتَعَلَّلُ بالنسويةالشرح: قال الله سبحانه: (حَقَ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلَى أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تركت كلاً إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قايلها ومن ورأيهم بَرْزَخٌ إِلى يوم يبعشونَ (2).)فهذا هو سؤال الإنظار لمن عُوجِل، فأمّا من أجِّل فإنّه يعلِّل نفسَه بالتسويف، ويقول: سوف أتوبُ، سَوْف أقلع عمّا أنا عليه، فأكثرهم يُختَرم من غير أن يبلغ هذا الأمل، وتأتيه المنيّة وهو على أقبَح حال وأسوئها، ومنهم من تشمَله السّعادة فيتوب قبل الموت، وأولئك الذين خُتِمت أعمالهم بخاتمة الخير، وهم في العالم كالشعرة البيضاء في الثّور الأسود.- 292 -الأصل: ما قالَ النَّاسُ لِشَيْءٍ : طُوبَى لها إلَّا وَقَدْ عَبَّا لَهُ الدَّهْرُ يَوْمَ سَوْءٍ.الشرح: قد تقدم هذا المعنى، وذكَرنا فيه نكتاً جيدة حميدة .### بعض ما ورد في تقلبات الدهركان محمّد بن عبد الله بن طاهر أميرَ بغداد في قَصره على دجلة يوماً، وإذا بحشيشٍ على وجه الماء، في وسطه قصبة عليها ،رُقْعة، فأمر بأخذها ، فإذا فيها :
نَاءَ الأعَيرج واستولَى به البَطرُ ***فقل له : خيرُ ما استعملته الحَذَرُأحسنتَ ظَنَّك بالأيام إذ حَسُنَتْ ***ولم تَخَف سوء ما يأتي به القَدَرُوسالَمَتْك الليالي فاغْتَرَرْتَ بها وعند صفو الليالي يُحدث الكترُفما أنتفَع بنفسه مدّة. وفي المَثَل : الدَّهر إذا أتى بسَحْوَاءَ سَحْسَح، يُعقبها بنَكْباء زَعْزَع . وكذاك شربُ العيش فيه تلون، بَيْناه عَذْباً إذ تحوّل آجِناً .يحيى بن خالد.أعطانا الدهر ،فأسرَف، ثمّ مال علينا فأجْحَف.وقال الشاعر :فيا لنَعيم ساعدَتْنَا رِقابُه وخاسَتْ بنا أكفاله والرَّوادِفُ (1)إسحاق بن إبراهيمَ المَوْصِليّ :هي المقاديرُ تجري في أعِنِّتِها فاصبرُ فليس لها صبرٌ على حاليوماً تَرِيسُ (2خَسيس الحالِ تَرفَعه إلى السماء ويوماً تخفض العالي)إذا أدبَرَ الأمر أتَى الشرُّ من حيث كان يأتي الخير .هاني بنُ مسعود :إنّ كسرى أبَى على الملك النُّعْمان حتى سقاه أمّ الرّقوبكل مُلك وإن تصعَّدَ يوماً بأناس يعود للتّصويبأحيحة بن الجلاح:وما يَدري الفقيرُ متَى غِناهُ ***وما يدري الغنيُّ متى يَعيلُوما تَدْري إذا أضرَبْتَ شَوْلاً أتلقح بعد ذلك أم تحيلُوما تدري إذا أزمَعْت سَيْراً بأيّ الأرض يُدْرِكُك المَقِيلُآخر:فما درن الدنيا بباقي لأهلّه ولا شرة الدنيا بضربة لازمآخَرَ :ربّ قوم عبروا من عيشهم في سرور ونعیمٍ وغدَق
سَكَتَ الدهرُ زماناً عنهُم*** ثم أبكاهم دماً حينَ نَطَقو من الشعر المنسوب إلى محمد الأمين بن زُبيّدة:يا نفس قد حَقَّ الحذر أين الفرار من القَدَرُکل امری ممّا يخا ف ويرتجيه على خَطَرْمن يرتشِف تشف صفوَ الزّما*** ن يَغَص يوماً بالكَدَرُ- 293 -الأصل: وقالَ علیه السلام وقد سُئِلَ من القَدَرِ : طَريقٌ مُظْلِمٌ فَلا تَسْلُكوه. ثم سئل ثانياً فقال : بَحْرُ عَمِيقٌ فَلا تَلِجُوهُ، ثم سئل ثالثاً ، فقال : سِرُّ الله فلا تَتَكَلَّفُوهُ.الشرح: قد جاء في الخبر المرفوع : القَدَرُ سِرّ الله في الأرض، وروي: سر الله في عباده، والمرادُ نهيُ المستضعفين عن الخوّض في إرادة الكائنات، وفي خلق أعمال العباد فإنّه ربما أفضى بهم القول بالجبر ، لما في ذلك من الغُموض، وذلك أنّ العاميَّ إذا سَمِع قول القائل : كيف يجوز أن يَقَع في عَالَمِه ما يكرهه، وكيف يجوز أن تغلب إرادة المخلوق إرادة الخالق ! ويقول أيضاً : إذا علم في القدَم أنّ زيداً يَكْفُر ، فكيف لزيد أن لا يَكْفُرا وهل يُمكن أن يقع خلاف ما عَلِمه الله تعالى في القِدَم، اشتبه عليه الأمر، وصار شُبهةً في نفسه، وقوِيَ في ظنّه مذهب المخبرة، فَنهَى علیه السلام هؤلاء عن الخوض في هذا النحو من البَحْث ، ولم يَنْه غيرَهم من ذوي العقول الكاملة، والرياضة القويّة، والملكة التامّة، ومن له قدرةٌ على حَلِّ الشَّبَه، والتقصي عن المشكلاتِ. فإن قلت: فإنّكم تقولون : إنّ العامي والمستضعف يجب عليهما النظرُ !قلت : نعم إلا أنه لا بد لهما من موقف بعد إعمالها ما ينَتهي إليه جهدهما من النظر، بحيث يُرشدها إلى الصّواب، والنّهي إنما هو لمن يَستبدّ من ضعفاء العامّة بنفسه في النظر ولا يبحث مع غيره ليُرشده.****- 294 -الأصل: إذا ارْذَلَ الله عَبْداً حَظَرَ عَلَيْهِ الْعِلْمَ .
الشرح: ارذَلَه : جعله رّذلاً، وكان يقال : مِنْ علامةِ بُغض الله تعالى للعبد أن يُبغِّض إليه العِلْم .وقال الشاعر:شكوتُ إلى وَكِيع سُوءَ حِفظِيفارشَدَني إلى تَرك المعاصيوقال لأنّ حفظ العلم فَضلٌ وفضلُ الله لا يوتيه عاصيوقال رجل لحكيم : ما خيرُ الأشياء لي؟ قال: أن تكون عالماً ، قال : فإن لم أكن؟ قال : أن تكون مُثرياً ، قال : فإن لم أكن؟ قال: أن تكون شارياً ، قال : فإن لم أكن؟ قال: فأن تكونَ ميّتاً .أخذ هذا المعنى بعضُ المحدثين فقال :إذا فَاتَكَ العلمُ جُدْ بالقِرَى وإن فَاتَكَ المال سُد بالقراعِفإن فاتَ هذا وهذا وذاك قمت فحياتُك شرُّ المتاعِوقال أيضاً في المعنى بعينه :ولولا الحجا والقرى والقراع لما فَضَل الآخِر الأوّلاثلاث متى يَخْلُ منها الفتى يكن كالبهيمة أو أزذلا****- 295 -الأصل: وقال علیه السلام: كانَ لِي فِيمَا مَضَى أَخٌ فِي الله ، وَكَانَ يُعَذِّمُهُ فِي عَيْنِي صِغَرُ الدُّنْيَا في عَيْنِهِ، وَكَانَ خارجاً مِنْ سُلْطَانٍ بَطْنِهِ، فَلا يَتَشَهَى مَا لَا يَجِدُ، وَلَا يُكْثِرُ إِذَا وَجَدَ، وَكَانَ أَكْثَرَ دَهْرِهِ صَامِتاً ، فَإِنْ قَالَ بَلْ القَائِلِينَ، وَنَقَعَ خَلِيلَ السَّائِلِينَ، وَكَانَ ضَعِيفاً مُسْتَضْعَفاً ، فَإِنْ جَاءَ الجِدْ فَهُوَ لَيْثٌ هَادٍ، وصِلُّ وَادٍ لا يُدْلِي بِحُجَّةٍ حَتَّى يَأْتِيَ قَاضِياً ، كَانَ لا يَلُومُ أَحَداً عَلَى مَا لا يَجدُ العُذْرَ في مِثْلِهِ حَتَّى يَسْمَعَ اعْتِدَارَهُ، وَكَانَ لا يَشْكُو وَجَعاً إِلَّا عِنْدَ بُرْلِهِ، وَكَانَ يَفْعَلُ مَا يَقُولُ، وَلا يَقُولُ مَا لا يَفْعَلُ، وَكَانَ إِنْ هُلِب عَلَى الكَلام لَمْ يُغْلَبْ عَلَى السُّكُوتِ، وَكَانَ عَلَى أَنْ يَسْمَعَ أَحْرَصَ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ ، وَكَانَ إِذَا بَدَهَهُ أَمْرَاَن نَظَرَ أَيُّهُمَا أَقْرَبُ إِلَى الْهَوَى فَخَالَفَهُ، فَعَلَيْكُم بِهِذِهِ الخَلائِقِ فَالْزَمُوهَا ، وَتَنَافَسُوا فِيهَا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوهَا فَاعْلَمُوا أَنْ أَخْذَ القَلِيلِ خَيْرٌ مِنْ تَرْك الْكَثِير.
الشرح: قد اختَلَف الناسُ في المعنيِّ بهذا الكلام، ومَن هو هذا الأخ المشار إليه؟ فقال قوم: هو رسولُ الله صلی الله علیه وآله وسلم ، واستَبْعَدَهُ قومٌ لقوله : «وكان ضعيفاً مستضعفاً»، فإن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم لا يقال في صفاته مِثل هذه الكلمة، وإن أمكن تأويلُها على لين كلامه وسماحةِ ،أخلاقه إلّا أنّها غَيْرُ لائقة به علیه السلام.وقال قومٌ: هو أبو ذّرَّ الغِفارِيّ واستبعَدَه قومٌ «لقوله : فإن جاء الجدّ فهو ليث عادٍ، وصِلٌ واد»، فإن أبا ذَرِّ لم يكن من الموصوفين بالشّجاعة، والمعروفين بالبَسالة.وقال قومٌ: هو المقدادُ بن عَمرو المعروفُ بالمقداد بن الأسوَد، وكان من شِيعة عليِّ علیه السلام المخلصِين، وكان شُجاعاً مُجاهِداً حسنَ الطريقة، وقد ورد في فضلهِ حديث صحيح مرفوع.وقال قومٌ: إنه ليس بإشارة إلى أخ مُعيّن، ولكنه كلامٌ خارجٌ مخرج المثل، وعادةُ العرب جارية بمثل ذلك، مثل قولهم في الشِّعر : فقلت لصاحبي، ويا صاحبي، وهذا عندي أقوَى الوجوه .### بعض ما ورد في حمد القناعة وقلة الأكلوقد مضَى القولُ في صغر الدنيا في عَيْن أهل التّحقيق، فأمّا سلطان البَطن ومَدح الإنسان بأنه لا يكثِير من الأكل إذا وَجَد أكلاً، ولا يَشتهي من الأكل ما لا يجده، فقد قال الناسُ فيه فأكثروا .قال أعشى باهلة يرثي المنتشرَ بن وَهب :طاوِي المَصير على العَزَاءِ مُنصلِتُ بالقوم ليلة لا ماء ولا شَجَرُتكفيه فلذةُ لَحْم إن ألَمَّ بها *** من الشَّواء ويُرِوِي شربَه الغَمرُإِنْ أَلَمَّ ولا يُبارِيَ لِما في القِدْر يَرْقُبُه ولا تراه أمام القوم يفتقرُلا يغمز الساق مِن أين ولا وَصَبٍ ولا يَعَضُّ على شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُوقال الشَّنْفَرَى :وأطْوِِي على الخُمص الحوايا كما انطوَت خيوطة ماري تُغار وتُفتَلوإن مدّت الأيدي إلى الزاد لم أكن ***بأعجلهم إذ أجشعُ القوم أعجلُوما ذاكَ إلّا بَسْطة عن تفضّل ***عليهم وكان الأفضل المتفضّلُوقال بعضهم لابنه : يا بُنَيّ عوِّد نفسك الأثرَة، ومجاهَدَةَ الهوى والشهوة ولا تَنهَش نَهْشَ السِّباع، ولا تَقضِم قَضمَ البراذين، ولا تُدْمِن الأكلَ إدمانَ النّعاجِ ، ولا تلقمْ لَقْمَ الجِمال، إنّ الله جعلك إنساناً ، فلا تَجعَل نفسك بَهيمة ولا سَبعاً، واحذَرْ سُرعة الكفّة، وداء البطنة، فقد قال الحكيم : إذا كنت بَطِناً فعُد نفسك من الزَّمنى وقال الأعشى :والبطنَةُ يوماً تُسفّه الأخلاما
واعلم أن الشَّبَع داعيةُ البَشَم ، والبَشَم داعية السَّقَم، والسَّقَم داعيةُ الموت، ومن ماتَ هذه الميتةَ فقد مات موتةً لثيمة، وهو مع هذا قاتِلُ نفسه، وقاتلُ نفسِه ألوم من قاتِل غيره. يا بُنيّ، والله ما أدَّى حقَّ السجود والركوع ذو كِظة، ولا خَشَع الله ذو ،بظنة، والصومُ مصحّة، ولربّما طالت أعمارُ الهِند، وصحت أبدانُ العَرَب، والله دَرُّ الحارثِ بن كَلَدة حيث زَعَمَ أَن الدَّوَاء الأزم، وأنّ الدّاء إدخالُ الطعام في أثَر الطعام، يا بُنَيَّ لم صَفَتْ أذهانُ الأعراب، وصَحّت أذهان الرُّهبان مع طُول الإقامة في الصوامع، حتّى لم تَعرف وجعَ المفاصل، ولا الأورام، إلّا لقلّة الرّزء، ووقاحة الأكل، وكيف لا تَرغب في تدبير يَجمَع لك بين صحّة البدن وذَكاءِ الذِّهن وصلاحِ المَعاد والقرب وعَيْش الملائكة . يا بُنَيّ لم صار الصّب أطول شيء ذَماء! إلا لأنّه يتبلّغ بالنّسيم. ولم زَعَم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أنّ الصومَ وجاء! إلا ليَجعله حجاباً دونَ الشّهوات! فافهم تأديبَ الله ورسوله، فإنهما لا يَقصدان إلا مثِلكَ، يا بُنَيّ إني قد بلغت تسعين عاماً ما نَقَص لي سِنّ، ولا انتَشَر لي عَصَب، ولا عرفتُ دنين أنف ولا سَيَلان عَيْن، ولا تقطير ،بول ما لذلك علة إلّا التخفيف من الزاد، فإن كنتَ تحبّ الحياة فهذه سبيلُ الحياة، وإن كنت تريدُ الموت فلا يُبعد الله إلا من ظَلَم .وكان يقال : البِطنة تذهِب الفِطنة .وقال عَمرو بنُ العاص لأصحابه يومَ حكم الحَكَمان: أكثروا لأبي موسى من الطّعام الطّيب فوالله ما بُطِنَ قومٌ قطّ إلّا فَقَدوا عُقولَهم أو بعضها ، وما مضى عزمُ رجلٍ باتَ بَطِيناً .وكان يقال : أقلِل طَعاماً تَحمَد مَناماً .ودعا عبدُ الملك بن مروان رجلاً إلى الغَدَاء فقال : ما في فضل ، فقال : إني أحبّ الرجلَ يأكل حتّى لا يكون فيه ،فضل فقال : يا أميرَ المؤمنين عندي مُسْتَزاد، ولكنّي أكرَه أن أصِير إلى الحال التي استقبَحَها أميرُ المؤمنين.وكان يقال : مسكينٌ ابن آدم، أسيرُ الجُوع، صَرِيع الشبَع.وسأل عبد الملك أبا الزُّعَيْرعة، فقال: هل أتخمتَ قَط ؟ قال : لا ، قال : وكيف؟ قال: لأنّا إذا طَبَحْنا أنضَجْنا ، وإذا مضَغْنَا دققنا ، ولا كفّ المعدة ولا نُخْليها .نوكان يقال : من المروءة أن يَترك الإنسانُ الطعامَ وهو بعدُ يَشتهيه.وقال الشاعر:فإنّ قرابَ البَطن يكفيك ملؤه*** ويكفيكَ سَوءاتِ الأمور اجتنابُهاوقال عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي : كان عمي يقول لي : لا تخرج يا بنيّ من منزلك حتّى تأخذَ حِلْمَك - يعني تتغذَّى - فإذا أخذتَ حِلْمَك فلا تزدد إليه حِلْماً، فإنّ الكثرة تؤول إلى
قلّة. وفي الحديث المرفوع : ما ملأ ابنُ آدم وعاءٌ شَرًا من بَطْن، بحَسب الرّجُل من طعامِه ما أقامَ صُلبه ، وأمّا إذا أبيتَ فثلُث طعام، وثلثُ شَراب، وثلث نَفَس(1.)ورَوَى حُذَيفة عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم:«من قَل طعمُه صَحٌ بطنه، وصفا قَلبُه، ومَن كَثر طعمُه،سَقُم بطنه وقسا قلبُه» (2.)وعنه صلی الله علیه وآله وسلم: «لا تُميتوا القلوبَ بكثرة الطّعام والشّراب فإنّ القلبَ يموت بهما، كالزّرع يموت إذا أكثر عليه الما(3. ورَوَى عَوْن بن أبي جُحَيفة عن أبيه قال: أكلتُ يوماً تريداً ولحماً سَميناً، ثم أتيتُ رسول الله وأنا أتجشّاً ، فقال : «حبس جَشَاك أبا جُحيفة، إن أكثَرَكم شِبَعاً في الدنيا أكثركُم جُوعاً في الآخرة» (4)، قال : فما أكَل أبو جُحيَفة بعدها مِلة بطنِه إلى أن قَبَضه الله . وأكل عليِّ علیه السلام (5)قليلاً من تَمر دَقَل وشَرِب عليه ماءً، وأمَرَّ يدَه على بطنه وقال: من أدخله بطنُه النار فأبعده الله ، ثم تَمثّل :)فإنّك مهما تُعطِ بطنَكَ سُولَهُ*** وفَرْجَك نالا مُنتَهى الدم أجمَعَاوكان علیه السلام يُفطر في رمضان الّذي قُتِل فيه عند الحَسَن ليلةً، وعند الحُسَين ليلةً، وعند عبد الله بن جعفر ليلة لا يزيد على اللُّقمَتين أو الثلاث، فيقال له، فيقول : إنّما هي ليالٍ قلائل، حتّى يأتيّ أمرُ الله وأنا خَمِيصُ البطن، فَضَرَبه ابنُ مُلجم لعنه الله تلك الليلة .وقال الحسن : لقد أدركتُ أقواماً ما يأكل أحدُهم إلّا في ناحية بطنِه، ما شبع رجلٌ منهم من طعامٍ حتّى فارَقَ الدنيا ، كان يأكل، فإذا قارب الشبع أمسك. وأنشد المبرِّد:فإنّ امتلاءَ البَطْن في حَسَب الفَتَى ***قليلُ الغَناءِ وهو في الجسم صالِحُوقال عيسى علیه السلام: يا بني إسرائيل، لا تُكثروا الأكل، فإنّه من أكثر من الأكل أكثر من النّوم، ومن أكثر النّوم أقلّ الصّلاة، ومن أقل الصلاة كُتب من الغافلين: وقيل ليوسفَ علیه السلام: ما لك لا تَشبَع وفي يديك خزائنُ مِصرَ؟ قال : إنّي إذا شبعت نسيت الجائعين.
1) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل (2380)، وابن ماجه، کتاب الأطعمة، باب الاقتصاد في الأكل وكراهية الشبع (3349) .
2) ذكره أبو نعيم في الحلية (351/5) ، مختصراً من كلام محمد بن واسع.
3) أخرجه الطبرسي في مشكاة الأنوار: 162 .
4) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال: 468/6 .
5) أخرجه الترمذي :كتاب : صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله (2478) ، وابن ماجه كتاب الأطعمة، باب : الاقتصاد في الأكل وكراهة الشبع (3350) ، وذكره الهيثمي في »مجمع الزوائد» (31/5).
وقال الشاعر :وأكلةٍ أوقعت في الهُلْك صاحِبَها*** كحبة القَمْح دَقَت عُنْقَ عُصْفورِلكِسْرَةٌ بجَرِيش الملح أكلُها*** الأمن ثمرة تُحشَى بزُنبورووُصِف لسابورَ ذي الأكتافِ رجلٌ من إصْطَخَرَ للقضاء، فاستقدَمَه، فدعاه إلى الطّعام، فأَخَذ المَلِك دَجاجةً من بين يديه ،فنصَّفَها، وجعل نِصفَها بين يدي ذلك الرجل، فأتَى عليه قبل أن يَفرُعْ المَلك من أكل النِّصف الآخَر ، فصَرَفه إلى بلده، وقال: إنّ سَلَفنا كانوا يقولون : مَنْ . شَرِه إلى طعام المَلِك كان إلى أموال الرّعيّة أشْرَه .قيل لسُمَيرة بن حبيب: إنّ ابنَك أكل طعاماً فأتخم، وكاد يموت، فقال: والله لو مات منه ما صَلّيت عليه أنَس يرفَعه : إنّ من السِّرَف أن تأكل كلَّ ما اسْتَهَيْت (1.)دخل عمرُ على عاصم ابنه وهو يأكُل لَحْماً، فقال: ما هذا؟ قال : قَرِمْنا إليه، قال: أوَ كُلَّما قَرِمْت إلى اللَّحم أكَلْته كَفى بالمرءِ شَرَها أَن يَأْكُل كُلَّ ما يَشتَهِي .أبو سعيد يَرفَعه : استعينُوا بالله من الرُّعْب(2، قالوا : هو الشَّرَه ، ويقال : الرّغب شُؤْم . أنس يَرفَعه : أصلُ كلَّ داء البردة (3)، قالوا : هي التَّخْمَة، وقال أبو دُرَيد : العَرَب تعير بكثرة الأكل، وأنشَد :)لستُ بأكال كامل العَبْدِ*** ولا ينوّام كنَوْمِ الفهدوقال الشاعر :إذا لم أزُر إلا لأكُلَ أكلةَ*** فلا رَفعت كَفّي إليَّ طعامِيفما أكلةٌ إن نِلتُها بغنيمةٍ ***ولا جَوْعة إن جُعْتُها بغَرامِابن عباس : كان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يبيت طاوياً ليالي ما له ولأهلهِ عَشاء، وكان عامّةَ طعامِه الشّعیرُ (4وقالت عائشة : والذي بَعثَ محمداً بالحق ما كان لنِا مُنخُل، ولا أكل رسولُ الله صلی الله علیه وآله وسلم خُبْراً مَنْخُولاً منذ بعثه الله إلى أن قُبِض (5)، قالوا : فكيف كنتم تأكلون دقيق الشعير؟ قالت : كنا نقول : أُفٍّ أُفٍّ .)
1) اخرجه ابن ماجه، كتاب الأطعمة، باب من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت (3352) .
2) ذكره السيوطي في الجامع الصغير رقم 3335 ، والمتقي في الكنز رقم 6160 .
3) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس (1698) ، وابن عدي في الكامل (83/2).
4) أخرجه الترمذي في الزهد :باب معيشة النبي صلی الله علیه وآله وسلم وأهله ،(2360) ، وابن ماجه في الأطعمة، باب: خبز الشعير (3347) ، وأحمد في مسند بني هاشم، باب بداية مسند عبد الله بن العباس (2303) .
5) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (312/10) ، والطبراني في «الكبير» (159/6).
أنس: ما أكل رسولُ الله صلی الله علیه وآله وسلم رغيفاً مُحَوَّراً إلى أن لقي ربَّه عزّ وجلّ (1.)أبو هريرة: ما شَبع رسولُ الله صلی الله علیه وآله وسلم وأهله ثلاثةَ أيام مُتوالية من خُبز حِنْطَة حتى فَارَقَ الدنيا(2.)وروَى مَسْروق قال : دخلتُ على عائشة وهي تبكي، فقلتُ : ما يبكيك؟ قالت: ما أشاء أن أبكي إلّا بَكَيتُ مات رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ولم يَشبَع من خُبز البُرّ في يومٍ مرّتين، ثم انهارَتْ علينا الدنيا (3.)حاتم الطائي :وإنِّي لأستحيي صحابيَ أن يَرَوْا*** مكانَ يَدِي من جانب الزاد أَقْرَعَاأقصِّر كَفَّي أن تنال أكفَّهم إذا نحنُ أهوَيْنا وحاجاتُنا مَعَاأبيتُ خَمِيصَ البطنِ مضطمِرَ الحشَا حياة أخافُ الضّيمَ أن أتّضلَّعافإنّك إن أعطَيتَ نَفَسَك سُؤلها*** وفَرْجَك نالا مُنتَهى الذمَّ أجمعافأما قولُه علیه السلام : «كان لا يَتَشهَّى، ما لا يَجد» فإنَّه قد نهى أن يتشهى الإنسانُ ما لا يَجِد، وقالوا : إنّه دليلٌ على سُقوط المُروءة.وقال الأحنف: جنِّبوا مَجَالسنا ذِكر تشهِّي الأطعِمة وحديث النكاح.وقال الجاحظ : جلَسنا في دارٍ فجعَلنا نتشهّى الأطعمة، فقال واحد وأنا أشتَهي سِكْبَاجاً كثيرة الزعفران.وقال آخر: أنا أشتهي طَبَاهجة ناشِفة، وقال آخر: أنا أشتهي هَرِيسة كثيرة الدّارصيني، وإلى جانبنا امرأةٌ بيننا وبينها بئر الدار، فضربَتِ الحائط وقالت: أنا حامل، فأعطُوني مِلءَ هذه الغَضَارة من طبيخِكم، فقال ثمامة : جارتُنا تَشمٌ رائحة الأمانيّ .
1) أخرجه ابن ماجه في الأطعمة باب الحواري (3337).
2) أخرجه البخاري في الأطعمة باب ما كان السلف يدخرون في بيوتهم (5423)، ومسلم في الزهد والرقائق (2970)، والترمذي في الزهد باب ما جاء في معيشة النبي صلی الله علیه وآله وسلم وأهله (2358) واللفظ له .
3) أخرجه البخاري، كتاب الأطعمة، باب ما كان السلف يدخرون في بيوتهم (5423) ، ومسلم کتاب الزهد والرقائق، باب منه (2970).
الأصل: لَوْ لَمْ يَتَوَفَّدِ الله سُبْحَانَهُ على مَعْصِيَتِهِ، لَكَانَ يَجِبُ الَّا يُعْصَى شُكراً لِنعَمِهِ.الشرح: قالت المعتزلة : إنَّا لو قَدَّرْنا أنّ الوَعِيد السَّمْعيّ لم يرد لما أخَلّ ذلك بكون الواجب واجباً في العقل، نحو العدل والصدق، والعلم، وردّ الوديعة، هذا في جانب الإثبات، وأما في جانب السَّلب فيَجِب في العَقل ألَّا يَظلِم، والّا يَكذبِ، وألَّا يَجهَل، والآيَخون الأمانة، ثمّ اختَلُفوا فيما بينهم، فقالت معتزِلة بغداد: ليس الثوابُ واجباً على الله تعالى بالعَقل، لأنّ الواجباتِ إنّما تجب على المكلّف، لأنَّ أداءَها كالشُّكر الله تعالى، وشكر المُنعِم واجب، لأنّه شكر منعِم، فلم يبقَ وجه يقتضي وجوب الثواب على الله سبحانه، وهذا قريبٌ من قول أمير المؤمنين علیه السلام.وقال البَصْرِيُّون : بل الثواب واجبٌ على الله تعالى عَقْلاً، كما يجب عليه العَوض عن إيلامِ الحيِّ، لأنّ التكليف الزام بما فيه مَضَرّة، كما أنّ الإيلامَ إنزالُ مَضَرّة، والإلزام كالإنزال .الأصل :وقالَ علیه السلام للأشعث بن قيس وقد عزاء عن ابن له :يا أَشْعَثُ إِنْ تَحْزَنْ على ابْنِكَ فَقَدِ اسْتَحَقَّتْ ذَلِكَ مِنْكَ الرّحِمُ، وإِنْ تَصْبِرْ فَفِي اللَّه مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ خَلَفٌ.يا أَشْعَثُ، إنْ صَبَرْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وانْتَ مَأْجُورٌ، وإِنْ جَزِعْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وأنْتَ مَأْزُورٌ يا أَشْعَثُ ابْتُكَ سَرَّكَ، وَهُوَ بَلاءً وفِتْنَةٌ ، وحَزَنَكَ، وهُوَ ثَوَابٌ ورَحْمَةٌ .الشرح :قد رُوي هذا الكلام علیه السلام على وجوه مختلِفة ورواياتٍ متنوِّعة، هذا الوجهُ أحدها ، وأخَذَ أبو العتاهية الفاظَه علیه السلام علي فقال لمن يعزِّيه عن ولَد:ولا بدّ من جَرَيان القَضاء*** إمّا مُثاباً وإما أثِيمًاومن كلامهم في التعازي : إذا استأثَرَ الله بشيء فاله عنه، وتُنسب هذه الكلمة إلى عُمَر بن عبد العزيز.
وذكر أبو العبّاس في الكامل أنّ عُقبة بنَ عِياض بن تميم أحد بني عامر بن لؤيّ استُشهِد، فعَزَّى أباه مُعَزّ ، فقال : احتَسِبُه ولا تَجزَع عليه، فقد ماتَ شهيداً ، فقال عِياض: أتراني كنتُ أُسَرُّ به وهو من زينةِ الحياة الدنيا، وأساءُ به وهو من الباقيات الصالحات !وهذا الكلام مأخوذُ من كلام أمير المؤمنين علیه السلام.ومن التَّعازي الجيدةِ قول القائل :ومن لم يَزَلْ غَرَضاً للمَنُو نِيَشركه كلّ يومِ عمیدَافإِنْ هُنَّ أخطانَه مرةٌ فيوشِك مُخطِئها أن يَعودافبَيْنَايَحيد وأخطانَهُ قصدنَ فأعجَلْنه أن يحيداوقال آخر :هو الدّهر قد جرّبتُه وعرفتُه فصبراً على مكروهه وتَجلُّداوما الناسُ إلّا سابقٌ ثمّ لاحِقٌ وفائتُ موتٍ سوفَ يَلْحَقُه غَداوقال آخر :أيُّنا قدمت صُرُوفُ اللّيالي فالّذي اخَّرت سريعُ اللَّحاقِغَدَراتُ الأيّام منتزعاتٌ*** عُنَقَيْنا من أني هذا العِناقِابن نُباتَةَ السَّعدي :نُعلّل بالدّواء إذا مَرِضْنا*** وهل يَشفي من الموتِ الدّواء!ونَختار الطبيب وهل طبيبٌ ***يؤخِّر ما يقدِّمه القضاءُ !وما أنفاسُنا إلا حسابٌ وما حَركاتُنا إلا فناءُالبُحتُرِيّ :إن الرزيّة في الفقيد فإن هَفَا جزعٌ بلبِّك فالرزيّة فِيكَاوَمَتَى وجدتَ النَّاس إلا تاركاً لحميمِه في التُّرب أو متروكالو ينجلي لك ذخرها من نكبةٍ جلل لأضحكَك الذي يُبكيكاوكتب بعضهم إلى صديق له مات ابنُه : كيف شُكرُك الله تعالى على ما أَخَذ من وديعته ،وعَوّض من مَثوبته !وعَزَّى عمر بنُ الخطاب أبا بكرٍ عن طفلٍ، فقال : عَوّضك الله منه ما عوّضه منك، فإنّ الطفل يعوّض من أبَويه الجنّة.
وفي الحديث المرفوع :«مَنْ عزَّى مصاباً كان له مِثل أجرِه»(1.)وقال عليه السلام:« من كُنوز السِّرّ كتمانُ المصائب، وكِتمانُ الأمراض وكتمانُ الصَّدقة». وقال شاعرٌ في رِثاء ولدِه :وسمَّيْتُه يَحْيَى ليَحْيَا ولم يكن*** إلى رَدّ أمر الله فيه سَبيلُتخيّرتُ فيه الفالَ حين رُزِقْتُه ولم أذرِ أنْ الفَالَ فيه يَفيلُوقال آخر :وهَوْنَ وَجدي بعد فقيك أنني إذا شئتُ لاقيتُ امرأ مات صاحِبُةآخر :وقد كنتُ أرجو لو تملّيت عِيشةَ*** عليكَ اللّيالي مَرّها وانتقالَهافأمّا وقد أصبحتَ في قَبْضَةِ الرَّدَى فقُل لليالي فلتُصِبْ مَن بَدَا لهاأخَذه المتنبي فقال :قد كنتُ أُشفق من دَمعي على بَصَرِي فاليوم كلّ عزيز بعدم هانَاومِثلُه لغيره :فراقَك كنتُ أخشى فافترقنا فمن فارقتُ بعدَك لا أبالِيالأصل: وقال علیه السلام عند وقوفه على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساعة دفن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم إنَّ الصَّبْرَ لَجَمِيلٌ إِلَّا عَنْكَ وإنَّ الجَزَعَ لَقَبيحٌ إِلَّا عَلَيْكَ ، وإِنَّ المُصابَ بكَ لَجَلِيلٌ، وَإِنَّهُ بَعْدَكَ لقليل .الشرح: قد أخذَتْ هذا المعنى الشعراء، فقال بعضهم:امسَتْ بجَفْنِي للدموع كُلُومُ حزناً عليك وفي الحدود رُسومُوالصبرُ يُحمد في المَواطِن كلِّها*** إلّا عليكَ فإنّه مذمومُ
1) أخرجه الترمذي في الجنائز، باب ما جاء في أجر من عزى مصاباً (1073) ، وابن ماجه في ما جاء فی الجنائز، باب: ما جاء في ثواب من عزى مصاباً (1602).
وقال أبو تمّام :وقد كان يُدعى لابسُ الصّبرِ حازماً*** فقد صارَ يُدعى حازماً حين يَجزَعُوقال أبو الطّيب:أجِدُ الجَفاء على سِواكَ مُروءةً والصّبرَ إلا في نواك جميلاوقال أبو تمّام أيضاً :الصبرُ أجملُ غيرَ أنّ تلذّذاً في الحبِّ أولى أن يكونَ جملاوقالت خَنْساء أخت عَمْرو بن الشَّرِيد:ألا يا صَخْرُ إن أبكَيتَ عَيْني لقد أضحكتَني دهراً طويلابكيتُكَ في نساءِ مُغولاتٍ وكنتُ أحقُّ من أَبْدَى العَويلادفعتُ بك الجليلَ وأنتَ حَيٌّ*** فمن ذا يَدْفَع الخطب الجليلا!إذا قبُح البكاءَ على قَتيِل*** رأيتُ بكاءَك الحسَنَ الجميلاومثلُ قوله علیه السلام: «وإنه بعدك لقليل» ، يَعني المصاب، أي لا مُبالاة بالمصائب بعد المصيبة بك، قولُ بعضهم :قد قلتُ للموتِ حين نَازَلَهُ ***والموتُ مِقدامةٌ على البُهَماذهَبْ بمن شئتَ إذْ ظفرتَ به ***ما بعد يَحيَى للموتِ من ألمِوقال الشَّمَرْدَل اليَرْبُوعي يرثي أخاه :إذا ما أتى يومٌ من الدّهر بيننا فحيّاك عنّا شرقُهُ وأصائِلُةأبَى الصّبرَ أنّ العين بعدك لم تزَل يُحالِف جَفْنَيْها قدّى ما تُزايلةوكنتُ أعيرُ الدّمع قبلك من بَكى فأنت على من مات بعدك شاغلُةأعيْنَيْ إذا أبكاكما الدهرُ فابِكيا لمن نَصْرُه قد بانَ عنّا ونائِلةوكنتُ به أَغشَى القِتال فعزّنِي عليه من المِقدار مَنْ لا أقاتلةلعَمْرُك إنّ الموتَ مِنّالمُولّع بمن كان يُرجى نفعُه وفواضلةقوله :فأنتَ على من ماتَ بعدَكَ شاغلُةهو المعنى الذي نحن فيه، وذكرنا سائر الأبيات لأنّها فائقة بعيدةُ النّظير .وقال آخر يَرثي رجلاً اسمه جارية :
جارِيَ ما أزداد إلّا صَبابةٌ*** عليكَ وما تزدادُ إلّا تنائياأجارِيَ لو نفسٌ فدَتْ نفس ميّت ***فديتُك مَسروراً بنفسي ومالياوقد كنتُ أرجو أن أراك حقيقةً نحال قضاءُ الله دون قضائياالا قليَمُتْ من شاءَ بعدك إنما عليكَ من الأقدار كان حذارياومن الشِّعر المنسوب إلى عليَّ علیه السلام - ويقال : إنه قاله يوم ماتَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :كنتَ السّوادَ لناظري فبَكى عليك النّاظرُمن شاءَ بعدك فليَمُتْ فعليك كنتُ أحاذِرُومن شِعر الحماسة :سأبكيك ما فاضَتْ دموعي فإن تَغض فحسَبكُ مني ما تُجِن الجوانحُكأن لم يَمُتْ حَيٌّ سِواك ولم تَقُم على أحد إلا عليك النوائحُلئِن حَسُنَتْ فيك المراثي بوصِفها لقد حَسُنتْ مِن قبلُ فيك المدَائحُفما أنا من رُزْءٍ وإِن جَلَّ جازعٌ ولا بسرُورٍ بعد مَوْتِك فارحُالأصل: لا تَضْحَبِ المَائِقَ فَإِنَّهُ يُزَيِّنُ لَكَ فِعْلَهُ، وَيَوَدُّ أَنْ تَكُون مِثْلَهُ.الشرح: المائق : الشديدُ الحُمق، والمُوق: شدّة الحُمق، وإنما يزين لك فعله لأنّه يعتقد فعلَه صواباً بحُمقه فيزيَّنه لك كما يزَّين العاقلُ لصاحبه فِعلّه لاعتقاد كونه صواباً، ولكن هذا صوابٌ في نَفس الأمر، وذلك صوابٌ في اعتقاد المائق لا في نفس الأمر، وأما كونه يودّ أن تكون مِثله فليس معناه أنّه يَودّ أن تكون أحمَق مثله، وكيف وهو لا يَعلَم من نفسِه أنّه أحمق، ولو عَلِم أنه أحمق لما كان أحمق، وإنما معناه أنّه لحبَّه لك، وصُحْبته إيّاك، يودّ أن تكون مِثله، لأنّ كل أحد يَودّ أن يكون صديقُه مِثل نفسِه في أخلاقه وأفعاله، إذ كل أحد يَعتقِد صوابَ أفعاله، وطهارَة أخلاقه، ولا يَشعر بعيب نفسه لأنه يَهوَى نفسَه، فعيبُ نفسه مطويِّ مَستور عن نفسِه، كما تَخْفَى عن العاشق عُيوبُ المعشوق.
الأصل: وقال علیه السلام وقَدْ سُئِلَ عَنْ مَسافَة ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، فَقَالَ : مَسِيرَةُ يَوْمِ الشَّمْس .الشرح: هكذا تقول العَرَب: «بينهما مسيرة يوم» بالهاء ولا يقولون «مسيرُ يوم» لأنّ المسير المصدر، والمسيرة الاسم.وهذا الجوابُ تسميِّه الحكماء جواباً إقناعيًا، لأن السائل أراد أن يذكر له كمّية المسافة مُفصّلة، نحو أن يقَول : بينهما ألفُ فرسخ أو أكثر أو أقلّ، فعَدَل علیه السلام عن ذلك وأجابه بغيره، وهو جواب صحيح لا رَيب فيه، لكنّه غير شاف لغليلِ السائل وتحته غَرضٌ صحيح، وذلك لأنه سأله بحضور العامة تحتَ المِنبر ، فلو قال له : بينهما ألفُ فرسخَ مثلاً، لكان للسائِل أن يُطالبه بالدّلالة على ذلك، والدّلالة على ذلكَ يشقّ حصولها على البَديهة، ولو حصلت لَشقّ عليه أن يُوصلها إلى فهم السائل، ولو فهمها السائلُ لما فهمتها العامّة الحاضرون، ولصارَ فيها قولٌ وخلاف، وكانت تكون فِتنة أو شبيهاً بالفتنة، فعدل إلى جواب صحيح إجمالي أسكت السائل به، وقنع به السامعون أيضاً واستحسنوه، وهذا من نتائج حِكمتِه علیه السلام.الأصل: أصْدِقاؤُكَ ثَلاثَةٌ ، وَأَعْدَاؤُكَ ثَلاثَةٌ، فَأَصْدِقارُكَ : صَدِيقُكَ، وَصَدِيقُ صَدِيقِكَ، وَعَدُوُّ عَدُوِّكَ. وَأَعْدَاوكَ : عَدُوُّكَ ، وعَدُو صَدِيقِكَ، وَصَدِيقُ عدوّكَ .الشرح: قد تقدّم القولُ في هذ المعنى.والأصل في هذا أنّ صديقَك جارٍٍ مجرَى نفسك، فاحكم عليه بما تحكُم به على نفسك، وعدوّك ضدك، فاحكُم عليه بما تحكُم به على الضّدّ، فكما أنّ من عاداك عدوّ لك، وكذلك مَن عادى صديقَك عدوُّ لك، وكذلك من صَادق صديقَك فكأنّما صادَق نفسَك، فكان صديقاً لك أيضاً، وأما عدوُّ عدوك فضل ضدّك، وضد ضدّك ملائمٌ لك، لأنّك أنتَ ضِدُّ لذلك الضدّ، فقد اشتركتُما في ضدّيّة ذلك الشخص، فكنتما متناسِبَين، وأمّا مَن صَادق عدوّك فقد ماثل ضِدّك، فكان ضِدًّا لك أيضاً، ومثلِّ ذلك بَياضِ مخصوص يُعادِي سَواداً مخصوصاً ويضاده.
وهناك بياض ثان هُوَ مِثلُ البياض الأوّل وصديقُه، وهناك بياضٌ ثالث مِثلُ البياض الثاني ، فيكون أيضاً مِثل البياض الأوّل ،وصديقه، وهناك بياضٌ رابعٌ تأخذه باعتبار ضدَّا للسواد المخصوص المفروض، فإنه يكون مماثِلاً وصَديقاً للبياض الأوّل، لأنه عدو عدوّه، ثم نَفْرِض سواداً ثانياً مضاداً للبياض الثاني، فهو عدو للبياض الأوّل، لأنه عدو صديقه، ثمّ نفرض سواداً ثالثاً هو مُمائِلُ السوادِ المخصوص المفروض، فإنه يكون ضدَّا للبياض المفروض المخصوص، لأنه مِثل ضدّه، وإن مثّلث ذلك بالحروف كان أظَهر وأكشف .- 302 -الأصل: وقال علیه السلام الرجُل رَآهُ يَسْعَى على عَدُوٌّ لَهُ بِما فيه إصْرَارٌ بِنَفْسِهِ : إِنَّمَا أَنْتَ كالطَّامن نَفْسَهُ لِيَقْتُل ردْفَهُ.الشرح: هذا يختلف باختلاف حال السّاعي، فإنه إن كان يضرّ نفسه أوّلاً ثم يضرّ عدوَّه تَبعاً لإضرارِه بنفسِه كان - كما قال أمير المؤمنين علیه السلام - كالطاعن نفسَه ليقتلَ رِدفه، والرَّدف : الرجلُ الذي تَرْتدِفه خَلْقَك على فرَس أو ناقةٍ أو غيرهما، وفاعل ذلك يكون أسفه الخلق وأقلهم عقلاً، لأنه يبدأ بقتل نفسه. وإن كان يضرّ عدوّه أولاً، يحصل في ضمن إضراره بعدوّه إضراره بنفسه، فليس يكون مثالُ أمير المؤمنين علیه السلام منطبقاً على ذلك، ولكن يكون كقولي في غزل ٍمن قصيدة لي :إن تَرْمِ قلبي تُضمِ نفسك إنَّه*** لك موطنُ تاوي إليه ومَنزل- 303 -الأصل: ما أَكْثَرَ الْعِبَرَ وأقل الاعْتِبَارَا !الشرح: ما أوجز هذه الكلمة وما أعظم فائدتها ! ولا ريب أنّ العبَر كثيرة جدَّا، بل كلّ شيء في الوجود ففيه عِبْرَةً ، ولا ريب أن المعتبِرين بها قليلون، وأنّ الناس قد غلب عليهم الجهل والهوى، وأرداهم حبُّ الدنيا، وأسكرهم خَمرُها ، وإنّ اليقين في الأصل ضعيف عندهم، ولولا ضعفه لكانت أحوالهم غيرَ هذه الأحوال.
الأصل: مَنْ بَالَغَ فِي الخُصُومَةِ ايْمَ، وَمَنْ نَصر فيها ظُلِمَ ، ولا يَسْتَطِيعُ أنْ يَتَّقِيَ الله مَن خاصَمَ .الشرح: هذا مثل قوله علیه السلام في موضعٍ آخر : الغالب بالشرِّ مغلوب .وكان يقال : ما تسابّ اثنان إلا غلبَ الأمُهما.وقد نهى العلماء عن الجدل والخصومة في الكلام والفقه وقالوا : إنهما مظنّة المباهاة وطلب الرئاسة والغلبَة، والمجادل يكره أن يقهَره خصمُه، فلا يستطيع أن يتّقي الله.وهذا هو كلام أمير المؤمنين علیه السلام بعينه .وأما الخصومة في غير العلم كمنازعة النّاس بعضِهم بعضاً في أمورهم الدنياويّة، فقد جاء في ذمّها، والنّهي عنها شيء كثير ، وقد ذكرنا منه فيما تقدَّم قولاً كافياً، على أنّ منهم مَنْ مدح الجهل والشرّ في موضعهما .وقال الأحنف: ما قلّ سفهاء قوم إلّا ذلّوا .وقال بعض الحكماء : لا يخرجنّ أحد من بيته إلا وقد أخذ في حُجْزتِه قيراطين من جَهْل ،فإن الجاهل لا يدفعه إلا الجهل. وقالوا : الجاهل من لا جاهل له .وقال الشاعر :إذا كنت بين الجهل والحلم قاعداً ***وخُيِّرْتَ أنَّى شئت فالعلم أفضلُولكن إذا أنصفتَ مَنْ ليس منصفاً ولم يرضَ منك الحلم فالجهلُ أمثَلُإذا جاءني مَنْ يطلب الجهلَ عامداً فإني سأعطيه الّذي هو سائلُ- 305 -الأصل: ما أَهَمِّنِي أَمْرٌ أَمْهِلْتُ بَعْدَهُ، حتَّى أَصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَأَسْأَلَ الله العَافِيةَ .الشرح: هذا فتحٌ لباب التوبة وتطريق إلى طريقها، وتعليم للنهضة إليها والاهتمام بها، ومعنى الكلام أنّ الذُّنب الذي لا يعاجَل الإنسانُ عقيبَه بالموت ينبغي للإنسان ألا يهتم به، أي
لا ينقطع رجاؤه عن العفو وتأميله الغفران، وذلك بأن يقوم إلى الصلاة عاجلاً، ويستغفر الله، ويندم ويعزم على ترك المعاودة، ويسأل الله العافية من الذنوب والعصمة من المعاصي، والعون على الطاعة، فإنه إذا فعل ذلك بنيّة صحيحة واستوفى شرائط التوبة سقط عنه عقابُ ذلك الذنب .وفي هذا الكلام تحذيرٌ عظيم من مواقعة الذنوب، لأنه إذا كان هذا هو محصول الكلام، فكأنّه قد قال الحذَرَ الحذَرَ من الموت المفاجئ قبل التوبة، ولا ريب أن الإنسان ليس على ثقةٍ من الموت المفاجئ قبل التوبة، إنه لا يفاجئه ولا يأخذه بغتةً، فالإنسان إذا كان عاقلاً بصيراً يتوفّى الذنوب والمعاصي التوفّي .- 306 -الأصل: وَسُئِلَ علیه السلام: كَيْفَ يُحَاسِبُ الله الخَلْقَ عَلَى كَثْرَتِهِمْ؟ فَقَالَ: كَمَا يَرْزُقُهُمْ عَلَى كَثْرَتِهِمْ .فَقِيلَ : كَيْفَ يُحاسِبُهُمْ ولا يَرَوْنَهُ فَقَالَ : كَمَا يَرْزُقُهُمْ وَلا يَرَوْنَهُ.الشرح :هذا جواب صحيح؛ لأنه تعالى لا يرزقهم على الترتيب، أعني واحداً بعد واحد، وإنما يرزقهم جميعَهم دفعةً واحدة، وكذلك تكون محاسبتهم يوم القيامة .والجواب الثاني صحيح أيضاً : لأنه إذا صحّ أن يرزقنا ولا نرى الرّازق، صحّ أن يحاسبنَا ولا نرى المحاسب .فإن قلت : فقد ورد أنهم يَمكثُون في الحساب ألف سنة، وقيل أكثر من ذلك، فكيف یجمع بین ما ورد في الخبر وبين قولكم : «إن حسابهم يكون ضربة واحدة»! ولا ريب أنّ الأخبار تدلّ على أن الحساب يكون لواحد بعد واحد.قلت : إن أخبار الآحاد لا يُعمل عليها، لا سيّما الأخبار الواردة في حديث الحساب والنار والجنّة، فإن المحدّثين طعنوا في أكثرها وقالوا : إنها موضوعة وجملة الأمر أنه ليس هناك تكليف، فيقال إن ترتيب المحاسبة في زمانٍ طويل جدَّا يتضمّن لطفاً في التكليف فيفعله الباري تعالى لذلك، وإنما الغرض من المحاسبة صدق الوعد وما سبق من القول، والكتاب العزيز لم ينطق إلا بالمحاسبة مجملةً، فوجب القول بالمتيقن المعلوم فيها ورفض ما لم يثبت .
- 307 -الأصل: رَسُولَكَ تَرْجُمَانُ عَقْلِكَ، وَكِتَابُكَ أَبْلَغُ مَا يَنْطِقُ عَنْكَ.الشرح: قالوا فى المَثَل : الرّسول على قدر المرسل.وقيل أيضاً : رسولُك أنتَ ، إلا أنّه إنسانٌ آخَر .وقال الشاعر :تخَيَّرُ إذا ما كنتَ في الأمر مرسِلاً فمبلغُ آراء الرّجال رسولُهاورِّو وفكّر في الكتاب فإنّما بأطراف أقلامِ الرّجال عقولُها- 308 -الأصل: ما المُبْتَلَى الَّذِي قَدِ اشْتَدَّ بِهِ البَلاءُ، بِأَحوَجَ إِلَى الدُّعَاءِ مِنَ المُعَافَى الَّذِي لا يَأْمَنُ البلاة.الشرح هذا ترغيب في الدعاء، والذي قاله علیه السلام حقّ ؛ لأنّ المعافَى في الصورة مبتلّى في المعنى، وما دام الإنسان في قَيد هذه الحياة الدنيا فهو من أهل البلاء على الحقيقة، ثم لا يأمن البلاء الحسِّيّ، فوجب أن يتضرّع إلى الله تعالى أنّه ينقذه من بلاء الدنيا المعنوي، ومن بلائها الحسي في كلّ حال.ولا ريبَ أنّ الأدعية مؤثَّرة، وأن لها أوقات إجابة، ولم يختلف المِليُّون والحكماء في ذلك .-309 -الأصل: النَّاسُ أَبْنَاءُ الدُّنْيَا، وَلا يُلامُ الرَّجُلُ عَلَى حُبِّ أُمِّهِ .
الشرح: قد قال علیه السلام في موضع آخر :«الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم» (1.)وقال الشاعر :ونحنُ بَنِي الدُّنيا غُذِينَا بِدَرِّها*** وما كنتَ منه فهو شيء محبِّبُالأصل: إِنَّ المِسْكِينَ رَسُولُ الله ، فَمَنْ مَنَعَهُ فَقَدْ مَنَعَ الله، وَمَنْ أَعْطَاهُ فَقَدْ أَعْطَى الله .الشرح: هذا حضٌّ على الصدقة، وقد تقدّم لنا قولٌ مقنع فيها .وفي الحديث المرفوع: «اتّقوا النّار ولو بشِقّ تَمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة»(2.)وقال علیه السلام : «لو صَدَق السائل لما أفلح مَنْ ردّه »(3.)وقال أيضاً : «مَنْ ردّ سائلاً خائباً لم تَغْشَ الملائكة ذلك البيت سبعة أيام»(4.)وكان علیه السلام لا يكِلُ خَصلتين إلى غيره : كان يصنع طَهُوره باللّيل ويخمُره، وكان يناول المسكين بيده .وقال بعض الصالحين : مَنْ لم تكن نفسه إلى ثواب الصدقة أحوجَ من الفقير إلى صدقته، فقد أبطل صدقته، وضرب بها وجهه.وقال بعضهم : الصلاة تبلّغُك نصفّ الطريق، والصوم يبلغك باب الملك، والصدقة تُدخِلك عليه.***-311-الأصل: مَا زَنَى غَيُورٌ قَط .
1) أخرجه العجلوني في كشف الخفاء رقم : 2788 .
2) أخرجه البخاري في الزكاة، باب الصدقة قبل الرد (1413) ، ومسلم في الزكاة، باب الحث على الصدقة (1016) ، والنسائي في الزكاة، باب القليل في الصدقة (2553).
3) أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» (297/5)، والعجلوني في «كشف الخفاء» (161/1).
4) ذكره المناوي في «فيض القدير» (32/4) .
الشرح: قد جاء في الأثر : مَنْ زَنَى زُنيَ به ولو في عقِب عقِبه (1.)وهذا قد جُرّب فوجد حقًّا، وقلّ مَنْ ترى مِقداماً على الزّني إلا والقول في حَرَمه وأهلِه وذوي مَحارمه كثير فاش .والكلمة التي قالها علیه السلام حقّ لأنّ من اعتاد الزنى حتى صار دَربته وعادتَه والفتَْه نفسه، لابدّ أن يهون عليه حتى يظنّه مباحاً، أو كالمباح، لأن مَنْ تدرّب بشيء ومرَنَ عليه زال قبحه من نفسِه، وإذا زال قبحُ الزنى من نفسه لم يعظم عليه ما يقال في أهله، وإذا لم يعظم عليه ما يقال أهله فقد سقطت غيرتُه .-312 -الأصل: كَفَى بِالأَجَلِ حَارِساً !الشرح: قد تقدّم القول في هذا المعنى.وكان علیه السلام يقول : إن عَليّ من الله جُنّة حصينة، فإذا جاء يَوْمي أسلمتني، فحينئذ لا يَطيش السَّهم، ولا يبرأ الكَلم.والقول في الأجل وكونه حارساً شُعبة من شُعَب القول في القضاء والقَدَر، وله موضع هو أملَكُ به .- 313 -الأصل: يَنَامُ الرَّجُلُ عَلَى الشكل، وَلا يَنَامُ عَلَى الحَرْبِ .قال السيّدُ : ومَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَصْبِرُ عَلَى قَتْلِ الأَوْلادِ، وَلا يَصْبِرُ عَلَى سَلْبِ الأَمْوَالِ.الشرح: كان يقال : المال عِدل النّفس.وفي الأثر : أنّ مَنْ قُتِل من دون ماله فهو شهيد .
1) أخرجه السيوطي في جامعه بما معناه رقم : 8723 .
وقال الشاعر :لَنَا إِبِلٌ غُرِّ يضيق فضاؤها*** ويغبرّ عنها أرضُها وسماؤهافمن دونها أن تُستباح دماؤنا*** ومن دونِنا أن تُستباح دماؤهاحمّى وقِرى فالموت دون مَرامِها*** وأيسر أمر يومَ حُقِّ فَناؤها-314-الأصل: مَوَدَّةُ الآبَاءِ قَرَابَةٌ بَيْنَ الأَبْنَاءِ، وَالْقَرَابَةُ أَحْوَجُ إِلَى المَوَدَّةِ مِنَ المَودَّةِ إِلَى القَرَابَةِ .الشرح: كان يقال: الحبّ يُتوارث، والبغض يُتوارث.وقال الشاعر :أبقى الصَّغَائِنَ آباءٌ لنا سلفُوا*** فلن تبيد وللآباء أبناءولا خير في القرابة من دون مودّة.وقد قال القائل لمّا قيل له : أيُّما أحبُّ إليك؟ أخوك أم صديقك؟ فقال : إنما أحبّ أخِي إذا كان صديقاً .فالقربي محتاجة إلى المودة والمودة مستغنيةٌ عن القُربَى .- 315 -الأصل: اتَّقُوا خُنُونَ المُؤمِنينَ فَإِنَّ الله تَعَالَى جَعَل الحَقِّ عَلَى أَلْسِتَتِهم .الشرح : كان يقال : ظَنُّ المؤمن كَهانة .وهو أثرٌ جاء عن بعض السلف .قال أوس بن حجر :الألمعيُّ الذي يَظُنّ بك الظَّنَّ ***كانَ قد رأى وقد سَمعهاوقال أبو الطيب :
ذَكَيٍّ تَظَنّيه نیه طلیعهُ عينه*** يَرَى قلبه في يومه ما يرى غدًا- 316 -الأصل: لا يَصْدُقُ إيمَانُ عَبْدِ حَتَّى يَكُونَ بِمَا فِي يَدِ الله سُبْحَانَهُ أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِهِ.الشرح: هذا كلام في التوكّل، وقد سبق القول فيه .وقال بعض العلماء: لا يشغُلك المضمونُ لك من الرّزق عن المفروض عليك من العَمل، فتضيّع أمرَ آخرتك، ولا تنال من الدنيا إلا ما كَتَب الله لك .وقال يحيى بن معاذ في جود العبد: الرزق عن غير طلب دلالة على أن الرزق مأمور بطلب العبد.وقال بعضهم : متى رضيتَ بالله وكيلاً، وجدت إلى كلّ خير سبيلاً.-317-الأصل: وقال علیه السلام لأنَسِ بن مالكٍ، وقد كان بَعَثَهُ إلى طلحةَ والزُّبير لمَّا جاء إلى البصرةِ يُذَكِّرُهُما شيئاً قد سمِعَهُ مِنْ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في معناهُما ، فلَوَى عن ذلك فرجَعَ إليه، فقالَ : إِنِّي أُنْسِيتُ ذَلِكَ الأَمْرَ ، فقال علیه السلام : إن كنتَ كاذباً فضربك الله بها بيضاءَ لامِعَةً لَا تُوَارِيها العمامةُ.قال: يعني البرصَ، فأصاب أنَساً هذا الدَّاءُ فيما بَعْدُ في وجهه، فكانَ لا يُرَى إلا مُتَبرقعاً .الشرح: المشهور أنّ علياً علیه السلام ناشد الناس الله في الرّحبة بالكوفة، فقال: أنشدكم الله رجلاً سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لي وهو منصرف من حَجّة الوداع: «من كنتُ مولاه فعليّ ،مولاه اللهمّ وَالِ مَنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه »(1فقام رجال فشهدوا بذلك، فقال علیه السلام لأنس بن)
1) أخرجه ابن ماجه ،کتاب المقدمة باب فضل علي بن أبي طالب (116)، وأحمد كتاب : العشرة المبشرين بالجنة باب ومن مسند علي بن أبي طالب (953).
مالك : لقد حضرتَها، فما بالُك! فقالَ : يا أمير المؤمنين كبرت سني، وصار ما أنساء أكثر مما أذكره، فقال له : إن كنت كاذباً فضربك الله بها بيضاء لا تواريها العمامة، فما مات حتى أصابه البرص .فأما ما ذكره الرضيّ من أنه بعث أنساً إلى طلحة والزبير فغيرُ معروف، ولو كان قد بعثه ليذكّرهما بكلام يختصّ بهما من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لما أمكنه أن يرجع، فيقول : إني أنسيتُه، لأنه ما فارقه متوجّهاً نحوهما إلا وقد أقرّ بمعرفته وذكره، فكيف يرجع بعد ساعة أو يوم فيقول : إني أنسيته، فينكر بعد الإقرار! هذا مما لا يقع.وقد ذكر ابنُ قتيبة حديث البرص والدعوة التي دعا بها أمير المؤمنين علیه السلام على أنس بن مالك في كتاب «المعارف» في باب المُرْص من أعيان الرجال، وابن قتيبة غير متّهم في حقّ عليّ علیه السلام ، على المشهور من انحرافه عنه-318-الأصل: إِنْ لِلْقُلُوبِ إِقْبَالاً وَإِدْبَاراً ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَاحْمِلُوهَا عَلَى النَّوَافِلِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاقْتَصِرُوا بهَا عَلَى الفَرَائِضِ.الشرح: لا ريب أنّ القلوب تملّ كما تملّ الأبدان، وتُقبِل تارةً على العلم وعلى العمل، وتُدير تارة عنهما .قال عليّ علیه السلام : فإذا رأيتموها مقبلة أي قد نشّطت وارتاحت للعمل فاحملوها على النّوافل، ليس يعني اقتصروا بها على النافلة، بل أدوا الفريضة وتنقّلوا بعد ذلك. وإذا رأيتموها قد ملّت العمل وسئمت فاقتصروا بها على الفرائض، فإنه لا انتفاع بعمل لا يَحضُر القلبُ فيه .****- 319الأصل: في القُرْآنِ نَبا مَا قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ(1.)
1) هذا حديث أخرجه الترمذي، كتاب فضائل القرآن باب ما جاء في فضل القرآن (2906)، وأحمد في كتاب مسند العشرة المبشرين بالجنة، باب مسند علي بن أبي طالب (706) ، والدارمي في كتاب فضائل القرآن باب فضل من قرأ القرآن (3331) .
الشرح: هذا حقّ؛ لأن فيه أخبار القرون الماضية، وفيه أخبار كثيرة عن أمور مستقبلة، وفيه أخبار كثيرة شرعيّة ؛ فالأقسام الثلاثة كلُّها موجودة فيه.- 320 -الأصل: رُدُّوا الحَجَرَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ، فَإِنَّ الشَّرِّ لَا يَدْفَعُهُ إِلَّا الشر.الشرح: هذا مثل قولهم في المثل : إن الحديد بالحديد يُفلَح وقال عمرو بن كُلثوم :ألا لا يَجْهَلن أحدٌ علينا*** فنَجهل فوق جهلِ الجاهليناوقال الفند الزِّمانيّ:فلما صرّح الشّرّ*** فامسی وهوَ عُریانُولم یبقَ سِوى العدوَا*** ن دِناهم كما دانواوبعض الحلم عند الجهل- للذّلّة إذعانوفي الشرّ نجاة حي من لا ينجِيك إحسانُوقال الأحنف:وذِي ضِعْن أمَت القولَ عنه**** بحلمي فاستمرّ على المَقالِومن يحلم وليس له سفيةٌ*** يُلاقِ المعضلات من الرّجالِوقال الراجز :لابد للسؤدُد من أزماحٍ*** ومِنْ عَديد يتقي بالرّاحِومن سفيه دائم النُّباحوقال آخر :ولا يلبتُ الجُهّال أن ينهضّمُوا*** أخا الحلم ما لم يستعِنُ بجهولوقال آخر :ولا أتمنَّى الشرَّ والشرُّ تاركي*** ولكن مَتى أَحْمَلُ على الشرّ أركبُ
-321-الأصل: وقال علیه السلام لِكاتِبِهِ عُبَيْدِ اللهِ بنِ أَبي رَافِعٍ :أَلِقْ دَوَاتَكَ، وأطِلْ جِلْفَة قَلَمِكَ ، وفَرِّجْ بَيْنَ السُّطُورِ ، وقَرْمِطْ بَيْنَ الحُرُوفِ فَإِنَّ ذَلِكَ أجْدَرُ بِصِبَاحَةِ الخَط.الشرح: لاقَ الجبرُ بالكاغَد يليق، أي التصق، ولِفُتُه أنا يتعدّى ولا يتعدّى، وهذه دواة مليقة : أي قد أصلح مدادُها، وجاء الق الدّواة إلاقةً فهي مليقة، وهي لغة قليلة وعليها وردت كلمة أمير المؤمنين علیه السلام .ويقال للمرأة إذا لم تحظ عند زوجها : ما عاقتْ عند زوجها ولا لاقَت، أي ما التصقت بقلبه.وتقول : هي جِلفة القلم بالكسر ، وأصل الجَلف القَشر، جلفتُ الطّين من رأس الدنّ، والجِلفة هيئة فتحة القلم التي يستمدّ بها المداد ، كما تقول :«هو حَسن الركبة والجلسة ونحو ذلك من الهيئات.وتقول : قد قرمط فلانٌ خطوهَ إذا مشى مشياً فيه ضيق وتَقارُب، وكذلك القول في تضييق الحروف.فأما التفريج بين السطور فُيكِسب الخطَّ بهاءَ ووضوحاً .الأصل: أنا يَعْسُوبُ المُؤمنينَ ، والمَالُ يَعْسُوب الفُجَّارِ .قالَ : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ المُؤْمِنِينَ يَتْبَعُونَني ، والفُجّار يَتْبَعُون المال، كما تَتَّبَعُ النَّحْلُ يَعْسُوبَها ، وهُوَ رئيسها .الشرح: هذه كلمةٌ قالها رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بلفظين مختلفين، تارةً: «أنت يعسوب الدِّين» (1)
1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار 67/35 .
وتارة: «أنت يعسوب المؤمنين» (1، والكلّ راجع إلى معنُى واحد ، كأنه جعله رئيس المؤمنين وسيّدهم، أو جعل الِّدين يتبعه، ويقفُو أثرَه، حيث سلك كما يتبع النحلُ اليعسوبَ.)وهذا نحو قوله : «وأدِرِ الحقِّ معه كيف دار» (2.)- 323 -الأصل: وقال لبعض اليهودِ حينَ قالَ لَهُ : ما دَفَتُمْ نَبيَّكُمْ حَتَّى اخْتَلَفْتُمْ فيه فقالَ لَهُ :إِنَّما اخْتَلَفْنا عَنْهُ لا فِيهِ، وَلَكِنَّكُمْ ما جَفَّتْ أرْجُلُكُمْ مِنَ الْبَحْرِ حَتَّى قُلْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ : أَجْمَل لنا إلَيْهَا كَمَا لَم وَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَومٌ فهلون (3)الشرح ما أحسن قوله : «اختلفنا عنه لا فيه»، وذلك لأنّ الاختلاف لم يكن في التوحيد والنبوّة، بل في فُروع خارجة عن ذلك، نحو الإمامة والميراث، والخلاف في الزكاة هل هي واجبة أم لا واليهود لم يختلفوا كذلك، بل في التوحيد الذي هو الأصل.قال المفسرون: مرُّوا على قوم يعبدون أصناماً لهم على هيئة البقَر، فسألوا موسى أن يجعلَ لهم إلهاً كواحد منها بعد مشاهدتهم الآيات والأعلام وخلاصهم من رقّ العبوديّة، وعبورهم البحر، ومشاهدة غَرَق فرعون، وهذه غاية الجهل.وقد روي حديث اليهوديّ على وجه آخر، قيل : قال يهوديَّ لعليّ علیه السلاام : اختلفتم بعد نبيكم ولم يجفَّ ماؤه - يعني غسله صلی الله علیه واله وسلم- ، فقال علیه السلام : وأنتم قلتم : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ولما يجف ماؤكم .
الأصل: وقيلَ لَهُ : بأيِّ شيءٍ غَلَبْتَ الأَقْرَانَ؟ قَالَ : مَا لَقِيتُ أحَداً إلا أعانني على نَفْسِهِ. قالَ الرَّضي رحمه الله تعالى : يُومِيُّ بِذَلِكَ إِلَى تَمَكْنِ هَيْبَتِهِ فِي القُلُوبِ.الشرح: قالت الحكماء : الوهم مؤثِّر ، وهذا حقّ ، لأن المريض إذا تقرّر في وهمه أن مرضه قاتل له ربّما هلك بالوَهم، وكذلك مَنْ تلسبُه الحية، ويقع في خياله أنها قاتلته، فإنه لا يكاد يسلم منها، وقد ضربوا لذلك مثالاً ، الماشي على جِذع معترض على مهواة، فإن وهمه وتخيُّله السقوط يقتضي سقوطه وإلا فمشيه عليه وهو منصوب على المهواة كمشيه عليه وهو ملقى على الأرض، لا فرق بينهما إلّا الوَهُم والخوف والإشفاق والحذر، فكذلك الذين بارزوا عليَّا علیه السلام من الأقران لما كان قد طار صيتُه، واجتمعت الكلمة أنه ما بارزه أحد إلا كان المقتول غلب الوهم عليهم، فقصرت أنفسهم عن مقاومته، وانخذلت أيديهم وجوارحهم عن مناهضته، وكان هو فی الغاية القصوى من الشَّجاعة والإقدام، فيقتحم عليهم ويقتلهم.- 325 -الأصل: وقال علیه السلام لابنه : يا بُنَيَّ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ الفَقْرَ ، فَاسْتَعِذْ بِالله مِنْهُ، فَإِنَّ الفَقْرَ مَنْقَصَةٌ للدِّين، مَدْهَشَةٌ لِلْعَقْلِ، دَاعِبَةٌ لِلْمَقتِ .الشرح: هذا موضع قد اختلف الناس فيه كثيراً ، ففضّل قومٌ الغنى، وفضّل قومٌ الفقر.فقال أصحاب الغني : قد وصف الله تعالى المال، فسمّاه خيراً ، فقال : إني أحببتُ حُبّ الخيرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي (1).)وقال ممتنَّا على عباده، واعداً لهم بالإنعام والإحسان : (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَلِ وَبَنِينَ(2).)وقال: (وَجَعَلْتُ لَكُمُ مَا لا تَعْدُودًا (3).)
وقال النبي صلی الله علیه وآله وسلم : «المال الحسُب إن أحساب أهل الدنيا هذا المال» (1.)وقال علیه السلام : «نعم العون على تقوى الله المال» (2.)قالوا : ولا ريب أن الأعمال الجليلة العظيمة الثواب لا يتهيّا حصولها إلا بالمال، كالحجّ والوقوف والصدقات والزكوات والجهاد.وقد جاء في الخبر: «خير المال سكة مأبورة أو مُهرة مأمورة »(3.)وقالت الحكماء : المال يرفعُ صاحبَه وإن كان وضيعَ النسب قليل الأدب وينصره وإن كان جباناً، ويبسط لسانه وإن كان عيَّا به تُوصَل الأرحام، وتصانُ الأعراض، وتظهر المروءة، وتتم الرئاسة، ويعمر العالم، وتُبَلغ الأغراض، وتدرَك المطالب، وتُنال المآرب، يصلك إذا قطعك النَّاس، وينصرك إذا خذلوك، ويستعبد لك الأحرار، ولولا المال لما بان كرمُ الكريم، ولا ظهر لؤم اللَّتيم، ولا شُكِر ،جواد، ولا ذُمّ ،بخيل، ولا صين حريم، ولا أدرك نعيم.وقال الشاعر :المال أنفعُ للفتى من عِلمه*** والفقرُ أقتلُ للفَتى من جَهْلهِما ضرّ من رفع الدّراهم قدرَه*** جهلٌ يناط إلى دناءة أصلِهوقال آخر :دعوتُ أخي فولی مشمئزَّا*** ولَبَّي در همي لنمَّا دعوتُوقال آخر : ولم أر أوفى ذمّة من دراهمي*** وأصدقَ عهداً في الأمور العظائِمفكم خَانني خلِّ وثقتُ بعهده وكان صديقاً لي زمانَ الدّرَاهموقال آخر :أبو الأصفر المنقوش أنفعُ للفتى من الأصل والعلم الخطير المقدّموما مدح العلمَ امرؤ ظفرت به يَداه ولكن كل مُقو ومعدموقال الشاعر :ولم أر بعد الدّين خيراً من الغِنى ولم أرّ بعد الكفر شرًا من الفقرِ
وقال العتّابيّ : الناس لصاحب المال األزمُ من الشّعاع للشمس، وهو عندهم أرفع من السماء، وأعذب من الماء، وأحلى من الشّهد، وأزكى من الوَرد، خطوه ،صواب، وسيئته حسنة. وقوله مقبول يُغشَى مجلسه، ولا يُمَل حديثُه، والمفلس عندهم أكذب من لمعان السّراب، ومن رؤيا الكفّة، ومن مرآة اللقوة، ومن سحاب ،تموز، لا يسأل عنه إن غاب، ولا يسلّم عليه إذا قدم، إن غاب شتموه، وإن حضر ،طردوه، مصافحته تنقض الوضوء، وقراءته تقطع الصلاة، أثقل من الأمانة، وأبغض من السائل المبرِم.وقال بعض الشعراء الظرفاء، وأحسن كل الإحسان مع خلاعته :أصونُ دراهمِي وأذبّ عنهَا لِعلمي أنها سَيْفي وتُرسيوأذخرُها وأجمعُها بجهدي ويأخذ وارثي منها وعُرسيفيأكلها ويشربها هنيئاً على النّغمات من نَقْرٍ وَجَسٌويقعد فوق قبري بعد موتِي ولايتصدقن عنّي بفَلْسِأحبّ إليَّ من قصدي عظيماً ***كبيراً أصله من عبد شمسامدّ إليه كفّي مستميحاً ***وأُضيحُ عَبْدَ خدمته وأميسيويتركني أجرّ الرّجلَ مِنّي وقد صارت كنفس الكلب نفسيوقال أصحاب الفقر : الغِنّى سبب الطغيان، قال الله تعالى: (كَلَّا إِنَّ الإِنسَنَ لَطْغَى أَن رَّعَاهُ أَسْتَغْى (1).)وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ أَعْرَضَ وَنَنَا بِجَانِهِ (2).)وكان يقال : الغنى يورث البَطَر، وغنى النفس خيرٌ من غنى المال . وقال محمود البقال :الفقر خيرٌ فاتّسِعُ واقتصد إن من العِصْمَةِ الّا تَجِدْكم واجد أطلق وجدانُه عنانه في بعض ما لم يُرِدْومُدمن للخمر غادٍ على سماع عُودٍ وغناء غَرِدْلولم يجد خمراً ولا مُسمعاً يردّ بالماء غليلَ الكَبِدْكم من يد للفقر عند امريٍ طاطا منه الفقر حتّى اقتصدوكان يقال : الفقر شعار الصالحين والفقر لباس الأنبياء.ولذلك قال البحتري :
فقرٌ كفقر الأنبياء وغربةً*** وصبابةً ليس البلاءُ بواحدوكان يقال : الفقر مُخِفّ، والغنى مُثقل .وفي الخبر: نجا المخفّون.وما أحسن قول أبي العتاهية :ألم تر أنّ الفقر يُرجَى له الغنى وأن الغنى يُخْشَى عليه من الفقرِوقد ذم الله تعالى المال، فقال:( إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ (1).)وكان يقال : المال ملول المال ،میّال المال غاد ورائح طبع المال كطبع الصبيّ، لا يوقف على وقت رضاه ولا وقت سخطه المال لا ينفعك حتى يفارقك.وإلى هذا المعنى نظر القائل : :وصاحب صدقٍ ليس ينفع قربُه ولا وده حتّى تفارقَه عَمْدايعني الدينار.وَمَا أَحْسَنَ ما قاله الأوّل :وقد يُهْلِكُ الإنسان حسنُ رِياشِه كما يُذْبَح الطَّاوُس من أجل ريشِهِوقال آخر :رُوَيْدَك إنّ المال يُهلك ربَّه إذا جمّ واستعلى وسُدَّ طريقُهُومن جاوزَ الماء الغزير فمَجهُ*** وسدَّ طريق الماء فهو غريقُهُ-326-الأصل: وقال لسائل سأله عن مسألة :سَل تَفَقُها، وَلا تَسْأَلَ تَعَاً، فَإِنَّ الجَاهِلَ المُتَعَلَّمَ شَبِيبة بِالْعَالِمِ، وَإِنَّ العَالِمَ المُتَعَنِّتَ شَبِية بِالْجَاهِلِ .الشرح: قد ورد نهيٌ كثير عن السؤال على طريق الإعنات.وقال أمير المؤمنين علیه السلام في كلام له : من حقّ العالم ألا تكثر عليه بالسؤال، ولا تُعنته في
1) سورة التغابن الآية: 15 .
الجواب، ولا تضع له غامضات المسائل، ولا تلحّ عليه إذا كسل، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، ولا تُفْشِ له سرًّا، ولا تغتابن عنده أحداً، ولا تنقلنّ إليه حديثاً، ولا تطلبنّ عثرته، وإن زل قبلت معذرتَه، وعليك أن توفّره وتُعظمه الله ما دام حافظاً أمر الله، ولا تجلس أمامه، وإذا كانت له حاجة فاسبق أصحابك إلى خدمته (1.)وقال ابن سيرين لسائل سأله: سل أخاك إبليس، إنّك لن تسأل وأنت طالب رشد.وقالوا : اللهمّ إنا نعوذ بك أن تُعنت كما نعوذ بك أن نُعْنَت، ونستكفيك أن تفضَح، كما نستكفيك أن تَفضَح .وقالوا : إذا أنس المعلِّم من التلميذ سؤال التعنت حَرُم عليه تعليمه .- 327-الأصل: وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِعَبْدِ اللهِ بنِ العَبَّاسِ رَضِيَ الله عَنْهُ وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي شَيْءٍ لَمْ يُوَافِقُ رَأَبَهُ : لَكَ أَنْ تُشِيرَ عَلَى وَأَرَى فَإِذَا عَصَيْتُكَ فَأَطِعْنِي .الشرح الإمام أفضل من الرعيّة رأياً وتدبيراً، فالواجب على مَن يشير عليه بأمرٍ فلا يقبل أن يطيع ويسلّم ويعلم أن الإمام قد عرَف من المصلحة ما لم يعرف .ولقد أحسن الصابي في قوله في بعض رسائله : ولولا فضلُ الرعاة على الرَّعايا في بُعْدِ مَطرَح النظرة، واستشفاف غيب العاقبة، لتساوت الأقدام، وتقاربت الأفهام، واستغنى المأموم عن الإمام.****-328-الأصل: وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمَّا وَرَدَ الْكُوفَةَ قَادِماً مِنْ صِفِّينَ مَرَّ بالشبامِيِّينَ ، فَسَمِعَ بُكَاءَ النِّسَاءِ عَلَى قَتْلَى صِفِّين، وَخَرَجَ إِلَيْهِ حَرْبُ بنُ شَرَحْيِيل الشَّبامي، وَكَانَ مِنْ وُجُوه قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَيَغْلِبُكُمْ نِسَاؤُكُمْ عَلَى مَا أَسْمَعُ أَلا تَنْهَوْنَهُنَّ عَنْ هَذَا الرِّينِ !
1) أخرجه البري في الجوهرة في نسب الإمام علي : 84 .
وَأَقْبَلَ حَرْبٌ يَمْشِي مَعَهُ وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَاكِبٌ، فَقَالَ لَهُ : ارْجَعْ فَإِنْ مَشْيَ مِثْلِكَ مَعَ مِثْلِي فِتْنَةٌ لِلْوَالِي وَمَذَلّةٌ لِلْمُؤمِن .الشرح: قد ذكرنا نسب الشبامييِّن فيما اقتصصناه من أخبار صفين في أول الكتاب.والرّنين الصوت، وإنما جعله فتنة للوالي لما يتداخله من العُجب بنفسه والزّهو، ولا ريب أيضاً في أنه مذلّة للمؤمن، فإنَّ الرّجل الماشي إلى ركاب الفارس أذلّ الناس.- 329 -الأصل: وقال علیه السلام صلى الله عليه وسلم وقد مرَّ بقتلى الخوارج يوم النهروان : بُؤساً لكم ! لقد طَرَكُمْ من غرَّكُمْ .فقيل له : مَنْ غرهم يا أميرَ المؤمنين؟فقال : الشَّيطانُ المضل، والنَّفْسُ الأمارة بالسُّوءِ؛ غرتهم بالأماني، وفَسَحَتْ لهم في المعاصي، ووعدتهم الإظهار؛ فاقتحمت بهم النار.الشرح : ُيقَالُ : بؤسى لزيد وبؤساً «بالتنوين» لزيد، فبوسی نظیر، نُعمى، وبؤساً نظيره نعمة، بنتصب على المصدر.وهذا الكلام ردّ على المجِّبرة، وتصريح بأن النفس الأمّارة بالسوء هي الفاعلة. والإظهار : مصدر، أظهرته على زيد ،أي جعلته ظاهراً عليه غالباً له أي وعدتهم الانتصار والظفر.- 330الأصل: اتَّقُوا مَعَاصِيَ الله في الخَلَوَاتِ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ هُوَ الحَاكِمُ .****الشرح : إذا كان الشاهد هو الحاكم استغنَى عمّن يشهد عنده، فالإنسان إذن جديرٌ أن يتقي الله حقّ تُقَاته، لأنه تعالى الحاكم فيه وهو الشاهد عليه.
- 331 -الأصل: وقال علیه السلام لما بلَغه قتلُ محمّد بن أبي بكرٍ رضي الله عنهُ :إنَّ حزنَنا عَلَيْهِ على قَدْرِ سُرُورِهِمْ بِهِ إِلَّا انَّهُمْ تُقِصُوا بغيضاً ، ونُقِصْنَا حَبيباً .الشرح: قد تقدّم ذكر مقتل محمد بن أبي بكر رضي الله عنه .وقال علیه السلام: إن حزننا به في العظم على قدر فَرَحِهم ،به ولكن وقع التفاوت بيننا وبينهم من وجه آخر، وهو أنّا نقصنا حبيباً إلينا ، وأما هم فنقصوا بغيضاً إليهم.فإن قلت: كيف نقصوا، ومعلوم أن أهل الشام ما نقصوا بقتل محمّد شيئاً لأنه ليس في عددهم!قلت: لمّا كان أهل الشام يعدُّون في كل وقت أعداءهم وبغضاءهم من أهل العراق، وصار ذلك العدد معلوماً عنده محصور الكميّة، نقصوا بقتل محمد من ذلك العدد واحداً، فإنّ النقص ليس من عدد أصحابهم، بل من عدد أعدائهم الذين كانوا يتربصون بهم الدوائر، ويتمنون لهم الخطوب والأحداث، كأنه يقول : استراحوا من واحدٍ من جملة جماعة كانوا ينتظرون موتهم .- 332 -الأصل: وقال علیه السلام: الْعُمُرِ الَّذِي اعْذَرَ الله فيه إلى ابْنِ آدَمَ سِتّونَ سَنَةٌ .الشرح: أعذَرَ الله فيه، أي سَوّغ لا بن آدم أن يعتذر ، يعني أنّ ما قبل السّتّين هي أيّام الصِّبا والشبيبة والكُهولة، وقد يُمكن أن يُعذر الإنسانُ فيه على اتّباع هَوَى النفس لغَلَبَة الشهوة وشَرَه الحَداثة، فإذا تَجاوَز السّتّين دخل في سن الشَّيخُوخة، وذهبت عنه خُلواء شرَّتِه ، فلا عُذر له في الجهل.وقد قالت الشعراء نحو هذا المعنى في دُون هذه السِّنّ الَّتي عَينّها علیه السلام.وقال بعضهم :إذا ما المرءُ قَصَّر ثم مرت*** عليه الأربعون عن الرّجالِولم يلحق بصالحهم فَدعهُ*** فليس بلاجق أُخرى اللَّيالي
-333 -الأصل: ما ظَفِرَ مَنْ ظَفِرَ الإثم به، والغالب بالشر مغلوب.الشرح: قد قال علیه السلام نحوَ هذا ، وذَكرناه في هذا الكتابِ : مَنْ قَصَّر في الخصومة ظُلِم وَمَنْ بالَغ فيها آثم.- 334 -الأصل: إِنَّ الله سُبْحانَهُ فَرَضَ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِياءِ أَقْوَاتَ الفُقَرَاءِ، فما جاعَ فَقِيرٌ إِلَّا بِما مُنْعَ بِهِ غني، والله تعالى جَدهُ سائلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ.الشرح: قد تقدّم القولُ في الصدقة وفضلِها وما جاء فيها .وقد ورد في الأخبار الصَّحيحة أن أبا ذَرّ قال: انتهيتُ إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وهو جالس في ظِلّ الكعبة، فلمّا رآني قال : «هم الأخْسَرون ورَبِّ الكعبة» فقلت : مَنْ هم؟ قال : «هم الأكثرون أموالاً ، إلا من قال هكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفِه وعن يمينه وعن شماله، وقليلٌ ما هُم، ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدِّي زكاتَها إلا جاءت يوم القيامة أعظمَ ما كانت وأسمَنَه، تَنطَحُه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، كلّما نَفِذَتْ أخراها عادَتْ عليه أولاها حتى يقضى الله بين الناس» (1. . .)****- 335 -الأصل: الاسْتِغْنَاءُ عَنِ العُذْرِ ، أَعَزُّ مِنَ الصِّدْقِ بِهِ.
1) أخرج بنحوه البخاري كتاب الأيمان والنذور :باب : كيف كانت يمين النبي صلی الله علیه وآله وسلم(6638) ويلفظ المؤلف أخرجه مسلم كتاب الزكاة، باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة (990)..
الشرح: «رُوِيَ خير من الصِّدق»، والمعنى: لا تفَعل شيئاً تعتذِر عنه وإن كنت صادقاً في العُذر، فالا تفعل خيرٌ لك وأعزُّ لك من أن تفعل ثمَّ تعتذر وإن كنتَ صادقاً .ومِن حِكَم ابن المعتزّ : لا يقوم عزُّ الغضب بذلّ الاعتذار.وكان يقال : إيّاك أن تقوم في مقامٍ مَعْذِرة، فربَّ عذرٍ أسجَل بذنب صاحبه .اعتذَر رجلٌ إلى يحيى بن خالد، فقال له : ذَنْبك يستغيثُ مِن عُذرك .ومن كلامِهم : ما رأيت عُذراً أشبه بذَنْب من هذا.ومن كلامهم : أضرِبُه عَلى ذَنْبه ،مائةً، وأضربُهُ على عُذّره مائتين.قال شاعرهم :إذا كان وجه العُذر ليس بواضح فإن اطراحَ العُذر خيرٌ من العُذْرِكان النَّخَعي يكره أن يُعتذَر إليه ويقول: أسكُت معذوراً ، فإنّ المعاذير يحضُرها الكَذِب.- 336 -الأصل: أقَلُّ مَا يَلْزَمُكُمْ الله سُبْحَانَهُ إِلَّا تَسْتَعِينُوا بِنِعَمِهِ عَلَى مَعَاصِيهِ.الشرح: لا شُبهةَ أنّ من القبيح الفاحش أن يُنعِم المَلِك على بعض رَعِيّته بمال وعبيد وسلاح، فيَجعلَ ذلك المال مادةً لعصيانه والخروج عليه، ثمّ يُحاربه بأولئك العبيد، وبذلك السلاح بعينه .وما أحسَنَ ما قال الصابي في رسالته إلى سُبُكتكين من عِزّ الدّولة بختيارِ : وليت شعري بأيّ قَدَم تَوَاقَفْنا وراياتُنا خافقة على رأسك، ومماليكُنا عن يمينك وشمالك، وخيلُنا موسومةٌ بأسمائنا تحتَك، وثيابنا مَحُوكَة في طرازنا على جَسَدك، وسلاحنا المَشْحوذُ لأعدائنا في يَدِك!*-337 -الأصل: إنَّ الله سُبْحَانَهُ جَعَلَ الطَّاعَةَ غنِيمَة الأَكْبَاسِ عِنْدَ تَفْرِيطِ العَجَزَةِ.
الشرح الأكياس : العُقلاء أُولُو الألباب.قال علیه السلام : جعلَ الله طاعته غنيمةَ هؤلاء، إذا فَرّط فيها العَجَزة المَخذلون من النّاس، كصَيْدِ استذف لرَجُلين: أحدهما جَلْد والآخر عاجز، فقَعَد عنه العاجز لعجزه وحرمانه، واقَتَنَصه الجَلْد لشهامته وقوّة جدِّه(1.)- 338 -الأصل: السُّلْطَانُ وَزَعَةُ الله فِي أَرْضِهِ .الشرح: الوازعُ عن الشيء : الكافُّ عنه ، والمانعُ منه ، والجمع وَزَعة، مثل قاتِل وقَتَلة. وقد قبل هذا المعنى كثيراً ، قالوا : لا بد للنّاس مِن وَزَعَة .وقيل : ما يَزَع الله عن الدين بالسّلطان أكثَرُ ممّا يَزَع عنه بالقرآن. وتُنسب هذه اللّفظة إلى عُثمان بن عَفّان .قال الشاعر:لا يصلح الناسُ فَوضَى لا سَرَاةَ لهم*** ولا سَراةَ إذا جُهَالهم سادُواوكان يقال : السّلطان القاهر وإن كان ظالماً خيرٌ للرّعيّة وللملك من السّلطان الضعيف وإن كان عادلاً .وقال الله سبحانه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضُهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ (2).)قالوا في تفسيره: أراد السلطان.الأصل: وقال علیه السلام في صفة المؤمن : بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ، وَحُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ . أَوْسَعُ شَيْءٍ صَدْراً ، عليهم وَأَذَلُّ شَيْءٍ نَفْساً ، يَكْرَهُ الرّفْعَةَ، وَيَشْنَا السَّمْعَةَ. طَوَيلٌ غَمُهُ، بَعِيدٌ هَمُّهُ ، كَثِيرٌ صَمْتُهُ،
مَشْغُولٌ وَقتُهُ ، شَكُورٌ صَبُورٌ ، مَعْمُورٌ بِفِكْرَتِهِ، ضَنِينٌ بِخَلَّتِهِ، سَهْلُ الخَلِيقَةِ، لَيْنُ العَرِيكَةِ، نَفْسُهُ أَصْلَبُ مِنَ الصَّلْدِ، وَهُوَ أَذَلُّ مِنَ العَبْدِ.الشرح: هذه صفاتُ العارفين، وقد تقدّم كثيرٌ من القول في ذلك.وكان يقال : البشر عُنوان النّجاح، والأمر الذي يختص به العارفُ أن يكونَ بِشْرُه في وَجْهه وهو حزين وحُزنُه في قلبه، وإلّا فالبِشر قد يوجد في كثير من الناس.ثم ذكر أنّه أوسَع الناس صَدْراً، وأذلّهم نَفْساً، وأنه يكره الرّفعة والصّيت .وجاء في الخَبَر في وصفهم: «كلّ خامِل نُومَة» .وطولُ الغَمّ وبُعد الهم من صفاتهم، وكذلك كَثرةُ الصّمت وشَغل الوَقت بالذّكر والعبِادة، وكذلك الشّكر والصّبر والاستغراق في الفِكر وتدبر آياتِ الله تعالى في خَلْقه، والضَنّ بالخلّة وقلة المخالطة والتوفّر على العُزلة وحُسن الخُلُق ولين الجانب، وأن يكون قَوِيّ النفس جدًّا، مع ذُل للناس وتواضع بينهم ، وهذه الأمور كلها قد أتى عليها الشّرح فيما تقدّم .– T{ ..الأصل: الغِنَى الأَكْبَرُ البَأْسُ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ .الشرح :هذه الكلمة قد رُويث مرفوعةً، وقد تقدّم القول في القمع وذَمّه، والباسِ ومَدْحِه .وفي الحديث المرفوع : «ازْهَدُ في النّاس يُحبّك الله ، وازْهَد فيما في أيدِي الناسِ يُحبّك الناس »(1.)ومن كلامِ بعضهم : ما أكلتُ طعام واحدٍ إلّا مُنتُ عليه. وكان يقال : نَعُوذُ بالله من طَمَعِ يُدني إلى طَبَع.وقال الشاعر :ارَحْتُ رُوحي من عَذابِ الملاح*** لليأس روح مثل روح النَّجاح
1) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (7873)، والطبراني في «المعجم الكبير » (5972)، والشهاب في «مسنده» (643).
وقال بعضُ الأدباء: هذا المعنى الّذي قد أطنَبَ فيه الناسُ ليس كما يزعمونه، لَعمري إنّ لليأس راحة، ولكن لا كَراحةِ النّجاح ، وما هو إلبا كقَولِ مَن قال : لا أدري نِصفُ العلم، فقيل له : ولكنّه النصف الذي لا يَنفَع !وقال ابن الفضل :لا أمدَحُ اليأسَ ولكنّه أروحُ للقَلب مِن المَطمَعِأفلحَ من أبصر رَوْضَ المُنَى يُرْعَى فلم يَرْعَ ولم يَرْتَعِوممّا يُروى لعبد الله بن المُبارَك الزاهد :قد أرخنا واستَرَحْنامن غَدوّ وَرواحواتّصال بامیرٍ ووزيرٍ ذي سمَاحبعَفاف وكَفاف وقُنوع وصَلاحوجَعلنا اليأسَ مفتا حاً لأبواب النَّجاح****-341 -الأصل: المَسْؤُول حُرُ حَتَّى يَعِد .### بعض ما قيل في الوعد والمطلالشرح : قد سَبَقَ القولُ في الوَعد والمَطل. ونحن نذكر هاهنا نُكَتاً أخرى: في الحديث المرفوع: «مَن وَعَدَ وَعْداً فكأنما عَهِد عَهْداً» (1.)وكان يقال : الوعدُ دَيْن الكرام والمظل دَيْن اللثام .وكان يقال : الوعد شَبَكة من شِباك الأحرار يتصيّدون بها المَحامِد .وقال بعضُهم : الوعد مرض المعروف، والإنجاز بُرؤه.وقال يحيى بنُ خالد: الوعد سَحاب، والإنجاز مَطَرُه .وفي الحديث المرفوع «عِدَة المؤمن عطيّة »(2.)
وعنه علیه السلام: «لا تُواعِد أخاك موعداً لتُخلِفَه»(1.)وقال يحيى بن خالد لبنيه : يا بَنيّ، كونوا أسداً في الأقوال، نُجازاً في الأفعال، ولا تَعِدُوا إلَّا وتُنجزوا ، فإنّ الحُرّ يثق بوعد الكَرِيم، وربما أدّان عليه .وكان جعفرُ بنُ يَحيى يَكْره الوَعْد ويقول : الوعد من العاجز، فأمّا القادر فالنَّقد.وفي الحديث المرفوع: «مطل الغنيّ ظُلم»(2.)وقال ابن الفضل :أَثْرَوْا ولم يَقْضوا ديونَ غَريمهم واللّومُ كلُّ اللّوم مَطلُ المُوسِرِوقال الآخر :إذا أنت العطيّةُ بعدَمَطل فلا كانت وإن كانت سَنيّةوكان يقال : المطل يَسُدّ على صاحبه بابَ العُذر، ويوجب عليه الأحْسَن ،والأكثروالتعجيل يُحسّن سیئّه، ويبسُط عُذْرَه في التّقليل .وقال يحيى بن خالد لبَنيه : يا بَني لا تمطُلوا مَعروفكم، فإن كثير العَطاء بعدَ المطل قليل، وعجّلوا فإنّ عُذْرَكم مقبول مع التعجيل.ومن كلام الحَسَن بن سَهْل : المَظْل يُذهِب رَوْنَق البِرّ، ويكدر صَفوَ المعروف، ويُحيط أجر الصَّدَقة، ويَعقِل اللسان عن الشكر وللتعجيل حلاوة وإن قلت العارفة، ولذةٌ وإن صَغُرت الصَّنيعة، وربمَا عَرَض ما يَمنَع الإنْجَازَ مِن تعذرِ الإمكان، وتغير الزمان، فبادر المُكْنَة، وعاجل القُدْرة، وانتهز القُرْصة .وقال الشاعر :تُجيلُ على الفراغ قضاء شُغْلِي ***وأنتَ إذا فرغت تكون مثليفلا أُدْعى بخادِمِك المُرَجي ولا تُدْعَى بِسَيّدِنا الأجَلُوقال آخر :لو علم الماطلُ أنّ المطال فَقدٌ به يذهب طعم النَّوالوأنَّ أغلى البِر ما نَاله ***طالبُه نَقْداً عَقِيبَ السؤال
عَجَّل لَلسائِلِ معروفَه*** مهنّا من طُولِ قيلِ وقال342 -الأصل: لو رأى العَبْدُ الأجَلَ ومَصِيرَهُ، لأَبْغَضَ الأَمَلَ وضُرُورَهُ.الشرح: قد تقدّم من الكلام في الأمل ما فيه كفاية .وكان يقال : واعجباً لصاحِبِ الأمَل الطّويل! وربما يكون كَفَتُهُ في يد النّسّاج وهو لا يَعلم .- 343الأصل: لِكُلِّ امْرِى في مالِهِ شَرِيكَان : الوَارِثُ والحوَادِثُ .الشرح: أَخَذَه الرَّضِيُّ فقال :خُذ من تُرائِك ما استطعتَ فإنما*** شركاؤك الأيام والورّاثُلم يقض حقّش المالِ إلا مَعشَرٌ*** نظروا الزمان يعيث فيه فعاثُواوقد قال علیه السلام في موضع آخر : بَشِّرُ مال البخيل بحادثٍ أو وارث.ورأيتُ بخطّ ابن الخَشاب رحمه الله على ظهر كتاب «العَبدِ الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد ثم لحادث أو وارث»، كأنَّه يعني ضَنَّه به ، أي لا أخرجه عن يَدِي اختياراً .- 344 -الأصل: الدَّاعِي بلا عمل كالرَّامِي بلا وَتَرٍ .الشرح : مَنْ خَلا من العَمَل فقد أخَلّ بالواجبات، ومن أخل بالواجبات فقد فَسَق، والله تعالى لا يقبل دُعَاءَ الفاسق .
وشَبهه علیه السلام بالرّامي بلا وَتر، فإن سهمَه لا يَنفذ.- 345 -الأصل: الْعِلْمُ عِلْمَانِ مُطْبُوعٌ وَمَسْمُوعٌ ، وَلا يَنْفَعُ المَسْمُوعُ ، إِذَا لَمْ يَكُنِ المَطبُوعُ .الشرح: هذه قاعدٌة كلّية مذكورة في الكتب الحكمية، إن العلومَ منها ما هو فَرِيزي، ومنها ما هو تكليفي، ثمّ كلُّ واحدٍ من القِسْمين يختلف بالأشدّ والأضعف، أما الأوّل فقد يكون في الناس من لا يحتاج في النّظر إلى ترتيب المقدِّمات، بل تَنساق النتيجةُ النظريّة إليه سَوْقاً من غير احتياج منه إلى التأمّل والتدبر، وقد يكون فيهم مَنْ هُو دون ذلك، وقد يكون من هو دون الدٌّون، وأما الثاني فقد يكون في الناس من لا يُجدي فيه التعليم، بل يكون كالصّخرة الجامدة بلادةً وغباوةً، ومنهم من يكون أقلّ تبلداً وجُنوح ذهن من ذلك، ومنهم مَنْ يكون الوقفة عنده أقلّ، فيكون ذا حال متوسِّطة، وبالجملة فاستقراء أحوالِ النّاس يَشْهد بصحة ذلك.وقال علیه السلام : ليس يَنفَع المسموعُ، إذا لم يكن المطبوع ، يقول : إذا لم يكن هناك أحوالُ استعدادِ لم ينفَع الدَّرس والتكرار، وقد شاهدنا مِثلَ هذا في حَقِّ أشخاص كثيرة اشتَغَلوا بالعلم الدّهر الأطولَ، فلم ينجع معهم العلاج، فارقوا الدنيا وهم على الغريزة الأولى في الساذجية وعَدَم الفَهم.- 346 -الأصل: صَوَابُ الرَّأْي بالدُّوَلِ يُقْبِلُ بإقبالِهَا ، وَيُدير بإدْبَارِهَا .الشرح: قال الصُّولي : اجتَمَع بنو برمَك عند يحيى بن خالد في آخِر دولتهم وهم يومئذ عشرة، فأداروا بينهم الرأيَ في أمرٍ فلم يصلُح لهم ، فقال يحيى : إنا لله ! ذهبت والله دولَتنا ! كنّا في إقبالنا يُبرم الواحدُ منّا عَشرة آراء مُشكلة في وقت واحد، واليوم نحنُ عَشرة في أمرٍ غيرِِ مُشكل ، ولا يَصحّ لنا فيه رأي! الله نسأل حُسنَ الخاتمة.أرسَل المنصورُ لمّا هاضَه أمرُ إبراهيم إلى عمّه عبدِ الله بن عليّ وهو في السّجن يستشيرُه ما
يصنَع! وكان إبراهيمُ قد ظهر بالبَصرة، فقال عبد الله : أنا مَحبوس، والمحبوس محبوس الرأي، قال له : فَعَلَى ذاك؟ قال يُفرِّق الأموال كلها على الرجال ويَلقاه، فإن ظَفِر فَذاك، وإلا يتوجّه إلى أبيه محمد بجُرْجان، ويتركه يقدم على بُيوتِ أموال فارغة، فهو خيرٌ له من أن تكون الدِّبَرة عليه، ويقدم عدوّه على بيوت أموال مملوءة .قال سليمانُ بنُ عبد الملك ليزيد بن أبي مُسلم صاحب شُرطة الحجّاج يوماً : لعن الله رجُلاً أجَرّك رَسنَه ، وخَرّب لك آخرته قال : يا أمير المؤمنين رأيتني والأمرُ عنِّي مُدبر ولو رأيتني والأمر عليَّ مُقبل لاستكبرت مني ما استَصْغَرْتَ، ولاستعظمت مني ما استحْفَرْتَ .- 347 -الأصل: العَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ ، والشُّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى .الشرح : قد سَبَقَ القولُ في أنّ الأجْمَل بالفقير أن يكون عفيفاً، وألا يكون جَشِعاً حَريصاً ، ولا جادَّا في الطّلب متهالِكاً ، وأنه ينبغي أنه إذا افتقر أن يتيه على الوَقت وأبناءِ الوَقت، فإنّ التَّيه في مثل ذلك المَقامِ لا بأسَ به، ليَبعُد جدا عن مظنة الحرص والطَّمع .وقد سبق أيضاً القولُ في الشّكر عند النعمة ،ووجوبه وأنّه سبب لاستَدامَتِها، وأن الإخلالَ به داعيةٌ إلى زَوالها وانتقالها، وذَكرنا في هذا الباب أموراً مستحسنَة، فلتراجَع، وقال عبدُ الصّمد بنُ المعذَّل في العفَاف :سأقني العَفاف وأرضَى الكَفافَ*** وليس غِنى النفس حوْزُ الجزيلولا أتصدَّى لشُكر الجَوادِ*** ولا أستَعدّ لذمّ البخيلوأعْلَمُ أن بناتِ الرّجاءِ تُحل العزيز مَحَلَّ الذُّليلوأن ليس مستغنياً بالكثي- ومن ليس مستغنياً بالقليل****- 348 -الأصل: يَوْمُ العَدْلِ عَلَى الظَّالِمِ، أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ الْجَوْرِ عَلى المَظْلُومِ.
الشرح: شيئان مُؤلمان: أحدُهما يَنقضي سريعاً، والآخر يدوم أبداً، فلا جَرم، كان اليومُ المذكور على الظالم أشدّ من يوم الجور على المظلوم.- 349 -الأصل: الأقاويلُ مَحْفُوظَةٌ، والسّرَائِرُ مَبْلُوةٌ و(كُل نير بمَا كَسَبَتْ رَهِية (1). والنَّاسُ : مَنقُوصُونَ مَدْخُولُونَ إِلَّا مَنْ عَصَمَ الله ، سائِلُهُمْ مُتَعَذِّتْ، وَمُجِيبُهُمْ مُتَكَلِّفٌ، يَكَادُ أَفْضَلُهُمْ رَايَا يَرُدُّهُ عَنْ فَضْلِ رَأْيِهِ الرّضَا والسخط ، ويَكَادُ أَصْلَبُهُمْ عُوداً تَنْكَرُهُ اللَّحْظَةُ، وَنَسْتَحِيلُهُ الكَلِمَةُ الوَاحِدَةُ.)الشرح: السرائر هاهنا : ما أُسِرَّ في القلوب من النّيات والعقائد وغيرها، وما يخفَى من أعمال الجوارح أيضاً. وبلاؤها : تعرُّفها وتصفُّحُها، والتمييز بين ما طابَ منها وما خَبُثَ .وقال عمر بنُ عبد العزيز للأحوص لمّا قال :سَتَبْلَى لها في مُضمّر القلب والحشا ***سريرةُ حُبّ يومَ تُبلَى السّرائرُإنّك يومئذ عنها لمشغول.ذكَر علیه السلام الناسَ فقال : قد عمّهم الّنقص إلّا المعصومين . ثم قال : سائلُهم يَسأَلُ تَعنتاً ، والسّؤال على هذا الوجه مَذموم، ومجيبُهم متكلّف للجَواب، وأفضلُهم رأياً يكاد رِضاهُ تارةً وسُخطه أخرى يَرُدُّهُ عن فضل رأيه، أي يتبعون الهوى ويكاد أصلبُهم عوداً، أي أشَدّهم احتمالاً.تنكَره اللّحظة، نكاتُ القَرْحَة إذا صَدَمْتَها بشيء فتَقشِرها .قال: «وتَستحيله الكلمةُ الواحدة»، أي تحيله وتغيّره عن مُقتضى طبعه، يَصِفهم بسرعة التقلّب والتلوّن، وأنّهم مُطِيعون دواعي الشّهوةِ والغَضَب . واستَفعَل بمعنى «فَعَل» قد جاء كثيراً استغْلَظ العسل ، أي غَلُظ .
1) سورة المدثر الآية : 38 .
- 350 -الأصل: قالَ : مَعَاشِرَ النَّاسِ اتَّقُوا الله، فَكَمْ مِنْ مُؤمل ما لا يَبْلُغُهُ، وَبَانِ ما لا يَسْكُنُهُ، وجامع مَا سَوْفَ يَتْرُكُهُ، وَلَعَلَّهُ مِنْ باطِلٍ جَمَعَهُ، وَمِنْ حَقٌّ مَنَعَهُ، أَصَابَهُ حَرَاماً ، وَاحْتَمَلَ بِهِ آثَاماً ، فَبَاءَ بوِزْرِهِ، وقَدِمَ عَلَى رَبِّهِ، آسفاً لايفاً، قد (وخَيرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ ذَلِكَ هُوَ ارَانُ الْمُبِينُ (1).)الشرح: قد تقدّم شرحُ هذه المعاني والكلامُ عليها ، أمّا الآمال التي لا تُبلَغ، فأكثر من أن تُحصَى، بل لا نهايةَ لها.وما أحسنَ قولَ القائل :واحسرنَا مَاتَ حَظِّي من وصالِكُمُ*** وللحظوظ كما للنّاس أجالُإن متّ شَوْقاً ولم أبلُغْ مَدَى أملِي*** كم تحتَ هذِي القبورِ الخرس آمالُ!وأمّا بناء ما لا يُسْكَن، فنحو ذلك .وقال الشاعر :ألم تر حَوْشَباً بالأمْس يَبْنِي ***بناءٌ نَفعُه لبني نُفيْلَةيؤمّل أن يُعمّر عمر نوح ***وأمرُ الله يطرق كلّ ليلَةوأمّا جامعُ ما سوفَ يشتركه، فأكثَرِ الناس، قال الشاعر:وذي إبل يَسعَى ويَحسَبهاله **أخو تَعَب في رغيها ودؤوبغَدَتْ وغَدًا رَبِّ سِوَاه يسوقُها ويُدل أحجاراً وجَال قليب-351 -الأصل: مِنْ العِصْمة تَعَدُّرُ المَعَاصِي.
1) سورة الحج، الآية : 11 .
الشرح قد وردت هذه الكلمة على صِيغ مختلفة. من العِصمة ألّا تقدر. وأيضاً، من العّصمة الّا تجد .وقد رُوِيتُ مرفوعةً أيضاً .وليس المرادُ بالعّصمة هاهنا العِصمة التي ذكرها المتكلمون، لأنّ العصمة عند المتكلمين من شرطها القُذرة، وحقيقتها راجعة إلى نُطْفٍ يمنع القادِرَ على المَعصية من المعصية، وإنّما المراد أنّ غير القادرِ في اندفاع العقوبة عنه كالقادِر الذي لا يفعّل .- 352 -الأصل: ماءً وجهك جامِدٌ يُقْطِرُهُ السُّوال، فانْظُرْ عِنْدَ مَنْ تُقْطِرُه .الشرح: هذا حَسَن، وقد أخَذَه شاعرٌ فقال :إذا أظمأتك أکفُّ اللّنامِ*** كفَتْك القناعةُ شِبْعاً وريَّافكنْ رَجُلاً رِجْلُه في الثَّرى*** وهامَةُ هِمَته في الثُّرَيّافإنّ إراقة ماء الحيا ة دون إراقة ماء المحیّاوقال آخَرُ :رددتَ لي ماء وجهي في صفيحَتِه* ردَّ الصِّقال بَهَاءِ الصَّارم الجذمِوما أبالي وخيرُ القول أصدَقه*** حقَنت لي ماءَ وجهي أو حَقَنْتَ دَميوقال مصعب بنُ الزّبير : إني لأستحيي من رجل وجّه إلي رغبَته، فباتَ ليلَته يتَمَلْمَل ويتقَلْقَل على فِراشه ينَتظِر الصّبح، قد جَعلني أهلاً لأن يقطر ماء وجهه لديّ أن أرده خائباً .وقال آخر :ما ماءُ كفّيك إن أرسلت مُزنَتَه من ماءِ وَجْهِي إذا استقطرْته عَوضُ*- 353 -الأصل: الثّناءُ بِأَكْثَر مِنَ الاسْتِحْقَاقِ مَلَقٌ ، والتَّقْصِيرُ عَنِ الاسْتِحْقَاقِ فِي أَوْ حَسَدٌ.
الشرح: كانوا یَكرَهون أن يُثني الشاعرُ في شعره على الممدوح الثَّناء المُفرط، ويقولون : خير المَدْح ما قارَبَ فيه الشاعر واقتَصَد وهذا هو المذهَب الصّحيح، وإن كان قوم يقولون : إن خيرَ الشّعر المنظومِ في المدح ما كان أشدّ مُغالاة وأكثر تبجيلاً وتعظيماً ووَصْفاً ونَعْتاً .وينبغي أن يكون قوله علیه السلام محمولاً على الثّناء في وجه الإنسان؛ لأنّه هو الموصوف بالمَلق إذا أفرطَ، فأمّا من يُثني بظهر الغَيب فلا يُوصَف ثناؤه بالمَلق، سواء كان مقتصداً أو مسرِقاً .وقوله علیه السلام: «والتقصير عن الاستحقاق عيُّ أو حَسَد» لا مزيد عليه في الحُسنِ، لأنه إذا قصّر به عن استحقاقه كان المانع إمّا من جانب المُثني فقط من غير تعلّق له بالمثنى عليه، أو مع تعلُّق به، فالأوّل هو العِيّ والحصر، والثاني هو الحسد والمنافسة- 354 -الأصل: اشَدُّ الذُّنُوب مما اسْتَهَانَ به صاحبها .الشرح: قد ذكرنا هذا فيما تقدّم وذكرنا العِلّة فيه، وهي أنّ فاعلَ ذلك الذَّنب قد جَمَعَ بين فعل الذنب وفِعل ذَنب آخَرَ، وهو الاستهانة بما لا يُستهان به؛ لأنّ المَعاصِي لاهين فيها ، والصغير منها كّبير، والحقيرُ منها عظيم، وذلك لجلالة شأن المعصيِّ سبحانَه .فأما من يذنِب ويَستعظم ما أتاه ، فحاله أخفّ من حالِ الأوّل، لأنه يكاد يكون نادماً .****- 355-الأصل: مَنْ نَظَرَ فِي عَيْبِ نَفْسِهِ اشْتَغَلَ عَنْ عَيْبِ غَيْرِهِ، وَمَنْ رَضِيَ بِرِزْقِ اللهِ لَمْ يَحْزَنْ عَلَى فَاتَهُ، وَمَنْ سَلَّ سَيْفَ الْبَغْيِ قُتِلَ بِهِ، وَمَنْ كَابَدَ الأُمُورَ عَطِبَ، وَمَنْ اقْتَحَمَ اللُّجَج.فَرِقَ، وَمَنْ دَخَل مَدَاخِلَ السُّوءِ اتهِمَ. وَمَنْ كَثُرَ كَلامُهُ كَثُرَ خَطْرُهُ، وَمَنْ كَثُرَ خَطَرُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ، وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَ وَرَعُهُ، وَمَنْ قَلَ وَرَعُهُ ماتَ قَلْبُهُ ، ومن ماتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ . وَمَنْ نَظَرَ فِي عُيُوبِ غَيرِهِ فَأَنْكَرَهَا ثُمَّ رَضِبَهَا لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ الأَحْمَقُ بِعَيْنِهِ.
وَالْقَنَاعَةُ مَالٌ لا يَنْفَدُ. وَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ المَوْتِ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِاليَسِير. ومَنْ عَلِمَ أَنَّ كَلامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ.الشرح: كلُّ هذه الفصول قد تقدم الكلامُ فيها وهي عَشَرة :أولها : من نظَر في عَيْب نفسه اشتغَل عن عيبِ غيره كان يقال : أصلِح نفسَك أولاً، ثمّ أصلح غيرك.وثانيها : من رضيَ برِزق الله لم يَحزَن على ما فاته كان يقال : الحُزن على المنافع الدنيويّة سم تِرْياتُه الرِّضَا بالقضاء.وثالثها : من سَلَّ سيف البَغْيِ قُتِل به، كان يقال : الباغي مضروع وإن كثرَ جنودُه .ورابعُها : مَن كابَدَ الأمورَ عَطِب، ومن اقْتَحَمَ اللُّجَجَ غَرِق، مِثل هذا قولُ القائل :من حارَبَ الأيام أصبَحَ رُمْحُه*** قصداً وأصبحَ سيفه مَفلولاوخامسُها : من دخل مَداخِلَ السّوء اتُّهِم، هذا مثل قولهم : من عَرَّض نفسه للشُّبُهات فلا يلومَنْ مَن أساءَ به الظَّنّ . وسادسُها : مَن كَثُر كلامُه ... إلى قوله : ....دَخَل النار، قد تقدّم القولُ في المَنطِق الزائد وما الله فيه من المحذور، وكان يقال: قلَّمَا سَلِم مِكْثار، أو أمِن مِنْ عِثار.وسابعُها : مَن نَظَر في عُيوب غيره فأنكَرها ثم رضيَها لنفسه فذاك هو الأحمقُ بعينه، وكان يقال : أجهَلُ الناس من يَرضَى لنفسه بما يسخَطُه مِن غيرِه.وثامنها : القَناعة مالٌ لا يَنفَد، قد سَبَق القولُ في هذا، وسيأتي أيضاً .وتاسعُها: من ذكر الموتَ رضي من الدّنيا باليسير كان يقال: إذا أحببتَ ألا تحسُد أحَداً فأكثِر ذكَر الموت، واعلم أنّك ومَن تحسده عن قليل مِن عَدِيد الهَلْكَى .وعاشرها : من عَلِم أنّ كلامه مِن عَملهِ قل كلامُه إلّا فيما يَعنيه، لا رَيْبَ أنّ الكلامَ عَمَلٌ من الأعمال، وفعلٌ من الأفعال، فكما يُستهجن من الإنسان ألا يزال يُحرِّك يده وإن كان عابثاً، كذلك يُستهجن ألا يزال يُحرِّك لسانَه فيما هو عَبَث، أو يَجرِي مَجرَى العَبَث .وقال الشاعر :يَخوضُ أُناسٌ في الكلام ليُوجزوا*** وللصمتُ في بعض الأحايينِ أوْجَزُإذا كنتَ عن أن تُحسِن الصمتَ عاجزاً*** فأنت عن الإبلاغ في القول أعجَزُ
- 356 -الأصل: لِلظَّالِم مِنَ الرِّجالِ ثَلاثُ عَلامَاتٍ :يَظْلِمُ مَنْ فَوْقَهُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَمَنْ دُونَهُ بِالْغَلَبَةِ، وَيُظَاهِرُ القَوْمَ الظَّلَمَةَ .الشرح : يمكِن أن يفسّر هذا الكلامُ على وجهين :أحدُهما: أنّ كلَّ من وُجِدَت فيه إحدى هذه الثلاث فهوَ ظالم، إما أن يكون قد وجبت عليه طاعةُ مَن فوقه فعصاهَ، فهو بعصيانه ظالم له، لأنّه قد وضعه في غير موضعه، والظُّلم في أصل هذا المعنى، ولذلك سمّوا اللَّبَن يُشرَب قبل أن يبلُغ الرَّوْب مظلوماً، لأنّ الشّرب منه كان في غيرِ موضعِه إذا لم يَرُب ولم يَخرج زبده، فكذلك من عَصَى من فوقَه فقد زَحْزَحه عن مَقامه إذ لم يُطعه. وإما أن يكون قد قهر من دُونَه وغلبَه . وإما أن يكون قد ظاهر الظَّلَمة .والوجه الثاني: أنّ كلّ ظالم فلا بدّ من اجتماع هذه العلامات الثلاث فيه، وهذا هوالأظهر.- 357 -الأصل: عِنْدَ تَنَاهِي الشِّدَّةِ تَكُونُ الفَرْجَةُ، وَعِنْدَ تَضَابُقِ حَلَقِ البَلاءِ يَكُونُ الرَّخَاءُ .الشرح: كان يقال: إذا اشتدّ المَضِيق، انّسعَتْ الطريق، وكان يقال : توقَّعوا الفَرَج عند ارتتاج المَخرَج، وقال الشاعر :إذا بَلَغ الحوادث مُنتهاها*** فَرَجٌ بُعَيْدَها الفرجَ المُطِلافکم کرپ تولى إذ توالى وكم تخطب تجلى حين جلیوفي الأثر : تَضَايَقِي تنفرجي، سيَجعل الله بعد العُسر يُسْراً .والفَرْجَة بفتح الفاء : التفصِّي من الهمّ، قال الشاعر :ربّما تَجزع النفوس من الأم- رله فَرْجَةٌ ك- رِ له فَرْجَةٌ كحل العِقالفأمّا الفُرْجة بالضّم، ففُرجة الحائط وما أشبَهَه .
- 358 -الأصل: وقال علیه السلام لِبَعضِ أصحابه : لا تَجْعَلَنَّ اكْثَرَ شُغْلِكَ بِاهْلِكَ وَوَلَدِكَ، فإنْ يَكُنْ أَهْلُكَ ووَلَدُكَ أوْلِياءَ الله فإنّ الله لا يُضَيَّعُ أوْلِياءَهُ، وإن يكونوا أعْدَاءَ الله فما هَمُكَ وشُغْلُكَ بأعداء الله !الشرح: قد تقدّم القولُ نحوَ هذا المعنى، وهو أمر بالتّفويض والتوكُّل على الله تعالى فيمن يَخلُفه الإنسانُ من وَلده وأهله فإن الله تعالى أعلم بالمصلحة، وأرأف بالإنسان من أبيه وامّه ، ثم إن كان الوَلَد في عِلم الله تعالى وليَّاً من أولياء الله سبحانه، فإنّ الله تعالى لا يضيعِّه، قال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ(1).)وكلُّ ولي الله فهو متوكَّل عليه لا محالَة، وإن كان عدوَّا الله لم يَجُز الاهتمام له والاعتناء بأمره، لأنّ أعداءَ الله تجب مُقاطعتهم، ويَحرُم تولِّيهم، فعلى كلِّ حال لا ينبغي للإنسان أن يَحفِل بأهله وولده بعد موته .واعلم أن هذا كلام العارفين الصدّيقين، لا كلامُ أهل هذه الطبقات التي نَعرِفها، فإن هذه الطبقات تقصُر أقدامُهم عن الوصول إلى هذا المقام .ويعجبني قول الشاعر :أيا جامعَ المالِ وَفُرْتَهُ*** لغيرك إذ لم تكن خالدافإن قلتَ: أجمعُه للبنين*** فقد يَسبِق الوَلدُ الوالداوإن قلت أخشى صروف الزمان*** فكن مِن تصارِيفه واحدا****- 359 -الأصل: اكْبَرُ العَيْبِ أنْ تَعِيبَ مَا فِيكَ مِثْلُهُ .
1) سورة الطلاق، الآية 3 .
الشرح: قد تقدّم هذا المعنى مراراً .وقال الشاعر :إذا أنت عِبْتَ الأمر ثم أتيتَه*** فأنت ومَن تُزْرِي عل- عليه سَواءُ- 360 -الأصل: ومَنَّا بِحُضْرَتِهِ رَجُلٌ رَجِلاً آخر بِغُلامٍ وُلِدَ لَهُ فَقَالَ لَهُ : لِيَهْتَكَ الفَارِسُ! فَقَالَ : لا تَقُلْ ذَلِكَ، ولكن قل : شَكَرْت ِالوَاهِبَ ويُورِكَ لَكَ في المَوْهُوبِ، وبَلَغَ أَشُدَّهُ، ورُزِقْتَ بِرَّهُ .الشرح: هذه كلمة كانت من شِعار الجاهلية، فنُهِيَ عنها كما نُهِيَ عن تحيّة الجاهلية:« أبيتَ اللّعن»، وجُعِل عوضًها «سلامٌ عليكم» .وقال رجل للحَسَن البَصْري وقد بَشِّره بغلام : ليَهْنِئك الفارسُ فقال : بل الراجل، ثم قال : لا مرحباً بمن إن عاش كدَّني، وإن مات مدَّني، وإن كنتُ مُقِلا أنصَبَني، وإن كنتُ غَنِيًّا أَذهَلَني، ثم لا أرضَى بسَعْيِي له سَعْياً، ولا بكدي عليه في الحياةِ كَذَا، حتى أشفِق عليه بعد موتي من الفاقة، وأنا في حالٍ لا يصل إلي من فرحِهِ سرورٌ، ولا من هَمه حَزن.- 361 -الأصل: وبَنى رَجُلٌ مِن عُمَّالِهِ بِناءٌ نَخُماً فقال علیه السلام :أظْلَعَتِ الوَرِقُ رُؤوسها ، إِنَّ البناءَ يَصِفُ لَكَ الغِنى.الشرح: قد رُوِيتْ هذه الكلمةُ عن عمر - رضي الله عنه - ذَكر ذلك ابن قُتيبة في «عيون الأخبار» (1.)
1) عيون الأخبار : للشيخ أبي محمد عبد الله بن مسلم المعروف بابن قتيبة النحوي الدينوري، المتوفى سنة ( 276ه-) . كشف الظنون (2/ 1184).
ورُويَ عنه أيضاً : لي على كلّ خائن أمينان : الماءُ والطين.قال يحيى بنُ خالد لابنه جعفر حين اختَطَّ داره ببَغداد ليبنيَها : هي قميصُك، فإن شئت فوسِّعه ، وإن شئت فضيِّقه .ورآه وهو يجصِّص حيطان دارِه المبنيَّة بالآجُرّ، فقال له : إنك تغطّي الذهب بالفضة، فقال جعفر: ليس في كلّ مكان يكون الذهبُ خيراً من الفضّة، ولكن هل تَرَى عيباً؟ قال: نعم، مخالَطَتُها دور السُّوقة .وقيل ليزيد بن المهلَّب :ألا يَبني الأمير داراً، فقال: منزلي دارُ الإمارة أو الحَبْس.وكان يقال في الدار : لتَكُن أوّل ما يُبْتاع وآخِرَ ما تُباع .ومرَّ رجلٌ من الخوارج بآخر من أصحابهم وهو يبني داراً فقال : من ذا الّذي يقيم كَفِيلاً .وقالوا : كلُّ ما يخرُج بخروجِك، ويَرجع برُجوعك، كالدّار والنّخل ونحوهما فهو كَفيل- 362 -الأصل: وقيلَ لهُ علیه السلام : لَوْ سُدَّ على رَجُلٍ بابُ بَيْتِ وَتُرِكَ فِيهِ، مِنْ أَيْنَ كَانَ يَأْتِيهِ رِزْقُهُ؟ فقال علیه السلام: مِنْ حَيْتُ يأتيه أجله .الشرح: ليس يعني علیه السلام أن كل من يُسَدُّ عليه بابُ بيت، فإنه لا بدّ أن يرزقه الله تعالى، لأنّ العيان والمُشاهَدة تقتضي خلاف ذلك، وما رأينا من سُدّ عليه باب بيت مدّةً طويلة فعاش ولا ريب أن مَنْ شَقّ أسطوانة وجُعِل فيها حيَّا ثم بنيت الأسطُوانة عليه فإنه يموت مختنقاً، ولا يأتيه رزقُه ولا حياتُه، ولأنّ للحكماء أن يقولوا في الفَرْق بين الموضِعين : إنّ أجَله إنما يأتيه لأنّ الأجَل عدم الحَياة، والحياةُ تَعدّم لعَدَم ما يوجبها، والذي يُوجب استمرارها الغِذاء، فلما انقطع الغِذاء حضر الأجل، فهذا هو الوجه الذي يأتيه منه أجله، ولا سبيل إلى ذكر مثله في حضور الرّزق لمن يُسَدُّ عليه الباب .فإذاً معنى كلامه علیه السلام أنّ الله تعالى إذا علم فيمن يجعل في دارٍ ويُسَدُّ عليه بابها أنَّ في بقاء لظفاً لبَعْض المكلّفين فإنه يجب على الله تعالى أن يُديم حياته، كما يشاء سبحانه، إما بغذاء يقيم به مادة حياتَه، أو يديم حياتَه بغير سبب وهذا هو الوجه الذي منه يأتيه أجَلُه أيضاً، لأنّ إماتة الله المكلَّف أمرٌ تابعٌ للمصلحة، لأنه لا بدّ من انقطاع التكليف على كلّ حال للوجه
الذي يذكُره أصحابنا في كُتُبهم، فإذا كان الموتُ تابعاً للمصلحة، وكان الإحياءُ تابعاً للمصلحة، فقد أتى الإنسانَ رِِزقه - يعني حياته - من حيثُ يأتيه أجله . وانتظَمَ الكلام.- 363 -الأصل: وعَزَّى قَوْماً عَنْ مَيِّتٍ مَاتَ لَهُمْ فَقَالَ عَلَيْهِ السّلامُ : إِنَّ هَذَا الأَمْرَ لَيْسَ بِكُمْ بَدَا ، ولا إِلَيْكُمْ انتهى، وَقَدْ كَانَ صَاحِبَكُمْ هَذَا يُسَافِرُ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ، قَالَ: فَعُدُوهُ فِي بَعْضِ سَفَرَاتِهِ، فَإِنْ قدِمَ عَلَيْكُمْ وَإِلَّا قَدِمْتُمْ عَلَيْهِ.الشرح: قد ألمّ إبراهيم بن المهديِّ ببعض هذا في شِعرِه الذي رثَى به ولدَه فقال :يَؤُوب إلى أوطانه كلُّ غائب*** وأحمدُ في الغُيّاب ليسَ يؤُوبُتبدَّل داراً غَير دارِي وجيرة سوايَ وأحداثُ الزمان تنوبُأقامَ بها مستوطناً غيرَانّه على طُولِ أيام المُقامِ غَرِيبُوإنّي وإن قُدِّمْتَ قَبْلِي لعالمٌ*** بأنّي وإن أبطاتُ عنكَ قريبُوإن صبَاحاً نلتقِي في مَسائه*** صباحٌ إلى قلبي الغَدَاةَ حَبيبُ-364 -الأصل: أيُّها النَّاسُ، لِيَرَاكُمُ الله مِنَ النِّعْمَةِ، وَجلِينَ، كما يَرَاكُمْ مِنَ النِّقْمَةِ فَرِقِينَ، إِنَّهُ مَنْ وُسْعَ عَلَيْهِ فِي ذات يَدِهِ، فَلَمْ يَر ذلك اسْتِدْراجاً ، فَقَدْ أَمِنْ مَخُوفاً ، وَمَنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ، فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ الختياراً، فَقَدْ ضَبْعُ مَأْمُولاً .الشرح: قد تقدَّم القول في استدراج المترَف الغَنيّ، واختبار الفقير الشّقّي، وأنه يجب على الإنسان وإن كان مشمولاً بالنعمة أن يكون وَجِلاً ، كما يَجب عليه إذا كان فقيراً أن يكون شكوراً صبوراً .
- 365 -الأصل: يا أَسْرَى الرَّغْبَةِ اقْصُرُوا ، فإن المُعَرِّج على الدُّنْيا لا يَرُوعُهُ مِنْهَا إِلَّا صَرِيفُ انْبَاب الحِدْثانِ. أَيُّهَا النَّاسُ ، تَوَلَّوْا عَنْ انْفُسِكُمْ تَأْدِيبَها ، واعْدِلُوا بِهَا عَنْ ضِرَايَةِ عَادَاتِها .الشرح: ضرَى يضرِي ضِرايَةً مِثل رمى يرمي رماية، أي جرَى وسالَ، ذكره ابن الأعرابيّ، وعليه ينبغي أن يُحمل كلام أمير المؤمنين علیه السلام ، أي اعِدلُوا بها عن عاداتها الجارية، مِن باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وهذا خيرٌ من تفسير الرَّاوَنْدِي، وقوله : إنّه من ضَرِيَ الكلبُ بالصّيد ؛ لأنّ المصدر من ذلك الضَّرَاوة بالواو وفَتح الضاد، ولم يأت فيه ضراية.وقوله : («يا أسرى الرغبة» كلمةٌ فصيحةٌ.وكذلك قوله : «لا يَرُوعه منها إلّا صَرِيفُ أنياب الحِدْثان»، وذلك لأنّ الفهد إذا وَثَب والذئبَ إذا حمل يَصرِف نابه، ويقولون لكلّ خَطب وداهية : جاءت تصرِفُ نابُها . والصَّرِيف صوتُ الأسنان إمّا عند رعدةٍ أو عند شِدَّة الغَضَب والحَنَق، والحِرْص على الانتقام، أو نحو ذلك .وقد تقدم الكلام في الدنيا والرغبة فيها ، وغَدْرِها وحوادِثها، ووجوب العدول عنها، وكسر عادية عاداتِ السّوء المكتسبة فيها .- 366 -الأصل: لا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَحَدٍ سُوءاً وأنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الخَيْرِ مُحْتَمَلاً .الشرح: هذه الكلمةُ يَرويها كَثيرٌ مِن الناس لِعُمَر بن الخطَّاب، ویَروِيه بعضُهم لأمير المؤمنين علیه السلام. وكان ثُمامةُ يحدِّث بسؤدُدِ يحيى بن خالد وابنِه جعفر . ويقول: إنّ الرشيدَ نكَب عليَّ بن عيسى بن ماهان والزَمه مائة ألف دينار أدَّى منها خمسين ألفاً ، ويلحّ بالباقي، فأقسَم الرشيدُ إن لم يؤدّ المالَ في بقيّة هذا اليوم وإلّا قَتَله. وكان عليّ بن عيسى عدُوّا للبَرامكة مكاشفاً ، فلمّا علِم أنه مقتول سأل أن يمكّن من السعي إلى الناس يَستنجدهم، ففُسِح له في ذلك، فمَضى ومعه وكيلُ الرّشيد وأعوانه إلى باب يحيى ، وجعفر، فأشبلا عليه وصحَّحا من صُلب أموالهما
خمسين ألف دينار في باقي نهارِ ذلك اليوم بديوان الرّشيد باسم عليّ بن عيسى، واستخلصاء، فنقل بعض المتنصّحين لهما إليهما أنّ عليّ بن عيسى قال في آخِر نهار ذلك اليوم متمثّلاً :فمابُقيَا عليّ تركْتُمانِي ولكنْ خِفْتُما صَرَدَ النَّبَالِفقال يحيى للنّاقل إليه ذلك : يا هذا إنّ المرعوب ليسبق لسانُه إلى ما لم يَخطر بقَلبه.وقال :جعفر ومن أين لنا أنّه تمثَّل بذلك وعَنانا، ولعلّه أراد أمراً آخر فكان ثمامة يقول : ما في الأرض أسوَدُ من رجلٍ يتأوّل كلام عدوه فيه ويحمله على أَحْسَنِ مَحَامِله .وقال الشاعر :إذا ما أتت من صاحب لك زَلةٌ فكن أنت مُختالاً لزَلّته عُذْرَا- 367 -الأصل: إِذَا كَانَتْ لَكَ إِلَى الله سُبْحَانَهُ حَاجَةٌ فَابْدأُ بِمَسْأَلَةِ الصَّلاةِ عَلَى رَسُولِهِ صلی الله علیه وآله وسلم ، ثُمَّ سَلَحاجَتَكَ، فَإِنَّ الله أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلُ حاجَتَيْنِ، فَيَقْضِي إِحْدَاهُمَا وَيَمْنَعَ الأُخْرَى.الشرح: هذا الكلام على حَسَب الظَّاهر الذي يَتَعارفهُ الناس بينَهم، وهو علیه السلام يسلُك هذا لا المسلَك كثيراً، ويُخاطِب الناسَ على قَدْر عُقولهم، وأما باطن الأمر فإنّ الله تعالى لا يُصلِّي على النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم لأجل دُعائِنا إيَّاه أن يصلّى عليه، لأنّ معنى قولنا : اللهمّ صلّ على محمد أي أكرمه، وارفَع درجَتَه، والله سبحانه قد قضَى له بالإكرام التامّ ورِفْعَةِ الدّرجة من دون دعائنا ، وإنما تَعبّدنا نحن بأن تُصَلِّي عليه لأنّ لنا ثواباً في ذلك، لا لأنّ إكرامَ الله تعالى له أمرٌ يَستعقبه ويستتبِعُه دعاؤنا .وأيضاً فأيُّ غَضاضةٍ على الكريم إذا سُئِل حاجتين فقَضَى إحداهما دون الأخرى، إن كان عليه في ذلك غَضاضةً فعليه في رَدّ الحاجة الواحدة غَضاضةً أيضاً .****- 368 -الأصل: مَنْ ضَنَّ بِعِرْضِهِ فَلْيَدَع المِرَاءَ.
الشرح: قد تقدَّم من القولِ في المراء ما فيه كفاية، وحد المراء الجِدالُ المتّصِل لا يُقصَد به الحقّ . وقيل المَيْمون بن مِهران : ما لَكَ لا تُفارِقُ أخاً لك عن قِلى؟ قال: لأني لا أشاريه ولا أماريه. وكان يقال : ما ضَلَّ قومٌ بعد إذ هدَاهم الله تعالى إلا بالمراء والإصرار في الجدال على نُضرة الباطل.وقال سُفْيان الثَّوْري : إذا رأيتم الرّجل لَجُوجاً مُمارِياً معجباً بنفسه فقد تَمَّت خَسارَتُه .- 369 -الأصل: مِنْ الخُرْقِ المُعَاجَلَةُ قَبْلَ الإِمْكَانِ، وَالأَناةُ بَعْدَ الفُرْصَةِ .الشرح: قد تقدّم القولُ في هذين المَعنَيين.ومن كلام ابن المعتزّ : إهمالُ الفُرْصة حتى تَفوتَ عجز، والعَجَلَة قبل التمكُّن خرق.وقد جَعَلَ أمير المؤمنين علیه السلام كِلتا الحالتين خُرْقاً، وهو صحيح، لأنّ الخُرْق الحمق، وقلّة العقل، وكلتا الحالتين دليلٌ على الحُمق والنَّقْص .-370-الأصل: لا تَسْأَلُ عَمَّا لَمْ يَكُنْ، فَفِي الَّذِي قَدْ كَانَ لَكَ شُغْلٌ .الشرح: من هذا الباب قولُ أبي الطَّيِّب في سيف الدولة :ليسَ المدائحُ تَستوفِي مَناقِبَهُ فَمَنْ كُليب وأهل الأقصر الأول!خُذْ مَا تَرَاء ودَعْ شيئاً سمعتَ به في طلعة البدرِ ما يُغنيك عن زُحَلِ****-371 -الأصل: الفِكْرُ مِرْأَةٌ صَافِيَةٌ، والاعْتِبَارُ مُنْذِرٌ نَاصِحٌ ، وكَفَى أَدَبَاً لِنَفْسِكَ تَجَنُّبُكَ مَا كَرِهْتَهُ لِغَيْرِكَ.
الشرح : قد تقدّم القولُ في نحو هذا . وفي المَثَل : كَفَى بالاعتبار منذراً، وكفى بالشَّيب زاجراً ، وكفى بالموت واعِظاً ، وقد سَبَق القولُ في وُجوب تجنب الإنسان ما يَكرَهه من غيره .وقال بعضُ الحكماء : إذا أحببتَ أخلاقَ امرىء فكُنْه، وإن أبغَضْتَها فلا تَكُنْه. أخَذَه شاعرُهم فقال :إذا أعجبتكَ خِصال امریءِ*** فکُنه یكن منك ما يُعْجِبُكفليس على المجدِ والمَكْرُمات*** إذا جئتها حاجبٌ يَحْجُبُك***- 372 -الأصل: الْعِلْمُ مَقْرُونَ بِالْعَمَلِ ، فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ ، وَالعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ ، فَإِنْ أَجَابَ وَإِلَّا ارْتَحَلَ عَنْهُ .الشرح: لا خيرَ في عِلمٍ بلا عَمَل والعِلْمِ بغير العَمَل حُجَّةٌ على صاحبه، وكلام أمير المؤمنين علیه السلام يشعِر بأنّه لا عالِم إلّا وهو عامِل، ومُراده بالعلم هاهنا العِرفان، ولا رَيب أن العارف لا بدّ أن يكون عاملاً.ثمّ استأنف فقال : العِلمُ يهتف بالعَمَل أي يُنادِيه، وهذه اللفظة استعارة.قال : فإن أجابَه وإلّا ارتحل، أي إن كان الإنسانُ عالماً بالأمور الدّينية ثم لم يَعمَل بها سَلَبه الله تعالى عِلْمَه ، ولم يَمُتْ إلا وهو معدود في زُمرة الجاهلين، ويُمكِن أن يفسَّر على أنَّه أراد بقوله : ارتَحَل ارتَحَلَتْ ثَمَرتُه ونتيجته وهي الثواب، فإنّ الله تعالى لا يُثيب المكلَّف على عِلمِه بالشّرائع إذا لم يَعمَل بها ؛ لأنّ إخلالَه بالعَمَل يُحبط ما يستحِقّه مِن ثواب العِلم لو قَدّرنا أنّه اسْتَحَق على العِلم ،ثواباً، وأتى به على الشّرائط التي معها يستحقّ الثواب.- 373 -الأصل: أيُّها النَّاسُ مَتَاعُ الدُّنْيا حُطام مُوبِي، فَتَجَنَّبُوا مَرْعاةً قُلْعَتُها احْطَى مِنْ طُمَانِيتَتِها ، وبُلْغَتُها أَزْكَى مِن ثَرْوَتِها ، حُكِمَ على مُكْثِريها بالفاقَةِ، وَأُغْنِي مَنْ غَنِيَ عَنْهَا بِالرَّاحَةِ، من رَاقَهُ زِبْرِجُهَا أعْقَبَتْ ناظِرَيْهِ كَمَها ومَنِ اسْتَشْعَرَ الشَّغَفَ بهَا مَلات ضَمِيرَهُ اشْجاناً ، لَهُنَّ
رَقَصٌ عَلَى سُوَيْداءِ قَلْبِهِ، هَمْ يَشْغَلُهُ، وغَمْ يُحْزِنُهُ، حَتَّى يُؤخَذَ بِعَظَمِهِ فَيُلقَى بِالْفَضاءِ، مُنْقَطِعاً أبْهَرَاهُ هَيْناً على الله فَناؤُهُ، وَعَلَى الإِخْوَانِ الْقاؤُهُ.وإنما يَنْظُرُ المُومِنُ إلَى الدُّنْيَا بِعَيْنِ الاعتبارِ ، ويَقْناتُ مِنْهَا بِبَطْنِ الاضْطِرارِ، وَيَسْمَعُ فِيه بِأْذُنِ الْمَقْتِ وَالإِبْغَاضِ ، إنْ قِيلَ أَثْرَى قِيلَ أَكْدَى ، وإِنْ فُرِحَ له بالبَقَاءِ حُزِنَ لَهُ بِالْفَناءِ، هَذَا وَلَمْ يَأْتِهِمْ يَوْمَ هُم فِيهِ مُبْلِسُونَ .الشرح: مَتاعُ الدنيا : أموالها وقُنْيانها. والحُطام ما تكسَّر من الحشيش واليَبَس، وشَبَّه متاع الدنيا بذلك لحقَارته ومُوبئ: مُحدث للوباء، وهو المَرَض العام. ومَرْعاة: بقعةً تُرَى، كقولك مأسَدة فيها الأسد، ومحياة، فيها الحَيّات.وقَلعتها - بسكون اللام - خيرٌ من طمأنينتها : أي كون الإنسان فيها منزعجاً متهيّئاً للرّحيل عنها خيرٌ له من أن يكون ساكناً إليها، مطمئنا بالمُقام فيها .والبُلغة: ما يُتبلغ به. والثّروة: اليسار والغِنَى، وإنما حُكِم على مُكثريها بالفاقة والفَقر لأنّهم لا ينتهون إلى حَدٌ من الثروة والمال إلّا وجدّوا واجتهدوا، وحَرَصوا في طلب الزيادة عليه، فهم في كلّ أحوالهم فقراء إلى تحصيل المال، كما أن من لا مال له أصلاً يجدّ ويجتهد في تحصيل المال، بل ربما كان جدُّهم وحِرْصُهم على ذلك أعظَم من كَدح الفقير وحرصه، ورُوي : «وأعين من غَنِيَ عنها »ومن رواه «أغنى» أي أغْنى الله من غنيَ عنها وزَهِد فيها بالراحة وخلوّ البال وعدم الهمّ والغمّ.والزَّبرج: الزّينة، وراقه أعجَبَه ، والكَمَه : العمى الشديد، وقيل: هو أن يولد أعمى.والأشجان: الأخزان والرّقَصُ بفتح القاف الاضطراب والغليان والحركة. والكَظَم بفتح الظاء : مجرى النَّفس والأبهران عِرقان متّصلان بالقلب ويقال للميّت : قد انقطَع أبهَراه.قوله : «وإنما ينظرُ المؤمن»: إخبارٌ في الصورة، وأمرٌ في المعنى، أي لينظر المؤمن إلى الدنيا بعين الاعتبار، وليأكُل منها ببطن الاضطرار، أي قَدر الضرورة لا احتكار أو استكثار، ولْيَسْمَع حديثها بأذن المَقْت والبغض، أي ليتَخذها عدُوَّا قد صاحَبَه في طريق، فليأخذ حِذْرَه منه جهده وطاقته، ولْيَسْمَع كلامه وحديثه لا استماع مُضغ ومحبّ وامق، بل استماع مُبغض محترز من عائلِتِه.ثم عاد إلى وصفِ الدنيا وطالبها فقال : إن قيل أَثْرَى قيل : أَكْدَى، وفاعِلُ «أَثْرَى» هو
الضّمير العائد إلى من استشعر الشَّغَف بها . يقول : بينا يقال أثرَى، قيل : افتقر ، لأن هذه صِفة الدنيا في تقلبها بأهلها، وإن فرح له بالحياة ودوامها، قيل : مات وعَدِم، هذا ولم يأتهم يومَ القيامة يومٌ هم فيه ،مُبْلِسون أبلس الرجلُ يُبلِسُ إبْلاساً أي قَنط ويئس واللفظ من لفظات الكتاب العزيز .### بعض ما قيل في حال الدنيا وصروفهاوقد ذكرنا من حال الدنيا وصُروفها وغَدْرِها بأهلها فيما تقدّم أبواباً كثيرة نافعة. ونحن نذكر هاهنا زيادةً على ذلك.فمن كلام بعض الحكماء :ويلٌ لصاحب الدنيا ، كيف يموت ويتركها، وتغره ويأمنَها وتَخْذُله ويثق بها! ويلٌ للمغترِّين كيف أرتهم ما يكرهون، وفاتَهم ما يُحِبّون، وجاءهم ما يوعَدون! ويل لمن الدنيا ،همه والخطايا عمله، كيف يفتضح غداً بذنبه .ورَوَى أنس قال: كانت ناقة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم العَصْباءُ لا تُسبق، فجاء أعرابيُّ بناقةٍ له فسبَقها، فشقّ ذلك على المسلمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «حقّ على الله ألا يرفع في الدنيا شيئاً إلّا وضعه» (1.وقال بعضُ الحكماء: من ذا الذي يبني على مَوْج البحر داراً ! تلكم الدنيا، فلا تتخِذوها قراراً.وقيل لحكيم : عَلِّمنا عملاً واحداً إذا عَمِلناه أحبَّنا الله عليه ، فقال : أبغَضوا الدنيا يُحبكم الله.وقال أبو الدرداء : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «لو تَعلَمون ما أعلَم لَضَحكتم قليلاً، ولبَكَيتم كثيراً، ولهانت عليكم الدنيا ، ولأثَرْتُم الآخرة» (2.)ثم قال أبو الدَّرداء مِنْ قِبَل نفسه أيها الناس لو تعلمون ما أعلَم لخرَجتم إلى الصُّعُدات تَبكُون على أنفسكم، ولتَرَكْتُم أموالكم لا حارسَ لها، ولا راجعَ إليها إلا ما لا بدّ لكم منه، ولكن غاب عن قلوبكم ذِكْرُ الآخرة، وحضَرَها الأمل، فصارت الدنيا أملك بأعمالكم، وصرتم كالذين لا يعلمون، فبعضُكم شرّ من البهائم التي لا تدع هواها، ما لكم لا تحابُّون ولا تنا صحون في أموركم وأنتم إخوانٌ على دين واحد ما فرّق بين أهوائكم إلّا خُبْتُ سرائِركم، ولو اجتمعتم على البِرِّ لتحاببتم ، ما لكم لا تَناصَحون في أموركم، ما هذا إلَّا مِن قِلّة الإيمان
في قلوبكم، ولو كنتم توقنون بأمر الآخرة كما تُوقنون بالدنيا لآثَرْتم طلب الآخرة، فإن قلتم حبّ العاجلة غالبٌ، فإنّا نراكم تَدَعون العاجل من الدنيا للآجل منها ما لكم تَفرَحون باليسير من الدنيا، وتَحزنون على اليَسير منها يفوتكم، حتى يتبيِّن ذلك في وجوهكم، ويظهر على ألسنتكم، وتسمونها المصائب، وتُقِيِمون فيها المآتم وعامتكم قد تركوا كثيراً من دينهم ثمّ لا يتبين ذلك في وجوههم، ولا تتغيّر حالٌ بهم يَلقى بعضه بهم، يَلقى بعضهم بعضاً بالمسرّة، ويكره كلّ منكم أن يستقبل صاحبه بما يَكره مخافَة أن يستقبله صاحبُه بمثله، فاصطَحبتم على الغِلّ، وبَنيتم مرَاعِيَكم على الدِّمَن، وتصافيتم على رَفض الأجلّ، أراحَني الله منكم، والحقني بمن أحبهُّ رؤيته.وقال حكيم لأصحابه : ارْضُوا بدنيء الدنيا مع سلامة الدِّين، كما رَضيَ أهل الدنيا بدَنيء الدِّين مع سلامةِ الدُّنيا .وقيل في معناه :أرَى رجالاً بأدنى الدِّين قد قَنِعوا*** ولا أراهم رضُوا في العَيْش بالدُّونِفاستعن بالدِّين عن دُنيا الملوكِ كما اتَغْنَى الملوك بدنياهم عن الدِّينِوفي الحديث المرفوع: «لتأتينكُم بَعْدِي دُنْيا تأكُل إيمانَكم كما تأكل النارُ الحطَب »(1.)وقال الحَسَن رحمه الله : أدركتُ أقواماً كانت الدنيا عندهم وديعةً فأدَّوها إلى من ائتمنهم عليها، ثم رَكضوا خفافاً .وقال أيضاً : من نافَسك في دينك فنافِسه، ومن نافَسَك في دُنْيَاك فألِقها في نَحْره.وقال الفُضيل : طالت فكرتي في هذه الآية: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَمَّا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَإِنَّا لَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (2).)ومن كلام بعض الحكماء : لن تصبح في شيء من الدُّنيا إلا وقد كان له أهلٌ قَبْلك ويكُون له أهلٌ من بعدك، وليس لك من الدنيا إلا عشاءُ ليلة، وغَداءُ يومٍ، فلا تُهلِك نفسَك في أكلة، وصُمْ عن الدُّنْيا وأفطِرْ على الآخرة، فإنّ رأس مال الدنيا الهوى، ورِبحها النار .وقيل لبعض الرّهْبان: كيف تَرَى الدهر ؟ قال : يُخلِق الأبدان، ويجدِّد الآمال، ويقرّب المنيّة، ويباعد الأمنيّة . قيل : فما حال أهله ؟ قال : مَنْ ظفر به تَعِب، ومن فاتَه اكتاب.ومن هذا المعنى قولُ الشاعر :ومَن يَحمد الدنيا لعيش يَسُرهُ فسوف لَعَمَرِي عن قليل يلومُهَا
إذا أدبرت كانت على المرءِ حَسرةً*** وإن أقبلت كانت كثيراً همومُهاوقال بعضُ الحكماء : كانت الدنيا ولم أكُن فيها، وتذهَب الدنيا ولا أكون فيها ، ولستُ أسْكُن إليها، فإنّ عَيْشَها ،نَكَد وصفوها ،كَدّر، وأهلَها منها على وجَل، إمّا بنعمةٍ زائلة، أو ببليّة نازلةٍ، أو مِيتة قاضِيَة. وقال بعضهم : من عَيْب الدنيا أنّها لا تُعطي أحداً ما يستحقّ إما أن تَزيد ،له وإما أن تنقص.وقال سُفْيان الثَّوْرِيِّ: أما تَروّن النِّعم كأنها مغضوبٌ عليها، قد وُضِعَتْ في غير أهلها .وقال يحيى بن معاذ: الدنيا حانوتُ الشّيطان، فلا تسرق من حانوته شيئاً، فإنه یجیء فی قلبك حتّى يأخُذك .وقال الفُضَيل : لو كانت الدّنيا من ذَهَب يَفنى والآخرةُ من خَزَفٍ يَبْقى لكان ينبغي لنا أن نختار خَزَفاً يَبقَى على ذَهب يفنى، فكيف وقد اخترنا خَزَفاً يَفْنى على ذَهَبٍ يبقى!وقال بعضُهم : ما أصبح أحدٌ في الدنيا إلّا وهو ضَيْف، ولا شُبهةً في أنّ الضيف مُرْتحِل ، وما أصبَح ذو مال فيها إلا وماله عاريّة عنده، ولا ريب أنّ العاريّة مردودة.ومثل هذا قول الشاعر :وما المالُ والأهلُون إلّا وديعةً*** ولا بدّ يوماً أن تردّ الودائعُوقيل لإبراهيم بن أدهم : كيف أنت؟ فأنشد:نُرَفع دُنْيانا بتمزيق دينِنا*** فلا دِينُنا يبقى ولا ما نُرقّعُوزارَ رابعةَ العَدوَيّة أصحابُها ، فذَكَروا الدّنيا فأقبلوا على ذمّها، فقالت: اسكُتُوا عن ذِكرها وکُفُوا ، فلولا مَوقِعُها في قلوبكم ما أكثَرْتم من ذِكْرِها ، إنّ من أحب شيئاً أكثر من ذكره.وقال مُطَرِّف بنُ الشَّخْير: لا تَنظروا إلى خَفْض عَيْش الملوك، ولين رِيِاشهم، ولكن انظُروا إلى سُرعة عنهم، وسوء منقلَبهم، قال الشاعر:أرى طالبَ الدّنيا وإن طالَ عمرُهُ*** ونال من الدّنيا سروراً وأنعُماکَبان بنى بنيانه فأقامه فلمّا استَوَى ما قد بَنَاء تَهدِّمَاوقال أبو العتاهية :تعالَى اللهُ يا سَلْمَ بن عَمْرِو أذَلَّ الحِرْصُ أعناق الرّجالِهَبِ الدنيا تُساقُ إليكَ عَفُواً*** اليس مصير ذاكَ إلى الزوال!وما دُنْياكَ إلا مثلُ فَيْءٍ ***أظلك ثم آذن بانتقالوقال بعضُهم : الدنيا جيفةٌ، فمن أراد منها شيئاً فليصبر على معاشرة الكلاب.
شرح نهج البلاغة (ج 19)وقال أبو أُمَامَة الباهلي : لمّا بَعَثَ الله محمداً صلی الله علیه وآله وسلم و أنت إبليس جنودُه وقالوا : قد بُعِث نبيّ وجدّت مِلّة وأمّة ، فقال : كيف حالُهم؟ أيحِبُّون الدنيا؟ قالوا : نَعَمْ . قال : إن كانوا يحبّونها فلا أبالي ألّا يعبدُوا الأصنام، فإنّما أغدُو عليهم وأروح بثلاث : أخذ المال من غير حقّه، وإنفاقِه في غير حقّه، وإمساكه عن حقه، والشرُّ كلّه لهذه الثلاث تبَع.وكان مالكُ بن دينار يقول : اتّقوا السّحارة فإنّها تسحَر قلوب العلماء، يعني الدنيا .وقال أبو سليمان الرازيّ: إذا كانت الآخرة في القَلْبِ جاءَت الدنيا فزَاحَمَتْها، وإذا كانت الدّنيا في القَلْبِ لم تُزاحِمها الآخرة، لأن الآخرة كريمة، والدنيا لئيمة.وقال مالك بنُ دينار: بقدر ما تَحْزَن للدّنيا يخرُج همُّ الآخرة من قلبك، وبقدر ما تحزن للآخرة يخرُج هم الدنيا من قلبك. وهذا مُقتبَس من قول أمير المؤمنين علیه السلام : الدنيا والآخرة ضَرَّتان: فبقَدر ما تُرْضِي إحداهما تُسخط الأخرى.وقال الشاعر :يا خاطِبَ الدُّنيا إلى نفسها*** تَنَحَّ عن خطبتها تسلَمإنّ التي تخطب غَدَّارَةٌ ***قريبة العرس من الماتَموقالوا : لو وصفتَ الدُّنيا نفسها لما قالت أحسَنَ من قول أبي نُواس فيها :إذا امتحنَ الدنيا لبيبٌ تكشّفت ***له عن عدوِّ في ثياب صديقومن كلام الشّافعيّ يعظُ أخاً له :يا أخي إنّ الدّنيا دَحْض مَزَلّة، ودارُ مَذلّة، عُمْرانُها إلى الخراب سائر، وساكنُها إلى القبور زائر، شَملها على الفُرقة موقوف، وغناها إلى الفَقْر ، وارض برزق الله ، ولا مصروف، الإكثار فيها إغسار، والإغسار فيها يَسار، فافزَع إلى تستسلف من دار بقائك في دارِ فَنائك، فإنّ عيشك فيءٌ زائل، وجدارٌ مائلِ ،أكثر من عمَلك، وأقصِر من أملك .وقال إبراهيمُ بنُ أدهم لرجل : أدِرْهَمٌ في المنام أحَبُّ إليك أم دينارٌ في اليَقَظة؟ فقال: دينارٌ فی اليَقَظة . فقال : كَذَبْتَ إن الذي تُحِبّه في الدنيا فكأنك تُحِبّه في المنام، واّلذي تحبُّه في الآخرة فكأنّك تحبّه في اليَقَظة .وقال بعضُ الحكماء : من فَرح قلبُه بشيء من الدنيا فقد أخطَأ الحِكْمة، ومن جَعَلَ شهوتَه تحت قدَميه فَرِق الشيطانُ من ظِلَّه ، ومَن غَلَب عِلْمُه هَواهُ فهو الغالب .وقال بعضُهم : الدنيا تُبغْضُ إلينا نفسَها ونحن نحبُّها ، فكيف لو تحبَّيت إلينا !وقال بعضُهم: الدنيا دارُ خراب، وأخرَبُ منها قلبُ من يَعمُرُها ، والجنّة دارُ عُمْران، وأعمَرُ منها قَلْب من يَطلُبها.
وقال يحيى بن مُعاذ العُقلاء ثلاثة : مَن تَرَك الدنيا قبل أن تَتْرُكَه ، وبَنَى قَبرَه قبل أن يَدخُلَه، وأرضى خالقَه قبل أن يَلْقاه .وقال بعضهم : مَنْ أراد أن يستغنيّ عن الدّنيا بالدّنيا كان كمُطفئ النار بالتٌبن.ومن كلام بعض فُصحاء الزّهّاد أيها الناس اعمَلوا في مَهَل، وكونوا من الله على وجَل، ولا تغترّوا بالأمَل، ونسيان الأجلِ، ولا تَركَنوا إلى الدنيا، فإنّها غَدّارة غرّارة خدّاعة، قد تزخرفت لكم بغُرورها ، وفَتَنتكم بأمانيِّها، وتزينت لخُطّابها، فأضحت كالعَروس المتجلّية، العيونُ إليها ناظرة والقلوبُ عليها عاكفة والنفوسُ لها عاشقة. فكم من عاشق لها قَتَلتْ ومطمئن إليها خَذَلَتْ! فانظروا إليها بعين الحقيقة، فإنّها دارٌ كثرت بوائقُها، وذَمَّها خالقُها. جديدُها يَبلَى، ومُلْكُها يَعْنَى، وعزيزُها يَذِلّ وكثيرُها يَقِلّ، وحيُّها يموتُ، وخيرُها يفوت، فاستيقظِوا من غفلتِكم، وانتبهوا من رَقدتِكم، قبل أن يقال فلان عليل، ومدنفٌ ثقيل، فهل على الدّواء من دليل، وهل إلى الطبيب من سبيل ؟ فتُدعَى لك الأطّباء، ولا يُرجَى لك الشفاء، ثمّ يقال : فلانٌ أوصَى، ومالَه أحصَى، ثمّ يقال : قد ثَقُل لسانه فما يكلَّم إخوانَه، ولا يَعرف جيرانَه، وعَرِق عند ذلك جبينُك، وتتابع أنينُك، وثبت يقينُك، وطمَحت جفونُك، وصدقَتْ ظُنونُك، وتلجلجَ لسانُك، وبكى إخوانُك، وقيل لك: هذا أبنُك فلان، وهذا أخوك فلان، مُنِعت من الكلام فلا تَنطِق، وخُتِم على لسانك فلا يَنطبق، ثم حلّ بك القضاء، وانتُزِعت روحُك من الأعضاء، ثم عُرِج بها إلى السّماء، فاجتَمع عند ذلك إخوانك، وأحضِرت أكفانُك، فغَسّلوك وكفّنوك، ثمّ حملوك ،فَدَفَنوك، فانقطع عُوّادُك، واستراح حُسّادك، وانصرف أهلك إلى مالك، وبقيت مرتهناً بأعمالك.وقال بعض الزهّاد لبعض الملوك : إنّ أحقّ الناس بذمّ الدنيا وقلاها من بُسِط له فيها، وأعطِي حاجَته منها ، لأنه يتوقّع آفةٌ تَغدُو على ماله فتجتاحه، وعلى جمعِه فتفرّقه أو تأتي على سلطانه فتهدِمه من القواعد أو تدبّ إلى جسمه فتُسقمه، أو تفجعه بشيء هو ضنين به من أحبابه، فالدنيا الأحق بالدّم، وهي الآخذة ما تُعطي الراجعة فيما تهب، فبينا هي تضحك صاحبها إذ أضحكت منه غيره، وبينا هي تبكي له إذ أبكتْ عليه وبينا هي تبسط كفه بالإعطاء إذ بسطت كفها إليه بالاسترجاع والاسترداد، تعقد التاج على رأس صاحبها اليوم وتُعفّره في التراب غداً، سواءٌ عليها ذهاب من ذهب وبقاء من بقي تجد في الباقي من الذاهب خلفاً، وتَرضَى بكلِّ من كلِّ بَدَلاً .وكتب الحسنُ البصريّ إلى عمر بن عبد العزيز: أمَّا بعد فإنّ الدنيا دارُ ظَعْنِ ليست بدار إقامة، وإنما أنزل إليها عقوبة فاحذرها فإن الزاد منها ربحها والغنى منها فقرُها، لها في كلّ حين قتيل، تذلّ مَنْ أعزّها، وتُفقِر من جَمَعَها ، هي كالشم يأكله مَنْ لا يعرفه وهو حَتَّفه، فكن
فيها كالمُداوِي جراحه، يحْمِي قليلاً مخافة ما يكرهه طويلاً، ويصبر على شدّة الدواء، مخافة طُول البلاء، فاحذر هذه الدنيا الغدّارة المكّارة، الختّالة الخدّاعة، التي قد تزيّنت بخُدَعها، وفتَنت بغرورها، وتَحَلّت بآمالها، وتشرّفتْ الخُطابها، فأصبحت بينهم كالعروس تُجلى على بعلها، العيون إليها ،ناظرة، والقلوب عليها والهة، والنفوسُ لها عاشقة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة، فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر بالأوّل مزدجِر ، ولا العارف بالله حين أخبره عنها ،مدّكِر، فمن عاشقٍ لها قد ظفر منها بحاجته، فاغتّر وطغى ونسي المعاد، وشُغل بها لُبُّه حتى زلَّت عنها قدمُه فعظُمت ،ندامتُه وكثرت حسرتُه، واجتمعت عليه سكراتُ الموت بألمه، وحسَرَاتُ الفَوت بغضته ، ومِنْ راغب فيها لم يدرك منها ما طلب، ولم يُرح نفسه من التّعب، خرج منها بغير ،زاد وقدِم على غير مهاد فاحذرها ثمّ احذرها، وكن أسرّ ما تكون فيها أحذر ما تكون لها، فإن صاحبها كلما اطمأنّ منها إلى سرور أشخَصْته إلى مكروه، والسارّ منها لأهلها غارّ، والنافع منها في غَدٍ ضارّ، قد وُصل الرّخاء منها بالبلاء، وجعل البقاء فيها للفَناء، فسرورها مَشُوب بالأحزان، ونعيمُها مكدَّر بالأشجان لا يرجع ما ولّى منها وأدبر، ولا يُدرى هو آت فينتظر أمانيها كاذبة وآمالها ،باطلة، وصفوها كدّر، وعيشها نَكَد، والإنسان فيها على خَطر إنْ عَقَل ونَظَر، وهو من النعماء على غَرَر، ومن البلاء على حَذر ، فلو كان الخالق لها لم يخبر عنها خبراً ، ولم يضرب لها مَثَلاً ، لكانت هي نفسها قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل فكيف وقد جاء من الله عنها زاجر وبتصاريفها ،واعظ، فما لها عند الله ،قدر، ولا نظر إليها منذ خَلقَها ، ولقد عُرضت على نبيك محمّد صلی الله علیه واله وسلم بمفاتيحها وخزائنها لا ينقصه ذلك عند الله جناح بعوضة، فأبى أن يقبلها ، كره أن يخالف على الله أمره، أو يحبّ ما أبغَضَه خالقه، أو يرفع ما وضعه مليكه زواها الرب سبحانه عن الصالحين اختباراً، وبسطها لأعدائه اغتراراً، فيظن المغرور بها المقتدر عليها ، أنه أكرم بها ، وينسى ما صنع الله تعالى بمحمّد صلی الله علیه وآله وسلم من الحَجَر على بطنِه، وقد جاءت الرواية عنه عن ربّه سبحانه أنه قال لموسى : إذا رأيت الغنَى مقبلاً فقل ذنبٌ عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلاً فقل مرحباً بشعار الصالحين، وإن شئت اقتديت بصاحب الرُّوح والكلمة عيسى، كان يقول : إدامي الجوع، وشعاري الخوف، ولباسي الصوف، وصلائي في الشتاء مشارق الشمس، وسراجي القمر، ووسادي الحَجَر، ودابتي رجلاي، وفاكهتي وطعامي ما أنبتت الأرضُ، أبيتُ وليس لي شيء، وليس على الأرض أحدٌ أغنى منّي.وفي بعض الكتب القديمة : إن الله تعالى لمّا بعث موسى وهارون علیه السلام إلى فرعون قال : لا يروعنّكما لباسُه الذي ليس من الدنيا، فإنّ ناصيته بيدَي ليس ينطق ولا يطرف ولا يتنفّس إلّا بإذني، ولا يُعجبكما ما مُتع به منها، فإن ذلك زهرة الحياة الدنيا وزينة المترَفين، ولو شئت أن أزينكما بزينة من الدنيا يعرف فرعون حين يراها أن مقدرته تعجز عما وهبتما لفعلت، ولكني
أرغب بكما عن ذلك، وأزوي ذلك عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي، إني لأذودُهم عن نعيمها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهَلكة، وإنّي لأجنبهم حُبّ المُقام فيها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك العُرّ، وما ذاك لهوانهم عليّ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالماً موفوراً، إنما يتزين لي أوليائي بالذل والخضوع والخوف وإن التقوى لتثبت في قلوبهم، فتظهر على وجوههم، فهي ثيابهُم التي يلبسونها، ودِثارهم الذي يظهرون، وضميرُهم الذي يستشعرون، ونجاتهم الّتي بها يفوزون، ورجاؤهم الذي إيَّاه يأمُلون، ومجدُهم الذي به يفتخرون، وسيماهم التي بها يُعرَفون، فإذا لقيهم أحدكما فليخفض لهم جناحَه، وليذلّل لهم قلبه ولسانه وليعلم أنه مَنْ أخاف لي وليّاً فقد بارَزَني بالمحاربة، ثم أنا الثائر به يوم القيامة .ومن كلام بعض الحكماء : الأيّام سهام والناس أغراض والدهر يرميك كلَّ يوم بسهامه، ويتخرَّمك بلياليه وأيّامِه، حتّى يستغرق جميع أجزائك، ويُصمِي جميع أبعاضِك، فكيف بقاء سلامتك مع وقوع الأيام بك، وسرعة الليالي في بدنك! ولو كشف لك عما أحدثَت الأيّام فيك من النقص لاستوحشتَ من كلّ يوم يأتي عليك واستثقلت ممرّ الساعات بك، ولكن تدبير الله تعالى فوق النظر والاعتبار.وقال بعض الحكماء - وقد استوصَف الدنيا وقَدر بقائها - : الدنيا وقتك الذي يرجع إليه طرفك، لأنّ ما مضى عنك فقد فاتك إدراكه، وما لم يأتِ فلا علم لك به والدهر يومٌ مقبل تنعاه ليلتُه، وتَطويه ساعاتُه، وأحداثه تتوالى على الإنسان بالتغيير والنقصان والدهر موكّل بتشتیت الجماعات، وانخرام الشَّمل، وتنقُّل الدُّوَل، والأمل طويل، والعمر قصير، وإلى الله تصیر الأمور.وقال بعض الفضلا الفضلاء : الدنيا سريعة الفَناء، قريبة الانقضاء ،تَعِد بالبقاء، وتُخلف في الوفاء، تنظُر إليها فتراها ساكنةً مستقرّة، وهي سائرة سيراً عنيفاً، ومرتحلة ارتحالاً سريعاً، ولكنّ الناظر إليها قد لا يُحسّ بحركتها فيطمئنّ إليها، وإنما يحسّ بذلك بعد انقضائها، ومثالها الظل، فإنه متحرك ساكن: متحرّك في الحقيقة، وساكن في الظاهر، لا تدرك حركتُه بالبصر الظاهر، بل بالبصيرة الباطنة .****- 374 -الأصل: إِنَّ الله سُبْحَانَهُ وضَعَ الثَّوابَ على طاعتِهِ ، والعِقابَ على مَعْصِيَتِهِ، خِيادَةٌ لِعِبَادِهِ عَنْنقْمَتِه، وحِياشَة لَهُمْ إلى جنيه.161
الشرح :زيادة، أي دفّعٌ . خُذته من كذا ، أي دَفعته ورددته. وحياشةً : مصدر حُشْتُ الصّيد بضم الحاء، أحوشُه إذا جئته من حوالَيه لتصرفه إلى الجِبالة، وكذلك أحشتُ الصيد وأخوَشْتُه ، وقد احتوش القوم الصيد إذا نقّره بعضهم إلى بعض .وهذا هو مذهب أصحابنا، إن الله تعالى لما كلّف العباد التكاليف الشاقّة، وقد كان يمكنه أن يجعلها غير شاقّة عليهم بأن يزيد في قَدرهم، وجب أن يكون في مقابلة تلك التكاليف ثواب، لأنّ إلزام المشاق كإنزال المشاق، فكما يتضمن ذلك عوضاً، وجب أن يتضمّن هذا ثواباً، ولا بد أن يكون في مقابلة فعل القبيح عقاب، وإلا كان سبحانه ممكناً الإنسان من القبيح، مغرياً له بفعله، إذ الطبع البشري يهوي العاجل، ولا يَحفِل بالذمّ، ولا يكون القبيح قبيحاً حينئذ في العقل، فلا بدّ من العقاب ليقع الانزجار .-375 -الأصل: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يبقى فِيهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُهُ، وَمِنَ الإِسْلامِ إِلا اسْمُهُ، يَبْقَى مَساجِدُهُمْ يَوْمَئِذٍ عَامِرَةٌ مِنَ البِنَاءِ، خَرَابٌ مِنَ الهُدَى سُكَّانُها وعُمَّارُها شَرِّ أَهْل الأرْضِ مِنْهُمْ تَخْرُجَ الفِتْنَةُ، وَإِلَيْهِمْ تَأْوَى الخَطِيئَةُ ، يَرُدُّونَ مَنْ شَذَّ عَنْهَا فِيهَا ، وَيَسُوقُونَ مَنْ تَأخَّرَ عَنْهَا إِلَيْهَا ، يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ فَبِي حَلَفْتُ، لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولئِكَ فِتْنَةٌ أَتْرُكُ الحَلِيمَ فِها حَيْرَانَ، وَقَدْ * فَعَلَ، وَنَحْنُ نَسْتَقِيلُ الله عَشْرَةَ الغَفَلَة.الشرح: هذه صفةٌ حالِ أهلِ الضَّلال والفسقِ والرِّياء من هذه الأمّة، ألا ترَاه يقول : سُكانها وعُمّارها، يعني سكان المساجد وعمّار المساجد شرّ أهل الأرض، لأنهم أهل ضلالة كمن يسكن المساجد الآن ممّن يعتقد التجسم والتشبيه والصورة والنزول والصعود والأعضاء والجوارح، ومن يقول بالقَدَر يُضِيف فعل الكُفْر والجهل والقبيح إلى الله تعالى، فكل هؤلاء أهل فتنة، يردُّون من خرج منها إليها، ويسوقون من لم يدخل فيها إليها أيضاً .ثم قال حاكياً عن الله تعالى : إنه حلف بنفسه ليبعثنّ على أولئك فتنةٌ، يعني استئصالاً وسيفاً حاصداً يترك الحليمَ أي العاقل اللبيب فيها حيران لا يعلم كيف وجهُ خَلاصه .ثم قال علیه السلام : وقد فعل .وينبغي أن يكون قد قال هذا الكلام في أيام خلافته، لأنها كانت أيام السيف المسلط على
أهل الضلال من المسلمين وكذلك ما بعثه الله تعالى على بني أمية وأتباعهم من سيوف بني هاشم بعد انتقاله علیه السلام.-376 -الأصل: ورُوي أنّهُ علیه السلام قَلْمَا اعْتَدَلَ بِهِ الْمِنْبَرُ إِلَّا قَالَ أَمامَ خُطبَتِهِ : أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقوا الله فما خُلِقَ امْرُلٌ عَباً قبلهو، وَلا تُرِكَ سُدّى فَيَلْغُو، وَمَا دُنْيَاهُ الَّتي تَحَسَنَتْ لَهُ بِخَلَفٍ من فَيَلْهُو، الآخِرَةِ الَّتي تَبْحَهَا سُوء النظرِ عِنْدَهُ، وَمَا المَغْرُور الَّذِي ظَفِرَ منَ الدُّنْيَا بِأَعْلَى هِمَّتِهِ كالآخَرِ الَّذِي ظَفِرَ من الآخِرَةِ بِأَذْنَى سُهْمَتِهِ .الشرح قال تعالى : (أَفَصَبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَنَا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (1).)ومن الكلمات النبويّة : «إنّ المرء لم يُترك سُدّى، ولم يُخلق عَبَثاً (2.)وقال أمير المؤمنين علیه السلام: إنّ من ظَفِر من الدنيا بأعلى وأعظم أمنية ليس كآخَرَ ظَفِر من الآخرة بأدوَن درجات أهل الثواب لا مناسبة ولا قياسَ بين نعيم الدنيا والآخرة.وفي قوله علیه السلام : «الّتي قبحها سوء المنظَر عندَه» تصريحٌ بمذهب أصحابنا أهل العدل رحمهم الله، وهو أن الإنسان هو الذي أضلّ نفسه لسوء نظره ولو كان الله تعالى هو الذي أضله لما قال: قبحها سوء النظر عنده .****- 377 -الأصل: لا شَرَفَ أَعْلَى مِنَ الإِسْلامِ، وَلا عِزَّ أَعَزُّ مِنَ التَّقْوى، وَلا مَعْقِلَ أَحْسَنُ مِنَ الْوَرَعِ، وَلا شَفِيعَ أنجحُ مِنَ التَّوْبَةِ، وَلا كَثرَ أغْنى مِنَ القنَاعَةِ، وَلا مَالَ أَذْهَبُ لِلْفَاقَةِ مِنَ الرضى بالقُوتِ .ومَنِ اقْتَصَرَ عَلَى بُلْغَةِ الكَفَافِ فَقَدِ انْتَظَمَ الرَّاحَةَ، وَتَبَوَّاً خَفْضَ الدّعَةِ. والدَّعَةُ مِفْتَاحُ
النَّصبِ، وَمَطِيَّةُ التَّعَبِ وَالْحِرْصُ وَالْكِبْرُ وَالحَسَدُ دَوَاعٍ إِلَى التَّقَحُمِ فِي الذُّنُوبِ، والشَّرُّ جامع لِمَسَاوى العُيُوبِ.الشرح: كلّ هذه المعاني قد سبق القولُ فيها مراراً شتَّى، نأتي كلّ مرّة بما لم نأت به فيما تقدّم، وإنّما يكرّرها أمير المؤمنين علیه السلام لإقامة الحجّة على المكلفين، كما يكرّر الله سبحانه في القرآن المواعظَ والزواجر ، لذلك كان أبو ذَرّ - رضي الله عنه - جالساً بين الناس فأتته امرأتُه فقالت: أنت جالس بين هؤلاء، ولا والله ما عندنا في البيت هنّة ولا سُنّة، فقال: يا هذه، إن بين أيدينا عَقَبَةٌ كَرُوداً، لا ينجو منها إلّا كلّ مخفّ. فرجعت وهي راضية.وقيل لبعض الحكماء : ما مالُك؟ قال: التجمّل في الظاهر، والقَصد في الباطن، والغِنَى عمّا في أيدي الناس :وقال أبو سليمان الدّارانيّ : تنفُّس فقير دُون شهوة لا يَقدِر عليها أفضل من عِبادة غَنِي ألف عام.وقال رجلٌ لبشر بن الحارث: ادعُ لي فقد أضرّ الفقرُ بي وبعيالي، فقال: إذا قال لك عيالُك : ليس عندنا دقيق ولا خبز فادعُ البشر بن الحارث في ذلك الوقت، فإنّ دعاءَك أفضلُ من دعائه. ومن دعاء بعض الصالحين : اللهمّ إني أسألك ذُلّ نفسي، والزهد فيما جاوَزَ الكَفاف.- 378-الأصل: وَقالَ علیه السلام لجابر بن عبد الله الأنصاريّ:يا جابِرُ، قِوامُ الدِّينِ والدُّنْيَا بِأَرْبَعَةٍ عَالِم يَسْتَعْمِلُ عِلْمَهُ، وَجَاهل لا يَسْتَتكف أنْ يَتَعَلَّم، وَجَوَادٍ لا يَبْخَلُ بمَعْرُوفِهِ، وَفَقِيرِ لا يَبِيعُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ، فَإِذا ضَيْعَ العَالِمُ علْمَهُ اسْتَنْكَفَ الجَاهِلُ أَنْ يَتَعَلَّمَ ، وَإِذَا بَخِلَ الغَنيُّ بِمَعْرُوفِه باعَ الفَقير آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ.يا جَابِرُ، منْ كَثُرَتْ نِعمَةُ الله عَلَيْهِ كَثُرَتْ حَوَائِجُ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَمَنْ قامَ بِمَا يَجِبُ الله فِيهَا عَرَّضَ نِعْمَةَ الله لِدَوَامهَا ، ومَنْ ضَيْعَ مَا يحب الله فيها عرَّض نعْمَتَهُ لزَوَالها .الشرح: قد تقدّم القولُ في هذه المعاني والحاصل أنّه ربط اثنتين من أربعة إحداهما بالأخرى، وكذلك جعل في الاثنتين الأخريين ، فقال : إن قوام الدين والدنيا بأربعة : عالم يستعمل
علمَه، يعني يعمَل ولا يقتصر على أن يعلم فقط ولا يَعمَل، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وأضرٌّ ما على الجهلاء الاستنكاف من التعلّم، فإنهم يستمرّون على الجهالة إلى الموت، والثالث جَواد لا يبخل بالمعروف، والرابع فقير لا يبيع آخرته بدنياه، أي لا يَسرق ولا يقطع الطّريق، أو يكتسب الرزق من حيث لا يحبّه الله، كالقمار ،والمواخير ،والمزاجر، والمآصر، ونحوها . ثم قال : فالثانية مرتبطة بالأولى إذا لم يستعمل العالم علمَه استنكف الجاهلُ من التّعلم، وذلك لأنّ الجاهل إذا رأى العالم يعصي ويجاهر الله بالفسقَ زهد في التعلّم، وقال: لماذا تعلُّم العلم إذا كانت ثمرته الفسقَ والمعصية .ثم قال: والرابعة مرتبطة بالثالثة، إذا بخل الغَنيّ بمعروفه، باع الفقيرُ آخرته بدنياه، وذلك لأنّه إذا عدم الفقيرَ المواساة مع حاجته إلى القُوت دعته الضّرورة إلى الدخول في الحرام، والاكتساب من حيث لا يحسُن، وينبغي أن يكون عوض لفظة جواد لفظة غني ليطابق أوّل الكلام آخره، إلّا أنّ الرواية هكذا وردته وجواد لا يبخل بمعروفه، وفي ضمير اللّفظ كون ذلك الجواد غنيًّا، لأنه قد جعل له معروفاً والمعروف لا يكون إلا عن ظهر غنّى، وباقي الفصل قد سبق شرحُ أمثاله .- 379 -الأصل: وَرَوى ابْنُ جرِيرِ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عن عبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الفَقِيهِ، وَكَانَ مِمَّنْ خَرَجَ لِقتال الحَجّاج مع أبن الأَشْعَثِ، أنه قال فيمَا كَانَ يَحُضُ به النَّاسَ عَلَى الجِهَادِ : إِنِّي سَمِعْتُ عليَّا رَفَعَ اللهُ دَرَجَتَهُ في الصَّالِحِين، وأَثَابَهُ ثَوَاب الشهداءِ وَالصَّدِّيقِينَ، يَقُول يَوْمَ لَقِينَا أَهْلَ الشَّامِ :أيُّهَا المُؤْمِنُونَ، إِنَّهُ مَنْ رَأَى عُدْوَاناً يُعْمَلُ بِهِ، وَمُنْكَراً يُدْعَى إِلَيْهِ، فَأَنْكَرَهُ بِقَلْبِهِ فَقَدْ سَلِمَ وَبَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَهُ بِلِسَانِهِ فَقَدْ أَجِرَ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ ، وَمَنْ أَنْكَرَهُ بِالسَّيْفِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ العُلْيَا وَكَلِمَةُ الظَّالِمِينَ السُّفْلَى، فَذَلِكَ الَّذِي أَصَابَ سَبِيل الهُدَى، وَقَامَ عَلَى الطَّرِيقِ، وَنُورَ فِي قَلْبِهِ اليَقِينُ .الشرح: قد تقدّم الكلام في النّهي عن المنكر، وكيفية ترتيبه، وكلام أمير المؤمنين في هذا الفصل مطابق لما يقوله المتكلمون - رحمهم الله .
وقد ذكرنا فيما تقدّم، وسنذكر فيما بعدُ من هذا المعنى ما يجب. وكان النهيُ عن المنكَر معروفاً في العرب في جاهليّتها، كان في قريش حلف الفُضول، تحالفت قبائلُ منها على أن يَردَعوا الظالم، ويَنصُروا المظلوم، ويردّوا عليه حقَّه ما بلَّ بحرّ صوفة، وقد ذكرنا فيما تقدم.- 380-الأصل: وقالَ علیه السلام في كلام له غير هذا يجري هذا المجرى :فَمِنْهُمُ المُنْكِرُ لِلْمُنْكَرِ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ، فَذَلِكَ المُسْتَكْمِلُ لِخِصَالِ الخَيْرِ، وَمِنْهُمُ المُنْكِرُ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ وَالنَّارِكُ بِيَدِهِ، فَذَلِكَ مُتَمَسِّكَ بِخَصْلَتَيْنِ مِنْ خِصَالِ الخَيْرِ، وَمُضَيِّعٌ خَصْلَةٌ، وَمِنْهُمُ المُنْكِرُ بِقَلْبِهِ، وَالنَّارِكُ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ، فَذَاكَ الَّذِي ضَيْعَ أَشْرَفَ الخَصْلَتَيْنِ مِنَ الثَّلاثِ، وَتَمَسَّكَ بِوَاحِدَةٍ وَمِنْهُمْ تَارِكٌ لإنكَارِ المُنْكَرِ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ وَيَدِهِ، فَذَلِكَ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ، وَمَا أَعْمَالُ البِرِّ كُلُّهَا وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله عِنْدَ الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ إِلَّا كَنَفْثَةٍ فِي بَحْرِ الجُيّ، وَإِنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ لا يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ، ولا يَنْقُصَانِ مِنَ رِزْقٍ، وَأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ كُلّهِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ .الشرح: قد سبق قولُنا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو أحد الأصول الخمسة عند أصحابنا . ولجَّة الماء : أعظَمُه، وبحرٌ لجَّيَ : ذو ماء عظيم. والنّفَثُة : الفَعلة الواحدة من نَفَثْت الماء من فمي، أي قَذفته بِقوّة.قال علیه السلام : لا يعتقدن أحدٌ أنه إن أمر ظالماً بمعروف أو نهى ظالماً عن منكَر، أن ذلك يكون سبباً لقتل ذلك الظالم المأمور أو المنهي إياه، أو يكون سبباً لقطع رزقه من جهته، فإن الله تعالى قدر الأجل، وقضى الرّزق، ولا سبيلَ لأحد أن يقطع على أحد عمره أو رزقَه .وهذا الكلام ينبغي أن يُحمَل على أنّه حثّ وحصّ وتحريض على النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، ولا يُحمَل على ظاهره، لأنّ الإنسان لا يجوز أن يُلْقِيَ بنفسه إلى التَّهلُكة، معتمداً على أنّ الأجل مقدَّر، وأن الرِّزق مقسوم، وأنّ الإنسان متَى غلب على ظنّه أنّ الظالم يقتله ويقيم على ذلك المنكر، ويضيف إليه منكراً آخر لم يَجُز له الإنكار .فأما كلمة العدل عند الإمام الجائر فنحو ما رُوِيَ أنّ زيد بن أرقم رأى عبيد الله بن زياد -ويقال : بل يزيد بن معاوية - يضرب بقضيب في يده ثنايا الحسين علیه السلام حين حمل إليه رأسُه، فقال له : إيهاا ارْفَعْ يدك، فطالما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلها !
### النهي عن المنكرونحن نذكر خلاصةَ ما يقوله أصحابُنا في النهي عن المنكَر ، ونَتْرُك الاستقصاء فيه للكُتُب الكلاميّة التي هي أولى ببسط القول فيها من هذا الكتاب.قال أصحابنا : الكلام في ذلك يقع من وجوه منها وجوبُه، ومنها طريق وجوبه، ومنها كيفيّة وجوبِه، ومنها شروط حُسنه، ومنها شروط وجوبه ، ومنها كيفيّة إيقاعه، ومنها الكلام في النَّاهي عن المنكر، ومنها الكلام في النّهي عن المنكر .أّما وجوبه فلا ريبَ فيه؛ لأنّ المنكر قبيح كلّه، والقبيح يجب تركه، فيجب النّهي عنه .وأمّا طريق وجوبه فقد قال الشيخ أبو هاشم رحمه الله : إنّه لا طريقَ إلى وجوبه إلّا السمع، وقد أجمع المسلمون على ذلك، وَوَرَدَ بِه نصّ القرآن في غير موضع . قال الشّيخ أبو عليّ رحمه الله - : العقل يدلّ على وجوبه وإلى هذا القول مال شيخُنا أبو الحسين رحمه الله .وأمّا كيفيّة وجوبه فإنّه واجب على الكفاية دون الأعيان، لأن الغرض ألا يقع المنكر، فإذا وقع لأجل إنكار طائفة لم يبق وجهٌ لوجوب الإنكار على من سواها .وأما شروط حُسنه فوجوه: منها أن يكون ما ينكره قبيحاً، لأنّ إنكار الحَسَن وتحريمه قبيح، والقبيح على ضروب : فمنه ما يَقبُح من كلّ مكلّف وعلى كل حال، كالظلم. ومنه ما يقبح من كل مكلّف على وجه دون وجه كالرمي بالسهام، وتصريف الحمام، والعلاج بالسلاح، لأنّ تعاطي ذلك لمعرفة الحرب والتقوى على العدوّ ، ولتعرُّف أحوال البلاد بالحمام حَسن لا يجوز إنكاره، وإن قصد بالاجتماع على ذلك الاجتماع على السخف واللهو ومعاشرة ذوي الريب والمعاصي فهو قبيح يجب إنكاره .ومنه ما يقبحُ من مكلّف ويحسنُ من آخر على بعض الوجوه، كشُرب النَّبيذ، والتشاغل بالشَّطرنج، فأما مَن يرى حَظرَهما، أو يختار تقليد من يُفتي بحَظرهما فحرام عليه تعاطيهما على كل حال، ومتى فعلهما حَسُن الإنكار عليه، وأما مَن يرى إباحتهما أو مَنْ يختار تقليد مَنْ يُفتي بإباحتهما ، فإنّه يجوز له تعاطيهما على وجه دون وجه وذلك أنّه يَحسُن شرب النبيذ من غير شكر ولا مُعاقرة والاشتغال بالشَّطرنج للفرجة وتخريج الرأي والعقل، ويَقبُح ذلك إذا قُصِد به السخف، وقُصِد بالشرب المعاقَرة والسَّكر، فالثاني يحسن إنكاره ويجب، والأوّل لا يحسُن إنكاره لأنه حَسنٌ مِن فاعِله .ومنها أن يعلم المنكِر أن ما يُنكره قبيح، لأنه إذا جوّز حسنّه كان بإنكاره له وتحريمه إيّاه محرِّماً لما لا يأمن أن يكون حَسناً ، فلا يأمن أن يكون ما فَعَله من النّهي نَهْياً عن حَسَن، وكلُّ فعل لا يأمن فاعلُه أن يكون مختصاً بوجه قبيح فهو قبيحُ، ألا ترى أنه يقبحُ من الإنسان أن يخبر على القطع بأن زيداً في الدار إذا لم يأمن ألا يكون فيها ، لأنه لا يأمن أن يكون خبره كَذِباً !
ومنها أن يكون ما ينهى عنه واقعاً، لأنّ غير الواقع لا يحسنُ النهي عنه، وإنما يحسنُ الذمّ عليه والنهيُ عن أمثاله. ومنها ألّا يغلب على ظنّ المنكر أنه إن أنكر المنكَر، فعله المنكَر عليه، وضمّ إليه منكَراً آخر، ولو لم ينكِر عليه لم يفعل المنكر الآخر، فمتى غَلَب على ظنِّه ذلك قبَح إنكاره، لأنه يصير مَفسدة، نحو أن يغلب على ظننا أنّا إن أنكرنا على شارب الخمر شُرْبَها شربها وقرن إلى شربها القتل، وإن لم ننكِر عليه شربها ولم يقتل أحداً .ومنها الا يغلب على ظنّ الناهي عن المنكَر أنّ نهيه لا يؤثر فإن غلب على ظنه ذلك قَبُح نهيه عند من يقول من أصحابنا إنّ التكليف من المعلوم منه أنه يكفر لا يحسن، إلا أن يكون فيه لطف لغير ذلك المكلّف. وأما من يقول من أصحابنا إنّ التكليف من المعلوم منه أنه يكفر حسن وإن لم يكن فيه لطف لغير المكلّف، فإنه لا يصحّ منه القول بقبح هذا الإنكار .فأما شرائط وجوب النهي عن المنكر فأمور:منها أن يغلب على الظّنّ وقوع المعصية نحو أن يَضِيق وقتُ صلاة الظهر، ويرى الإنسان لا يتهيّأ للصلاة، أو يراه تهيّأ لشرب الخمر بإعدادِ آلتِه ومتى لم يكن كذلك حَسُنَ منّا أن ندعوه إلى الصلاة، وإن لم يجب علينا دعاؤه.ومنها ألا يغلب على ظنّ الناهي عن المنكَر أنه إن أنكر المنكر لحقته في نفسه وأعضائه مضرة عظيمة، فإن غلب ذلك على ظنّه وأنه لا يمتنع من ينكر عليه من فعل ما يُنكره عليه أيضاً، فإنه لا يجب عليه الإنكار، بل ولا يحسن منه لأنه مفسدة. وإن غلب على ظنّه أنه لا يفعل ما أنكره عليه ولكنّه يضَرّ به نُظر فإن كان إضراره به أعظم قُبحاً مما يتركه إذا أنكر عليه، فإنه لا يحسن الإنكار عليه، لأن الإنكار عليه قد صار والحالة هذه مفسدة، نحو أن يُنكر الإنسانُ على غيره شُربَ الخمر، فيترك شربَها ويقتله. وإن كان ما يتركه إذا أنكر عليه أعظم قبحاً مما ينزل به من المضرّة، نحو أن يَهُمّ بالكفر، فإذا أنكر عليه تركه وجَرح المنكَر عليه أو قتله فإنه لا يجب عليه الإنكار، ويحسن منه الإنكار أما قولنا : لا يجب عليه الإنكار ، فلان الله تعالى قد أباحنا التكلم بكلمة الكفر عند الإكراه، فبأن يبيحنا ترك غيرنا أن يتلفظ بذلك عند الخوف على النفس أولى، وأما قولنا: إنه يحسن الإنكار ، فلأن في الإنكار مع الظنّ لما ينزل بالنفس من المضرّة إعزازاً للدِّين، كما أن في الامتناع من إظهار كلمة الكفر مع الصبر على قتل النفس إعزازاً للدين، لا فضل بينهما .فأما كيفية إنكار المنكر فهو أن يبتدئ بالسهل، فإن نفع وإلّا ترقى إلى الصّعب، لأن الغرض الا يقع المنكر، فإذا أمكن ألا يقع بالسهل فلا معنى لتكلّف الصعب، ولأنه تعالى أمَرَ بالإصلاح قبل القتال في قوله :( فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَتهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي (1).)
1) سورة الحجرات الآية : 9.
فأما الناهي عن المنكر مَن هو ؟ فهو كلّ مسلم تمكّن منه واختصّ بشرائطه؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿وَلَتَكُن مِنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ (1)، ولإجماع المسلمين على أنّ كلّ من شاهد غيره تاركاً للصّلاة غير محافظ عليها فله أن يأمرَه بها، بل يجب عليه، إلّا أنّ الإمام وخلفاءه أولى بالإنكار بالقتال، لأنّه أعرف بسياسة الحرب وأشدّ استعداداً لالاتها .)فأما المنهيّ مَن هو ؟ فهو كلّ مكلّف اختصّ بما ذكَرناه من الشروط، وغير المكلّف إذا هم بالإضرار لغيره يمنع منه ، ويمنَع الصبيان وينهون عن شُرب الخمر حتى لا يتعودوه، كما يؤاخذون بالصّلاة حتّى يمرنوا عليها وهذا ما ذكره أصحابُنا .فأما قولُه علیه السلام:«ومنهم المنكِر بلسانِه وقلبِه، والتارِكُ بيَدِه، فذلك متمسِّك بخَصلتين من خصال الخير، ومضيِّع خَصْلة»، فإنّه يَعني به من يَعجز عن الإنكار باليد المانع، لأنّه لم يُخرج هذا الكلام مخرج الذمّ، ولو كان لم يَعْنِ العاجز لوَجبَ أن يخرج الكلام مخرج الذمّ ، لأنه ليس بمعذور في أن يُنكِر بقلبه ولسانه إذا أخلّ بالإنكار باليد مع القدرة على ذلك، وارتفاع الموانع.وأمّا قوله : «ضيّع أشرف الخصلتين» فاللّام زائدة، وأصلُه« ضيع أشرَفَ خَصْلتين من الثلاث»، لأنه لا وجهَ لتعريف المعهود هاهنا في الخَضلتين، بل تعريف الثّلاث باللّام أولَى، ويجوز حذفُها من الثّلاث، ولكنّ إثباتَها أحسَن، كما تقول : قتلتُ أشرف رجلين من الرّجال الثلاثة وأما قوله «فذلك ميّت الأحياء»، فهو نهاية ما يكون من الذمّ.واعلم أنّ النهي عن المنكَر، والأمر بالمعروف عند أصحابنا أصل عظيم من أصول الدِّين : وإليه تَذهَب الخوارجُ الذين خرجوا على السِّلطان متمسّكين بالدين وشعار الإسلام، مجتهدين في العبادة، لأنّهم إنما خرجوا لما غلب على ظنونهم، أو عَلِموا جَوْر الولاة وظلمهم، وأن أحكام الشريعة قد غُيّرت، وحُكم بما لم يَحكُم به الله ، وعلى هذا الأصل تَبني الإسماعيليةُ من الشّيعة قَتْلَ ولاةِ الجَوْرِ غِيلَةٌ، وعليه بناء أصحاب الزُّهد في الدّنيا الإنكار على الأمراء والخُلَفاء، ومواجهتهم بالكلام الغليظ لمّا عجزوا عن الإنكار باليد، وبالجملة فهو أصل شريف أشرَفُ من جميع أبواب البر والعبادة، كما قال أمير المؤمنين علیه السلام.
1) سورة آل عمران الآية : 104 .
-381-الأصل: وروى أبو جُحَيْفَة قال : سَمِعْتُ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ : إِنَّ أَوَّلَ مَا تُغْلَبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الجِهَادِ الْجِهَادُ بِأَيْدِيكُمْ ، ثُمَّ بِأَلْسِتَتِكُمْ ، ثُمَّ بِقُلُوبِكُمْ، فَمَنْ لَمْ يَعْرف بِقَلْبِهِ مَعْرُوفاً وَلَمْ يُنْكِرْ مُنْكَراً ، قُلِبَ فَجُعِلَ أَعْلاهُ أَسْفَلَهُ، وَأَسْفَلَهُ أَعْلاه.الشرح: إنّما قال ذلك لأنّ الإنكار بالقَلْب آخِرُ المراتب وهو الّذي لا بدّ منه على كلّ حال، فأمّا الإنكار باللّسان وباليد فقد يكون منهما بُدِّ، وعنهما عُذْر، فمن تَرَك النهيّ عن المنكر بقلبه، والأمرَ بالمعروف بقلبه ، فقد سَخط الله عليه لعصيانه، فصار كالممسوخ الّذي يَجعَل الله تعالى أعلاه أسفَله، وأسفَله أعلاه تشويهاً لخلقته، ومن يقول بالأنفس الجسمانيّة، وإنّها بعد المفارقة يَصعَد بعضُها إلى العالم العُلويّ: وهي نفوس الأبرار وبعضها يَنزِل إلى المركز، وهي نفوس الأشرار، يتأوّل هذا الكلام على مذهبه، فيقول : إنّ مَنْ لا يعرف بقلبه معروفاً ، أي لايَعرِف من نفسه باعثاً عليه ولا متقاضياً بفعله، ولا يُنكِر بقلبه منكَراً، أي لا يأنَف منه ولا يستقبحه، ويمتعض من فعله يقلب نفسه التي قد كان سبيلُها أن تَصعد إلى عالَمها فتجعَل هاويةً في حضيض الأرض، وذلك عندهم هو العذاب والعقاب.- 382 -الأصل: إِنَّ الحَقِّ ثَقِيلٌ مَرِيءٌ ، وَإِنَّ البَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِيءٌ .الشرح: تقول : مُرَؤ الطّعام بالضّم ، يَمُرُو مَراءة فهو مَرِيءٌ على «فعيل» مثل خفيف وثقيل، وقد جاء مَرِئ الطّعام بالكَسر ، كما قالوا فقه الرجُل وفقه . وربى البلد بالكسر يَوْيَا وبَاءَة فهو وبيءٌ على «فعيل» أيضاً ، ويجوز فهو وَبِى على «فَعِل» مثل حَذِر وأَثِر .يقول علیه السلام: الحقّ وإن كان ثقيلاً إلّا أن عاقبته محمودة، ومَغَبّته صالحة، والباطلُ وإن كان خفيفاً إلّا أنّ عاقبته مذمومة، ومَغَبَته غير صالحة، فلا يحملنّ أحدَكم حلاوةُ عاجل الباطل على فعله، فلا خَير في لذّة قليلة عاجلة، يتعقّبها مضارٌ عظيمة آجلة، ولا يصرفنّ أحدَكم عن يُقله فإنّه سيحمَد عُقبَى ذلك، كما يحمد شاربُ الدّواء المُرّ شُربه فيما بعد إذا وَجَد لذّة العافية.
-383-الأصل: لا تَأْمَنَنَّ عَلَى خَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَذَابَ اللَّهِ، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلَّا القَوْمُ الْخَسِرُونَ(1وَلا تَيَأَسَنَّ لِشَرِّ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ رَوْحِ اللَّه تَعَالَى (إِنَّهُ لَا يَابْتَسُ مِن نفع الله إلَّا الْقَوْمُ الكَفِرُونَ )(2).)الشرح: هذا كلامٌ ينبغي أن يُحمّل على أنّه أراد علیه السلام النّهيَ عن القطع على مغيب أحدٍ من النّاس، وأنّه لا يجوز لأحد أن يقول : فلان قد نجا ووجبت له الجنّة، ولا فلان قد هَلَک ووجبت له النار، وهذا القول حقّ؛ لأنّ الأعمال الصالحة لا يُحكم لصاحبها بالجنّة إلا بسلامة العاقبة، وكذلك الأعمال السيئة لا يُحكَم لصاحبها بالنّار إلا إن مات عليها ، فأمّا الاحتجاج بالآية الأولى فلقائل أن يقول : إنّها لا تدلّ على ما أفتَى علیه السلام به، وذلك لأن معناها أنّه لا يجوز للعاصي أن يأمن مَكَرَ الله على نفسه، وهو مقيمٌ على عِضيانه، ألا تَرى أنّ أوّلها : (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أن يأتيهم بأسنَا بَيْنَنَا وَهُمْ نَايِمُونَ أَو أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحَى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ (3)، وليست دالّة عَلَى ما نحن فيه، لأن الذي الله نحن فيه : هل يجوز لأحدٍ أن يأمَن على الصّالحين من هذه الأمّة عذابَ الله.)فأمّا الآية الثانية فالاحتجاج بها جيّد لا شُبهة فيه، لأنه يجوز أن يتوب العاصي والتوبة من روح الله .فإن قلت : وكذاك يجوز أن يَكفُر المسلم المطيع . قلت : صدقتَ، ولكنّ كفرَه ليس من مكرِ الله ، فدلّ على أن المراد بالآية أنه لا ينبغي للعاصي أن يأمَن من عقوبة الله ما دام عاصياً، وهذا غير مسألتنا .****-384-الأصل: البُخْلُ جَامِعٌ لِمَسَاوِي العُيُوبِ، وَهُوَ زِمَامٌ يُقَادُ بِهِ إِلَى كُلِّ سُوءٍ .
الشرح: قد تقدّم القول في البخل والشح. ونحن نذكر هاهنا زيادات أخرى.### بعض ما ورد في الجود والبخلقال بعض الحكماء : السَّخاء هيئة للإنسان، داعية إلى بذل المقتنيات، حصل معه البذل لها أو لم يَحصُل، وذلك خُلقٌ، ويقابله الشّحّ، وأمّا الجود، فهو بذل المُقتنى، ويقابله البُخْل، هذا هو الأصل، وإن كان كلّ واحد منها قد يُستعمل في موضع الآخر، والَّذي يدلّ على صحّة هذا الفَرْق أنهم جعلوا اسم الفاعل من السخاء والشخ على بناء الأفعال الغريزية، فقالوا : شحيح وسخيّ، فبنوه على «فعيل» كما قالوا حليم وسفيه وعَفِيف، وقالوا : جائد وباخل، فبَنوها على «فاعل» كضارِب ،وقاتِل فأما قولُهم : بخيل، فمصروف عن لفظ «فاعل» للمبالغة، كقولهم في راحم رَحيم، ويدلّ أيضاً على أنّ السّخاء غريزة وخُلُق أنّهم لم يَصِفوا البارئ سبحانه به فيقولوا سَخِيّ، فأمّا الشَّح فقد عظّم أمره وخوف منه ، ولهذا قال علیه السلام : «ثلاثٌ» مُهلكات :شحّ مُطاع، وهَوّى متَّبع، وإعجاب المرء بنفسه»(1، فخصّ المطاع تنبيهاً على أن وجود الشّحّ في النفس فقط ليس ممّا يستحق به ذمّ لأنه ليس من فعله، وإنّما يُذَم بالانقياد له، قال سبحانه: (ومن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ) (2)، وقال : (وَاحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّع ) (3).)وقال علیه السلام : «لا يجتمع شخ وإيمان في قلب أبداً (4)فأمّا الجود فإنّه محمود على جميع ألسنة العالم، ولهذا قيل : كفى بالجود مدحاً أنّ اسمه مطلقاً لا يقع إلّا في حَمْد ، وكَفَى بالبخل ذَمَّا أن اسمه مطلقاً لا يقع إلا في ذم.وقيل الحكيم : أيّ أفعال البَشَر أشبه بأفعال الباري سبحانه؟ فقال: الجود.وقال النّبي صلی الله علیه وآله وسلم : «الجُود شجرةً من أشجار الجنّة، مَن أخَذَ بغُصْن مِن أغصانها أداء إلى الجنة، والبخلُ شجرةٌ من أشجار النّار من أخذ بغضن من أغصانها أذاه إلى النّار»(5.)ومن شَرَف الجود أن الله سبحانه قرن ذكره بالإيمان، ووصف أهله بالفلاح، والفَلاح اسم جامع السعادة الدارين .
1) أخرجه الشهاب في مسنده) (326)، والديلمي في مسند الفردوس (2475).
2) سورة التغابن الآية : 16 .
3) سورة النساء، الآية: 128 .
4) أخرجه الحاكم في «المستدرك »(2395) ، والنسائي في «سننه» (3114)، وأحمد في «مسنده» (2395)، (7474) ، والبيهقي في شعب الإيمان (10828).
5) أخرجه السيوطي في جامعه رقم : 4803 وأخرجه السيوطي في الدر المنثور : 197/6 .
قال سبحانه: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ إلى قوله :( وَأَوَلَيْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (1). وقال: ﴿وَمَن يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ فَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (2).)وحقّ للجود بأن يُقَرَن بالإيمان، فلا شيء أخصّ به وأشدّ مجانسة له منه، فإن من صفة المؤمن انشراح الصّدر، كما قال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يضلم يجعل صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَبًا كَأَنَّمَا يَضَعُدُ فِي السَّمَلو (3)، وهذا من صفات الجَواد والبخيل، لأنّ الجواد واسعُ الصدر، منشرح مستبشر للإنفاق والبذل، والبخيل قَنُوط ضيّق الصدر، خرج القَلْب مُمسِك .)وقال النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم : (وأيّ داء ادوا من البُخْل (4).)والبُخْل على ثلاثة أضرُب : بخلُ الإنسان بماله على نفسه، وبخلُه بماله على غيره، وبخلُه بمال غيره على نفسه أو على غيره، وأفحشها بخله بمال غيره على نفسه، وأهونها - وإن كان لا هيّنَ فيها - بُخلُه بماله على غيره.وقال علیه السلام: «اللهم اجعل لمنفق خَلَفاً، ولممسك تلفاً» (5.)وقال : «إنّ الله عزّ وجلّ يُنزِل المعونة على قدر المؤونة»(6.)وقال أيضاً: «مَن وسع وُسع عليه »وقالت الفلاسفةُ: الجود على أقسام : فمنها الجودُ الأعظم، وهو الجود الإلهيّ، وهو الفَيض العامّ المطلَق، وإنما يختلف لاختلاف الموادّ واستعداداتها، وإلّا فالفيض في نفسه عام غيرُ خاص، وبعده جُودُ الملوك، وهو الجود بجزء من المال على من تدعوهم الدواعي والأغراض إلى الجود عليه، ويتلوه جودُ السوقة، وهو بَذل المال للعُفاة أو النّدامى والشَّرب والمعاشرين والإحسان إلى الأقارب(7.)
1) سورة البقرة الآيات : 3 - 5 .
2) سورة الحشر الآية 9 .
3) سورة الأنعام، الآية : 125 .
4) أخرج البخاري كتاب فرض الخمس، باب من الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين ،(3137)، وأحمد في «مسنده» (13889).
5) أخرجه البخاري كتاب الزكاة، باب قوله تعالى : (فاما من أعطى والقي) (1442)، ومسلم، كتاب: الزكاة، باب في المنفق والممسك (1010) .
6) ذكره في «فيض القدير »(318/2) ، والمتقي الهندي في «كنز العمال» (15992)، ونسبه لابن لال.
7) ذكره في «فيض القدير» (54/4) .
قالوا : واسم الجودِ مجاز، إلّا الجود الإلهي العامّ، فإنه عار عن الغرَض والدّاعي. وأما من يُعطِي لغرض وداع نحو أن يحبّ الثناء والمحمدة، فإنه مستعيض وتاجر يُعطي شيئاً ليأخذ شيئاً ، قالوا قول أبي نُواس :فتًى يشتري حُسن الثناء بماله*** ويعلمُ أنّ الدائرات تدورُليس بغاية في الوَصْف بالجود التام، بل هو وصف بتجارة محمودة، وأحسن منه قول ابن الرّومي :وتاجر البرَّ لا يزالُ له ريحان في كل متجر تجرَةأجرٌ وحمدٌ وإنما طلب الأجر ولكن كلاهُما اعتورَةوأحسن منهما قولُ بشّار :ليس يُعطيك للرجاء ولا الخو ***ف ولكن يَلذٌ طعم العَطاءِونحن قد ذكرنا ما في هذا الموضع من البحث العقلي في كُتُبنا العقليّة.- 385 -الأصل: يا بُنَ آدَمَ الرِّزْقُ رِزْقان : رِزْقٌ تَطْلُبُهُ، ورِزْقٌ يَطلُبُكَ، فَإِنْ لَمْ تَأْتِهِ أنَاكَ، فَلا تَحْمِل همَّ سَنَتِكَ عَلَى هَم يَوْمِكَ كَفَاكَ كُل يوم ما فيه، فإنْ تَكُنِ السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فإنَّ الله تعالى سَيُوتِيكَ فِي كُلِّ غَدٍ جَدِيدٍ ما قيمَ لَكَ، وإنْ لَمْ تَكُنِ السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَمَا تَصْنَعُ بِالهَمِّ فيما لَيْسَ لَكَ ، ولَمْ يَسْبقَكَ إلى رِزْقِكَ طالبٌ ، ولنْ يَغْلِبَكَ عَلَيْهِ غَالِبٌ ، ولن يُبْطِئ عنكَ ما قَدْ قُدِّرَ لَكَ . قالَ: وقد مضى هَذا الكلام فيما تقدَّمَ مِنْ هذَا الباب، إلَّا أنه هاهنا أوضحُ واشرحُ،فلذلكَ كرَّرْناه على القاعدَةِ المُقرَّرَةِ في أَوَّلِ هذا الكتاب.الشرح : قد تقدّم القول في معاني هذا الفصل، ورُوي أنّ جماعةً دخلوا على الجُنيد، فاستأذنوه في طلب الرزق، فقال : إن علمتم في أي موضع هو فاطلبوه، قالوا : فنسأل الله تعالى ذلك، قال : إن علمتم أنه ينساكم فذكروه، قالوا : فندخل البيت ونتوكل وننتظر ما يكون، فقال: التوكل على التجربة شَكٍّ ، قالوا : فما الحيلة؟ قال : ترك الحيلة.ورُوي أن رجلاً لازم باب عمر فضَجر منه ، فقال له : يا هذا هاجرت إلى الله تعالى أم إلى باب عمر! اذهب فتعلم القرآن فإنه سيغنيك عن باب ،عمر فذهب الرجل وغاب مدّة حتى
افتقده عمرُ ، فإذا هو معتزل مشتغل بالعبادة، فأتاه عمرُ فقال له : إني اشتقّت إليك، فما الذي شَغلك عنّا ! قال : إني قرأتُ القرآن فأغناني عن عمر وآل عمر، فقال: رحمك الله ! فما وجدت فيه؟ قال : وجدتُ فيه : ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقَكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (1)، فقلت : رِزْقي في السماء، وأنا أطلبه في الأرض، إني لبئس الرّجل، فبكى عمر وقال: صدقت، وكان بعد ذلك ينتابه ويجلس إليه .)-386 -الأصل: رُبِّ مُسْتَقْبِل يَوْماً لَيْسَ بِمُسْتَدْبِرِهِ، ومَغْبُوط في أَوَّلِ لَيْلَةٍ قَامَتْ بَوَاكِيهِ فِي آخِرِه .الشرح: مثلُ هذا قولُ الشاعر :يا راقد الليل مسروراً بأوَّله*** إنّ الحوادث قد يطرقن أسحاراومثله :لا يَغُرنك عشاءٌ ساكنٌ*** قديوافي بالمَنِيّات السَّحَرُ- 387 -الأصل: الكلامُ في وَثَاقِكَ ما لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ، فإذا تكلمت به صِرْتَ فِي وَثَاقِهِ، فَاخْزُنْ لِسَانَكَ كما تَخْرُنُ ذَهَبَكَ وَوَرِقِكَ، فَرُبِّ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةٌ .الشرح: قد تقدم القولُ في مدح الصمت وذمّ الكلام الكثير .وكان يقال : لا خير في الحياة إلا لصَمُوت واعٍ، أو ناطق مُحسن .وقيل لحذيفة: قد أطلتَ سجن لسانك! فقال : لأنه غيرُ مأمون إذا أطلق . ومن أمثال العرب : رُبِّ كلمةٍ تقول : دَعْني .وقالوا : أصلها أنّ بعض ملوك الحيرة كان قد استراب ببعض خَوَله، فنزل يوماً وهو يتصيّد على تلعة، ونزل أصحابه حوله فأفاضوا في حديث كثير، فقال ذلك الإنسان : أثرى لو أنَّ رجلاً
1) سورة الذاريات، الآية: 22.
ذبجَ على رأس هذه التَّلعة هل كان يسيل دمه إلى أوّل الغائط؟ فقال المَلِك : هَلموا فاذْبحوه لتنظر فذَبحوه، فقال الملك : ربَّ كلمةٍ تقولُ : دَعْني .وقال أكثمُ بن صَيفيّ : من إكرام الرَّجل نفسه ألا يتكلّم بكلّ ما يعلم .وتذاكر قومٌ من العرب وفيهم رجلٌ باهِليٌّ ساكت فقيل :له بحَقِّ ما سُمِّيتم خُرْسَ العَرَب، فقال : أما علمتم أنّ لسان المرء لغيره، وسمعه لنفسه !- 388 -الأصل: لا تَقُلْ مَا لا تَعْلَمُ ، بَلْ لا تَقُلْ كُلَّ مَا تَعْلَمُ، فَإِنَّ الله سُبْحَانَهُ قَدْ فَرَضَ عَلَى جَوَارِحِك كُلِّها فَرَائِضَ يَحْتَجُ بِهَا عَلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .الشرح: هذَا نَهيٌ عن الكذب، وأن تقول ما لا تأمن من كونه كَذِباً ، فإن الأمرين كليهما قبيحان عَقلاً عند أصحابنا .فإن قلت كيف يقول أصحابكم: إنّ الخبر الذي لا يأمن كونه كذباً قبيح، والناس يَسْتَحْسِنون الأخبارَ عن المظنون.قلت : إذا قال الإنسان : زيدٌ في الدار وهو يظنّه في الدار ولا يَقطع عليه، فإنّ الحسَن منه أن یُخبرٌ عن ظنّه كان يقول : أخبِرُ عن أنّي أظنّ أنّ زيداً في الدار ، وإذا كان هذا هو تقديره فالخبر إذن خبرٌ عن معلوم لا عن مظنون لأنّه قاطع على أنه ظانّ أن زيداً في الدار.فأما إذا فرض الخبر لا على هذا الوجه بل على القَطع بأن زيداً في الدارَ وهو لا يقطع على أنّ زيداً في الدّار ، فقد أخبر بخبر ليسَ على ما أخبر به عنه لأنه أخبر عن أنّه قاطع وليس بقاطع، فكان قبيحاً .****- 389 -الأصل: احْذَرْ أَنْ يَرَاكَ الله عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ، ويَفْقِدَكَ عِنْدَ طَاعَتِهِ ، فَتَكُونَ مِنَ الخَاسِرِينَ، وَإِذَا قويتَ فَاثْوَ عَلَى طَاعَةِ الله ، وَإِذَا ضَعُفْتَ فَاضْعُف عَنْ مَعْصِيَةِ الله .
الشرح: مَن علم يقيناً أنّ الله تعالى يراه عند معصيته، كان أجْدَرَ الناس أن يجتنبها ، كما إذا علمنا يقيناً أن الملك يرى الواحد منّا وهو يراود جاريته عن نفسه، أو يحادث ولده ليفجُر به، ولكنّ اليقين في البَشَر ضعيفٌ جدًّا ، أو أنهم أحمقُ الحيوان واجهَلُه ، وبحقّ أقول : إنّهم إن اعتقدوا ذلك اعتقاداً لا يخالطه الشكّ، ثم واقعوا المعصية، وعندهم عقيدة أخرى ثابتة أنّ العقاب لاحق بمن عصى فإن الإبل والبقر أقرُب إلى الرَّشاد منهم .وأقول : إنّ الذي جرّأ الناسَ على المعصية الطمعُ في المغفرة والعفو العامّ. وقولهم : الان الحلم والكرم والصفح من أخلاق ذوي النَّباهة والفَضْل من الناس، فكيف لا يكون من الباري سبحانه عفو عن الذّنوب!وما أحسَن قولَ شيخنا أبي عليّ رحمه الله : لولا القولُ بالإرجاء، لما عُصيَ الله في الأرض.- 390 -الأصل: الرُّكُونُ إلَى الدُّنْيَا مَعَ ما تُعَايِنُ مِنْهَا جَهْلُ، وَالتَّقْصِيرُ فِي حُسْنِ العَمَلِ إِذَا وَثِقْتَ بِالثّوَابِ عَلَيْهِ غَيْنٌ، وَالعُلَمَانِينَةُ إِلَى كُلِّ أحَدٍ قَبْلَ الاختبار لَهُ عَجْز.الشرح: قد تقدّم الكلام في الدّنيا وحُمْق من يركن إليها مع معاينة غدرها، وقلّة وفائها ونقضها عهودَها، وقتلها عُشاقها .ولا ريب أن الغَبْن وأعظمُ الغبن هو التقصير في الطاعة مع يقين الثواب عليها، وأمّا الطمأنينة إلى مَنْ لم يعرف ولم يختبر فإنها عجز - كما قال علیه السلام - يعني عجزاً في العقل والرأي، فإن الوثوق مع التجربة فيه ما فيه، فكيف قبل التجربة !وقال الشاعر :وكنتُ أرى أن التجارب عُدَّة*** فخانت ثقاتُ الناس حين التجارب****- 391 -الأصل: مِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى الله أنَّهُ لا يُعْصَى إِلَّا فِيهَا، وَلَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِتَرْكِهَا .
الشرح: هذا الكلام نسبَه الغَزالي في كتاب «إحياء علوم الدين» إلى أبي الدَّرداءِ، والصحيح أنه من كلام علىَّ علیه السلام، ذكَرَه شيخُنا أبو عثمان الجاحظ في غير موضع من کتبه ، أعرَف بكلام الرجال.### بعض ما قيل في حال الدنياوقد تقدّم من كلامنا في حال الدنيا وهوانها على الله واغترار الناس بها وغدْرِها بهم، وذَمّ العقلاء لها، وتحذيرهم منها ما فيه كفاية .ونحن نذكرها هنا زيادةً على ذلك. يقال: إنّ في بعض كتب الله القديمة : الدّنيا غنيمة الأكياس، وغفلة الجُهّال، لم يعرفوها حتى خرجوا منها فسألوا الرَّجعة فلم يرجعوا .وقال بعض العارفين: مَن سأل الله تعالى الدّنيا فإنما سأله طول الوقوف بين يديه .وقال الحسن : لا تَخرُج نفسُ ابنِ آدم من الدنيا إلّا بحَسَرات ثلاث : أنه لم يَشبَع ممّا جَمَع ، ولم يُدرِك ما أمل، ولم يُحسِن الزاد لِما يُقدِم عليه .ومن كلامه: أهِينوا الدّنيا، فوالله ما هي لأحدٍ بأهنا منها لمن أهانها .وقال محمد بن المنكدر : أرأيتَ لو أنّ رجلاً صام الدهرَ لا يُفطر، وقام الليل لا يَفتُر وتصدق بماله وجاهد في سبيل الله ، واجتنب محارم الله تعالى، غير أنه يؤتى به يوم القيامة فيقال: إن هذا مع ما قد عمل كان يعظم في عينه ما صغّر الله، ويصغُر في عينه، ما عظّم الله ، كيف ترى يكون حاله ! فمن منا ليس هكذا الدّنيا عظيمة عنده مع ما اقتَرَفْنا من الذنوبوالخطايا .وقد ضرَبَت الحكماء مَثَلاً للدّنيا نحن نذكره ،هاهنا قالوا : مَثَل الدّنيا وأهلها كقوم رَكبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة، فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة وحذرهم المُقام، وخوفهم مرورَ السَّفينة، واستعجالها، فتفرقوا في نواحي الجزيرة، فقضى بعضُهم حاجته وبادر إلى السفينة، فصادف المكان خالياً، فأخذ أوسعَ المواضعِ واليَنَها وأوفقها لمراده. وبعضهم توقف في الجزيرة ينظر إلى أزهارها وأنوارها العجيبة، وغياضها الملتفة، ونغمات طيورها الطيبة، وألحانها الموزونة الغريبة، ولحظ في تزيينها أحجارها وجواهرها ومعادنها المختلفة الألوان ذواتِ الأشكال الحَسَنة المنظر العجيبة النقش السالبة أعين الناظرين بِحُسن زبرجها ، وعجائب صُوَرِها ، ثم تنبه لخطر قوات السفينة، فرجع إليها فلم يصادف إلا مكاناً ضيقاً حَرَجاً ، فاستقر فيه. وبعضهم أكب فيها على تلك الأصداف والأحجار، وقد أعجبه حُسنُها ، ولم تسمح نفسه بإهمالها ،وتركها فأستصحب منها جملةً، فجاء إلى السفينة فلم يجد إلا مكاناً ضيّقاً، وزاده ما حمله ضيقاً، وصار ثقلاً عليه ووبالاً ، فندم على أخذه، ولم تُطِعه نفسه على رميه، ولم
يجد موضعاً له، فحَمَله على عنقه ورأسِه، وجلس في المكان الضيّق في السفينة، وهو متأسَف على أخذِه ونادِم، وليس ينفعه ذلك. وبعضُهم تولّج بتلك الأنوار والغِياض، ونسيَ السّفينة وأبعَد في متفرّجه ومتنزهه، حتَّى إنّ نداء الملّاح لم يَبلُغه لاشتغاله بأكل تلك الثَّمار، واشتمامه تلك الأنوار، والتفرّج بين تلك الأشجار، وهو مع ذلك خائفٌ على نفسه من السّیباع، والسَّقَطات والنَّكَبات، ونَهْش الحيّات، وليس ينفكّ عن شَوْكِ يتشبث بثيابه، وغصن يَجرح جسمَه ، ومَرُوةٍ تُدمِي رِجلَه، وصوت هائل يَفزَع منه ، وعَوْسَج يملأ طريقه، ويمنعه عن الانصراف لو أراده وكان في جماعة ممّن كان معه في السّفينة حالهم حالُه، فلمّا بلغهم نداءً السّفينة راحَ بعضُهم مثقلاً بما معه فلم يجد في السفينة موضعاً واسعاً ولا ضيقاً، فبقي على الشّط حتّى مات جوعاً. وبعضهم بَلَغه النداء، فلم يُعرّج عليه، واستغرقُته اللّذّة، وسارت السفينة، فمنهم من افترسَتْه السِّباع ومنهم من تاه وهامَ على وجهه حتى هلك، ومنهم من ارتطم في الأوحال، ومنهم من نهشته الحيَّات، فتفرقوا هَلْكَى كالجيف المنتنة. فأما من وصل إلى السفينة مُثقَلاً بما أخَذَه من الأزهار والفاكهة اللذيذة والأحجار المعجبة، فإنها استرقّته وشَغَله الحُزن بحفظها والخوفِ من ذَهابها عن جميع أموره، وضاق عليه بطريقها مكانُه، فلم تَلبث أن ذبلت تلك الأزهار ، وفَسَدت تلك الفاكهة الغَضّة، وكَمَدتْ ألوان الأحجار وحالت فظهر له نَتْنُ رائحتها ، فصارت مع كونها مضيقة عليه مؤذيَةٌ له بنتنها ووَحْشَتها ، فلم يجد حيلةً إلّا أن ألقاها في البحر هَرَباً منها وقد أثر في مزاجه ما أكله منها ، فلم ينته إلى بلده إلا بعد أن ظهرت عليه الأسقام بما أكل وما شمّ من تلك الروائح، فبلغ سقيماً وقيداً مدبراً، وأما من كان رجع عن قريب وما فاته إلّا سَعَة المَحَلّ، فإنه تأذى بضيق المكان مدة، ولكن لما وصل إلى الوطن ،استراح، وأما من رجع أوّلاً فإنه وجد المكان الأوسع، ووصل إلى الوطن سالماً طيب القلب مسروراً .فهذا مثال أهل الدنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة، ونسيانهم مورِدَهم ومصدرهم وغفلتهم عن عاقبة أمرهم، وما أقبح حال من يزعم أنه بصير عاقل وتغرّه حجارة الأرض، وهي الذهب والفضة، وهشيم النبت وهو زينة الدنيا، وهو يعلم يقيناً أن شيئاً من ذلك لا يصحبه عند الموت، بل يصير كُلُّه وبالاً عليه، وهو في الحال الحاضرة شاغلٌ له بالخوف عليه، والحزن والهم لحفظه، وهذه حال الخَلْق كلّهم إلّا من عَصَمه الله .وقد ضُرِب أيضاً لها مِثال آخر في عبور الإنسان عليها ، قالوا : الأحوال ثلاثة : حالٌ لم يكن الإنسان فيها شيئاً، وهي ما قبل وجوده إلى الأزل، وحال لا يكون فيها موجوداً مشاهداً للدنيا ، وهي بعد موته إلى الأبد، وحالة متوسّطةٌ بين الأزَل والأبدَ، وهي أيّام حياته في الدنيا ، فلينظر العاقل إلى الطَّرَفين الطويلين، ولينظر إلى الحالة المتوسطة، هل يجد لها نسبةً إليها ، وإذا رأى
العاقل الدّنيا بهذه العين لم يَركَن إليها، ولم يُبالِ كيف تقضّت أيّامُه فيها، في ضُرّ وضيق، أو في سَعةٍ ورفاهة، بل لا يبني لَبِنةً على لبنة، توفّي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وما وضَعَ لَيِنة على لَبِنة، ولا قَصبة على قَصبة. ورأى بعضَ الصّحابة بَنَى بيتاً من حصّ فقال : أرى الأمرَ أعجَل من وأنكر ذلك، ولهذا قال النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم : »»ما لي ولِلدنيا، إنما مثلي ومَثلُها كراكب سار في يوم صائف، فرفعت له شجرةً فقام تحت ظلِّها ساعةً ثمّ راح وترَكَها»(1.)وإلى هذا أشار عيسى ابنُ مريم حيث قال : الدنيا قنطرة، فاعبرُوها ولا تَعمرُوها ، وهو مثلٌ فإنّ الحياة الدنيا قنطرةٌ إلى الآخرة ، والمَهْد هو أحد جانِبَي القنطَرة، واللّحد الجانب الآخر، وبينهما مسافة محدودة، فمن الناس من قطع نصفَ القنطَرة، ومنهم من قطع ثُلثَيها ، ومنهم من لم يبق له إلّا خُطوةً واحدة وهو غافل عنها، وكَيفَما كان فلا بدّ من العبور والانتهاء، ولا ريب أنّ عمارة هذه القنطرة وتزيينها بأصناف الزينة لمن هو محمول قسراً وقَهْراً على عبورها يسوقه سائقٌ عنيف غاية الجهل والخذلانوفي الحديث المرفوع : «إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مَرّ على شاةٍ مَيّتة، فقال: أترون أن هذه الشاة هينّةٌ على أهلها؟ قالوا: نعم، ومن هوانها القَوْها ، فقال : والذي نفسي بيده للدّنيا أهوَن على من هذه الشّاة على أهلِها ، ولو كانت الدّنيا تعدل عند الله جَناحَ بعوضة لما سَقَى كافراً منها شربةَ ماء» (2)وقال علیه السلام : «الدّنيا سِجنُ المؤمن وجنّة الكافر»(3.)وقال أيضاً: «الدّنيا ملعونة ملعونٌ ما فيها ، إلا ما كان الله منها» (4.)وقال أيضاً : مَنْ أحب دنياه أضرّ بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يَبقَى على ما يفنى»(5.)
1) أخرجه أحمد في مسنده» (2739)، والطيالسي في مسنده (277)، وأبو يعلى في «مسنده» (5229) .
2) أخرجه ابن ماجه ،کتاب الزهد»، باب مثل الدنيا (4110) ، وأحمد في مسنده» (8259)،والدارمي كتاب الرقاق، باب : في هوان الدنيا على الله (2737).
3) أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب : (2956)، والترمذي كتاب الزهد، باب ما جاء أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر (2324) ، وابن ماجه كتاب الزهد، باب مثل الدنيا (4113)، وأحمد في مسنده» (6816).
4) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب منه (2322) وابن ماجه :کتاب الزهد، باب مثل الدنيا (4112).
5) أخرجه أحمد في «مسنده» (19198).
وقال أيضاً: «حُبُّ الدنيا رأسُ كل خطيئة»(1.)وروى زيدُ بنُ أرقَم قال: كنّا مع أبي بكر، فدعا بشراب، فأتي بماءٍ وعَسَل، فلما أدناه مِنْ فيه بكى حتى أبكى أصحابه، فسكتوا وما سكَت، ثم عاد لِيَشرَب، فبَكَى حتى ظنُّوا أنّهم لا يَقدرون على مسألته، ثمّ مسح عينيه فقالوا :يا خليفةَ رسول الله، ما أبكاك؟ قال : كنتُ مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرأيتُه يدفَع بيَدِه عن نفسه شيئاً، ولم أر معه أحداً، فقلت: يا رسول الله، ما الذي تدفع عن نفسك؟ قال : «هذه الدّنيا مُثلت لي» فقلتُ لها : إليك عني، فرجعت وقالت : إنّك إن أفلتّ منّي لم يفلت مني مَن بَعدَك. وقال صلی الله علیه وآله وسلم : «يا عَجَباً كلّ العَجَب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور !»(2.)ومن الكلام المأثور عن عيسى علیه السلام : لا تتّخذوا الدّنيا ربَّا فتتخذكم الدّنيا عَبيداً، فاكنزوا كَنْزَكم عند من لا يضيِّعه، فإن صاحب كَنز الدنيا يَخافُ عليه الآفة، وصاحب كنز الآخرة لايخاف عليه.- 392 -الأصل: مَنْ أبطأ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ .وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى : مَنْ فاتَهُ حَسَبُ نَفْسِهِ، لَمْ يَنْفَعُهُ حَسَبُ آبَائِهِ.الشرح: قد تقدّم مِثلُ هذا، وقد ذكرنا ما عندنا فيه، وقال الشاعر:لئن فخرت بآباءٍ ذَوِي حَسَبٍ ***لقد صدقت ولكن بئس ما وَلَدُواوكان يقال : أجهَل الناس من افتخر بالعظام البالية، وتبجّح بالقرون الماضية، واتكل على الأيام الخالية.وكان يقال : من طريف الأمور حَيٍّ يتكل على ميّت. وكان يقال : ضَعَة الدنيء في نفسه والرفيع في أصله أقبح من ضعة الوضيع في نفسِه وأضله، لأن هذا تشبه بآبائه وسَلفه، وذاك
قصَّر عن أصله وسلَفه، فهو إلى الملامة أقرَب، وعن العذر أبعد. .افتخر شریفٌ بأبيه، فقال خَصمه : لو وُفِّقت، لما ذكرت أباك، لأنه حجَّةٌ عليك تُنادي بنقصك، وتقرّ بتخلّفك .كان جعفر بن يحيى يقول : ليس من الكرام من افتَخَر بالعظام.وقال الفضل بن الرّبيع : كفى بالمرء عاراً أن يفتخر بغيره .وقال الرشيد من افتَخَر بآبائه فقد نادَى على نَفْسه بالعَجْز، وأقرّ على همّته بالدّناءة.وقال ابن الرّوميّ :وما الحسبُ الموروثُ لا دَرَّ دَرُّه*** بمحتَسب إلا بآخَرَ مُكْتَسَبْإذا العُود لم يُثمر وإن كان شعبةً من الثمرات اعتده الناسُ في الحَطَبْوقال عبد الله بن جعفر :لَنا - وإن أحسابُنا كرمت - يوماً على الآباء نَتّكِلُنَبني كما كانت أوائلنا*** تبني، ونفعلُ مِثل ما فعلواوقال آخر :وما فخري بمَجدٍ قام غيري إليه إذا رقدتُ الليل عنهُإلى حَسَب الفتى في نفسه انظُرْ ولا تنظُرْ هُديتَ إلى ابن مَن هُووقال آخر :إذا فخرتُ بآبائي وأجدادي فقد حكمت على نفسي لأضداديهل نافعي إن سَعَى جَدِّي لمكرمةٍ ونمت عن أختها في جانب الواديوقال آخر :أيُقْنِعُنِي كوني بِمَنْ كوني ابنه أباً ليَ أن أرضى لفخري بمجدهإذا المرء لم يحو العلاء بنفسه فليس بحاوللعلاء بجدهوهل يَقطع السَّيف الحسام بأصلِه ***إذا هو لم يقطع بصارم حدو!وقيل لرجل يُدِلّ بشرف آبائه لعمري لك أوّل، ولكن ليس لأوّلك آخر .ومثلُه أنّ شريفاً بآبائه فاخر شريفاً بنَفسه، فقال الشريف بنفسه : انتهى إليك شَرَفُ أهلك، ومنّي ابتدأ شرَفُ أهلي وشتان بين الابتداء والانتهاء !وقيل لشريف ناقص الأدب : إنّ شرفك بأبيك لغيرك، وشرفك بنفسك لك، فافرُق بين لَكَ وما لغيرك، ولا تفرح بشرف النسب، فإنه دون شرف الأدب.
- 393 -الأصل: مَنْ طَلَبَ شَيْئًا ناله أوْ بَعْضَهُ.الشرح: هذا مِثلُ قولهم : مَنْ طَلبَ وَجَد وجد.وقال بعضُ الحكماء : ما لازم أحدٌ بابَ المَلِك فاحتَمَل الذّلّ وكَظَم الغيظ ورَفَق بالبواب وخالط الحاشية إلا وصل إلى حاجته من المَلِك.- 394 -الأصل: مَا خَيْرٌ بِخَيْرِ بَعْدَهُ النَّارُ ، وَمَا شَرِّ بِشَر بَعْدَهُ الجَنَّةُ، وَكُلُّ نَعِيمٍ دُونَ الجَنَّةِ مَحْقُورٌ، وَكُلُّ بَلاءِ دُونَ النَّارِ عافية.الشرح: موضع «بعده النار» رَفْعُ لأنّه صفة «خير» الذي بعد «ما»، وخير يرفع لأنه اسمُ ما ، و موضع الجار والمجرور نضب لأنه خبر ما ، والباء زائدةٌ، مثلها في قولك: ما أنت ما، بزيد كما تزاد في خبرٌ ليس، والتقدير ما خيرٌ تتعقبه النار بخير، كما تقول : ما لذّة تتلوها نغصة بلَذّة، ولا ينقدح في ما : الوجهان اللّذان ذكرهما أربابُ الصّناعة النحوية في «لا» في قولهم : لا خير بخير بعده النار، أحدهما ما ذكرناه في ما، والآخر أن يكون موضع «بعده النار» جرَّا لأنه صفة خير المجرور ، ويكون معنى الباء معنى في كقولك : زيدٌ بالدار وفي الدار ، ويصير تقديرُ الكلام: لا خير في خير تعقُبه النار، وذلك أن ما تَستدعي خَبَراً موجوداً في الكلام، بخلاف لا ، فإن خبرها محذوف في مثل قولك : لا إله إلا الله، ونحوه، أي في الوجود أو لنا أو ما أشبه ذلك، وإذا جعلت بعده صفة خير المجرور لم يبق معك ما تَجعَله خبر ما .وأيضاً فإنَّ معنى الكلام يَفسد في ما بخلاف لا ؛ لأنّ لا لنفي الجنس، فكأنه نَفَى جنسَ الخير عن خير تتعقّبه النار، وهذا معنى صحيح، وكلامٌ منتظم، وما هاهنا إن كانت نافيةً احتاجت إلى خبر ينتظم به الكلام، وإن كانت استفهاماً فَسَد المعنى؛ لأنّ «ما» لفظ يُطلب به معنی الاسم، كقوله : ما العنقاء، أو يُطلب به حقيقةُ الذات، كقولك : ما الملك؟ ولست تطيق
أن تدّعي أنّ ما للاستفهام هاهنا عن أحد القسمين مَدخلاً لأنّك تكون كأنك قد قلت : أي شيء هو خيرٌ في خير تتعقبه النار؟ وهذا كلامٌ لا معنى له .- 395 -الأصل: الا وَإِنَّ مِنَ البَلاءِ الفَاقَةَ، وَأَشَدُّ مِنَ الفَاقَةِ مَرَضُ الْبَدَنِ، وَأَشَدُّ مِنْ مَرَضِ الْبَدَنِ مَرَضٌ من الْقَلْبِ، أَلا وَإِنْ مِنَ النّعَم سَعَةَ المَالِ، وَأَفْضَلُ مِنْ سَعَةِ المَالِ صِحْةُ البَدَنِ، وَأَفْضَلُ مِنْ صِحَّةِ البَدَن تَقْوَى القَلْبِ.الشرح : قد تقدّم الكلام في الفاقة والغنى، فأما المرض والعافية ففي الحديث المرفوع : «إليك انتهت الأمانيّ يا صاحبَ العافية»(1. فأما مرض القلب وصحته فالمراد به التقوى وضدّها، وقد سبق القول في ذلك.)وقال أحمد بن يوسف الكاتب :المالُ للمرء في معيشته*** خيرٌ من الوالدين والولدوإن تَدُم نعمةٌ عليك تَجد*** خيراً من المال صحّة الجسدوما بمن نَال فضلَ عافية ***وقوتَ يوم فقر إلى أحد- 396 -الأصل: لِلْمُؤْمِنِ ثَلاثُ سَاعَاتِ : فَسَاعَةٌ يُنَاجِي فِيها رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يَرُمُّ فِيهَا مَعَايِشَهُ، وَسَاعَةٌ يُخَلِّي فِيهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّتِهَا فِيمَا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ، وَلَيْسَ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ شَاخِصاً إلَّا فِي ثَلاثٍ: مَرَمَّةٍ لِمَعَاشِ، أَوْ خُطْوَةٍ فِي مَعَادٍ، أَوْ لَلَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّم.الشرح: تقدير الكلام ينبغي أن يكون زمان العاقل مقسوماً ثلاثة أقسام.
1) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (6694) ، والشهاب في «مسنده» (1495) ، والبيهقي في شعب الإيمان (10145).
ويرُمّ معاشَه: يُصلِحه. وشاخصاً :راحلاً .وخطوة في معاد، يعني في عَمَل المَعاد، وهو العبادة والطّاعة.وكان شيخنا أبو عليّ رحمه الله يَقسِم زمانَه على ما أصف لك: كان يُصلّي الصبحَ والكواكبُ طالعة، ويَجلس في محرابه للذِّكر والتّسبيح إلى بعد طُلوع الشمس بقليل، ثمّ يتكلّم مع التلامذة وطلبة العلم إلى ارتفاع النّهار، ثمّ يقوم فيصلّي الضُّحى، ثمّ يجلس فيتمم البحث مع التلامذة إلى أن يؤذّن للظُّهر، فيصلِّيها بنوافلها ، ثمّ يدخل إلى أهله فيُصلِح شأَنه، ويقضي حوائجه، ثم يخرج للعصر فيصلّيها بنوافلها، ويجلس مع التلامذة إلى المغرب فيصليها، ويصلّي العِشاء، ثم يشتغل بالقرآن إلى ثلث الليل، ثم ينام الثلث الأوسط، ثم يَقعُد فيصلِّي الثُلثَ الأخير كلَّه إلى الصّبح.- 397 -الأصل: ازْهَدْ في الدُّنْيا يُبَصِّرُكَ الله عَوْرَاتِهَا ، وَلا تَغْفُلْ فَلَسْتَ بِمَغْفُولٍ عَنْكَ.الشرح: أمرَه بالزُّهد في الدنيا، وجعل جزاءَ الشَّرط تبصير الله تعالى له عَوْراتِ الدُّنيا، وهذا حق، لأنّ الرّاغب في الدنيا عاشق لها والعاشق لا يَرَى عيب معشوقه، كما قال القائل :وعينُ الرِّضا عن كل عيبٍ كليلةٌ*** ولكنّ عينَ السُّخْط تُبْدِي المَساوِيَافإذا زَهِد فيها فقد سَخطها وإذا سَخطها أَبْصَر عيوبها مُشاهدةً لا رواية .ثمّ نهاه عن الغفلة، وقال له : إنّك غيرُ مغفول عنك، فلا تَغفَل أنتَ عن نفسك، فإنّ أحقّ الناس وأولاهم ألا يغفل عن نفسه من ليس بمغفول عنه، ومن عليه رقيب شهيدٌ يناقشه على الفتيل والنقير.****- 398 -الأصل: تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا، فَإِنَّ المَرْءَ مَخْبُوهٌ تَحْتَ لِسَانِهِ .
الشرح: هذه إحدى كلماته علیه السلام الَّتي لا قيمة لها ، ولا يقدر قدرها ، والمعنى قد تداوله الناسُ قال :وكائن تَرى مِن صامت لك معجِبِ*** زيادتُه أو نقصّه في التكلّملسانُ الفَتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُهُ*** فلم يَبقَ إلّا صورةُ اللحم والدّمِوكان يحيى بن خالد يقول : ما جلس إلي أحدّ قط إلَّا هِبْتُه حتى يتكلَّم ، فإذا تكلَّم إمّا أن تزداد الهيبة أو تَنقُص-499-الأصل: نِعْمَ الطَّيبُ المِسْكُ، خَفِيفٌ مَحْمِلُهُ، عَطِرٌ رِيحُهُ .الشرح: كان النبي صلی الله علیه وآله وسلم كثير الطَّيب بالمسك وبغيره من أصناف الطَّيب. وجاء الخبر الصّحيح عنه :« حُبّب إلي من دنياكم ثلاث الطيب، والنساء، وقرة عيني في صّلاة»(1.)وقد رُويت لفظةُ أمير المؤمنين علیه السلام عنه مرفوعة . ونحوها : لا تردُّوا القليب فإنّه طيب الريح، خفيفُ المحمل»(2.)سَرقَ أعرابيٌ نافجة منك، فقيل له : (وَمَن يَفْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَ يَوْمَ الْقِيَمَةُ (3)، قال : إِذَنْأحملها طيبة الريح، خفيفُ المحمل.)وفي الحديث المرفوع أنه صلی الله علیه وآله وسلم بايع قوماً كان بيدِ رجل منهم رَدع خَلوق، فبايعه بأطراف أصابعه، وقال: «خيرُ طيبِ الرجال ما ظَهَر ريحُه وخفي لونه، وخيرُ طِيبِ النِّساء ما ظَهَر لونه وخفيَ رِيحُه» (4.)
1) أخرجه النسائي، كتاب عشرة النساء، باب : حب النساء (3939)، وأحمد في «مسنده» (11884).
2) ذكره المتقي الهندي في كنز العمال) (17355) ، وعزاء لأبي نعيم في المعرفة» وذكره ابن عبد (17355)، «البر في التمهيد» (213/11).
3) سورة آل عمران الآية: 161 .
4) أخرجه الترمذي ، كتاب الأدب، باب ما جاء في طيب الرجال والنساء (2787)، والنسائي،
وعنه صلی الله علیه وآله وسلم في صفة أهل الجنّة : «ومَجامِرُهم الألوة»(1وهي العُود الهنديّ.)ورَوَى سهل بن سعد عنه صلی الله علیه وآله وسلم : «إنّ في الجنة لمراغاً من مسك مِثل مَراغِ دوابّكم هذه»(2.)وروي عنه صلی الله علیه وآله وسلم أيضاً في صفة الكَوْثر : جالُه المِسك - أي جانبُه - ورَضراضه التّوم، وحصباؤه اللؤلؤ (3.)وقالت عائشة : كأنّي أنظُر إلى وَبيِص المِسْك في مَفارِق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو محرم(4.)وكان ابنُ عمر يستجمِر بعُود غير مُطَرَّى ويَجعَل معه الكافور، ويقول: هكذا رأيتُ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يصنع .ورَوَى أنس بن مالك قال: دخل علينا رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فقال عندَنا والوقتُ صَيف، فعرق، فجاءَتْ أُمّي بقارُورةٍ فجَعَلتْ تَسلَّت عَرَقَه، فاستيقظ وقال : يا أمّ سُلَيم، ما تصنعين؟ قالت: هذا عَرَقك نَجْعله في طيبنا، فإنّه من أطيب الطيب، ونَرجُو به بركةً صِبياننا ، فقال : أَصَبْت (5.)ومن كلام عمرَ : لو كنتُ تاجراً ما اخترتُ غير العطر، إن فاتَني رِبْحُه لم يَفْتَني رِيحُه .ناول المتوكّل أحمد بن أبي فَنن فأرة مِسك، فأنشدهلئن كان هذا طيبنا وهو طَيِّبٌ*** لقد طيّبَتْه من يديك الأناملُقالوا : سُمّيت الغالية غاليةً، لأنّ عبد الله بن جعفر أهدى لمعاوية قارورة منها ، فسأله، كم أنفَقَ عليها فذكر مالاً ، فقال : هذه غاليةٌ فسُمِّيت غالية.شمّ مالِكُ بنُ أسماء بن خارجة الفَزارِيّ من أخته هند بنت أسماء ريحَ غالية، وكانت تحتَ الحجّاج ، فقال : علِّميني طيبك قالت: لا أفعل، أتريد أن تعلمه جَوارِيك هُوَ لك عندي ما أردته ، ثم ضحكت وقالت: والله ما تعلمته إلا من شعرك حيث قلتكتاب الزينة ، باب : الفصل بين طيب الرجال طيب النساء (5117 ، وأبو داود، كتاب: النكاح، :باب ما يكره من ذكر الرجل ما يكون من إصابته أهله (2174).)
1) أخرجه البخاري، کتاب بدء الخلق باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة (3245)، ،ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر (2834) .
2) أخرجه الطبراني في الكبير» (5845) ، والأوسط» (1761) ، والروياني في «مسنده» (1042).
3) أخرجه الطبراني في (الكبير) (10017).
4) أخرجه البخاري كتاب الغسل باب من تطيب ثم اغتسل وأثر الطيب (271)، ومسلم، كتاب الحج، باب : الطيب للمحرم عند الإحرام (1190).
5) أخرج بنحوه مسلم، کتاب الفضائل ،باب طيب عرق النبي صلی الله علیه وآله وسلم والتبرك به (2331)، وأحمد في مسنده (11988).
أطيَبُ الطيب طيبُ امّ آبان*** فارمسك بعنبر مسحوقخَلَطَتْه بعُودها وبان** فهو أحوى على اليدين شريقُوَرَوَى أبو قلابة قال : كان ابن مسعود إذا خرج من بيته إلى المسجد عَرَف مَن في الطريق أنه قد مرّ من طيب ريحه . ورَوَى الحسنُ بنُ زَيد عن أبيه ، قال : رأيتُ ابن عباس حين أحرم والغالية على صلعته كأنّها الرُّبّ.أوْلمَ المتوكل في طُهر بَنيه، فلمّا كثر اللعب قال ليحيى بن أكثم انصرف أيّها القاضي قال : ولم؟ قال: لأنّهم يريدون أن يخلطوا قال أحوَج ما يكونون إلى قاض إذا خَلَطوا، فاستَظرَفه وأمَرَ أن تُغلف لحيته، ففعل، فقال يحيى : إنا لله ! ضاعت الغالية، كانت هذه تكفيني دَهْراً لو دفعت إليّ، فأمر له بِزَوْرَق لطيف من ذهب مملوء من غالية ودُرْج بَخُور، فأَخَذَهماوانصرف .ورَوَى عِكرمةُ أنّ ابنَ عبّاس كان يطلي جسدَه بالمسك ، فإذا مرّ بالطريق قال الناس : أمرَّ ابنُ عباس أم المسك؟وقال أبو الضُّحى : رأيتُ على رأس ابن الزبير من المسك ما لو كان لي لكان رأس مالي.لمّا بَنَى عُمر بن عبد العزيز على فاطمة بنت عبد الملك أسرج في مسارجه تلك الليلة الغالية إلى أن طلعت الشمس. كانت لابن عمر بُندُقة من مسك يَبُوكُها بين راحتيه فتفوح رائحتُها .كان عمر بن عبد العزيز في إمارته المدينة يجعَل المِسكَ بين قَدميه ونعله، فقال فيه الشاعر يمدحه :له نَعَلٌ لا تَطْبِي الكلب ريحُها*** وإن وُضعت في مجلس القومِ شُمتسَمِع عمرُ قَولَ سُحَيم عبدِ بني الحَسْحاس :وهبّت شمالٌ آخر الليل قرّةٌ ولا ثوبَ إلّا درعها وردائيافما زال بُردي طيّباً من ثِيابها مَدى الحَوْل حتى أنهَج البُرد باليافقال له : وَيْحَكَ! إنك مقتول، فلم تمض عليه أيام حتى قُتِل .قال الشعبي : الرائحة الطيبة تزيد في العقل . كان عبد الله بن زيد يتخلّق بالخلوق، ثمّ يجلس في المجلس. وكانوا يستحبون إذا قاموا من الليل أن يمسحوا مَقَادِيمَ لِحاهم بالطيب
واشتَرى تَميم الدَّاري حُلّة بثمانمائة درهم، وهيا طيباً ، فكان إذا قام من اللّيل تطّيب وليس حلّته، وقام في المحراب.وقال أنس :يا جميلة، هيتي لنا طيباً أمسح به يدي فإنّ ابنَ أمَّ ثابت إذا جاء قبل يدي - يَعني ثابتاً البنانيّ.وقال سَلم بنُ قُتيبة : لقد شممت ُمن فلان رائحةً أطيَب من مَشْطة العروس الحَسْناء في أ العاشق الشَّيِق.ومن كلام بعض الصَّالحين : الفاسق رِِجْس ولو تَضَمَّخَ بالغالية.عَرَضَتْ مدنية لكثير فقالت له : أنت القائل :فما روضةٌ بالحزن طيّبة الثرى*** يَمُجُ النَّدَى جَشْجاتُها وعَرارُهاباطيَبَ مِن أردانِ عَزَّةَ مَوْهِناً*** وقد أوقدت بالمندل الرطب نارُهالو كانت هذه الصّفة لزنجيّة تجتلي الحلة لطابت ملا قلت كما قال سيدك امرؤ القيس :ألمْ تَرَياني كلما جئتُ ***طارقاً وجدتُ بها طيباً وإن لم تطيَّبوقال الزّمخشريّ : إنّ النّوى المُنقَع بالمدينة ينتاب أشرافُها المواضعَ الّتي يكون فيها التماساً لطيب ريحه ، وإذا وَجَدوا ريحَه بالعِراق هَرَبوا منها الخُبثها ، قال : ومن اختلف في طرقات المدينة وجد رائحة طيبة وبَنَّة (1عجيبة، ولذلك سُمّيت طيبة، والزنجية بها تَجعَل في رأسها شيئاً من بلح وما لا قيمة له، فتجد له خُمرة لا يعدلها بيتُ عروس من ذَوات الأقدار . قال : ولو دخلت كلّ غالية وعطر قصبةَ الأهواز وقصبة أنطاكية لوجدتها قد تغيرت وفسدت في مدّة يسيرة.)أراد الرشيد المُقام في أنطاكية، فقال له شيخ منها : إنّها ليست من بلادك، فإنّ الطِّيب الفاخرَ يتغيّر فيها حتّى لا يُنتفع منه بشيء، والسّلاح يصدأ فيها .سیراف :من بِلادِ فارس لها فغمة طيبة.فأرة المِسك دُوَيّبة شبيهة بالخِشف تكون في ناحية تُبَّت تُصاد لأجل سُرتها ، فإذا صادها الصائد عَصَب سُرتها بعصاب شديد وهي ،مدلاة، فيجتمع فيها دَمُها، ثمّ يذبحها، وما أكثر من يأكلها ، ثم يأخذ السرّة فيدفنها في الشَّعر حتى يستحيلَ الدمُ المحتقِن فيها مسكاً ذكيَّا بعد أن كان يرام نَثناً، وقد يوجد في البيوت جرذان سُودٌ يقال لها : فأر المسك ليس عندها إلا رائحة لازمة لها .
1) البنة : الريح الطيبة والمنتنة القاموس، مادة (بنن).
وذكر شيخُنا أبو عثمانَ الجاحظ قال: سألتُ بعضَ أصحابنا المعتزلة عن شأن المسك فقال : لولا أن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم تطيّب بالمسك لما تطيبتُ ،به لأنّه دم، فأمَّا الزَّباد فليس ممّا يَقرُب ثيابي، فقلتُ له : قد يرتضع الجَدّي من لبن خنزيرة فلا يَحرُم ،لحمه، لأنّ ذلك اللّبن استحال لَحماً، وخرج من تلك الطّبيعة، وعن تلك الصورة، وعن ذلك الاسم، وكذا لحم الجلّالة، فالمِسك غيرُ الدّم، والخلّ غيرُ الخَمر، والجوهر لا يحرم لذاته وعينه ، وإنّما يَحرُم للأعراض والعلل فلا تقزز منه عند ذكرك الدّم، فليس به بأس.قال الزّمخشريّ : والزّبادة هرّة. ويقال للزيلع، وهم الّذين يجتلبون الزّباد يا زيلع الزبادة ماتت، فَيغضَب.وقال ابن جزلة الطَّبيب في المنهاج : الزّباد طيّب يؤخذ من حيوان كالسِّنور يقال : إنّه وسَخ في رَحمها .وقال الزّمخشري : العنبر يأتي طفاوةً على الماء لا يدري أحدٌ معدنه، يقذفه البحر إلى البرّ فلا يأكل منه شيء إلا مات، ولا ينقُرُه طائر إلّا بقي منقاره فيه، ولا يقع عليه إلّا نصلتْ أظفاره، والبحريّون والعطارون ربما وجدوا فيه المنقار والظفر .قال : والبال، وهو سَمَكة طولها خمسون ذراعاً ، يؤكل منه اليسير فيموت.قال: وسمِعتُ ناساً من أهل مكة يقولون : هو ضفع ثور في بحر الهند، وقيل: هو من زبد سرنديب وأجوده الأشهب، ثمّ الأزرق، وأدونه الأسود.وفي حديث ابن عباس : »ليس في العنبر زكاة، إنما هو شيء يَدْسُرُه البحر»(1، أي يَدفعه .)فأما صاحب «المنهاج في الطّبّ» (2فقال : العنبر من عين في البحر، ويكون جماجم أكبرها وزنه ألف مثقال، والأسود أردأ أصنافه، وكثيراً ما يوجد في أجواف السمك التي تأكله وتموت. وتوجد فيه سُهوكة .)وقال في المِسك : إنه سُرّة دابة كالظَّبي، له نابان أبيضان معقَّفان إلى الجانب الإنسي کقَرنين. جاء في الحديث المرفوع : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ، وليخرجن إذا خرجن ثَفِلات »(3، أي غير متطيبات.)
وفي الحديث أيضاً : «إذا شهِدَتْ إحداكن العشاء فلا تمس طيباً» (1، والمراد من ذلك ألّا تهيج عليهنّ شهوة الرّجال .)قال الشاعر:والمسك بينا تراه ممتهناً*** بفهْرِعطاره وساحقهحتى تراه في عارِضَيْ مَلِكِ أو موضع التاج من مفارقهالصَّنَوْبَري في استهداء المِسك :المِسك أشبه شيء بالشباب فهَبْ بعض الشباب لبعض العُصْبة الشَّيبِيقال: إنّ رجلاً وَجَد قرطاساً فيه اسم الله تعالى فرفعه وكان عنده دینار، فاشتری به مِشكاً، فطيبّه، فرأى في المنام قائلاً يقول له كما طيبت اسمى لأطيَبنّ ذكرك .قال خالدُ بنُ صَفوان ليزيد بن المهلّب :ما رأيت صدأ المغفر، ولا عبق العنبر بأحد اليقَ منه بك، فقال: حاجتك، قال ابنُ أخ لي في حَبسك ، فقال : يسبقك إلى المنزل.شاعر :كان دُخانَ النَّد ما بين جَمْرِه بقايا ضباب في رياض شقيققالوا : خيرُ العُود المَنْدَلِي، وهو منسوبٌ إلى مَندل: قريةً من قُرَى الهند، وأجوده أصلبه، وامتحان رطبه أن ينطبع فيه نقش الخاتم واليابس تُفصح عنه النار، ومن خاصية المندلي أن رائحته تثبت في الثوب أسبوعاً، وأنه لا يقمل ما دامت فيه .قال صاحب المنهاج : العُود عروقُ أشجارٍ تُقلع وتُدفن في الأرض حتى تتعفنّ، منها الخشبيّة والقشريّة ويبقى العود الخالص، وأجوده المندلي، ويُجلب من وسط بلاد الهند، ثم العود الهندي وهو يفضل على المَنْدَلِي بأنه لا يولّد القمل، وهو أعبق بالثياب.قال : وأفضل العُود أرسَبه في الماء، والطافي رديءٌ.قال أبو العباس الأعمى :ليت شَعري من أين رائحة المش- لك وما إن أخالُ بالخيف أنسيحين غابت بنو أميةَ عنه*** والبهاليل من بني عبدِ شَمْسخطباء على المنابر فُرْسا ***نٌ على الخيل قالةٌ غيرُ خُرْس
1) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة (443)، والنسائي، كتاب الزينة باب النهي للمرأة أن تشهد الصلاة إذا أصابت من البخور (5130) وأحمد في مسنده (26506).
بحُلوم مثلِ الجبال رِزانِ*** ووجوهِ مِثلِ الدّنانير مُلسِالمسيب بن عَلَس .تبيت الملوكُ على عَتْبها وَشَيْبان إن غضبتْ تُعْتَبُوكالشّهد بالراح الفاظُهم وأخلاقُهم منهما أعذّبوكالمسك تُرْبُ مَقاماتِهم وتُربُ قبورهم أطيبأخذه العبّاس بن الأحنف فقال :وأنتَ إذا ما وطئت الثُّرا ب كان ترابك للناس طِيباوهجا بعضُ الشعراء العمّال في أيام عمر، ووقع عليهم، فقال في بعض شعره :نؤوبُ إذا آبوا ونغزُو إذا غَزَوْا ***فأَنَّى لهمْ وَفُرٌ ولسنا ذَوِي وفَرِإذا التاجرُ الداريُّ جاء بفارة ***من المسك راحتْ في مفارقهمْ تَجرِيفقبض عمرُ على العمال وصادَرَهم .قالوا في الكافور : إنه ماءً في شجر مكفور فيه يَغرزونه بالحديد، فإذا خرج إلى ظاهر ذلك الشجر ضرَبه الهواء فانعقد كالصّموغ الجامدة على الأشجار.وقال صاحب المنهاج: هو أصناف: منها الفنصوري، والرِّباحي، والأزاد، والإسْفَركالأزرق، وهو المختط بخشبه، وقيل إن شجرته عظيمة تُظل أكثر من مائة فارس، وهي بحرية وخشب الكافور أبيض إلى الحمرة خفيف والرباحي يوجد في بدن شجرته قطع كالثلج، فإذا شققت الشجرة تناثر منها الكافورُ .النّد : هو الغالية، وهو العود المطرَّى بالمسك والعَنبر ودُهن البان، ومن الناس من لا يضيفُ إليه دهنَ البان ويجعل عوضه الكافور، ومنهم من لا يضيف إليه الكافورَ أيضاً، ومن الناس من يركب الغالية من المسك والعنبر والكافور ودُهن النّيلوفر .قال الأصمعي : قلتُ لأبي المهدّية الأعرابيّ : كيف تقول ليس الطِّيب إلا المِسك؟ فلم يحفل الأعرابيّ، وذهب إلى مذهب آخر فقال : فأين أنت عن العنبر؟ فقلت : كيف تقول : ليس الطِّيب إلا المسك والعنبر؟ قال: فأين أنت عن البان؟ قلت: فكيف تقول : ليس الطِّيب إلا المسك والعنبر والبان؟ قال: فأين أنت عن ادّهان بحجرٍ - يعني اليمامة؟ - قلت : فكيف تقول لي ليس الطِّيب إلا المسك والعنبر والبان وادّهان بحَجَر ؟ قال : فأين أنت عن فارة الإبل صادرة؟ فرأيت أني قد أكثرتُ عليه، فتركته قال : وفأرة الإبل ريحها حين تصدُر عن الماء. وقد أكلت العُشّب الطيب.وفي فأرة الإبل يقول الشاعر:
كان فارةَ مسك في مباءَتها*** إذا بدا من ضِياءِ الصبح تنتشرُكان لأبي أيوب المَرْزُباني وزير المنصور دُهن طيّب يدهن به إذا ركب إلى المنصور فلمّا رأى الناسُ غلبته على المنصور وطاعتَه له فيما يريده حتى إنه ربما كان يستحضره ليوقع به، فإذا رآه تبسم إليه وطابت نفسه قالوا دهن أبي أيوب من عمل السحرة، وضربوا به المثل، فقالوا لمن يَغلب على الإنسان معه دُهْنُ أبي أيوب.أعرابي : فيها مَدَرُّ كَفٌ ومَسمّ أنف .وقال عيينة بن أسماء بن خارجة الفزاري :لو كنتُ أحمل خمراً حين زُرْتكُم*** لم ينكر الكلبُ أنِّي صاحبُ الدّارلكن أتيتُ وريح المسك يقدمني*** والعنبر الورد مَشبوباً على النّارِفأنكر الكلبُ ريحي حين خالطني وكان يألف ريح الزق والقارِقال الأصمعي : ذكر لأبي أيوب هؤلاء الذين يتقشّفون فقال : ما علمتُ أن القَذَر والدفر من الدين.رِيحُ الكَلْب مَثَل في النتن، قال الشاعر:ريحُهاریحُ كلاب هارشت في يوم طلِّوقال آخر:يزدادُ لؤماً على المديح كما*** يزداد نتن الكلاب في المطروقالت امرأةُ امرئ القيس له وكان مُفَرَّكاً (1عند النساء : إذا عرفتَ عرقتَ بريح كلب. قال: صدقتِ ؛ إنّ أهلي أرضعوني مرّةً بلبن كلبة .)قال سَلّمة بنُ عيّاش، يقول الجعفر بن سليمان:فما شم أنفي ريح كفِّ رأيتها*** من النّاس إلّا ربح كنّك أطيبُفأمر له بألف دينار ومائة مثقال من المسك ومائة مثقال من العنبر.وجه عمرُ إلى مَلِك الرُّوم بريداً فاشترتْ أمُّ كلثوم امرأة طيباً بدنانير وجعلته في قارورتين عمر وأهدَتْهما إلى امرأة ملك الرّوم، فرجع البريد إليها ومعه ملء القارُورتين جواهر، فدخل عليها ،عمر، وقد صبّت الجواهر في حجرها، فقال: من أين لك هذا؟ فأخبرته، فقبض عليه، وقال: هذا للمسلمين، قالت: كيف وهو عِوَض هديتي ! قال: بيني وبينك أبوك، فقال علي علیه السلام: لك منه بقيمة دينارك والباقي للمسلمين جملة لأن بريد المسلمين حَمَلَه .
1) المُفَرَّك : الرجل الذي تبغضه النساء. القاموس، مادة (فرك).
قيل لخديجة بنت الرشيد : رُسُل العبّاس بن محمد على الباب، معهم زِنبيل يحمله رجلان. فقالت : تراه بعث إليّ باقلّاء؟ فكشف الزنبيل عن جرّة مملوءة غالية فيها مسحاة من ذَهب، وإذا برُقعة : هذه جرّة أصيبت هي وأختها في خزائن بني أميّة، فأمّا أختُها فغَلب عليها الخلفاء، وأمّا هذه فلم أرَ أحداً أحقَّ بها منك.-400-الأصل: ضَعْ نَخْرَكَ، واحفظ كِبْرَكَ، وَاذْكُرْ تَبْرَكَ.الشرح: قد تقدّم القولُ في العجب والكبر والفخر .### بعض ما قيل في الفخرفي الحديث المرفوع:«إنّ الله قد أذهب عنكم عُبيّة الجاهليّة وفخرها بالآباء، الناسُ لآدم، وآدم من تراب مؤمن تقي، وفاجرٌ شقيّ، لينتهين أقوام يتفاخرون برجال إنّما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من جُعَلات تدفع النَّتن بأنفها » (1.)ومن وصيّته صلی الله علیه وآله وسلم إلى علىّ علیه السلام:«لا فقر أشدّ من الجهل، ولا وحشة أفحش من العُجب »(2.)أتى وائلُ بن حُجر النبي صلی الله علیه وآله وسلم فأقطعه أرضاً (3، وأمر معاوية أن يمضي معه فيريه الأرض ويعرضها عليه، ويكتبها له، فخرج مع وائل في هاجرة شاوية، ومشى خلف ناقته فأحرقته الرمضاء، فقال: أردفني : قال : لست من أرداف الملوك ، قال : فادفع إلي نعليك ، قال : ما يُخْل يمنعني يا بن أبي سفيان، ولكن أكره أن يبلغ أقبال اليمن أنك لبستَ نعلي، ولكن امش في ظلّ ناقتي فحسبُك بذاك شرفاً، ويقال : إنّه عاش حتى أدرك زمن معاوية فأجلسه معه على سريره.)
1) أخرجه الترمذي، كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة الحجرات (3270)، وأبو داود، كتاب: الأدب، باب في التفاخر بالأحساب (51.16) ، وأحمد في «مسنده» (8519).
2) أخرجه الطبراني في الكبير» (2688) ، والشهاب في مسنده (836) ، والبيهقي في شعب الإيمان (4647).
3) أخرجه ابن حبان في صحيحه» (7205)، والترمذي، كتاب الأحكام، باب ما جاء في القطائع (1381)، وأحمد في مسنده (26697).
قيل لحكيم :ما الشيءُ الذي لا يَحسُن أن يقال وإن كان حقاً؟ فقال: الفخر .حبس هشامُ بنُ عبد الملك الفرزدقَ في سجن خالد بن عبد الله القَسري، فوفد جرير إلى خالد ليشفَع فيه، فقال له :خالد: ألا يسرّك أنّ الله قد أخزى الفرزدق؟ فقال: أيها الأمير، والله ما أحب أن يخزيه الله إلا بشعري وإنّما قدمتُ لأشفعَ فيه. قال فاشفع فيه في ملأ ليكون أخرى له فشفع فيه، فدعا به فقال : إني مُطلقك بشفاعة جرير، فقال: أسيرُ قَصْري وطليق كلبي فبأي وجه أفاخر العرب بعدها ! ردني إلى السّجن .ذكر أعرابي قوماً فقال: ما نالوا بأناملهم شيئاً إلّا وقد وطئناه بأخامص أقدامنا ، وإن أقصى مُناهم لأدنى فعالنا .نظر رجل إلى بعض ولد أبي موسى يختال في مشيته، فقال: ألا ترون مشيته؟ كان أباه خدَع عمرو بن العاص !وسمع الفرزدق أبا بُردة يقول : كيف لا أتبختر وأنا ابن أحد الحَكَمين، فقال : أحدهما مائق، والآخر فاسق فكن ابن أيهما شئت.نظر رسولُ الله صلی الله علیه وآله وسلم إلى أبي دُجَانة وهو يتبختر بين الصفين فقال: «إن هذه مشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن» (1.)لما بلغ الحسنَ بن عليّ علیه السلام قول معاوية : إذا لم يكن الهاشمي جواداً والأمويّ حليماً والعّواميّ شجاعاً والمخزوميّ تيّاهاً لم يشبهوا آباءهم فقال : إنه والله ما أراد بها النصيحة ولكن أراد أن يُغني بنو هاشم ما في أيديهم فيحتاجوا إليه، وأن يَشْجُعَ بنو العوّام فيقتلوا، وأن يتيه بنو مخزوم فيمقتوا وأن يحلم بنو أمية فيُحبّهم الناس (2.)كان قاضي القضاة محمّد بن أبي الشّوارب الأموي تائهاً، فهجاه عبد الأعلى البصريّ فقال :إنّي رأيتُ محمّداً متشاوساً مستصغراً لجميع هذي الناسويقول لمّا أن تنفّس خالياً نفساً له يَعْلو على الأنفاسِِوَيح الخلافَة في جوانب لحيتي تستن دون لحى بني العباس!بعض الأمويّة :إذا تائهٌ من عبد شمس رايتَهُ يتيهُ فرشحه لكلّی عظيم
وإن تاه تَيّاةٌ سواء فإنه*** يتيهُ لحمقٍ أو يتيه لِلُومِلبعض الأمويّة أيضاً :السنا بني مَروان كيف تبدّلت بنا الحالُ أو دارت علينا الدوائرُ!إذا وُلد المولود منا تهلّلث له الأرض واهتزت إليه المنابرُبعض التيّامين :أتيهُ على إنس البلاد وجنّها ولو لم أجد خَلْقاً أتيهُ على نَفسيأتيه فلا أدري من التِّيه من أنا سوى مَا يقول الناسُ فيَّ وفي جنسيفإن زعموا أني من الإنس مثلهم*** فمالي عيبٌ غير أني من الإنسبعض العَلوية :لقد نازعتنا من قريش عصابةٌ بمَط خدودِ وامتداد أصابعِفلمّا تنازعنا الفَخَار قضَى لنا عليهم بما نَوى نداء الصّوامعترانا سُكوتاً والشهيدُ بفضلنا*** عليهم أذانُ الناس في كلّ جامعبأن رسول الله لا شكّ جدُّنا*** وأن بَنيه كالنجوم الطوالعكان عُمارةُ بنُ حمزة بن ميمون مولى بني العباس مَثَلاً في التّيه ، حتّى قيل : أتيُهُ من عُمارة . وكان يتولّى دواوينَ السّفّاح والمنصور، وكان إذا أخطأ مضى على خطئه تكبّراً عن الرجوع، ويقول : نَقض وإبرام في حالة واحدة الإصرار على الخطأ أهون من ذلك .وافتخرت أمّ سلمة المخزوميّة امرأةُ السفّاح ذاتَ ليلة بقَوْمها على السّفّاح، وبنو مخزوم يُضرَب بهم المَثَل في الكِبر والتّيه ، فقال : أنا أحضرُكِ الساعةَ على غير أهبة مولّى من مواليّ ليس في أهلك مثله، فأرسل إلى عُمارة، وأمر الرسول أن يُعجِله عن تغيير زِيِّه، فجاء على الحال الّتي وجده عليها الرّسول في ثياب ممسَّكة مزوّرة بالذّهب، وقد غَلّف لحيتَه بالغالية حتّى ،قامت فرمى إليه السفاح بِمُذهن ذهب مملوه غالية، فلم يلتفت إليه، وقال: هل ترى لها في لحيته موضعاً؟ فأخرجت أمّ سَلَمة عِقْداً لها ثميناً، وأمَرَت خادماً أن يضعه بين يديه، فقام وتركه، فأمرت الخادمَ أن يتبَعه به ويقول : إنّها تسألك قبوله، فقال للخادم: هوَ لك، فانصرف بالعِقد إليها ، فأعطت الخادمَ فكاكَه عشرة آلاف دينار، واسترجعته، وعجبت من نفس عُمارة، وكان عمارة لا يذلّ للخُلفاء وهم مواليه ويتيه عليهم.نظر رجل إلى المَهديّ ويدُه في يد عُمارة، وهما يَمشيان فقال : يا أمير المؤمنين مَن هذا ؟ قال : هذا أخي وابنُ عمّي عُمارة بن حمزة، فلمّا ولى الرجل ذكر المهديّ الكلمةَ كالممازح العُمارة، فقال عُمارة : والله لقد انتظرت أن تقول : مولاي فأنفُض يدي من يدك، فتبسّم المهديّ.
وكان أبو الرّبيع الغَنَويّ أعرابيَّا جافياً تيّاهاً شديد الكبر، قال أبو العبّاس المبرّد في الكامل : فذكر الجاحظ أنّه أتاه ومعه رجل هاشميّ، قال: فناديتُ : أبو الرّبيع هنا؟ فخرج إليّ وهو يقول : خرج إليك رجلٌ أكرَم الناس، فلمّا رأى الهاشميّ استحيَا وقال : أكرُم الناس رديفاً، وأشرَفهم حليفاً - أراد بذلك أبا مرثد الغَنَويّ، لأنّه كان رديف رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وحليفَ أبي بكر - قال: حدّثنا ساعة ثمّ نهض الهاشميّ فقلت له : مَنْ خير الخلق؟ قال : الناس والله قلت: مَن خيرُ الناس؟ قال : العَرَب ،والله قلت: فَمَن خير العرب؟ قال : مُضَر والله ، قلتُ : فمن خيرُ مُضَر ؟ قال : قَيس والله قلت فمن خير قَيْس؟ قال : يَعصُر والله قلت فمن خير يَعْصُر، قال: غَنيّ ،والله قلتُ : فَمن خيرُ غني ؟ قال : المخاطِبُ لك والله ، قلتُ : أفأنت خيرُ الناس؟ قال : إي والله قلت أيسرّك أن تكون تحتَك ابنة يزيدَ بن المهلّب؟ قال: لا والله قلتُ : ولك ألف دينار، قال لا والله قلت فألفا ،دينار قال لا والله ، قلت : ولك الجنّة قال : فأطرق ثم قال : على ألّا تلد منّي، ثمّ أَنشَدَ:تأبَى ليَعصُرَ أعراق مهذبةٌ ***من أن تُناسب قوماً غيرَ أكفاءفإن يكن ذاك حَتْماً لا مَردّ له ***فاذكر حذيف فإنّي غيرُ آبَاءِأراد حذيفةَ بنَ بَدْر الفَزَاري، وكان سيّدَ قيس في زمانه.رأى عمرُ رجلاً يمشي مُرْخِياً يديه طارحاً رجليه يتبختر فقال له : دع هذه المشية، فقال : ما أطيق، فَجلده ثمّ خلاه، فترك التّبختر ، فقال عمر: إذا لم أجلد في هذا ففيمَ أجلد، فجاءه الرجل بعد ذلك فقال : جزاك الله يا أمير المؤمنين خيراً، إن كان إلا شيطاناً سُلط علي فأذهبه الله بك .- 401 -الأصل: خُذْ مِنَ الدُّنْيَا مَا أَتَاكَ، وَتَوَلَّ عَمَّا تَوَلَّى عَنْكَ، فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَأَجْمِلْ فِي الطَّلَب .الشرح: كان يقال : اجعل الدنيا كغَرِيم السّوء حَصِّل منه ما يَرضَخ لك به، ولا تأس على ما دَفَعك عنه ، ثمّ قال علیه السلام : فإن لم تفعل فأجمل في القلب، وهي من الألفاظ النبويّة : «لن تموتَ نفسٌ حتّى تَستكمِل رِزْقَها، فأجملوا في الطّلب»(1.)
1) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (3241) ، ومالك في الموطأ (9012)، وأبو يعلى في «مسنده» (6583) ، والبيهقي في شعب الإيمان) (67/2) ، وابن عبد البر في التمهيد» (434/24).
قيل لبعض الحكماء : ما الغنى؟ فقال: قلّة تمنّيك ورضاك بما يكفيك.الأصل: رُبِّ قَوْلٍ، أَنْقَدُ مِنْ صَوْلٍ.- 402 -الشرح : قد قيل هذا المعنى كثيراً، فمنه قولهم :والقولُ يَنفذُ ما لا تنقُذُ الإبَرُومن ذلك : القولُ لا تملكه إذا نَما ، كالسهم لا تملكه إذا رمى، وقال الشاعر:وقافيةٍ مثل حَدِّ السنا*** ن تبقى ويَذْهَبُ مَن قالَهاتخيّرتُها ثم أرسلتُها ولم يُطِق الناسُ إرسالهاوقال محمود الورّاق :أتاني منك ماليسُ على مكروه مكروهه صبرُفأغضیتُ علی عَمدوكم يُعْضِي الفَتَى الحروأدّبتُك بالهجرفما أدّبک الهَجرُولا ردَّک عمّا کا ن منك الصّفحُ واليفلمّا اضطرّني المكروه واشتدّ بیَ الأمرُتناولتك مِن شعري بما لیس له قَدرُفحرَّكْتَ جَنَاحَ الضُّرُ لمّا مَسّکَ الضّرّإذا لم يُصلح الخير أمرا أصلَحه الشّرّوقال الرّضي رحمه الله :سأمضعُ بالأقوال أعراض قومِكم وللقَول أنيابٌ لديّ حداديُرَى للقوافي والسماء جليّة*** عليكم برُوقٌ جَمْةٌ ورعادُوقال أيضاً :كَعَمْتُ لِساني أن يقول وإن يَقُل*** فقل في الجُراز العضب إن فارق الغمْداوإنّ برُوداً للمخازي مُعَدّة*** فمن شاء من ذا الحي أسحبتُه بُرداقلائد في الأعناق بالعار لا تَهِِي ***على مر أيّام الزمان ولا تَصْدا
إذا صَلصَلت بين القنا قضّت القنا وإن زَفَرتْ في السَّردِ قطعت السِّرْدا- 403 -الأصل: كلُّ مُقْتَصَرٍ عَلَيْهِ كافٍ .الشرح: هذا من باب القناعة، وإنّ من اقتصر على شيء وقنعت به نفسُه فقد كفاء، وقام مقام الفضول التي يرغَب فيها المُترَفون، وقد تقدّم القول في ذلك.-404الأصل: الْمَيِّةُ ولا الدنية، والتقلل ولا التَّوَسُلُ.الشرح: قد تقدّم من كلامنا في هذا الباب شيءٌ كثير، وقال الشاعر :أقيم بالله لمَصُّ النَّوَى وشربُ ماءِ القُلُبِ المالحةأحسنُ بالإنسان من ذلِّه ومن س-ؤال الأوجهِ الكالحةفاستعن بالله تكن ذاغنّى مغتبطاً بالصّفقة الرابحةفالزهد عزّ والتُقَى سوددٌ وذلَّة النفس لها فاضحةکم سالم صیح به بَغْتَةً *** وقائل عَهْدِي به البارحةأمسى وأمَسَتْ عنده قَيْنةٌ وأصبحت تَندُبه نائحةطوبى لمن كانت موازینُه يومَ يلاقي ربَّه راجحةوقال أيضاً:لمَصُّ الثَّماد(1وخَرْطُ القَتادِ(2) وشربُ الأجاج (3)أوان الظَّمَا)
على المرء أهون من أن يُرَى*** ذليلاً لخلقٍ إذا أعدَماوخيرٌ لعينيك من مَنظَرٍ إلى ما بأيدي اللّثام العَمَيقلت: لحاهُ الله، هلّا قال: بأيدي الرّجال.- 405 -الأصل: مَنْ لَمْ يُعْطَ قاعِداً ، لَمْ يُعْط قائماً .الشرح: مرادُه أن الرزق قد قَسَمه الله تعالى، فمن لم يرزقه قاعداً لم يجب عليه القيام والحركة. وقد جاء في الحديث: أنّه صلی الله علیه وآله وسلم ناول أعرابيَّا ،تمرة وقال له : «خُذْها فلو لم تأتِها لأتتك »(1.)وقال الشاعر :جرى قلم القَضاء بما يكونُ فسیّان التحرّك والسكونُجُنون منك أن تَسعَى لرزق*** ويُرزق في غشاوته الجنين-406-الأصل: الدَّهْرُ يَوْمَانِ : يَوْمٌ لَكَ ، وَيَوْم عَلَيْكَ ، فَإِذَا كَانَ لَكَ فَلَا تَبْطَرْ ، وَإِذَا كَانَ عَلَيْكَ فَاصْبِرْ .الشرح: قديماً قيل هذا المعنى الدّهر يومان يوم بلاء، ويوم رخاء. والدهر : ضَرْبان :حبرة (2وعَبْرة والدهر :وقتَان وقت سرور ووقت ثبور .)وقال أبو سُفيان يوم أحد : يومٌ بيومِ بَدْر، والدنيا دول.قال علیه السلام : فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر .
قد تقدّم القولُ في ذمّ البطر ومدحِ الصّبر، ويُحمّل ذمّ البطر هاهنا على محملين: أحدهما البَطَر بمعنى الأشَر، وشدّة المرح ، بطر الرجُل بالكسر يَبطَر، وقد أبطَره المال، وقالوا : بطر فلانٌ معيشَته كما قالوا : رَشِد فلانٌ أمره. والثاني البطر بمعنى الحيرة والدَّهش أي إذا كان الوقت لك فلا تقطعن زمانك بالحيرة والدهش عن شكر الله ومكافأة النّعمة بالطاعة والعبادة والمحمّل الأوّل أوضح.-407-الأصل: إِنَّ لِلْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ حَقًّا، وَإِنَّ لِلْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ حَقًّا، فَحَقُّ الوَالِدِ عَلَى الوَلَدِ أَن يُطِيعَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي مَعْصِيَةِ الله سُبْحَانَهُ، وَحَقُّ الولد عَلَى الوَالِدِ أَنْ يُحسنَ اسْمَهُ، وَيُحسنَ أدَبَهُ ، وَيُعَلِّمَهُ القُرْآنَ.الشرح: اما صدُر الكلام فمن قول الله سبحانه: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَلِيِّيكَ إِلَى الْمَصِيرُ وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعها (1).)### نوادر حول الأسماء والكنيوأما تعليم الوالد الولَد القرآن والأدبَ فمأمور به، وكذلك القول في تسميته باسم حسن، وقد جاء في الحديث: «تسمّوا بأسماء الأنبياء، وأحبّ الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرّحمن. وأصدقَها حارث وهمام. وأقبحها حَرْب ومُرّة »(2 .)وروى أبو الدّرداء عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم : «إنّكم تُدْعَوْن يومَ القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماء كم» (2.)وقال علیه السلام : «إذا سَمِّيتم فَعبدوا» أي: سَمُّوا بنيكم عبد الله ونحوه من أسماء الإضافة إليه عزَّ اسمُه .وكان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يغير بعض الأسماء، سمَّى أبا بكر عبد الله، وكان اسمُه في
الجاهلية عبدَ الكعبة، وسمّى ابن عوف عبد الرحمن، وكان اسمُه عبد الحارث، وسمّى شِعب الضلالة شِعْبَ الهدى، وسمّى يَثرب طَيبة، وسمَّى بني الريبة بني الرشدة، وبني معاوية بني مرشدة .كان سعيدُ بن المسيِّب بن حَزن المخزوميّ أحد الفقهاء المشهورين، أتى جدُّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له : ما اسمك؟ قال: حزن قال : لا ، بل أنت سَهْل، فقال: لا، بل أنا حزن، عاوده فيها ثلاثاً، ثم قال: لا أُحِبّ هذا الاسم السَّهْل يوطا ويمتهَن، فقال: فأنت حَزْن، فكان سعيد يقول : فما زلتُ أعرف تلك الحزونَة فينا .4وروى جابر عنه علیه السلام: «ما من بيت فيه أحدٌ اسمُه محمد إلا وسّع الله عليه الرزق فإذا سمَّيتموهم به فلا تَضربوهم ولا تشتموهم»، و«من وُلد له ثلاثة ذكور ولم يسمّی أجدَهم أحمد أو محمداً فقد جفاني »(1.)أبو هريرة عنه علیه السلام ، أنه نَهَى أن يجمع بين اسمه وكنيته لأحد(2.)وروی أنه أذن لعليّ بن أبي طالب علیه السلام في ذلك، فسمّى ابنه محمد بن الحنفيّة محمداً، وكناه أبا القاسم.وقد رُوِي أنَّ جماعةً من أبناء الصّحابة جمع لهم بين الاسم والكنية.وقال الزَّمخشريّ : قد قدّم الخلفاء وغيرهم من الملوك رجالاً بحُسن أسمائهم، وأقصَوْا قوماً لشناعة أسمائهم، وتعلّق المدح والذم بذلك في كثير من الأمور.وفي رسالة الجاحظ إلى أبي الفَرَج نجاح بن سلمة : قد أظهر الله في أسمائكم وأسماء آبائكم وكُناكم وكُنّى أجدادكم من بُرهان الفأل الحسن ونفي طيرة السوء، ما جمع لكم صنوف الأمل، وصرف إليكم وجوه الطلب، فأسماؤكم وكناكم بين فرَج ونجاح، وسلامة وفضل ووجوهكم وأخلاقكم وفق أعراقكم وأفعالكم، فلم يضرب التفاوت فيكم بنصيب .أراد عمرُ الاستعانة برجل ! فسأله عن اسمه واسم أبيه ، فقال : سَرّاق بن ظالم، فقال: تَشرق أنت ويظلم أبوك فلم يَستعن به .سأل رجلٌ :رجلاً : ما اسمك ؟ فقال : بحر ؟ قال : أبو مَنْ؟ قال : أبو الفيض ، قال : ابن من؟ قال: ابن الفرات، قال : ما ينبغي لصديقك أن يلقاك إلا في زَوْرق.
1) ذكره الإمام الديلمي في مسند الفردوس (5981) ، بلفظ : من ولد له أربعة... ».
2) أخرجه أحمد في مسنده (9315)، من حديث سيدنا أبي هريرة بلفظ : «لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي، فإني أنا أبو القاسم الله يعطي وأنا أقسم». وأخرجه الترمذي أيضاً في كتاب: الأدب، باب ما جاء في كراهية الجمع بين اسم النبي صلی الله علیه وآله وسلم وكنيته (2841).
وكان بعضُ الأعراب اسمُه وَنّاب وله كلب اسمه ،عمرو، فهجاء أعرابيّ آخر فقال :ولو هَيَّاله الله*** من التوفيق أسباباًلسَمَّی نفسه عمراً*** وسَمَّى الكلب وثّاباقالوا : وكلَّما كان الاسم غريباً كان أشهر لصاحبه وأمنع من تعلّق النَّبز به. قال رؤبة :قد رَفَعَ العَجاج ذكري فادعُني*** باسمي إذا الأسماء طالت تكفنيهاهنا أخذ المعرّي قوله يمدح الرضيّ والمرتضى رحمهما الله :أنتم ذَوو النّسب القصير فطولُكم*** باد على الكُبراء والأشرافوالرّاح إن قبل ابنةُ العِنَب اكتفت ***بأب عن الأسماء والأوصافِوسأل النّسابة البَكْري رؤبة عن نسبه ولم يكن يَعرفِه، قال: أنا ابن العجاج، قال: قصرت وعرّفت .صاح أعرابيّ بعبد الله بن جعفر : يا أبا الفَضل! قيل : ليست كنيته ، قال : وإن لم تكن كنيتَه فإنّها صِفَته. نظر عمر إلى جارية له سوداء تبكي فقال: ما شأنك! قالت : ضَرَبَني ابنك أبو عیسی ، قال : أوقد تَكنَّى بأبي عيسى عليّ به فأحضروه فقال ويحك! أكان لعيسى أبفتكنَى به! أتدري ما كُنَى العَرَب أبو سلمة، أبو عُرْقُطة، أبو طلحة، أبو حنظلة، ، ثمّ أدبه .لما أقبل قحطبة بنُ شَبيب نحو ابن هبيرة أراد ابنُ هبيرة أن يكتب إلى مروان بخبره، وكره أن يسمّيَه فقال : اقْلِبوا اسمه فوجدوه هبط حقّ ، فقال : دعوه على هيئته .قال بَرْصُوما الزامر لأمّه : وَيْحَك! أما وجدت لي اسماً تسمّيني به غير هذا! قالت: لو علمتُ أنّك تجالس الخلفاء والملوك سمّيتك يزيد بن مَزيَد .قيل لبعض صبيان الأعراب :ما اسمُك؟ قال : قراد قيل : لقد ضَيَّق أبوك عليك الاسم، قال : إن ضَيَّق الاسم لقد أوسع الكُنيّة ، قال : ما كُنيتك؟ قال: أبو الصحارى .نظر المأمونُ إلى غلامِ حَسَن الوجه في الموكب، فقال له : يا غلام، ما اسمُك؟ قال : لا أدري ، قال : أو يكون أحدَ لا يَعرِف اسمه؟ فقاله يا أمير المؤمنين، اسمي الذي أعرف به «لا أدري»، فقال المأمون:وسُمِّيتَ لا أَدْرِي لأنَّك لا تَدرِي ***بمَا فَعَلَ الحب المبرِّح في صدريولد لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ولدٌ ذكر ، فبُشِّر به وهو عند معاوية بن أبي سُفيان، فقال له معاوية، سمِّه باسمي ولك خَمسمائة ألف درهم، فسماه معاوية، فدفَعها إليه، وقال اشترِ بها لِسَمِي ضَيْعة.
ومن حديث عليّ علیه السلام عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم : «إذا سَمِّيتم الولد محمداً فأكرموه، وأوسعوا له في المجلس، ولا تقبِّحوا له وجهاً» (1.)وعنه صلی الله علیه وآله وسلم : «ما من قوم كانت لهم مَشُورة فحضَر معهم عليها مَن اسمه محمد أو أحمَد فادخلوه في مَشُورتهم إلّا خِيَر لهم، وما من مائدة وُضعت فحضر عليها من اسمُه محمّد أو أحمد إِلَّا قُدّس ذلك المنزل في كل يوم مرّتين»(2.)من أبيات المعاني :وحَللتَ من مضر بأمنعِ ذروَةِ*** منَعت بحَدّ الشّوك والأحجارقالوا : يريد بالشّوك أخواله وهم :قَتادة وطلحة وعَوْسَجة، وبالأحجار أعمامه، وهم صفوان وفهر وجَنْدَل وصَحْر وجَرْوَل .سمّى عبد الملك ابناً له الحّجاج لحبه الحجاج بنَ يوسفَ وقال فيه :سمّيته الحجّاج بالحجّاج*** الناصح المكاشف المداحياستأذن الجاحظُ والشّكاك - وهو من المتكلمين - على رئيس، فقال الخادم لمولاه: الجاحد والشّكاك، فقال: هذان من الزّنادقة لا مَحالة! فصاح الجاحظ: ويحك! ارجع قل : الحدقيُّ بالباب - وبه كان يُعرَف - فقال الخادم: الحَلقيّ بالباب، فصاح الجاحظ ويلك! ارجع إلى الجاحد .جمع ابنُ دُرَيد ثمانية أسماء في بيت واحد فقال :فنعم أخو الجُلَّى ومستنبط النَّدَى*** وملجاً مكروب ومفزع لاهثعياذُ بن عمرو بن الجليس بن جابر بن زيد بن منظور بن زيد بن وارثِ .قال محمّد بن صدقة المقرئ ليموتَ بن المزرّع: صدّق الله فيك اسمك ! فقال له : أحوَجَك الله إلى اسم أبيك .سأل رجُلٌ أبا عبيدة عن اسم رجل من العرب، فلم يَعْرِفه، فقال كَيْسانُ عَلامُه : أنا أعرفُ الناس ،به هو خراش أو خداش أو رياش أو شيء آخر، فقال أبو عبيدة ما أحسن ما عرفته يا كَيْسان قال : إي والله وهو قرشي أيضاً، قال: وما يُدريك به؟ قال: أما ترى كيف احتوشته الشينات من كلّ جانب ! قال الفرزدق :وقد تلتقي الأسماء في الناس والكُنى*** كثيراً ولكن ميزوا في الخلائق
رَأى الإسكندرُ في عسكره رجلاً لا يزال يَنهزِم في الحزب فسأله عن اسمه؟ فقال : اسمِي الإسكَندر فقال يا هذا، إمّا أن تغيّر اسمك، وإما أن تغيِّر فعِلك .قال شيخُنا أبو عثمان: لولا أن القدماء من الشّعراء سمَّت الملوكَ وكنَتها في أشعارِها ، وأجازت واصطلحت عليه ما كان جزاءُ مَن فعل ذلك إلا العقوبة على أن ملوك بني سَامان لم يكنها أحد من رعاياها قط، ولا سماها في شعر ولا خُطبة، وإنما حَدَث هذا في ملوك الحيرة، وكانت الجُفاةُ من العَرب لسوء أدبها وغِلَظ تركيبها إذا أتوا النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم خاطَبوه باسمه وكنيته فأما أصحابه فكانت مخاطبتُهم له: يا رسولَ الله، وهكذا يجب أن يقال للملك في المخاطبة : يا خليفة الله ويا أمير المؤمنين.وينبغي للدّاخل على المِلك أن يتلطّف في مراعاة الأدب، كما حكَى سعيدُ بن مُرّة الكنديّ، دخل على معاوية فقال : أنت سعيد ؟ فقال : أمير المؤمنين السعيد، وأنا ابن مُرّة.وقال المأمون للسيّد بن أنس الأزديّ : أنت السيّد؟ فقال: أنت السيّد يا أمير المؤمنين، وأنا ابن أنَس :شاعر :نَعَمْرُك ما الأسماء إلّا علامةٌ مَنارٌ ومِن خير المنار ارتفاعُهاكان قومٌ من الصّحابة يخاطبون رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : «يا نبي الله» بالهمزة، فأنكر ذلك وقال : «الست بنَبيء الله ، ولكنّي نبيُّ الله»(1. وكان البحتريّ إذا ذكر الخثعميّ الشاعر يقول: ذاك الغَثّ العمي. وكان صاحب ربيع يتشيّع ، فارتفع إليه خَضمان : اسم أحدهما عليّ، والآخر معاوية فانحنَى على معاوية فضَربه مائة سوط من غير أن اتّجهت عليه حجّة، ففطن من أين أتِيَ ! فقال : أصلحك الله ! سَلْ خَضمي عن كنيته ، فإذا هو أبو عبد الرحمن - وكانت كنيةُ معاوية بن أبي سفيان - فبَطَحَه وضرَبَه مائة سوط ، فقال لصاحبه : ما أخذتَه منّي بالاسم استرجعتُه منكَ بالكُنْية.)*- 408 -الأصل: العَيْنُ حَقٌّ، والرُّقَى حَقٌّ، والسِّحْرُ حَقٌّ، وَالفَأْلُ حَقٌّ وَالطَّبَرَةُ لَيْسَتْ بِحَقِّ، والعَدْوَى لَيْسَتْ بِحَقِّ، والطيب نُشْرَةٌ، وَالْعَسَل نَشْرَةٌ، وَالرُّكُوبُ نُشْرَةٌ، والنظر إلى الخُضْرَةِ نشرة.
1) أخرجه الديلمي في «مسند الفردوس» (5284) ، وابن حجر في «السان الميزان» (5/4) ، والعقيلي فی «الضعفاء» (81/3).
الشرح: ويروى : «والغسل نُشرة» بالغين المعجمة، أي التطهير بالماء.### اخبار حول العين والطيرة والفأل والسحر والعدوىوقد جاء في الحديث المرفوع : «العينُ حقّ، ولو كان شيء يَسبِق القَدَر لسبقته العين، وإذا استُغسلتم فاغسِلوا»(1، قالوا في تفسيره : إنهم كانوا يطلبون من العائن أن يتوضأ بماء ثم يسقى منه المِعين ويَغتسِل بسائره .)وفي حديث عائشة : «العين حق كما أنَّ محمداً حقّ».وللحكماء في تعليل ذلك قولٌ لا بأس به، قالوا : هذا عائدٌ إلى نفس العائن، وذلك لأنّ الهُيولى مُطِيعة للأنفس، متأثّرة بها، ألا ترى أنّ نفوس الأفلاك تؤثَّر فيها بتعاقُب الصورَ عليها ! والنفوس البَشَرية من جَوهر نفوس الأفّلاك، وشديدة الشَّبَه بها، إلا أنّ نسبتَها إليها نسبة السراج إلى الشّمس، فليست عامّة التأثير، بل تأثيرُها في أغلَب الأمر في بدَنِها خاصّة، ولهذا يَحمَى مزاجُ الإنسان عند الغضب يستعدّ للجماع عند تصوُّر النفس صورَة المَعشوق، فإذَن قد صار تصوُّر النفس مؤثِّراً فيما هو خارجٌ عنها، لأنّها ليست حالةٌ في البدن، فلا يُستَبعد وُجود نفس لها جوهر مخصوص مخالفٌ لغيره من جواهر النّفوس تؤثّر في غير بدنها، ولهذا يقال: إنّ قوماً الهند يُقتلون بالوَهم، والإصابة بالعين من هذا الباب وهو أن تستحين النفسُ صورة مخصوصة وتتعجّب منها ، وتكون تلك النفس خبيثة جداً، فينفعل جسمُ تلك الصورة مطيعاً لتلك النفس كما ينفعل البدن للسّم.وفي حديث أم سلمة أن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم رأى في وجه جارية لها سَعْفَة، فقال: «إنّ بها نَظرةً فاسترقُوا لها »(2.)وقال عوف بن مالك الأشجعيّ : كنّا نَرقي في الجاهليّة، فقلت يا رسول الله ، ما تَرَى في ذلك ؟ فقال : «اعرضوا عليّ رقاكم فلا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شِرك »(3.)كان ناسٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر، فمرّوا بحيِّ من أحياء العَرَب، فاستضافوهم فلم يُضيفوهم وقالوا لهم : هل فيكم من راقٍ فإنّ سيّد الحي لديغ؟ فقال رجل
1) أخرجه مسلم في السلام باب الطب والمرضى والرقى (2188)، والترمذي في الطب، باب: ما جاء في الرقية من العين (2059) ، وأحمد في «مسنده» (26934).
2) أخرجه البخاري في الطب، باب رقية العين (5739) ، ومسلم في السلام، باب استحباب : الرقية من العين (2197) ، وأحمد في مسند المكثرين في الصحابة، باب: مسند عبد عمر بن العاص (6986) .
3) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار» (328/4).
منهم : نعم، فأتاه فَرَقاه بفاتحة الكتاب فبرى، فأُعْطِيَ قطيعاً من الغنم، فأبَى أن يَقبَلها حتّى يأتيَ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، فذكر ذلك لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وقال : وعَيْشك ما رقيتُه إلا بفاتحة الكتاب، فقال:«ما أدراكم إنّها رُقية! خذوا منهم واضربوا لي معكم بسَهم »(1.)ورَوَى بُرَيْدة، قال : قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وقد ذُكرت عنده الطِّيَرة: «مَنْ عَرض له من هذه الطيرة شيء فليقل: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرُك، ولا حول ولا قوّة إلا بالله» (2.وعنه علیه السلام : «ليس منّا من تَطّير أو تُطُیّر له، أو تَكَهّن أو تُكهّن له »(3.)أنَس بنُ مالك يرفَعه : «لا عَدْوَى ولا طيرة، ويُعجبني الفأل الصّالح»(4، قالوا : فما الفال الصالح؟ قال : الكلمة الطيبة .)وعنه علیه السلام : «تفاءلوا ولا تَطَيَّرُوا » .وروَى عبد الله بن بريدة عن أبيه، أنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم كان لا يتطيّر من شيء، وكان إذا بَعَث عاملاً سأل عن اسمِه، فإذا أعجبه سُرِّ به، ورئي بِشْرُ ذلك في وَجهه، وإن كَره اسمَه رئيتِ الكراهة على وَجهه، وإذا دخل قريةً سأل عن اسمها فإن أعجبه ظهرَ عَلَى وجهه.بَنَى عُبيد الله بن زياد بالبصرة داراً عظيمة، فمّر بها بعض الأعراب، فرأى في دِهليزِها صورة أسَد وكلب وكَبش ، فقال : أسدٌ كالح ، وكبشٌ ناطح، وكَلب نابح، والله لا يُمتَّع بها ، فلم يَلبَتْ عبيد الله فيها إلا أياماً يسيرة .
1) أخرجه البخاري في الإجارة، باب ما يعطى في الرقية على أحياء العرب في فاتحة الكتاب (2276)، ومسلم في السلام باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن (2201)، والترمذي في الطب، باب : أخذ الأجرة على التعويذ (2064) ، وأبو داود في البيوع، باب : كسب الأطباء(3418).
2) أخرجه أحمد في المكثرين من الصحابة: باب مسند عبد الله بن عمرو بن العاص (7005)، وابن : أبي شيبة في «المصنف» (670)، دون قوله : «ولا حول ولا قوة إلا بالله» وهو بلفظه عند أبي نعيم في «الحلية» (21/6) ، وابن عبد البر في «التمهيد» (201/24).)
3) أخرجه البزار في المسند (2578) ، والطبراني في «الأوسط » (4844)، وأبو نعيم في «الحلية» (195/4) ، وابن عدي في «الكامل» (780).
4) أخرجه البخاري في الطب، باب الفأل (5756) ، ومسلم في السلام، باب : الطيرة والفال (2223)، وأبو داود في الطب باب في الطيرة (3916) ، وابن ماجه في الطب، باب : من كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة (3537).
أبو هريرة يرفَعه : «إذا ظننتم فلا تُحققوا ، وإذا تطيّرتم فامضوا ، وعلى الله فتوكّلوا» (1.)وقال علیه السلام : «أحسَنُها الفال، ولا يَرُدّ قدراً، ولكن إذا رأى أحدُكم ما يكره فليَقُل : اللّهم لا يأتي بالحَسَنات إلّا أنت، ولا يَدفع السّيَئات إلّا أنت، ولا حولَ ولا قوّة إلّا بك »(2.)وقال بعضُ الشّعراء:لا يَعلَم المرءُ لَيْلاً ما يُصبحه*** الأكواذب ما يجري به الفالُوالفالُ والزجر والكُمان كلُّهمُ*** مضلّلون ودون الغيب أقفالُوعن النّبيّ صلی الله علیه وآله وسلم : «القِيافَة والطَّرق والطَّيَرة من الخَبَث »(3.)ابن عباس يرفَعُه : «من اقتبس عِلْماً من النجوم اقتَبَس شُعبة من السِّحر»(4.)أبو هريرة يرفَعه:« من أتى كاهناً فصدّقَه فيما يقول فقد بَرِئ مما أنزل الله على أبي القاسم »(5.)شاعر :لَعمرُك ما تدري الطّوارقُ بالحصى*** ولا زاجراتُ الطّير ما الله صانعُوقال آخر :لا يُقْعِدنّك عن بِغا*** والخير تعقاد العزائمفلقد غَدَوْتُ وكنتُ لا*** أغدو على راقٍ وحائمفإذا الأشائم كالأيا من والأيامنُ كالأشاتموکذاک لا خیرٌ ولا شرِّ على أحد بدايمتفاءَل هشامُ بن عبد الملك بنصر بن سيار فقلّده خُراسان، فبقي فيها عشرَ سنين.
1) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (125/6) ، وابن عدي في الكامل (1143).
2) أخرجه أبو داود في الطب، باب: في الطيرة (3919) ، والبيهقي في «السنن الكبرى» (16298)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (26392) ، والديلمي في «مسند الفردوس» (2020).
3) أخرجه أبو داود في الطب، باب في الحظ والجلب الطير (3907) ، وأحمد في مسند المكيين، باب: حديث قبيصة بن مخارق (15485) ، بلفظ : العيافة والطيرة والطرق من الجيت».
4) أخرجه أبو داود في الطب، بابٌ في النجوم (3905) ، وابن ماجه في الأدب، باب : تعلم النجوم (3726) ، وأحمد في مسند بني هاشم :باب بداية مسند عبد الله بن عباس (2836).
5) أخرجه ابن ماجه في الطهارة باب النهي عن إتيان الحائض ،(639)، وأحمد في باقي مسند المكثرين (9252) ، والدارمي في الطهارة باب من أتى امرأته فيدبرها (1136)، بلفظ : «فقد كفر بما أنزل على محمد بدل قوله : «برى مما أنزل على أبي القاسم ».
وتَفاءَل عامرُ بنُ إسماعيل قاتل مَروان بن محمّد باسم رجل لقيَه، فسأله عن اسمه، فقال: منصور بن سعد، قال: من أيّ العرب؟ قال : مِن سَعد العشيرة، فاستصحبه وطلب مروان فظفر به وقَتَله .وتفاءل المأمونُ بمَنصور بن بسّام فكان سببَ مكانتِه عندَه .قالوا : إنما أصل اليد اليُسرَى العُسْرى، إلا أنّهم أبدلوا اليُسرى من اليسر تفاؤلاً .مزرِّد بن ضِرار :وإنّي امرؤ لا تقشعر ذُوابَتِي ***من الذلبِ يَعوِي والغرابِ المحجَّلِالكُميت :ولا أنا ممّن يَزجر الطير هَمّه أصاحَ غُراب ام تعرض تَعلبُوقال بعض العرب : خرجتُ في طلب ناقةٍ ضلّت لي، فسمعتُ قائلاً يقول :ولئن بعشت لها بُغا فما البغاةٌ بواجِدِينَافلم أتطيّر ومضيتُ لوجهي، فلقيَني رجلٌ قبيح الوجه به ما شئت من عاهة، فلم أتطيَّر وتقدّمت فلاحَت لي أكَمَة فسَمِعت منها صائحاً :والشرّ يلقى مَطالِعَ الأكَمِفلم أكترث ولا انثنيت ،وعلوتُها، فوجدتُ ناقتي قد تفاجت للولادة فنتجتها، وعدت إلى منزلي بها ومعها ولدها .وقيل لعليّ علیه السلام : لا تحاربهم اليوم فإن القمر في العقرب فقال : قَمرنا أم قَمرُهُم!ورُوِي عنه علیه السلام أنه كان يَكرَه أن يُسافر أو يتزوّج في محاق الشّهر، وإذا كان القمر في العَقرب.ورُوي أنّ ابن عبّاس قال على مِنبَر البَصرة: إنّ الكلاب من الحنّ وإن الحنَّ من ضُعفاء الجنّ، فإذ غشيكم منهم شيء فألقوا إليه شيئاً أو اطردوه، فإنّ لها أنفُس سَوء.وقال أبو عثمان الجاحظ : كان علماء الفُرْس والهند وأطبّاء اليونانيَين ودُهاة العرب وأهل التجربة من نازلة الأمصار وحُذّاق المتكلّمين يَكرَهون الأكل بين يَدي السّباع يخافون عيونها للّذي فيها من النّهم والشّرَه، ولما ينحلّ عند ذلك من أجوافها من البُخار الرديء، وينفصل من عيونها ممّا إذا خالط الإنسان نقض بنية قلبه وأفسَدَه. وكانوا يكرهون قيامَ الخدَم بالمُذاب والأشرِبة على رؤوسهم خَوْفاً من أعينُهم وشدّة ملاحظتهم إيّاهم، وكانوا يأمرون بإشباعهم قبل أن يأكلوا، وكانوا يقولون في الكلب والسّنّور إما أن يُطرد أو يُشغل بما يُطرح له .
وقالت الحكماء : نفوسُ السِّباع أردأ النفوس وأخبثها لفَرْطِ شَرَهها وشَرِّها . قالوا : وقدوجدنا الرجل يضرب الحيّة بعصا فيموت الضارب والحيّة، لأن سمّ الحيّة فُصِل منها حتى خالط أحشاءَ الضارب وقَلْبَه، ونفذ في مَسامٌ جسدِه.وقد يُدِيم الإنسانُ النظر إلى العين المحمَّرة فتعتري عينه حُمرة، والتثاؤب يُعدِي إعداء ظاهراً، ويكره دنو الطامث من اللبن لتسوطَهُ، لأن لها رائحةً ويُخاراً يُفسد اللبن المُسوط.وقال الأصمعيّ : رأيت رجلاً عيوناً كان يَذكُر عن نفسه أنه إذا أعجبه الشيء وجَدَ حرارَة تَخرج من عينه .وقال أيضاً كان عندنا عيونان فمرّ أحدُهما بحَوض من حجارة، فقال: تالله ما رأيتُ كاليوم حَوْضاً! فانْصَدع فِلقَتين فمرّ عليه الثاني، فقال: وأبيك لقلما ضررت أهلك فيك ! فتطاير أربع فلق .وسمع آخر صوت بؤل من وراء جدار حائط ، فقال : إنك كثيرُ الشَّخب، فقالوا : هُوَ ابنُك ! فقال : أوه انقطع ظَهْرُه! فقيل : لا بأس عليه إن شاء الله، فقال: والله لا يَبُول بَعْدها أبداً، فما بال حتى مات.وسمع آخَرُ صوت شخب ناقة بقوّة فأعجبه، فقال: أيتهنّ هذه؟ فورّوا بأخرى عنها، فهلَكَتا جميعاً ، المورَّى بها والمورَّى عنها.قال رجل من خاصّة المنصور له قبل أن يقتُل أبا مسلم بيَوم واحد : إنّي رأيتُ اليوم لأبي مسلم ثلاثاً تطيّرت له منها قال ما هي؟ قال: ركب فوقعتْ فَلَنْسُوتُه عن رأسه، فقال المنصور: الله أكبرُ! تَبعها والله رأسُه، فقال وکَبا به فرسه، فقال: الله أكبر! كبا والله جَدُّه وأصلَد زَنْدهُ، فما الثالثة؟ قال: إنه قال لأصحابه : أنا مقتول، وإنما أخادع نفسي، وإذا رجلٌ يُنادِي آخر من الصحراء : اليوم آخر الأجل يا فلان فقال: الله أكبر! انقضى أجله إن شاء الله، وانقطع من الدنيا أثره. فقتِل في غدِ ذلك اليوم.تجهّز النابغةُ الذبيانيّ للغزو - واسمُه زياد بن عمرو - مع زبّان بن سيّار الفزاريّ فلما أراد الرحيل سقطت عليه جَرادةٌ فتطيّر، وقال: ذات لَونين تجرد غُرّي من خرج فأقام ولم يلتفت زبان إلى طيرته، فذهب ورَجَع غائماً ، فقال :تطيّر طيرة يوماً زيادٌ*** لتخبِره ومافيها خَبيرُأقامَ كان لقمان بن عادٍ*** أشار له بحكمته مُشیرُتعلّم أنه لا طير إلا على متطيّر وهو القبوربلى شيءٌ يوافق بعض شيء أحاييناً وباطُله كثيرُ
حضر عمرَ بن الخطاب الموسمُ ، فصاح به صائح يا خليفة رسول الله، فقال رجل من بني لِهْب، وهم أهلُ عِيافة وزَجْر : دعاء باسم ميّت، مات والله أميُر المؤمنين علیه السلام ، فلما وقف الناس للجِمار إذا حصاةٌ صدّت صَلعة عُمَر ، فأدمِي منها ، فقال ذلك القائل : أشعر والله أمير المؤمنين، لا والله ما يقف هذا الموقف أبداً، فقُتِل عمر قبل أن يَحُول الحول. وقال كثيرُ بن عبد الرحمن:تیمّمت لهباً أبتغي العِلْم عندَها*** وقد صار عِلم العائفين إلى لِهبِكان للعرب كاهِنان اسمُ أحدهما شقّ، وكان نصف إنسان، واسم الآخر سَطيح، وكان يُطوَى طَيَّ الحصير، ويتكلّمان بكل أعجوبة في الكهانة، فقال ابنُ الرُّوميّ :لكَ رأيٌ كانهُ رأي شِقِّ وسَطِيح قَريعَي الكهانِيستشف العُيوب عما توارى بعيون جليّة الإنسانوقال أبو عثمان الجاحظ : كان مُسيلمة قبل أن يتنّبأ يدور في الأسواق التي كانت بين دُور العرب والعَجمِ كسُوق الأبلّة وسوق بقة وسوق الأنبار وسوق الحيرة يلتمس تعلُّم الحيل والنّير نجيّات واحتيالات أصحاب الرُّقَى والعزائم والنجوم، وقد كان أحكم علم الحزاة (1وأصحاب الزجر والخطّ، فعمَدَ إلى بَيْضة فصبّ إليها خَلا حاذقاً قاطعاً، فلانَتْ، حتى إذا مدّها الإنسان استطالت ودَقّت كالعَلك، ثمّ أدخلها قارورةً ضيّقة الرأس وتركها حتى انضمت واستدارت ،وجمدت فعادت كهيئتها الأولى، فأخرجها إلى قوم وهم أعراب واستغواهم بها، وفيه قيل :)ببيضة قارور وراية شادن*** وتوصيل مَقطوع من الطير حاذِقِقالوا : أراد براية الشّادن التي يعملها الصبيّ من القرطاس الرّقيق، ويجعل لها ذَنباً وجناحين ويُرسلها يوم الرِّيح بخيط طويل .كان مُسَليمة يعمل راياتٍ من هذا الجنس، ويعلّق فيها الجلاجِل، ويُرسلها لَيْلاً في شدّة الريح، ويقول: هذه الملائكة تنزل عليّ، وهذه خَشخَشة الملائكة وزجَلُها، وكان يصل جَناح الطير المقصوص بريش معه فيطير ويستغوِي به الأعراب.شاعر في الطَّيرة :وأمنع الياسمين الغَضَّ مِن حَدْرِي ***عليكِ إذ قيل لي نصفُ اسمه ياسوقال آخر :أهدَتْ إليه سَفَرْجلاً فتطيَّرا ***منه وظَلّ مفكّراً مستعبرا
1) الحزأة: الكهانة. القاموس، مادة (حزو).
خوف الفِراق لأن شَطر هِجائه*** سَفَرٌ وحُقِّ له بأن يتطيَّراوقال آخر :يا ذا الذي أهدَى لنا سَوْسَناً ماكنت في إهدائهِ محسنانصفُ اسمه سَوّ فقد ساءني ياليت أني لم أرَ السَّوْسَناومثلُه :لا تراني طوال ده يري أهوى الشَّقايِقاإن يكن يُشبه الخدو د فنصف اسمه شَقاوكانوا يتفاءلون بالآسِ لدوامه، ويتطيَّرون من النرجِس لسرعة انقضائه، ويسمّونه الغَدّار.وقال العباس بنُ الأحنف:إنّ الّذي سَمَاكِ يا منيَتي بالنّرجِس الغَدّار ما أنصَفالو أنّه سمّاك بالاسةِ وقيتِ إنّ الآسَ أهلُ الوَفاخرج كثيرُ يريد عَزَّةَ ومعه صاحِبٌ له من نَهْد فرأى غراباً ساقطاً فوق بانَةٍ يَنتف ريشه، فقال له النَّهْدِيَ : إن صَدَق الطَّير فقد ماتت عَزّة، فوافى أهلَها وقد أخرَجوا جَنازَتها، فقال:وما أغيَفَ النهديَّ لا دَر دَرهُ وأزجَرَه للطير لا عَزَّناصِرةرأيتُ غراباً ساقطاً فوق بانةٌٍ*** ينتّف أعلى ريشه ويُطايرةفقال غرابٌ لاغتراب، وبانَةٌ*** لِبَيْن، وفقد من حبيبٍ تُعَاشِرُهُوقال الشاعر :وسمّيته يحيى ليحيا ولم يكن*** إلى رَدَّ حُكم الله فيهِ سَبيلتبمعْتُ فيه الفال حين رُزِقتُه ***ولم أدر أن الفأل فيه يفيلُفأمّا القول في السِّحر فإنّ الفقهاء يثبتونه ويقولون: فيه القَوَد، وقد جاء في الخبر أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سَحَره لَبيد بن أعصَم اليهوديّ حتى كان يُخيَّل إليه أنه عَمِل الشيءَ ولم يَعْمَله (1.)ورُوي أنّ امرأة من يهود سحرته بشَعر وقُصاص وجَعَلت السِّحرَ في بئر، وأنّ الله تعالى دَلّه على ذلك، فبعث عليَّا علیه السلام فاستخرَجه وقتل المرأة (2.)
وقوٌم من المتكلّمين يَنفون هذا عنه علیه السلام ، ويقولون : إنه معصوم مِن مِثله .والفلاسفة تَزعم أنّ السِّحر من آثار النفسِ الناطقة، وأنه لا يَبعُد أن يكون في النفوس نفس تؤثّر في غيرِ بَدنها المرض والحُبّ والبُغض ونحو ذلك، وأصحاب الكواكب يَجعلون للكواكب في ذلك تأثيراً، وأصحابُ خَواصّ الأحجار والنّبات وغيرها يُسنِدون ذلك إلى الخواصّ، وكلام أمير المؤمنين علیه السلام دالُّ على تصحيح ما يُدعى من السَّحر.وأمّا العَدْوَى فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «لا عدوَى في الإسلام» (1. وقال لمن قال : أعدَى)بعضُها بعضاً - يعني الإبل -: فمن أعدَى الأول؟ وقال :« لا عدوَى ولا هامَة ولا صَفَر»(2فالعَدوى معروفة، والهامَة: ما كانت العرب تزعُمه في المَقْتول لا يؤخذ بثاره، والصَّفَر :ما كانت العرب تزعمُه من الحيّة في البَطن تَعَض عند الجوع.)### أخبار حول مذاهب العرب وتخيلاتهاوسنذكرها هنا نُكتاً مُمتعةً من مذاهب العَرَب وتَخيُّلاتِها ، لأنّ الموضع قد ساقنا إليه، أنشَد هشامُ بنُ الكَلبيّ لأميّة بن أبي الصَّلت :سَنَةٌ أَزْمَةٌ تُبرِّح بالناس تَرَى للعضاء فيها صَريرالا عَلَی کوکپ تَنُوهُ ولا ري ح جنوب ولا ترى طُحروراويُسَمَّوْن باقرَ السَّهْل للطّو*** دمهازيل خشية أن تَبوراعاقدين النَّيران في تُكَن الأذ ***تاب منها لكي تهيجَ البحُوراسَلَعٌ ما ومثله عُشرٌ ما ***عامِلٌ ما وعالتِ البَيْقُورايُروى أنّ عيسى بن عمر قال: ما أدري معنى هذا البيت ! ويقال : إنّ الأصمعيّ صحّف فيه، فقال : «وغالَت البَيْقُورا» بالغَين المعجمة، وفسّره غيرُه فقال : عالَت بمعنى أثقَلت البَقَرَ بما حملتها من السّلع والعُشر، والبَيقور : البَقر. وعائل: غالب، أو مُثقَل .وكانت العرب إذا أجدَبَتْ وأمسكَت السماءُ عنهم وأرادوا أن يُستمطرُوا عَمَدوا إلى السَّلع والعُشَر فحزَموهما وعقدوهما في أذناب البقر ، وأضرموا فيها النَّيران، وأصعَدوها في جبل وَعِر، واتّبعوها يدعون الله ويَسْتَسْقونه، وإنّما يَضرمون النَّيران، في أذناب البقر تفاؤلاً للبَرق بالنار، وكانوا يَسُوقونها نحو المغرب من دون الجهات. وقال أعرابيّ :
شَفَعْنَا بِبَيقور إلى هاطل الحيَا ***فلم يُغن عنا ذاك بل زادَنَا جَدْبَافعُدْنا إلى رَبِّ الحَيا فأجارَنا وصيّر جذب الأرض من عنده خضباوقال آخر:قُلْ لبنِي نَهْشَلَ أصحاب الحَوَرُ: أتطلبون الغيثَ جَهلاً بالبَقَر!وسلَع من بعد ذَاكَ وعُشَرْ ليس بذا يُجلل الأرضَ المَطَرْويمكن أن يُحمّل تفسير الأصمعيّ على محمل صحيح، فيقال : غالت بمعنى أهلكت، يقال : غاله كذا واغتاله أي أهْلَكه، وغَالتهم غُول، يعني المنيّة، ومنه الغَضَب غُول الحلم .وقال آخر :لمّا كسَوْنا الأرض أذناب البَقَرُ بالسَّلَع المعقود فيها والعُشَرْوقال آخر :يا كخل قد أثقلت أذناب البَقَرُ ***بسَلَع يعقد فيها وعُشَرْفهل تَجُودِين ببَرْقٍ ومَطرُوقال آخر يعيب العربَ بفِعلهم هذا :لا دَر دَرّ رجالٍ خاب سعيُهُم يستمطرون لدى الإعسار بالعُشَرِأجاعلٌ أنت بيقوراً مسلّعة ذريعةً لك بين الله والمَطروقال بعضُ الأذكياء: كلّ أمّة قد تَخذو في مذاهبها مذاهبَ مِلّة أخرى، وقد كانت الهند تَزعمُ أنّ البقر ملائكة، سَخط اللهُ عليها فجَعَلها في الأرض، وأنّ لها عنده حرمة، وكانوا يُلطِّخون الأبدانَ بأخثائها، ويَغسِلون الوجوةَ بيَوْلِها ويجعلونها مُهور نسائهم، ويتبرّكون بها في جميع أحوالهم، فلعلَّ أوائل العرب حَذَوْا هذا الحذْوَ، وانتهجوا هذا المَسْلك .وللعَرَب في البقر خيالٌ آخر، وذلك أنّهم إذا أوردوها فلم تَرِد ضَرَبوا الثّور ليقتحمَ الماء، فتقتحم البقر بعدَه، ويقولون : إنّ الجنّ تَصُدّ البقر عن الماء، وإن الشّيطان يركب قَرْنَيْ التّور، وقال قائلهُم :إنِّي وقتلِي سُلَيْكاً حين أعْقِلُه كالثّور يُضرب لما عافَتْ البَقَرُوقال نَهشَل بن حريّ :كذاكَ الثورُ يُضرب بالهرَاوَى إذا ما عافتِ البَقَرُ الظُّماءوقال آخر :كالفور يُضرب للورُو ***د إذا تَمنَّعتِ البَقَر
فإن كان ليس إلّا هذا فليس ذاك بعَجِيب من البقر ولا بمَذهَب من مذاهب العرب : لأنّه قد يجوز أن تَمتِنِع البقر من الوُرود حتَّى يَرِدَ الثّور كما تمتنع الغنمُ من سلوك الطُّرُق أو دخول الدُّور والأخبِية حتّى يتقدّمها الكبش أو التّيس، وكالنحل تتبع اليَعْسُوب، والكَراكيّ تتبع أميرَها، ولكن الّذي تدلّ عليه أشعارها أنّ الثّور يَرِدُ ويَشرَب ولا يمتنع ولكنّ البقر تمتنع وتَعافُ الماء وقد رأت الثورَ يَشرَب، فحينئذ يُضرب الثور مع إجابته إلى الورود فتشرب البقر عند شُربه، وهذا هو العَجَب، قال الشاعر :فإنّي إذن كالثَّور يُضرب جَنْبُهُ إذا لم يُعَف شرباً وعاقَتْ صَواحِبُةوقال آخر :فلا تجعلوتي كالبقير وفحلها يكسَّر ضَرْباً وهو للورد طائِعُوما ذَنبه إن لم يرد بقَراته وقد فاجأتها عند ذاك الشّرائعُوقال الأعشى:لكالثّور والجِنِّي يُضرب وجههُ وما ذَنْبه إن عافت الماءَ مَشْرَبا !وما ذنبُه إن عافت الماء باقرٌ وما إن يَعافُ الماء إلّا ليُضرَباقالوا في تفسيره: لمّا كان امتناعُها يتعقبه الضرب، حَسُن أن يقال : عافت الماء لتُضرَب، وهذه اللّام هي لام العاقبة كقوله : «لِدُّوا للموت»، وعَلَى هذا فسّر أصحابُنا قوله سبحانه : (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ المِينَ وَالْإِنسِ (1).)ومن مذاهب العرب أيضاً تعليق الحَلْي والجَلاجل على الَّلديغ يَرَوْن أنه يُفيق بذلك، ويقال : إنه إنما يعلّق عليه لأنهم يرَون أنه إنّ نام يَسرِي السمّ فيه فيهلك، فشَغلوه بالحَلْي والجَلاجل وأصواتها عن النوم، وهذا قولُ النَّضر بن شُمَيل، وبعضُهم يقول : إنه إذا عُلّق عليه حلي الذهب بَرَأ، وإن علّق الرّصاص أو حَلي الرصاص مات.وقيل لبعض الأعراب : أتريدون شُهرة ؟ فقال : إنّ الحَلْي لا تُشهر ، ولكنها سُنّةٌ ورثناها .وقال النابغة :فيت كأني ساورتني ضئيلةٌ من الرُّقْش في أنيابها السّمُّ ناقِعُيُسهَدُ من ليلِ التِّمام سَلِيمُها*** لِحِلْيِي النساء في يدية قعاقِعُوقال بعض بني عُذْرَة :كاني سليمٌ نَالَهُ حُلْمُ حَيْةٍ ***ترى حوله خلي النساء مرصَّعَا
1) سورة الأعراف الآية : 179 .
وقال آخر :وقد عُلّلوا بالبطل في كلّ موضع*** وغُرُّوا كما غَرَّ السليم الجلاجلوقال جَمِيل وظرف في قوله، ولو قاله العبّاس بن الأحنف لكان ظريفاً :إذا ما لديغٌ أبرأ الحليُ داءَه*** فعَليكِ أمْسَى يا بُثَيْنة دائِيَاوقال عُوَيْمر النبهاني وهو يؤكّد قولَ النّضر بنِ شُمَيل :فبتّ مُعنِّى بالهموم كانّني سليمٌ نَفَى عنه الرُّقادَ الجَلاجلُومِثلُه قولُ الآخر :كأني سليمٌ سَهْد الحلي عيَنه فراقب من ليل التِّمام الكواكبَاويشبه مذهَبهم في ضَرْب الثور مذهبهم في العَرّيصِيبُ الإبل فيُكوَى الصحيح ليبرأ السقيم . وقال النابغة :وكلّفتَني ذنبَ امرىءٍ وتركته*** كذي العَرِّ يكوَى غيرُه وهو راِئعُوقال بعضُ الأعراب :كمن يَكوي الصّحاح يرومُ بُزءاً به من كلّ جَزباء الإهابوهذا البيت يُبطل رواية من رَوى بيت النابغة «كذِي العُرِّ» بضم العين، لأنّ العُرّ بالضم: قَرْح في مَشافِر الإبل غيرُ الجَرَب، والعَرُ بالفتح : الجَرَب نفسه، فإذا دَلُّ الشعر على أنه يكوى الصحيح ليبرأ الأجْرَب، فالواجب أن يكون بيتُ النابغة «كذِي العَر» بالفتح.ومِثلُ هذا البيت قولُ الآخر :فألزمتني ذنباً وغيرِيَ جَرَّه حَنَانَيْكِ لا يكوى الصحيح بأجرباإلّا أن يكون إطلاق لفظ الجَرَب على هذا المرض المخصوص من باب المجاز لمشابهته له.ومن تخيّلاتِ العَرَب ومذاهبها أنّهم كانوا يفقؤون عينَ الفَحْل من الإبل إذا بلغت ألفاً، كأنّهم يدفعون العين عنها، قال الشاعر :فقأنا عيوناً من فُحول بَهازِرٍ وأنتم برعي البهم أولى وأجدرُوقال آخرَ :وهَبْتَها وكنت ذا امتِنانِ تفقَافِيها أَعيُنَ البُعْرانِوقال الآخر :أعطيتَها ألفاً ولم تَبخَلُ بها*** ففَقاتَ عَيْنَ فُحَيْلِها مُعْتافا
وقد ظنّ قوم أن بيتَ الفَرزدق وهوغَلَبْتُك بالمفقيء والمُعَنِّى*** وبيت المحتبي والخِافقاتِهذا الباب وليس الأمر على ذلك، وإنّما أراد بالفقء قوله لجرير :من ولست ولو فقاتُ عينيكَ وجداً*** أخاً كلقيط أو أباً مثل دارموأراد بالمعنى قوله لجرير أيضاً :وإنّك إذ تسعَى لتُدرِك دارِماً ***لأنتَ المعنى يا جرير المكلفوأراد بقوله : بيت المحتبي قوله : بيت زرارة مختب بفنائه ومُجاشع وأبو الفوارس نَهْشَلُوبيت الخافقات قوله :ومعصب بالتّاج يخفق فوقه خرق الملوك له خَمِيسٌ جَحْفَلُ فأما مذهبهم في البلية، وهي ناقةٌ تُعقَلُ عند القبر حتى تموت، فمذهَبٌ مشهور، والبلية أنّهم إذا مات منهم كريم بلوا ناقته أو بعيره، فعكسوا ،عنقها وأداروا رأسها إلى مؤخَّرها ، وتركوها في حفيرة لا تطعم ولا تُسقى حتى تموت، وربما أُحرقت بعد موتها، وربما شلخت وملئ جلدها تماماً. وكانوا يزعمون أن من مات ولم يُبْلَ عليه حُشِر ماشياً ، ومَن كانت له بليّة حُشر راكباً على بليّته، قال جُرَيبة بن الأشيم الفَقْعَسي لابنه :يا سَعْد إما أهلِكَن فإنني أوصيك إنّ أخا الوَصاةِ الأقرب لا أعرفن أباك يحشر خلفَكُمْ تعباً يُجَرُّ على اليَدين ويُنكَبُ واحمل أباك على بعير صالح وثق الخطيئة إنه هو أصوب ولعلّ لي ممّا جمعت مطيّة في الحشر أركبها إذا قيل ازكَبواوقال جريبة أيضاً :إذا مت فادفنّي بجداء ما بها سوى الأصرخين أو يفوز راكب فإن أنتَ لم تَعقِر عليّ مطيتي فلا قام في مال لك الدهر جالب ولا تدفننّي في صُوّى وادْفِنَنَّنِي بديمومة تنزو عليها الجَنادِبُوقد ذكرتُ في مجموعي عي المسمّى بالعبقري الحسان» أن أبا عبد الله الحسين بن محمد بن جعفر الخالع رحمه الله ذكر في كتابه في آراء العرب وأديانها هذه الأبيات، واستشهد بها على ما كانوا يعتقدون في البَليّة، وقلتُ : إنه وَهِمَ في ذلك، وإنه ليس في هذه الأبيات دَلالة على هذا المعنى، ولا لها به تعلّق، وإنما هي وصيّة لولده أن يعقر مطيته بعد موته، إِمَّا لِكَيْلا يَركَبها غيره
بَعده، أو على هيئة القُرْبان كالهَدي المَعقور بمكّة، أو كما كانوا يعقرون عند القبور، ومَذهبهم في العَقر على القبور، كقول زياد الأعجم في المغيرة بن المهلّب:إنّ السّماحة والمروءة ضُمَّنَا*** قَبْراً بمرو على الطّريق الواضحفإذا مَررتَ بقبره فاعقِربه كُومَ الهِجانِ وكلّی طِرْفِ سابحوقال الآخَر :نفرَتْ قَلوصي عن حجارة حَرَةٍ بُنيت على طَلق اليدين وَهوبِلا تَنفري يانَاقُ منه فإنّهُ*** شِرِّيبُ خَمْرِ مِسْعَرَ لحرُوبِلولا السِّفار ويُعدُ خَرْقٍ مَهمةٍ ***لتركتُها تحبو على العُرْقوبومذهبُهم في العَقْر على القبور مشهور، وليس في هذا الشِّعر ما يدلّ على مذهبهم في البَليّة، فإنْ ظَنّ ظانَّ أنّ قوله : «أو يُفَوِّز راكب»، فيه إيماءٌ إلى ذلك، فليس الأمرُ كما ظنّه . ومعنى البيت ادفنِّي بفلاةٍ جَدّاء مقطوعة عن الإنس، ليس بها إلّا الذئب والغُراب، أو أن يعتسف راكبها المَفازة وهي المَهلَكة، سمّوها مَفازةً على طريق الفأل . وقيل : إنّها تسمّى مَفازةٌ، من فوّز أي هلَك، فليس في هذا البيت ذكرُ ،البليَّة، ولكنّ الخالع أخطأ في إيرادِه في هذا الباب، كما أخطأ في هذا الباب أيضاً في إيراده قول مالك بن الرِّيب :وعَطّل قلوصِي في الرِّكاب فإنَّها ستُبرِد أكباداً وتُبكي بواكِيَافظنّ أنّ ذلك هذا من الباب الّذي نحن فيه، ولم يُرِد الشاعر ذلك، وإنما أراد لا تَركَبوا راحلتي بعدِي، وعَطِّلوها بحيثُ لا يشاهدها أعادِِيَّ وأصادِقي ذاهبةً جائيةً تحتَ راكبها، فيَشمَت العدوّ ويُساء الصديق، وقد أخطأ الخالع في مواضع عدة من هذا الكتاب، وأورد أشعاراً في غير موضعها، وظنّها مناسبةً لما هو فيه، فمنها ما ذَكَرناه، ومنها أنّه ذكَرَ مذهَب العرب في الحَلْي ووضعِه على اللِّديغ، واستشْهَدَ عليه بقول الشاعر:يُلاقِي من تَذكُرِ آلِ لَيْلَى كمايَلْقَى السليم من العِدادِولا وجه لإيراد هذا البيت في هذا الموضع، فالعِداد مُعاوَدَة السَّم الملسوع في كلّ سنة في الوَقْت الّذي لُدِغ فيه، وليس هذا من باب الحَلي بسبيل.ومن ذلك إيراده قولَ الفَرَزْدق غلبْتُك بالمفقيء» في باب فَقَء عُيون الفحول، إذا بلغت الإبلُ ألفاً، وقد تقدّم شرحنا لموضع الوهم في ذلك. وسنذكر هاهنا كثيراً من المواضع الّتي وَهِم فيها إن شاء الله .وممّا وَرَد عن العرب في البليّة قولُ بعضهم :
ابنَي زَوْدْني إذا فارقتَنِي في القبر راحلةً برخل فاترِلِلبَعْث أركَبُها إذا قيل ارکبوا مستوثقین معاً لحشر الحاشِرِوقال عُوَيم النبهاني :أبْنَيّ لا تنسَ البليّة إنّها*** لأبيكَ يومَ نُشورهِ مَرْكوبُومن تخيلات العَرَب ومذاهبها ما حكاه ابنُ الأعرابيّ، قال: كانت العرب إذا نفرت الناقة فسُمِّيت لها أمها سكنت من النفار، قال الراجز :أقولُ والوَجْناءُ بي تَقَدَّمُ ***وَيلك قُلْ ما اسمُ أمها يا عَلْكَمُعَلْكُم : اسمُ عبد له، وإنما سأل عبدَه ترفُّعاً أن يَعرِف اسمَ أمِّها ، لأنّ العبيد بالإبل أعرَف، وهُم رُعاتُها . وأنشدَ السّكّري : فقلتُ له ما اسم أمها هاتِ فادعها تُجِبْك ويَسْكُنُ روعُها ونفارُهَاومما كانت العرب كالمجتمعة عليه الهامة، وذلك أنهم كانوا يقولون : ليس من ميّت يموت ولا قتيل يُقتل ، إلا ويخرج من رأسه هامةٌ، فإن كان قُتِل ولم يؤخذ بثأره نادت الهامة على قبره اسْقُوني، فإنّي صَدِيَة، وعن هذا قال النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم : «لا هَامَة»(1.)وحُكي أنّ أبا زيد كان يقول : الهامّة مشدّدة الميم إحدى هَوَامّ الأرض، وأنها هي المتلوّنة المذكورة.وقيل : إنّ أبا عُبيد قال : ما أرى أبا زيد حفظ هذا، وقد يُسمّونها الصدى والجمع أضداء، قال:وكيف حَياة أصداءِ وهاموقال أبو دواد الإياديّ:سُلِّط الموتُ والمَنُونُ عليهم فلهم في صدَى المقابرِ هامُوقال بعضُهم لابنه :ولا تَزْقُون لي هامة فوقَ مَرْقَبٍ ***فإن زُقاء الهام للمره عائبُتُنادِي ألا اسْقونِي وكلّ صَدّى به ***وتلك التي تبيض منها الذَّوائب
1) أخرجه البخاري في الطب، باب لا صفر وهو داء يأخذ البطن (5717) ، ومسلم في السلام باب : لا عدوى ولا طيرة ولا هامة (2220). وأبو داود في الطب، باب : في الطيرة (3911)، وابن ماجه في المقدمة، باب : في العذر (86) ، وأحمد في «مسنده» (1505).
يقول له : لا تَترك ثأري إن قتلت فإنك إن تركتَه صاحتَ هامَتي : اسقوني، فإن كل صدّى - وهو هاهنا العَطَش - بأبيك، وتلك التي تبيضّ منها الذوائب، لصُعوبتها وشِدّتها، كما يقال : أمرٌ يُشِيب رأسَ الوليد ويحتمل أن يريد به صُعوبة الأمر عليه وهو مقبور إذا لم يثأر به ،ويحتمل أن يريد به صعوبة الأمر على ابنه، يعني أن ذلك عارٌ عليك، وقال ذو الإصْبَع :يا عَمْرُو إِلَّا تَدَعْ شَتْمِي ومَنقَصَتي*** أضرِبُكَ حيث تقولُ الهامةُ اسْقُونيوقال آخر :فيا رَبِّ إنْ أهلك ولم تَرْوِهامَتِي بلَيلى أمُتْ لا قبر أعطَش من قبريويحتمل هذا البيت أن يكون خارجاً عن هذا المعنى الذي نحن فيه، وأن يكون ريّ هامته الذي طلبه من ربّه هو وصال لَيْلَى وهما في الدنيا . وهم يَكنُون عما يَشفيهم بأنه يُروِي هامَتَهم .وقال مغلّس الفَقسيّ :وإنّ أخاكم قد علمت مكانَه بسَفح قُبا تَسفي عليه الأعاصرُله هامةٌ تدعو إذا الليل جَنَّها ***بَني عامر هل للهلاليِّ ثائرُوقال تَوْبَةُ بن الحمير :ولو أنَّ ليلى الأخيليَّة سلَمت ***علي ودُونِي جَنْدَلٌ وصَفائحُلسلّمتُ تسليم البَشاشِة أوزقًا إليها صَدِّى من جانب القَبر صائحُوقال قيسُ بن المُلوِّح ، وهو المجنون:ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ومن دوننا رَمْسٌ (1مِن الأرض انْكَبُ)لظَّلَّ صدَى رَمْسِي وإن كنتُ رِمَّةٌ لِصوتِ صَدَى لَيلَي يَهَشُ وَيَعْرَبُوقال حُمَيد بنُ ثور:الاهل صَدَى أمّ الوليد مكلِّمّ صَدايَ إذا ما كنتُ رَمْساً وأعظماومما أبطله الإسلام قولُ العَرَب بالصَّفَر ، زعموا أنّ في البطن حَيّةً إذا جاع الإنسان عَضَت على شُرْسُوفه وكبده ، وقيل : هو الجوع بعَينه، ليس أنّها تعضّ بعد حصول الجوع، فأما لفظ الحديث: «لا عدوّى ولا هامة ولا صَفَر ولا غُول »(2، فإن أبا عُبيدة معمر بن المثنّى قال : هو صَفَر الشّهر الذي بَعد المحرَّم ، قال : نهى علیه السلام عن تأخيرهم المحرَّم إلى صَفَر يَعني ما كانوا)
يفعلونَه من النَّسيء ، ولم يوافق أحدٌ من العلماء أبا عبيدة على هذا التفسير، وقال الشاعر:لا يَتَأرى لِما في القِدْرِ يَرْقُبه ولا يعض على شُرْسُوفِه الصَّفَرُوقال بعضُ شعراء بني عَبْس يذكر قَيس بنَ زهير لما هَجَر الناس وسَكن الفيافي وأنِسَ بالوَحْش، ثمّ رأى ليلةً ناراً فعشًا إليها ، فشمَّ عندها قُنَار اللحم، فنازعته شهوته، فغلبها وقهرها، ومال إلى شجرة سلّم فلم يزل يحْدِمُها ويَأكُل مِن خَبَطها إلى أن مات :إنّ قيساً كان م اً كان ميتَته كرمٌ والحيّ منطلقُشام ناراً بالهوى فَهَوَى وشجاع البَطن يختفقُفي دريس ليس يَستُره رُبِّ حُر ثوبُه خَلَقُوقوله : ( بالهوى اسمُ موضع بِعَينه .)وقال أبو النّجم العِجليّ :إنّك يا خَيرَ فنّی نَستعدي على زمان مسنِتٍ بِجَهْدِعضَّا كعَضّ صَفَرِيكِيْدِوقال آخر :أردُّ شُجاعَ البَطْن قد تعلمينه وأوثر غيرِي من عِيالِك بالطّعمِومن خُرافات العرب أن الرّجل منهم كان إذا أراد دخول قريةٍ فخاف وباءها أو جنَّها، وقف على بابها، قبل أن يدخلها فنَهَقَ نهيق الحمار ، ثم علّق عليه كعب أرنب، كأنّ ذلك عُوذة له ورقُية من الوَباء والجنّ، ويسمُّون هذا النَّهيق التَّعشير ، قال شاعرهم :ولا ينفع التَّغشير أن حُمّ واقِعٌ ولا زعزَعٌ ولا تغب أرنبوقال الهيثم بن عَدِيّ : خرج عُروة بن الوَرْد إلى خيبر في رُفّقه ليمتارُوا، فلمَّا قربوا منها عشّروا، وعاف عُروة أن يفعل فعلهم ، وقال :لعمري لئن عَشْرتُ من خِيفَةِ الرَّدَى نُهاقَ حَمير إنني لجزُوعُفلا والَتْ تلك النفوس ولا أَتَتْ*** قُفولاً إلى الأوطان وهي جميعُوقالوا ألا أنهَقُ لا تضرك خَيْبَرٌ ***وذلك من فعل اليهود وُلوعُالوُلوع بالضمّ: الكذب، ولع الرجُل إِذا كَذَب، فيقال إن رفقته مرضوا ومات بعضهم، ونجا عروة من الموت والمرض.وقال آخر :
لا يُنجينك من حِمامِ واقعٍ*** کَعبٌ تعلِّقُه ولا تَعشيرُويُشابه هذا أن الرجل منهم كان إذا ضَلَّ في فَلاةٍ قلب قميصَه، وصفّق بيديه كأنه يومئ بهما إلى إنسان فيهتدِي، قال أعرابيّ :قلبتُ ثِيابي والظُّنونُ تجول بي*** وتَرْمِي برخلي نحو كلّ سبيلِفلأياً بلأي ما عرفت جَليّتي*** وأبصَرْتُ قَصْداً لم يصب بدَليلوقال أبو العملّس الطائيّ :فلو أبصرتني بلوَى بطانٍ أصفّق بالبَنانِ على البَنانِفأقلبُ تارةً خوفاً ردائي وأصرُخُ تارةً بأبي فُلانِلقلتُ أبو العَمَلس قددَهاهُ من الجِنّان خالعة العِنانِوالأصل في قَلب النّياب التفاؤل بقَلب الحال، وقد جاء في الشَّريعة الإسلاميّة نحو ذلك في الاستسقاء.و من مذاهب العَرَب أنّ الرجل منهم كان إذا سَافَرَ عَمدَ إِلى خَيْط فَعَقَده في غُصن شجرة أو في ساقها، فإذا عادَ نظرَ إلى ذلك الخيط، فإنْ وجَدَه بحالِه عَلم أنّ زوجتَه لم تَخُنْه، وإن لم يَجِده أو وجده مَحلولاً ، قال : قد خانَتني، وذلك العَقْد يُسمّى الرّتم، ويقال : بل كانوا يعقدون طَرَفاً من غُصْن الشجرة بطرفِ غصن آخر، وقال الراجز :هل ينفعنُكَ اليومَ إِنْ هِمت بهم كثرة ما تُوصِي وتَعْقاد الرّتَمْوقال آخر :لا تَحسَبنٌ رَتائِماً عقدنَها تُنْبِيكَ عنها باليقين الصادقوقال آخر :يعلّل عمرُو بالرتائم قَلبَه وفي الحيّ ظَبيٌ قد أحلّتْ محارمةفما نفعت تلك الوَصايا ولا جَنَتْ*** عليه سِوَى ما لا يحبّ رَنائمُةوقال آخر :ماذا الّذي تَنفَعُك الرتائمُ*** إذ أصبحتْ وعِشقُها مُلازِمُوهي على لذّاتها تداوم *** يَزُورها طب الفؤاد عارِمُبكل أدواء النّساء عالموقد كانوا يعقدون الرّقم للحُمَّى، ويرون أن من حَلّها انتقلت الحمّى إليه ، وقال الشاعر:
حللتُ تيمة فمكثتُ شَهْراً*** أكابِدُ كلَّ مكروه الدّواءوقال ابنُ السّكّيت : إنّ العرب كانت تقول : إنّ المرأة المقلات - وهي الّتي لا يَعيشُ لها ولد - إذا وَطِئَت القتيل الشريفَ عاشَ ولدُها ، قال بِشرُ بنُ أبي خازم :تَظَلَّ مَقاليتُ النِّساءِ تطانَه يَقُلْن الايُلقَى على المرء مِنْزَرُوقال أبو عُبيدة : تتخطّاه المِقلات سبعَ مرّات، فذلك وَطؤها له .وقال ابنُ الأعرابيّ : يمرّون به ويطؤون حولَه، وقيل: إنّما كانوا يفعَلون ذلك بالشريف يُقتَل غَدْراً أو قَوَداً .وقال الكُمَيت :وتُطِيلُ المرزاتُ المَقاليتُ إليه القُعودَ بعد القِيامِوقال الآخر :تركنا الشَّعْتَميْن بِرَمْل خَبْتٍ ****زُورهما مقاليتُ النّساءوقال الآخَر :بنَفْسي الّتي تمشي المَقاليتُ حَوْلَه يُطافُ له گشحاً قضيماً مَهشماوقال آخر :تباشرت المقالِتُ حِينَ قالُوا ثَوَى عَمرُو بنُ مُرّة بالحَفير. ومن تخيلات العَرَب وخُرافاتها، أنّ الغلام منهم كان إذا سقطت له سِنّ أخذَها بين السّبّابة والإبهام واستَقبَل الشّمس إذا طلعت وقذَفَ بها وقال يا شمسُ أبدِليني بسِنّ أحسَنَ منها ، وليَجر في ظلمها إياتك، أو تقول: «إياؤك»، وهما جميعاً شُعاع الشمس، قال طَرفة :سَقْته إياه الشّمسوإلى هذا الخيال أشار شاعرُهم بقوله :شادِنٌ يَخلو إذا ما ابتَسَمَت عن أتاح كأتاح الرمل غربدلَتْه الشمسُ من مَنيته بَرَداً أبيض مصقول الأشروقال آخر:وأشنبُ واضح عذبُ الثّنايا ***كان رُضابَهُ صافي المُدام
كسَتْه الشمس لوناً من سَناها*** فلاح كانه بَرْقُ الغَماموقال آخر :بذي أُشُرٍ عَذب المَذاقِ تفرّدت*** به الشمس حتى عاد أبيضَ ناصِعًاوالناسُ اليَوم في صبيانهم على هذا المذهب.وكانت العربُ تَعتَقد أنّ دَم الرئّيس يَشفِي مِن عضَة الكَلب الكَلب، قال الشاعر :بُناة مكارم وأساة جُرحٍ*** دماؤهم من الكَلبِ (1الشّفاءُ)وقال عبدُ الله بن الزَّبير الأسَديّ :من خيرِ بيتٍ عَلِمُناه وأكرمَه*** كانت دماؤهُمُ تَشفِي مِنَ الكَلبِوقال الكُمَيت :أحلامكم لسَقام الجَهل شافيةٌ*** كما يماؤُكُمُ تَشفِي مِن الكَلبِومِن تَخيَّلات العرب أنّهم كانوا إذا خافوا على الرجل الجنُونَ وتعرُّضَ الأرواح الخبيثة له نجّسوه بتَعليق الأقذار عليه كخِرقة الحَيض وعِظام الموتى، قالوا : وأنفَع من ذلك أن تعلق عليه طامِةٌ عظام ،موتى، ثم لا يَراها يومَه ذلك، وأنشَدوا للممزق العبدي:فلو أنّ عندي جارَتَيْن وراقياً ***وعَلَّقَ أنجاساً على المعلققالوا : والتّنجيس يَشفِي إِلَّا مِن العِشق، قال أعرابيّ :يقولون علِّق يا لك الخير رمّةً ***وهل ينفع التنجيس مَن كان عاشقا !وقالت امرأة - وقد نجست ولدها فلم يَنفَعه ومات - :جسْتُه لو يَنفَع الّتنجيسُ والموتُ لا تَفوتُه النفوسوكان أبو مهديّة يعلّق في عُنقه العِظامَ والصوف حَذَر الموت، وأنشدوا :اتَوني بأنجاسِ لهم ومنجِّس فقُلتُ لهم ما قدر الله كائنُومن مَذاهِبهم أنّ الرجل منهم كان إذا خَدِرت رِجلُه ذَكَر من يُحِبّ أو دَعاه فيذهب خَدَرُها . ورُوي أنّ عبد الله بن عمر خَدِرتْ رِجلُه ، فقيل له : ادعُ أحَبّ الناس إليك ، فقال : يا رسول الله .
1) الكَلَبُ : داء يعرض للإنسان من عض الكلب الكلب، فيصيبه شبه الجنون، فلا يعض أحداً إلا كَلِب، ويعرض له أعراض رديئة، ويمتنع من شرب الماء حتى يموت عطشاً. اللسان، (مادة (كلب).
وقال الشاعر :على أنّ رجلي لا يَزَالُ امْخِلالُها*** مُقيماً بها حتى أجيلك في فِكريوقال كُثيرّ :إذا مَذِلَتْ رِجلي ذكرتُكِ اشتَفِي ***بدَعْواكِ من مذل بها فيَهونُوقال جَميل :وأنتِ لعَيْني قرّةٌ حينَ نلتقي ***وذكركِ يَشفِيني إذا حَدِرَتْ رِجْلِيوقالت امرأة:إذا خَدِرَتْ رجلي دعوتُ ابن مصعَبِ ***فإن قلتُ عبد الله أجلى فُتورُهاوقال آخَر :صَبُّ محبّ إذا ما رِجْلُه خَدِرَتْ نَادَى كُبَيْشَةَ حتّى يذهبَ الخَدَرُوقال المُؤمّل :واللهِ ما خَدِرَتْ رِجلي ولا عَشَرتْ إلّا ذكرْتُكِ حتّى يَذهَبَ الخَدَرُوقال الوليد بن يزيد :أثيبي هائماً كلفاً مُعَنَّى إِذا خَدِرَتْ له رجلٌ دعاكِونظير هذا الوَهم أنّ الرجل منهم كان إذا اختَلَجَتْ عينه قال : أَرَى مَن أُحِبّه، فإن كان غائباً توقَّع قدومَه، وإن كان بعيداً توقع قُرْبه .وقال بشر :إذا اختلجَت عيني أقولُ لعلهّا فتاةُ بني عَمْرو بها العَينُ تَلمَعُوقال آخَر :إذا اختلجَتْ عيني تيقّنتُ أنّني أراكِ وإن كان المزار بعيداوقال آخَر :إذا اختلجَتْ عيني أقولُ لعلّها لرؤيتها تهتاجُ عَيني وتطرِفُوهذا الوَهْم بِاق في الناس اليوم.و من مذاهبهم أنّ الرجل منهم كان إذا عَشِق ولم يَسْلُ وأَفَرَط عليه العِشق حَمَله رجلٌ على ظَهرِه كما يحمَل الصبيّ، وقام آخر فأحْمَى حديدةً أو ميلاً، وكوى به بين اليَتَيْه فيذهب عِشقُه فيما يزعمون .وقال أعرابيّ :
کویتم بین رانفتيَّ جَهْلاً ونارُ القَلْبِ يُضرِمُها الغَرامُوقال آخَر :شكوتُ إلى رفيقيّ اشتياقي فجاءاني وقد جَمَعا دواءَوجاءا بالطبيب ليكويَاني ولا أبغي - عَدِمْتُهما - اكتواءَولو أتيا بسلمى حين جاءا لعاضاني من السقم الشفاءواستشهد الخالع على هذا المعنى بقول كثيرِّ :أغاضرَ لو شَهِدْتِ غداةَ بِنتُمْ حُنُو العائدات على وساديأويت لعاشق لم تَرحِمِيهِ بواقدة تع بالزّنادِهذا البيت ليس بصريح في هذا الباب، ويحتمَل أن يكون مُرادُهُ فيه المعنى المشهور المطروقَ بين الشّعراء من ذكر حرارة الوَجْد ولذعِه، وتشبيهِه بالنار، إلّا أنّه قد رَوَى في كتابه خبراً يؤكّد المقصد الذي عزاء وادّعاء، وهو عن محمّد بن سليمانَ بن فُلَيح، عن أبيه، عن جده، قال: كنتُ عند عبد الله بن جعفر، فدخل عليه كثير وعليه أثر علة، فقال عبد الله : ماهذا بك؟ قال : هذا ما فعلت بي أمُّ الحويرث، ثم كَشَف عن ثوبه وهو مَكويّ، وأنشد:عفا الله عن أمِّ الحُويرِث ذنبهَا علام تُعنِّيني وتكمي دَوائيا!ولو أذنوني قبل أن يرقُموا بها لقلت لهم : أم الحويرث دائيَاومن أوهامهم وتخيُّلاتهم أنّهم كانوا يزعمون أن الرّجل إذا أَحَبّ امرأة وأحبته فشقّ بزقُعَها ، وشقّت رِداءه، صَلَح حبّهُما ودام، فإن لم يَفعَلا ذلك فسدَ حبهما ، قال سُحيمٌ عبدُ بني الحسحاس :وكم قد شققنا من رداء محبّرٍ ومن بُرقع عن طَفلةٍ غير عابسإذ شُقَّ بُرد شقّ بالبرد بُرقعٌ دَوَاليك حتّى كلّنا غير لايسترومُ بهذا الفِعل بُقيَا على الهوى*** وإلف الهوى يغري بهذي الوساوسوقال آخر :شققت ردائي يومَ برقةٍ عالج*** وأمكنني من شقّ برقعك السّحقافما بالُ هذا الوُدُ يفسد بيننا*** ويمحُقِ حبل الوصل ما بينَنا مَحْقا!ومن مذاهبهم أنّهم كانوا يرون أن أكل لحوم السِّباع تزيد في الشجاعة والقوة، وهذا مذهبٌ والأطبّاء يعتقدونه، قال بعضهم
أبا المعارك لا تُتعب بأكلك ما*** تظنّ أنّك تُلْفَى منه کرّارافلو أكَلت سباع الأرض قاطبةً ما كنتَ إلا جبان القلب خوّاراوقال بعضُ الأعراب - وأكَل فؤاد الأسد ليكون شجاعاً - فعّدًا عليه نير فَجَرَحه :أكلتُ من الليث الهصور فؤادَهُ لأصبِح أجرى منه قلباً وأقدَمافأدْرَك منّي ثاره بابن أختِه ***فيالك ثاراً ما أشد وأعظماوقال آخَرَ :إذا لم يكن قلب الفتى عُدُوةَ الوَغَى ***أصمّ فقلبُ الليث ليس بنافِعوما نَفعُ قلبِ الليث في حَوْمَة الوَغَى إذا كان سيف المرء ليس بقاطِع!و من مذاهبهم أنّ صاحب الفَرَس المهقوع إذا ركبه فعَرِق تحته اغتلمت امرأتُه وطمحت إلى غيره، والهَقْعة: دائرة تكون بالفَرَس وربّما كانت على الكتف في الأكثر، وهي مستقبحةً عندهم، قال بعضُهم لصاحبه :إذا عَرِق المَهْقُوع بالمرء أنعظتْ خليلته وازدادَ حَرُّ عجانهافأجابه صاحبِه :قد يركب المهقوعَ من ليس مثله وقد يركب المهفوع زوج حَصَانِومن مذاهبهم أنهم كانوا يُوقدون النّار خَلْف المسافر الذي لا يحبون رجوعه، يقولون في دعائهم : أبعدَه الله ،وأسحقه وأوقد ناراً أثره ! قال بعضهم :صحوت وأوقدت للجهل نارًا ورَدّ عليك الصبا ما استَعاراوكانوا إذا خرجوا إلى الأسفار أوقدوا ناراً بينهم وبين المنزلِ الّذي يريدونه، ولم يُوقدوها بينهم وبين المنزل الذي خرجوا منه تفاؤلاً بالرجوع إليه .و من مذاهبهم المشهورة تعليقُ كَعْب الأرْنَب قال ابنُ الأعرابيّ : قلتُ لزيد بن كَثُوةَ : أتقولون : إن من عُلّق عليه كعب أرنب لم تقربه جنّان الدار ، ولا عُمّار الحَيّ؟ قال : إي والله ، ولا شَيْطان الخماطة ولا جار العُشيرة، ولا غُول القَفْر . وقال امرؤ القيس :أيا هندُ لاتَنكِحِي بُوهةً ***عليه عقيقتُه أحسَبَا2270
مرسّعةٌ بين الباقهِ به عَسَمٌ يَبتغي أرنَباليَجعَل في رِجلِه كَعْبَها حِذارَ المَنِيّة أن يعطباوالخماطة : شجرة، والعُشيرة : تصغير العَشَرة، وهي شجرة أيضاً.وقال أبو محلِّم : كانت العرب تعلِّق على الصّبيّ سنّ ثعلب وسِنَّ هِرّة خوفاً من الخَطفة والنّظرة، ويقولون : إنّ جنّيّةً أرادت صبيَّ قوم فلم تَقدِر عليه، فلامَها قومُها من الجِنِّ في ذلك، فقالت تَعتذِر إليهم :كانّعلیه نُفَرَهُ ***ثعالبٌ وهِرَروالحَيْض جيضُ السَّمُرةوالسَّمُرة شيء يسيل من السَّمُر كدم الغزال، وكانت العربُ إذا ولدت المرأةُ أخذوا من دَم صَمْغُه الذي يسيل منه - ينقطونه بين عَيْنَي النفساء، وخطوا على وجه الصبي خطا، ويسمى هذا الصمغ السائل من السَّمَر الدَّوْدَم، ويقال بالذال المعجمة أيضاً، وتسمى هذه الأشياء التي تُعلَّق على الصبي : النفرات . قال عبد الرحمن بن أخي الأصمعي : إنّ بعض العَرَب قال لأبي : إذا وُلِد لك وَلَد فنفّر فقال له أبي : وما التنفير ؟ قال : غَرّب اسمه، فولد له ولد فسمّاه تُنفذاً، وكناه أبا العدّاء، قال:وأنشد أبي :كالخَمْر مَزْجُ دَوائها مِنها بِها تشفي الصداع وتُبرئ المَنجُودًا قال : يريد أنّ القُنفذ من مراكب الجنّ، فداوى منهم ولده بمراكبهم.و من مذاهبهم أنّ الرجل منهم كان إذا ركب مَفازة وخاف على نفسه مِن طواِرِق اللّيل عَمَد إلى وادي شجر فأناخَ راحلته في قرارته، وعَقَلها وخطّ عليها خَطَّا ثم قال : أعوذ بصاحب هذا الوادي وربما قال بعظيم هذا الوادي، وعن هذا قال الله سبحانه في القرآن : ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ من الإنس يموذُونَ بيعَالٍ مِّنَ الْمِينَ فَزَادُوهُمْ رَهَقا (1).)واستعاذ رجل منهم ومعه ولدٌ فأكَلَه الأسد، فقال:قداستعذْنا بعظ بعظيم الوادي ***من شرِّ ما فيه من الأعاديفلم بجرنا من هزر عادِوقال آخر :
1) سورة الجن، الآية : 6.
أعوذُ من شَرّ البلاد البيد بِسيدِ بسَیّد معظَّم مَجیدأصبحَ يأوي بلوَى زَرُدِ ذِي عِزّة وکاهِلٍ شدیدوقال آخر :يا جنّ عِزّة وك---اه-ل ش--دي--با جن اجراع اللوى من عالج عاذيكُم ساري الظلام الدالجلا تُرهِقوه بقَويِّ هائجوقال آخر :قدبتّ ضيفاً لعظيم الوادي المانجي من سطوة الأعاديراحِلتي في جاره وزاديوقال آخر :هَيَا صاحبَ الشَّجْراء هل أنتَ مانعي فإنّي ضَيْف نازل بفنائگاوإنّك للجنان في الأرضِ سَيدٌ ومِثلُك آوَى في الظلام الصَّعالِكاو من مذاهبهم أنّ المسافر إذا خرج من بلده إلى آخَرَ فلا ينبغي له أن يلتفت فإنه إذا التفت عاد، فلذلك لا يلتفت إلّا العاشق الذي يُريدُ العَوْد، قال بعضهم :دَعِ التلقّت يا مَسْعود وارم بها*** وجة الهواجر تأمَنْ رَجعةً البلدِوقال آخر، أنشده الخالع :عيل صبري بالثعلبية لمّا*** طال ليلي ومَلَّني قرنائيكلّما سارت المطايا بنامي*** لا تنفسْتُ والتفتُ وَرائِيهذان البيتان ذكرهما الخالع في هذا الباب وعندي أنه لا دَلالة فيهما على ما أراد، لأن التلفت في أشعارهم كثير، ومُرادهم به الإبانة والإعراب عن كثرة الشوق والتأسّف على المفارقة، وكون الراحل عن المنزل حيث لم يُمكنه المُقام فيه بجُثمانه يُتبعه بَصرَه، ويتزوّد من رؤيته، كقول الرضي رحمه الله :ولقد مررت على طلولهمُ ***ورُسُومهمْ بِيَدِ البِلَى نَهْبُفوقفت حتى ضَجّ من لَغَبِ ***نِضْوِي ولَج بعَذلي الرّكبوتلقتتْ عيني فمدخَفِيتْ ***عنِّي الكلول تلفتَ القَلْبُوليس يُقصد بالتلفت هاهنا التفاؤل بالرّجوع إليها ، لأن رسُومَها قد صارت نَهْباً ليِدَ البلى، فأي فائدة في الرّجوع إليها وإنما يريد ما قدمنا ذكره من الحنين والتذكر لما مضى من أيّامه فيها، وكذلك قول الأوّل:
تلفّتُّ نحو الحَيّ حتّى وجدتُني وجعتُ من الإصغاء ليتاً وأخدَعاومثل ذلك كثير، وقال بعضُهم في المذهَب الأوّل:تلقّت أرجو رجعة بعدنِيّة فكان التفاتِي زائداً في بَلائياا أرجو رجوعاً بعد ما حال بينَنا وبينكم حزن الفلا والقيافِيا!وقال آخر، وقد طلق امرأته فتلفتت إليه :تَلقَّتُ تَرْجو رجعة بعد فُرقة وهيهات مما ترتجي أمُّ مازِن!ألم تعلمي أني جموح عنانه إذا كان من أهواه غير ملاينو من مذاهبهم، إذا بُثرتُ شَفَة الصبي حمل مُنخُلاً على رأسه، ونادى بين بيوت الحيّ: الحَلا الخلا، الطّعام الطعام، فتلقي له النساءُ كِسَرَ الخبز وأقطاع التمر واللحم في المُنخُل، ثمّ يلقى ذلك للكلاب فتأكله فيبرأ من المرض، فإن أكل صبي من الصبيان من ذلك الذي ألقاه للكلاب تمرة أو لقمة أو لحمة أصبح وقد بثرت شفتُه . وأنشِد لامرأة :الا حَلا في شفَةٍ مشقوقة فقدقَضَى مُنخُلُنا حُقوقَهُو من مذاهبهم أنّ الرجل منهم كان إذا طَرِفت عينه بثوب آخر مسح الطارف عين المَطروف سبع مرّات، يقول في الأولى : بإحدى جاءت من المدينة، وفي الثانية: باثنتين جاءتا من المدينة، وفي الثالثة بثلاث جئن من المدينة، إلى أن يقول في السابعة : بسبع جئن من المدينة، فتبرأ عينُ المطروف.وفيهم من يقول : بإحدى من سَبع جئن من المدينة باثنتين من سبع، إلى أن يقول بسبع من تبع .و من مذاهبهم أنّ المرأة منهم كان إذا عَسر عليها خاطبُ النكاح نشرَتْ جانباً من شعرها ، وكحلتْ إحدى عينيها مخالفة للشَّعر المنشور، وحَجَلتْ على إحدى رجليها ويكون ذلك لَيْلاً ، وتقول يا ،لكاح أبغي النكاح قبل الصباح، فيَسهل أمرُها وتتزوّج عن قُرْب، قال رجل لصديقه وقد رأى امرأة تفعل ذلك :أما تَرَى أمّك تبغي بَعْلا ***قد نشرت من شعرها الأقلَّاولم تُوفٌ مقلتَيْها كُحلا ***ترفَع رِجلاً وتحط رجلا
هذا وقد شابَ بَنُوها أصلا وأصبَحَ الأصغَرُ منهمْ كَهْلاخذ القطيع ثمّ سمها الذُّلّا ضَرْباً به تشرك هذا الفعلاوقال آخر :قد كَحلتْ عيناً وأعْفَتَ عَيْنَا*** وحَجَلتْ ونَشرتْ قُرَيْنانَظنَّ زَيْناً ما تراه شَيْنَاوقال آخر : تَصنِّعِي ما شئت أن تصنَّعي*** وكَحْلي عينيك أو لا فَدَعِيثم احجلي في البيت أو في المجمع **ما لَكِ في بَعْل أرى من مَطمَعِو من مذاهبهم كانوا إذا رَحَل الضيف أو غيره عنهم وأحبّوا الّا يعود كَسروا شيئاً من الأواني وراءه، وهذا مما تعمله الناسُ اليوم أيضاً، قال بعضهم :كسرنا القدر بعد أبي سواح فعاد وقِدْرُنا ذهبتُ ضَياعاوقال آخر :ولا نكسر الكيزان في إثر ضيفنا ولكننا نقفيه زاداً ليَرْجِعاوقال آخر :أما والله إن بَشِي نُقيل ***لحلّالون بالشَّرف اليفاعأناسٌ ليس تَكْسِر خلف ضَيْف أوانيهم ولا شعب القِصاعِو من مذاهبم قولهم : إنّ من ولد في القَمْراء تقلّصت غُزلته فكان كالمَختون. ويجوز عندنا أن يكون ذلك من خواصّ القمر، كما أنّ من خواصّه إيلاء الكَتّان وإنتان اللّحم، وقد رُوِي أمير المؤمنين علیه السلام : إذا رأيتَ الغلام طويل الغُزلة فأقرب به من السؤدد، وإذا رأيته قصيرالغُزلة كأنما خَتَنه القمر فأبعد به .وقال امرؤ القيس لقَيصر، وقد دخل معه الحمّام فرآه أقلَف:إنّي حلفتُ يميناً غير كاذبة لأنت أخلف إلّا ما جَنَى القَمَرُو من مذاهبهم التّشاؤم بالعُطاس، قال امرؤ القيس :وقد أغتَدِي قبل العُطاس بهیگل
وقال آخر :وخَرْقٍ إذا وجهت فيه لغزوة*** مضيت ولم يحبسك عنه العَواطِسُومن مذاهبهم قولهم في الدعاء : لا عشتَ إلا عيش القرادا يضربونه مثلاً في الشدّة والصبر على المَشقة، ويزعمون أن القراد يعيش بَبطنه عاماً وبظهره عاماً، ويقولون : إنه يُترَك في طينة ويُرمى بها الحائط فيبقى سنةً على بطنه وسنةٌ على ظهره ولا يموت قال بعضهم :فلا عشت إلا كعيش القُرا*** دعاماً ببَطْن وعاماً بظَهْرِو من مذاهبهم كانت النساء إذا غاب عنهنّ من يُحببنه أخذن تُراباً من موضع رجله كانت العربُ تزعمُ أنّ ذلك أسرع لرجوعه .وقالت امرأةٌ من العرب - واقتبضت من أثَره - :يا ربِّ أنت جاره في سَفَرة*** وجار خُضييه وجارُ ذَكَرِهُوقالت امرأةٌ:أخذتُ تُراباً من مواطي رجله ***غداةَ غَدا كيما يؤوبَ مُسلَّمَاومن ،مذاهبهم، أنّهم كانوا يسمّون العشا في العين الهُدَبد وأصلُ الهدَبد، اللّبن الخاثر، فإذا أصاب أحدهم ذلك عمد إلى سَنام فقطع منه قطعةً ومن الكبد قطعة، وقلاهما، وقال عند كلّ لقمة يأكلها بعد أن يمسح جفنه الأعلى بسَبَابَتِه :فیا سنَامَاً وكيد الا أذهَبا بالهُدَيدْلیس شفاء الهديد إلا السّنام والکَبِدقال : فيذهب العشا بذلك .و من مذاهبهم اعتقادُهم أنّ الوَرَل(1والقُنفذ والأرنب والظّبيَ واليَرْبوع والنّعام مراكبُ الجنّ يمتطونها ، ولهم في ذلك أشعارٌ مشهورة، ويزعمون أنّهم يَرَوْن الجنّ ويظاهرونهم ويخاطبونهم، ويشاهدون الغُول، وربما جامَعوها وتزوّجوها وقالوا :إن عمرو بن يَرْبوع تزوج الغولَ وأولدها بنين ومكنت عنده دهراً ، فكانت تقول له : إذا لاح البَرْق من جهة بلادي - وهي جهة كذا - فاستره عني، فإني إن لم تستره عني تركتُ ولدك عليك، وطرْتُ إلى بلاد قومي، فكان عمرو بن يَرْبوع كلّما برق البرقُ غَطّى وجهها بردائه فلا تُبصره، وإلى هذا المعنى أشار أبو العَلاء المَعَرّي في قوله يَذكر الإبل وحنينها إلى البرق :)طَرِبْنَ لضَوْء البارق المُتعالي ***ببغدادَ وَهْناً ما لهنَّ ومَا لِي
1) الورل دابة على خلقة الضب إلا أنه أعظم منه يكون في الرمال والصحاري اللسان مادة (ورل).
سَمَتْ نَحوه الأبصارُ حتى كأنها*** بناريه من هنا وتمّ صَوالِيإذا طال عنها سَرّها لَوْ رؤوسها *** تمدُّ إليه في صُدورِ عَوالِيتمنت قويقاً والصراة أمَامها ترابٌ لها من أينق وجمالإذا لاح إيماض سترتُ وجوهها كأني عمرو والمطي سَعالِيوكم هم نضوّ أن يطير مع الصَّبا*** إلى الشام لولا حَبْسُه بعِقاليقالوا : فغَفَل عمرو بن يربوع عنها ليلة وقد لمع البرق فلم يَستُر وجهها، فطارت وقالت له وهي تطير :أمسك بنيك عَمْرُو إِنِّي آبقُ*** بَرْقٌ على أرض السَّعالى آلِقُومنهم من يقول: ركبت بعيراً وطارت عليه - أي أسرَعَتْ - فلم يُدْرِكُها. وعن هذا قال الشاعر :رأى برقاً فأوضَعَ فوقَ بَكْرٍ*** فلايك ما أسال ولا أَغامَاقال : فبنو عمرو بن يربوع إلى اليوم يُدْعَوْن بني السَّعْلاة، ولذلك قال الشاعر يهجُوهم:يا قَبْح الله بني السَّعلاةِ ***عمرو بن يربوع شرار النّاتليسوا بأبطال ولا أكياتِفأبدل السِّين تاء، وهي لغةُ قوم من العرب.ومن مذاهبهم في الغول قولهم : إنها إذا ضُربت ضربةً واحدةً بالسَّيف هلكت، فإن ضُربَت ثانيةً عاشت وإلى هذا المعنى أشار الشاعرُ بقوله :فقالت: لَنْ، قلتُ لها: رُوَيْداً ***مكانكِ، إنني ثَبْتُ الجِنانِوكانت العَرَب تسمِّي أصوات الجِنِّ العَزيف وتقول : إن الرجل إذا قَتَل قُنفُذاً أو وَرَلاً لم يأمن الجنّ على فَحْل إبله ، وإذا أصاب إبلَه خَطب أو بلاءٌ حَمَله على ذلك، ويزعمون أنهم يَسمَعون الهاتف بذلك، ويقولون مثله في الجان من الحيّات، وقتله عندَهم عظيم.ورأى رجلٌ منهم جاناً في قعر بئر لا يستطيع الخروج منها ، فنزل وأخرَجَه منها على خَطر عظيم، وغَمّض عينيه لئلا يرى أين يدخل كأنه يريد بذلك التقرّب إلى الجنّ.وقال أبو عثمان الجاحظ وكانوا يُسمُّون من يُجاوِر منهم الناس عامراً، والجمع عُمّار، فإن تعرّض للصبيان فهو رُوح، فإن خَبث وتعرّم فهو شيطان، فإن زاد على ذلك فهو مارد، فإن زاد على ذلك في القوّة فهو عِفْريت فإن ظهر ولطف وصار خيراً كله فهو مَلَك، ويفاضلون بينهم، ويعتقدون مع كلّ شاعر شَيْطاناً، ويسمونهم بأسماء مختلفة. قال أبو عثمان : وفي النهار
ساعاتٌ يُرى فيها الصغيرُ كبيراً ويُوجد لأوساط الفَيافِي والرّمال والحِرار مثل الدَّويّ، وهو طبع ذلك الوقت، قال ذو الرمّة :إذا قال حادِينا لتَرْنِيم نَباةِ*** صَولم يكن إلا دَويّ المَسامِعِوقال أبو عثمان أيضاً في الّذين يذكرون عزيفَ الجنّ وتغوّل الغيلان: إنّ أثر هذا الأمر وابتداء هذا الخيَال أنّ القوم لما نزلوا بلاد الوَحْش عملت فيهم الوَحْشة ، ومن انفرد وطال مقامُه في البلاد الخلاء استوحَشَ، ولا سيما مع قلّة الأشغال وفَقْد المُذاكرين، والوَحْدة لا تقطع أيامها إلا بالتمني والأفكار، وذلك أحد أسباب الوَسواس.ومن عجائب اعتقادات العرب ومذاهبها اعتقادهم في الدِّيك والغُراب والحَمامة وساقِ حُرّ - وهو الهِديل - والحية، فمنهم من يعتقد أن للجنّ بهذه الحيوانات تعلقات، ومنهم من يزعم أنها نوعٌ من الجنّ، ويعتقدون أنّ سُهَيلاً والزهرة الضّب والذئب والضبع مُسُوخ، ومن أشعارهم في مَراكِب الجنّ قول بعضهم في تُنفُذٍ راه ليلاً :فما يُعجب الجنّان منك عَدِمْتَهم وفي الأسد أفراس لهم ونجائبُأيُسرَجُ يَرْبوع ويُلجم قنفذٌ لقد أعوزتكم ما علمت النجائبُ!فإن كانت الجِنّان جُنَّتْ فبالحرَى ***ولا ذَنْبَ للأقوامِ واللهُ غالبُومن الشعر المنسوب إلى الجنّ :وكل المطايا قد ركبنا فلم نَجِد ألذ وأشهي من ركوب الأرانبومن عَضْرَ فُوطٍ عن لي فرَكِبْتُه أبادِرُ سِرْباً من عَطاءِ قواربوقال أعرابيّ يكذب بذلك :ايستمع الأسرار راكب تُنفُذ *لقد ضاع سر الله يا أمَّ مَعبَدِ!ومن أشعارهم وأحاديثهم في رواية الجنّ وخطابهم وهتافهم ما رواه أبو عثمانَ الجاحظ لسمير بن الحارث الضّبي :ونار قد حضاتُ بُعَيْدَوَهُن بدار لا أُريدُ بها مُقامَاسوى تحليل راحلة وعَيْن أكالتها مخافة أن تَنامَاأتَوْا نارِي فقلتُ: مَنُونَ أنتم؟ فقالوا: الجنّ قلتُ: عِمُوا ظَلامَاويزعمون أن عُمير بن ضبيعة رأى غلماناً ثلاثةً يلعبون نهاراً ، فوَثَب غلامٌ منهم فقام على
عاتِقَي صاحِبه، ووَثب الآخَر، فقام على عاتقي الأعلى منهما، فلما رآهم كذلك حَمَل عليهم فصَدَمهم فوقعوا على ظهورهم وهم يَضحَكون، فقال عمير بن ضُبيعة: فما مررتُ يومئذٍ بشَجَرة إلا وسَمِعتُ من تحتها ضَحِكاً، فلما رجع إلى منزله مَرِض أربعة أشهر .وحكى الأصمعيّ عن بعضهم أنّه خرج هو وصاحبٌ له يسيران، فإذا غلامٌ على الطريق، فقالا له : مَنْ أَنتَ؟ قال: أنا مسكين قد قُطِع بي فقال أحدهما لصاحبه : أَرْدِفه خَلْفَكَ، فَارْدَفَه ، فالتفت الآخر إليه فرأى فمه يتأجّج ناراً، فشدّ عليه بالسّيف فذهبت النار فرجع عنه ، ثم التفت فرأى قمه يتأجج ناراً فشدّ عليه فذهبت النار ، ففَعَل ذلك مراراً ، فقال ذلك الغلام : قاتَلكما الله ! ما أَجْلَدَكما ! والله ما فعلتُها بآدميّ إلا وانخَلَع فؤاده، ثم غاب عنهما فلم يَعلَما خبرَه .وقال أبو البلاد المُهَوِي - ويُروَى لتأبَّط شَرًا - :لَهَان عَلَى جُهَينَة ما أُلاقِي*** من الرّوعات يومَ رَحًا بِطانِلقيتُ الغولَ تسري في ظَلام*** بسَهْبٍ كالعباءة صَحْصَحانِفقلتُ لها كلانا نقُضُ أَرْضِ*** أخو سَفَر فخلي لي مكانيفشدّتْ شَدَّةٌ نحوي فاهوَى لَهَا كفي بمصقول يمانيفقالتْ: زِدْ فقلتُ رُوَيْدَ إِنِّي على أمثالها ثبت الجَنانِوالذين يَرْوُون هذا الشِّعر لتأبط شرًا يَررُون أوّله :الا مَن مُبلِغْ فَشَياتِ جَهم بمالاقيتُ عندَ رَحًا بِطانِبأنّي قد لقيتُ الغُولَ تلوي بمَرْنٍ كالصحيفة صحصحان(1)فصدّتْ فانتحَيْتُ لها بعضبِ حُسام غير مؤتشب يمانِيفقدّ سَراتها والبركَ منها فخرّت لليَدَيْن وللجرانِفقالت: ثنَّ قلت لها: رُوَيْداً ***مكانَك إنني ثَبْتُ الجَنَانِولم أنفك مضطجعاً لدَيها لأنظر مصبحاً ماذا دَهانيإذا عينان في رأس دَقيق كَرَأس الهر مشقوق اللسانوساقا مخدج ولسان گلب ***وثوب من عباء أو شِنانِوقال البهرانيّ :وتزوّجتُ في الشّبيبة غُولاً ***بغزالٍ وصَدْقَتي زِقٌ خَمْروقال الجاحظ: أصدَقَها الخمر لطيب ريحها، والغَزال لأنّه من مَراكِب الجنّ .
1) المَرْت الأرض لا يجف ثرها ولا ينبت مرعاها القاموس، مادة (مرت) والصحصحان: ما ستوى من الأرض. القاموس، مادة (صحيح).
وقال أبو عبيد بن أيوب العَنبريّ أحد لصوص العرب :تقول - وقد أَلْمَمْتُ بالإِنْسِ لَمَّةً مخضّبةُ الأطراف خُرس الخلاخِلِأهَذا خَدِينُ الغُولِ والذئب والّذي يَهيمُ بربّات الحجال الهراكل(1!)رأتْ خَلَق الدّرسَيْنِ أسوَدَ شاحِباً*** من القوم بَساماً كريم الشمائلتَعَوّدَ من آبائه فَتَكاَتِهم وإطعامَهم في كلّ غَبراءَ شامِلِإذا صَاد صَيْداً لَفّه بضرامه وشيكاً ولم ينظر لعلي المرَاجلِونهساً كنَهس الصَّفر تُمَّ مِراسه*** بكَفَّيه رأس الشّيخة المتماثِلِومن هذه الأبيات:إذا ما أرادَ اللّهُ ذُلَّ قبيلةٍ*** رَماها بتَشتيت الهوى وَالتَّخاذلِوأوّل عجز القوم عما ينُوبُهمْ تقامُدُهم عنه وطولُ التَّواكُلِوأوّل حيث الماء تُحبتُ تُرابه وأوّل نوم القوم لُؤمُ الحَلائِلوهذا الشعر من جيّد شِعر العرب، وإنّما كان غَرَضُنا منه مُتعلقاً بأوّله، وذكرنا سائره لما فيه من الأدب.وقال عُبيد بن أيوب أيضاً في المعنى الذي نحن بصدده:وصار خليل الغُولِ بَعد عَدَاوَةٍ صَفيًا وربّته القِفارُ البَسابسُوقال أيضاً :فللهِ دَرُ الغُولِ أيّ رفيقةٍ لصاحب قَفْر في المَهامِهِ يَذْهَرُارنّت بلحن بعد لَحْن وأوْقَدَتْ حوالي نيراناً تلوح وتَزهرُوقال أيضاً :وغُولا قَفْرة ذَكرٌ وأنثى كانّ عليهما قِطَعَ البِجادِ (2)وقال أيضاً :فقد لاقت الغزلانُ منّي بَلِيَّةً وقد لاقت الغيلان مني الدّواهيَاوقال البهرانيّ في قتل الغُول:ضُربت ضربةً فصارت هَباءً في مَحَاقِ القَمْراء آخرَ شهروقال أيضاً، يزعم أنه لما ثنى عليها الضرب عاشَت :
فشنّيت والمقدارُ يَحرُس أهلَه*** فَلَيْتَ يَمِيني يومَ ذلك شَلْتِ!وقال تأبط شرًا يَصِف الغُولَ ويذكر أنّه رَاوَدَها عن نفسها فامتنعت عليه فقتَلها :فأصبحتُ والغول لي جارةٌ*** فياجارةٌ أنتِ ما أَغْوَلاوطالبتُها بُضْعَها فالتَوَتْ فكان من الرأي أن تقتُلافجلّلتُها مُرهَفاً صارماً أبان المرافق والمفصَلاقطارَ بقحف ابنة الجنّ ذا*** شقاشق قد أخلَقَ المحملافمن يكُ يَسأل عن جارَتي*** فإن لها باللوى منزلاعَظَاءةُ أرض لها حُلّنا ن مِن وَرَق الطلح لم تُغزَلاوكنتُ إذا ما هَممتُ ابتهلْتُ وأخرى إذا قلت أن أفعلاومن أعاجيبهم أنّهم كانوا إذا طالت عِلّة الواحد منهم وظنّوا أنّ به مَسّاً من الجنّ، لأنّه قَتل حيّةً أو يربوعاً أو قُنفذاً، عَمِلوا جِمالاً من طين، وجَعَلوا عليها جُوالق، وملؤوها حِنطةً وشَعِيراً وتمراً، وجعلوا تلك الجمال في باب جُحر إلى جهة المَغرب وقت غروب الشمس، وباتوا ليكتهم تلك، فإذا أصبحوا نظروا إلى تلك الجمال العين، فإن رأوا أنّها بحالها قالوا : لم تقبل الدّيَة فزادوا فيها، وإن رأوها قد تساقطت وتبدّد ما عليها من المِيرة قالوا : قد قُبِلت الديّة، واستَدلُّوا على شِفاء المَرِيض وضربوا بالدف، قال بعضُهم :قالوا وقد طالَ عَنائِي والسَّقم*** احمل إلى الجنّ جمالات وضمّفقد فعلتُ والسَّقامُ لم يرم فبالّذي يَملِك بُرْنِي أَعْتَصِمُوقال آخَر :فيا ليت أنّ الجنّ جازوا جمالتي وزُحزح عنّي ما عَنانِي من السَّقَمْويا ليتهم قالوا الطِنا كلَّ ما حَوَتْ يمينُك في حَرْبٍ عماس وفي سَلَمأعلل قلبي بالّذي يَزْعُمونه فياليتَني عوفيتُ في ذلك الزّعَموقال آخَر :أرَى أنّ جنّانَ النُّوَيرة أصبَحوا*** وهم بين غَضبان عليَّ وآسِفِحملتُ ولم أقبل إليهم حمالةً ***تسكّنُ عن قلبٍ من السُّقِم تالِفِولو أنصَفُوا لم يطلُبوا غيرَ حَقَّهُمْ ومن لي من أمثالهم بالتَّناصُفِ!تغطوا بثَوْب الأرض عنّي ولو بَدَوا لأصبحتُ منهم آمِناً غير خائِف
وكانوا إذا غُمَّ عليهم أمرُ الغائب ولم يَعرفوا له خبراً جاؤوا إلى بئر عاديّة أو حفر قديم ونادوا فيه : يا فلان أو يا أبا ،فلان ثلاث مرّات، ويزعمون أنّه إن كان ميتاً لم يَسمَعوا صَوْتاً، وإن كان حيا سَمِعوا صَوْتاً ربما توهموه وَهْماً ، أو سَمِعوه من الصَّدى، فبنوا عليه عقيدتهم، قال بعضُهم :دعوتُ أبا المِغْوارِ في الجَفْر دَعْوَةً ***فما أَضَ صَوْتي بالذي كنتُ داعيًاأظنّ أبا المغوار في قَعْرِ مُظلم تجرّ عليه الذاريات السَّوافِيَاوقال :وكم ناديتُه واللّيل ساجٍ يعادي البشار فما أجَابَاوقال آخَر :قابَ فلمْ أرجُ له إيسابًا والجَفر لا يرجع لي جواباوما قرأتُ مُذنَأَى كتابًا حتّى مَتَى أستنشِدُ الرِّكاباعنه وكلُّ يَمنَع الخِطاباوقال آخَر :ألم تعلمي أنّي دعوتُ مُجاشِعاً من الجَفْر والظلماء بادٍ كُسورُهَافجاوَبَني حتّى ظننتُ بأنّه سيطلع من جَوْفاء صعب خُدُورُهالقد سكنتُ نفسي وأيقنتُ أنّه سيقدم والدنيا عجاب أمُورُهاوقال آخر :دعوناهُ مِنْ عادِيّةٍ نَضْبَ ماؤها وهَدَّم جالَيْها اختلافُ مُصورِفرَدّ جواباً ما شككتُ بأنّه قريب إلينا بالإياب يصيرُأقوى في البيت الثاني، وسكن «نضَب» ضرورةً كما قال:لو عُصْرَ منه البَانُ والمِسْك انعَصَرْومن أعاجيبهم أنّهم كانوا في الحرب ربّما أخرجوا النِّساء فيبلن بين الصّفّين، يرون أنّ ذلك يُطفئ نار الحرب ويقودهم إلى السلم .قال بعضهم :لقونا بأبوال النساءِ جَهالةً ونحن تلاقيهم ببيض قواضبوقال آخَر :بالتْ نساء بني خُراشَةَ خِيفةٌ ***مِنا وأدبرت الرجال شلالاوقال آخَر :بالث نساؤُهُمْ والبيض قد أخذت ***منهم مآخِذَ يُستشفى بها الكَلِبُ
وهذان البيتان يُمكِن أنّ يراد بهما أنّ النساء يبلن خيفةً وذُعْراً ، لا على المعنى الذي نحن في ذكره، فإذَنْ لا يكون فيهما دَلالة على المراد .وقال الآخر :هيهات ردّ الخيل بالأبوالِ*** إذا غَدَتْ في صُور الشعاليوقال آخر :جَعلوا السيوف المَشْرَفِيَّةً منهُم بَوْل النساء وقَلَّ ذاك غَنَاءَفأما ذكرهم عَزيف الجنّ في المفاوز والسَّباسب فكثير مشهور، كقول بعضهم:وخَرْقٍ تحدث غيطانه حديثَ العَذارى بأسرارهاوقال آخر :ودويةٍ سَبْسَب سَمْلَق*** من البيد تعزف جنّانُهاوقال الأعشى:وبهمَاءَ تَعزف جناتَّها مناهلها آجِناتٌ سُدُموقال:وبلدةٍ مِثل ظَهْر التَّرْسِ مُوحِشةٍ للجن بالليل في حافاتها زَجَلُوقال آخر :ببيداء في أرجائها الجنّ تعزفُوقال الشرقيّ بن القطاميّ : كان رجل من كلب - يقال له عبيد بن الحُمَارِس - شجاعاً ، وكان نازلاً بالسَّماوة أيّامَ الرّبيع، فلما حَسَر الربيع، وقلّ ماؤه، وأقلعت أنواؤه، تحمّل إلى وادي تُبَل فرأى رَوْضةً وغديراً ، فقال روضةٌ وغدير وخطب يسير، وأنا لما حويْتُ مجير فنزل هناك، وله امرأتان اسمٌ إحداهما الرَّباب، والأخرى خَوْلة، فقالت له خولة :أرى بلدةٌ قَفْراً قليلاً أنيسُها وإنا لنَخْشَى إن دَجَا الليلُ أَهْلَهاوقالت له الرّباب :أرتك بِرَأيي فاستمع عنك قَولها ولا تأمنَنْ جنَّ العَزيفِ وجَهْلهافقال مجيباً لهما :الستُ كميا في الحروب مُجَرِّباً ***شجاعاً إذا شبَّت له الحَرْب مِحْرَباسريعاً إلى الهيجا إذا حَمَس الوَغَى ***فأقسم لا أعدو الغدير منكبا
ثمّ صعد إلى جبل تُبَل فرأى شَيْهَمة - وهي الأنثى من القَنافذ - فرماها فأقعصَها ومعها ولدُها، فارتبطه، فلما كان الليل هتف به هاتفٌ من الجنّ :يا بن الحمارس قداسات جوارَنا وركبت صاحبنا بأمر مُفظِعِوعقرتَ لَقْحَته وقدت فَصِيلَها قَوْداً عنيفاً في المنيع الأرفعونزلتَ مَرْعَى شائِناً وظَلَمْتَنَا*** والظّلم فاعله وخِيمُ المَرْتَعَفلنطرُقَنَّكَ بالذي أوْلَيْتَنَا شريَجيلك ما له مِنْ مَدفعفأجابه ابنُ الحُمارِس :يا مدّعي ظُلمِي ولستُ بظالم اسمَع لديك مقالتي وتَسمَّعإن كنتم حنَّا ظلمتم تُنقذاً عُقِرتْ فشرّ فقيرة في مَصرَعِلا تطمَعوا فيمالديّ فمالَكُمْ فيما حويتُ وحُزْتُه من مَطمَعِفأجابَه الجِنيّ :يا ضارِبَ اللّفحة بالعضب الأفَلّ قد جاءك الموتُ وأوفاكَ الأجَلوساقَك الحَيْن إلى جنِّ تُبَل فاليوم أقوَيْتَ وأعيتك الحِيَلفأجابه ابن الحُمارِس :يا صاحبَ اللَّقحة هل أنت بَجَل مستمِعٌ مني فقد قلت الخطلوكثرة المنطق في الحزب فشل هيجت قَمقَاماً من القوم بَطَلْليثَ ليُوثٍ وإذا هَمَّ فَعَلْ*** لا يرهَبُ الجن ولا الإنس أجَلْمن كان بالعقوة من جنّ تُبَلْقال : فَسَمِعهما شيخٌ من الجِنِّ، فقال: لا والله لا نرى قتل إنسانٍ مِثَل هذا ثابت القَلْب ماضي العزيمة، فقام ذلك الّشيخ وحَمِد الله تعالى ثمّ أنشد :يا بنَ الحُمارِس قد نَزلتَ بلادَنا*** فأصبَت منها مشرباً ومَنامَافبدأتنا ظُلْماً بعَقر لقُوحنا*** وأسأت لما أن نطقت كلامافاعمَد لأمرِ الرُّشْدِ واجتنب الرَّدى إنا نَرَى لك حُرمة وذماماواغرم لصاحبنا لقُوحاً متبعاً فلقد أصبْتَ بما فعلتَ أثَامافأجابه ابن الحمارس :الله يَعلَم حيث يُرفع عرشُه*** أني لأكره أن أصيبَ أثاماأمَّا ادعاؤك ما ادّعيتَ فإنّني ***جئتُ البلاد ولا أريدُ مقامافاسمتُ فيها مالَنا ونزلتُها ***لأريح فيها ظهرنا أيّاما
فليَعْدُ صاحبكم علينانُعطِه*** ماقد سألت ولا نراه غراماثم غرم للجنّ لقوحاً مُتبعاً للقنفذ ووَلّدها .وهذه الحكاية وإن كانت كَذِباً إلّا أنها تتضمن أدباً وهي من طرائف أحاديث العَرَب فذكَرْناها لأدبها وإمتاعِها ويقال إنّ الشّرقيّ بن القُطامي كان يَصنَع أشعاراً وَينحَلها غيره.فأما مَذهب العرب في أنّ لكلّ شاعر شيطاناً يلقي إليه الشِّعر فمذهب مشهور، والشّعراء كافّةً عليه، قال بعضهم :إنِّي وإن كنتُ صغير السّنِّ*** وكان في العين نبوٌّ عَنّيفإن شيطاني أميرُ الجِنِّ يَذهَب بي في الشعر كل فنّوقال حسّان بن ثابت :إذا ما تَرَعْرع فينا الغُلام فما إن يقال له: مَنْ هُوَهُ؟إذا لم يَسُد قبل شدّ الإزارِ*** فذلك فينا الذي لا هُوَهُولي صاحِبٌ من بَني الشَّيْصَبانِ فطوراً أقولُ وطَوْراً هُوَةوكانوا يزعمون أنّ اسمَ شيطان الأعشى مِسحَل، واسم شيطان المخبَّل عمرو، وقالالأعشى:دعوتُ خليلي مسحَلاً ودَعوا له جهنّام جدعاً للهجين المذمَّمِوقال آخر :لقد كان جنيّ الفرزدق قدوةً وما كان فينا مثل فَحْل المخبَّلولا في القوافِي مِثل عَمرو وشَيْخه ولا بعد عمرو شاعرٌ مِثل مِسْحَلِوقال الفرزدق يصفُ قصيدته :كأنّها الذّهب العِقْيانُ حبَّرها*** لسان أشعَرِ خلقِ اللَّه شَيْطَانَاوقال أبو النَّجم :إني وكلّ شاعر من البَشَرُ ***شيطانه أنثى وشيطاني ذكر ذَكَرْوأنشد الخالعُ فيما نحن فيه لبعض الرُّجَّاز :إن الشياطين أتَوْني أربعة ***في غَلَس الليل وفيهمْ زَوْبَعَةوهذا لا يدلّ على ما نحن بصدده من أمر الشعر وإلقائه إلى الإنسان، فلا وجه لإدخاله في هذا الموضع .
ومن مذاهبهم أنهم كانوا إذا قَتلوا الثُّعبانَ خافوا من الجنّ أن يأخذوا بثأره، فيأخذون رَوْثةً ويفتُّونها على رأسه، ويقولون : رؤثة راتَ ثائرك .وقال بعضهم :طرحنا عليه الرَّوْثَ والزجْرُ صادقٌ*** فراثَ علينا ثاره والطّوائلُوقد يُذَرُ على الحيّة المقتولة يسيرُ رماد، ويقال لها : قتلك العين فلا ثارَ لكِ، وفي أمثالهم لمن ذهب دمُه هَدَراً : وهو قتيل العين، قال الشاعر:ولا أكن كقتيل العين وسطَكُمُ ولا ذَبيحة تَشريق وتَنحارِِفأما مَذهَبُهم في الخَرَزات والأحجار والرُّقى والعَزائم ،فمشهور، فمنها السُّلوانة - ويقال السَّلوة - وهي خَرَزة يُسْقَى العَاشق منها فيَسلُو في زَعْمهم، وهي بيضاء شفافة، قال الراجز :لو أشرَبُ السُّلوان ما سليتُ مابي غِنّى عنكم وإِنْ غَنِيتُالسلوان: جمعُ سُلوانة.وقال اللّحيانيّ : السُّلوانة تُرابٌ من قبرٍ يُسقى منه العاشق فيسلُو، وقال عروة بن حزام:جعلتُ لعرّاف اليمامة حُكمه وعرّاف نجد إن هما شَفَيانيفقالا: نعم نشفي من الدَّاءِ كُله وقاما مع العُوّاد يَبْتَدِرَانِفما تركا من رُقْيَةٍ يَعرِفانها ولا سلوة إلا وقد سَقيانيوقال آخر :سَقَوْني سَلْوَةً فسلوتُ عنها ***سقَى الله المنية من سقانيأي سلوتُ عن السَّلوة واشتدّ بي العِشق ودام. وقال الشَّمردل :ولقد سُقيتُ بسلوة فكأنما ***قال المُداوِي للخَيال بها ازْدَدِومن خَرَزاتهم الهِنّمة تُجتلَب بها الرجالُ وتُعطف بها قلوبهم، ورقيتُها : أخذته بالهنمه باللّيل زَوْج وبالنّهار أمَه .ومنها الفطسة والقبلة والدَّرْدَبيس، كلّها لاجتلاب قلوب الرجال، قال الشاعر :جمّعن من قبل لهنَّ وفَطْسَة ***والدَّرْدَبيس تمائماً في منظمفانقاد كلّ مشذَّب مَرِسِ القُوَى ***لحِبالهنّ وكل جَلْدِ شَيْظَموقيل : الدَّرْدَبيس خَرَزة سوداء يتحبّب بها النّساء إلى بعُولتهن، توجد في القُبور العاديّة، ورُقيتُها : أخذته بالدَّرْدَبيس، تُدرّ العَرَق اليبيس، وتذر الجديد كالدَّرِيس، وأنشد:
قطعتُ القيد والخَرَزات عَنِّي*** فمن لي من عِلاج الدَّرْدَبيس !وأصل الدَّرْدَبيس الداهية، ونُقِل إلى هذه لقوّة تأثيرها .ومِن خَرَزاتهم القِرْزَحلة، أنشد ابن الأعرابيّ :لا تَنفَع القِرْزَحْلَةُ العَجائزا إذا قطعن دونَها المَفاوِِزَاوهي من خَرَز الضّرائر، إذا لبستها المرأة مال إليها بعلها دونَ ضَرتّها .ومنها خَرَزة العُقرة تشدّها المرأة على حَقْوَيْها فتُمنَع الحبل، ذكر ذلك ابنُ السّكّيت في إصلاح المنطق .ومنها الينْجَلِب، ورُقْيَتُها : أخذتُه باليَنْجَلب، فلا يرم ولا يَغِبْ، ولا يَزَلْ عند الطّلب .و منها كَرَارِ مبنيَّةٌ على الكسر ، ورقيتُها : يا كَرارِ كُرِّيه ، إن أقبل فسُرِّيه ، وإن أدبر فضُرِّيه . مِنْ فَرْجِه إلى فيه .ومنها الهمْرَة ورُقيّتها: يا همرة ،أهمريه من أسته إلى فيه، وماله وبنَيه .ومنها الخضمة خرزة للدخول على السّلطان ،والخصومة، تُجعَل تحتَ فَصّ الخاتم أو فيزرِّ القميص أو في حمائل السّيف، قال بعضهم :يُعلّق غيري خصمة في لقائهم ومالي عليكم خصمةٌ غيرُ مَنطقيومنها الوَجيهة وهي كال كالخضمة حمراء كالعقيق.ومنها العظفة، خَرَزة العَظف، والكَحْلة، خَرَزة سوداء تُجعَل على الصبيان لدفع العين عنهم، والقبلة خَرَزة بيضاءُ تُجعَل في عُنق الفَرَس من العين، والفطسة خَرَزة يَمرَض بها العدوّ ويُقتل، ورقيتُها : أخذته بالفَطسة بالثُّوباء والعطسة، فلا يزال في تَعْسَة من أمرِه ونَكْسَة، حتى يَزورَ رَمْسَه .ومن رُقاهم للحُبّ: هَوَابَه هَوابَه البرقُ والسَّحَابة، أخذتُه بمركن، فحبّه تمكن. أخذته بإبره، فلا يزل في عَبْره. خلّيته بإشفى، فقلبه لا يَهدَا. خلّيته بمبردَ، فقلبه لا يَبرُد.وتَرقِي الفاركُ زوجها إذا سافر عنها فتقول : بأفول القمر، وظلّ الشّجر، شمال تَشمَله، ودبَور ،تدبره ونكباءَ تنكبه ، شيك فلا انتعشَ، ثم ترمي في أثره بحصاة ونواة وروثة وبعرة، وتقول : حصاة حصت أثره نواة أنات ،داره رؤثة رات خبره لقعته ببعرة .وقالت فارك في زوجها :أتبعتُه إِذْ رَحَل العيسَ ضُحَى ***بعد النّواة روثة حيث انتَوىالرّوث للرّني وللنَّأي النَّوَى
وقال آخَر :رَمَتْ خلفه لما رأت وشكَ بيِنِه*** نواةٌ تلتها رَوْثة وَحَصاةُوقالت: نأت منكَ الدّيار فلا دَنَتْ وراثت بك الأخبار والرَّجَعاتوحصّت لك الآثار بعد ظُهورِها ولا فارق الشرحال منك شتاتُوقال آخر يُخاطب امرأته :لا تَقذِفِي خَلْفي إذا الركبُ اعْتَدَى ***رونَة عَيْرٍ وحَصاة ونَوَىلن يدفع المقدار أسبابُ الرُّقَى ***ولا التَّهاويلُ على جنّ الفَلاهذا الرّجز أورده الخالع في هذا المعرض، وهو بأن يدلّ على عكس هذا المعنى أولى لأنّ قوله : «لن يَدفَع المقدار بالرقى ولا بالتّهاويل على الجِن» كلام يُشعر بأن قذف الحصاة والنّواة خَلْفَه كالعُوذة له، لا كما تفعله الفارِك التي تتمنّى الفراق . فأمَّا مَذهبهم في القيافة والزجر والكهانة واختلافهم في السائح والبارح، وتشاتمهم باللفظة والكلمة وتأويلهم لها وتيمنهم بكلمة أخرى، وما كانوا يفعلونه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي فكله مشهور معروف لا حاجة لنا إلى ذكرِه هاهنا .فأمّا لفظ أمير المؤمنين علیه السلام في قوله : «نَشْرة»، فإنّ النّشرة في اللغة كالعُوذَة والرُّقية، قالوا : نَشَرْت فلاناً تَنْشيراً ، أي رَقَيْتُه وعودته. وقال الكلابيّ : إذا نشر المَشفوع فكأنّما أُنشِط من عقال، أي يذهب عنه ما به سَرِيعاً .وفي الحديث أنّه قال: «فلعلّ طبَّا أصَابه »(1يعني سحراً، ثم عوَّذَه ب- ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ )(2)، أي رَقاه، وكذلك إذا كتب له النشرة .)وقد عدّ أمير المؤمنين علیه السلام أموراً أربعة ذكر منها النشرة ، ولم يكن علیه السلام ليقول ذلك إلا عن توقيف من رسولِ الله صلی الله علیه وآله وسلمتم الجزء التاسع عشر من شرح نهج البلاغةلابن أبي الحديد ويليه الجزء العشرون
شرح نهج البلاغةالجزء العشرون
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله الواحد العدل-409-الأصل: وقال علیه السلام مُقَارَبَةُ النَّاسِ فِي أَخْلاقِهِمْ أَمَنْ مِنْ غَوَائِلِهِمْ.الشرح: إلى هذا نَظر المتنبِّي في قوله :وخَلَّةٍ في جليس أتّقيه **بها كَيْمَايَرى أنّنا مِثْلان في الوَهَنِوكلمةٍ في طريق خِفْتُ أُعْرِبُها فيُهتَدَى لي فلم أقدر على اللَّحَنِوقال الشاعر :وما أنا إلّا كالزّمان إذا صحّا صحوتُ وإن ماقَ (1الزمانُ أمُوقُ)وكان يقال : إذا نزلتَ على قوم فتشبه بأخلاقهم، فإنّ الإنسان من حيث يوجَد، لا من حيث يُولد. وفي الأمثال القديمة : من دَخَل ظَفارِِ حمَّر.شاعر :أحامِقه حتّى يُقال سجيّة ولو كان ذا عَقْل لكنتُ أعاقلة-410 -الأصل: وَقَالَ علیه السلام لِبَعْضِ مُخَاطِبِيهِ وَقَدْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ يُسْتَصْغَرُ مِثْلُهُ عَنْ قَوْلِ مِثْلِهَا : لَقَدْ طِرْتَ شَكِيراً، وَهَدَرْتَ سَقْباً .قَالَ: الشَّكِيرُ هاهنا : أَوَّلُ ما يَنْبُتُ مِنْ رِيشِ الطَّائِرِ قَبْلَ أَنْ يَقْوَى وَيَسْتَحْصِفَ والسَّقْبُ : الصَّغِيرُ مِنَ الإِبِلِ، وَلا يَهْدِرُ إِلَّا بَعْدَ أَن يَسْتَفْحِلَ .
1) ماق: حمق. القاموس مادة (موق).
الشرح: هذا مِثلُ قولهم : قد رَبَّبَ قبل أن يُحصرم.ومن أمثال العامّة : يقرأ بالشّواذ، وما حفِظ بعدُ جزءَ المفصَّل .- 411-الأصل: وقال علیه السلام : مَنْ أَوْمَا إِلَى مُتَقَاوِتٍ خَذَلَتْهُ الحِيَلُ.الشرح :قيل في تفسيره : من استدلٌ بالمتشابه من القرآن في التوحيد والعَدل انكشفت حيلتُه، فإنّ علماء التوحيد قد أوضحوا تأويلَ ذلك.وقيل : مَن بَنَى عقيدة له مخصوصةً على أمرين مختلفين : حقِّ وباطل كان مُبطلاً .وقيل : من أومَاً بطمَعه وأمَله إلى فائتٍ قد مضى وانقضى لن تَنفَعه حِيلة، أي لا يُتبعنَّ أحدُكم أمله ما قد فاته، وهذا ضعيفٌ لأنّ المُتفاوت في اللّغة غيرُ الفائت.- 412 -الأصل: قَالَ علیه السلام- وَقَدْ سُئِلَ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِمْ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بالله - :إِنَّا لا نَمْلِكُ مَعَ الله شَيْئاً، وَلا نَمْلِكُ إِلَّا مَا مَلَكَنَا ، فمتى ملكنا مَا هُوَ أَمْلَكُ بِه مِنَّا كَلَّفَنَا، وَمَتَى أَخَذَهُ مِنَّا وَضَعَ تَكْلِيفَهُ عَنَّا .الشرح: مَعنَى هذا الكلام أنّه علیه السلام جعل الحولَ عبارةً عن الملكيةّ والتصرف، وجعل القوّة عبارةً عن التكليف، كأنّه يقول : لا تَملُّك ولا تصرُّف إلا بالله، ولا تكليف لأمرٍ من الأمور إلّا بالله، فنحن لا نَملِك مع الله شيئاً، أي لا نستقلّ بأن نَملِك شيئاً، لأنّه لولا إقداره إيانا وخلقته لنا أحياءً لم نكن مالكين ولا متصرِّفين، فإذا ملَكنا شيئاً هو أملك به - أي أقدَرُ عليه منّا صرنا مالكين له كالمال مثلاً حقيقة، وكالعَقل والجوارح والأعضاء مَجازاً، وحينئذ يكون مكلَّفاً لنا أمراً يتعلّق بما ملّكَنا إيّاه، نحو أن يكلّفنا الزّكاة عند تمليكنا المال، ويكلفنا النَّظَر عند تمليكنا العَقل، ويكلّفنا الجهاد والصّلاة والحجّ وغيرَ ذلك عند تمليكنا الأعضاء والجوارح، ومتى أخذ منّا المال وَضَع عنا تكليف الزّكاة، ومتى أخَذَ العَقْل سقَط تكليفُ النّظَر، ومتى أخذَ الأعضاء والجوارح سَقط تكليف الجهاد وما يجري مجراه.
هذا هو تفسيرُ قوله علیه السلام، فأمّا غيرُه فقد فسّره بشيء آخر، قال أبو عبد الله جعفرُ بنُ محمد صلی الله علیه وآله وسلم : فلا حَوْلَ على الطاعة ولا قوّةَ على تَرك المعاصي إلا بالله، وقال قوم - وهم المجیرة : لا فعل من الأفعال إلّا وهو صادِر من الله ، وليس في اللفظ ما يدلّ على ما ادّعَوْا، وإنما فيه أنه لا اقتدار إلا بالله، وليس يَلزَم من نَفْي الاقتدار إلا بالله صِدق قولنا : لا فعل من الأفعال إلا وهو صادرٌ عن الله، والأولى في تفسير هذه اللفظة أن تُحمّل على ظاهِرِها، وذلك أنّ الحَوْل هو القوة والقوة هي الحول كلاهما مُترادِفان ،ولا ريبَ أنّ القدرة من الله تعالى، فهو الَّذي أقدَر المؤمن على الإيمان والكافرَ على الكفر ، ولا يلزم من ذلك مخالفةُ القول بالعَدْل، لأنّ القدرة ليست موجبة .فإن قلتَ: فأيٌ فائدةٍ في ذكر ذلك وقد علم كلّ أحد أنّ الله تعالى خَلَقَ القُدْرة في جميع الحيوانات؟قلت : المرادُ بذلك الردّ على من أثبت صانعاً غَير الله ، كالمجوسِ والثَّنَوية، فإنهم قالوا بالهين : أحدهما يَخلُق قدرةَ الخَيْر، والآخر يَخلُق قدرة الشّرّ.-413 -الأصل: وقالَ علیه السلام لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَحِمَهُ الله تعالى وقَدْ سَمِعَهُ يُرَاجِعُ المُغِيرَةَ مِنَ شُعْبَةَ كلاماً :دَعْهُ يا عَمَّارُ ، فإِنَّهُ لَنْ يَأخُذَ مِنَ الدِّينِ إلا ما قارَبَهُ مِنَ الدُّنْيا وَعَلَى عَمْدِ لَبْس على نَفْسِهِ ، لِيَجْعَلَ الشُّبُهَاتِ عَاذِراً لِسَفَطَاتِهِ.الشرح: أصحابُنا غيرُ متَّفقين على السكوت على المغيرة، بل أكثر البغداديَّين يفسِّقونه، ويقولون فيه ما يقال في الفاسق، ولما جاء عروة بن مسعود الثَّقَفي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عامَ الحُدَيْبية نظر إليه قائماً على رأس رسول الله مقلّداً سيفاً، فقيل : من هذا؟ قيل : ابن أخيك المغيرة، قال: وأنت ماهنا يا غُدَر! والله إنّي إلى الآن ما غسَلتُ سوءَ تَكَ (1.)وكان إسلامُ المغيرة من غير اعتقاد صحيح، ولا إنابة ونيّة جميلة، كان قد صَحِب قوماً في بعض الطُّرق، فاستغفَلهم وهم نيام فقتلهم وأخذ أموالهم وهرب خوفاً أن يُلحق فيُقتل، أو
1) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (4583) ، والطبراني في «المعجم الكبيرة» (404/20).
يؤخذ ما فاز به من أموالهم، فقَدِم المدينة فأظهر الإسلام، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يردّ على أحدٍ إسلامَه: أسلَم عن علّة أو عن إخلاص، فامتَنع ،بالإسلام، واعتصم، وحَمِي جانبه .ذَكر حديثه أبو الفرج عليّ بنُ الحسين الأصفهانيّ في كتاب «الأغاني»(1، قال : كان المغيرة يحدّث حديث إسلامه، قال: خرجتُ مع قوم من بني مالك ونحن على دين الجاهليّة إلى المُقَوقس مَلِك مصر، فدخلنا إلى الإسكندرية، وأهدَينا للمَلِك هدايا كانت معنا ، فكنتُ أهوَن أصحابي عليه، وقبضَ هدايا القوم، وأمر لهم بجوائز، وفضّل بعضهم على بعض، وقصّر بي فأعطاني شيئاً قليلاً لا ذكر له، وخرجنا ، فأقبلت بنو مالك يشترون هدايا لأهلهم وهم مسرورون، ولم يَعرِض أحدٌ منهم عليَّ مواساةً، فلما خرجوا حَمَلوا معهم خمراً ، فكانوا يَشربون منها ، فأشرب معهم، ونفسي تأبى أن تَدَعَني معهم، وقلتُ: ينصرفون إلى الطائف بما أصابوا ، وما حبَاهم به الملك، ويخبرون قومي بتقصيره بي وازدرائه إياي ! فأجمعتُ على قتلهم ، فقلت : إنّي أجد صُداعاً ، فوضعوا شرابَهم ودعَوْني، فقلت: رأسي يُصدّع، ولكن اجلسوا فأسقِيكم، فلم يُنكروا من أمري شيئاً، فجلست أسقيهم وأشرب القَدَح بعد القَدَح ، فلما دبّت الكأس فيهم اشتهَوا الشراب، فجعلتُ أصرِّف لهم وأترع الكأس، فيشربون ولا يدرون، فأهمدتهم الخمرُ حتى ناموا، ما يعقلون، فوثبتُ إليهم فقتلتهم جميعاً ، وأخذت جميع ما كان معهم .)وقَدِمتُ المدينة فوجدتُ النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم بالمسجد وعنده أبو بكر - وكان بي عارفاً - فلما رآني قال: ابن أخي عُرُوة؟ قلت : نعم، قد جئتُ أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآۀه وسلم : «الحمد الله» : فقال أبو بكر مِن مصرَ أقبلتَ؟ قلت : نعم؟ قال: فما فعل المالكيّون الذين كانوا معك ؟ قلت: كان بيني وبينهم بعض ما يكون بين العَرَب، ونحن على دين الشرك، فقتلتهم، وأخذت أسلابهم، وجنتُ بها إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ليُخَمِّسَها ويرى فيها رأيه، فإنها غنيمة من المشركين فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : «أمّا إسلامُك فقد قبَلتُه، ولا نأخذ أموالهم شيئاً ولا نخمّسها لأنّ هذا غَدْر ، والغَدْر لا خير فيه»، فأخَذَني ما قَرُب وما بعد، فقلتُ: يا رسول الله، إنما قتلتهم وأنا على دين قومي، ثمّ أسلمتُ حين دخلتُ إليك الساعة، فقال علیه السلام: «الإسلام يجبّ ما قبله»(2قال : وكان قَتل منهم ثلاثة عشر إنساناً، واحتوى على ما معهم، فبلغ ذلك ثقيفاً بالطائف، فتداعَوْا للقتال، ثم اصطَلَحوا على أن حمل عمّي عُروة بن مسعود ثلاث عشرة ديَة .)
قال : فذلك معنى قولِ عُرُوة يوم الحديبية : يا غُدَر ، أنا إلى الأمس أغسل سوءَتَك، فلا أستطيع أن أغسلها»، فلهذا قال أصحابنا البغداديون : مَنْ كان إسلامه على هذا الوج الوجه، وكانت خاتمته ما قد تواتر الخبر به من لعن عليِّ علیه السلام على المنابر إلى أن مات على هذا الفعل، وكان المتوسط من عمره الفِسق والفُجور وإعطاء البَطن والفَرْج سؤالهما، وممالأة الفاسقين، وصرف الوقت إلى غير طاعة الله، كيف نتولاها! وأيّ عُذر لنا في الإمساك عنه، وألا نكشف للناس فِسْقَه !## الجزء العشرون### مع أبي المعالي الجويني في أمر الصحابة والرد عليهوحضرت عند النقيب أبي جعفر يحيى بن محمد العَلويّ البَصْري في سنة إحدى عشرة وستمائة ببغداد، وعنده جماعة، وأحدُهم يقرأ في الأغاني لأبي الفرج، فمرّ ذكر المغيرة بن شعبة وخاض القوم، فذمه ،بعضهم، وأثنى عليه بعضهم، وأمسك عنه آخرون، فقال بعض فقهاء الشِّيعة ممن كان يشتغل بطرفٍ من علم الكلام على رأي الأشعريّ: الواجب الكفّ والإمساك عن الصّحابة وعمّا شَجر بينهم، فقد قال أبو المعالي الجويني : إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نَهَى عن ذلك، وقال: «إيّاكم وما شَجَر بين صحابتي»(1، وقال : «دَعُوا لي أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أحُد ذهباً لما بَلَغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه» (2)، وقال: «أصحابي كالنّجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم» (3)، وقال: «خيرُكم القَرْن الذي أنا فيه ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه»(4)، وقد ورد في القرآن الثَّناءُ على الصحابة وعلى التابعين، وقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : «وما يُذريك لعلّ الله اطّلع على أهل بَدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم»(5)! وقد رُوي عن الحسن)
1) ذكره ابن الأثير في «النهاية الحديث» (446/2)، مادة (شجر).
2) أخرجه البخاري، كتاب المناقب باب قول النبي صلی الله علیه وآله وسلم : «لو كنت متخذاً خليلاً» (3673)، ومسلم كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة (2540) ، كلاهما بلفظ : «لا تسبوا أصحابي»، بدل «دعوا لي أصحابي»، أما رواية المؤلف فرواها أحمد في «مسنده» (13400) بلفظ : دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد أو مثل الجبال ذهباً ما بلغتم أعمالهم ، وكذلك أخرجها الطبري في «الرياض النضرة» (175/1).
3) أخرجه عبد بن حميد في «مسنده» (783)، والشهاب في «مسنده» (1346)، والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» ((62) ، والديلمي في «مسند الفردوس »(6497) .
4) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات باب لا يشهد مع شهادة جور إذا أشهد (2651) ، ومسلم، : كتاب: فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الدين يلونهم ثم الذين يلونهم (2535) .
5) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد باب الجاسوس (3007)، ومسلم، كتاب: فضائل الصحابة، باب فضل بدر وقصة حاطب (2494).
البَصْرِي أنه ذكر عنده الجمل وصفين فقال : تلك دماءٌ طهر الله منها أسياقنا، فلا تلطَّخ بها السنتَنا .ثم إنّ تلك الأحوال قد غابت عنّا وبعُدتْ أخبارُها على حقائقها، فلا يليق بنا أن نخوضَ فيها، ولو كان واحدٌ من هؤلاء قد أخطأ لوجب أن يُحفظ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فيه، ومن المروءة أن يُحفظ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في عائشة زوجته، وفي الزبير ابن عمّته، وفي طلحة الّذي وَقاه بيده. ثمّ ما الذي الزَمَنا وأوْجَب علينا أن نَلعَن أحداً من المسلمين أو نبرأ منه ! وأيّ ثواب في اللّعنة والبراءة! إنّ الله تعالى لا يقول يومَ القيامة للمكلّفِ : لم لَم تَلعَن؟ بل قد يقول له : لم لَعَنْتَ؟ ولو أنّ إنساناً عاش عمرَه كلّه لم يَلعَن إبليسَ لم يكن عاصياً ولا أئماً، وإذا جَعَل الإنسانُ عِوَض اللعنة أستغفر الله كان خيراً له. ثم كيف يجوز للعامة أن تُدخِل أنفسَها في أمور الخاصّة. وأولئك قوم كانوا أمراء هذه الأمّة ،وقادتها، ونحن اليوم في طبقة سافلة جداً عنهم، فكيف يَحسُن بنا التعرّض لذِكرهم! أليس يَقبُح من الرّعية أن تخوضَ في دقائق أمور الملكِ وأحوله وشؤونه التي تجري بينه وبين أهله وبني عمِّه ونسائه وسَراريّه! وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صِهراً لمعاويةَ. وأخته أمّ حبيبة تحتَه، فالأدب أن تُحفظ أمُّ حبيبة وهي أمّ المؤمنين في أخيها .وكيف يجوز أن يُلعَن مَن جعل الله تعالى بينه وبين رسوله مَوَدّة! أليس المفسِّرون كلّهم قالوا : هذه الآية أنزلت في أبي سُّفيان وآله، وهي قوله تعالى: (عَسى الله أن يجعل يتنكر وبينَ الَّذِينَ عاد يتم مِّنْهُم مَّوَدَّةً (1)فكان ذلك مُصاهرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا سفيان وتزويجه ابنته على أنّ جمیع ما تَنقُله الشِّيعة من الاختلاف بينهم والمشاجرة لم يثبت، وما كان القوم إلا كبَني أمَّ واحدة ولم يتكدّر باطنُ أحدٍ منهم على صاحبه قطّ، ولا وقع بينهم اختلاف ولا نزاع .)فقال أبو جعفر رحمه الله : قد كنتُ منذ أيام علَّقتُ بخطّي كلاماً وجدتُه لبعض الزَّيدية هذا المعنى نَقضاً ورَدًّا على أبي المعالي الجُوَيني فيما اختاره لنفسه من هذا الرأي، وأنا أخرِجه إليكم لأستغني بتأمله عن الحديث على ما قاله هذا الفقيه، فإنّي أجد ألماً يمَنعني من الإطالة في الحديث، لا سيما إذا خرج مَخرَج الجَدَل ومُقاومة الخصوم، ثمّ أخرَج من بين كتبه كُرّاساً قرأناه في ذلك المجلس واستحسَنَه ،الحاضرون، وأنا أذكرها هنا خلاصَتَه .قال : لولا أن الله تعالى أوجب معاداة أعدائه، كما أوجَب مُوالاة أوليائه، وضَيَّق على المسلمين تَرْكَها إذا دَلّ العقل عليها ، أو صح الخبرُ عنها بقوله سبحانه : (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا وَابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْعشریتَهِم (2)، وبقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِي وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ)
أولياء (1)، وبقوله سبحانه: (لَا نَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ )(2)، ولإجماع المسلمين على أنَّ الله تعالى فَرضَ عداوة أعدائه وولاية أوليائه وعلى أنّ البغض في الله واجب، والحبَّ في الله واجب - لما تعرّضنا لمعاداة أحدٍ من الناس في الدّين ولا البراءة منه، ولكانت عداوتنا للقوم تكلفاً . ولو ظَنَنا أنّ الله عزّ وجلّ يعذرنا إذا قلنا : يا رَبِّ غاب أمرهم عنا، فلم يكن لخَوْضنا في أمرٍ قد غاب عنا معنٌى، لاعتمدنا على هذا العُذر، ووالَيْناهم، ولكنا نخاف أن يقول سبحانه لنا : إن كان أمرهم قد غاب عن أبصاركم، فلم يغب عن قلوبكم وأسماعكم، قد أتتكم به الأخبارُ الصحيحة الّتي بمثلِها الزَمتم أنفسَكم الإقرار بالنبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ومُوالاةَ مَن صَدّقه، ومعاداة مَن عَصاه وجَحدَه ، وأُمِرْتم بتدبر القرآن وما جاء به الرسول، فهلاً حذرتم من أن تكونوا من أهل هذه الآية غداً :( رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاً ) (3)!)فأمّا لفظة اللّعن فقد أمر الله تعالى بها ،وأوجَبَها، ألا تَرى إلى قوله : (أَوَلَيكَ يَلْعَتُهُمُ الله وَيَلْعَهُمُ اللمِنُونَ (4)، فهو إخبارٌ معناهُ الأمر ، كقوله : (وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ ) (5)، وقد لعن الله تعالى العاصين بقوله: ﴿لمِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِ إِسْرَاءِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ )(6)، وقوله : (وإِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا نهينا ) (7)، وقوله : ( تَلْمُونِينَ أَيْنَمَا تُقِفُوا أَخِذُوا وَقُتِلُوا تَفْتِيلا ) (8)، وقال الله تعالى لإبليس : (وَإِنَّ عَلَيْكَ لعنق إلى يوم الدين) (9)وقال : (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَفِرِينَ وَأَهَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا )(10).)فأما قولُ من يقول: «أيُّ ثواب في اللّعن! وإن الله تعالى لا يقول للمكلّف لِمَ لم تلعن؟ بل قد يقول له : لم لَعَنْتِ؟ وأنه لو جعل مكان لعن الله فلاناً ، اللّهم اغفر لي لكان خيراً له، ولو أنّ إنساناً عاش عمره كله لم يَلعَن إبليس لم يُؤاخذ بذلك»، فكلام جاهل لا يدري ما يقول، اللعن طاعة، ويُستحقّ عليها الثوابُ إذا فُعلت على وجهها، وهو أن يُلْعَن مستحقُّ اللَّعن الله وفي الله ، لا في العصبيّة والهوى، ألا ترى أن الشَّرع قد ورد بها في نفي الولد ونطق بها القرآن، وهو أن يقول الزوج في الخامسة : (أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الكَذِبِينَ (11)فلو لم يكن الله تعالى يريد أن يتلفّظ عبادُه بهذه اللفظة وأنه قد تعبّدهم بها، لما جعلها من معالم الشرع، ولما كرّرها في كثير من كتابه العزيز، ولما قال في حقّ القاتل : (وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ) (12)، وليس المراد)
1) سورة المائدة الآية : 81 .
2) سورة الممتحنة، الآية : 13 .
3) سورة الأحزاب الآية : 67 .
4) سورة البقرة، الآية : 159 .
5) سورة البقرة، الآية: 228 .
6) سورة المائدة، الآية : 78 .
7) سورة الأحزاب الآية: 57 .
8) سورة الأحزاب الآية: 61 .
9) سورة ص ، الآية: 78 .
10) سورة الأحزاب، الآية : 64 .
11) سورة النور، الآية : 7 .
12) سورة النساء، الآية : 93 .
من قوله : «ولعنه» إلّا الأمر لنا بأن نلعنه، ولو لم يكن المُرادُ بها ذلك لكان لنا أن نلعنه، لأنّ الله تعالى قد لعنه، أفيلعن الله تعالى إنساناً ولا يكون لنا أن نلعنه! هذا ما لا يَسُوعَ في العقل، كما لا يجوز أن يمدح الله إنساناً إلا ولنا أن نمدَحه، ولا يذمّه إلّا ولنا أن نذمَّه، وقال تعالى : (وهل أنتكُم بِشَرِ مِن ذَلِكَ مَثْوَبَةٌ عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللهُ(1)، وقال : (رَبَّنَا ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ والعنهم لعنا كبيرا ) (2)، وقال عزّ وجلّل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا) (3)وكيف يقول القائل : إنّ الله تعالى لا يقول للمكلّف : لِمَ لم تلعن؟ ألا يعلَم هذا القائل أنّ الله تعالى أمر بولاية أوليائه وأمر بعداوة أعدائه، فكما يَسأل عن التولّي يَسأل عن التَّبَرِّي! ألا تَرَى أن اليهوديّ إذا أسلَم يُطالَب بأن يقال له : تلفَّظ بكلمة الشهادتين، ثمّ قل: برئتُ من كلِّ دين يُخالِف دين الإسلام، فلا بدّ من البَراءة، لأنّ بها يتمّ العمل! ألم يَسمع هذا القائل قول الشاعر :)تَوَدُّ عَدُوِّي ثم تزعُمُ أنني ***صديقك، إنَّ الرّأي عنك لعازِبُفمودّة العدوّ خروجٌ عن ولاية الوليّ، وإذا بطلت المودّة لم يبق إلّا البراءة، لأنه لا يجوز أن يكون الإنسانُ في درجة متوسطة مع أعداء الله تعالى وعُصاتِه بألاّ يودّهم ولا يبرأ منهم بإجماع المسلمين على نَفي هذه الواسطة .وأما قوله : «لو جَعَل عِوض اللّعنة أستغفرُ الله لكان خيراً له»، فإنه لو استغفر من غير أن يَلعَن أو يَعتقد وجوب اللعن لما نَفَعه استغفارُه ولا قُبل منه، لأنه يكون عاصياً الله تعالى، مخالفاً أمره في إمساكه عمّن أوجَب الله تعالى عليه البراءة منه، وإظهار البراءة، والمصرّ على بعض المعاصي لا تُقبل توبته واستغفاره عن البعض الآخر، وأمّا من يعيش عمره ولا يَلعن إبليسَ، فإن كان لا يعتقد وجوبَ لَعْنه فهوب كافر، وإن كان يعتقد وجوبَ لَعْنه ولا يلعَنه فهو مخطىء، على أنّ الفرق بينه وبين تَرْك لَعَنِه رؤوس الضلال في هذه الأمة كمعاوية والمغيرة وأمثالهما، أحداً أن المسلمين لا يُورِث عنده الإمساك عن لعن إبليس شبهة في أمر إبليس، والإمساك عن لَعن هؤلاء وأضرابهم يثير شبهة عند كثير من المسلمين في أمرهم، وتجنُّب ما يُورث الشبهة في الدين واجب، فلهذا لم يكن الإمساك عن لَعن إبليس نظيراً للإمساك عن أمر هؤلاء .قال : ثم يقال للمخالفين : أرأيتم لو قال قائلٌ : قد غاب عنّا أمر يزيد بنَ معاوية والحجّاج بن يوسف، فليس ينبغي أن نخوض في قصّتهما، ولا أن نلعنهما ونعاديهما ونبرأ منهما، هل كان
هذا إلّا كقولكم : قد غاب عنا أمرُ معاوية والمغيرة بن شَعبة وأضرّابُهما، فليس لخوضنا في قصّتهم معنّى !وبعد، فكيف أدخلتُم أيها العامّة والحشويّة وأهل الحديث أنفسكم في أمر عثمان وخُضّتم فيه، وقد غاب عنكم! وبرئتم من قَتلتِه، ولعنتموهم! وكيف لم تَحفظَوا أبا بكر الصّديق في محمد ابنه فإنّكم لعنتموه وفسّقتموه، ولا حفِظتم عائشة أمَّ المؤمنين في أخيها محمد المذكور ،ومنعتمونا أن نخوض وندخل أنفسنا في أمر علي والحسن والحسين ومعاوية الظالم له ولهما، المتغلِّب على حقِّه وحقوقهما وكيف صار لعنُ ظالم عثمان من السّنّة عندكم، ولعن ظالم عليِّ والحسن والحسين تكلّفاً! وكيف أدخلت العامّة أنفسها في أمر عائشة وبرنت ممّن نظر إليها، ومِن القائل لها : يا حُمَيْراء، أو إنما هي حُميراء، ولعَنْته بكشفه سترها، ومنعثنا نحن عن الحديث في أمر فاطمةَ وما جرى لها بعد وفاة أبيها .فإن قلتم : إنّ بيت فاطمة إنما دخل، وسترها إنما كُشِف حِفظاً لنظام الإسلام، وكَيْلا يَنتشر الأمرُ ويُخْرِج قومٌ من المسلمين أعناقهم من ربقة الطاعة ولزوم الجماعة.قيل لكم: وكذلك ستر عائشة إنما كشف، وهَوْدجها إنما هُتِك، لأنها نشرت حبل الطاعة، وشَقّت عصا المسلمين، وأراقت دماء المسلمين من قبل وصول علي بن أبي طالب علیه السلام إلى البَصرة، وجرى لها مع عثمان بن حنيف وحَكيم بن جَبَلة ومَنْ كان معهما من المسلمين الصالحين من الَقتل وسَفك الدماء ما تنطق به كُتبُ التواريخ والسِّير، فإذا جاز دُخولُ بيت فاطمة لأمر لم يقع بعد جاز كشف ستر عائشة على ما قد وقع وتحقق، فكيف صار هتك ستر عائشة الكبائر التي يجب معها التخليد في النار ، والبراءة من فاعله ومِن أوْكَدِ عُرى الإيمان، وصار بيت فاطمة والدخول عليها منزلها وجَمْع حَطب ببابها وتهدّدها بالتحريق من أوكد عُرَى الدين، وأثبت دعائم الإسلام، ومما أعَزّ الله به المسلمين وأطفاً به نار الفتنة والحُرمتان واحدة، والستران واحد. وما نحب أن نقول لكم : إنّ حرمة فاطمة أعظم، ومكانها أرفع وصيانَتَها لأجل رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أولى، فإنها بَضعةٌ منه، وجزءٌ من لحمه ودمه، وليست كالزّوجة الأجنبيّة التي لا نَسَب بينها وبين الزوج، وإنما هي وُصلة مستعارةٌ، وعَقد يجرِي مجرى إجارة المنفعة، وكما يملك رقّ الأمَة بالبَيع والشراء، ولهذا قال الفَرَضيّون : أسباب التوارُث ثلاثة : سبب ونسب ووَلاء، فالنسب القرابة، والسبب النكَاح والولاء ولاء العتق، فجعلوا النّكاح خارجاً عن النّسب ، ولو كانت الزوجة ذات نسب لجعلوا الأقسام الثلاثة قسمين .وكيف تكون عائشة أو غيرُها في منزلة فاطمة، وقد أجمع المسلمون كلّهم من يحبّها ومن لا يحبّها منهم أنها سيّدة نساء العالمين !قال: وكيف يلزمنا اليوم حفظ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في زوجته، وحفظ أم حبيبة في أخيها، ولم
تُلزم الصحابةُ أنفسها حِفظَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أهل بيته، ولا ألزمت الصحابة أنفسها حفظ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم صهره وابن عمّه ابن عفان، وقد قتلوهم ولعنوهم، ولقد كان كثيرٌ من الصحابة يَلعَن عثمان ،وهو خليفة، منهم عائشة كانت تقول : اقتلوا نَعْثَلاً ، لعن الله نَعْثَلاً، ومنهم الله بن مسعود، وقد لَعَن معاوية علي بن أبي طالب وابنيه حَسَناً وحُسيناً وهم أحياء يرزقون بالعراق، وهو يلعنهم بالشام على المنابر ، ويقنُت عليهم في الصّلوات، وقد لعن أبو بكر وعمر سعد بن عبادة وهو حي وبرثا منه وأخرجاه من المدينة إلى الشام ولعن عمر خالد بن الوليد لما قتل مالك بن نويرة وما زال اللعن فاشياً في المسلمين إذا عَرَفوا من الإنسان معصية تقتضي اللعن والبراءة.قال : ولو كان هذا أمراً معتبراً وهو أن يُحفظ زيدٌ لأجل عمرو فلا يُلْعَن، لوجب أن تُحفَظ الصحابةُ في أولادهم، فلا يُلعنوا لأجل آبائهم، فكَان يجب أن يُحفَظ سعدُ بن أبي وقّاص فلا يُلعن ابنه عمر بن سعد قاتل الحسين وأن يحفظ معاوية فلا يلعن يزيد صاحب وَقعة الحرّة وقاتل الحسين، ومخيف المسجد الحرام بمكة، وأن يُحفَظ عمر بن الخطاب في عبيد الله ابنه قاتل الهُرْمُزان والمحارب عليَّا علیه السلام في صِفُّين.قال: عَلَى أنّه لو كان الإمساك عن عداوة من عادى الله من أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم من حفظ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في أصحابه ورعاية عهده وعقده لم تُعادِهم ولو ضُرِبتُ رقابنا بالسيوف، ولكن محبّة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لأصحابه ليست كمحبة الجهال الذين يضع أحدهم محبته لصاحبه موضع العصبيّة، وإنما أوجَب الله على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم محبّة أصحابه لطاعِتهم الله ، فإذا عضوا الله وتَركوا ما أوجب محبّتهم، فليس عند رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم محاباة في تَرك لزوم ما كان عليه من محبّتهم، ولا تغطرسٌ في العدول عن التمسك بموالاتهم، فلقد كان علیه السلام يحبّ أن يُعادِيَ أعداء الله ولو كانوا ،عترته، كما يحبّ أن يوالي أولياء الله ولو كانوا أبعدَ الخَلْقِ نَسَباً منه، والشاهد على ذلك إجماع الأمَّة على أن الله تعالى قد أوجب عداوة من ارتد بعد الإسلام، وعداوة من نافق وإن كان من أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وأن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم هو الذي أَمَرَ بذلك ودعا إليه وذلك أنه قد أوجب قطع السارق وضرب القاذف، وجَلْد البِكْر إذا زَنَى، وإن كان من المهاجرين أو الأنصار، ألا تَرَى أنه قال : لو سَرَقَتْ فاطمة لقطعتها، فهذه ابنته، الجاريةُ مَجْرَى نفسه، لم يُحايِها في دين الله، ولا راقبها في حدود الله، وقد جلد أصحاب الإنك، ومنهم مسطح بن أثاثة، وكان من أهلِ بَدْر .قال : وبعد فلو كان محلّ أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم محلّ من لا يعادَى إِذا عَصَى الله سبحانه ولا يُذكر بالقبيح، بل يجب أن يُراقب لأجل اسم الصُّحبة ويغضَى عن عُيوبه وذُنوبه،
لكان كذلك صاحبُ موسى المسطور ثناؤه في القرآن لمّا اتّبع هواه فانسلخ ممّا أُوتي من الآيات وغَوَى، قال سبحانه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي وَاتَّيْنَهُ مَا يَنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فكَانَ مِنَ الفاوِينَ (1) ، ولكان ينبغي أن يكون محلّ عَبَدة العِجْل من أصحاب موسى هذا (1)المحلّ، لأنّ هؤلاء كلهم قد صحبوا رسولاً جليلاً من رُسُل الله سبحانه .)قال: ولو كانت الصّحابة عند أنفسِها بهذه المنزلة، لعلمت ذلك من حال أنفسها ، أعرف بمحلّهم من عوامّ أهل دهرنا، وإذا قدّرتَ أفعالَ بعضِهم ببعض دلّتْكَ على أن القصّة كانت على خلاف ما قد سبق إلى قلوب النّاس اليوم، هذا عليّ وعمّار، وأبو الهَيثم بن التَّيهان وخزيمة بن ثابت، وجميع من كان مع عليِّ علیه السلام من المهاجرين والأنصار ، لم يَرَوْا أن يتغافلوا عن طَلحة والزّبير حتّى فعلوا بهما وبمن مَعَهما ما يُفعَل بالشراة في عصرنا، وهذا طلحة والزُّبير وعائشة ومَنْ كان معهم وفي جانبهم لم يروا أن يُمسكوا عن عليّ، حتّى قَصَدوا له كما يُقصد للمتغلّبين في زماننا، وهذا معاوية وعَمْرو لم يَرَيا عليا بالعين الّتي يَرَى بها العامّي صديقَه أو جارَه، ولم يُقصِّرا دونَ ضَرْب وجهه بالسّيف ولعنه ولعن أولاده وكل من كان حيَّا من أهله، وقتل أصحابه، وقد لَعَنهما هو أيضاً في الصلوات المفروضات، ولعن معهما أبا الأعور السُّلَمي، وأبا موسى الأشعريّ، وكلاهما من الصّحابة.وهذا سعدُ بن أبي وقّاص، ومحمّد بن مسلمة، وأسامة بن زيد وسعيد بن زيد بن عمرو بن الله بن عمر، وحسّان بن ثابت، وأنس بن مالك، لم يروا أن يقلدوا عليَّا في حرب طلحةَ، ولا طلحةَ في حَرْب عليّ، وطلحة والزّبير بإجماع المسلمين أفضل من هؤلاء المعدودين، لأنّهم زعموا أنّهم قد خافوا أن يكون عليِّ قد غَلَط وزَلٌ فِي حَرْبهما، وخافوا أن يكونا قد غَلَطا وزَلاً في حرب عليّ، وهذا عثمانُ قد نَفَى أبا ذَرّ إلى الرِّبذَة كما يُفعل بأهلِ الخَنَا والرّيب، وهذا عمّار وابن مسعود تلقّيًا عثمان بما تلقّياه به لمّا ظهر لهما - بزَعمهما - منه ما وَعَظاء لأجله، ثمّ فعل بهما عثمان ما تَناهَى إليكم ، ثم فَعَل القومُ بعثمان ما قد علمتم وعلم الناس كلّهم، وهذا عمر يقول في قصة الزبير بن العوّام لمّا استأذنَه في الغَزْو: ها إنّي ممسك بباب هذا الشّعب أن يتفرّق أصحابُ محمّد في الناس فيضلّوهم، وزعم أنه وأبو بكر كانا يقولان : إنّ عليَّا والعبَّاس في قصّة الميراث زَعَماهما كاذِبَيْن ظالمين فاجرين (2، وما رأينا عليَّا والعبّاس اعتَذَرا ولا تنصلا ، ولا نَقَل أحدٌ من أصحاب الحديث ذلك، ولا رأينا أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم انكَرُوا عليهما ما حكاه عمرُ عنهما ، ونسبه إليهما، ولا أنكروا أيضاً على عمر قوله في أصحاب)
رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: إنّهم يريدون إضلالَ النّاس ويَهِمون ،به ولا أنكَروا على عثمانَ دَوْسَ بطن ،عمار، ولا كَسْر ضلع ابن مسعود، ولا على عمار وابن مسعود ما تلقّيا به عثمان، كإنكار العامّة اليومَ الخوض في حديث الصحابة، ولا اعتقدت الصحابة في أنفسها ما يعتقده العامة فيها، اللهمّ إلا أن يزعموا أنّهم أعرف بحقّ القوم منهم. وهذا عليِّ وفاطمة والعبّاس ما زالوا على كلمة واحدة يكذِّبون الرواية : «نحن معاشر الأنبياء لا نُورَث»، ويقولون : إنّها مختَلَقة .قالوا : وكيف كان النّبي صلی الله علیه وآله وسلم يُعرف هذا الحكم غيرَنا ويكتُمه عنّا ونحن الوَرَثة، ونحن أولى الناس بأن يُؤدى هذا الحكم إليه ، وهذا عمرُ بنُ الخطّاب يَشهَد لأهل الشورى أنّهم النَّفَر الذين تُوفِّي رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عنهم راضي، ثمّ يأمر بضَرْب أعناقهم إن أخّروا فصل حال الإمامة، هذا بعد أن ثَلَبهم، وقال في حقّهم ما لو سمِعَته العامة اليوم من قائل لوضعت ثوبَه في عنقِه سَحْبا إلى السلطان، ثم شهِدت عليه بالرّفض واستحلّت دمَه، فإن كان الطّعن على بعض الصّحابة رفضا فعُمر بن الخطّاب أرفَض الناس وإمام الرّوافض كلهم. ثمّ ما شاع واشتَهر من قول عمر : كان بيعةُ أبي بكر فَلْتة، وفى الله شَرّها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، وهذا طعنٌ في العَقْد، وقدح في البَيعة الأصليّة.ثم ما نقل عنه من ذكر أبي بكر في صلاته، وقوله عن عبد الرحمن ابنه : دُوَيبة سوء ولهو خيرٌ من أبيه . ثم عمر القائل في سعد بن عُبادة، وهو رئيس الأنصار وسيدُها : اقتلوا سعداً، قَتَل الله سَعداً، اقتلوه فإنه منافق . وقد شَتَم أبا هريرة وطعن في روايته، وشتَمَ خالَد بنَ الوليد وطَعَن في دينه ، وحَكَم بفسقه وبوجوب قتله، وخَوّن عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان ونسبهما إلى سرقة مال الفيء واقتطاعه، وكان سريعاً إلى المَساءة، كثير الجبه والشتم والسب لكل أحد، وقل أن يكون في الصحابة من سَلِم من معرّة لسانه أو يده، ولذلك أبغضوه وملوا أيامه مع كثرة الفتوح فيها ، فهلاً احترم عمرُ الصحابة كما تحترمهم العامة إما أن يكون عمر مخطئاً، وإما أن تكون العامة على الخطأ ! فإن قالوا : عمرُ ما شتَمَ ولا ضَرَبَ ولا أساء إلا إلى عاص مستحق لذلك، قيل لهم فكأنا نحن نقول: إنا نريد أن نبرأ أو نعادي من لا يستحق البراءة والمعاداة! كلاً ما قلنا هذا ولا يقول هذا مسلم ولا عاقل.وإنّما غرضنا الذي إليه نجري بكلامنا هذا أن نوضّح أنّ الصّحابة قومٌ من الناس لهم ما للناس ، وعليهم ما عليهم، مَن أساء منهم ذَمَمْناه، ومن أحسَنَ منهم حَمِدناه، وليس لهم على غيرهم من المسلمين كبيرُ فَضْل إلا بمشاهدة الرسول ومعاصرته لا غير، بل ربّما كانت ذنوبهم أفحش من ذنوب غيرهم، لأنهم شاهَدوا الأعلام والمعجزات، فقرُبت اعتقاداتهُم من الضرورة، ونحن لم نشاهد ذلك، فكانت عقائدُنا مَحض النّظر والفكر، وبعرضيَّة الشَّبَه والشّكوك، فمعاصينا أخت لأنا أعذَر.
ثم نعود إلى ما كنّا فيه فنقول : وهذه عائشة أمّ المؤمنين خرجت بقميص رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فقالت للناس : هذا قَميصُ رسول الله لم يَبْلَ، وعثمانُ قد أبلَى سنته، ثم تقول : اقْتُلُوا نَعْثَلا ، قَتَلَ الله نَعَمْلا ، ثم لم ترض بذلك حتى قالت: أشهد أنّ عثمانَ جيفةٌ على الصراط غداً. فمن الناس من يقول : روَتْ في ذلك خبراً، ومن الناس من يقول : هو موقوفٌ عليها، وبدون هذا لو قاله إنسان اليوم يكون عند العامة زندِيقاً . ثمّ قد حصر عثمان حصرته أعيانُ الصحابة، فما كان أحد يُنكر ذلك، ولا يُعظِمه ولا يسعى في إزالته، وإنما أنكروا على من أنكر على المحاصرين له ، وهو رجل كما علمتم من وجوه أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ثمّ من أشرافهم، ثم هو أقرب إليه من أبي بكر وعمر، وهو مع ذلك إمامُ المسلمين والمختارُ منهم للخلافة، وللإمام حقّ على رعيته عظيم، فإن كان القوم قد أصابوا فإذَن ليست الصحابة في الموضع الذي وضعتها به العامة، وإن كانوا ما أصابوا فهذا هو الذي نقول من أنّ الخطأ جائز على آحاد الصحابة، كما يجوز على أحادِنا اليومَ ولَسْنا نَقدَح في الإجماع، ولا ندعي إجماعاً حقيقيًا على قتل عثمان، وإنما نقول : إن كثيراً من المسلمين فَعلوا ذلك والخصم يسلّم أنّ ذلك كان خطأ ومعصية، فقد سَلَّم أن الصحابي يجوز أن يُخطىء ويعصي، وهو المطلوب.وهذا المُغيرة بن شعبة وهو من الصحابة، ادعي عليه الزنى، وشهد عليه قومٌ بذلك، فلم يُنكر ذلك عمر ولا قال : هذا محال وباطل لأنّ هذا صحابي من صحابة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يجوز عليه الزنى وهلا أنكر عمرُ على الشهود وقال لهم: ويحكم هلاً تغافلتم عنه لمّا رأيتموه يَفعَل ذلك، فإنّ الله تعالى قد أوجب الإمساك عن مساوىء أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وأوْجَب الستر عليهم وهلا تركتموه لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في قوله : «دَعُوا لي أصحابي »(1! ما رأينا ! إلا قد انتصب لسماع الدعوى، وإقامة الشهادة، وأقبل يقول للمغيرة: يا مغيرة، ذهب ربعك، يا مغيرة ذَهَب نصفك يا مغيرة ذَهَب ثلاثة أرباعك حتى اضطرب الرابع، فجلد الثلاثة . وهلاً قال المغيرة لعمر : كيف تسمع في قول هؤلاء، وليسوا من الصحابة، وأنا من الصحابة، ورسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قد قال: «أصحابي كالنّجوم، بأيَّهم اقتدَيتم اهتديتم »(2)ما رأيناه قال ذلك، بل استسلم لحُكم الله تعالى. وهاهنا من هو أمثَل من المغيرة وأفضل، قدامة بن مظعون، لمّا شرب الخمر في أيّام عُمَر ، فأقام عليه الحد، وهو رجل من علية الصحابة ومن أهل بَدْر، والمشهود لهم بالجنّة، فلم يردّ عمر الشهادة، ولا دَرَأ عنه الحد لعلّة أنه بَدْرِي، ولا قال : قد نهى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم عن ذكر مساوىء الصّحابة. وقد ضرب عمرُ أيضاً ابنه حدا فمات، وكان ممّن عاصر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ولم تَمْنَعه معاصرته له من إقامة الحدّ عليه .)وهذا عليَّ علیه السلام يقول : ما حدّثني أحدٌ بحديث عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم إلّا استحلَفْتُه عليه،
أليس هذا اتّهاماً لهم بالكَذب! وما استثنى أحداً من المسلمين إلا أبا بكر على ما وَرَدَ في الخبر، وقد صرّح غير مرّة بتكذيب أبي هريرة وقال : لا أحد أكذَب من هذا الدَّوسي على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم. وقال أبو بكر في مرضه الّذي مات فيه : وَدِدْتُ أنّني لم أكشف بيت فاطمة ولو كان أغلق على حرب قندم والندم لا يكون إلّا عن ذنب.ثم ينبغي للعاقل أن يفكر في تأخّر عليِّ علیه السلام عن بَيعة أبي بكر بستة أشهر إلى أن ماتت فاطمةُ، فإن كان مصيباً فأبو بكر على الخطأ في انتصابه في الخلافة، وإن كان أبو بكر مصيباً فعليّ على الخطأ عن البيعة وحضور المسجد، ثم قال أبو بكر في مرض موته أيضاً للصحابة : فلما استخلفتُ عليكم خيركم في نفسي - يعني عُمَر - فكلُّكم وَرِمَ لذلك أنفُه يريد أن يكون الأمر له لمَّا رأيتم الدنيا قد جاءت أما والله لتتخذُنّ ستائرَ الدِّيباج ونضائد الحرير.أليس هذا طَعْناً في الصحابة، وتصريحاً بأنه قد نسبَهم إلى الحسد لعمَر، لما نصّ عليه بالعهد! ولقد قال له طلحة لمّا ذكر عمر للأمر : ماذا تقول لربّك إذا سألك عن عباده، وقد وليتَ عليهم فظا غليظاً! فقال أبو بكر : أجلسوني أجلسوني، بالله تخوِّفني! إذا سألني قلت : وليت عليهم خير أهلك، ثم شتمه بكلام كثير منقول، فهل قول طلحة إلا طعنٌ في عمر، وهل قول أبي بكر إلا طعنٌ في طلحة !ثم الذي كان بين أبيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود من السِّباب حتى نفى كلّ واحد منهما الآخر عن أبيه وكلمة أبي بن كعب مشهورة منقولة : ما زالت هذه الأمَّة مكبوبةً على وجهها منذ فقدوا نبيِّهم، وقوله : ألا هلك أهلُ العقيدة، والله ما آسَى عَليهم إنما آسَى على من يضلّون من الناس(1.)ثم قولُ عبد الرحمن بن عوف : ما كنت أرى أن أعيش حتى يقول لي عثمان يا منافق، وقوله : لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما وليت عثمان شسع نعلي، وقوله : اللهم إن عثمان قد أبى أن يقيم كتابك فافعل به وافعل(2.)وقال عثمانُ لعليّ علیه السلام في كلام دارَ بينهما : أبو بكر وعمر خير منك، فقال علي: كذبت، أنا خيرٌ منك ومنهما عبدتُ الله قبلهما ، وعبدته بعدهما (3.)وروى سُفيان بن عُيَينة عن عمرو بن دينار، قال: كنت عند عروةَ بن الزبير، فتذاكرنا كم أقام النبيُّ بمكة بعد الوَحْي ؟ فقال عروة أقام عشراً، فقلت: كان ابن عباس يقول : ثلاث عشرة
فقال : كذب ابنُ عباس. وقال ابن عباس : المُتْعَة حَلال، فقال له جُبير بن مُطعِم : كان عمرُ ينهى عنها، فقال يا عُديّ نفسه، من هاهنا ضللتم أحدِّثكم عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وتحدّثني عن عمر!وجاء في الخبر عن عليِّ علیه السلام ، لولا ما فَعَل عمرُ بن ُالخطّاب في المُتعة ما زَنَى إلا شقيّ، وقيل : ما زَنَى إلا شفّا، أي قليلاً (1.)فأما سبّ بعضهم بعضاً وقَدْح بعضهم في بعض في المسائل الفقهيّة فأكثرُ مِن أن يُحصى، مِثلُ قول ابن عباس وهو يردّ على زيد مذهبه القول في الفرائض: إن شاء - أو قال: من شاء - باهَلته إن الذي أحصى رَمْل عالج عَدَداً أَعدَل من أن يَجْعل في مال نِضفاً ونصفاً وثلثاً، هذان النصفان قد ذَهبا بالمال، فأين موضع الثلث !ومثل قول أبيّ بن كعب في القرآن : لقد قرأتُ القرآن وزَيْدُ هذا غلام ذو ذُؤابتين يلعب بين صبيان اليهود في المكتب(2.)وقال عليَّ علیه السلام في أمّهات الأولاد وهو على المنبر : كان رأيي ورأى عمرَ الا يُبَعنَ، وأنا أرى الآن بيعهنّ ، فقام إليه عبيدة السّلمانيّ، فقال: رأيك في الجماعة أحبُّ إلينا من رأيك في الفُرقة .وكان أبو بكر يرى التّسوية في قسم الغنائم، وخالفه عمر وأنكر فعله .وأنكرت عائشة على أبي سلمة بن عبد الرحمن خلافه على ابن عباس في عدّة المتوفَّى عنها زوجُها وهي حامل، وقالت : فَرّوج يصفع مع الدَّيَكة (3.)وأنكرت الصحابة على ابن عباس قوله في الصّرف، وسفّهوا رأيه حتى قيل : إنه تاب من ذلك عند موته .واختلفوا في حد شارب الخمر حتى خطّأ بعضهم بعضاً .وروَى بعض الصّحابة عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم أنه قال: «الشوم في ثلاثة: المرأة والدار والفَرَس »(4، فأنكرت عائشة ذلك، وكذبت الراوي وقالت: إنه إنما قال صلی الله علیه وآله وسلم ذلك حكايةً عن غیره.)
وروى بعض الصّحابة عنه صلی الله علیه وآله وسلم أنه قال: «التاجرُ فاجرٌ»(1، فأنكرت عائشة ذلك، وكذّبت الراوي وقالت : إنما قاله صلی الله علیه وآله وسلم في تاجر دلّس (2).)وانکَر قومٌ من الأنصار رواية أبي بكر: «الأئمة من قريش»(3، ونَسَبوه إلى افتعال هذه الكلمة.)وكان أبو بكر يقضي بالقضاء فينقضه عليه أصاغِرُ الصحابة كيلال وصهيب ونحوهما. قد رُوِيَ ذلك في عدّة قضايا.وقيل لابن عباس : إنّ عبد الله بن الزبير يزعم أن موسى صاحب الخَضِر ليس مُوسَى بني إسرائيل، فقال: كذَب عدو الله ! أخبرني أبي بن كعب قال : خَطَبَنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذَكَر كذا بكلام يدلّ على أن موسى صاحب الخَضِر هو موسى بني إسرائيل(4.)وباع معاويةُ أوانيَ ذَهَب وفضة بأكثر من وزنها ، فقال له أبو الدّرداء : سمعتُ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ینهی عن ذلك، فقال معاوية : أمّا أنا فلا أرى به بأساً ، فقال أبو الدرداء : مَن عَذِيري من معاوية!أخيره عن الرّسول صلی الله علیه وآله وسلم، وهو يُخبرني عن رأيها والله لا أساكنُك بأرض أبداً .وطَعن ابنُ عبّاس في أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «إذا استيقظ أحدكم من نَوْمه فلا يُدخلن يده في الإناء حتّى يتوضّأ»(5، وقال : فما نَصْنَع بالمِهراس !)وقال عليّ علیه السلام العمَر وقد أفتاه الصحابة في مسألة وأجمَعوا عليها : إن كانوا راقبوك فقد غَشُّوك، وإن كان هذا جهدُ رأيهم فقد أخطَؤوا .وقال ابن عبّاس : ألا يتّقي الله زيدُ بنُ ثابت، يجعل ابن الابن ابناً، ولا يجعل أب الأب أباً !وقالت عائشة : أخبروا زيد بن أرقم أنه قد أحبط جهادَه مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .وأنكرَت الصحابة على أبي موسى قوله : إنّ النوم لا ينقض الوضوء، ونسبته إلى الغَفلة وقلة التحصيل، وكذلك أنكرت على أبي طلحة الأنصاري قوله : إن أكل البَرَد لا يُفطر الصائم، وهَزِئتْ به ونَسبته إلى الجهل .
1) أخرجه الديلمي في «مسند الفردوس» (2448).
2) ذكره الحافظ المناوي في «فيض القدير» (216/6).
3) أخرجه أحمد في مسنده (11898)، والحاكم في «المستدرك» (6962).
4) أخرجه البخاري كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى حضر مع موسى (3401) ، ومسلم، :كتاب الفضائل، باب فضائل الخضر (2380)، لكن فيهما ليس عبد الله بن الزبير وإنما هو رجل يدعى على نوف البكالي ولم أجده من إنكار عبد الله بن الزبير .
5) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب الاستجمار وتراً (162) ، ومسلم كتاب الطهارة، باب الإيتار في الاستنثار والاستجمار (238).
وسمع عمرُ عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب يختلفان في صلاة الرجل في الثّوب الواحد، فصعد المنبر وقال : إذا اختلف اثنان من أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فعن أي فتياكم يصدر المسلمون لا أسمع رجلين يختلفان بعد مُقامي هذا إلّا فعلتُ وصَنعتُ .وقال جرير بنُ كُليب: رأيتُ عمر ينهى عن المتعة، وعليّ علیه السلام يأمر بها ، فقلت : إن بينكما لشرَّا، فقال عليّ علیه السلام : ليس بيننا إلّا الخير ولكن خيرنا أتبعنا لهذا الدِّين.قال هذا المتكلّم : وكيف يصحُّ أن يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتدَيتم اهتَديتم »(1، لا شبهةَ أنّ هذا يُوجب أن يكون أهلُ الشام في صفّين على هُدًى، وأن يكون أهلُ العراق أيضاً على هُدًى ، وأن يكون قاتل عمّار بن ياسر مهتدياً، وقد صح الخبرُ الصحيح أنه قال له : «تقتُلك الفئة الباغية»(2)، وقال في القرآن: (فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِية إلى أمر الله)(3)فدلَّ على أنها ما دامت موصوفة بالمقام على البَغْي مُفارِقة لأمر الله، ومَن يفارق أمر الله لا يكون مهتدياً .)وكان يجب أن يكون بُسرُ بن أبي أرطَاة الّذي ذَبح ولدي عُبيد الله بن عبّاس الصغيرين مُهتدياً، لأنّ يُسْراً من الصحابة أيضاً، وكان يجب أن يكون عمرو بن العاص ومعاوية اللذان كانا يلعنان عليا أدبار الصلاة ،وولديه ،مهتديين وقد كان في الصحابة من يزني ومن يشرب الخمر كأبي مِحْجَن الثقفي، ومن يرتدّ عن الإسلام كطليحة بن خُوَيلد، فيجب أن يكون كلّ مَن اقتدي بهؤلاء في أفعالهم مُهدياً .قال : وإنّما هذا من موضوعات متعصِّبة الأمويّة، فإن لهم من يَنصرهم بلسانه، وبوَضْعِه الأحاديث إذا عجز عن نصرهم بالسيف.وكذا القولُ في الحديث الآخر : وهو قوله : «القرن الذي أنا فيه»(4، وممّا يدلّ على بطلانه أنّ القَرْن الذي جاء بعده بخمسين سنةً شر قرون الدُّنيا، وهو أحد القُرُون الّتي ذَكَرها في النّص، وكان ذلك القَرْن هو القَرْن الّذي قُتِل فيه الحُسين، وأوقع بالمدينة، وحوصرتْ مَكَّة، ونُقضت الكَعْبة، وشَرِبت خلفاؤه والقائمُون مَقَامه والمنتصبون في منصب النبوة الخمور، وارتكبوا الفجور، كما جرى ليزيد بن معاوية وليزيد بن عائكة وللوليد بن يزيد، وأريقت الدماء الحرام،)
وقُتِل المسلمون، وسبي الحريم ، واستُعبد أبناء المهاجرين والأنصار، ونُقِش على أيديهم كما يُنقَش على أيدي الرُّوم، وذلك في خلافة عبد الملك وإمرة الحجّاج. وإذا تأملت كتبَ التواريخ وجدت الخمسين الثانيةَ شرَّا كلّها لا خير فيها، ولا في رؤسائها وأمرائها، والناس برؤسائهم وأمرائهم، والقرن خَمْسون سنةً، فكيف يصح هذا الخبر.قال: فأمّا ما ورد في القرآن من قوله تعالى : (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ(1). وقوله : تُحمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَدُو ) (2).)وقول النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم : «إنَّ الله اطَّلع على أهلِ بَدْر» (3، إن كان الخبرُ صحيحاً فكلّه مشروط بسلامةِ العاقبة، ولا يجوز أن يخبر الحكيم مكلّفاً غير معصوم بأنّه لا عقاب عليه ، فليفعل ما شاء.)قال هذا المتكلّم : ومَن أنصَفَ وتأمّل أحوال الصّحابة وجَدَهم مثلنا، يجوز عليهم ما يجوز علينا، ولا فرق بيننا وبينهم إلا بالصحبة لا غير، فإنّ لها منزلةً وشَرَفاً، ولكن لا إلى حدِّ يمتنع على كلّ من رأى الرسول أو صحبَه يوماً أو شهراً أو أكثر من ذلك أن يخطىء ويَزِل، ولو كان هذا صحيحاً ما احتاجت عائشة إلى نزول براءتها من السَّماء، بل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أوّل يوم يعلم كذب أهل الإفك لأنها زوجته، وصحبتها له أكد من صُحبة غيرها . وصفوان بن المعطّل أيضاً كان من الصّحابة، فكان ينبغي ألا يضيق صدرُ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، ولا يَحمِل ذلك الهمّ والغمّ الشديدَين الَّلذَين حملهما ويقول : صفوان من الصحابة، وعائشة من الصّحابة، والمعصية عليهما ممتنعة.وأمثال هذا كثير ، وأكثر من الكثير، لمن أراد أن يَستقرىءَ أحوال القوم، وقد كان التابعونَ يسلكون بالصحابة هذا المسلك، ويقولون في العُصاة منهم مثل هذا القول، وإنما اتخذهم العامة أرباباً بعد ذلك .قال : ومَن الّذي يجترى على القول بأن أصحاب محمد لا تجوز البراءة من أحدٍ منهم وإن أساء وعصى بعد قول الله تعالى للذي شرّفوا برؤيته : (لَينَ أَشْرَكْتَ لَيَحطَنَّ عَمَلكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الأخيرين(4)، بعد قوله : (قل إنّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَني هَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)(5)وبعد قوله : (فاحكم قُلْ إِلَى رَبِّي بين النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ) (6)،إلا من لا فهمَ له ولا نظرَ معه، ولا تمييزَ عنده.)
قال : ومَنْ أحَبّ أن ينظر إلى اختلاف الصحابة، وطعن بعضهم في بعض وردِّ بعضهم على بعض، وما ردّ به التابعون عليهم واعترضوا به أقوالهم واختلاف التابعين أيضاً فيما بينهم، وقدح بعضهم في بعض فلينظر في كتاب النَّظَام، قال الجاحظ كان النظّام أشدَّ الناس إنكاراً على الرافضة، لطعنهم على الصحابة، حتى إذا ذَكَر الفُتيا وتنقُّل الصحابةِ فيها، وقضاياهم بالأمور المختلفة، وقول من استعمل الرأي في دين الله ، انتظم مطاعن الرافضة وغيرها، وزاد عليها، وقال في الصحابة أضعاف قولها .قال : وقال بعض رؤساء المعتزلة : غَلطُ أبي حنيفة في الأحكام عظيم، لأنه أضل خَلْقاً وغلط حمّاد أعظمُ من غَلط أبي حنيفة، لأنّ حماداً أصل أبي حنيفة الذي منه تفرّع، وغلط إبراهيم أغلظ وأعظم من غلط حماد، لأنه أصل حماد وغلط علقمة والأسود أعظم من إبراهيم ، لأنهما أصله الذي عليه اعتمد، وغلط ابن مسعود أعظمُ مِن غلط هؤلاء جميعاً ، لأنه أول من بَدَر إلى وضع الأذيان برأيه، وهو الذي قال : أقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله ، وإن يكن خطأ فمنّي.قال واستأذن أصحابُ الحديث على ثمامة بخُراسان حيث كان مع الرَّشيدِ بن المهديّ، فسألوه كتابه الذي صنفه على أبي حنيفة في اجتهاد الرأي، فقال: لستُ على أبي حنيفة كتبتُ ذلك الكتاب، وإنما كتبته على علقمة والأسود وعبد الله بن مسعود لأنهم الذين قالوا بالرأي قبل أبي حنيفة .قال: وكان بعض المعتزلة أيضاً إذا ذكر ابن عباس استصغره وقال : صاحبُ الذؤابة يقول في دين الله برأيه .وذكر الجاحظ في كتابه المعروف «بكتاب التوحيد» أنّ أبا هريرة ليس بثقة في الرواية عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، قال : ولم يكن عليَّ علیه السلام يوثّقه في الرواية، بل يتهمه، ويقدح فيه، وكذلك عمر وعائشة .وكان الجاحظ يفسَّق عمرَ بن عبد العزيز ويستهزىء به ،ويكفِّره وعمر بن العزيز وإن لم يكن من الصحابة فأكثرُ العامة يَرَى له من الفضل ما يراه لواحد من الصّحابة.وكيف يجوز أن نحكم حُكْماً جَزْماً أنّ كل واحد من الصحابة عَدل، ومن جملة الصحابة الحكم بن أبي العاص! وكفاك به عدوَّا مبغضاً لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ! ومن الصحابة الوليد بن عُقبة الفاسقُ بنص الكتاب، ومنهم حبيب بن مسلمة الذي فَعَل ما فعل بالمسلمين في دولة معاوية، وبسر بن أبي أرطاة عدوّ الله وعدوّ ،رسوله وفي الصحابة كثيرٌ من المنافقين لا يعرفهم الناس لا وقال كثير من المسلمين : مات رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ولم يُعرفه الله سبحانه كلَّ المنافقين بأعيانهم، وإنما كان يعرف قوماً منهم، ولم يُعلم بهم أحداً إلا حذيفة فيما زعموا فكيف يجوز أن نحكم
حكماً جَزْماً أن كل واحد ممّن صَحِب رسول الله أو رآه أو عاصَرَه عَدْل مأمون، لا يقع منه خطأ ولا معصية ومن الذي يمكنه أن يتحجر واسعاً كهذا التحّجر، أو يحكم هذا الحكم !قال : والعجب من الحشويّة وأصحاب الحديث إذ يجادلون على معاصي الأنبياء، ويثبتون أنهم عصَوا الله تعالى، وينكرون على من ينكر ذلك، ويطعنون فيه، ويقولون : قَدَريّ معتزلي وربما قالوا : مُلحِد مخالف لنص الكتاب ، وقد رأينا منهم الواحد والمائة والألف يُجادِل في هذا الباب، فتارة يقولون : إن ّيوسف قعد من امرأة العزيز مَقعد الرّجل من المرأة، وتارةً يقولون : إن داود قتل أوريا لينكح امرأته وتارةً يقولون : إن رسول الله كان كافراً ضالاً قبل النبوة، وربما ذكروا زينب بنت جحش وقصّة الفداء يوم بدر.فأما قَدحُهم في آدم علیه السلام، وإثباتُهم معصيته ومناظرتهم مَن يذكر ذلك فهو دأبُهم ودَيْدَنُهم، فإذا تكلّم واحد في عمرو بن العاص أو في معاوية وأمثالهما ونَسَبهم إلى المعصية وفعل القبيح، احمرّت وجوهُهم، وطالت أعناقهم، وتخازَرت أعينُهم، وقالوا : مبتدع رافضيّ، يسبّ الصحابة، ويَشتمُ السَّلَف، فإن قالوا : إنّما اتّبعنا في ذكر معاصي الأنبياء نصوصَ الكتاب، قيل لهم : فاتّبعوا في البراءة من جميع العُصاة نصوصَ الكتاب، فإنه تعالى قال : (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَ اللهَ وَرَسُولَهُ (1)، وقال : (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَيلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله)(2)، وقال : (أطِيعُوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكر ) (3).)ثم يسألون عن بيعة عليّ علیه السلام هل هيَ صحيحة لازمة لكلّ الناس؟ فلا بدّ مِن «بَلَى»، فيقال لهم : فإذا خَرَج على الإمام الحق خارجٌ أليس يجب على المسلمين قتالُه حتَّى يعود إلى الطاعة؟ فهل يكون هذا القتال إلا البراءة التي نذكرها لأنه لا فرق بين الأمرين، وإنّما برثنا منهم لأنا لسنا في زمانهم، فيُمكننا أن نقاتل بأيدينا، فقصارى أمرنا الآن أن نبرأ منهم وتلعنهم، وليكون ذلك عوضاً عن القتال الّذي لا سبيلَ لنا إليه.قال هذا المتكلِّم: على أنّ النّظام وأصحابه ذَهَبوا إلى أنّه لا حُجّة في الإجماع، وأنّه يجوز أن تجتمع الأمة على الخطأ والمعصية، وعلى الفسق بل على الرّدّة، وله كتاب موضوع في الإجماع يطعن فيه في أدلّة الفقهاء، ويقول : إنّها ألفاظ غير صريحة في كون الإجماع حجّة حو قوله : (جَعَلْتَكُمْ أُمَّةً وَسَطا (4)وقوله : (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ) (5)وقوله : ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ نحو المؤمنان )(6).)
وأما الخبر الذي صورته : «لا تجتمع أمّتي على الخطأ »(1، فخبرُ واحد، وأمثَلُ دليل للفقهاء قولهم : إنّ الهمم المختلفة، والآراء المتباينة، إذا كان أربابها كثيرة عظيمة، فإنّه يستحيل اجتماعهم على الخطأ، وهذا باطل باليهود والنّصارى وغيرهم من فِرَق الضلال.)هذه خلاصةُ ما كان النَّقيب أبو جعفر عَلَّقَّه بخطه من الجزء الذي أقرأناه .ونحن نقول: أمّا إجماع المسلمين فحجّة، ولسنا نرتضي ما ذَكَره عنا من أنّه أمثَل دليل لنا أنّ الهِمَم المختلفة، والآراء المتباينة، يستحيل أن تتّفَق على غير الصّواب، ومن نَظَر في كُتُبنا الأصولية علم وثاقة أدلتنا على صحة الإجماع وكونه صواباً، وحجّة تحريم مخالفته، وقد تكلّمتُ في اعتبار الذريعة للمُرتَضى على ما طَعَن به المُرتضى في أدلّة الإجماع.وأما ما ذَكَره من الهجوم على دار فاطمة وجَمَع الحَطَب لتحريقها فهو خبرُ واحدٍ غير موثوق به، ولا معوّل عليه في حق الصحابة، بل ولا في حقّ أحد من المسلمين ممن ظهرت عدالتُه .وأما عائشة والزبير وطلحة فمذهبنا أنّهم أخطؤوا ثم تابوا وأنهم من أهل الجنّة، وأن علياً علیه السلام شهدَ لهم بالجنة بعد حَرْب الجَمَل .وأما طعن الصحابة بعضهم في بعض فإن الخلاف الذي كان بينهم في مسائل الاجتهاد لا يوجب إثْماً ، لأن كل مجتهد مصيب، وهذا أمرٌ مذكور في كُتُب أصول الفِقه وما كان من الخلاف خارجاً عن ذلك فالكثيرُ من الأخبار الواردة فيه غير موثوق بها وما جاء من جهة صحيحة نظر فيه ورجح جانب أحد الصحابيين على قدر منزلته في الإسلام كما يُروى عن عُمَر وأبي هريرة .فأماّ علي علیه السلام فإنّه عندنا بمنزلة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم في تصويب قوله، والاحتجاج بِفعله، ووجوب طاعته، ومتى صحّ عنه أنه قد برىء من أحد من الناس برثنا منه كائناً من كان، ولكنّ الشأن في تصحيح ما يُروى عنه علیه السلام، فقد أكثر الكذب عليه، وولدت العصبية أحاديث لا أصل لها .فأمّا براءته علهی السلام من المغيرة وعمرو بن العاص ومعاوية، فهو عندنا معلوم جارٍ مَجرَى الأخبار المتواترة، فلذلك لا يتولاهم أصحابنا، ولا يُثنون عليهم، وهم عند المعتزلة في مَقامٍ غير ،محمود وحاشَ الله أن يكون علیه السلام ذَكَرَ مَن سَلَف من شيوخ المهاجرين إلّا بالجميل والذبكر
1) أخرجه الترمذي، كتاب الفتن باب ما جاء في لزوم الجماعة (2167)، وأحمد في «مسنده» (26682) ، بلفظ : «ضلال» بدل «الخطأ».
الحَسَن بموجب ما تقتضيه رِئاسته في الدِّين، وإخلاصه في طاعة ربّ العالمين، ومَنْ أحبّ تتبُّع ما رُوی عنه ممّا يُوهم في الظاهر خلاف ذلك فليراجع هذا الكتاب أعني شرح نهج البلاغة، فإنا لم نَترك موضعاً يُوهم خلاف مذهبنا إلا وأوضحناه وفسرناه على وجه يُوافق الحق، وبالله التوفيق.### اخبار عمار بن ياسر ونسبهفأما عمّار بنُ ياسر رحمه الله ، فنحن نذكر نسَبه وطَرَفاً من حالِه ممّا ذَكَرَه ابنُ عبد البرّ في كتاب الاستيعاب قال أبو عمر بنُ عبدِ البر رحمه الله .هو عمّار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن حصين بن لَود بن ثَعلبة بن عَوف بن حارثةَ بن عامر بن نام بن عنس - بالنون - بن مالك بن أدد العنسي المَذحجيّ، يكنَى أبا اليقَظان، حليفٌ لبني مخزوم كذا قال ابن شهاب وغيره.وقال موسى بن عقبة :وممن شهد بذراً عمّار بن ياسر حليف لبني مخزوم بنِ يقَظَة .وقال الواقديّ وطائفةً من أهل العلم : إنّ ياسراً والد عمّار بن ياسر عربيّ قحطانيّ من عَنْس من مَذحج إلّا أن ابنه عمّاراً مولى لبني مخزوم، لأنّ أباه ياسراً تزوّج أمَةً لبعض بني مخزوم فأوَلَدها عمّاراً، وذلك أنّ ياسراً قَدِم مكّة مع أخوَين له يقال لهما : الحارث ومالك في طَلَب أخ لهم رابع، فرجع الحارث ومالكٌ إلى اليَمَن، وأقامَ ياسرٌ بمكّة، فحالَفَ أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فزوّجه أبو حذيفة أمةً له يقال لها سُميّة بنت خياط، فولدت له عمّاراً فأعتقَه أبو حذيفة، فصار ولاؤه لبني مخزوم، وللحلف والوَلاء الّذي بين بني مَخزوم وعمّار بن ياسر كان اجتماع بني مخزوم إلى عثمان حين نال من عمّار غلمانُ عثمانَ ما نالوا من الضّرب، حتّى انفَتَق له فَتْق في بطنه وكَسَروا ضِلَعاً من أضلاعه، فاجتمعت بنو ،مخزوم وقالوا : والله لئن مات لا قتلنا به أحداً غير عثمان.قال أبو عمَر : وأسلمَ عمّار وعبد الله أخوه وياسر أبوهما وسُميّة أمهما ، وكان إسلامُهم قديماً في أوّل الإسلام فعُذَّبوا في الله عذاباً عظيماً، وكان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يمرُّ بهم وهم يعذِّبون فيقول: «صبراً يا آل ياسر ، فإن موعدكم الجنّة» (1، ويقول لهم أيضاً : «صَبراً يا آل ياسر ، اللهم اغفر لآل ياسر، وقد فعلت» (2).)قال أبو عمر : ولم يزل عمّار مع أبي حذيفة بن المغيرة حتّى مات وجاء الله بالإسلام.
فأمّا سُميّة فقَتَلها أبو جهل، طعنها بحَرْبة في قُبلها فماتت، وكانت من الخَيرات الفاضلات وهی أوّل شهيدة في الإسلام، وقد كانت قريشٌ أخذتْ ياسراً وسُميّة ،وابنيهما، وبلالاً وخَبّاباً وصُهَيباً فألبسوهم أدراع الحديد ، وصَهَروهم في الشمس حتى بلغ الجَهدُ منهم كل مبلغ، فأعطوهم ما سألوا من الكفر، وسبِّ النبيِّ صلی الله علیه وآله وسلم ، ثم جاء إلى كل واحد منهم قومُه بأنطاع الأدم فيها الماء فألقوهم فيها، ثمّ حَمَلوا بجوانبها، فلمّا كان العشيُّ جاء أبو جهل فجعل يَشتُم سُميّة ويرفث، ثمّ وَجَأها بحَرْبة في قبلها فقَتلها، فهي أوّل من استُشهد في الإسلام، فقال عمّار للنبيّ صلی الله علیه وآله وسلم : يا رسولَ الله بلغ العذاب من أِمّي كلَّ مبلغ، فقال: «صبراً يا أبا اليقظان، اللهم لا تعذب أحداً من آل ياسر بالنَّار» (1، قال أبو عمر : وفيهم أنزل : ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمين بالإيمين ) (2).)قال : وهاجر عمّار إلى أرض الحبشة وصلّى القِبْلَتَين، وشهد بدراً والمَشاهد كلَّها وأبلَى بلاءً حسناً ، ثم شهد اليمامة، فأبلى فيها أيضاً، ويومئذٍ قُطعت أذنه .قال : وذَكَر الواقديّ عن عبد الله بن نافع عن أبيه، عن عبد الله بن عمر قال: رأيتُ عمّار بن ياسر يومَ اليَمامة على صَخرة وقد أشرَف يصيح يا معشرَ المسلمين، أمِن الجنّة تفرُّون؟ أنا عمّار بن ياسر، هَلموا إلي، وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت، فهي تذَبذَب وهو يقاتل أشدّ القِتال .قال أبو عمر : وكان عمّار طويلاً ،أشهَل بعيدَ ما بين المنكبين، قال: وقد قيل في صفته : كان آدمَ طوالاً مضطرباً ، أشهَل العينين بعيد ما بين المنكبين، رجلاً لا يغير شيبَه .قال: وكان عمّار يقول : أنا تِرْبُ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، لم يكن أحدٌ أقرب إليه سِنَّا منِّي .قال : وقُتِل عمّار وهو ابنُ ثلاث وتسعين سنة، والخبرُ المرفوع مشهور في حَقّه : «تقتلُك الفئةُ الباغية »(3، وهو من دلائل نبوّة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، لأنّه إخبارٌ عن غَيْب.)وقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في عمَّار:« مُلىءَ إيماناً إلى مُشاشِه» (4، ويُروى: «إلى أخمص قَدَمَيه» (5).)وفضائلُ عمّار كثيرة، وقد تقدم القولُ في ذكر عمّار وأخباره، وما ورد في حقّه.
الأصل: وقالَ علیه السلام : ما أَحْسَنَ تَوَاضُعَ الأغْنِياءِ لِلْفُقَرَاءِ طَلَبَا لِمَا عِنْدَ اللهِ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ تِيهُ الفُقَرَاءِ عَلَى الأغْنِياءِ اتكالاً على الله سُبْحَانَهُ .الشرح: قد تقدّم شرح مِثل هذه الكلمة مراراً.وقال الشاعر :قنعتُ فاعتقتُ نفسِي ولن*** أملَّك ذا تَرُووَ رِقهَاونَزّهتُها عن سؤال الرّجال ومِنَّة من لا يَرى حَقَّهَاوإنّ القَناعة كَنزُ اللّبيب إذا ارتَتقت فتقت رتقَهَاسيَبعتُ رِزْقَ الشَّفاء الغِراث وخمص البطون الّذي شَقَهَافما فارقَتْ مُهجةٌ جسمها لعَمْرُك أو وُفِّيَتْ رِزْقَهَامواعيدُ ربِّك مصدوقة*** إذا غَيرها فَقَقَدتْ صِدقَها- 415الأصل: وقال علیه السلام : ما اسْتَوْدَعَ الله امرأ عقلاً إِلَّا لِيَسْتَنْقِذَهُ بِهِ يَوْماً مَا .الشرح: لا بدّ أن يكون للبارى تعالى في إيداع العَقل قلبَ زيد مَثَلاً فَرَضِ، ولا غَرَض إلا أن يستدلّ به على ما فيه نجاتُه وخلاصُه، وذلك هو التكليف، فإن قصّر في النظر وجَهِل وأخطأ الصّواب فلا بدّ أن يُنقذه عقلُه مِن وَرْطة من وَرَطات الدنيا ، وليس يخلو أحدٌ عن ذلك أصلاً ، لأن كلّ عاقل لا بدّ أن يتخلّص من مضرّة سبيلُها أن تُنال بإعمال فِكرتِه وعقله في الخلاص منها، فالحاصل أنّ العقل إمّا أن ينقذ الإنقاذ الدّيني، وهو الفلاح والنّجاح على الحقيقة، أو يُنقذ من بعضِ مهالك الدّنيا وآفاتها، وعلى كلّ حال فقد صَحّ قول أمير المؤمنين علیه السلام، وقد رَويت هذه الكلمة مرفوعةً(1، ورويت : «إلا استنفذَه به يوماً ما».)
1) أخرجه الديلمي في «مسند الفردوس» (6279).
وعنه صلی الله علیه وآله وسلم: «العقل نورٌ في القَلب يُفرّق به بين الحقّ والباطل »(1.)وعن أنَس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الرّجل يكون حَسَن العقل كثير الذنوب، فقال: ما من بشَر إلّا وله ذنوب وخطايَا يَقترفها، فمن كانت سجيّته العَقَل، وغَريزته اليقين، لم تضرَّه ذنوبُه ، قيل : كيف ذلك يا رسولَ الله صلی الله علیه وآله وسلم؟ قال : كلّما أخطأ لم يلبث أن يتدارَكَ ذلك بتوبةٍ وندامةٍ على ما فرط منه، فيمحو ذُنوبه، ويَبقَى له فضل يدخُل به الجنة (2.)### بعض ما قيل في مدح العقلوقد تقدّم من قولنا في العقل وما ذكر فيه ما فيه كفاية، ونحن نذكر هاهنا شيئاً آخر :كان يقال : العاقل يُروِّي ثم يَرْوِي ويَخبُر ثم يُخبر .وقال عبدُ الله بن المعتز : ما أبيَنَ وجوهَ الخير والشّر في مِرآة العقل!لقمان :يا بنيّ، شاوِرُ مَن جَرّب الأمور فإنّه يعطيك من رأيه ما قام عليه بالغلاء وتأخذه أنتَ بالمجّان.أردشير بن بابك : أربعة تحتاج إلى أربعة : الحَسَب إلى الأدب، والسرورُ إلى الأمن، والقَرابة إلى المودّة، والعقل إلى التّجربة.الإسكندر : لا تحتقر الرأيَ الجزيلَ من الحقير، فإنّ الدرّة لا يُستهان بها لِهوان غائصها.مَسلَمة بنُ عبد الملك : ما ابتدأتُ أمراً قطُّ بحزم فرجعتُ على نفسي بلائمة، وإن كانت العاقبة عليّ، ولا أضعتُ الحزم فسُرزت وإن كانت العاقبة لي .وَصَف رجلٌ عضد الدّولة بن بُويه ، فقال : لو رأيتَه لرأيتَ رجلاً له وجهٌ فيه ألفُ عَيْن، وفمٌ فيه ألفُ لسان، وصدرٌ فيه ألفُ قَلب.أثنى قومٌ من الصحابة على رجل عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالصّلاة والعبادة وخصال الَخير حتى بالَّغوا ، فقال صلی الله علیه وآله وسلم : «كيف عقلُه؟» قالوا: يا رَسول الله نخبرك باجتهاده في العبادة وضروب الخَيْر، وتسألُ عن عَقْله ! فقال : «إنّ الأحمق ليصيبُ بحُمقه أعظم ممّا يصيبُه الفاجر بفجوره، وإنما ترتفع العباد غَداً في دَرَجاتهم، ويَنالُون من الزُّلفى من رَبِّهم على قَدْر عُقولهم» (3.)الرَّيْحاني : العَقْل مَلِك، والخصال رعيّته، فإذا ضَعُف عن القيام عليها ، وَصَل الخَلَل إليها . وسَمِع هذا الكلام أعرابيّ فقال : هذا كلام يقطُر عَسَلُه .
قال مَعَنُ بنُ زائدة: ما رأيتُ قَفَا رجل إلا عرفتُ عقله، قيل : فإن رأيت وجهَه؟ قال : ذا كتابٌ يُقرأ .بعض الفلاسفة : عقلُ الغَرِيزة مُسلم إلى عَقْلِ التجربة .بعضُهم : كلّ شيء إذا كَثُر رَخُص إلّا العقل، فإنّه إذا كَثُر غلا .قالوا في قوله تعالى : (لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا (1)، أي: من كان عاقلاً .)ومن كلامهم العاقل بخشونة العَيْش مع العقلاء آنس منه بلين العيش مع السُّفهاء.-أعرابيّ : لو صُوّر العقلُ أظلمت معه الشّمس، ولو صُوِّر الحُمق لأضاء معه اللّيل .قيل لحكيم : مَتَى عَقَلْتَ ؟ قال : حين وُلِدتُ، فأنكرُوا ذلك، فقال: أمّا أنا فقد بكَيت حين جُعت، وطلبتُ الشَّدي حين احتجتُ وسَكَتُ حين أعطِيت، يريد أنّ من عَرَف مقادِيرَ حاجتِهفهو عاقل .المأمون : إذا أنكرتَ مِن عقلك شيئاً فاقدَحه بعاقل.بُزُرجُمِهر: العاقل الحازم إذا أشكَل عليه الرأيُ بمنزلة من أضلَّ لؤلؤةً فَجَمَع ما حولَ مسقطها من التُّراب ، ثم التَمَسَها حتّى وَجَدها ، وكذلك العاقلُ يَجمَع وجوة الرّأي في الأمر المُشكِل ، ثم يَضرِب بعضَها في بعض حتّى يستخلِص الرأي الأصوَب.كان يقال : هجينٌ عاقلٌ خيرٌ من هِجان جاهل.كان بعضهم إذا استُشير قال لمشاوِرِه : أنظرني حتّى أصقُلَ عقلي بنَومة.إذا نزلت المقادير ، نزلت التدابير من نَظَر في المَغَاب، ظفر بالمحابّ. من استدّت عزائمه اشتدّت دَعائمه. الرأيُ السّديد أجدى من الأيد الشّديد.بعضُهم :وما ألف مطرُور السِّنان مشدّد*** يُعَارِض يوم الروع رأياً مسدّداًأبو الطَّيب :الرأيُ قبل شَجاعة الشّجعان*** هو أوّلٌ وهيَ المحلّ الثانيفإذا هما اجتم-عالنفي حُرّة بَلغت مِن العَلياء كلَّ مكانِولرّبما طَعَن الفتى أقرانَه بالرأي قبل تطاعُن الأقرانِلولا العقولُ لكان أدْنَى ضَيْغَمِ ***أدنى إلى شرف من الإنسانولمَا تفاضَلَت النفوسُ ودَبَّرتُ ***أيدي الكُماة عواليَ المُرانِ
1) سورة يس الآية: 70 .
ذَكر المأمونُ وَلَدَ عليِّ علیه السلام ، فقال : خُصّوا بتدبير الآخرة، وحُرِموا تدبيرَ الدنيا .كان يقال: إذا كان الهوى مقهوراً تحت يَدِ العقل، والعَقل مسلّط عليه، صُرفت مَساوىء صاحبه إلى المحاسن، فعُدّت بلادتُه حلماً، وحدّته ذَكاء، وحَذَره بلاغة، وعِيه صَمْتاً، وجُبْنه حَذَراً، وإسرافه جُوداً .وذكر هذا الكلام عند بعضهم فقال : هذه خِصِّيصة الحظِّ نقلها مرتِّب هذا الكلام إلى العقل .سمعَ محمد بن يزداد كاتبُ المأمون قول الشاعر:إذا كنتَ ذا رأي فكن ذا عزيمةٍ*** فإن فساد الرأي أن تتهردّدافأضاف إليه :وإن كنت ذا عزمٍ فأنقِذه عاجلاً*** فإنّ فساد العزم أن يتفنّدا-416 -الأصل: وقالَ علیه السلام : مَنْ صَارَعَ الحَقِّ صَرَعَهُ .الشرح: هذا مِثْلُ قوله في موضع آخر : مَنْ أبدى صفحته للحق هلك، ونحو هذا قول الطائيّ :وَمن قامَر الأيّام عن ثمَراتها فأحْجِ بها أن تنجلي ولها القمرُ- 417 -الأصل: وقال علیه السلام : الْقَلْبُ مُصْحَفُ البَصَر.الشرح هذا مِثلُ قول الشاعر :تخبّرني العينان ما القلبُ كاتمُ وما جنّ بالبَغضاء والنَّظَر الشَّزْرِيقول علیه السلام: كما أنّ الإنسان إذا نظر في المصحَف قرأ ما فيه، كذلك إذا أبصر الإنسانُ صاحبه فإنه يَرَى قلبه بوساطة رؤية وجهه، ثم يعلم ما في قلبه من حُبِّ وبغض وغيرهما، كما يعلم برؤية الخطّ الذي في المصحف ما يدلّ الخطّ عليه .
وقال الشاعر :إنّ العيونَ لَتُبدي في تقلُّبها*** ما في الضمائر من وُدُ ومِنْ حَنَقِ-418-الأصل: وقال علیه السلام : التَّقَى رَئيسُ الأَخْلاقِ.الشرح: يعني رئيس الأخلاق الدينيّة، لأنّ الأخلاق الحميدةَ كالجود والشجَاعة والحلم والعفّة وغير ذلك، لو قَدَّرْنا انتفاء التكاليف العقلية والشرعيةّ، لم يكن التُّقى رئيساً لها ، وإنما ریاسة التُّقى لها مع ثُبوت التكليف، لا سيما الشرعيّ. والتّقى في الشرع هو الوَرَع والخوفُ من الله ، وإذا حصل حصلت الطاعات كلها، وانتفت القبائح كلها ، فصار الإنسان معصوماً، وتلك طبقة عالية، وهي أشرف من جميع الطّبقات التي يُمدح بها الإنسان، نحو قولنا : جَوادٌ أو شجاع أو نحوهما ، لأنّهما طبقة ينتقل الإنسانُ منها إلى الجنّة ودار الثواب الدائم، وهذه مزيّة عظيمةٌ يَفضُل بها على سائر طبقات الأخلاق.- 419-الأصل: وقال له علیه السلام : لا تَجْعَلَنَّ ذَرَبَ لِسَانِكَ عَلَى مَنْ أَنْطَقَكَ، وَبَلاغَةَ قَوْلِكَ عَلَى مَنْ صَدَّدَكَ.الشرح: يقول : لا شُبهة أنّ الله تعالى هو الّذي انطَلقك، وسدّد لفظَك، وعلّمك البيان كما قال سبحانه: (خَلَقَ الإِنسَنَ عَلَمَهُ الْبَيَانَ (1)، فقبيحٌ أن يَجمَل الإنسانُ ذَرَب لسانِه وفصاحةَ منطِقه على من أنطقَه وأقدرَه على العبادة، وقبيحٌ أن يَجعَل الإنسانُ بلاغة قوله على من سدّد قوله، وجعَلَه بليغاً حَسَنَ التعبير عن المعاني الّتي في نفسه، وهذا كمن يُنعِم على إنسان بسيف فإنّه يقبح منه أن يقتله بذلك السّيف ظُلماً قبحاً زائداً على ما لَوْ قَتَله بغير ذلك السّيف، وما أحسنَ قول المتنبي ّفي سيف الدولة :)
1) سورة الرحمن، الآيتان: 3، 4 .
ولمّا كَسَا كعباً ثياباً طغوا بها رمى كلّ ثوب من سنان بخارقِِوما يُوجع الحِرْمانُ من كَف حازمٍ كما يُوجع الحرمان من كف رازِقِ- 420 -الأصل: وقال علیه السلام: كَفَاكَ أَدباً لِنَفْسِكَ اجْتِنَابُ مَا تَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِكَ.الشرح : قد قال علیه السلام هذا اللّفظ أو نحوَه مراراً، وقد تكلّمنا نحن عليه، وذكرنا نظائرَ له كثيرة نثراً ونظماً .وكَتَب بعض الكتّاب إلى بعض الملوك في حال اقتضَت ذلك :ما عَلَى ذا افترَقْنا بِشَبْذَانَ إِذْ كُنّا ولا هكذا عَهِدْنا الإخاءَتَضرب الناسَ بالمهنَّدة البيض على غدرِهم وتَنسَى الوَفاءَ-471-الأصل: وقال علیه السلامب يعزِّي قوماً : من صبَر صبَر الأحرارِ، وإلا سَلا سُلُوّ الأغمار.والأَصَلا وفي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّهُ علیه السلام قالَ لِلاشْعَثِ بْنِ قيس مُعَزِّياً عن ابْنِ لَهُ : إِنْ صَبَرْتَ صَبْرَ الأَكارِمِ، وإلا سلَوْتَ سلوّ البَهَائِمِ .الشرح: أخذ هذا المعنى أبو تمّام بل حكاه فقال :وقال عليَّ في التّعازي لأشعثِ **وخافَ عليه بعضَ تلك المآيمأتصبرُ للبَلوى عزاء وحِسبةً فتؤجر أم تسلو سُلُو البهائم!- 422 -الأصل: وقال علیه السلام في صفة الدُّنْيا : الدَّنْيا تَغُرُ وتَضُرُّ وَتَمُرُّ ، إِنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ لَمْ يَرْضَهَا ثَوَاباً لأولياتِهِ، ولا عِقاباً لأعْدائِهِ
الشرح: قد تقدّم لنا كلام طويل في ذم الدنيا .ومن الكلام المستحسَن قولُه : «تَغُرُ وتَضُرُّ وتَمُر»، والكلمة الثانيةُ أحسن وأجمل.وقرأتُ في بعض الآثار أن عيسى علیه السلام مرّ بقرية وإذا أهلها مَوْتَى في الطّرُق والأفنية، فقال للتلامذة: إنّ هؤلاء ماتوا عن سخطة، ولو ماتوا عن غير ذلك لتدافَنوا ، فقالوا يا سيّدَنا: وَدِدْنا أنا عَلِمْنا ،خبرَهم، فسأل الله تعالى، فقال له : إذا كان الليلُ فنادِهم يجيبوك، فلما كان اللّيلُ أشرَف على نَشَرٍ ثمّ ،ناداهم فأجابه مجيب، فقال: ما حالُكم، وما قصّتُكم ؟ فقال : بثنا في عافية، وأصبَحْنا في الهاوية، قال: وكيف ذلك؟ قال : لحبّنا الدنيا ، قال : كيف كان حبّكم لها؟ قال: حبّ الصبي لأمه، إذا أقبلت فَرحَ بها ، وإذا أدبرت حَزِن عليها وبَكَى، قال: فما بالُ أصحابك لم يجيبوني ؟ قال : لأنهم ملجَمون بلُجُم من نارٍ بأيدي ملائكة غلاظٍ شِداد، قال: فكيف أجبتَني أنتَ مِن بينهم؟ قال : لأني كنتُ فيهم، ولم أكن منهم، فلمّا نزل بهم العذابُ أصابني معهم، فأنا معلق على شَفِير جهنّم لا أدري أنجو منها أم أكَبكب فيها ؟ فقال المسيح لتلامذته : لأكُل خُبز الشعير بالملح الجَريشِ ولبس المُسُوح والنّوم على المزابل وسباخ الأرض في حرّ الصيف، كثيرٌ مع العافية من عذاب الآخرة.- 423 -الأصل: وإِنْ أهْلَ الدُّنْيا كَرَكْبٍ، بَيْنَا هُمْ حَلُّوا إِذْ صاحَ بِهِمْ سَائِقُهُمْ فَارْتَحَلُوا .الشرح: رُوِي: «بينَا هُم حُلُول»، وبينا هي بَين نفسها، ووزنها «فَعلى»، أُشيعت فَتحةُ النون فصارت ألفاً ، ثمّ قالوا : «بينما» فزادوا «ما»، والمعنى واحد، تقول: بينَا نحن نفعل كذا جاء زيد، أي بين أوقات فعلنا كذا جاءَ زيدٌ، والجملُ قد يضافُ إليها أسماءُ الزمان نحو قولهم : «أتيتُك زَمَن الحَجّاج أمير ، ثمّ حذفوا المضاف الّذي هو أوقات، وولى الظّرف الذي هو بين الجملة التي أقيمت مَقام المحذوف.وكان الأصمعيّ يخفض بعدَ «بينا» إذا صَلَح في موضعه «بَين»، ويُنشِد قول أبي ذؤيب بالكسر :بَيْنا تَعَنُقِهِ الكُماة وروغهِ*** يوماً أُتِيحَ له جَرِيءٌ سَلْفَعُوغيرُه يَرْفَع ما بعد «بَيْنا» و«بينما» على الابتداء والخبر، فأمَّا إذ وإذَا فإنّ أكثر أهل العربية يمنعون من مَجِيئهما بعد بَيْنا ،وبينما ومنهم من يُجيِزه وعليه جاء كلامُ أمير المؤمنين، وأنشدوا :
بينما الناسُ على عليائِها*** إذهوَوا في هُوةٍ منها فَغارُواوقالت الحُرقَة بنتُ النعمان بن المنذر :وبَيْنا نسوسُ النّاسَ والأمرُ أمرُنا*** إذا نحن فيهم سوقةٌ نتنصَّفُوقال الشاعر :استَقدرِِ الله خيراً وارضَيَنّ به ***فبينما العُسْر إذا دارتْ مَياسِيرُوبينما المرءُ في الأحياءِ مُغْتبِط ***إنصارَ في اللّحْدِ تَعفُوه الأعاصِيرُوممّا جاءَ في وصف الدّنيا ممّا يناسب كلامَ أمير المؤمنين قول أبي العَتَاهية :إنّ داراً نحن فيها لدارُ ***لیس فیه هالمقيم قرارُكم وكم قد حلها من أناس ***ذهب الليل بهم والنّهارفهُمُ الرَّكْب قد أصابوا مَناخاً ***فاستراحوا ساعةً ثم سارواوكذا الدّنيا على ما رَأينا ***يَذهَب الناس وتخلُو الدّيارُ- 424 -الأصل: وقال علیه السلام لابنِه الحسن علیه السلام :يَا بُنَيَّ، لا تُخَلَّفَنَّ وَرَاءَكَ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيا فَإِنَّكَ تُخلِّفُهُ لِأَحَدٍ رَجُلَيْنِ : إِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيه بِطَاعَةِ الله فَسَعِدَ بِمَا شَقِيتَ بِهِ، وَإِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ الله فشَقِي بِمَا جَمَعْتَ لَهُ، فَكُنْتَ هوْناً لَهُ علَى مَعْصِيَتِهِ، وَلَيْسَ أَحَدُ هَلَيْنِ حَقِيقاً أَنْ تُويْرَهُ عَلَى نَفْسِكَ.ويُرْوَى هَذَا الكلام على وجه آخر ، وهو :أمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الَّذِي فِي يَدَيْكَ مِنَ الدُّنْيا قَدْ كَانَ لَهُ أَهْل قَبْلَكَ، وَهُوَ صَائِرٌ إِلَى أَهْلِ بَعْدَكَ، وَإِنَّمَا أَنْتَ جَامِعٌ لأحَدٍ رَجُلَيْنِ : رَجُلٍ عَمِلَ فِيمَا جَمَعْتَهُ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَسَعِدَ بِمَا شَفَيْتَ بِهِ، أَوْ رَجُلٍ عَمِلَ فِيمَا جَمَعْتَهُ بِمَعْصِيَةِ الله فَشَقِي بِمَا جَمَعْتَ لَهُ، وَلَيْسَ أَحَدُ هَذَيْنِ أهْلاً أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى نَفْسِكَ، أَوْ تَحْمِلَ لَهُ علَى ظَهْرِكَ، فَارْجُ لِمَنْ مَضَى رَحْمَة الله، وَلِمَنْ بَقِي رِزْقَ اللهتَعَالَى .الشرح: رُوِي : «فإِنَّكَ لا تُخلّفه إلا لأحد رجلين»، وهذا الفصل نَهيٌ عن الادّخار، وقد سَبَق لنا فيه كلامٌ مقنع .
وخلاصةُ هذا الفَصْلِ أنّك إِنْ خلفت مالاً ، فإما أن تخلّفه لمن يَعمل فيه بطاعة الله، أو لِمن يَعمَل فيه بمعصيته، فالأول يَسعَد بما شَقيتَ به أنتَ ، والثاني يكون مُعاناً منك على المَعصية بما تركتَه له من المال وكلا الأمرين مذموم ، وإنما قال له : «فارجُ لمن مضى رحمة الله، ولمن بَقيَ رزقَ الله» ، لأنّه قال في أوّل الكلام :«قد كان لهذا المال أهلٌ قَبْلَك، وهو صائرٌ إلى أهلٍ بعدك».والكلام في ذَمّ الادّخار والجمع كثيرٌ ، وللشّعراء فيه مذاهبُ واسعة ومعانٍ حَسَنة.وقال بعضهم :یا جامعاً مانعاً والدّهرُ يَرمُقُه مدبراً أيّ باب عنه يُغْلِقُهُوناسياً كيف تأتيه مَنِيْتُه أغادِياً أم بها يسري فتَطرُقهجمعتَ مالاً فقل لي هل جمعتَ له يا جامعَ المال أياماً تُفرّقُهُالمالُ عندك مخزونٌ لوَارِثِهِ ما المالُ مالُكَ إلّا يَوْمَ تُنفِقُهُأَرْفه ببالِ فتّى يَغدو على ثقةٍ*** أنَّ الذي قَسَم الأرزاقَ يَرْزُقُهُفالعِرض منه مَصُونٌ لا يُدنّسه*** والوجهُ منه جديد ليس يُخلقهإنّ القناعةَ من يُحلل بساحَتِها ***لم يَلق في ظلها مما يؤرقُه- 425 -الأصل: وقال علیه السلام القائل قال بحضرته استغفر الله : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ! أتَدْرِي مَا الاستِغْفَارُ؟ إِنَّ للاسْتِغْفَارِ دَرَجَةَ الْعِليِّينَ، وَهُوَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانِ : أَوَّلُها النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى وَالثَّانِي الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ العَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً ، وَالثَّالِثُ أَنْ تُؤدِّي إِلَى المَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ حَتَّى تَلْقَى الله عَزَّ وَجَلَّ أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ، وَالرَّابِعُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَها فَتُودِّيَ حَقَّهَا ، والخامِسُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اللخم الَّذِي نَبَتَ عَلَى السُّحْتِ فتذيبه بالأَحْزَانِ حَتَّى تُلْصِقَ الْجِلْدَ بِالْعَظمِ، وَيَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ ، السَّادِسُ أَنْ تُذِيقَ الْجِسْمَ أَلَمَ الطَّاعَةِ كما أَذَقْتَهُ حَلاوَةَ الْمَعْصِيَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقُولُ : أَسْتَغْفِرُ الله .الشرح: قدرُوِي : «إِنَّ الاستغفار درجةُ العلِّيين»، فيكون على تقدير حذف مضاف، أي أنّ دَرَجةالاستغفار درجة العِلّيّين، وعلى الرواية الأولى يكون على تقدير حَذف مضاف، أي أن لصاحب الاستغفار درجة العلّیيين. وهو هاهنا جمعٌ على «فعِّيل» كضلّليل وخِمّير، تقول: هذا رجلٌ
عليِّ ، أي كثيرُ العلق، ومنه العلِّية للغُرفة على إحدى اللّغتين، ولا يجوز أن يفسَّر بما فَسر به الراونديّ من قوله : إنه اسمُ السماء السابعة، ونحو قوله :« هو سدرة المنتهى»، ونحو قوله:« هو موضعٌ تحت قائمةِ العَرْش اليمنى»، لأنه لو كان كذلك لكان عَلَما ، فلم تدخُله اللّام. كما لا يقال: «الْجَهنّم»، وكذلك أيضاً لا يجوز تفسيرُه بما فسّره الراونديّ ،أيضاً قال العلّيين، جمع عليّ: الأمكنة في السماء، لأنه لو كان كذلك لم يُجمع بالنون لأنها تختصّ بمن يَعقل، وتصلح أن تكون الوجوه الأولى تفسيراً لقوله تعالى: (كَلَّا إِنَّ كِتَبَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِينَ (1).)قوله : نَبَت على الشخت، أي على الحرام ، يقال : سُحت، بالتسكين، وسُحُت بالضمّ، وأسحَت الرجلُ في تجاريه، أي اكتسب الشُّحت .)### في ماهية التوبة وشروطهاوينبغي أن نذكر في هذا الموضع كلاماً مختصراً مما يقوله أصحابنُا في التوبة، فإنّ كلام أمير المؤمنين هو الأصل الذي أخَذَ منه أصحابنُا مَقالتَهم ، والذي يقولونه في التوبة، فقد أتى على جوامِعه علیه السلام في هذا الفصل على اختصاره.قال أصحابنا : الكلام في التوبة يقع من وجوه منها الكلام في ماهية التوبة والكلام في إسقاطها الذّمّ والعقاب، والكلام في أنه يجب علينا فِعلُها، والكلام في شُرطها .أما ماهيّة التوبة فهي النّدم والعَزم، لأنّ التوبة هي الإنابة والرّجوع، وليس يمكن أن يرجع الإنسانُ عمّا فعله إلا بالنّدم عليه، والعزم على تَرْك معاودته، وما يتوب الإنسان منه، إمّا أن يكون فعلاً قبيحاً، وإما أن يكون إخلالاً بواجب، فالتوبة من الفعل القبيح هي أن يَندَم عليه، ويعزم ألّا يعود إلى مثله، وعَزمه على ذلك هو كراهيته لفعله، والتوبةُ من الإخلال بالواجب أن يندم على إخلاله بالواجب ويَعزم على أداء الواجب فيما بعد.فأما القول في أن التوبة تُسقِط العذاب فعندنا أن العقل يقتضي قُبح العقاب بعد التوبة، وخالف أكثرُ المرجئة في ذلك من الإمامية وغيرهم واحتجّ أصحابُنا بقُبح عقوبة المسيء إلينا بعد ندمِه واعتذاره وتنصّله، والعلم بصدقه والعلم بأنّه عازمٌ على ألّا يعود .فأما القول في وجوب التوبة على العُصاة، فلا ريب أنّ الشرع يوجب ذلك، فأمَّا العقل فالقول فيه أنه لا يخلو المكلَّف إما أن يَعلم أن معصيته كبيرة، أو يعلم أنها صغيرة، أو يجوز فيها كلا الأمرين، فإن علم كونها كبيرة وجب عليه في العقول التوبة منها ، لأن التوبة مُزيلة لضرر الكبيرة، وإزالة المضارّ واجبة في العقول، وإن جوّز كونها كبيرة وجوّز كونها صغيرة ،
1) سورة المطففين، الآية: 18 .
لزمه أيضاً في العقل التوبة منها ، لأنه يأمن بالتوبة من مَضَرّة مخوفة، وفعل ما يؤمن من المضارّ المخوفة ،واجب، وإن علم أنّ معصيته صغيرة، وذلك كمعاصي الأنبياء، وكمن عصى ثمّ علم بإخبار نبيّ أنّ معصيته صغيرة محبطة، فقد قال الشيخ أبو عليّ : إنّ التوبة منها واجبة في العقول، لأنه إن لم يتب كان مُصِرًا والإصرار قبيح.وقال الشيخ أبو هاشم: لا تجب التوبة منها في العقل بالشرع، لأنّ فيها مصلحة يعلمها الله تعالى قال: إنه يجوز أن يخلو الإنسان من التوبة عن الذنب ومن الإصرار عليه، لأنّ الإصرار عليه هو العزم على مُعاوَدة مثله، والتوبة منه أن يكره معاودة مثله مع الندم على ما مضى، ويجوز أن يخلوَ الإنسانُ من العَزم على الشيء، ومن كراهته .ومال شيخنا أبو الحسين رحمه الله إلى وجوب التوبة هاهنا عَقلاً، لدليلٍ غير دليل أبي علي رحمه الله.فأما القولُ في صفات التّوبة وشروطها فإنها على ضربين :أحدهما : يعمّ كلّ توبة والآخر يختلف بحَسَب اختلاف ما يتاب منه، فالأول هو النّدم والعزم على ترك المعاوَدة.وأما الضرب الثاني، فهو أنّ ما يَتُوب منه المكلَّف إما أن يكون فِعلاً أو إخلالاً بواجب، فإن كان فعلاً قبيحاً وَجَب عند الشيخ أبي هاشم رحمه الله أن يندم عليه، لأنه فعل قبيح، وأن يكره مُعاوَدة مثله لأنه قبيح، وإن كان إخلالاً بواجب وجب عليه عنده أن يندم عليه، لأنه إخلال بواجب، وأن يعزم على فعل مثل ما أَخَلَّ به لأنه واجب، فإن نَدِم خوف النار فقط، أو شوقاً إلى الجنة فقط، أو لأن القبيح الذي فعله يضرّ ببدنه كانت توبته صحيحةً، وإن ندم على القبيح لقُبْحِهِ ولخوف النار، وكان لو انفرد قبحه ندم عليه، فإنّ توبته تكون صحيحةً، وإن كان لو انفرد القبحُ لم يَندَم عليه، فإنه لا تكون تَوبتُه صحيحةً عنده، والخلاف فيه مع الشيخ أبي عليّی وغيره من الشيوخ رحمهم الله ، وإنما اختار أبو هاشم هذا القول لأنّ التوبة تَجري مَجرَى الاعتذار بيننا، ومعلوم أن الواحد منّا لو أساء إلى غيره ثمّ نَدِم على إساءته إليه واعتذر منها خوفاً من معاقبته له عليها، أو من معاقبة السلطان حتى لو أمن العقوبة، لما اعتذر ولا نَدِم، بل كان يُواصِل الإساءة، فإنه لا يسقط ذمُّه ، فكذلك التّوبة خوف النار لا لِقُبح الفعل .وقد نقل قاضي القُضاة هذا المذهب عن أمير المؤمنين علیه السلام والحسن البَصريّ وعليّ بن موسى الرِّضا والقاسم بن إبراهيم الزَّينبيّ .قال أصحابُنا : وللتوبة شروط أُخَرُ تَختلف بحَسَب اختلاف المعاصي، وذلك أنّ ما يتوب منه المكلّف، إما أن يكون فيه لآدمي حَقٌّ أو لا حقُّ فيه لآدمي، فما ليس للآدميّ فيه حقّ فنحو تَرْك الصلاة، فإنّه لا يجب فيه إلا النّدم والعَزم على ما قدّمنا وما لآدميِّ فيه حقَّ على ضربين :
أحدُهما أن يكون جنايةً عليه في نفسِه أو أعضائه أو ماله أو ديِنِه، والآخر ألا يكون جنايةً عليه في شيء من ذلك، فما كان جنايةً عليه في نفسه أو أعضائِه أو ماله، فالواجبُ فيه النَّدَم والعَزم، وأن يَشرع في تسليم بدل ما أتَلَف، فإن لم يتمكّن من ذلك لفِقر أو غيره عَزَم على ذلك إذا تمكّن منه، فإنّ مات قبلَ التمكّن لم يكن من أهل العِقاب، وإن جَنّى عليه في دينه بأن يكون قد أضلَّه بشُبهة استَزَلّه بها، فالواجب عليه مع الندم العَزْم والاجتهاد في حَلِّ شبهته من نفسِه، فإن لم يتمكّن من الاجتماع به عزم على ذلك إذا تمكّن فإن ماتَ قبلَ التمكن، أو تمكن منه واجتَهَد في حلّ الشبهة فلم تَنحَلَّ من نفس ذلك الضال، فلا عقابَ عليه، لأنه قد استفرَغ جهدَه، فإن كانت المعصية غيرَ جناية نحو أن يَغَتَابه أو يَسمَع غيبتَه فإنه يلزمه النّدم والعزم، ولا يلزَمه أن يستحله أو يعتذَر إليه، لأنه ليس يلزمه أرْسُ لمن اغتابه ،فيستحلّه، ليَسقُط عنه الأَرْسُ، ولا غَمَّه فيزيل غمّه بالاعتذار، وفي ذكر الغِيبَة له ليستحِلَّه فيزيل غمّه منها إدخالُ غمِّ عليه، فلم يَجُز ذلك، فإن كان قد أسمع المغتابَ غيبَته فذلك جنايةٌ عليه، لأنّه قد أوصل إليه مَضَرّة الغمّ، فيَلزَمه إزالة ذلك بالاعتذار.- 426 -الأصل: وقالَ علیه السلام : الحِلْمُ عَشِيرَةٌ .الشرح: كان يقال : الحلم جنودٌ مجنَّدة لا أرزاق لها .وقال علیه السلام : وجدتُ الاحتمال أنصَرَ لي من الرّجال. وقال الشاعر :ولَلْكَف عن شَتْم اللئيم تكرماً أضَرُّ له من شتمه حين يشتموكان يقال : مَن غَرَس شجرة الحِلْم اجتَنَى ثَمرة السّلم .وقد تقدّم من القول في الحِلم ما فيه كفاية.*- 427 -الأصل: وقال علیه السلام : مِسْكِينُ ابْنُ آدَمَ! مَكْتُومُ الأَجَلِ، مَكْنُونُ العِللِ، مَحْفُوظُ العَمَلِ،تُؤلِمُهُ البَقَةُ ، وتَقْتُلُهُ الشَّرْقَةُ، وَتُنتِنُهُ العَرْقَةُ
الشرح: قد تقدّم هاهنا خبر المبتدأ عليه، والتقدير :«ابنُ آدم مِسكين»، ثم بين مَسْكَتَته من أين: هي ؟ فقال : إنّها من سِنّة أوجُه : اجلُه مكتوم لا يَدرِِي مَتَى يُحْتَرَم ، وعِلَلُه باطنة لا يدري بها حتّى تهيج عليه، وعَمُله محفوظ، ﴿ مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَنَهَا (1).وقَِرص البَقة يؤلمُه ، والشَّرْقة بالماء تقتله، وإذا حَرِق أنتتته العَرْقة الواحدة وغيرت ريِحَه، فمن هو على هذه الصِّفات فهو مسكين لا محالةَ، لا ينبغي أن يأمن ولا أن يَفْخَر .)- 428-الأصل: وَيُرْوى أنهُ علیه السلام كَانَ جالساً في أصحابه إذ مرَّتْ بهِمُ امْرَأَةٌ جَمِيلةٌ فَرَمَقَهَا القَوْمُ بأبصارِهم، فقال علیه السلام :إِنَّ أَبْصَارَ هَذِهِ الفُحُولِ طَوَامِعُ، وَإِنْ ذَلِكَ سَبَبُ عِبَابِهَا ، فَإِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى امْرَأَةٍ تُعْجِبُهُ فَلْيُلامس أَهْلَهُ ، فَإِنَّمَا هِيَ امْرَأَةٌ كامْرَأَتِهِ.فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الخَوَارِجِ : قَاتَلَهُ الله كَافِراً ، مَا أَفْقَهَهُ!قالَ : فَوَثَبَ الْقَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ ، فَقَالَ علیه السلام : رُوَيْداً ، إِنَّمَا هُوَ سَبِّ بِسَبٌ، أَوْ عَفْرٌ عَنْ ذَنْبٍ.الشرح: تقول : هَبَّ الفَحْل والتَّيس يهب بالكَسْر هَبيباً أو هباباً ، إذا هَاجَ للضِّراب أو للسِّفاد، والهباب أيضاً : صَوتُ والتَّيْسُ إذا هبّ فهو مهباب وقد هَبهبتُه ، أي دعوتُه ليَنزُو فتهبهب أي : تَزَعْزَع.وسَألني صديقُنا عليُّ بن البِطريق عن هذه القِصَّة فقال : ما بالُه عَفَا عن الخارجيّ وقد طَعَن فيه بالكفر، وأنكَر على الأشعث قوله : «هذه عليكَ لا لَك»، فقال: ما يُدْريك عليكَ لعنهُ الله ما عليّ مما لي ! حائك ابن حائك، منافق ابن كافرا وما وَاجَهَه به الخارجيّ أفظَع ممّا واجَهَه الأشعث! فقلتُ : لا أدري.قال : لأنّ كلّ صاحب فضيلة يعظُم عليه أن يُطعَن في فضيلته تلك، ويُدَّعى عليه أنّه فيها ناقص، وكان عليُّ علیه السلام بيت العلم، فلمّا طعن فيه الأشعث طعن بأنّك لا تَدْري ما عليك ممّا لك، فشَقّ ذلك عليه، وامتَعَض منه ، وَجَبهه ولَعَنَه، وأمّا الخارجي فلم يطعن في علمه، بل أثبته
1) سورة الكهف، الآية : 49 .
له، واعتَرَف ،به وتعجّب منه، فقال: «قَاتَله الله كافراً ما أفقَهَه!» ، فاعْتَفَر له لفظةَ «كافر» بما اعترف له به من علوّ طَبَقته في الفِقه، ولم يَخْشُن عليه خُشونته على الأشعث، وكان قد مَرَن على سَماع قول الخوارج : أنت كافر، وقد كفرتَ، يَعنُون التّحكيم، فلم يحفل بتلك اللفظة ونَهى أصحابَه عن قتلِه محافظة ورعايةً له على ما مَدَحه به .- 429 -الأصل: وقالَ علیه السلام : كفَاكَ مِنْ عَقْلِكَ ، مَا أَوْضَحَ لَكَ سُبُلَ غَيْكَ مِنْ رُشْدِكَ .الشرح: يقول علیه السلام: كفَى الإنسان من عِقْله ما يفرِقُ به بين الغيّ والرّشاد، وبين الحقّ من العقائد والباطل، فإنّه بذلك يتمّ تكليفُه، ولا حاجةَ في التكليف، والفَرق بين الغَيّ والرُّشد إلى زيادة على ذلك، نحو التجارب التي تُفيِده الحَزم التامّ، ومعرفة أحوال الدّنيا وأهلِها، وأيضاً لا حاجةَ له إلى أن يكون عندَه من الفِطنة الثّاقبة والذّكاء التّام ما يَستنبط به دقائقَ الكلام في الحِكْمة والهندسة والعلوم الغامِضَة، فإنّ ذلك كلّه فَضْل مستغنًى عنه ، فإِنْ حُصل للإنسان فقد كَمُل، وإن لم يُحصَّل للإنسان فقد كَفَاء في تكليفه ونجاتِه من مَعاطِب العضيان ما يَفرِق به بين الغَيّ والرّشاد، وهو حصول العلوم البديهية في القَلب، وما جَرَى مجراها من علوم العادات، وما يذكره أصحابنا في باب التكليف.- 430-الأصل: وقالَ علیه السلام: افْعَلُوا الخَيْرَ ، وَلا تَحْفِرُوا مِنْهُ شَيْئاً ، فَإِنَّ صَغِيرَهُ كَبِيرٌ ، وَقَلِيلَهُ كَثِيرٌ وَلا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنَّ أَحَداً أَوْلَى بِفِعْلِ الخَيْرِ مِنِّي ، فَيَكُونَ وَاللهِ كَذَلِكَ.الشرح: القليلُ من الخير خيرٌ مِنْ عدم الخيرِ أصلاً .قال علیه السلام: لا يقولَنّ أحدُكم إن فلاناً أولى بفعل الخَير منّي، فيكون والله كذلك، مثالُه قوم مُوسِرون في محلّة ،واحدة قَصَد واحداً منهم سائلٌ فردّه وقال له : اذهب إلى فلان، فهو أوَلى بأن يتصدّق عليك منّي، فإنّ هذه الكلمة تقال دائماً ، نَهى عن قولها وقال: «فيكونَ والله
كذلك»، أي أنّ الله تعالى يوفّق ذلك الشخص الذي أُحيلَ ذلك السائلُ عليه، ويُيسّر الصدّقة عليه، ويُقوّي دواعيه إليها، فيَفعَلها فتكون كلمة ذلك الإنسان الأوّل قد صادفت قدراً وقَضاءً، ووَقَع الأمر بمُوجِبِها .- 431 -الأصل: إِنَّ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ أَهْلاً ، فَمَهُمَا تَرَكْتُمُوهُ مِنْهُمَا كَفَاكُمُوهُ أَهْلُهُ.الشرح: يقول علیه السلام: إنْ عَنّ لك بابٌ من أبواب الخير وتركتَه ، فسوف يَكفيكَه بعض الناس ممّن جَعَله الله تعالى أهلاً للخير وإسداء المعروفِ إلى الناس، وإن عنّ لك بابٌ من أبواب الشرّ فتركته، فسوف يَكفيكَه بعضُ الناس ممن جعلتهم أنفسُهم وسوء اختيارهم أهلاً للشر وأذّى الناس، فاختر لنفسك أيّما أحبّ إليك، أن تَشقی تَحظَى بالمحمدة والثواب، وتفعل ما إن تركته فَعَلَه غيرك وحَفِي بحمده وثوابه، أو أن تتركه وأيما أحب إليك أن تَشقَى بالدم عاجلاً، والعقاب آجلاً،: وتفعل ما إن تركته كَفاكَه غيرك، وبلغت فرضك منه على يد غيرك، أو أن تفعله ولا ريب أن العاقل يختارُ فعل الخير وترك الشرّ إذا أفكر حق الفكر فيما قد أوضحناه.- 432 -الأصل: وقالَ : مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ، أَصْلَحَ الله عَلانِيَتَهُ، وَمَنْ عَمِلَ لِدِينِهِ، كَفَاهُ اللَّهُ أَمْرَدُنْيَاهُ، وَمَنْ أَحْسَنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الله أَحْسَنَ الله مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاس.الشرح: لا ريب أن الأعمال الظاهرة تبع للأعمال الباطنة، فمَن صَلَح باطنُه صَلَح ظاهره وبالعكس، وذلك لأن القلب أمير مسلّط على الجوارح، والرعية تتبع أميرها ولا ريب أن من عَمِل لدينه كفاه الله أمرَ دُنْياه ، وقد شَهِد بذلك الكتابُ العَزِيزُ في قوله سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل له مخرما وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِب (1)لي)
1) سورة الطلاق، الآيتان: 2، 3.
ولهذا أيضاً عِلّة ظاهرة، وذاك أنّ من عَمِل الله سبحانه وللدّين فإنه لا يخفى حالُه في أكثر الأمر عن الناس، ولا شبهة أنّ الناس إذا حَسُنتْ عقيدتُهم في إنسان وعَلِموا مَتانَة دينه بَوبوا له إلى الدّنيا أبواباً لا يَحتاجُ أن يتكلّفها، ولا يَتعَب فيها، فيأتيه رزقُه من غيرِ كُلفة ولا كَدِّ، ولا ريب أنّ من أحسَن فيما بينه وبين الله أحسَنَ الله ما بينه وبين الناس، وذلك لأنّ القلوب بالضّرورة تميلُ إليه وتحبّه ، وذلك لأنّه إذا كان مُحسِناً بينه وبين الناس عَفٌ عن أموالِ الناس ودمائهم وأعراضِهم، وترك الدخول فيما لا يعنيه ولا شبهةَ أنّ من كان بهذه الصفة فإنه يحسن ما بينَه وبين الناس.- 433 -الأصل: وقالَ علیه السلام : الْحِلْمُ غِطَاءُ سَاتِرٌ ، وَالعَقْلُ حُسَامٌ قَاطِعٌ ، فَاسْتُرْ خَلَلَ خُلُقِكَ بِحِلْمِكَ، وَقَاتِلْ هَوَاكَ بِعَقْلِكَ.الشرح: لمّا جعل الله الحِلْم غِطاء، والعقل حُساماً ، أمره أن يَستُر خَلَل خُلُقه بذلك الغِطاء وأن يُقاتِل هَواهُ بذلك الحُسام، وقد سبق القول في الحلم والعَقل .-434 -الأصل: وقالَ علیه السلام : إِنَّ الله عِباداً يَخْتَصُّهُمْ بالنِّعَمِ لَمَنَافِعِ العِبَادِ، فَيُقِرُهَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا بذَلُوهَا ، فَإِذَا مَنعُوها نَزَعَهَا مِنْهُمْ، ثُمَّ حَوْلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ .الشرح: قد ذكرنا هذا المعنى فيما تقدم، وقد قالت الشعراءُ فيه فأكثَروا ، وقريبٌ من ذلك قولُ الشاعر:وبالنّاس عاشَ الناسُ قِدْماً ولم يَزَلْ*** من الناسِِ مَرْغوبٌ إليه ورَاغِبُوأشدّ تصريحاً بالمعنى قول الشاعر :لم يُعطك الله ما أعطاك من نعمٍ*** الّالتُوسِعِ من يَرجوكَ إحسانُافإِنْ مَنَعت فأخلق أن تُصادِفها*** تطير عنك زرافات ووحدانا
- 435 -الأصل: وقالَ علیه السلام: لا يَنبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَيْقَ بِخَصْلَتين : العافية والْغِنَى ، بَيْنَا تَرَاهُ مُعانِّى إِذْ سقِمَ وَبَيْنَا تَرَاهُ غَيْئًا إذ افْتَقَرَ .الشرح: قد تقدَّم القولُ في هذا المعنى.وقال الشاعر:وبينما المرء في الأحياءِ مُغْتَبِط إذ صارَ في اللَّحْدِ تَسْفِيهِ الأعاصيرُوقال آخر :لا يَغُرّنك عشاءٌ ساكنٌ قديوافي بالمنياتِ السَّحَرُوقال عُبيد الله بنُ طاهر :وإذا ما أعارَك الدهرُ شيئاً فهوَلابد أجدٌ ما أعارًاآخر :يَغُرُ الفَتَى مَرُّ الليالي سُليمة وهُنّ به عمّا قَلِيل عَوائِرُوقال آخر :ورُبِّ هَنِي عظيم الثراء أمسَى مُقِلًا عديماً فقيرًاوكم باتَ مِنْ مُترَفٍ في القُصور فعُوض في الصبح عنها القُبورَا- 436 -الأصل: وقالَ علیه السلام : مَنْ شَكا الحاجَةَ إِلَى مُؤْمِنِ فَكَأَنَّما شَكَاهَا إلى الله، وَمَنْ شَكاها إلى كافِرٍ فَكَأَنَّما شَكَا الله .الشرح: قد تقدَّم القولُ في شَكوَى الحال وكراهيتها ، وكلامُ أمير المؤمنين علیه السلام يدلُّ على أنه لا يَكرَه شَكوَى الحالِ إلى المؤمن، ويَكرَهها إلى غير المؤمن، وهذا مذهبٌ دينيُّ غيرُالمذهب العُرفيّ.
وأكثر مذاهِبه ومقاصده علیه السلام في كلمه يَنحو فيها نحوَ الَّدين والوَرَع والإسلام، وكأنّه يَجعَل الشكوى إلى المؤمن كالشكوى إلى الخالق سبحانه، لأنه لا يشكو إلى المؤمن إلّا وقد خَلَتْ شكواه من التسخُّط والتأقّف، ولا يشكُو إلى الكافر إلّا وقد شابَ شَكواه بالاستزادة والتَّضجُّر فافترقَت الحالُ في الموضعين.فأمّا المذهب المشهورُ في العُرف والعادة فاستهجانُ الشكوى على الإطلاق لأنّها دليلٌ على ضَعْف النفس وخذلانها وقلّة الصّبر على حوادث الدّهر، وذلك عندَهم غيرُ محمود.- 437 -الأصل: وقال علیه السلام في بعضِ الأعيادِ : إنَّما هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ الله صِيامَهُ، وشَكَرَ قِيَامَهُ، وَكُلُّيَوْمٍ لا نَعْصِي الله فِيهِ فَهُوَ يَوْمُ عِيد.الشرح: المعنَى ظاهرٌ، وقد نَقَله بعضُ المُحدثين إلى الغزل فقال :قالوا أتَى العِيد قلتُ أهلاً*** إن جاء بالوَصْل فهوَ عِيدُمنْ ظَفِرتْ بالمنى يدَاهُ*** فكلّ أيامِه سُعودُورأيتُ بعض الصُّوفيّة وقد سَمع هذين البيتين من مُغَنِّ حاذق، فطّرِِب وصَفّق وأخذَهما لمعنّى عندَه .وقد قال بعضُ المحدثين في هذا المعنى أيضاً :قالوا أتى العِيدُ والأيامُ مشرقةً وأنتَ تبِكي وكل الناسِ مَسرُورُفقلتُ إن واصل الأحبابُ كان لنا عيداً وإلا فهذا اليومُ عاشُو****- 438-الأصل: وقال علیه السلام: إنَّ اعْظَمَ الحَسَرَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَسْرَةُ رَجُلٍ كَسَبَ مالاً في غَيْرِ طاعة الله ، فَوَرَّثَهُ رَجُلاً فانْفَقَهُ في طَاعَةِ الله سُبْحانَهُ فَدَخَلَ بِهِ الجَنَّةَ، وَدَخَلَ الأَوَّلُ بِهِ النَّارَ .
الشرح: كان يقال لعمر بنِ عبد العزيز بن مروان : السعيد ابن الشقيّ، وذلك أنّ عبدَ العزيز بن مروان مَلَكَ ضِياعاً كثيرة بمصر والشام والعراق والمدينة من غير طاعة الله، بل بسلطان أخيه عبد الملك، وبولاية عبد العزيز نفسه مصر وغيرها، ثمّ تركها لابنه عمر، فكان يُنْفِقُها في طاعة الله سبحانه وفي وجوه البرّ والقُربات، إلى أن أفضَت الخلافة إليه ، فلما أفضت إليه أخرَج سجلاّت عبد الملك بها لعبد العزيز فمزّقها بمَحضَر من الناس ، وقال : هذه كَتبِت من غير أصل شرعيّ، وقد أعدُتها إلى بيت المال.- 439 -الأصل: وقالَ علیه السلام : إِنَّ أَلْخَسَرَ النَّاسِ صَفْقَةٌ، وَأَخْيَبَهُمْ سَعْياً ، رَجُلٌ أَخْلَقَ بَدَنَهُ فِي طَلَبِ آمَالِهِ، وَلَمْ تُسَاعِدُهُ المَقَادِيرُ عَلَى إِرَادَيْهِ، فَخَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا بِحَسْرَتِهِ، وَقَدِمَ عَلَى الآخِرَةِ بِتَبِعَتِه .الشرح: هذه صورةُ أكثر الناس، وذلك لأنّ أكثرهم يَكُدّ بدنَه ونفسَه في بلوغ الآمال الدنيويّة، والقليل منهم من تساعِده المقاديرُ على إرادته، وإن ساعدَته على شيء منها بقي في نفسه مالا يَبلغه كما قيل:نَروحُ ونَغدُو لحاجاتنا*** وحاجَةُ من عاش لا تَنقضِيتموتُ مع المرء حاجاتُه وتبقَى له حاجَةٌ ما بقِيفأكثرُهم إذَنْ يَخرُج من الدنيا بحسرته، ويُقدِم على الآخرة بتَبِعته، لأنّ تلك الآمال التي كانت الحركة والسعيُ فيها ليست متعلقةً بأمور الدّين ،والآخرة، لا جرم أنها تبعات وعُقوبات ونسأل الله عفوه .*-440-الأصل: وقالَ علیه السلام : الرِّزْقُ رِزْقَانِ : طَالِبٌ وَمَظْلُوبٌ، فَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلبَهُ المَوْتُ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا ، وَمَنْ طَلَبَ الآخرة طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِي مِنْهَا رِزْقَهُ .
الشرح: هذا تحريضٌ على طلب الآخرة ، ووَعْد لمن طلبها بأنه سيُكفي طلب الدنيا ، وإنّ الدنيا ستَطلبُه حتى يستوفيَ رزقَه منها .وقد قيل : مَثَل الدّنيا مَثل ظِلّك، كلّما طلبته بَعُد عنك، فإن أدبَرْتَ عنه تَبِعَك .-441-الأصل: وقالَ علیه السلام : إِنَّ أَوْلِياءَ الله هُمُ الَّذِينَ نَظَرُوا إِلى باطِنِ الدُّنْيَا إِذا نَظَرَ النَّاسُ إِلَى ظاهِرِها ، واشْتَغَلُوا بِآجِلِها إِذَا اشْتَغَلَ النَّاسُ بِعاجِلِها، فأَماتُوا مِنْها ما خَشُوا أَنْ يُمِيتَهُمْ وَتَرَكُوا مِنْها ما عَلِمُوا أَنَّهُ سَيَتْرُكُهُمْ، وَرَأوا اسْتِكْثَارَ غَيْرِهِم مِنْهَا اسْتِقلالاً ، وَدَرْكَهُمْ لَهَا فواتاً ، أَعدَاءً لما سالَمَ النَّاسُ ، وسَلْمٌ لِمَنْ عادَى النَّاسُ، بِهِمْ عُلِمَ الكِتابُ ، وبِهِعُلِمُوا، وَبِهِمْ قَامَكتاب الله تعالى، وَبِهِ ،قَامُوا لا يَرَوْنَ مَرْجُوا فَوْقَ ما يَرْجُونَ، ولا مَخُوفاً فَوْقَ مَا يَخافُونَ.الشرح: هذا يَصلُح أن تجَعله الإماميّة شرح حال الأئمّة المعصومين على مذاهبهم، على مذاهبهم، لقَولِه : فوقَ ما يَرجون بهم عُلم الكتاب ،وبه عُلِموا، وأما نحن فنجعله شرح حالِ العلماء العارفين وهم أولياءُ الله الذين ذكرهم علیه السلام لما نظر الناسُ إلى ظاهر الدنيا وزُخْرُفها من المناكح والملابس والشَّهَوات الحسِّية، نظروا هُمْ إلى باطن الدنيا، فاشتغلوا بالعلوم والمعارف والعبادة والزهد في المَلاذّ الجُسْمانيّة، فأمَاتُوا من شَهَوَاتِهم وقُواهم المذمومة كقوّة الغَضب وقوّة الحسد ما خافوا أن يُميتَهم، وتَركُوا من الدنيا اقتناء الأموال لعلمهم أنها ستترُكهم، وأنه لا يمكن دوامُ الصُّحبة معها ، فكان استكثار الناس من تلك الصفات استقلالاً عندهم، وبلوغ الناس لها فَوْتاً أيضاً عندهم، فهم خَصم لما سالمه الناس من الشهوات، وسلم لما عاداه الناس من العلوم والعبادات، وبهم علم الكتاب، لأنه لولاهم لما عُرِف تأويل الآيات المتشابهات، ولأخَذَها الناسُ على ظواهرها فضلوا وبالكتاب ،علموا ، لأن الكتاب دل عليهم، ونبه الناس على مواضعهم نحو قوله : (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَموا (1).)وقوله : (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (2).)وقوله: ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُولَى خَيْرًا كَثِيرا(3).)
ونحو ذلك من الآيات التي تنادي عليهم، وتخطُب بفَضلهم، وبهم قام الكتاب لأنهم قرّروا البَراهين على صِدقه وصحة وروده من الله تعالى على لسان جبريل علیه السلام ولولاهم لم يَقم على ذلك دَلالة للعوامّ، وبالكتاب قاموا، أي باتباع أوامر الكتاب وآدابه قاموا لأنه لولا تأدُّبهم بآداب القرآن، وامتثالهم أوامرَه، لما أغنى عنهم عِلمُهم شيئاً ، بل كان وباله عليهم، ثم قال : إنهم لا يَرَوْن مَرْجُوا فوق ما يَرْجون، ولا مَخُوفاً فوق ما يخافون، وكيف لا يكونون كذلك ومَرْجُوهم مجاورة الله تعالى في حظائر قُدسه، وهل فوق هذا مَرْجُو لراجٍ، ومخوفهم سخط الله عليهم وإبعادُهم عن جَنَابه، وهل فوق هذا مخوفٌ لخائف.- 442 -الأصل: وقالَ علیه السلام : اذكروا انقِطَاعَ اللَّذَّاتِ، وبَقَاءَ التَّبِعاتِ.الشرح: قد تقدّم القولُ في نحو هذا مراراً، وقال الشاعر :تغنى اللّذاذة ممن نال بُغْيَتَهُ من الحرام، ويَبقَى الإثم والعارُتبقى عواقب سُوءٍ في مغبّتها لا خير في لذّة من بعدها النّارُوراوَدَ رجل امرأة عن نفسها، فقالت له : إن امرأ يبيع جنّةٌ عرضُها السماوات والأرض بمقدار إصبَعين لجاهل بالمساحة، فاستحيا ورَجَع .- 443 -الأصل: وقال علیه السلام : أَخْبُرْ تَقْلَهُ .قالَ الرَّضِي رَحِمَهُ الله تَعَالَى : ومن النَّاسِ مَنْ يَرْوِي هذا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وَمِمَّا يُقَوِّي أنَّهُ مِن كلام أمير المؤمنين علیه السلام ما حَكاهُ ثَعلب قالَ : حدَّثنا ابن الأعرابي قالَ: قال المأمُون : لولا أن عَليًّا علیه السلام قالَ : أَخْبُرْ تَقْله، لقلت أنا : اِقْلَهُ تَخْبُرُ .الشرح: المعنى اختَبِر الناسَ وَجرِّبهم تُبغضهم، فإن التجربةَ تكشف لك مساويهم وسوء اأخلاقهم ، فَضرِبَ مَثلاً لمن يُظنّ به الخيرُ وليس هناك، فأما قول المأمون : لولا أنّ عليَّا
قاله لقُلتُ : اقْلَة تَخْبُر ، فليس المراد حقيقة القِلَى، وهو البُغْض بل المراد الهَجر والقطيعة ، يقول : قاطِع أخاك مجرّباً له هل يَبقَى على عَهدِك أم يَنقُضه ويحوّله عنك .ومن كلام عُتبة بن أبي سُفْيان: طيّروا الدّم في وجوه الشّباب، فإن حَلُموا وأحسَنوا الجواب فهم .هم. ، وإلا فلا تَطمعوا فيهم، يقول: أغضِبوهم لأن الغضبان يَحمّر وجهه، فإن ثبتوا لذلك الكلام المُغضِب وحَلُموا وأجابوا جوابَ الحليم العاقل، فهم ممن يُعقَد عليه الخِنصَر ويُرْجَى فلاحُه، وإن سَفِهوا وشَتَموا ولم يثبتوا لذلك الكلام فلا رجاءَ لفلاحهم. ومن المعنى الأول قوُل أبي العُلاء :جرّبتُ دهري وأهليه فما تَركت*** ليّ التجارب في وُدْ امرى غَرَضاوقال آخر :وكنتُ أرى أن التجارِبَ عُدَّةٌ*** فخانَتْ ثِقاتُ الناس حتّى التجارِبُوقال عبدُ الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب:رأيتُ فُضَيْلاً كان شيئاً ملفَّفاً فأبرَزَه التّمحيصُ (1حتى بدَا لِيَا)آخر :عَتَبتُ على سَلمٍ فلمّا فقدْتُه وجرّبتُ أقواماً رَجَعْتُ إلى سَلْمِمِثله :ذَمَمتُك أوّلاً حتى إذا ما*** بلؤتُ سواكَ عاد الدّمُ حَمْداولم أَحْمَدْك من خَيْرٍ ولكن ولكن وَجَدتُ سِواكَ شرَّا منك جدّافعُدْتُ إليكَ مُضطرًا ذَليلاً لأنّی لم أجد من ذاك بُداکمجهودٍ تَحامَى أكلَ مَيْتٍ ***فلمّا اضطُرّ عاد إليه شدّاالذي يتعلّق به غَرضُنا من الأبيات هو البَيت الأوّل، وذكرنا سائرَها لحُسْنِها .الأصل: وقالَ علیه السلام : ما كان الله عزّ وجل لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدِ بابَ الشَّكْرِ، ويُخْلِقَ عَنْهُ بابَ الزِّيَادَةِ، ولا لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدِ باب الدُّعاءِ، ويُخْلِقَ عَنْهُ باب الإجابةِ، ولا لِيَفْتَحَ عَلَيْهِ بابَ التَّوْبَةِ، ويُغْلِقَ عَنْهُ بابَ المَغْفِرَةِ.
1) التمحيص : الابتلاء والاختبار القاموس مادة (محص).
الشرح: قد تقدّم القولُ في الشكر واقتضائِه الزيادة واقتضاء الدّعاء الإجابّة، والتّوبة : المغفرة، على وجهِ الاستقصاء في الجَميع.الأصل: وقالَ علیه السلام : أَوْلَى النَّاسِ بِالْكَرَمِ مَن عَرَّقَتْ فِيهِ الكِرَامُ .الشرح: أعرَقت وعَرّقت في هذا المَوضع بمعنٌى أي ضربت عروقُه في الكَرَم، أي: له سَلَف وآباء كرامٌ. وقال المبرّد : أنشدني أبو محلم السّعديّ:إنّا سألنا قَومَنا فخيارُهم*** من كان أفضَلهم أبوهُ الأفضَلُأعطّى الّذي أعطَى أبوه قبلَه وتَبخّلت أبناءٌ من يَتَبَخْلُقال : وأنشَدَني أيضاً في المعنى:لَطَلْحَةُ بن خُشَيْم حين تَسألهُ أندَى واكرمُ من فِند بنِ مَعَالِوبيتُ طلحة في عزّ ومَكرمٍة وبيتِ فند إلى ربقٍ وأحمالألا فتى من بني ذُبيان يَحمِلني وليس يَحمِلني إلا ابنُ حمّالفقُلتُ طلحة أولى من عَمَدْتُ له وجئتُ أمشي إليه مَشْيَ مُخْتالمستيقناً أن حَبْلِي سوف يُعْلِقُهُ في رأس ذَيّالة أو رأس ديال ذَيَّالِوقال آخر :عندَ المُلوك مضرة ومنافعٌ وأرى البَرامِكَ لا تَضُرُّ وتَنفَعُإنّ العُروق إذا استسَرّ بها النّرَى أَثْرَى النَّباتُ بها وطابَ المزرَعُوإذا جهلتَ من امرىء أعراقَه وقديمَه فانظر إلى ما يَصْنَعُوقال آخر :إن السَّريَّ إذا سرَى فبنَفسِه وابنُ السّرِيّ إذا سَرَى أَسرَاهُمَاوقال البُحتريّ :وأرى النّجابَة لا يكون تمامُها*** لنَجيبِ قوم ليسَ بابن نجيبِ
-446-الأصل: وسُئِلَ عَلَيْهِ السَّلامُ : أيما أَفْضَلُ العَدْلُ أَوِ الجُودُ؟ فَقالَ:الْعَدْلُ يَضَعُ الأُمُورَ مَواضِعَها ، والْجَودُ يُخْرِجُها مِنْ جِهَتِهَا ، والْعَدْل سائِسٌ عام، والْجُودُ عارِضٌ خاص، فالعَدْلُ أَشْرَفُهُما وأفْضَلُهُما .الشرح : هذا كلامٌ شريف جليلُ القَدْر ، فضَّل علیه السلام العَدل بأمرين :أحدُهما : أن العدل وضعُ الأمور مواضعَها، وهكذا العَدالة في الاصطلاح الحُكْميّ، لأنها المَرْتَبة المتوسطة بين طَرَفي الإفراط والتفريط، والجود يُخرج الأمر من موضِعه، والمراد بالجُود هاهنا هو الجود العُرْفي، وهو بذل المُقتَنَيات للغير، لا الجود الحقيقيّ، لأنّ الجُود الحقيقيّ ليس يُخرج الأمر من جهته، نحو جود البارِى تعالى.والوجه الثاني : أنّ العدل سائسٌ عام في جميع الأمور الدّينية والدنيويّة، وبه نظام العالَم وقوام الوجود وأمّا الجود فأمرٌ عارِضٌ خاصّ ،ليس عموم نفعه كعموم نفع العَدل.- 447 -الأصل: وقالَ علیه السلام: النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا .الشرح: هذه من الفاظه الشريفة الّتي لا نظيرَ لها ، وقد تقدّم ذكرها وذكرُ ما ينُاسبها . وكان يقال : مَن جَهِل شيئاً عاداء .وقال الشاعر :جهلت أمراً فأبدَيْتَ النَّكير له*** والجاهلُون لأهل العلم أعداءوقيل لأفلاطون : لِمَ يُبغض الجاهلُ العالم، ولا يُبْغِضُ العالمُ الجاهل؟ فقال : لأنّ الجاهل يَستشعر النّقص في نفسِه، ويظنّ أنّ العالم يحتقره ، ويَزْدَرِيه فيُبغضه، والعالم لا نَقص عنده ولا يَظُنّ أنّ الجاهلَ يَحتقره، فليس عندَه سببٌ لبُغض الجاهِل.
الأصل: وقالَ : الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مِنَ القُرْآن قال الله سُبْحَانَهُ : (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى ما فاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا دَانَنكُمْ (1)، ومَنْ لَمْ يَأْسَ عَلى المَاضِي وَلَمْ يَفْرَحُ بالآتي فَقَدْ أَخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ.)الشرح: قد تقدم القولُ في هذين المعنَيين بما فيه كفاية.- 449-الأصل: وقالَ علیه السلام : الوِلايَاتُ مَضَامِيرُ الرِّجَالِ .الشرح أي : تعرف الرجالُ بها كما تُعرف الخيل بالمضمار، وهو الموضع أو المُدّة التي تُضمَّر فيها الخيل، فمن الولاة من يظهَر منه أخلاقٌ حميدة، ومنهم من يظهر منه أخلاقٌ ذميمة. وقال الشاعر:سكراتٌ خمسٌ إذا مُنِي المر بها صارَ عُرضة للزّمانِسَكْرةُ المَالِ والحداثة والعش- في وسكرُ الشّراب والسّلطانوقال آخر :يابنَ وَهْبٍ والمرءُ في دَولة السلطان أعمى ما دامَ يُدعَى أميرافإذا زَالَتِ الولاية عَنْهُ*** واستَوَى بالرّجال عادَ بَصيراوقال البُحتريّ :وتاه سَعيد أن أعِيرَ رياسَة وقلّد أمراً كان دونَ رِجالِهِوضاق على حقّي بعَقب اتّساعِه فأوسَعْتُه عذراً لِضِيق احتمالِهفأدبَرَ عنّي عند إقبال حظّه*** وغيّر حالي عندَه حُسنُ حالِهفليتَ أبا عثمانَ أمسَك تِيهَه*** كإمساكِه عند الحقوقِ بماله
1) سورة الحديد، الآية : 23 .
- 450 -الأصل: وقالَ علیه السلام: مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ !الشرح: هذه الكلمةُ قد سبقت، وتكلّمنا عليها ، وما أحسنَ قولَ المَعرِّي :ما قَضَى الحاجاتِ إِلا شِمِلِّ*** نومُه فوقَ فراشٍ من نمالوقال الرّضي رحمه الله :عليها أخامِسُ مِثلُ الصّقورِ ***طُوال الرجاء جِسام الأرَبوكلّ فتَى حظُّ أجفانِه ***من النوم مَضمَضةٌ يُستلبفبينا يقال كَرَی جَفْنه ***بقِطعٍ من اللّيل إذ قيل هَبْ- 451 -الأصل: وقالَ علیه السلام : لَيْسَ بَلَدٌ بأحَقِّ بِكَ مِنْ بَلَدٍ، خَيْرُ البِلادِ ما حَمَلَكَ .الشرح: هذا المعنى قد قيل كثيراً، ومن ذلك قولُ الشاعر :لا يَصْدِفنك عن أمر تُحاوِلُهُ فِراقُ أهل وأحباب وجيرانتلقَى بكلِّ ديار ما حللتَ بها أهلاً بأهل وأوطاناً بأوطانِوقال شَيْخي أبو جعفر يحيى بن أبي زيد نقِيبُ البصرة:انسَيتني بلدي وأرض عشيرتي ونزلتُ مِنْ نُعماك أكرم مَنزِلِوأخذتُ فيك مدائِحي فكأنها في آل شماس مدائعُ جَرْوَلِأبو عبادة البُحتريّ :في نعمةٍ أوطئتها وأقمتُ في أكنافِها فكأنني في مَنيجِو مَنبج، هي مدينة البحتريّ.أبو تمّام :کلُّ شِعبٍ کنتم به آل وَهبٍ ***فهو شِعبی وشِعب كلَّ ادیبِوَهْبٍ
إنّ قلبي لكم لكا لكبدّ الحرى وقَلبي لغيركُم كالقُلوبِوقد ذهب كثيرٌ من الناس إلى غير هذا المذهب، فجعلوا بعض البلاد أحقَّ بالإنسان من بعض، وهو الوطن الأوّل ومَسقط الرأس، قال الشاعر:أحَبُّ بلاد الله ما بين مَنيج إليّ وسَلمى أن يَصُوب سَحابهابلادٌ بهانيطت عليَّ تمائمي*** وأوّل أرض مَسَ جِلدِي تُرَابُهاوكان يقال : مَيْلُك إلى مولدِك مِن كَرَم مَحتِدك .وقال ابنُ عبَّاس: لو قَنع الناسُ بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم، لما اشتكى أحدٌ الرّزق.وكان يقال : كما أنّ لحاضِنَتِك حق لَبَنِها فلِأَرْضِك حُرمة وَطَنِها .وكانت العربُ تقول: حِماكَ أحمّى لك، وأهلك أخفى بك.وقال الشاعرُ :وكُنّا ألفناها ولم تَكُ مألفا وقد يُؤلّف الشيء الذي ليس بالحَسَنُكما تُؤلَف الأرضُ التي لم يَطِبْ بها هَواء ولا ماء ولكنها وَطَنْأعرابيّ :رملةٌ حضَنتني أحشاؤها، وأرضعَتني أحساؤها .كانت العرب إذا سافرت حملت معها من تربة أرضها ما تستنشق ريحَه، وتَطرحُه في الماء إذا شربته، وكذلك كانت فلاسِفه يونان تفعل .وقال الشاعر في هذا المعنى:نسيرُ على علم بكُنه مسيرنا بعُفّةِ زاد في بطونِ المَزاوِدِولا بدّ في أسفارِنا من قبيصةٍ من التّرب نُسقاها لحبّ الموالدوقالت الهند: حُرمة بلدك عليك كحرمة أبويك كان غِذاؤك منهما وأنت جنين وكان غذاؤهما منك .ومن الكلام القديم : لولا الوطن وحبه لخرّب بلد السَّوءَ.ابن الرُّوميّ :وحَبَّبَ أوطانَ الرّجال إليهمُ*** ماربُ قَضاها الشبابُ هُنالكإذا ذَكَروا أوطانَهم ذَكَرَتهمُ*** عُهودَ الصَّبا فيها فحنُّوا لذالكا
-452-الأصل: وقالَ علیه السلام وقَدْ جَاءَهُ نَعْيُ الأَشْتَرِ رَحِمَهُ الله : مالِكٌ، ومالك؟ والله لَوْ كَانَ جَبَلاً لَكانَ فِنْداً ، أَوْ كانَ حَجَراً لكانَ صَلْداً لا يَرْتَقِيهِ الحَافِرُ ، ولا يُونِي عَلَيْهِ الطَّائِرُ .قالَ الرَّضِي رَحِمَهُ الله تعالى : الْفِنْدُ : المُنْفَرِدُ مِنَ الْجِبالِ.الشرح: يقال : إنّ الرّضي خَتم كتاب نَهج البلاغة بهذا الفصل، وكُتبتْ به نُسَخٌ متعدّدة ثمّ زاد عليه إلى أن وفى الزِّيادات التي نذكرها فيما بعد.وقد تقدّم ذكر الأشتر، وإنما قال: لو كان جبَلاً لكان فنداً، لأن الفند قِطعةُ الجَبل طولاً ، وليس الفِند القطعةَ من الجبل كيفما كانت ولذلك قال : لا يرتقيه الحافر، لأنّ القطعة المأخوذة من الجَبَل طُولاً في دِقَّة لاسبيل للحافر إلى صعودِها، ولو أُخِذت عَرْضاً لأمكَنَ صُعُودها .ثم وَصَف تلك القطعة بالعلوّ العظيم، فقال: ولا يوفي عليه الطائر، أي لا يصعد عليه، يقال : أوفى فلانٌ على الجبل : أَشرَف .- 453 -الأصل: وقالَ علیه السلام : قَلِيلٌ مَدُومٌ عَليهِ، خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مَمْلُولٍ مِنْهُ.الشرح: هذا كلامٌ يُخاطب به أهل العبادات والصلاة، قال: قليلٌ من النوافل يدومُ المرء عليه خيرٌ له من كثير منها يَملّه ويترُكه.والجيّد النادر في هذا قول رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : «إنّ هذا الدين متين، فأَوْغِل فيه برفق، فإنّ المَنبتَّ لا أرضاً قطع، ولا ظَهْراً أبْقَى »(1.)وكان يقال : كلّ كثير مملول. وقالوا كلّ كثير عدوُّ للطبيعة .
1) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (18/3)، وشعب الإيمان) (3885) ، والشهاب في «مسنده» (1147) ، وابن المبارك في «الزهد» (1178) ، والديلمي في «مسند الفردوس» (900).
وقال الشاعر :إنِّي كَثُرتُ عليه في زيارته*** فملّ والشيءُ مملولٌ إذا كَثراورايني منه أني لا أزال أرى*** في طَرفه قصراً عني إذا نظرا- 454 -الأصل: وقالَ علیه السلام: إِذا كَانَ فِي رَجُلٍ خَلَّةٌ رَائِعَةٌ، فَانتَظِرُوا مِنْهُ أَخَوَاتِهَا .الشرح: مثال ذلك إنسان مَستور الحال عنا رأيناه وقد صدرت عنه حركةُ تروعُك وتُعجبك . إما لحُسنها أو لقُبحها، مثل أن يتصدّق بشيء له وَقَع ومقدار من مالِه، أو ينكر منكراً عجز غيرُه عن إنكاره أو يَسرِق أو يزنيَ، فينبغي أن يُنتظر ويتُرقب منه أخَوات ما وَقَع منه، وذلك لأنّ العقل والطبيعة التي فيه المحركة له إلى فعل تلك الحركة، لا بد أن تحركه إلى فعل ما يُناسبها، لأنّها ما دعته إلى فعل تلك الحركة الخصوصيّة تلك الحركة، بل لما فيها من المعنى المقتضِي وقوعَها، وهذا يتعدّى إلى غيرها ممّا يجانسها، ولذلك لا ترى أحداً قد اطّلعتَ من حاله يوماً على أنّه قد شَرِب الخمر إلّا وسوف تَطلّع فيما بعد منه على أنّه يشرَبُها ، وبالعكس في الأمور الحَسنة لا تَرى أحداً قد صَدر عنه فعلٌ من أفعال الخير والمروءة إلا وستَرَاء فيما بعد فاعلاً نظيره أو ما يقاربُه.وشتم بعضُ سفهاء البَصْرة الأحنف شَتْماً قبيحاً فحلَم عنه، فقيل له في ذلك، فقال: دعُو فإني قد قتلتُه بالحلم عنه، وسيقتُل نفسَه بجراءته، وسيقتل نفسه بجراءته ، فلمّا كان بعد أيام جاء ذلك السفيهُ فشَتَم زياداً، وهو أميرُ البَضرة حينئذ، وظَنّ أنه كالأحنف، فأمر به فقطع لسانه ويَدُه .-455-الأصل: وقال علیه السلام الغَالِبِ بْنِ صَعْصَعَةَ أبي الفَرَزْدَق في كلام دارَ بينهما : ما فَعَلَتْ إِبِلُكَ الكَثِيرَةُ؟ قالَ : ذَعْدَعَتْها الحُقُوقُ يا أمير المؤمنين، فقال علیه السلام: ذَلِكَ أَحْمَدُ سُبُلِهاالشرح: ذعذَعَتْها بالذال المعجمة مكرّرة فرقتها ، ذَعْذَعْتُه فتذعذع، وذَعْذَعة السرّ : إذاعته. والأعاذع : الفرق المتفرقة الواحدة ذعذعة، وربما قالوا : تفرّقوا ذعاذع.
دخل غالبُ بن صعصعةَ بن ناجية بن عقال المجاشعي على أمير المؤمنين علیه السلام أيّام خلافته، وغالبٌ شيخٌ كبير، ومعه ابنُه همّام الفَرَزْدق وهو غلام يومئذ، فقال له أمير المؤمنين علیه السلام : مَن الشيخ ؟ قال : أنا غالبُ بنُ صعصعة، قال : ذو الإبل الكثيرة؟ قال: نعم، قال : ما فعلتُ إيلك؟ قال : دَعْذَعَتها الحقوق، وأذهبتْها الحملات والنوائب، قال : ذاك أحمد سُبُلِها ، مَن هذا الغلامُ مَعَك؟ قال: هذا ابني قال : ما اسمُه؟ قال همّام، وقد روّيْتُه الشِّعرَ يا أمير المؤمنين وكلامَ العَرَب، ويوشك أن يكون شاعراً مجيداً ، فقال : لو أقرأته القرآن فهو خيرٌ له، فكان الفرزدق بعد يَروي هذا الحديث ويقول : ما زالت كلمتُه في نفسي حتّى قيّد نفسه بقَيد وآلى ألا يفكّه حتى يَحفَظ القرآنَ، فما فَكّه حتّى حَفِظه .- 456 -الأصل: وقالَ علیه السلام: مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْهِ فَقَدِ ارْتَظمَ في الرِّبا .الشرح: يقول : تَجَر فلانٌ واتّجر فهو تاجر ، والجمع تَجْر ، مثل صاحب وصَحْب، والتَّجارة والتَّجْر بمعنّى واحد ، إذا أخذتَهما مصدَرَيْن ل- «تَجَر» ، وأرض مَنْجَرَةٌ ، يُنجر فيها .وارتُطم فلانٌ في الوَحْل والأمر إذا ارْتَبَكَ فيه ولم يقدر على الخروج منه، وإنّما قال علیه السلام ذلك لأن مسائل الرِّبا مُشتبهة بمسائل البيع ، ولا يَفْرِق بينهما إلّا الفقيه، حتّى إِنَّ العُظماء من الفقهاء قد اشتَبَه عليهم الأمرُ فيها فاختلفوا فيها أشدَّ اختلاف كبيع لحم البقر بالغنم متفاضلاً، هل يجوز أم لا؟ وكذلكَ لَبَن البقر بلَبَن الغَنَم، وجلود البَقَر بجلود الغنم، فقال أبو حنيفة : اللحوم والألبان والجلود أجناسٌ مختلفة، فيجوز بيع بعضها ببعض متفاضلاً، نظراً إلى أنّ أصولها أجناس مختلفة، والشافعيّ لا يُجيز ذلك ويقول : هو رباً، وكذلك القول في مُدّي عَجوة ودرهم بمُدّ عَجوة. وكذلك بَيْع الرّطَب بالتّمر متساوياً كَيْلا ، كل ذلك يقول الشافعي : إنّه رِباً ، وأبو حنيفة يُخرِجه عن كونه رباً ، ومسائل هذا الباب كثيرة.****- 457 -الأصل: وقالَ علیه السلام : منْ عظَمَ صِغار المصائب، ابتلاه الله بِكِبَارِها .
الشرح: إنّما كان كذلك لأنّه يشكو الله ويتَسخّط قضاءه، ويَجحد النّعمة في التّخفيف عنه، ويدّعي فيما ليس بمُجحِف به من حَوَادِث الدهر أنه مُجحف، ويتألم بين الناس، لذلك أكثَر مّما تقتضيه نَكْبَتُه ، ومَن فَعلَ ذلك استَوْجَبَ السُّخط من الله تعالى، وابتلي بالكثير من النكبة، وإنما الواجب على من وقع في أمر يَشُق عليه، ويتألّم منه وينال من نفسه، أو من ماله نَيلاً ما، أن يحمد الله تعالى على ذلك، ويقول : لعلّه قد دَفَع بهذا عنّى ما هو أعظَم منه، ولئن كان قد ذهب من مالي جزءٌ فلقد بقي أجزاءٌ كثيرة.وقال عروةُ بن الزّبير لمّا وقَعَت الأكلة في رجله فقطعها وماتَ ابنُه : اللهم إنّك أخذتَ عُضواً وتَركت أعضاء ، وأخذتَ ابناً وتركت أبناء، فلْيَهنك، لئن كنتَ أخذْتَ لقد أبقَيت، ولئن كنتَ ابْتَلَيْت لقد عافيَت .- 458 -الأصل: وقالَ علیه السلام : مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ، هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ .الشرح: قد تقدّم مِثلُ هذا المعنى مِراراً، ومن الكلام المشهور بين العامّة : قبّح الله امرأ تَغلِب شَهْوَته على نَخْوَته.والجيّد النادر في هذا قولُ الشاعر :فإنّك إن أعطيت بطنك سُؤلَه*** وفَرْجَك نالا مُنتَهَى الذَّمِّ اجمَعَا-209-الأصل: وقال علیه السلام : ما مَزح امْرُلٌ مَرْحَةٌ، إلا مَجٌ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةٌ .الشرح: قد تقدّم القولُ في المزاح. وكان يقال : خيرُ المزاحِ لا يُنال، وشرّه لا يُستقَالُ . وقيل : إنّما سُمِّيَ المِزاح مِزاحاً لأنه أزِيح عن الحقّ .
- 460 -الأصل: وقال علیه السلام: زُهْدُكَ في رَاغِبٍ فِيكَ نُقْصَانُ حَظِّ ، ورَغْبَتُكَ فِي رَاهِدٍ فِيكَ ذُلُّ نَفْسٍ .الشرح: أي نقصانُ حظَّ لك، وذلك لأنّه ليس مِن حقّ مَن رَغِب فيك أن تَرْهَد فيه لأنّ الإحسان لا يُكافَا بالإساءة، وللقصد حُرمة، وللأمل ،ذمام ومن طَلَب مودّتك فقد قَصَدك وأمّلك، فلا يجوزُ رفضُه واطراحُهُ والزّهدُ فيه، وإذا زَهدتَ فيه فذلك لنُقصان حَظّك لا لنُقصان حَظّه، فأمّا رَغْبَتُك في زاهدٍ فيك فمدَلّة، لأنّك تطرح نَفْسَك لمن لا يعبأ بك، وهذا ذُلّ وصغار.وقال العباسُ بن الأحنَف في نسيبه، وكان جيدَ النَّسِيب :ما زلتُ أزهَد في مودّة راغب*** حتّى ابتُليتُ برَغْبةٍ في زَاهِدِهذا هو الدّاءُ الذي ضَاقت به **حِيَلُ الطّبِيب وطَال يأسُ العَائِدأي: ما زلتُ عزيزاً حتّى أذلّني الحبّ.- 461 -الأصل: وقالَ علیه السلام : مَا زَالَ الزُّبَيْرُ رَجُلاً منا أهْلَ الْبَيْتِ حَتَّى نشأ ابْنُهُ المَشْرُومُ عَبْدُ الله .الشرح: ذكر هذا الكلامَ أبو عُمر بن عبد البرّ في كتاب «الاستيعاب»، عن أمير المؤمنين علیه السلام في عبد الله بن الزبير، إلا أنّه لم يذكُر لفظة المشؤوم .### عبد الله بن الزبير نسبه وبعض أخبارهونحن نَذكُر ما ذكره ابن عبد البرّ في ترجمة عبد الله بن الزبير، فإنّ هذا المُصنّف يَذكُر جُمَل أحوالِ الرّجل دون تفاصِيلها، ثمّ نذكر تفصيل أحواله من مواضعَ أخرى.قال أبو عَمَر رحمه الله : يُكنى عبدُ الله بن الزبير أبا بكر، وقال بعضُهم : أبا بكير، ذكر ذلك أبو أحمد الحاكم الحافظ في كتابه في الكُنّى. والجمهور من أهل السِّير وأهلِ الأثر على أنّ كُنيته أبو بكر ، وله كنيةٌ أخرى أبو خُبَيب بابنه خُبَيب وكان أسَن ولِده، وخُبَيب هو صاحبُ عمر بن عبد العزيز الّذي مات من ضَرْبه إذ كان والياً على المدينة للوليد، وكان الوليدُ أمره بضَرْبه فمات من أذية ذلك فوداه عمر بعد .
قال أبو عمر : وسمّاه رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم باسم جدّه ، وكَنَاه بكُنية جدّه عبدِ الله أبي بكر ، وهاجرت أمُّه أسماء من مكّة إلى المدينة وهي حاملٌ به، فوَلَدته في سنة اثَنتين من الهجرة لعِشرين شَهْراً من التاريخ، وقيل: وُلد في السّنة الأولى، وهو أوّل مولود ولد في الإسلام من المهاجرين بعد الهجرة.ورَوَى هشامُ بنُ عروة عن أسماء قالت: حملتُ بعبد الله بمكّة، فخرجتُ وأنا مُتِمُّ فأتيتُ المدينة فنزلتُ بقباء، فولدته بقباء، ثم أتيتُ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فوضعتُه في حِجره، فدعا بتَمرةِ فمَضَعْها ثم تَفَل في فيه، فكان أوّل شيء دَخَل جوفه ريقُ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، ثمّ حنكه بالتّمرة، دعا له وبارك عليه (1، وهو أوّل مولود وُلِد في الإسلام للمهاجرين بالمدينة، قال : ففَرحوا به فرحاً شديداً، وذلك أنّهم قد كان قيل لهم : إنّ اليهود قد سَحَرَتكم فلا يُولد لكم .)قال أبو عمر : وشَهِد عبد الله الجَمَل مع أبيه وخالِته، وكان شهماً ذكراً ذا أنفة، وكان له لَسَنُ وفَصاحة وكان أطلسَ لا لِحيةَ له ولا شَعرَ في وجهه، وكان كثيرَ الصّلاة، كثيرَ الصّيام شديدَ البأس، كريم الجدّات والأمّهات والخالات، إلّا أنه كان فيه خلال لا يَصلُح معها للخلافة، فإنّه كان بخيلاً ضَيِّق العَطَن سيّىء الخُلُق حَسُوداً ، كثير الخلاف، أخرَج محمّد بنَ الحنفيّة من مكّة والمدينة ونَفّى عبدَ الله بن عبّاس إلى الطائف.وقال عليِّ علیه السلام في أمرِه : ما زال الزبيرُ يُعَدُّ منّا أهلَ البيت حتى نشأ ابنُه عبدُ الله(2. قال أبو عمر : ويُويع له بالخلافة سنةَ أربع وستّين في قول أبي مَعشر .)وقال المَدائِني : بُويع له بالخلافة سنَة خمسٍ وستّين.وكان قبلَ ذلك لا يدْعَى باسم الخِلافة، وكانت بَيعته بعد موتِ معاوية بن يزيدَ بن معاوية، على طاعتِه أهل الحجاز واليمن والعراق وخُراسانَ، وحَجّ بالناس ثمانِيَ حِجَج، وقُتل في أيام عبد الملك بن مَرْوَان يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقين من جُمادى الأولى ، وقيل : من جُمادَى الآخرة سنة ثلاثٍ وسبعين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنةً، وصُلب بمكّة بعد قَتله، وكان الحجّاج قد ابتدأ بحصاره من أوّل ليلة من ذي الحِجّة سنّة اثنتين وسبعين، وحَجّ الحجّاج بالناسِ في ذلك العام ، ووَقَف بعَرَفة وعليه درع ومِغْفَر ، ولم يَطُوفوا بالبَيْتِ في تلك السنة. فحاصَرَه سنّة أشهر وسبعةَ عشر يوماً إلى أن قَتَله .قال أبو عمر : فرَوَى هشام بن عروة عن أبيه قال: لما كان قبلَ قَتْل عبد الله بعشرة أيّام
دخل على أمّه أسمَاء بنت أبي بكر وهي شاكية، فقال : كيف تجدِينَك يا أمه؟ قالت ما أجِدُني إلّا شاكية، فقال لها : إنّ في الموت لراحة، فقالت: لعلّك تمنّيتَه لي وما أحِبُّ أن أموتَ حتى يأتيَ عليَّ إحدى حالتيّك، إمّا قُتِلتَ فاحتَسِبَك، وإما ظفَرتَ بعدوّك فقرت عَيْني.قال عروة: فالتفتَ عبدُ الله إليّ وضَحِك ، فلمّا كان اليوم الذي قُتِل فيه دَخَل عليها في المسجد، فقالت: يا بنُيّ لا تقبل منهم خُطة تخاف فيها على نفسك الذُّل [مخافة القتل]، فوالله لَضَرْبَةُ سيف في عِزّ خيرٌ من ضربةِ سَوطٍ في مَذَلَّةٍ ، قال : فخرج عبد الله وقد نُصِب له مصراعٌ عند الكعبة، فكان يكون تحتَه، فأتاه رجلٌ من قريش فقال له: ألا نَفتَح لك بابَ الكعبة فتدخلها ؟ فقال : والله لو وَجَدوكم تحتَ أستارِ الكعبة لَقتّلوكم عن آخركم، وهل حُرمة البيتِ إلّا كحرمة الحَرم !ثم أنشد : ولستُ بمُبتاع الحياة بسبة*** ولا مُرتق مِن خَشْية الموت سُلّماثمّ شدّ عليه أصحابُ الحجاج، فسأل عنهم، فقيل : هؤلاء أهلُ مصر، فقال لأصحابه :اكسروا أَعْمَادَ سيوفكم، واحَمَلوا معي فإنني في الرّعيل الأول، ففعلوا، ثمّ حَمَل عليهم وحَمَلوا عليه ، فكان يضرب بسَيفين فلَحِق رجلاً فَضَرَبه فقَطع يدَه، وانهزموا وجعل يضربُهم حتى أخرجهم من باب المسجد، وجعل رجلٌ منهم أسوَد يَسبّه، فقال له :اصبر يا بن حام ث- حمل عليه ، فصَرَعَه ، ثم دخل عليه أهلُ حِمْص من باب بني شَيْبة فسأل عنهم، فقيل : هؤلاء أهل حِمص، فشَدّ عليهم وجَعَل يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من المسجد، ثم انصرَف وهو يقول :لو كان قِرني واحداً أَرْدَيْتُه ***أوردتُه الموت وقد ذَكَيْتُهثمَّ دخل عليه أهلُ الأرْدُنّ من باب آخر، فقال: من هؤلاء؟ قيل : أهل الأردُنّ، فجعل يضرِبهم بِسَيفه حتى أخرجَهم من المسجد، ثم انصرَف وهو يقول :لا عهد لي بغارة مثل السَّيْل لا يَنجلي قتامُها حتّى اللِّيلفأقبل عليه حَجَر من ناحية الصَّفَا فأصابه بين عينيه، فنكِس رأسَه وهو يقول :ولَسْنَا على الأعقاب تدمّى كُلومُنا ولكن على أقدامنا تقطر الدّماأنشده متمثلاً ، وحَمَاه مَوْلَيان ،له، فكان أحدهما يرتجز فيقول :العبدُ يَحمِي ربَّه ويَحْتَميقال : ثمّ اجتمعوا عليه فلم يزالوا يضربونه ويضرِبُهم حتى قتلوه وموليَيه جميعاً ، فلمّا قُتِل كبر أهلُ الشام فقال عبد الله بن عمر : المكبِّرون يومَ وُلد خَيرٌ من المكِّبرين يوم قتل .قال أبو عمر : وقال يعلى بن حَوْملة دخلت مكة بعدما قُتِل عبدُ الله بنُ الزّبير بثلاثةِ أيام، فإذا هو مصلوب فجاءت أمّه أسماءُ، وكانت امرأةً عجوزاً طويلة مكفوفة البَصَر تقاد، فقالت
للحجّاج أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فقال لها : المنافق؟! قالت : والله ما كان مُنافقاً، ولكنه كان صَوّاماً قواماً بَرًا، قال: انصر في فإنك عجوز قد خَرِفْتِ. قالت: لا والله ما خَرِفْتُ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «يخرجُ من ثقيف كذَّاب ومبير» يقول: «يخرجُ من ثقيف كذَّاب ومبير» (1، أمّا الكَذّاب فقد رأيناه - تعني المختار - وأما المُبير فأنت .)قال أبو عمر : ورَوَى سعيد بنُ عامر الخرّاز عن ابن أبي مُليكة قال: كنت الآذن لمن بشّر أسماء بنزول ابنها عبد الله من الخشبة، فدعت بمركن وشبِّ يمانٍ، فأمرتني بغسله، فكنا لا نتناول منه عُضواً إلّا جاء معنا فكنا نغسل العضوء ونَدعه في أكفانه ونتناول العضو الذي يليه فنغسله، ثمَ نضعه في أكفانه، حتى فرغنا منه، فرغنا منه، ثمّ قامت فصلت عليه، وقد كانت تقول : اللّهم لا تمثني حتى تَقِرّ عيني بجثته، فلما دفنته لم يأت عليها جمعة حتى ماتت .قال أبو عمر : وقد كان عُروة بن الزبير رَحَلَ إلى عبد الملك، فرَغِب إليه في إنزال عبد الله من الخَشبة، فأسعَفه بذلك، فأنزل.قال أبو عمر : وقال عليّ بن مجاهد : قُتل مع ابن الزبير مائتان وأربعون رجلاً، إنّ منهم لَمَنْ سالَ دمُه في جوف الكعبة.قال أبو عمر : ورَوَى عيسى عن أبي القاسم عن مالك بن أنس قال: كان ابن الزبير أفضل من مَرْوان وأولى بالأمر منه ومن أبيه، قال وقد رَوَى عليّ بن المدائنيّ، عن سُفيان بن عُيينة، أن عامر بن عبد الله بن الزبير مكث بعد قتل أبيه حَوْلاً لا يسأل الله لنفسه شيئاً إلا الدعاء لأبيه.قال أبو عمر : ورَوَى إسماعيل بن عليّة، عن أبي سُفيان بن العَلاء، عن ابن أبي عَتِيق، قال : قالت عائشةُ : إذا مرّ ابنُ عمر فأَرُونيه، فلما مرّ قالوا هذا ابنُ عمر فقالت: يا أبا عبد الرحمن، ما مَنَعك أن تَنْهاني عن مَسيري، قال: رأيت رجلاً قد غَلَب عليكِ، ورأيتُكِ لا ُتخالفينه - يعني عبد بن الزبير - فقالت : أما إنك لو نَهيتني ما خرجتُ.فأما الزّبير بنُ بكار فإنه ذكر في كتاب «أنساب قريش» من أخبار عبد الله وأحواله جُملة طويلة نحن نختصرها، وتذكر اللّباب منها، مع أنه قد أطنب في ذكر فضائله والثناء عليه، وهو معذورٌ في ذلك، فإنه لا يلامُ الرجلُ على حُبِّ قومه، والزّبير بن بكار أحدُ أولاد عبد الله بن الزبير، فهو أحقّ بتقريظه وتأبينه.
1) أخرجه الترمذي، كتاب الفتن باب ما جاء في ثقيف، ثقيف كذاب (2220)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (4478).
قال الزبير بنُ بكار : أمهّ أسماء ذاتُ النَّطاقين ابنةُ أبي بكر الصِّديق، وإنما سُمّيت ذاتَ النِّطاقين لأنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لما تجهز مهاجراً إلى المدينة ومعه أبو بكر لم يكن لسفرتِهما شِناق، فشَقَّت أسماءُ نطاقها فَشَنَقَتْها به ،فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «قد أَبدَلك الله تعالى بنطاقِك هذا نطاقَين في الجنة»، فسُمِّيت ذات النِّطاقين (1. قال : وقد رَوَى محمد بن الضحاك : عن أبيه أن أهل الشام كانوا وهم يُقاتلون عبد الله بمكةَ يَصِيحون : يابن ذات النِّطاقين، يظنونه عَيْباً ، فيقول ابنها والإله ثمَّ يقول : إني وإياكم لكما قال أبو ذؤيب :)وعيّرني الواشُونَ أنِّي أُحِبُّهَا ***وتلكَ شَكاةٌ ظاهرُ عنكَ عارُهافإِنْ أعتَذِرُ عنها فإني مكذَّبٌ ***وإِن تَعتذر يُردَدْ عليك اعتذارهاثمّ يُقبل على ابن أبي عتيق - وهو عبد الله بن محمّد بن عبد الرحمن بن أبي بكر - فيقول : الا تسمع يابن أبي عَتيق. قال الزبير وزعموا أنّ عبد الله بن الزبير لما وُلِد أُتِيَ به رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فنَظَر فی وجهِه وقال : أهو هو؟ ليمنعن البيت أو لَيَموتَنْ دونه(2.)وقال العُقَيليّ في ذلك :فنظر في وجههبَر تَبيَّن ما قال الرسولُ له وذو صَلاةِ بضاحِي وجهه عَلَمُحمامة من حَمامِ البيت قَاطِنَة لا تَتبع الناس إن جارُوا وإن ظَلَمواقال : وقد رَوَى نافعُ بن ثابت، عن محمّد بن كَعْب القُرَظي، أنّ رسولَ الله صلی الله علیه وآله وسلم دخل على أسماءَ حينَ وُلِد عبدُ الله فقال : أهو هو ؟ فتركت أسماء ،رَضاعَه فقيل لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: إنّ أسماءَ تَركتْ رَضاعَ عَبدِ الله لما سمعت كَلِمتك ؟ فقال لها : «أرْضِعيه ولو بماءِ عَيْنَيْكَ، كَيْش بين نذِئاب عليها ثيابٌ، ليمنعنّ الحَرَم أو ليموتن دونه »(3.)قال : وحدّثني عَمّي مُصعَب بن عبد الله قال : كان عبدُ الله بنُ الزبير يقول : هاجرت بي أمّي في بَطنها، فما أصابها شيءٌ من نَصَب أو مخمصة إلا وقد أصابني.قال : وقالت عائشةُ : يا رسولُ الله ، ألا تكنيني ؟ فقال : «تَكَنّي باسمِ ابنِِ أُخْتِك عبد الله »(4. فكانت تُكنَى أمَّ عبدِ الله .)
قال : وروى هِندُ بن القاسم، عن عامر بن عبد الله بن الزّبير، عن أبيه قال: احتجَم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، ثمّ دَفَع إليّ دمه ، فقال : اذهب به فوَارِه حيث لا يَراه أحد، فذهبتُ به فشرِبْتُه ، فلمَّا رجعتُ قال : ما صنعت؟ قلتُ: جعلته في مكان أظنّ أنّه أخفى مكان عن الناس، فقال : فلعلك شربته ؟ فقلتُ : نعم (1.)قال : وقال وَهْب بنُ كَيْسان أوّلُ من صَف رِِجليه في الصّلاة عبد الله بن الزبير فاقتدَى به كثيرٌ من العباد، وكان مجتهداً . قال : وخَطَب الحجّاج بعد قَتله زجلة بنت مَنظور بن زَبّان بن سَيّار الفَزاريّة، وهي أمّ هاشم بنِ الله بن الزّبير، فقلعت ثَنيِّتها وردّته ، وقالت : ماذا يريدُ إلى ذَلْفاء تكلى حرَّى ! وقالت :أبعد عائذِ بيت الله تخطُبنُي*** جَهلاً جَهلتَ وَغِب الجهل مَنْمومُفاذهب إليك فإنّي غيرُ ناكحة*** بعدَ ابن أسماء ما استَنَّ الدَّيامِيمُمَن يَجعلُ العَيْر مُصفَرًا جَحَافِلُه ***مِثل الجَواد وَفَضل الله مَقسوم !قال : وحدّثني عبدُ الملك بن عبد العزيز عن خاله يوسف بن الماجشون، قال: قسمَ عبدُ الله بن الزبير الدهرَ على ثلاث ليال : فليلةٌ هو قائم حتّى الصّباح، وليلة هو راكع حتّى الصباح، وليلة هو ساجد حتّى الصباح.قال : وحدّثنا سليمان بنُ حَرْب بإسنادٍ ذَكَره ورَفَعه إلى مُسلِم المَكِّي ، قال : رَكَع عبدُ الله بن الزبير يوماً ركعةً، فقرأتُ البقرة وآل عمران والنِّساء والمائدة، وما رَفَع رأسَه .قال : وقد حَدّث من لا أحصيه كثرةً من أصحابنا أنّ عبدَ الله كان يواصل الصّوم سَبْعاً، يصومُ يومَ الجمعة فلا يُفطر إلا يوم الجمعة الآخر، ويَصُوم بالمدينة فلا يُفطر إلا بمكة، ويَصُوم بمكّة فلا يِفطر إلّا بالمدينة.قال : وقال عبد الملك بنُ عبد العزيز: وكان أوّل ما يُفطِر عليه إذا أفطَرَ لبَن لَقْحة بسَمْن بَقَر، قال الزبير : وزادَ غيره : وَصبر. .قال : وحدّثني يعقوب بنُ محمّد بن عيسى بإسنادِ رَفَعه إلى عُروة بن الزّبير قال : لم يكن أحدٌ أحَبَّ إلى عائشةَ بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وبعد أبي بكر من عبد الله بن الزّبير .قال : وحدّثني يعقوبُ بن محمّد بإسنادٍ يرفعه إلى عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه قال: ما كان أحدٌ أعلم بالمناسك من ابن الزبير .قال : وحدّثني مُصعب بنُ عثمان قال : أوصتْ عائشةٌ إلى عبدِ الله بن الزبير وأوصَى إليه
1) أخرجه الحاكم في «المستدرك » (6343) ، «وأبو نعيم في الحلية» (330/1) .
حكيمُ بنُ حِزام وعبدُ الله بن عامر بن كُرَيْز والأسوَدُ بن أبي البَخْتَرِي وشَيبة بن عثمان والأسودَ بنُ عوف.قال الزبير : وحدّث عمرُ بن قيس عن أمّه قالت : دخلتُ على عبد الله بن الزّبير بيتَه، فإذا هو قائمٌ يصلي، فسقطت حيّة من البيت على ابنه هاشم بن عبد الله فتطوّقت على بطنِه وهو نائمٌ، فصاحَ أهل البيت: الحيّة الحيّة !ولم يَزالُوا بها حتّى قَتَلوها وعبدُ الله قائمٌ يصلّي ما التفَت ولا عَجِل، ثمّ فَرّغ من صلاته بعد ما قُتِلت الحيّة فقال : ما بالكم ؟ فقالت أمّ هاشم : إي رَحِمَكَ الله ، أرأيتَ إن كُنا هنَّا عليك أيَهون عليك ابنُك !قال : وَيْحَكِ! وما كانت التفاتة لو التفتُها مُبْقيةً من صلاتي .قال الزبير : وعَبدُ الله أوّلُ من كَسا الكعبةَ الدِّيباج، وإن كان يُطيِّبها حتى يجِد ريحَها مَن دَخَل الحَرَم . قال : ولم تكن كسوة الكعبة من قَبله إلّا المسُوح والأنطاع، فلمّا جرّد المهديّ بنُ المنصور الكَعبة، كان فيما نَزَع عنها كسوة من ديباج مكتوب عليها : لعبد الله أبي بكر أمير المؤمنين . قال : وحدّثني يحيى بنُ مَعين بإسناد رَفَعه إلى هشام بن عروة، أن عبدَ الله بن الزَبير أخِذ من بين القتلى يومَ الجمل وبه يِضعٌ وأربعون طَعْنةً وضَرْبة. قال الزبير : واعتلّت عائشةُ مَرّة، فدخل عليها بنو أختِها أسماء : عبدُ الله وعروة والمنذر قال عروة : فسألناها عن حالِها ، فشكَتْ إلينا نَهْكَة (1من عِلّتها فعَزّاها عبدُ الله عن ذلك، فأجابته بنحو قولها، فعادَ لها بالكلام فعادت له بالجواب فصمتَ وبَكَى قال :عروة فما رأينا مُتحاوِرَين من خَلْقِ الله أبلغَ منهما .)قال : ثم رفعت رأسَها تَنظر إلى وجهه، فأنهِتَتْ لبكائه، فبَكَت ثمّ قالت : ما أحَقِّني منك يا بُنَي ما أَرَى. فلم أعلم بعدَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعد أبوَيّ أحداً أُنزِل عندي مَنزِلتَك ، قال عروة : وما سمعتُ عائشة وأمّي أسماء تَدعوان لأحدٍ من الخَلق دعاءهما لعبدِ الله، قال: وقال موسى بن عقبة: أقرَأني عامرُ بنُ عبد الله بن الزبير وصيّة عبد الله بن مسعود إلى الزّبير بن العوّام وإلى عبد الله بنِ الزّبير من بعده، وإنّهما في وصيّتي في حِلّ ويلّ.قال : ورَوَى أبو الحسن المدائنيّ ، عن أبي إسحاقَ التميميّ، أنّ معاويةَ سَمع رجلاً يُنشِد :ابنُ رَقاش ماجِدٌ سَمَيْدَعُ (2*** يَأْبَى فيُعطِي عن يدٍ أو يَمنَعُ)فقال : ذلك عبدُ الله بن الزبير : وكان عبدُ الله من جُمْلة النّفر الّذين أمرَهم عثمان بن عفّان أن يَنسَخوا القرآن في المصاحِف.قال : وحدّثنا محمّد بنُ حسن، عن نَوْفل بن عُمارة قال : سُئل سعيدُ بن المسيّیب عن
خُطباءِ قُرَيش في الجاهليّة، فقال: الأسود بن المطّلب بن أسَد وسُهَيل بن عمرو. وسُئِل عن خُطبائهم في الإسلام، فقال: معاوية وابنُه، وسعيدُ بن العاص وابنُه ، وعبد الله بن الزبير .قال : وحدّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِر، عن عثمان بن طلحة قال : كان عبدُ الله بنُ الزبير لا يُنازَع في ثلاثٍ : شجاعة وعبادة، وبلاغة.قال الزبير: وقال هشام بنُ عُروة رأيتُ عبد الله أيَّامَ حِصاره والحَجَر مِن المَنْجَنِيقِ يَهوِي حتّى أقول : كاد يأخذ بلحْيَتِه ، فقال له أبي أيَا بن أمّ والله إنْ كادَ ليأخذ بلِحْيَتِك، فقال عبدُ الله : دَعْني يابنَ أمّ فوالله ما هي إلا هَنَةٌ حتى كأنّ الإنسان لم يكن، فيقول أبي وهو يُقبل علينا بوجهه : والله ما أخشى عليك إلا من تلك الهنَة .قال الزبير : فذكَر هشامٌ، قال والله لقد رأيتُهُ يُرْمَى بالمنجنيق فلا يلتفت ولا يُرعَد صَوتُهُ، وربّما مَرّت الشظية منه قريباً من نَخره .وقال الزّبير : وحدّثنا ابنُ الماجِشون، عن ابن أبي مُليكة عن أبيه قال: كنتُ أطوفُ بالبيت مع عُمر بن عبد العزيز، فلما بلغتُ الملتزم تخلّفتُ عنده أدعو ثم لحِقت عمر، فقال قال لي : ما خلّفك؟ قال: كنتُ أدعو في مَوضع رأيتُ عبد الله بن الزبير فيه يَدْعو ، فقال : ما تَترك تَحتُناتِك على ابن الزبير أبَداً! فقلتُ : والله ما رأيت أحداً أشدّ جِلْداً عن لَحْم، ولَحْماً على عظم من ابن الزبير، ولا رأيتُ أحداً أثبتَ قائماً، ولا أحسَنَ مصلياً من ابن الزبير، ولقد رأيتُ حَجَراً من المنجنَيق جاءه فأصابَ شُرْفةً من المَسجد، فمرّت قذاذة مِنْها بين لِحْيتِه وحَلقه، فلم يَزُل من مُقامه، ولا عرفنا ذلك في صَوْته، فقال عمر: لا إله إلا الله، لَجاد ما وصفت !قال الزُّبير: وسمعتُ إسماعيل بنَ يعقوبَ التّيميَّ يحدِّث قال: قال عمر بنَ عبد العزيز لا بن أبي مُلَيكة : صف لنا عبدَ الله بن الزبير، فإنّه ترَمْرَمَ على أصحابِنا فتَغَشْمَروا عليه، فقال: عن أي حاليه تَسأل؟ أعن ديِنِه، أم عن دُنياه؟ فقال: عن كُلِّ ، قال : والله ما رأيتُ جِلْداً قط رُكب على لَحْم ولا لحماً على عَصَب، ولا عَصَباً على عَظْم، مِثْل جِلْده على لحمه ولا مثل لحمه على عَصَبِهِ، ولا مثل عصبه على عَظمِه، ولا رأيتُ نَفْساً ركبت بين جنبين مثل نفس له ركبتُ بين جَنبين، ولقد قام يوماً إلى الصّلاة، فمر به حَجرٌ من حجارة المَنجنيق، بِلَبنَةٍ مطبوخة من شُرُفات المسجدِ، فمرَّت بين لَحْيَيْه وصدره، فوالله ما خَشع لها بصرُه، ولا قطَع لها قراءتَه، ولا رَكع دونَ الركوع الّذي كان يركع، ولقد كان إذا دَخَل في الصلاة خَرّج من كلّ شيء إليها ، ولقد كانَ يركع في الصلاة فيقَع الرَّخَم على ظهرِه ويسجُد فكأنه مطروح.قال الزّبير : وحدّث هشامُ بنُ عُروَة، قال: سمعتُ عمّي، يقول: ما أبالي إذا وجدتُ ثلاثمائة يصبرون ،صبري لو أجلب عليَّ أهل الأرض.
قال الزبير : وقَسَم عبد الله بن الزبير ثُلُث مالِه وهو حيّ، وكان أبوه الزّبير قد أوصَى أيضاً بثُلُث ماله. قال : وابنُ الزبير أحد الرّهط الخمسة الّذين وَقَع اتّفاق أبي موسى الأشعری و عمرو بن العاص على إحضارِهم، والاستشارة بهم في يوم التّحكيم وهم : عبدُ الله بن الزبير، وعبدُ الله بن عمرو، وأبو الجَهم بن حذيفة، وجُبير بن مطعم وعبد الرحمن بن الحارث بنهشام .قال الزبير : وعبدُ الله هو الّذي صَلّى بالناس بالبَصْرة لمّا ظَهَر طَلحة والزبير على عثمانَ بن حَنيف بأمرٍ منهما له. قال: وأعَطت عائشةُ من بَشِّرُها بأنّ عبد الله لم يُقتَل يومَ الجمل عَشرةَ آلافِ درهم.قلتُ : الّذي يَغلب على ظنّي أنّ ذلك كان يوم ،إفريقية، لأنّها يوم الجمل كانت في شُغل بنفسِها عن عَبد الله وغيره.قال الزبير : وحدّثني عليُّ بن صالح مرفوعاً أنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم كلّم في صبية تَرَعْرَعوا، منهم عبدُ الله بن جعفر وعبدُ الله بن الزبير، وعُمر بن أبي سَلَمة، فقيل: يا رَسُول الله ، لو بايعتَهم فتصيبهَم برَكَتُك، ويكون لهم ذكر! فأتِيَ بهم فكأنهم تكعكعوا حين جيء بهم إليه، واقتحم ابن الزبير فتبسّم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وقال : إنه ابنُ أبيه، وبايَعَهم(1.)قال: وسُئِل رأسُ الجالوت: ما عندكم من الفراسة في الصِّبيان؟ فقال: ما عندنا فيهم شيء، لأنّهم يُخلَقون خَلْقاً مِنْ بعد خَلْق، غير أنّا نرمُقُهم، فإن سَمِعنا منهم من يقول في لعبه : من يكون معي؟ رأيناها همة وخب صدق فيه، وإن سمعناه يقول: مع من أكون؟ كرهناها منه . قال : فكان أوّل شيء سُمِع من عبد الله بن الزبير أنه كان ذاتَ يومَ يَلعَب مع الصّبيان، فمرّ رجلٌ، فصاح عليهم، ففرُّوا منه، ومَشَى ابنُ الزبير القَهْقَرى، ثم قال: يا صبيان! اجعَلوني أميرَكم، وشُدّوا بنا عليه. قال: ومرّ به عمر بن الخطّاب وهو مع الصّبيان، ففَروا ووَقَف، فقال لِمَ لَمْ تفرّ مع أصحابك؟ فقال : لم أجرِم فأخافك ، ولم تكن الطّريق ضَيّقةً فأُوسعَ عليك!ورَوى الزّبير بنُ بكّار، أنّ عبدَ الله بن سَعْد بن أبي سَرْح غزا إفريقيّة في خلافة عثمان، فقَتَل عبدُ الله بنُ الزبير جِرجيرَ أمير جيش الرُّوم، فقال ابنُ أَبي سَرْح : إنِّي موجِّه بشيراً إلى أمير المؤمنين بما فتح علينا، وأنتَ أولى من هاهنا، فانطِلق إلى أمير المؤمنين فأخبره الخَبَر، قال عبدُ الله : فلمّا قدمتُ على عثمان أخبرتُه بفَتح الله وصُنعه ونصره ، ووصَفْتُ له أمرَنا كيف كان، فلمّا فَرغت من كلامي قال: هل تستطيعُ أن تؤدي هذا إلى الناس؟ قلت : وما يَمنَعني من
1) أخرجه العسقلاني في الإصابة» (924) في ترجمة عبد الله بن الزبير، برقم (4684) ، وابن كثير في «البداية والنهاية» ((234) ، في حوادث سنة ثلاث وسبعين .
قال : فاخرج إلى النّاس فأخبرِهم قال عبد الله : فخرجتُ حتّى جئتُ المنبر فاستقبَلْتُ الناسَ، فتلقّاني وجهُ أبي، فدخَلَتْني له هَيْبة عَرَفها أبي في وجهي، فقَبَض قبضةٌ من حَصْباءَ، وَجَمعَ وجهَه في وجهي وهمّ أن يحصِبَني فاحْزَمْتُ، فتكلّمتُ .فزَعموا أنّ الزبير لما فَرَغَ عبدُ الله من كلامه قال : والله لكأنّي أسمع كلام أبي بكر الصّدّيق : من أراد أن يتزوّج امرأةً فلينظر إلى أبيها وأخيها فإنّها تأتيه بأحدِهما.قال الزّبير : ويُلقَّب عبدُ الله بعائدِ البيت، لاستعاذتهِ به.قال : وحدّثني عمّي مُصعب بنُ عبد الله، قال: إنّ الذي دعا عبدَ الله إلى التعوّذ بالبَيت شيءٌ سَمِعه من أبيه حين سار من مكّة إلى البَصْرة، فإنّ الزبير التفتَ إلى الكعبة بعد أن ودّع ووجّه يريدُ الرّكوب، فأقبَلَ على ابنِه عبدِ الله ، وقال : تالله ما رأيتُ مِثلَها لطالب رَغْبة أو خائف رَهبة .ورَوَى الزّبير بن بكّار قال : كان سبب تعوّذ ابن الزّبير بالكعبة أنّه كان يمشي بعد عَتَمَةٍ في بَعْض شوارع المدينة، إذ لقِي عبد الله بن سَعْد بن أبي سَرح متلثّماً لا يَبدُو منه إلَّا عَيْناه. قال: فأخذتُ بَيِده وقلتُ : ابن أبي سَرْح ! كيف كنتَ بَعدي؟ وكيفَ تركتَ أميرَ المؤمنين؟ يعني معاويةَ - وقد كان ابنُ أبي سَرْح عندَه بالشام - فلم يكلِّمني ، فقلت : ما لك؟ أمات أمير المؤمنين؟ فلم يكلمني، فتركته وقد أثبت معرفته، ثم خرجت حتى لقيت الحسين بن عليّ رضي الله عنه، فأخبرتُه خَبره، وقلتُ : ستأتيك رُسُل الوليد، وكان الأميرُ عَلَى المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفیان، فانظر ما أنتَ صانع! واعلم أنّ رَواحِلي في الدّار مُعَدّة ، والمَوْعِد بيني وبَيْنَك أن تغفل عنّا عيونهم، ثمّ فارقته فلم ألبث أن أتاني رسولُ الوَليد، فجئتُه فوجدتُ الحسينَ عنده، ووجدتُ عنده مروان بن الحكم ، فنَعَي إلي معاوية، فاسترجعت فأقبل عليّ، وقال: هلمّ إلى بَيعة يزيدَ، فقد كتب إلينا يأمُرُنا أن نأخذَها عليك! فقلت : إنّي قد علمتُ أنّ في نفسه عليّ شيئاً لِتَركي بَيعَتَه في حياة أبيه ، وإن بايعتُ له على هذه الحال توهَّم أنّي مُكرَه على البيعة، فلم يَقَعْ منه ذلک بحيث أريد، ولكن أصبح ويَجتمع الناس، ويكون ذلك علانيةٌ إن شاء الله، فنَظَر الوليد إلى مروان فقال مَرْوان: هو الّذي قلتُ لك، إن يخرج لم تَرَه. فأحببتُ أنْ أُلقيَ بيني وبينَ مَرْوان شَرًا نتشاغَل به فقلتُ له : وما أنتَ وذاكَ يابنَ الزّرقاء! فقال لي، وقلتُ له، حتّى تواثَبنا، فتناصيتُ أنا وهو، وقام الوليدُ فحجَز بيننا، فقال مروان: أتحجز بيننا بنفسك، وتدع أن تأمر أعوانك! فقال : قد أرى ما تُريد، ولكن لا أتولّى ذلك منه والله أبداً، اذهب يابن الزبير حيثُ شِئتَ، قال: فأخذتُ بيَدِ الحُسَين، وخرجنا من الباب حتى صرنا إلى المَسْجِد، وأنا أقول: ولا تحسبنّي يا مُسافر شَحْمةً*** تعجّلها من جانب القِدْرِ جائعُفلما دخل المسجد افتَرَقَ هو والحُسين وعمد كلّ واحد منهما إلى مُصلاه يُصلّي فيه،
وجَعلت الرسلُ تَختلف إليهما ، يَسمَع وَقع أقدامهم في الحَصْباء حتّى هَدأ عنهما الحِسَ، ثمّ انصرَفا إلى منازلِهما، فأتَى ابن الزبير رواحله فقَعَد عليها، وخرج من أدبار داره ووافاه الحسينُ بن عليّ، فخرجَا جميعاً من لَيْلَتهم، وسَلكوا طريقَ الفُرْع حتّى مروا بالجَتْجاثة وبها جعفر بن الزبير قد ازدَرَعها ، وغُمِزَ عليهم بعيرٌ من إيلهم فانتهوا إلى جعفر، فلما رآهم قال : مات معاويةُ ؟ فقال عبدُ الله : نَعَم، انطلق معنا وأعطنا أحدَ جَمَلَيْك - وكان ينضَح على جَملين له - فقال جعفر متمثِّلاً :إخوتي لا تبعدوا أبَداً ***وبَلى والله قد بَعُدوافقال عبد الله - وتطيّر منها : بفيك التّراب فخرجوا جميعاً حتى قَدِموا مَكَّة قال الزبير : فأمّا الحُسين علیه السلام فإنّه خرج من مكة يومَ التَّرْوِية يطلُب الكوفة والعراق وقد كان قال لعبد الله بن الزبير : قد أتَتْني بَيْعةُ أربعين ألفاً يحلِفون لي بالطلاق والعتاق من أهل العراق، فقال : أتخرج إلى قوم قَتَلوا أباك وخَذَلوا أخاك !قال : وبعضُ الناس يَزْعم أن عبد الله بن عباس هو الّذي قال للحُسين ذلك .قال الزّبير : وقال هشام بنُ عُروة : كان أوّل ما أفصح به عمّي عبد الله وهو صغير :السّيف، فكان لا يَضعُه مِن فيه وكان أبوه الزبير إذا سَمِع منه ذلك يقول : أما والله ليكوننّ لكَ منه يومٌ ويوم وأيام ! .فأما خبرُ مقتَل عبد الله بن الزّبير فنحن نوردُه من تاريخ أبي جعفر محمد بن جَرير الطبريّ رحمه الله. قال أبو جعفر : حَصَر الحجّاج عبد الله بن الزبير ثمانية أشهر، فرَوَى إسحاق بنُ يحيى عن يوسف بن ماهك قال : رأيتُ منجنيق أهل الشام يُرمَى به، فرَعَدتِ السماءُ وبَرَقتْ وعلا صوتُ الرّعد على صَوْت المنجنيق، فأعظم أهل الشام ما سَمِعوه، فأمسكوا أيديهم ، فرَفَع الحجاج بِرْكة قبائِهِ ، فَغَرَزها في منطقته ، ورَفَع حَجَرٍ المَنجنيق فوَضَعه فيه، ثم قال: ارموا، ورَمَى معهم قال :ثمّ أصبحوا فجاءت صاعقة يتبعها أخرى، فقتلت من أصحاب الحجاج اثني عشر رجلاً ، فأنكر أهلُ الشّام، فقال الحجاج : يا أهل الشام لا تُنكروا هذا، فإنّي ابنُ تِهامة، هذه صواعقُ تِهامة، هذا الفتح قد حَضَر فأبشروا ، فإنّ القوم يُصيبهم مثل ما أصابكم، فصعقت الغد فأصيب من أصحاب ابن الزبير عدة ما أصاب الحَجّاج، فقال الحجاج: ألا ترون أنهم يُصابون وأنتم على الطاعة، وهم على خلاف الطاعة فلم تزل الحرب بين ابن الزبير والحجّاج حتّى تفرّق عامة أصحاب ابن الزبير عنه، وخرج عامّة أهل مكة إلى الحجاج في الأمان.قال : ورَوَى إسحاق بنُ عبيد الله عن المُنذِر بن الجهم الأسلمي قال: رأيتُ ابن الزّبير، ، وقد خَذَلَه من معه خذلانا شديداً، وجعلوا يخرجون إلى الحجاج، خرج إليه منهم نحو
آلاف، وذكر أنّه كان ممّن ،فارَقَه وخرج إلى الحجاج ابناء: خُبَيب وحمزة، فأخذا من الحجاج لأنفسهما أماناً . قال أبو جعفر فروى محمد بن عمر عن ابن أبي الزنّاد، عن مَخرمة بن سَلْمَان الوالبيّ ، قال : دخل عبد الله بن الزبير على أمّه حين رَأى من الناس ما رأى من خِذْلانه، فقال : يا أمّه خَذَلني النّاس حتى وَلدِي وأهلي، ولم يَبقَ معي إلّا اليسير ممّن ليس عندَه من الدفع أكثر من صَبر ساعة، والقوم يُعطونَني ما أردتُ من الدنيا . فما رأيك؟ فقالت : أنت يا بني أعلم بنفسك ، إن كنتَ تعلم أنّك على حق وإليه تدعو فامض له، فقد قُتِل عليه أصحابك، ولا تُمكّن من رقبتك يتلعب بك غلمان بني أمية، وإن كنتَ إنّما أردتَ الدُّنيا فبئس العبد أنتَ ! أهلكت نفسك وأهلكتَ من قتل معك، وإن قلت : قد كنتُ على حق فلما وَهَن أصحابي وَهَنْتُ وضعفت، فليس هذا فعل الأحرار ولا أهل الدين، وكم خُلودك في الدنيا القتل أحسن، فدنا ابن الزبير فقبل رأسها ، وقال : هذا والله رأيي الذي قمتُ به داعياً إلى يومي هذا، وما ركنتُ إلى الدنيا، ولا أحببتُ الحياة فيها ولم يَدْعُني إلى الخروج إلّا الغَضَب الله أن تُستَحَلَّ محارمه ، ولكنّي أحببتُ أن أعلم رأيَكِ، فزدتني بصيرةً مع بصيرتي. فانظري يا أمّه، فإني مقتول من يومي هذا، فلا يَشتدّ حُزنك، وسَلِّمي لأمر الله، فإنّ ابنك لم يتعمد إتيان مُنكَر، ولا عَمَلاً بفاحشة، ولم يَجُرْ في حُكْم، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمّد ظُلمَ مُسلِم ولا مُعاهد، ولم يَبلُغني ظلم عُمّالي فرضيتُ به بل أنكرتُه ، ولم يكن شيء آثرَ عندي من رِضًا ربي اللهم إني لا أقول هذا تزكية منّي لنفسي، أنتَ أعلمُ ،بي ولكنني أقوله تعزية لأمي لتسلو عنّي . فقالت أمه : إني لأرجو الله أن يكون عَزائي فيك حَسَناً إِنْ تَقدَّمْتَني، فلا أخرج من الدنيا حتى أنظر إلى ما يصير أمرك ، فقال : جزاك الله يا أمه خيراً ! فلا تَدَعي الدُّعاء لي قبل وبعد قالت: لا أدعُه أبداً، فمن قتِل على باطل فقد قتلت على حقّ. ثم قالت : اللهمّ ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النّحيب والظّمأ في هَواجِر المدينة ومَكَة وبرّه بأبيه وبي! اللهم إني قدَ سَلّمته لأمرِك فيه، ورضيت بما قضيتَ ،فأتبني في عبد الله ثواب الصّابرين الشاكرين .قال أبو جعفر : وَرَوَى محمّد بن عمَر، عن موسى بن يعقوب بن عبد الله، عن عمّه، قال : دخل ابنُ الزبير على أمه وعليه الدرع والمغفَر(1، فوَقَف فسلّم، ثم دنا فتناول يدَها فقبلها، فقالت: هذا وَداع فلا تَبعد ، فقال : نَعَم، إني جئت مودعاً ، إني لأَرَى أنّ هذا اليومَ آخرُ يوم من الدنيا يمرّ بي واعلمي يا أمّه أني إن قتلتُ فإنما أنا لحم لا يَضرُّه ما صُنِع به، فقالت: صدقت يا بنُيّ، أتمم على بَصيرَتِك، ولا تُمكّن ابن أبي عَقِيل منك، وادنُ مني أودعك، فدنا منها فقبلها وعانقها ، فقالت حيث مسّت الدِّرع: ما هذا صَنيعُ مَن يريدُ ما تريدُا فقال : ما لبستُها إلا لأشدّ منك، فقالت: إنها لا تشدّ مني، فَنَزَعها ، ثمّ أخرج كميه وشدّ أسفل قميصه، وعمد إلى جبةٍ خَز)
1) المغفر : زرد من الدرع يلبس تحت القلنسوة، أو حلق يتقنع بها المتسلح القاموس، مادة (غفر).
تحت القميص، فأدخَل أسفلها في المنطقة، فقالت أمه : شَمّر ثيابك، فشمّرها، ثم انصرف وهو يقول :إنّي إذا أعرف يومي أصبِر*** إذ بعضهم يعرف ثم يُنكرفسمعت العجوز ،قوله فقالت تصبر والله ولم لا تصبر وأبوك أبو بكر والزبير، وأمكصفية بنت عبد المطلب!قال وَرَوَى محمد بن عمر عن ثور بن يزيد عن رجل من أهل حمص قال : شهدتُه والله ذلك اليوم ونحن خمسمائة من أهل حمص فدَخَل من باب المسجد لا يدخل منه غيرنا، وهو يشدّ علينا ونحن منهزمون وهو يرتجز :إني إذا أعرف يومي أصبِّر*** وإنما يَعرِف يَوْمَيه الحُرُ به السحُروبعضُهم يعرف ثم يُنْكِرُفأقول : أنت والله الحرّ الشريف فلقد رأيتُه يقف بالأبطَح، لا يدنو منه أحدٌ حتّى ظننّا أنهُ لا يقتل. قال ورَوَى مُصعَب بنُ ثابت عن نافع مولى بني أسَد قال : رأيتُ الأبوابَ قد شُحنت بأهل الشام، وجَعَلوا على كلّ باب قائداً ورجالاً وأهل بلد، فكان لأهل حِمصَ الباب الذي يواجه بابَ الكعبة، ولأهل دمشق باب بني شَيْبة، ولأهل الأرْدُنَّ بابُ الصفا، ولأهل فلسطين باب بني جُمَح ، ولأهلِ قِنَسْرِينَ بابُ بني سَهُم، وكان الحجاج وطارِقُ بن عمرو في ناحي الأبطح إلى المروة، فمرة يحمل ابنُ الزُّبير في هذه الناحية، ولكأنه أسد في أجمّة (1ما يُقدِم عليه الرّجال، فيَعدُو في أثر الرجال وهم على الباب حتى يُخرجهم، ثم يصيح إلى عبد الله بن ،صفوان يا أبا صفوان، وَيْلُ أُمه فتحاً لو كان له رجال! ثم يقول :)لو كان قرني واحداً كُفِيتُهفيقول عبد الله بن صَفوان : إي والله وألفاً .قال أبو جعفر : فلمّا كان يوم الثلاثاء صبيحة سبع عشرة من جُمادى الأولى سَنة ثلاث وسَبعين، وقد أخذ الحجّاج على ابن الزّبير بالأبواب، بات ابنُ الزّبير تلك الليلة يصلي عامّة الليل ، ثم احتَبَى بحمائل سيفِه، فأغفَى ثم انتبه بالفجر، فقال: أذن يا سعد، فأذن عند المَقام، وتوضأ ابن الزبير وركع ركعتي الفجر، ثم تقدم وأقام المؤذن، فصلّى ابن الزبير بأصحابه فقرأ (ن والقَلَم حَرْفاً حرفاً ثمّ سلّم، ثمّ قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : اكشفوا وجوهكم حتى أنظر، وعليها المَغافِر والعمائم، فكشفوا وجوههم، فقال يا آل الزبير، لو طبتم لي نَفْساً عن أنفسكم كنا أهل بيت من العرب اصطلِمْنا ، لم تُصِبنا مَذَلّة، ولم نقرّ على ضَيْم. أمّا بعد يا آل)
1) الأجمة الشجر الكثير الملتف القاموس، مادة (أجم).
الزبير، لا يُرعكم وَقعُ السّيوف، فإني لم أحضر مَوْطناً قط ارتُثبتُ فيه بين القَتْلَى، وما أجد من دواء جراحها أشدّ ممّا أجِد من ألم وَقعها . صونوا سيوفَكم كما تصونون وجوهكم . لا أعلم امراً كَسَر سيفَه واستَبقى نفسَه. فإنّ الرّجل إذا ذهبَ سلاحُه فهو كامرأة أعزّل غضّوا أبصاركم عن البارِِقَة، وليَشغل كلُّ امرىءٍ قرنه، ولا يُلهينكم السّؤالُ عني ولا تقولُنّ: أين عبدُ الله بن الزّبير؟ الا من كان سائلاً عنّي فإنّي في الرَّعيل الأوّل، ثم قال :أبَى لابنِ سَلْمى أنه غير خالدٍ*** يُلاقِي المنایا أي وجه تیَمَّمافلستُ بمُبتاع الحياة بسُبّةٍ (1ولا مُرْتَقِ من خشية الموت سُلَّما)ثمّ قال : احملوا على بركة الله، ثمّ حَمَل حتى بلغ بهم إلى الحَجُون، فرُمِيَ بحَجَر، فأصاب وجهَه، فارعِش ودَمِيَ وجهه، فلما وجد سُخونة الدّم تسيل على وجهه ولحيته قال :ولَسْنا على الأعقاب تَدْمَى كُلومُنا ولكن على أقدامنا تقطر الدِّمَاقال : وتَقاوَوا عليه، وصاحت مولاةٌ له مجنونة والأمير المُؤمِنيناه! وقد كان هَوَى، ورأته حين هَوَى فأشارت لهم إليه، فقُتِل وإنّ عليه لثيابَ خَزّ، وجاء الخبرُ إلى الحجاج، فسَجَد وسار هو وطارقُ بنُ عمرو، فوَقَفا عليه، فقال طارق : ما وَلَدتِ النّساءُ أَذكَرَ مِن هذا ، فقال الحجاج : أتمدَح من يُخالِف طاعة أمير المؤمنين! فقال طارق : هو أعذَرُ لنا، ولولا هذا ما كان لنا عُذرٌ، إنَّا مُحاصروه وهو في غير خَندق ولا حصن ولا مَنَعة منذُ ثمانية أشهُر يَنتصِف منّا، بل يفضُل علينا في كلّ ما التقينا نحن ،وهو قال : فبلغ كلامهما عبد الملك، فصوّب طارقاً .قال : وبعث الحجّاجُ برأس ابن الزبير ورأس عبد بن صفوان ورأس عمارة بن عمرو بن حزمإلى المدينة، فنصبت الثلاثة بها، ثمّ حملت إلى عبد الملك.ونحن الآن نذكُر بقية أخبار عبد الله بن الزبير ملتقطةً من مواضع متفرقة :رئِيَ عبدُ الله بنُ الزبير في أيام معاوية واقفاً بباب ميّةَ مولاة معاوية، فقيل له : يا أبا بكر ، مِثلُك يَقِف بباب هذه ! فقال : إذا أغيتكم الأمورُ مِن رُؤوسها فخذوها من أَذْنابها .ذكر معاويةُ لعبد الله بن الزبير يزيد ابنه وأراد منه البَيعة له، فقال ابنُ الزبير : أنا أناديك ولا أناجيك، إن أخاكَ مَنْ صَدَقك، فانظر قبل أن تقدم وتفكّر قبل أن تندَم، فإن النظر قبل التقدم، والتفكّر قبل التندّم، فضحك معاوية وقال : تعلّمتَ يا أبا بكر الشّجاعة عند الكِبَر .كان عبدُ الله بنُ الزبير شديد البُخْل ، كان يُطعِم جنده تمراً، ويأمرهم بالحرب، فإذا فَرّوا من وقع السيوف لامهم وقال لهم : أكلتم تمري وعصيتم أمري فقال بعضهم
1) السبة : العار. القاموس، مادة (سبب) .
ألم ترَ عبد الله - والله غالبٌ*** على أمره - يبغي الخلافة بالتّمْرِوكسَر بعضُ جنده خمسة أرماح في صدور أصحاب الحجّاج، وكلما كسَرَ رُمْحاً أعطاء رُمحاً ، فشَق عليه ذلك، وقال : خمسة أرماح ! لا يَحتمِل بيتُ مال المسلمين هذا .قال : وجاءه أعرابيّ سائلٌ ،فَردّه، فقال له : لقد أحرقت الرَّمْضاء(1قَدميّ ، فقال : بُل عليهما یبردان.)جَمَع عبد الله بنُ الزبير محمد بن الحنفيّة وعبد الله بن عباس في سبعة عشر رجلاً من بني هاشم، منهم الحسن بنُ الحسن بن عليّ بن أبي طالب علیه السلام، وحصَرَهم في شِعْب بمكة يُعرَف بشعب ،عارم وقال : لا تمضي الجمعة حتى تُبايعوا إليَّ أو أضرب أعناقكم، أو أحرّقكم بالنار، ثم نهض إليهم قبل الجمعة يريد إحراقهم بالنار، فالتزمه ابن مِسوَر بن مخرمة الزهريّ، وناشده الله أن يؤخّرهم إلى يوم الجمعة، فلمّا كان الجمعة، فلمّا كان يوم الجمعة دعا محمد بن الحنفية بغسول وثياب بيض، فاغتسل وتلبس وتحنّط، لا يَشْكُ في القتل، وقد بعث المختار بن أبي عبيد من الكوفة أبا عبد الله الجَدَلي في أربعة آلاف، فلما نزلوا ذات عرق، تعجّل منهم سبعون على رواحلهم حتى وافوا مكة صبيحة الجمعة يُنادون : يا محمّد يا محمّد! وقد شَهَروا السلاح حتى وافَوْا شعْبَ ،عارم، فاستخلصوا محمَّد بن الحنفيّة ومن كان معه وبعث محمد بنُ الحنفية الحسن بنَ الحسن يُنادِي : من كان يَرَى أن الله عليه حَقًّا فليشم سَيْفَه ، فلا حاجة لي بأمر الناس، إن أعطِيتُها عَفْواً قَبِلتُها، وإن كَرِهوا لم نَبْتَهم أمرهم .وفي شعب عارم وحصار ابن الحنفية فيه يقول كثيرُ بنُ عبدِ الرحمن :ومن يَرَ هذا الشيخ بالخَيْف مِن مِنّى*** مِنَ الناس يعلم أنه غيرُ ظالمسَمِيّ النَّبي المصطفى وابنُ عمِّه*** وحَمالُ أثقال وفَكَّاك غارِمِتخبِّر من لاقيتَ أنّك عائذٌ ***بل العائذُ المحبوسُ في سِجن عارِِمِِوَرَوَى المَدائنيّ ، قال : لما أخرَج ابنُ الزبير عبدَ الله بن عباس من مكة إلى الطائف مرّ بنَعمان، فنزل فصلّى ركعتين، ثم رفعَ يَدَيْهِ يدعو ، فقال : اللّهمّ إنك تعلم أنه لم يكن بلدٌ أحَبّ إلي من أن أعبدك فيه من البلد الحرام، وأنني لا أحبّ أن تقبض رُوحي إلّا فيه، وأنّ الزبير أخرَجني منه ، ليكون الأقوَى في سلطانه. اللهمّ فأوْهِن كيده، واجعل دائرة السَّوء عليه. فلمّا دنا من الطّائف تلقاه أهلها فقالوا : مرحباً بابن عَمِّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم! أنتَ والله أحبُّ إلينا وأكرم علينا ممن أخرجك، هذه منازلنا تخيّرها ، فانزل منها حيث أحببت، فنزل منزلاً ، فكان
1) الرمضاء: الأرض الشديدة الحرارة القاموس، مادة (رمض).
یَجلس إليه أهلُ الطَّائف بعد الفجر وبعد العَصر، فيتكلّم بينهم، كان يحمد الله ويذكُر النبيَّ صلی الله علیه وآله وسلم والخلفاءَ بعده، ويقول: ذهبوا فلم يَدَعوا أمثالهم ولا أشباههم ولا مَن يُدَانيهم، ولكن بقي أقوام يطلبُون الدنيا بعمل الآخرة، ويلبَسون جلود الضّأن، تحتَها قلوبُ الذُّئاب والنُّمور، لِيَظُنَّ الناسُ أنهم من الزاهدين في الدنيا، يُراؤُونَ الناس بأعمالهم، ويُسخطون الله بسرائرهم، فادعوا الله أن يقضيَ لهذه الأمة بالخير والإحسان، فيولي أمرها خيارَها وأبرارَها، ويُهلك فُجّارها وأشرارها ارفعوا أيديكم إلى ربكم وسلوه ذلك، فيفعلون.فبلغ ذلك ابن الزبير، فكتب إليه :أما بعد فقد بلغني أنك تجلس بالطائف العَصْرَين فتفتيهم بالجهل، تَعِيب أهلَ العَقْل والعِلم، وإنّ حِلْمي عليك، واستدامتي فَيْنك جَرّاك علي فاكفُف - لا أبا لغَيرك - مِنْ غَرْبك، وأرْبَع على ظَلْعِك، واعقل إن كان لك معقول، وأكرم نفسك فإنك إن تهنها تجدها على الناس أعظم هَوَاناً ، ألم تسمع قول الشاعر :فنفسَك أكرِمُها فإنّك إن تَهُنَّ ***عليك فلن تلقى لها - الدهَرَ - مُكْرِمَاوإنِّي أقسم بالله لئن لم تنته عمّا بلغني عنك لتجدَنَّ جانبي خَشِناً، ولتجدنّني إلى ما يَرْدَعُك عنّي عجلاً ، فَرَ رأيك ، فإن أشفى بك شقاؤك على الردى فلا تُلم إلا نفسك .فكتب إليه ابنُ عباس: أما بعد، فقد بلغني كتابُك ، قلت : إنّي أفتي الناس بالجهل، وإنما يُفتي بالجهل مَن لم يعرف مِن العلم شيئاً، وقد أتاني الله من العلم ما لم يؤتك. وذكرت أنّ حِلمك عني، واستدامَتَك فَيْتي جَرّاني عليك، ثمّ قلت: أكْفُفْ مِن غَرْبك، واربَعْ على ظَلْعك، وضربت لي الأمثال أحاديث الضبع، متى رَأيتني لعُرامِك هائباً، ومن رأيتني لمُرامِك هائباً، ومن حَدّك ناكلاً! وقلت : لئن .. لم تكفف لتجدنّ جانبي خَشِناً ، فلا أبقى الله عليك إن أبقيت ولا أرعى عليك إن أَرْعَيت! فوالله أنتهي عن قول الحق وصفة أهل العدل والفضل، وذمّ الأخسَرِين أعمالاً ، الذين ضَلَّ سعيُهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يُحسنون صُنْعاً، والسَّلام.قَدِم معاوية المدينة راجعاً من حَجّة حَجّها ، فكثر الناسُ عليه في حوائجَهم، فقال صاحب إبله : قَدِّم إبلك لَيْلاً حتى أرتحل، ففعل ذلك، وسار ولم يعلم بأمره إلّا عبد الله بنُ الزبير، فإنه ركب فَرَسه وقَفا أثره، ومعاوية نائم في هَوْدجه، فجعل يسير إلى جانبه، فانتبه معاويةُ، وقد سمع وقع حافر الفَرَس، فقال: من صاحب الفرس؟ قال: أنا أبو حبيب، لو قد قتلتك منذ !الليلة يُمازحه، فقال معاوية : كلاً لستَ من قتلة الملوك، إنما يصيد كل طائر قَدْرَه. فقال ابنُ الزبير إلي تقول هذا، وقد وقفتُ في الصف بإزاء علي بن أبي طالب، وهو من تعلم ! فقالمعاوية : لا جَرم إنه قتلك وأباك بيسرى يدَيْه، ويقيتْ يده اليمنى فارغة يطلب مَنْ يقتله بها
فقال ابن الزبير : أما والله ما كان ذاك إلّا في نَصر عثمان فلم نُجْزَ به، فقال معاوية: خَلِّ هذا عنك، فوالله لولا شدّة بُغْضِك ابن أبي طالب لجَررت برجل عثمان مع الضُبع. فقال ابن الزبير : أما والله ما كان ذاك إلّا في نَصْر عثمان فلم نُجْزَ به فقال معاوية : خَلِّ هذا عنك، فوالله لولا شدّة بُغضك ابن أبي طالب لجرَرت برجل عثمان مع الضُبع. فقال ابن الزبير : أَفَعَلْتَها يا معاوية! أما إنَّا قد أعطيناك عَهْداً، ونحنُ وافون لك به ما دمتَ حيَّا، ولكن ليعلمنّ مَن بعدك، فقال معاوية : أما والله ما أخافُك إلَّا على نفسك، ولكاني بك وأنت مشدودٌ مربوط في الأنشوطة، وأنت تقول : ليت أبا عبد الرحمن كان حيَّا ، وليتني كنتُ حياً يومئذ، فأحلُّك حلَّا رفيقاً، ولبئس المُطلق والمعتق والمسنون عليه أنت يومئذ !دَخل عبدُ الله بنُ الزِبير على معاوية وعندَه عمرو بنُ العاص، فتكلم عَمرو - وأشار إلى ابن - فقال : هذا والله يا أمير المؤمنين الّذي غَرَّتْه أناتُك، وأبْطَره حِلْمك ، فهو يَنْزُو فِي نَشْطته نَزْوَ العير في حبالتهِ(1، كلّما قَمصته الغُلَواءُ (2)والشّرّة سكّنت الأنشوطةُ منه النّفرة، وأحربه أن يؤول إلى القلّة أو الذُّلّة، فقال ابنُ الزبير أما والله يابنَ العاص، لولا أنّ الإيمان ألزمنا بالوفاء، والطاعة للخُلفاء - فنحن لا نريد بذلك بَدَلاً ، ولا عنه حِوَلاً - لكان لنا وله ولك شأن، ولو وَكَلَه القضاء إلى رأيك، ومَشُورة نظرائك لَدَافَعْناه بمَنكِب لا تئوده المُزَاحَمَة، ولقاذفناه بحَجَر لا تَنْكَؤُه المُرَاجَمَة، فقال معاوية : أما والله يابن الزبير لولا إيثاري الآنَاةَ على العَجَل، والصَّفْحَ على العقوبة، وأنّى كما قال الأوّل:)أجامل أقواماً حَيَاءٌ وقد أرَى*** قُلوبَهُم تغلي علىَّ مِراضُهاإذا لَقَرَنْتُك إلى سارية من سوَارِي الحَرَم تُسكن بها غُلَوَاءَكَ ، وينقطع عندَهَا طَمعُك، وتَنقُص من أَمَلك، ما لعلك قد لوّيْته فشزرته، وفتلته فأبرمته. وايمُ الله إنك من ذلك لَعَلَى شَرف جُرُف بعيد الهوة، فكن على نفسك ولها فما تويق ولا تنقذ غيرها، فشأنك وإيَّاها .قطع عبدُ الله بن الزّبير في الخطبة ذِكْرَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآله جمعاً كثيرة، فاستعظم الناسُ ذلك ، فقال : إني لا أرغب عن ذكره، ولكنّ له أهَيل سوء إذا ذكرتُه أتلعوا أعناقهم، فأنا أحِبّ أن أكبتهم .لمّا كاشف عبد الله بن الزبير بني هاشم وأظهر بغضَهم وعابهم وهمّ بما همّ به في أمرهم، ولَم يذكُر رسولَ الله صلی الله علیه وآله وسلم في خُطبةٍ، لا يومَ الجُمعة ولا غيرها، عاتبه على ذلك قومٌ من
خاصّته، وتَشاءموا بذلك منه، وخافوا عاقبتَه، فقل : والله ما تركتُ ذلك عَلانيةً إلا وأنا أقولُه سِرًّا وأكثر منه، لكنّي رأيتُ بني هاشم إذا سمِعوا ذِكرَه اشرَابُوا واحمّرت ألوانُهم، وطالت رقابُهم، والله ما كنتُ لآتي لهم سُروراً وأنا أقدر عليه، والله لقد هَممتُ أن أحظر لهم حظيرةً ثم أضرمها عليهم ناراً، فإني لا أقتلُ منهم إلا آثماً كَفَّاراً سَحَاراً، لا أنماهم الله ولا بارك عليهم، بيت سَوء لا أوّل لهم ولا آخر والله ما ترك نبيّ الله فيهم خيراً، استفرَع نبيّ الله صدقهم فهمأكذَب الناس.فقام إليه محمد بن سعد بن أبي وقّاص فقال : وفُقك الله يا أمير المؤمنين! أنا أوّل مَن أعانك في أمرهم، فقام عبدُ الله بنُ صَفوَان بن أميّة الجُمحيُّ، فقال: والله ما قلتَ صواباً، ولا هممتَ برُشد ،أرَهْط رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم تعيب، وإياهم تَقتُل والعرب حولك! والله لو قتلتَ عدّتهم أهل بيت من التّرك مُسلِمين ما سوّغه الله لك، والله لو لم يَنصُرُهم النّاس منك لنَصَرهم الله بنَصره . فقال : اجلس أبا صفوان فلستَ بناموس.فبلغ الخبرُ عبدَ الله بن العبّاس ،فخرج مُغضَباً ومعه ابنُه حتى أتى المسجد، فَقَصد قَصد المنبَر فَحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسول الله صلی الله علیه وآل وسلم ثمّ قال : أيها الناس إن ابن الزّبير يزعُم أن لا أوّل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا آخِر، فيَا عَجَباً كلَّ العَجَبِ لافترائه ولكذبه! والله إن أوّل من أخَذَ الإيلاف وَحَمَى عِيرات قريش لهاشم، وإن أوّل من سقى بمكة عذباً، وجعَل بابَ الكعبة ذَهَباً لعبد المطلب، والله لقد نشأت ناشئتُنا مع ناشتَةِ قُريش، وإن كنّا لقَالَتهم إذا قالوا ، وخُطباءَهم إذا خَطَبوا، وما عُدَّ مَجْد كمجدِ أوّلنا ، ولا كان في قُرَيْشٍ مجد لِغَيْرنا ، لأنّها في كفر ماحق، ودين فاسق وضلّة وضلالة، في عَشْوَاء عَمْياء، حتّى اختار الله تعالى لها نُوراً، وبعث لها سِراجاً، فانتجبه طيباً من طيّبين لا يَسُبّه بمسبة، ولا يَبغي عليه غائلة، فكان أحدنا وولدَنا، عمّنا وابن عمّنا . ثمّ إنّ أسبق السابقين إليه منا ابن عمّنا ، ثم تلاه في السَّبق، أهلنا ولحمتنا واحداً بعد واحد .ثمّ إنّا لخير الناس بعده وأكرَمُهم أدباً، وأشرفهم حَسَباً، وأقربهم منه رَحماً .واعَجَباً كلّ العَجَب لابن الزبير يعيبُ بني هاشم، وإنما شَرُف هو وأبوه وجدُّه بمُصاهَرَتِهم، أما والله إنه لمسلوبُ قريش ومتى كان العوّام بن خُوَيلد يطمع في صفيّة بنت عبد المطلب! قيل للبغل : مَن أبوك يا بَغل ؟ فقال : خالي الفَرَس . ثمّ نزل (1.)خطب ابن الزبير بمكة على المنبر، وابن عباس جالس مع النّاس تحت المنبر، فقال: إن
1) أنظر مواقف الشيعة : 195/1.
هاهنا رَجُلاً قد أعمى الله قلبه كما أعمَى بَصرَه، يَزعم أن مُتعة النّساء حلالٌ من الله ورسوله، ويُفتي في القملة والنَّمْلة، وقد أحتَمَلَ بيتَ مال البَصْرة بالأمس، وتَرَك المسلمين بها يَرتَضخون النَّوَى، وكيف ألومُه في ذلك، وقد قاتَلَ أم المؤمنين وحَوَارِيَّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، ومن وقاه بیَدِه!فقال ابنُ عباس لقائده سعد بن جُبير بن هشام مولَى بني أسَد بن خُزيمة : استقبِل بي وجة ابنِ الزبير، وارفَع من صَدْري، وكان ابن عباس قد كُفَّ بَصره فاستقبل به قائدُه وجهَ ابنِ الزبير وأقام قامَته فَحَسَر عن ذِرَاعَيْه، ثم قال يابن الزّبير :قد أنصَفَ القارةَ مَن راماها*** إنّا إذا مافئةٌ نَلقاهانردّ أولاها على أخراها*** حتى تَصيرَ حَرَضاً دَعْواهَايابن الزبير، أما العَمَى فإنّ الله تعالى يقول: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِيالصُّدُورِ (1)، وأمّا فُتْيايَ في القَمْلة والنّملة، فإنّ فيها حُكْمين لا تعلمها أنتَ ولا أصحابك وأما حَمْلي المال فإنه كان مالاً جَبَيْناه فأعطينا كلَّ ذي حق حقه، وبقيت بقيَّةٌ هي دونَ حَقْنا كتاب الله فأخذناها بحقنا . وأما المُتعة فسَلْ أمَّك أسماء إذا نزلت عن بُرْدَي عَوْسَجة. وأما قتالنا أم المؤمنين فبنا سمّيت أم المؤمنين لا بك ولا بأبيك، فانطلق أبوك وخالك إلى حِجاب مده الله عليها، فهتكاه عنها ، ثم اتخذاها فتنة يقاتلان دُونَها ، وصانا حلائلهما في بُيوتهما ، فما أنصفا الله ولا محمّداً من أنفسِهما أن أَبْرَزَا زوجة نبيه وصانا حلائلهما . وأما قتالنا إيّاكم فإنّا لقينا زَحْفا ، فإن كنّا كُفَّاراً فقد كَفَرتم بفِرارِكم منّا ، وإن كنّا مؤمنين فقد كفَرتم بقتالكم إيّانا، وايمُ الله لولا مكانُ صَفِيّة فيكم، ومكان خديجة فينا لما تركت لبني أسد بن عبدِ العُزَّى عَظْماً إِلَّا كَسَرْتُه .)فلما عاد ابنُ الزبير إلى أمه سألها عن بُرْدَي عَوْسجة، فقالت: ألم أَنْهَك عن ابن عباس وعن بني هاشم ! فإنّهم كُعُمُ الجوابِ إذا بُدِهوا، فقال: بلى، وعصيتُكِ .فقالت : يا بُنَي احذر هذا الأعمى الذي ما أطاقته الإنس والجِنّ، واعلم أنّ عنده فضائحَ قريش ومَخازتَها بأسرِها، فإيباك وإيّاه آخر الدهر ، فقال : أيمن بن خريم بن فاتك الأسديّ :يابن الزبير لقد لاقَيْتَ بائقةٌ ***مِن البوائق فالطف لُطف مُختالِلا قَيْتَه هاشميا طابَ مَنبتُه في مَغْرِسَيْه كريمَ العَمَ والخالِما زال يقرع عنكَ العَظم مقتدرا على الجواب بصَوْت مُسمع عالِحتى رأيتك مِثلَ الكَلب مُنْجَحِراً ***خَلفَ الغَبيط وكنتَ الباذِخَ العالِي(2)
إن ابنَ عباسِ المعروف حِكْمَته*** خيرُ الأنام له حالٌ من الحالعيّرته المُتعة المتبوع سُنّتها*** وبالقتال وقد عيّرت بالماللمّا رَمَاك على رِسْل بأشهُمِه*** جَرَت عليك بسَيْفِ الحالِ والبالِفاحت مقولك الأعْلَى بِشَفْرَتِهِ*** حَرًّا وَحِيَا بِلا قِيل ولا قالِوأعلم بأنك إن عاوَدْتَ غَيْبَته*** عادت عليك مخاز ذات أذيالورَوَى عثمانُ بن طلحةَ العَبْدَرِي، قال: شهدتُ من ابن عباس رحمه الله مشهداً ما سمِعْتُه من رجل من قريش، كان يُوضَع إلى جانب سَرِيرِ مَرْوان بن الحَكَم - وهو يومئذ أميرُ المدينة - سريرٌ آخرُ أصغر من سريره، فيَجلس عليه عبد الله بن عباس إذا دخل، وتُوضَع الوَسائد فيما سِوَى ذلك، فأذن مروان يوماً للناس، وإذا سريرٌ آخر قد أُحدِث تِجَاه سَرير مَرْوان، فأقبل ابنُ عباس فجلس على سريره، وجاء عبدُ الله بن الزّبير فجلس على السرير المُحدَث، وسَكت مروانُ ،والقوم ، فإذا يَدُ ابن الزبير تتحرّك فعلم أنه يريدُ أن يَنطِق، ثمّ نَطَق فقال : إنّ ناساً يزعمون أنّ بَيْعةَ أبي بكر كانت غَلَطاً وفَلْتة ومغالبة، ألا إنّ شأن أبي بكر أعظم من أن يقال فيه هذا، ويزعمون أنه لولا ما وقع لكان الأمر لهم وفيهم والله ما كان من أصحاب محمد صلی الله علیه وآله وسلم أثبَتَ إيماناً، ولا أعظَمَ سابقةً من أبي بكر ، فمَنْ قال غير ذلك فعليه لعنة الله ! فأين هم أبو بكر لعمر، فلم يكن إلا ما قال، ثمّ ألقى عمرُ حظهم في حظوظ، وجدَّهم في حدود، فقسّمت تلك الحظوظ ، فأخّر الله سَهْمَّهم، وأدحض جدهم، وولي الأمر عليهم من كان أحق به منهم، فخرجوا عليه خروج اللصوص على التّاجر خارجاً من القرية، فأصابوا منه غِرَّة فقتلوه ثم قَتَلهم الله به قِتلة، وصاروا مطرُودين تحتَ بُطون الكواكب.فقال ابنُ عبّاس: على رِسلك أيها القائل في أبي بكر وعُمَر والخلافة، أما والله ما نالا ولا نال أحدٌ منهما شيئاً إلا وصاحبنا خيرٌ ممن نالا، وما أنكَرنا تقدّم من تقدّم لعيب عِبْناء عليه، ولو تقدم صاحبُنا لكانَ أهلاً وفوقَ الأهل، ولولا أنّك إنما تَذكُر حَظِّ غيرك وشَرف امرىءٍ سواك لكلّمتك ، ولكن ما أنتَ وما لا حظّ لك فيه ! اقتَصِر على حَظِّك ، ودَعْ تَيْماً لِتَيْم، وعَدِيًّا لَعَدِيّ، وأُميّة لأمية، ولو كلّمني تيمي أو عدويِّ أو أُمَوِي لكلّمته وأخبرتُه خبرَ حاضرٍ عن حاضر، لاعَدَوِيٌّ خبرَ غائب عن غائب، ولكن ما أنت وما ليس عليك فإن يكن في أسدِ بنِ عبدِ العُزّى شيء فهو لك، أما والله لنحنُ أقرب بك عهداً، وأبيض عندك يداً، وأوفر عندك نعمة ممن أمسيت تَظُنّ أنّك تصول به علينا وما أخلق ثوب صفية بعدا والله المستعان على ما تصفون . أوصى معاوية يزيد ابنه لمّا عَقَد له الخلافة بعده فقال: إنّي لا أخاف عليك إلا ممّن
أوصِيك بحِفظ قرابتِه ورِعاية حقّ ،رَحمه منَ القلوبُ إليه مائلة، والأهواءُ نحوه جانحة، والأعيُن إليه طامحة، وهو الحُسين بنُ عليّ، فاقسِم له نصيباً من حِلْمك، واخصُصه بقِسط وافر من مالك، ومتعه بروح الحياة، وأبلغ له كلّ ما أحَبّ في أيّامك، فأما من عداه فثلاثة وهم عبدُ الله بنُ عمر رجلٌ قد وقذته العِبادة، فليس يريدُ الدنيا إلا أن تجيئه طائعةً لا تراقُ فيها محجمةُ دَم وعبدُ الرحمن بنُ أبي بكر، رجل هِقلٌ لا يحمل ثقلاً، ولا يستطيع نهوضاً، وليس بذي هِمّة ولا شَرَف ولا أعوان وعبدُ الله بن الزّبير وهو الذئب الماكر، والتّعلب الخاتِر، فوجِّه إليه جِدَّك وعَزْمَك ونَكيرك ومكرك، واصرِف إليه سَطوتك، ولا تثِق إليه في حال، فإنه كالتّعلب، راغَ بالخثل عند الإرهاق والّليث صالَ بالجراءة عند الإطلاق، وأما ما بعدَ هؤلاء فإني قد وقأت لك الأمم، وذلّلت لك أعناقَ المنابِر ، وكفَيْتُك مَن قَرُب منك، ومَن بَعُد عنك : فكن للنّاس كما كان أبوك لهم يكونوا لك كما كانوا لأبيك .خَطَب عبدُ الله بن الزبير أيام يزيد بن معاوية فقال في خطبته : يزيد القُرود، يزيد الفُهود، يزيد الخمور، يزيد الفُجور! أما والله لقد بلغني أنه لا يزال مخموراً يخطُب الناس وهو طافِحٌ في سُكره. فبلغ ذلك يزيد بن معاوية، فما أمسَى ليلتَه حتّى جهّز جيش الحرّة، وهو عشرون ألفاً، وجلس والشُّموعُ بين يديه، وعليه ثيابٌ مُعصفَرة والجنود تُعرض عليه ليلاً، فلما أصبح خرج فأبصَر الجيش، ورأى تَعبيَتَه فقال :أبلغ أبا بكر إذا الجيش النبَرى*** وأخَذَ القومُ عَلَى وادي القُرَىعشرين ألفاً بين كَهْلٍ وفَتَى*** أَجَمْعَ سَكْرانَ مِن القوم ترَىأم جَمْع ليث دونه ليث الشرىلمّا خرج الحسينُ علیه السلام من مكّة إلى العراق ضرَب عبد الله بن عباس بيَدِه على منكب ابنِِ الزّبير، وقاليَا لَكَ من قُبَّرة بمعمر خلالَكِ الجو فبِيضِي واصْفِرِي(1)ونَقْرِي ما شئت أن تُنَقِّرِي هذا الحسين سائر فأبشريخلا الجوُّ والله لك يابن الزبير! وسار الحسين إلى العراق، فقال ابنُ الزبير : يابن عباس ،والله ما تَرَوْن هذا الأمر إلّا لكم ولا ترون إلا أنكم أحق به من جميع الناس، فقال ابنُ عباس :
1) القُبْرَة : طائر . القاموس، مادة (قبر).
إنما يرى مَن كان في شكّ، ونحن من ذلك على يَقِين ولكن أخبِرني عن نفسك، بماذا تَرُوم هذا الأمر؟ قال : بِِشرَفي، قال : وبماذا شَرُفْتَ إن كان لك شرَف؟ فإنما هو بنا، فنحن أشرَف منك، لأنّ شرفَك مِنّا . وعلَتْ أصواتُهما، فقال غلام من آل الزبير : دَعْنا منك يابن عباس، فوالله لا تُحبُّونَنَا يا بني هاشم ولا نُحبّكم أبداً ، فلَطَمه عبد الله بن الزبير بيده وقال: أتتكلِّم وأنا حاضر! فقال ابنُ عبّاس: لم ضربت الغلامَ ، والله أحقُّ: بالضّرب منهُ مَن مَزَق ومَرَق ، قال : ومَن هو ؟ قال : أنت .قال : واعترض بينهما رجالٌ من قُريش فأسكتوهما .دخل عبدُ الله بنُ الزبير على معاوية، فقال : اسمع أبياتاً قلتها عاتبتُك فيها، قال: هاتِ، فأنشَدَه :لعمرِيَ ما أَدْرِي وإنِّي لأوْجَلُ على أينا تغدو المنية أوّلوإني أخوك الدّائمُ العَهْدِ لم أَزَل إن أعياكَ خَصْمٌ أو نبا بكَ مَنزلُأحارِبُ من حاربت من ذي عداوة*** وأحبس يوماً إن حبست فأعقِلُوإن سؤتني يوماً صَفَحتُ إلى غدٍ ليعقب يوم منك آخر مُقبلُستقطع في الدّنيا - إذا ما قَطَعتني - يمينك، فانظر أي كفِّ تبدَّلُا!إذا أنت لم تُنصف أخاك وجدتَه*** على طرف الهجران إن كان يعقِلُویركَب حدَّ السيف من أن تضيمَه*** إذا لم يكن عن شفرة السّيف مَعدِلُوكنتُ إذا ما صاحبٌ مَل صحبتي وبدل شرًا بالذي كنتُ أفعَلُقلبْتُ له ظَهْرَ العِجَنُ ولم أُقِمْ على الضيم إلا ريثما أَتَحَوَّلُوفي الناس إن رنّتْ حِبالُك واصّلٌ*** وفي الأرض عن دار القلى متحوَّلُ(1)إذا انصرفَتْ نفسي عن الشيء لم تكَد*** إليه بوجه آخر الدهر تقبلُفقال معاوية : لقد شعَرتَ بعدي يا أبا خُبَيب! وبينما هما في ذلك دخل معنُ بن أوس المُزَنيّ، فقال له معاوية : إيه! هَلْ أحدثت بعدنا شيئاً؟ قال: نعم، قال: قل، فأنشد هذه الأبيات، فعجب معاوية وقال لابن الزبير : ألم تنشدها لنَفسك آنفاً ! فقال: أنا سوّيت المعاني ألف الألفاظ ونَظَمها، وهو بعد ظري، فما قال من شيء فهو لي - وكان ابن الزبيرمستوضعاً في مُزَيَّنة - فقال معاوية : وكَذِباً يا أبا خبيب ! فقام عبد الله فخرج.مستوضعاً
1) القلى : البغض . اللسان، مادة (قلو).
وقال الشعبيّ : فقد رأيت عجباً بفناء الكَعبة أنا وعبد الله بن الزبير وعبدُ الملك بن مروان ومصعب بن الزبير، فقام القوم بعد ما فَرَغوا من حديثهم، فقالوا : ليَقُم كلُّ واحد منكم فليأخذ بالرُّكْن اليمانيّ، ثم يَسأل الله تعالى حاجته، فقام عبد الله بن الزبير فالتَزَم الرُّكْن وقال : اللّهم إنك عظيمٌ تُرجَى لكلِّ عظيم، أسألك بحُرمة وجهك وحُرمة عَرْشك وحرمة بيتك هذا، ألا تخرجني من الدنيا حتى الي الحجاز، ويسلم عليَّ بالخلافة، وجاء فجلس .فقام أخوه مصعب فالتزم الرّكْن وقال : اللّهمّ ربّ كلِّ شيء، وإليك مصيرُ كلّ شيء، أسألك بقُدرتك على كل شيء، ألا تُميتني حتى ألي العراق، وأتزوج سكينة بنت الحسين بن علي، ثمّ جاء فجلس .فقام عبد الملك فالْتَزم الركن وقال : اللّهمّ ربّ السماوات السبع، والأرض ذات النبت والقَفْر ، أسألك بما سألك به المطيعون لأمرك، وأسألك بحق وجهك، ويحقك على جميع خلقك، ألّا تميتني حتى الي شرق الأرض وغربها ، لا يُنازِعني أحد إلا ظهرت عليه، ثم جاء فجلس.فقام عبد الله بنُ عمرَ فأخذ بالرّكن وقال: يا رحمن يا رحيم أسألك برحمتك الّتي سبقت غَضبك، وبقدرتك على جميع خلقك، ألا تميتَني حتى توِجبَ لي الرّحمة .قال الشّعبيّ : فوالله ما خرجتُ من الدّنيا حتى بلغ كلّ من الثلاثة ما سأل وأخلق بعبد الله ب- أن تجاب دعوته، عمر وأن يكون من أهل الرحمة.قال الحجاج في خطبته يوم دخل الكوفة: هذا أدب ابن نهية أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب.قال ابن ماكولا في كتاب الإكمال :«يعني مُصعب بن الزبير وعبد الله أخاه، وهي نهية بنتُ سعيد بن سهم بن مُصَيْصٍ، وهي أم ولد أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ»، وهذا من المواضع الغامضة .وروى الزبير بن بكَار في كتاب أنساب قريش قال : قَدِم وفدٌ من العراق على عبد الله بن الزبير، فأتوه في المسجد الحرام، فسلّموا عليه، فسألهم عن مصعب أخيه وعن سيرته فيهم، فأثنوا عليه وقالوا : خيراً، وذلك في يوم جمعة، فصلى عبد الله بالناس الجمعة، ثمّ صَعِد المنبر، فحمد الله ثم تمثّل :قد جَرَّبوني ثمَّ جَرَّبونی*** من غَلْوَتَيْنِ ومن المتينحتى إذا شابوا وشيبوني*** خلواعِناني ثمَّ سَيَّبونيأيّها الناس إني قد سألتُ هذا الوفد من أهل العراق عن عاملهم مصعب بن الزبير فأحسنوا الثناء عليه، وذكروا عنه ما أحبّ ألا إن مصعباً أطبى القلوب حتى لا تعدل به والأهواء حتى لا
تَحُول عنه، واستمال الألسُن بثنائها، والقلوب بنصائحها، والأنفس بمحبّتها وهو المحبوب في خاصّته، المأمونُ في عامّته، بما أطلق الله به لسانه من الخير وبَسَط به يديه من البذل، ثم نزل.وروى الزّبير قال : لما جاء عبد الله بن الزبير نعيُ المصعب صَعِد المنبرَ فقال : الحمدُ الله الّذي له الخَلْق والأمر، يؤتي المُلْك من يشاء، ويَنزع المُلك ممّن يشاء، ويُعزّ من يشاء، ويُذلّ من يشاء، ألا وإنّه لم يُذلل الله من كان الحقّ معه ولو كان فَرْداً ، ولم يُعزّز الله وليَّ الشَّيطان وحِزبه وإن كان الأنام كلهُّم معه، ألا وإنه قد أتانا من العراق خبرٌ أحزَنَنَا وأَفَرَحَنا ، أتانا قتلُ المصعب رحمه الله، فأمّا الذي أحزَنَنا فإنّ لفِراق الحميم لذعة يَجِدها حميمُه عند المصيبة، ثم يَرْعَوِي بعدها ذو الرأي إلى جميل الصبر وكرم العزاء، وأما الذي أفرَحَنا فإن قتله كان عن شهادَة، وأنّ الله تعالى جعل ذلك لنَا وله ذخيرة. ألا إنّ أهل العراق، أهل الغَدر والنِّفاق، أسلَموه وباعوه بأقل الثمن، فإن يُقتل المصعب فإنا لله وإنا إليه راجعون ما نموت جَبْحاً كما يموت بنو العاص، ما نموتُ إلا قتلاً قعصاً ،بالرماح وموتاً تَحتَ ظِلال السيوف، ألا إنّما الدنيا عارية من الملك الأعلى الذي لا يزول سلطانه ولا يبيد، فإن تُقبل الدنيا علي لا آخذها أخذ الأشر البطر، وإن تُدبر عنّي لا أبكي عليها بكاءَ الخَرِفِ المهر، وإِن يُهلك المُصعَب فإنّ في آل الزبير لخلفاً .ثم نزل .وروى الزّبير بن بكّار قال : خَطب عبدُ الله بنُ الزّبير بعد أن جاءه مقتل المُصعب، فَحمِد الله ، وأثنى عليه ثمّ قال: لئن أصبتُ بمصعب فلقد أصبت بإمامي عثمان، فعظمت مصيبته، ثم أحسن الله ،وأجمل ولئن أصبت بمُصعَب فلقد أصبت بأبي الزبير، فعظمت مُصيبته، فظننتُ أنّي لا أجِيزها، ثم أحسَن الله وسلّم، واستمرّت مريرتي وهل كان مُصعَب إِلَّا فتّى من فِتْياني ! ثم غلبه البكاء فسالت دموعه وقال : كان والله سَرِيًّا مَرِيَّا، ثم قال :همُ دَفَعوا الدنيا على حين أعرَضت ***كراماً وسَنُوا للكرام التأسِّيَاوروى أبو العباس في الكامل أنَّ عروة لما صُلب عبد الله جاء إلى عبد الملك فوَقَف ببابه ، وقال للحاجب : أعْلِم أمير المؤمنين أنّ أبا عبد الله بالباب فدخل الحاجب فقال : رجلٌ يقول قولاً عظيماً . قال : وما هو ؟ فتهيب فقال : قل . قال : رجل يقول : قل لأمير المؤمنين : أبو عبد الله بالباب فقال عبد الملك : قل لعرُوةَ يدخُل ، فدخل فقال : تأمر بإنزال جيفة أبي بكر فإنّ النساءَ يَجْزِعْن، فأمر بإنزاله . قال : وقد كان كتب الحجاج إلى عبد الملك يقول : إنّ خزائن الله عند عُزوة، فمزه فليُسلّمها ، فدَفَع عبد الملك إلى عروة، وظن أنه يتغير، فلم يحفل بذلك كأنه ما قرأه، فكتب عبد الملك إلى الحجاج ألا يعرض لعُروة.
ومن الكلام المشهور في بُخْل عبد الله بن الزّبير الكلام الذي يُحكَى أن أعرابيَّا أتاه يَستَحمله، فقال : قد نَقَبَ خُفٌ راحِلَتي فاحملني إني قطعتُ الهواجر إليك عليها ، فقال له : ارْقَعُها بِسبت واخصفها بهلب، وأنجذ بها ، وسِرْ بها البردين فقال : إنما أتيتك مستحملاً، آتِك مستوصِفاً ، لعن الله ناقة حملتني إليك، قال: إنَّ وراكبها .وهذا الأعرابي هو فَضالة بن شريك، فهجاه فقال :أرى الحاجات عند أبي حُبَيْبِ ***نَكِدن ولا أُمَيّة بالبلادمن الأعياص أو من آلِ حَرْب ***أغرّ كفرة الفرس الجواددخل عبدُ الله بن الزبير على معاويةَ فقال : يا أمير المؤمنين لا تدعَنّ مروانَ يرمي جماهيرَ قُريش بمَشاقِصه(1، ويَضْرِب صَفاتَهم بمعوله. أما والله إنه لولا مكانك لكان أخفّ على رقابنا من فَراشَة، وأقلّ في أنفسنا من خُشاشة، وايمُ الله ليْن مَلَك أعِنّة خيْل تَنقاد له لتركبن منه طبقاً تخافه .)فقال معاوية : إن يطلب مروان هذا الأمر فقد طَمِع فيه مَن هُوَ دونه، وإنْ يتركه يتركه لمن فوقَه، وما أراكم بمنتهين حتى يبعث الله عليكم من لا يعطف عليكم بقرابة، ولا يَذكركم عند ملمة، يسومكم خَسْفاً ، ويَسُوقُكم عَسْفاً .فقال ابن الزبير : إذن والله يطلق عقال الحزب بكتائب تَور كرجل الجراد، تتبع غظريفاً من قُرَيش لم تكن أمُّه راعيةَ ثّلة . فقال معاوية : أنا ابن هند، أطلقتُ عقال الحزب، فأكلت ذروة السَّنام، وشرِبتُ عُنْفُوان المكرّع وليس للأكل بعدي إلا الفَلذة ولا للشارب إلا الرنق . فسكت ابنُ الزبير .قدم عبد الله بنُ الزّبير على معاوية وافداً، فرحب به وأدناه حتّى أجلسَه على سريره، ثم قال : حاجتك أبا حُبَيب! فسأله أشياء، ثم قال له : سَلْ غير ما سألت قال: نعم، المهاجرون والأنصار تَردُّ عليهم فينهم، وتحفظ وصيّة نبي الله فيهم، تقبل من محينهم، وتتجاوز عن مُسيئهم .فقال معاوية : هَيْهاتَ هَيْهات لا والله ما تأمن النّعجةُ الذِّئب وقد أكل أَلْيَتها.فقال ابنُ الزّبير : مَهْلاً يا معاوية فإنّ الشاةَ لتدرّ للحالب وإنّ المُذية في يده، وإنّ الرجل الأريب ليُصانع ولده الذي خرج من صلبه، وما تدور الرحى إلا بقطبها ، ولا تصلح القَوسُ إلابمَعْجِها .
1) المشقص : نصل السهم إذا كان طويلاً غير عريض. اللسان، مادة (شقص).
فقال : يا أبا حُبَيب، لقد أجررت الطرُوقة قبل هباب الفَحْل هيهات وهي لا تصطكّ لحبائها اصطكاك القروم السوامي.فقال ابنُ الزبير : العطن بعد العلّ، والعلّ بعد النَّهَل، ولا بدّ للرّحاء من الثّقال ثمّ نهض ابنُالزبير .فلما كان العشاء أخذتْ قُريش مجالسَها، وخرج معاويةُ على بني أميّة فوجد عمرو بنَ العاص فيهم ، فقال : ويَحكُم يا بني أميّة! أفيكم من يَكفيني ابنَ الزبير ؟ فقال عمرو : أنا أكفيكَه يا أمير المؤمنين قال: ما أظنُّك تفعل ؟ قال : بلى والله لأربدَنَ ،وجهَه، ولأخرِسَنَ لسانه،ولأردنّه ألين من خميلة .فقال : دونَك فاعرض له إذا دخل فدخل ابنُ الزبير - وكان قد بلغه كلام معاوية وعمرو - فجلس نصب عيني عمرو، فتحدثوا ساعة ثمّ قال عمرو :وإني لنارٌ ما يطاقُ اصطلاؤها*** لدَيَّ كلامٌ مُعضِلٌ مُتفاقِمُفأطرق ابن الزبير ساعةً ينكُتُ في الأرض، ثمّ رفع رأسه وقال:وإني لبَحْرُ ما يُسامَى عُبابه*** مَتَى يَلْق بَحرِي حر نارِك يَحْمُدفقال عمرو : والله يابن الزّبير إنك ما علمت لمتجلبب جلابيبٌ الفتنة، متأزَّر بوصائل التيِّه ، تتعاطى الذَّرَا الشاهقة، والمَعالي الباسقة. وما أنت من قريش في لباب جوهرها ولا مؤنقحسبها !فقال ابن الزبير : أما ما ذكرت من تعاطي الذرا فإنّه طال بي إليها وسما ما لا يطول بك مِثلُه : أَنْفٌ حِمي، وقَلْبٌ ذَكِيّ ، وصارمٌ مَشرَفي، في تَلِيدٍ ،فارع، وطريف مانع، إذ قعد بك انتفاخ سَحْرك ، ووَجِيبُ قَلبِك . وأما ما ذكرت من أني لستُ من قريش في لباب جَوْهَرِها . ومؤيق حَسَبها ، فقد حضرَتْني وإياك الأكفاء العالمون بينی وبيك، فاجعلهم بيني وبينك .فقال القوم : قد أنصفَك يا عمرو، قال: قد فعلت.فقال ابن الزبير : أما إذ أمكَننَي الله منك فلا ريدَنّ وجهَك، ولأخرِسن لسانَك ولترجعنّ في هذه الليلة، وكأن الّذي بين مَنكِبَيك مشدود إلى عُروقِ أخدَعَيْك ، ثمّ قال : أقسمت عليكم يا معاشر قريش، أنا أفضلُ في دين الإسلام أم عمرو؟ فقالوا : اللهمّ أنت قال : قأبي أفضلُ أم أبوه؟ قالوا : أبوك حواري رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وابن عمّته قال: فأمي أفضل أم أمه ، قالوا : أمّك أسماء بنت أبي بكر الصديق، وذات النطاقين، قال: فعمّتي أفضل أم عمته؟ قالوا : عمّتك سلمى ابنة العوام صاحبة رسول الله أفضلُ من عمته ، قال : فخالتي أفضل أم خالته؟ قالوا : خالتك عائشة أم المؤمنين، قال: فجدتي أفضل أم جدته، قالوا : جدتك صفية بنتُ
عبد المطلب عمّة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، قال : فجدي أفضلُ أَمْ جَدُّه؟ قالوا : جدك أبو بكر الخليفة بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فقال :قَضَت الغَطارف من قُريش بيننا*** فاصبر لفَصل خصامها وقضائهاوإذا جَرَيْتَ فلا تَجارِ مبرِّزا ***بذالجياد على احتفال جرائهاأما والله يابن العاص، لو أن الذي أمَرَك بهذا واجهني بمِثْله لقصّرت إليه من سامي بصره، ولتركته يتلجلَج لسانه، وتضطرم النار في جوفه، ولقد استعان منك بغير وافٍ ولجأ إلى غير كافٍ، ثم قام فخرج.وذكر المسعوديّ في كتاب مُرُوج الذهب أنّ الحجّاج لما حاصر ابن الزبير لم يزل يزحَف مَلَك الجبل المعروف بأبي قُبَيس، وقد كان بيدِ ابن الزبير، فكتَب بذلك إلى عبد الملك، فلما قرأ كتابه كبّر وكبّر من كان في داره حتى اتّصل التكبير بأهل السّوق، فكبَّروا، وسأل الناسُ ما الخبر؟ فقيل لهم : إن الحجاج حاصَرَ ابن الزبير بمكة، وظفر بأبي قُبيس، فقال الناس : لا ترضى حتى يُحمّل أبو حبيب إلينا مكبلاً على رأسه بُرْنُس، راكب جمل، يُطاف به في الأسواق، تراه العيون.وذكر المسعوديُّ أنّ عمة عبد الملك كانت تَحت عروة بن الزبير، وأن عبد الملك كتب إلى الحجّاج يأمره بالكفّ عن عُروة ، وذلك قبل أن يقتل عبد الله وألا يسوءه إذا ظفر بأخيه في ماله ولا في نفْسِه، قال: فلما اشتد الحصار على عبد الله خرج عُروة إلى الحجاج فأخذ لعبد الله أماناً ورَجع إليه ، فقال : هذا عمرو بن عثمان وخالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وهما فتيا بني أميّة يُعطيانك أمان عبد الملك ابن عمّهما على ما أحدثتَ أنتَ ومن معك، وأن تنزل أيّ البلادِ شئت، ولك بذلك عهد الله وميثاقُه، فأبَى عبدُ الله قبول ذلك، ونهَتْه أُمّه وقالت : لا تموتَنَ إِلَّا كَرِيماً ، فقال لها : إني أخاف إنْ قُتِلتُ أن أصلَبَ أو يمثل بي، فقالت : إنّ الشاة بعد الذبح لا تُحِس بالسِّلْخ.وروى المسعوديُّ أنّ عبد الله بن الزّبير بعد موت يزيد بن معاوية طَلَب مَن يؤمِّره على الكوفة، وقد كان أهلها أحَبّوا أن يليهم غير بني أمية، فقال له المختار بن ُأبي عُبَيد : اطلُب رجلاً له رفق وعلم بما يأتي وتدبَّر قوله إياها يستخرج لك منها جنداً تغلب به أهل الشام، فقال : أنت لها، فبعثه إلى الكوفة، فأتاها وأخرج ابن مطيع منها ، وابتنى لنفسه داراً، وأنفق
عليها مالاً جليلاً، وسأل عبد الله بن الزبير أن يحتسب له به من مال العراق، فلم يفعل، فخلعه وحَجَد بَيَعتَه، ودعا إلى الطالبيِّين .قال المسعوديّ : وأظهَر عبدُ الله بن الزبير الزّهدَ في الدّنيا، وملازمةَ العبادة، مع الحِرص على الخلافة وشَبْرِ بَطْنه ، فقال : إنما بَطْني شبر، فما عَسَى أَن يَسَع ذلك الشَّبْرا وظهر عنه شُحٌ عظيم على سائرِ الناس، ففي ذلك يقول أبو حمزة مولى آل الزّبير :إن الموالي أمست وهي عاتبةً*** على الخليفةِ تَشكُو الجوع والحَرَبَاماذا علينا وماذا كان يرزونا*** أي الملوك على ما حولنا غلبا !وقال فيه أيضاً :لو كان بطنك شبراً قد شَبعتَ وقد*** فضَلْتَ فَضْلاً كثيراً للمساكينما زلت في سورة الأعراف تَدرُسها حتى فؤاديَ مِثل الخز في الدِّينِوقال فيه شاعرٌ أيضاً، لمّا كانت الحرب بينه وبين الحصين بن نمير قبل أن يموت يزيدُ بنُ معاوية :فيا راكباً إمّا عَرَضْتَ فبَلِّغن كبير بَني العَوامِ إنْ قيلَ مَن تَعْنيتُخبر مَنْ لاقيت أنك عائدذٌ*** وتُكثِرُ قَتلى بين زمزم والرُّكنِوقال الضَّحَّاكُ بن فيروز الديلمي :تخبِّرنا أن سوف تكفِيكَ قبضةٌ*** ويَطئُكَ شِبْر أو أقل من الشبروأنتَ إذا ما نلت شيئاً قضَمْتَه*** كما قَضَمَتْ تارُ الغَضَا حَطب السِّدرِث فلو كنتَ تَجزِي أو تُثيب بنعمةٍ*** قريباً لرَدْتُك العطوف على عمرو.قال : هو عَمرو بن الزبير أخوه، ضَرَبَه عبد الله حتى مات وكان مبايناً له.كان يزيدُ بنُ معاويةَ قد وَلّى الوليد بن عُتْبَةَ بن أبي سُفْيان المدينة، فسَرّح الوليد منها جَيْشاً إلى مكة لحرب عبد الله بن الزبير عليه عمرو بن الزبير، فلمّا تصاف القومُ انهزم رجالُ عَمرو وأسلموه، فظفر به عبد الله، فأقامه للنّاس بباب المسجد مجرَّداً ، ولم يَزَل يَضربه بالسياط حتى مات .وقد رأيتُ في غير كتاب المسعودي، أنّ عبد الله وجد عَمْراً عند بعض زَوْجاته، وله في ذلك خبرٌ لا أُحِبُّ أن أذكره .قال المسعوديّ : ثم إنّ عبدَ الله بن الزبير حَبَس الحسن بن محمد بن الحنفية في حَبْس
مظلم، وأراد قتله، فأعمل الحيلَة حتى تَخلَّص من السِّجن، وتعسّف الطريقَ على الجبال أتي مِنّي، وبها أبوه محمّد بن الحنفيّة .ثم إنّ عبد الله جمعَ بني هاشم كلّهم في سجن عارم، وأراد أن يُحرقهم بالنار، وجعل في فم الشِّعب حطباً كثيراً ، فأرسل المختارُ أبا عبد الله الجَدَليُّ في أربعة آلاف فقال أبو عبدِ لأصحابه : وَيُحكم! إن بلغ ابنَ الزبير الخبرُ عَجِّل على بني هاشم فأتى عليهم، فانتدب هو في ثمانمائة فارس جريدة ، فما شَعَر بهم ابن الزبير إلا والرايات تخفق بمكة، فَقَصد قَصْد الشعب، فأخرج الهاشميين منه ، ونادى بشعار محمد بن الحنفية، وسماه المهدي، وهرب ابنُ الزبير، فلاذَ بأستار الكعبة، فنهاهم محمد بن الحنفية عن طلبه وعن الحزب، وقال: لا أريد الخلافة إلا إن طلبني الناس كلهم، واتفقوا عليّ كلهم، ولا حاجة لي في الحرب.قال المسعوديّ : وكان عروة بن الزبير يعذر أخاه عبدَ الله في حَصر بني هاشم في الشِّعب، وجمعه الحَطَب ليُحرِقهم ويقول : إنّما أراد بذلك ألا تنتشر الكلمة، ولا يختلفَ المسلمون، وأن يدخلوا في الطّاعة، فتكونَ الكلمةُ واحدة، كما فَعَل عمر بن الخطّاب ببني هاشم لمّا تأخّروا عن بيعة أبي بكر، فإنه أحضَر الحطب ليُحرِّق عليهم الدار.قال المسعوديّ: وخطب ابنُ الزّبير يومَ قَدِم أبو عبد الله الجَدَلي قبل قدومه بساعتين، فقال : إنّ هذا الغلامَ محمد بن الحنفيّة قد أبى بيعتي، والمَوْعِد بيني وبينه أن تَعْرُب الشَّمس، ثمّ أضرِمَ عليه مكانَه ناراً، فجاء إنسانٌ إلى محمّد فأخبَرَه بذلك، فقال: سيمنعه مني حجابٌ قويّ، فجعل ذلك الرجلُ يَنظُر إلى الشَّمس، ويَرقُب غَيْبُوبَتِها لينظر ما يصنع ابن الزّبير، فلمّا كادت تَغرُب حاسَت خيل أبي عبد الله الجَدَلي دِيار مكّة وجعلت تَمعَج بين الصَّفا والمَرْوَة، وجاء أبو الجَدَليّ بنَفْسه ، فوَقَف على فم الشعب، واستَخرَج محمّداً، ونادى بشعاره، واستأذَنَه في قَتل ابن الزبير فكَرِه ذلك ولم يأذن فيه، وخرج من مكّة فأقام بشعب رضوَى حتّى مات.ورَوَى المسعوديُّ عن سَعيد بن جُبير، أنّ ابنَ عبّاس دخل على ابن الزبير فقال له ابنُ الزبير : إلامَ تؤنبني وتعنَّفني! قال ابنُ عبّاس: إنّي سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «بئس المرءُ المُسلِم يَشبَع ويَجوعُ جارُه !»(1، وأنتَ ذلك الرجل ، فقال ابنُ الزّبير : والله إنِّي لأكْتُم بُغضكم أهلَ هذا البيت منذ أربعين سنةً. وتَشاجَرَا، فَخَرَجَ ابنُ عبّاس من مكة، [خوفاً على نفسه]، فأقام بالطّائف حتّى مات.)
1) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان) (9537) ، بلفظ : ليس المسلم ... والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (628) بلفظ : المسلم الذي يشبع ويجوع جاره ليس بمؤمن .
ورَوى أبو الفَرَج الأصفهاني قال : أتى فَضَالة بن شَرِيك الوالبي ثمّ الأسديّ من بنی أسَد بن خُزَيمة عبدَ الله بن الزَّبير فقال : نَفِدتْ نَفقتي ونَقِبَتْ ناقتي فقال : أحضرنيها، فأحضرها، فقال : أقبل بها أدبر بها، ففعل، فقال: ارْقَعها بسبت واخصفها بهلْب، وأنجِد بها يَبرُد خُفّها، وسِر البَرَدَيْن تصح. فقال فضالة : إني أتيتُك مستحيلاً ، ولم آتِكَ مستوصِفاً ، فَلَعَن الله ناقةٌ حَمَلَتْني إليكَ ! فقال : إنّ وراكبَها ، فقال فضالة :أقول لِغلمةٍ شُدُّوا رِكابي أُجاوزُ بطن مكةَ في سَوادِفمالي حين أقطعُ ذاتَ عِرْقٍ إلى ابن الكاهلية من مَعَادِسيُبعِد بيننا نَصُ المَطايا*** وتعليق الأداوَى والمَزادِوكل معبد قد أعلمته ***مَناسِمُهُنَّ طلاع النجادِأرى الحاجات عند أبي حُبَيْبِ **نُكِدن ولا أمية باللادمن الأعياص أو من آلِ حَرْبٍ أغرّ كفرة الفرس الجَوادِقال : ابنُ الكاهليّة هو عبد الله بن الزّبير ، والكاهليّة هذه هي أمُّ خُوَيلد بن أسد بن عبدِ العُزَّى، واسمها زُهْرة بنت عمرو بن خَنثر بن رُوَيْنة بن هلال، من بني كاهِل بن أسد بن خزيمة - قال : فقال عبدُ الله بنُ الزَّبير لمَّا بَلغه الشِّعر : عَلِم أنّها شرُّ أمهاتي فعَيَّرني بها ، وهي خيرُ عمّاتِه .ورَوَى أبو الفَرَج :قال: كانت صفيّة بنتُ أبي عبيد بن مَسْعود الثَّقَفي تحتَ عبد الله بن عُمَر بن الخطّاب فمَشَى ابن الزّبير إليها فَذَكَر لها أن خروجَه كان غَضب الله عز وجل ولِرسوله صلی الله علیه وآله وسلم وللمهاجرين والأنصار من أثرَة مُعاوية وابنه بالفَيء، وسألَها مسألة زَوْجها عبد الله بن عمَر أن يبايعَه، فلمّا قدَمت له عشاء، ذكرت له أمرَ ابن الزبير وعِبادته واجتهاده، وأثنت عليه، وقالت : إنه ليَدعو إلى طاعة الله عزّ وجلّ وأكثَرت القولَ في ذلك، فقال لهَا : وَيُحكِ! أما رأيتِ البَغَلات الشهب التي كان يَحُجّ معاوية عليها، وتقدم إلينا من الشّام؟ قالت: بلى، قال: والله ما يريدُ ابنُ الزّبير بعبادَتِه غيرَهن !- 462 -الأصل: وقال علیه السلام : ما لابْنِ آدَمَ والْفَحْرُا اوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرِه جِيفَةٌ. لَا يَرْزُقُ نَفْسَهُ، ولا يَدْفَعُ حَتْفَهُ.
الشرح: قد تقدّم كلامنا في الفَخر، وذكرنا الشَّعرَ الَّذي أُخِذ من هذا الكلام، وهو قولُ القائل :ما بالُ مَن أوّلُه نُطفةً*** وجيفة آخره يفخرُيُصبح ما يملك تقديم ما **يَرجُو ولا تأخيرَ ما يَحذَرُ!### بعض ما قيل في الفخر وقبحهوقال بعضُ الحكماء : الفخر هو المُباهاة بالأشياء الخارجة عن الإنسان، وذلك نهايةُ الحَمق لمن نَظر بعين عقلِه، وانحسَرَ عنه ،قناع جهله، فأعراض الدُّنيا عاريَّة مستَردّة، لا يؤمن في كلّ ساعة أن تُرتَجَع ، والمُباهِي بها مُباء بما في غير ذاتِه .وقد قال لبعض مَن فخرَ بثروَته ووفره: إن افتخرتَ بفَرَسِك فالحسن والفرامة له دونَك، وإن افتخرتَ بثيابك وآلاتِك فالجمال لهما دُونَك، وإن افتخرتَ بآبائك وسلفك فالفضلُ فيهم لا فيك، ولو تكلّمت هذه الأشياء لقالَتْ لك : هذه محاسننا فما محاسنك !وأيضاً فإن الأعراض الدنيوية كما قيل : سحابةُ صَيف عن قليل تقَشَّع ، وظلِّ زائل عن قريبٍ يَضمحِلّ، كما قال الشاعر:إنما الدنيا كرُؤيا فرّحَتْ مَن رآها ساعة ثم انقَضَتْبل كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوة الدُّنْيَا كَمَا أَنزَلْتَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يأكل النَّاسُ والأَنْعَمُ حَى إِذا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَيَّلَتْ وَ أَهْلَهَا أَنهم قيرون عليها أنها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلتها حصيدًا كَأَن لَّمْ نَفْنَ بِالْأَمْس (1).)وإذا كان لا بدّ من الفخر فليفخر الإنسان بعلمه وبشَرِيف خُلُقه، وإذا أعجبك من الدّنيا شيءٌ فاذكر فناءَك وبقاءه، أو بقاءَك وفناءَه، أو فناءَ كما جميعاً، وإذا راقك ما هُوَ لك فانظر إلى قُرب خروجه من يَدِك، وبُعد رجوعه إليك، وطُول حسابك عليه وقد ذم الله الفخُور فقال: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (2))- 463 -الأصل: الْغِنَى والْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى الله تعالى.
الشرح: أي لا يُعَدّ الغنيّ غنيَّا في الحقيقة إلا من حَصَل له ثوابُ الآخرة الذي لا ينقطع أبداً، ولا يعدّ الفقير فقيراً إلا مَنْ لم يحصل له ذلك، فإنه لا يزال شقياً معذباً، وذاك هو الفقر بالحقيقة.فأما غِنَى الدنيا وفَقْرُها فأمران عَرَضيّان زوالهما سريع، وانقضاؤهما وشيك. وإطلاق هاتَين اللفظتين على مُسمّاهما الدّنيويّ على سبيلِ المجاز عند أرباب الطريقة أعني العارفين .- 464 -الأصل: وسُئِلَ عَنْ أشْعَرِ الشُّعرَاءِ ، فقال : إِنَّ الْقَوْمَ لَيَجْرُوا فِي حَلَبَةٍ تُعْرَفُ الْغَايَةُ عِنْدَ قَصَبَتِها ، فإنْ كانَ ولا بُدَّ فالمَلِكُ الضَّلِّيلُ. قال: يُرِيدُ امْرَأ الْقَيْس.### مع علي بن أبي طالب علیه السلام حول أشعر الشعراءالشرح: قرأتُ في أمالي ابن دُرَيد قال : أخبرنا الجُرْمُوزي ، عن ابن المهلّبيّ، عن ابن الكلبي عن شدّاد بن إبراهيم، عن عبيد الله بن الحسن العَنبريّ، عن ابن عرادة، قال: كان عليّ بنُ أبي طالب علیه السلام يُعشَّي الناسَ في شَهْر رَمضان باللحم ولا يتعشّى معهم، فإذا فرغوا خَطَبَهِم ووعَظَهم، فأفاضوا ليلة في الشعراء وهم على عَشائهم، فلمّا فَرَفوا خَطبهم علیه السلام وقال في خُطبته : اعلموا أن ملاك أمركم الدِّين، وعِصْمَتكم التّقوى، وزيتكم الأدب، وحُصون أعراضكم الحلم، ثم قال : قل يا أبا الأسود فيم كُنتم تفيضون فيه ؟ أي الشعراء أشعر ؟ فقال : يا أمير المؤمنين الذي يقول :ولقد أغيدي يُدافع رُكني أعوجي ذو مَبْعَة إضرِيحُمِخْلَطٌ مِزْيَلٌ مِعَنْ مِفَنّْ** منفح مطرح سَبُوحٌ خَروجُيعني أبا دُواد الإياديّ، فقال علیه السلام: ليس به قالوا فمن يا أمير المؤمنين؟ فقال: لو رفعت للقوم غايةٌ فجرَوْا إليها معاً عَلمُنا من السابقُ منهم، ولكن إن يكن فالذي لم يَقُل عن رَغْبة ولا رهبة. قيل : من هو يا أمير المؤمنين؟ قال : هو المَلِك الضَّلِّيل ذو القُروح، قيل : امرؤ القيس يا أمير المؤمنين؟ قال : هو قيل : فأخبرنا عن ليلة القَدْر ؟ قال : ما أخلو من أن أكون أعلمها فأستُر علمها ، ولستُ أشك أنّ الله إنما يَستُرها عنكم نظراً لكم، لأنه لو أعلمكُموها عملتم فيها وتركتم غيرها، وأرجو أن لا تُخطئكم إن شاء الله ، انهَضوا رَحِمَكم الله .وقال ابن دريد لما فرغ من الخبر: إضرِيج : ينبثق في عَذوه وقيل واسعُ الصَّدر ومنفح:
يُخرج الصَّيد من مَواضِعه ومطرَح :يطرح ببَصَره. وخَروج : سابقٌ. والغاية بالغين المعجمة: الرّاية، قال الشاعر :وإذا غايةً مجد رُفعتُ ***نَهَض الصلت إليها فحواهاويروى قولُ الشّماخ :إذا ما رايةً رُفعت لمجد تلقاها عَرابةُ باليَميبالغَيْن، والرّاء أكثر فأما البيت الأوّل فبالغين لا غير، أنشده الخليل في عَروُضه، وفي حديث طويل في الصحيح: «فيأتونكم تحت ثمانين غايةً، تحت كلِّ غاية اثنا عشر ألفاً »(1. والمَيْعة : أوّل جَرْيِ الفَرَس ، وقيل : الجري بعد الجري.)### اختلاف العلماء في تفضيل بعض الشعراء على بعضوأنا أذكرُ في هذا المَوضع ما اختلف فيه العلماء من تَفضيل بعض الشعراء على بعض ،وأبتدىء في ذلك بما ذَكَره أبو الفرج عليُّ بن الحسين الأصفَهاني في كتاب الأغاني.قال أبو الفَرَج :الثلاثة المقدَّمون على الشعراء امرؤ القيس، وزُهير، والنابغة، لا اختلاف في أنَّهم مقدَّمون على الشعراء كلّهم، وإنما اختلف في تقديم بعض الثلاثة على بعض.قال: فأخبرني أبو خليفة، عن محمد بن سلام، عن أبي قبيس، عن عكرمة بن جَرير، عن أبيه، قال: شاعرُ أهل الجاهليّة زهير .قال: وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجَوهريّ، قال: حدثني عمرُ بنُ شبّة، عن هارون بن عمر، عن أيوب بن سُوَيد، عن يحيى بن زياد عن عمر بن عبد الله الليثي، قال: قال عمرُ بنُ الخطاب ليلة في مسيره إلى الجابية : أين عبد الله بن عبّاس؟ فأتي به، فشكا إليه تخلف علي بن أبي طالب علیه السلام عنه . قال ابن عبّاس : فقلتُ له : أو لم يعتذر إليك؟ قال: بلى، قلت: فهو ما اعتذر به قال: ثم أنشأ يحدّثني فقال: إن أوّل من رائكم عن هذا الأمر أبو بكر، إن قومكم كَرِهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوة. قال أبو الفَرَج: ثمّ ذكر قصّة طويلةً ليست من الباب فكرهتُ ذكرها ثمّ قال : يابن عبّاس، هل تروي لشاعر الشّعراء؟ قلت : ومَن هو ؟ قال : وَيْحَك شاعرُ الشعراء، الذي يقول :فلو أن حَمْداً يُخْلِدُ النَّاسِ خُلدوا ولكن حَمْد النّاس ليس بمخلِدِفقلتُ : ذاك زُهَير ، فقال : ذاك شاعرُ الشّعراء، قلتُ : وبم كان شاعرَ الشّعراء؟ قال : إنه كان لا يُعاظِل الكلام ويتجنّب وحشيه ولا يمدح أحداً إلّا بما فيه .
1) أخرجه البخاري، كتاب: الجزية باب ما يحذر من العذر (3176) ، وابن ماجه، کتابالفتن باب: أشراط الساعة (4042) ، وأحمد في مسنده) (16385).
قال أبو الفرج: وأخبرني أبو خليفة قال : قال ابن سلاّم: وأخبرني عمرُ بنُ موسى الجمحي، عن أخيه قدامة بن موسى - وكان من أهلِ العِلم - أنه كان يقدم زُهَيراً ، قال : فقلتُ له : أيُّ شعره كان أعجب إليه ؟ فقال : الذي يقول فيه :قد جَعَل المُبْتَغُون الخيرَ في هَرِم*** والسائلون إلى أبوابه طرقَاقال ابن سَلاّم :وأخبَرني أبو قيس العَنبريّ - ولم أرَ بَدَوِيًّا يفي به - عن عكرمة ابن جرير، قال : قلت لأبي : يا أبت من أشعر الناس؟ قال: أعَن أهل الجاهلية تسألني، أم عن أهل الإسلام؟ قال : قلتُ : ما أردت إلا الإسلام، فإذا كنتَ قد ذكرت الجاهلية فأخبرني عن أهلها ، فقال زهير أشعرُ أهلِها قلت فالإسلام؟ قال : الفرزدق نَبعة الشَّعر، قلت: فالأخطل، قال: يُجيدُ مَدح الملوك، ويصيب وصف الخمر ، قلت : فما تركت لنفسك؟ قال : إني نَحرت الشعرنَحْراً .قال : وأخبرني الحسن بن علي قال : أخبرنا الحارثُ بن محمد عن المدائنيّ، عن عيسى بن یزید، قال: سأل معاويةُ الأحنف عن أشعَر الشعراء؟ فقال زهير ، قال : وكيف ذاك؟ قال : ألقى على المادحين فضول الكلام، وأخذ خالصه ،وصفوته قال مثل ماذا؟ قال : مثل قوله :وما يك من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائِهِمْ قَبْلُوهل يُنبتُ الخَطي إلا وَشِيجُهُ وتُغرس إلا في منابتها النّخلُ !(1)قال: وأخبرني أحمدُ بن عبد العزيز، قال: حدّثنا عمرُ بنُ شبّة، قال: حدثنا عبدالله بن عمرو القيسيّ قال : حدثنا خارجة بنُ عبد الله بن أبي سفيان عن أبيه، عن ابن عباس قال : خرجتُ مع عمر في أول غزاة غزاها، فقال لي ليلة : يابن عباس أنشدني لشاعر الشعراء، قلتُ : مَن هو ؟ قال : ابن أبي سلمى. قلتُ : ولم صار كذلك؟ قال: لأنه لا يَتْبَعَ حُوشيَّ الكلام، ولا يُعاظِل (2في منطقه، ولا يقول إلا ما يعرف ولا يمدح الرجل إلا بما فيه أليس هو الذي يقول :)إذا ابتدرَتْ قيس بن عيلان غايةٌ ***إلى المجد مَنْ يَسْبِقُ إليها يُسَوَّدِسَبَقتُ إليها كل طَلْقٍ مبرز سَبوق إلى الغايات غير مُزَندِ:قال أي لا يحتاج إلى أن يجلد الفرس بالسَّوط .كفعل جَواد يسبق الخيل عَفْوُه الس سراع وإن يَجهَد وَيَجْهَدْنَ يَبْعُدِفلو كان حمداً يخلد الناس لم تَمُتْ ***ولكن حمد النّاس ليس بمُخلِدِ
أنشدني له فأنشدته حتى بَرَق الفَجْر ، فقال : حسبُك الآن اقرأ القرآن قلت ما أقرأ؟ قال : الواقعة، فقرأتها، ونَزَل فأذّن وصَلَّى.وقال محمد بن سلام في كتاب «طبقات الشعراء»: دخل الحطيئة على سعيد بن العاص متنكراً، فلما قام الناسُ وبقي الخواصّ أراد الحاجبُ أن يقيمَه، فأبى أن يقوم، فقال سعيد: دعه، وتذاكروا أيام العرب وأشعارها، فلما أسهبوا قال الحطيئة : ما صنعتم شيئاً، فقال سعيد : فهل عندك علم من ذلك؟ قال: نعم ، قال : فمن أشعرُ العَرَب؟ قال: الذي يقول :قد جَعَل المُبْتَغون الخير في هَرِم والسائلون إلى أبوابه طُرقاقال : ثم من؟ قال : الذي يقول :فإنك شمس والمُلوك كواكبٌإذا طلعت لم يَبدُ منهنّ كوكَبُعني زُهَيراً، ثمّ النابغة، ثمّ قال : وحسبك بي إذا وضعتُ إحدى رجلي على الأخرى، ثم عوَيت في إثر القوافي كما يعوي الفَصِيل في أثَرِ أمه ! قال: فمن أنت؟ قال: أنا الحطيئة، فرحّب به سعید، وأمر له بألف دينار.قال : وقال من احتج لزهير : كان أحْسَنَهم شعراً، وأبعدهم من سُخف، وأجمعهم لكثير من المعنى في قليل من المنطق، وأشدَّهم مبالغة في المدح، وأبعدهم تكلّفاً وعجرفيّة وأكثرهم حكمة ومَثَلاً سائراً في شِعره.وقد روى ابن عبّاس عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم أنه قال: «أفضلُ شُعَر الكم القائل ومَن مَن»، يعني زهيراً، وذلك في قصيدته التي أولها: «أمِن أمِّ أوفى» يقول فيها :ومَن يك ذا فَضْلِ فيبخل بفضله*** على قومِه يُستغن عنه ويُذْمَمِومن لم يَذُدْ عن حوضه بسلاحِه*** يُهدم، ومن لا يظلم الناس يُظلمومن هاب أسباب المنايا يَنَلْنَه*** ولو نال أسباب السَّماءِ بسُلَّمومَن يجعل المعروف من دُون عِرْضِه*** يَفِرْهُ ومن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشتَمفأما القول في النّابغة الذّبيانيّ فإن أبا الفَرَج الأصفهاني قال في كتاب الأغاني : كُنيّة النابغة أبو أمامة، واسمهُ زياد بن معاوية، ولُقِّب بالنابغة لقَوْله :فقد نَبغَتْ لهم مِنّا شؤونوهو أحد الأشراف الّذين غَضَ الشّعر منهم، وهو من الطبقة الأولى المقدَّمين على سائر الشعراء .أخبرني أحمد بنُ عبد العزيز الجوهريّ وحبيب بن نَضر قالا : حدّثنا عمرُ بنُ شبّة، قال:
حدّثني أبو نعيم، قال: شريكٌ عن مُجالد عن الشَّعْبي عن ربعي بن حراش، قال: قال لنا عمر: يا معشر غَطفان، مَن الّذي يقول :أتيتُك عارياً خَلَقاً ثيابي*** على خوف تُظَنُّ بِيَ الظنونقلنا : النابغة، قال : ذاك أشعرُ شعرائكم.قلتُ : قوله : أشعَر شُعرائكم»، لا يدل على أنّه أشعر العرب، لأنّه جعلَه أشعر شعراء غَطّفان، فليس كقوله في زُهير شاعرُ الشّعراء، ولكنّ أبا الفرج قد رَوَى بعد هذا خبراً آخرَ صريحاً في أنّ النابغة عند عمر أشعرُ العَرَب . قال: حدّثني أحمد وحبيب، عن عمر بن شَبَة قال : حدّثنا عبيد بن جنّاد، قال: حدّثنا مَعن بنُ عبد الرحمن، عن عيسى بن عبد الرحمن السُّلَميّ، عن جدّه عن الشّعبيّ قال: قال عمر يوماً : مَن أشعَر الشعراء؟ فقيل له : أنت أعلم يا أمير المؤمنين، قال: من الذي يقول :إلاّ سليمان إذ قال المليكُ له قُم في البرية فاحدُدُها عن الفَنَدِوخيس الجنّ إني قد أذنتُ لهم يبنون تدْمُرَ بالصُّفّاح والعَمَدِقالوا: النابغة، قال: فمن الذي يقول :أتيتُك عارياً خَلَقاً ثيابي على خَوْف تُظَنّ بي الظُّنونُقالوا : النابغة، قال: فمن الَّذي يقول :حَلَفتُ فلم أترك لنفسك ريبةٌ وليس وراء الله للمرءِ مَذهَبُلئن كنت قد بلغتَ عنِّي خِيانةٌ*** لَمُبلِغُك الواشي أغَش واكذَبُقالوا : النّابغة قال : فهو أشعر العرب.قال: وأخبرني أحمدُ، قال: حدّثنا عمر قال: حدثني علي بن محمّد المَدائنيّ قال : قام رجل إلى ابن عبّاس، فقال له: أيُّ النَّاس أَشْعَر ؟ قال : قال أخبره يا أبا الأسود، فقال أبو الأسود الذي يقول:فإنك كالليل الّذي هو مُدْرِكي وإن خلتُ أن المُنتاى عنكَ واسعُيعني النابغة .قال أبو الفرج وأخبرني أحمدُ وحبيب عن عمرَ عن أبي بكر العُلَيميّ، عن الأصمعيّ، :قال : كان يُضرب للنابغة قُبَّةُ أَدَم بسوق عُكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها، فأنشده مرّةالأعشى، ثم حسّان بن ثابت، ثمّ قوم من الشعراء، ثم جاءت الخنساء فأنشدته :وإِنْ صَخْراً لتأتمّ الهُداةُ به كأنّه عَلَم في رأسه نارُفقال : لولا أنّ أبا بصير - يَعني الأغشى - أنشَدَني آنفاً لقلتُ : إنّك أشعرُ الإنس والجِنّ .
فقام حسّان بنُ ثابت فقال : أنا والله أشعَر منها ومنك ومن أبيك، فقال له النابغة: يابن أخي أنت لا تُحسِن أن تقول : فإنّك كالليل الّذي هو مُدرِكي وإن خلتُ أنّ المُنتأَى عنكَ واسعُخطاطيف حُجْنٌ في حِبالٍ مَتينةٍ تَمُدُّيها أيد إليكَ نَوازِعُقال : فخَنَس حسّان لقوله .قال: وأخبَرَني أحمد وحبيب عن عمرَ ، عن الأصمعيّ، عن أبي عمرو بن العلاء قال : حدّثني رجل سمّاه أبو عمرو وأنسِيتُه قال بينما نحن نسير بين أنقاء من الأرض، فتذاكَرْنا الشّعر، فإذا راكب أَطَيْلِس يقول : أشعر الناس زيادُ بنُ معاوية، ثمّ تملّس فلم نره.قال : وأخبَرَني أَحمدُ بنُ عبد العزيز، عن عمر بن شَبّة، عن الأصمعيّ، قال: سمعتُ أبا عمرو بن العَلاء يقول : ما ينبغي لزُهير إلّا أن يكون أجيراً للنابغة.قال أبو الفرج: وأخبَرَنا أحمدُ عن عمر قال: قال عمرو بن المنتشر المُراديّ : وفَدْنا على عبد الملك بن مَروان، فدخَلْنا عليه، فقام رجل فأعتَذَر من أمر وحَلَف عليه، فقال له عبدُ الملك : ما كنتَ حَرِيًّا أن تفعل ولا تعتذر، ثم أقبل على أهل الشام فقال: أيكم يروي اعتذار النابغة إلى النُّعمان في قوله :حلفتُ فلم أترك لِنفْسِكَ رِيبةً*** وليس وراءَ الله للمرء مَذْهَبُفلم يجد فيهم من يرويه، فأقبل عليَّ وقال : أترويه؟ قلتُ : نعم، فأنشدتُه القصيدةَ كلَّها، فقال : هذا أشْعَر العرب . قال: وأخبَرَني أحمدُ وحبيب عن عُمَر ، عن معاويةَ بن بكر الباهليّ ، قال : قلتُ لحمّاد الراوية: لم قَدَّمت النابغة ؟ قال : لاكتفائك بالبيت الواحد مِن شِعره، لا بل ينصف البيت، لا بل بربع البيت، مثل قوله :حلفتُ فلم أترك لنفسك ريبةً وليس وراء الله للمرء مَذهَبُولست بمُسْتَبْق أخاً لا تَلُمّه على شَعَثٍ، أي الرجال المهذَّبُرُبع البَيت يُغنيك عن غيرِه، فلو تمثّلَتَ به لم تحتج إلى غيره .قال : وأخبَرَني أحمدُ بنُ عبد العزيز، عن عمَر بن شَبّة، عن هارون بنِ عبدِ الله الزُّبيريّ، قال: حدّثني شيخٌ يُكنى أبا داود عن الشعبيّ، قال: دخلتُ على عبد الملك وعندَه الأخطَل وأنا لا أعرفه، وذلك أوّل يوم وَفَدتُ فيه من العراق على عبد الملك، فقلتُ حين دخلتُ : عامر بن شراحيل الشَّعْبي يا أمير المؤمنين، فقال: على علم ما أذنا لك، فقلتُ : هذه واحدة على وافد أهل العراق - يعني أنه أخطأ - قال : ثمّ إنّ عبد الملك سأل الأخطل : مَن أَشعَرُ
الناس؟ فقال: أنا، فعجلتُ وقُلتُ لعبد الملك: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فتبسّم، وقال: الأخطل، فقلتُ في نفسي : اثنتان على وافد أهل العراق، فقلتُ له : أشعر منكَ الّذي يقول :هذا غلامٌ حَسَنٌ وجهُه مُستقبل الخيرِ سريعُ التّمامللحارث الأكبر والمحارث ال- أَصْغَر فالأغرج خير الأنامثم لعمرو ولعمرو وقد*** أسرع في الخيرات منه أمامقال : هي أمامةُ أم عمر و الأصغر بن المنذر بن امرىء القَيس بن النّعمان ابن الشقيقة:خمسة آباءٍ هُمُ ماهمُ ***أفضلُ مَن يَشرَب صَوْبَ الغَماموالشِّعر للنابغة، فالتفت إليّ الأخطل فقال : إنّ أمير المؤمنين إنّما سألَني عن أشعَر أهلِ زمانه، ولو سألَني عن أشعَر أهل الجاهليّة كنتُ حريَّا أن أقول كما قلت أو شبيهاً به، فقلتُ في نفسي : ثلاث على وافد أهل العراق.قال أبو الفَرَج : وقد وجدتُ هذا الخبر أتمَّ مِن هذه الرواية ذكَرَه أحمدُ بنُ الحارث الخراز في كتابه عن المدائني، عن عبد الملك بن مُسلِم :قال كَتَب عبد الملك بنُ مَرْوانَ إلى الحجاج : إنّه ليس شيءٌ من لذّة الدنيا إلّا وقد أصبتُ منه، ولم يَبقَ عندي شيءٌ الذ من مُناقلة الإخوان الحديث، وقبلك عامر الشعبي فابعث به إليّ، فدعا الحجاج الشعبي، فجهزه وبَعثَ به إليه، وقرّظه وأظراه في كتابه، فخرج الشعبي حتى إذا كان بباب عبد الملك قال للحاجب : استأذن لي قال : من أنت؟ قال: أنا عامر الشعبي قال : يرحمك الله ، قال : ثمّ نهض فأجلَسَني على كرسيه، فلم يلبث أن خرج إلي فقال : ادخُل يرحمك الله ، فدخلتُ، فإذا عبد الملك جالس على كرسي، وبين يديه رجل أبيضُ الرأس واللحية جالس على كرسي، فسلمت، فردّ عليّ السلام، فأومَاً إليّ بقَضيبه ، فجلستُ عن يساره، ثمّ أقبل على ذلك الإنسان الذي بين يديه فقال له : مَن أشعر الناس؟ فقال: أنا يا أمير المؤمنين، قال الشَّعبيّ: فأظلم ما بيني وبين عبد الملك، فلم أصبر أن قلتُ : ومَن هذا الذي يزعم أنه أشعر الناس يا أمير المؤمنين ! فعَجِب عبد الملك من عَجَلتي قبل أن يسألني عن حالي فقال هذا الأخطل، فقلتُ: يا أخطل، أشعَرُ والله منك الّذي يقول :هذا غلامٌ حَسَنٌ وَجْهُهُ ***جهُهُ مستقبِل الخَيْر سريعُ التّمامالأبیات. . .قال : فاستحسَنَها عبد الملك، ثم ردّدتُها عليه حتى حفِظَها، فقال الأخطل : مَن هذا يا أميرَ المؤمنين؟ قال: هذا الشَّعبيّ، فقال: والجيلون ما استعذت بالله من شرّ إلا من هذا – أي والإنجيل - صَدَق والله يا أمير المؤمنين، النابغةُ أشعَر مني، قال الشعبي : فأقبل عبد الملك حينئذٍ عليّ فقال : كيف أنتَ يا شعبي؟ قلتُ : بخير يا أمير المؤمنين، فلا زلتَ به ثم ذهبتُ
لأصنَع معاذيرَ لما كان من خلافي مع ابن الأشعث على الحجّاج : فقال : مَه إنا لا نحتاج إلى هذا المَنطِق، ولا تراه منّا في قول ولا فعل حتى تفارقَنا ، ثمّ أقبَل عليَّ فقال: ما تقول في النابغة؟ قلتُ: يا أمير المؤمنين، قد فضّله عمرُ بنُ الخطاب في غيرِ مَوْطنٍ على جميع الشُّعراء، ثم أنشَدْتُه الشِّعرَ الّذي كان عمرُ يُعجب به من شعره، وقد تقدم ذكره . قال : فأقبل عبد الملك على الأخطل فقال له : أتُحِبّ أن لك قياضاً بشعرك شعر أحدٍ من العرب أم تحب أنك قلته؟ قال : لا والله يا أمير المؤمنين إلا أني وَدِدْتُ أني كنتُ قلتُ أبياتاً قالها رجل منا ، ثم أنشَدَه قول القطاميّ :إنَّا مُحَبوك فأَسْلَمْ أيُّها الظَّلَلُ وإن بليت وإن طالَتْ بكَ العَمَلُليس الجديد به تبقى بشاشَتُه إلا قليلاً ولا ذو خُلَّة يَصِلُوالعَيْش لا عيش إلا ما تَقَرُّ به عين ولا حال إلا سوف تَنتَقِلُإن ترجعي من أبي عثمان مُنجِحة فقد يَهُون على المستنجح العَمَلوالناسُ مَن يَلْقَ خيراً قائلون له*** ما يشتهي ولأُمِّ المُخطىء الهَبَلُقد يُدرِكُ المتأني بعض حاجيه*** وقد يكون مع المستعجل الزَّلَلُقال الشعبي : فقلتُ : قد قال القطامي أفضل من هذا ، قال : وما قال؟ قلتُ : قال :طرقتْ جَنوب رحالنا من مَطرَقِ ما كنتُ أحسبها قريب المُعنَقِإلى آخِرِها ، فقال عبدُ الملك : ثكلَت القطاميَّ أُمُّه ! هذا والله الشعر، قال: فالتَفَت إليَّ الأخطلُ فقال : يا شعبي، إن لك فُنُوناً في الأحاديث، وإنما لي فنّ واحد فإن رأيتَ ألا تحملني على أكتافِ قومك فأدَعُهم حَرَضاً ! فقلتُ : لا أعرض لك في شيء من الشعر أبداً، فأقلني هذه المرّة، فقال : مَن يتكفّل بك؟ قلتُ: أمير المؤمنين، فقال عبد الملك : هو عَلَيَّ أنّه لا يَعرِض لك أبداً ، ثم قال عبد الملك: يا شَعْبِي، أي نساء الجاهليّة أشعر ؟ قلتُ : الخَنْساء؟ قال : ولم فَضَّلْتَها على غيرها ؟ قلتُ : لقولها :وقائلة والنعش قدفات خطوها لِتُدركه: يا لَهفَ نَفْسي على صَخْرِالا هبلتْ أمُّ الذين غَدَوْا به إلى القَبْر ، ماذا يحملون إلى القَبْر!فقال عبدُ الملك : أشعر منها والله التي تقول :مُهَفْهَفٌ أهضَمِ الكَشْحَينِ منخرقٌ عنه القميص بسَيْر الليلِ مُحتقِرُألا يأمن الدّهر ممشاه ومصبَحه من كلّ أوب وإن لم يَغْرُ يُنْتَظَرُقال : ثمّ تبسّم عبدُ الملك وقال : لا يشفّنّ عليك يا شعبي، فإنّما أعلَمْتُك هذا لأنه بلغني أنّ أهلَ العراق يتطاولون على أهل الشام، ويقولون : إن كان غَلَبونا على الدّولة فَلَم يَغلبونا على العلم والرِّواية، وأهل الشام أعلمَ يِعِلّم أهل العراق من أهل العراق، ثم ردّد عليّ أبيات لَيلى
حتّى حفِظتُها، ثمّ لم أزل عنده أوّلَ داخل وآخر خارج ، فكنتُ كذلك سنينَ، وجعَلَني في ألفين من العَطاء، وجعَلَ عشرين رجلاً من ولدي وأهل بيتي في ألف ألفٍ، ثمَّ بَعَثَني إلى أخيه عبدِ العزيز بمصرَ، وكتب إليه : يا أخي، قد بعثتُ إليك بالشعبي، فانظر هل رأيت قط مِثلَه !قال أبو الفَرَج الأصبهاني في ترجمة أوس بن حَجَر: إنّ أبا عبيدة قال : كان أوسُ شاعرَ مُضَر حتّى أسقَطَه النابغة، وقد ذَكَر الأصمعيّ أنّه سمع أبا عمرو بن العلاء يقول : كان أوسُ بن حَجَر فحل العرب، فلما نشأ النابغةُ طأطأ منه.وقال محمّد بنُ سَلام في كتاب «طَبَقات الشّعراء» : وقال من أحتجّ للنابغة : كان أحسَنهم ديباجة شعر ، وأكثَرَهم رونق كلام، وأجزَلَهم بيتاً ، كأن شعره كلام ليس بتكلّف، والمَنطِق على المتكلّم أوسَع منه على الشّاعر ، لأنّ الشاعر يحتاج إلى البناء والعروض والقوافي، والمتكلّم مطلق، يتخير الكلام كيف شاء، قالوا : والنابغة نبغ بالشعر بعد أن أحتَنَك وهَلَك قبل أن يهتر .قلتُ : وكان أبو جعفر يحيى بن محمّد بن أبي زيد العَلَويّ البَصْريّ يُفضّل النابغة، واستقر أني يوماً وبيَدي ديوانُ النّابغة قصيدتَه الّتي يَمدَح بها النّعمان بنَ المُنذِر، ويَذكُر مرضه، ويَعتذر إليه ممّا كان اتهم به، وقذَفَه به أعداؤه، وأوّلها :كتَمتُكَ لَيْلاً بالجمومين ساهراً*** وهَمَّيْن هَمَّا مستكنا وظاهراأحاديث نفسٍ تَشتكي ما يريبُها*** وورد هموم لو يجدن مصادراتُكلفني أن يُغْفِلَ الدهرُ هَمّها ***وهل وجدت قبلي على الدهر ناصرايقول: هذه النفس تكلفني الا يحدث لها الدهر هما ولا حُزناً، وذلك ممّا لم يستطعه أحدٌ قبلی.ألم تر خيرَ النّاس أصبَحَ نعشُه على فتية قد جاوَزَ الحيَّ سائِرَا!كان الملك منهم إذا مَرِض حُمِل على نعش وطيف به على أكتاف الرجال بين الحيرة والخَوَرْنَقِ والنَّجَف، يتزِّهونه .ونحن لديه نسألُ اللهَ خُلده يردّ لنا ملكاً وللأرض عامرًاونحن نُرجِّي الخير إنْ فاز قِدْحنا ونَرْهَبُ قِدْح الدّهر إن جاء قامِرالك الخير إن وارث بك الأرض واحِداً وأصبَحَ جد الناس بعدك عائراورُدّت مطايا الراغبين، وعُرّيت جيادُكَ لا يُحفِي لها الدّهرُ حافِرَارأيتك تزعاني بعين بصيرة وتَبْعَثُ حُرّاساً عليَّ وناظراوذلك من قول أتاك أقوله ومن دَسَّ أعداء إليك المابرافاكيتُ لا أتيك إن كنت مُجرِماً ولا أبتغي جاراً سِواك مُجاوِرَا
أي لا أتيكَ حتّى يَثبتَ أنّي غيرُ مُجرم.فأهلي فِداةٌ لامرىء إن أتيتُه*** تَقبَّلَ معروفي وسَدَّ المفاقِرًاساربطُ كَلبي أن يريبُك نَبحُه ***وإن كنتُ أرعَى مُسحُلانَ وحامرًاأي سأمسِك لساني عن هجائك وإن كنتُ بالشام في هذين الواديين البعيدَين عنك.وحلّت بيُوتِي في يَفاعٍٍ ممنّعٍ ***تَخال به راعِي الحَمولةِ طائِراتَزِل الوقولُ العُضم عن قَذَفاته ***ويُضحي ذراء بالسّحاب كوَافِرًاحذاراً على ألا تنال مقادَتي ولا نِسْوَتي حتَّى يَمُتْنَ حَرائرايقول : أنا لا أهجرك وإن كنت من المَنَعة والعِصمة على هذه الصفة .أقولُ وقد شَعَت بي الدار عنكُمُ إذا ما لقيت من مَعَدِّ مُسافِراالا أبلغ النّعمانَ حيثُ لقيتَه فأهدَى له اللهُ الغُيوثَ البَوَاكِراوأصبحه فُلجاً ولا زال كَعْبُه على كلِّ مَن عادَى من الناس ظاهِراورب عليه الله أحسن صُنعه وكان على كُلِّ المُعادِين ناصِرَاًفجعل أبو جعفر رحمه الله يهتزّ ويَطرَب، ثم قال : والله لو مُزِجت هذه القصيدة بشعر البحتريَّ لكادت تمتزج لسهُولَتها وسلامةِ ألفاظها، وما عليها من الدِّيباجة والرّونق. من يقول: إنّ امرأ القيس وزهيراً أشعرُ من هذا! هَلموا فلْيُحاكموني .فأمّا امرؤ القيس بن حُجْر ، فقال محمّد بنُ سلاَّم الجُمَحيُّ في كتاب «طبقات الشّعراء»: أخبَرَني يونسُ بن حَبيب أنّ علماءَ البَصرة كانوا يقدِّمونه على الشّعراء كلِّهم، وأنّ أهل الكوفة كانوا يقدِّمون الأعشى، وأن أهل الحِجاز والبادية يقدِّمون زُهَيراً والنّابغة.قال ابنُ سلاّم : فالطبقة الأولَى إذَنْ أربعة . قال وأخبَرَني شُعيب بن صَخْرِ، عن هارون بن إبراهيم قال : سمعتُ قائلاً يقول للفرزدق : مَن أشعر الناس يا أبا فراس؟ فقال : ذو القرُوح، يعني امرأ القَيس، قال حين يقول ماذا؟ قال حين يقول:وَقاهُمْ جَدُّهم ببني أبيهم وبالأشقَين ما كان العِقابُقال: وأخبَرَني أبَان بن عثمان البَجَلي ، قال : مرّ لَبيد بالكوفة في بني نَهْد، فأتبعوه رسول يسأله: من أشعَر الناس؟ فقال: الملِكُ الضّليل. فأعادوه إليه، فقال : ثم من؟ فقال : الغلامُ القتيل - يعني طَرَفة بنَ العَبْد - وقال غيرُ أبان: قال : ثمّ ابن العشّرين، قال: ثم من؟ قال : الشيخ أبو عقيل يعني نَفْسَه.قال ابنُ سلام واحتج لامرىء القيس من يقدمه فقال : إنه ليس قال ما لم يقولوه، ولكنّه العَرَبَ إلى أشياءَ ابتدعها استحسنتها العرب فاتبعه فيها الشعراء، منها استيقاف صحبه،
والبُكاءُ في الدِّيار، ورقةُ النَّسيب، وقرب المأخذ، وتشبيهُ النِّساء بالظِّباء وبالبيض، وتَشبيهُ الخَيْل بالعِقْبان والعصيّ، وقَید الأوابِد ، وأجاد في النَّسِيب، وفصل بين النسيب وبين المعنَى، وكان أحسنَ الطّبقة تشبيهاً .قال : وحدّثني معلّم لبني داودَ بن عليّ، قال :بينا أنا أسيرُ في البادية إذا أنا برجل على ظَلِيم قد زَمّه وخَطَمَه وهو يقول :هل يَبْلُغَنُهم إلى الصَّباحِ*** مَقْلٌ كانّ رأسَه جماحُ (1)قال : فما زال يَذْهب به ظليمُهُ وَيَجيءُ حتى أنست به وعَلِمتُ أنه ليس بإنسيّ فقلت: يا هذا ،من أشعَر العرب ؟ فقال : الّذي يقول :أغرَّك منِّي أنّ حُبِّكِ قاتِلي وأنّك مهما تأمرِي القلب يَفعلِيعني امرأ القَيس، قلت: ثمّ مَن؟ قال : الّذي يقول :ويَبْرُد بَرْد رِداءِ العَرُوس بالصيف رقْرَقْتَ فيه العبيرَاويَسخُن ليلة لا يستطيعُ*** تياحاً بها الكلب إلا هَرِيرَا (2)ثمّ ذهب به ظَليمة فلم أرَه .قال : وحدّث عَوانةُ عن الحسن أن رسولَ الله صلى الله عليه وآله قال لحسان بن ثابت : من «أشعَر العَرَب؟» قال : الرُّرقُ العُيون من بين قَيْس قال : لستُ أسألك عن القبيلة، إنما أسألك عن رَجُل واحدٍ، فقال حسّان: يا رسول الله ، إنّ مَثَل الشعراء والشِّعرِ كمثَل ناقةٍ نُحِرْت، فجاء امرؤ القيس بن حُجْر فأخَذَ سَنامَها وأطايبها، ثم جاء المتجاوران من الأوس والخزرج فأخذا ما والى ذلك منها، ثم جَعَلت العربُ تمزّعها حتى إذا بقي الفَرْث والدَّمُ جاء عمرو بنُ تميم والنمر بنُ قاسط فأخذاه، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : «ذاك رجلٌ مذكورٌ في الدنيا شريفٌ فيها خاملٌ یوم القيامة، معه لواء الشُّعراء إلى النار»(3.)فأمّا الأعشى فقد احتج أصحابه لتفضيله بأنه كان أكثرهم عَرُوضاً، وأذهَبَهم في فُنون الشعر، وأكثَرَهم قصيدة طويلة جيّدة، وأكثرهم مَدْحاً وهِجاءً، وكان أوّل من سأل بشِعره، وإن لم يكن له بَيْتٌِ نادِر على أفواه الناس كأبيات أصحابه الثلاثة .
وقد سُئِل خَلَف الأحمرُ : من أشعر الناس ؟ فقال : ما ينتهي إلى واحدٍ يُجمع عليه كما لا يُنتهى إلى واحد هو أشجَع الناس ولا أخطب الناس، ولا أجمل الناس، فقيل له : يا أبا مُحرِز فأيهم أعجب إليك؟ فقال : الأعشى كان أجمَعَهم . قال ابنُ سلّام :وكان أبو الخطاب الأخفش مستهتراً به يقدِّمه، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول : مَثَله مَثَل البازي يضرِب كبير الطير وصغيره. ويقول: نظيره في الإسلام جَرير، ونظيرُ النابغة الأخطل، ونظير زُهير الفرزدق .فأما قولُ أمير المؤمنين علیه السلام «المَلك الضّلِّيل»، فإنما سُمِّي امرؤ القيس ضِليلاً لما يُعلن به في شِعره من الفِسق والضّلِّيل: الكثير الضلال، كالشِّرِّيب، والخمير، والسّكير، والفسيق للكثير الشرب وإدمان الخَمر والسكر والفسق، فمن ذلك قولُه :فمِثْلك حُبْلى قد طَرَقْتُ ومُرْضِعاً فأَلهَيْتُها عن ذي تَمَائمَ مُحْولإذا ما بَكَى من خَلْفِها انصرَفَتْ له بِشِقٌ وتَحتِي شِقُها لم يُحَوَّلِوقوله :سَمَوتُ إليها بعدما نامَ أهلُها*** سموّ حَبَابِ المَاءِ حالاً على حالِفقالت لحاكَ اللَّهُ إنك فاضِحِي*** الستَ تَرَى السَّمارَ والناس أحوالي (1)نقلتُ لها تالله أبرح قاعداً ***ولو قَطَّعوا رأسي لديكِ وأوصاليفلما تنَازَعْنا الحديث وأَسْمَحَتْ هَصَرْتُ بغُصْنٍ ذي شماريخَ مَيَّالِفصرنا إلى الحُسْنى ورَقَّ كلامُنا ورُضْتُ فذَلتْ صعبة أيّ إذلالِحلفت لها باللَّهِ حَلْفَةَ فاجِرٍ لنامُوا فما إن من حديث ولا صَاليفأصبحتُ معشوقاً وأصبح بَعلها عليه القتامُ كاسِفَ الوجهِ والبَالِ (2)وقوله في اللّامية الأولى:وبَيْضةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها تمنعتُ من لهو بها غير مُعْجِلتخطَّيْتُ أبواباً إليها ومَعشَراً عليَّ حراصاً لو يُسِرون مَقتليفجئتُ وقد نَضَّت لنَوْم ثيابَها لدى السِّتْر إلا لبسة َالمتفضّلفقالت يمين الله ما لَكَ حِيلةٌ وما إن أرَى عَنْك الغواية تَنْجَلي
فقمتُ بها أمشي نَجرُّ وراءَنا*** على إثرنا أذيال مِرْطٍ مُرَجَّلِ (1)فلما أجَزنا ساحةَ الحيِّ وانتحَى بنا بطنُ خَبْتٍ ذِي حِقافٍ مَقَنْقِلمَصَرْتُ بفَوْدَيْ رأسِها فتمايلت عليّ هضيم الكَشح رَيّا المُخْلخَل (2)وقوله :قبتٌ اکابدليلُ التمّام والقلبُ مِن خَشْيَةٍ مقشعرّللمّا دنوتُ تَصَدَّيْنُها فتَوْباً نَسيتُ وثواباً أجرّولم يَرَنا كاليءٌ كاشحٌ ولم يَبْدُ منا لدى البيت سِرّوقد رابني قولها: ياهَنا هُوَيْحَك الحقتَ شَرًّا َبشَرًاوقوله :تقولُ وقد جَرّدتها من ثيابها كما رُعْتَ مكحول المدامع أَتْلَعًالعَمْرُك لو شيءٌ أتانا رسولُه سواك ولكن لم نَجِدْ لك مَدْفعافبتْنا نَصُدّ الوحش عنّا كأنّنا*** قتيلان لم يعلم لنا الناسَ مَصْرَعاتَجافَى عن المأثور بَيْني وبَيْنهَا*** وتُدْنى عليّ السابريَّ المُضلَّعاوفي شعر امرىء القيس من هذا الفنّ كثير، فمن أرادَه فليَطُلُبه من مجموع شَعرِِه .- 465 -الأصل: وقال علیه السلام : ألا حُرِّيَدَعُ هَذِهِ اللَّمَاظَةَ لأهْلِهَا إِنَّهُ لَيْسَ لأَنفُسِكُمْ ثَمَنْ إِلَّا الْجَنَّةَ ، فَلا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا.الشرح :اللَّماظة بفَتح الّلام: ما تَبقَّى في الفم من الطّعام، قال يصِفُ الدنيا :لماظةُ أيامٍ كاحلامٍ نائمولَمَظ الرجل يَلمُظ بالضمّ لَمْظاً، إذا تتِبع بلسانِه بقيّة الطعام في فمه وأخرَج لسانه فمَسح به شفَتيه، وكذلك التَّلمُّظ، يقال: تلمّظَت الحيّة إذا أخرجتْ لِسانَها كما يتلمّظ الآكل.وقال: «ألا حُرّ»، مبتدأ وخبرُه مَحذوف أي في الوجود. وألا حرفٌ، قال:
ألا رجلٌ جَزاه الله خَيراً*** يَدلّ على مُحَصلةٍ تبيتُثم قال : إنه ليس لأنفسكم ثمنٌ إلّا الجنة، فلا تبيعوها إلا بها، من الناس من يبيعُ نفسه بالدراهم والدّنانير، ومن الناس من يبيع نفسه بأحقر الأشياء وأهونِها ، ويتبع هواهُ فيَهلك، وهؤلاء في الحقيقة أحمقُ الناس، إلا أنه قَدْرِين على القُلوب، فغطّتها الذنوب، وأظلمت الأنفس بالجهل وسوء العادة، وطال الأمد أيضاً على القلوب فَقَسَتْ، ولو أفكر الإنسانُ حَقّ الفِكر لما باع نفسه إلّا بالجنّة لا غير.- 466-الأصل: وقال علیه السلام : مَنْهُومان لا يَشْبَعان: طالِبُ عِلْمٍ وطالِبُ دُنْيا .الشرح : تقول : نَهم فلان بكذا فهو مَنْهوم، أي مُولع به ، وهذِه الكلمة مَروِيّة عن النّبيّ صلّى الله عليه وآله : «مَنْهومان لا يَشبَعان: منهومٌ بالمال، ومنهومٌ بالعلم »(1. والنّهم بالفَتْح : إفراطُ الشَّهوة في الطّعام، تقول منه : نَهِمْتُ إلى الطعام بكسر الهاء أنهَمُ فأنَا نَهِم، وكان في القرآن آيةٌ انزلت ثمّ رفِعَت : «لو كان لا بن آدم وادِيَانِ من ذَهب لا بتغى لهما ثالثاً، ولا يملأ عينَ ابنِ آدم إلّا التراب، ويتوبُ الله عَلَى مَنْ تاب» (2). فأمّا طالبُ العلم العاشِقُ له، فإنّه لا يَشبَع منه أبداً، وكلّما استكثَر مِنه زادَ عِشْقَهُ ،له ، وتَهَالُكُه عليه. مات ابو عثمان الجاحظُ والكتاب على صَدْره.)وكان شيُخنا أبو عليّ رحمه الله في النَّزع وهو يُملي على ابنِه أبي هاشم مسائلَ في عِلم الكلام. وكان القاضي أحمدُ بنُ أبي دُواد يأخذُ الكتابَ في خُفّه وهو راكب، فإذا جلَسَ في دارٍِ الخليفة اشتَغَل بالنّظر فيه إلى أن يَجلِس الخليفة، ويَدْخُل إليه . وقيل : ما فارقَ ابنُ أبي دُواد الكتابَ قَطّ إلّا في الخَلاء. وأعرف أنا في زَماننا مَن مَكَث نحو خمس سنينَ لا يَنامُ إِلَّا وقتَ السّحَر صَيْفاً وشتاءً مُكِبًا على كتاب صنفه، وكانت وسادتُه الّتي يَنامُ عليها الكتاب.
- 467 -الأصل: وقالَ علیه السلام : علامةُ الإيمان أن تُؤثِرَ الصَّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ، عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ، والا يَكُونَ في حَدِيثِكَ فَضْلَّ عَنْ عِلْمِكَ، وانْ تَتَّقِيَ اللَّهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ .الشرح : قد أَخَذ المعنَى الأوّل القائلُ :عليك بالصِّدق ولَو أنّه أحْرَقَك الصدقُ بنارِ الوَعِيدويَنبِغي أن يكونَ هذا الحُكْم مقيّداً لا مطلقاً، لأنّه إذا أضَرّ الصَّدْق ضَرَراً عظيماً يؤدّي إلى تَلَف النَّفْس أو إلى قَطع بعضِ الأعضاء لم يَجُزْ فَعلُه صَريحاً، ووجَبت المَعاريضُ حينئذٍ .فإن قلتَ : فالمَعَاريض صِدق أيضاً، فالكَلامُ على إطلاقه قلتُ : هي صِدق في ذاتها،ولكنّ مُستعمِلَها لم يصدق فيما سُئل عنه، ولا كَذَب أيضاً، لأنه لم يُخبر عنه، وإنّما أخبر شيء آخَرَ وهي المَعَارِيض، والتّارك للخَبَر لا يكون صادقاً ولا كاذباً ، فوَجَب أن يقيَّد إطلاقٌ الخَبَر بما إذا كان الضَّرَر غيرَ عظيم، وكانت نتيجةُ الصِّدق أعظَم نفْعاً من تلك المَضَرّة.قال علیه السلام : «وأن يكونَ في حديثك فَضْل عن عِلمك»، متَى زاد مَنطق الرجل على عِلْمِه فقد لغَا وظَهَر نقصُه، والفاضلُ من كان عِلمُه أكثرَ من مَنطِقه. قوله : «وأن تَتّقي الله في حديثِ غيرك»، أي في نَقْلِه وروايته فَترْوِيه كما سَمِعْتَه من غير تحريف.- 468 -الأصل: وقالَ علیه السلام : يَغْلِبُ المِقْدَارُ على التَّقْدِير ، حَتَّى تَكونَ الآنَةُ في التَّدْبير .قال : وقد مضى هذَا المَعْنَى فيما تقَدم برواية تُخالف بعض هذه الألفاظ.الشرح: قد تقدَّم هذا المعنى، وهو كثيرٌ جداً، ومن جيّده قول الشاعر :لعَمْرُك ما لام ابن اخطب نَفْسَه ولكنه من يَخْذُل اللهُ يُخذلِلجاهدَ حتى تَبلُغَ النفس عُذْرَها وقَلْقَل يبقى العِزَّ كلَّ مُقَلْقَلِوقال أبو تمام :ورَكب كاطراف الأسِنّة عَرَّسُوا على مثلها واللّيل تَسْطو غَياهِبُهُ
لأمر عليهم أن تتمَّ صُدورُه*** وليس عليهم أن تتمَّ عواقِبُةوقال آخر :فإن بَين حيطاناً عليه فإنّما*** أولئك عُقّالاتُه لا مَعاقلة-469 -الأصل: وقال علیه السلام : الحِلْمُ والأناةُ تَوْمَانِ، يُنْتِجُهُمَا عُلُو الهِمَّة .الشرح: قد تقدّم هذا المعنى وشرحه مراراً .وقال ابن هانيء:وكلّ أناة في المواطن سودُدٌ ***ولا كأناةٍ من تدبُّر مُحكَمومن يتبيَّن أن للسيفِ مَوضِعاً مِنَ الصَّفْحِ يَصْفَحْ عن كثير ويحلُموقال أربابُ المعاني : علّمنا الله تعالى فضيلة الأناة بما حكاه عن سليمان:( سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أمْ كُنتَ مِنَ الْكَذِبِينَ (1).)وكان يقال : الأناة حِصن السلامة، والعَجلة مفتاحُ الندامة.وكان يقال : التأنِّي مع الخَيْبة خيرٌ من التهوُّر مع النّجاح.وقال الشاعر:الرّفقُ يُمن والأناةُ سَعادةٌ فتانَّ في أمْرِ تُلاقِ نَجاحًاوقال مَن كره الأناةَ وذَمّها : لو كانت الأناة محمودَةً والعَجَلة مذمومةٌ ، لمَا قال موسى لربِّه : (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (2).)وأنشَدوا :عَيبُ الأناةِ وإِنْ سَرَّتْ عَواقِبُها أن لا خُلودَ وأن ليسَ الفَتَى حَجَراوقال آخر :كم من مضيِّع فرصةٍ قد أمكَنتْ لغدٍ وليسَ له غدٌ بمُواتِيحتى إذا فاتت وفات طِلابُها ذهبت عليها نفسُه حَسَراتِ
- 470 -الأصل: وقالَ علیه السلام : الغيبةُ جُهْدُ العاجز.الشرح :قد تقدّم كلامُنا في الغِيبة مُستقصى.وقيل للأحنف : مَنْ أشرَف الناس؟ قال : مَن إِذَا حَضَر هابوه، وإذا غاب اغتابوه.وقال الشاعر:ويَعْتابُني مَن لو كَفاني اغتيابَهُ*** لكنتُ له العينَ البصيرةَ والأذنَاوعندي من الأشياء ما لو ذكرتُها إذا فَرَغَ المُغتاب من نَدَمِ سِنّاوقد نظمت أنا كلمةٌ الأحنف فقلتُ :أكُلُ عِرْضي إنْ غِبْتُ نَما فإن أب- تُ فمدحٌ ورهبةٌ وسُجودُهكذا يَفعَل الجَبانُ شُجاعٌ حين يَخلو، وفي الوَغى رِعْدِيدُلك مِنِّي حالانِ في عَيْنِكَ الجَنَّة حُسْناً وفي الفؤاد وَقودُ- 471 -الأصل: وقالَ علیه السلام : رُبِّ مَفْتُونِ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ .الشرح: طالمَا تيْن النَّاسُ بِثنَاءِ الناس عليهم، فيقصِّر العالم في اكتساب العلم اتكالاً على ثَناءٍ الناس عليه، ويقصِّر العابدُ في العِبادة اتّكالاً على ثَناءٍ الناس عليه، ويقول كلّ واحد منهما : إنّما أردتُ ما اسْتَهَرْتُ به للصِّيت، وقد حَصَل ، فلِمَاذا أتكلّف الزّيادة، وأعاني التّعب! وأيضاً فإنّ ثَنَاء النّاس على الإنسان يَقتضي اعتراء العُجب له، وإعجاب المرء بنَفسه مُهلِك .واعلم أنّ الرّضيّ رحمه الله قَطَع كتابَ نَهج البلاغة على هذا الفَضل، وهكذا وجدتُ النُّسخة بخَطّه وقال : «هذا حين انتهاء الغاية بنا إلى قَطع المُنتزَع من كلام أمير المؤمنين علیه السلام : حامِدِين الله سبحانَه على ما مَنَّْ به من توفيقنا لضمّ ما انتَشَرَ من أطرافه وتقريب ما بَعُد من أقطاره، مقرّرين العزمَ كما شرطنا أوّلاً على تفضيل أوراقٍ من البياض في آخِر كلّ باب من
الأبواب، لتكون لاقتناص الشارد، واستِلْحاقِِ الوارد وما عَساه أن يَظهَرَ لنا بعد الغُموض، ويقع إلينا بعد الشّذوذ، وما توفيقُنا إلا بالله عليه توكّلنا، وهو حسبنُا ونعمَ الوكيل، نعمَ المولَى ونعمَ النّصير» .ثم وجَدْنا نسخاً كثيرةً فيها زيادات بعد هذا الكلام، قيل: إنها وُجِدَتْ في نسخة كتبت في حَيَاةِ الرَّضيّ رحمه الله وقُرئَت عليه فأمضاها ، وأذن في إلحاقها بالكتاب ونحن نذكرها- 472 -الأصل: وقال علیه السلام : الدُّنْيا خُلِقَتْ لِغَيْرِها ، ولَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِها .الشرح: قال أبو العلاء المَعَرّيّ مع ما كان يُرمَى به في هذا المعنى ما يُطابِق إرادةَ أمير المؤمنين علیه السلام بلفظه هذا :تُخلق الناسُ للبقاء فضَلَّتْ*** أمة يحسَبونَهم للنّفادِإنّما يُنقلون من دار أعما***ل إلى دارٍ شقوةٍ أو رشادِ- 473 -الأصل: وقالَ علیه السلام : إن لِبَني أُمَيَّةَ مِرْوَداً يَجْرُونَ فِيهِ، وَلَوْ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ ثُمَّ لو كَادَتْهُمُ الصباحُ لَغَلَبَتْهُم .قَالَ الرضيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَهَذَا مِنْ أَنصَح الكلام وَأَخْرَبِهِ، وَالمِرْوَدُ ها هنا مِفْعَل مِنَ الإِزْوَادِ، وَهُوَ الإمهال وَالإنْظَارُ ، فَكانَّهُ علیه السلام شَبِّهَ المُهَلَة التي هم فيها بالمضمار الَّذي يجروُن فيه إلى الغاية، فإذا بلغوا مُنْقَطَعَهَا انْتَقَضَ نِظَامُهُمْ بعدَها .الشرح: هذا إخبارٌ عن غَيْب صريح، لأن بني أميّة لم يزل مُلكُهم منتظماً لمّا لم يكن بينهم اختلاف، وإنّما كانت حروبُهم مع غيرهم كحرَب معاويةً في صِفَّين، وحرب يزيدَ أهلَ المدينة، وابن الزبير بمكة، وحرب مروانَ الضحّاك ، وحَرْب عبد الملك بنَ الأشعث وابنَ الزبير، و حرب يزيدَ ابنه بني المهلّب، وحرب هشام زيدَ بن عليّ، فلمّا ولي الوليد بن يزيد وخرج عليه ابنُ
عمّه يزيد بن الوليد وقتَلَه، اختلفت بنو أميّة فيما بينهما، وجاء الوعدُ - وصَدَق من وعد به - فإنّه منذ قتل الوليد دَعَت دعاة بني العبّاس بخُراسان، وأقبَل مروانُ بنُ محمّد من الجزيرة يَطلُب الخلافة، فخلع إبراهيم بن الوليد، وقَتَل قوماً من بني أميّة، وأضطرَب أمرُ الملك وانتَشَر، وأقبَلت الدولةُ الهاشميّة ،ونَمَتْ، وزال مُلك بني أمية، وكان زَوال مُلكهم على يد أبي مُسلِم ، وكان في بدايته أضعفَ خَلْق الله وأَعظَمهم فَقْراً ومَسكَنة، وفي ذلك ، تصديقُ قوله علیه السلام: «ثمّ لو كادَتهم الضِّباع لَغَلَبَتهم».- 474 -الأصل: وقالَ علیه السلام في مدح الأنصارِِ : هُمْ وَاللهِ رَبُّوا الإِسْلامَ كَمَا يُرَبِّي الْقُلُو مَعَ غَنَائِهِمْ بأَيْدِيهِمْ السَّبَاطِ، وَالْسِنَتِهِمُ السّلاط.الشرح: الفُلُوّ : المُهْر .ويُروَى: «بأيديهم البِساط»، أي الباسِطة، والأولى جَمْع سَبْط يعني السِّماح، وقد يقال للحاذق بالطَّعن : إنَّه لسَبط اليَدَين يريدُ الثّقافة وألسنتهم السِّلاط ،یعنی الفَصیحة.وقد تقدّم القولُ في مَدْح الأنصار، ولو لم يكن إلا قولُ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فيهم : «إنّكم لتَكثرُون عند الفَزَع ، وتَقِلّون عند الطَّمَع»(1، ولو لم يكن إلّا ما قاله لعامر بن الطُّفيَل فيهم لمّا قال له : «الأغزُوَنّك في كذا وكذا من الخَيل (2)يتوعّده ، فقال علیه السلام: «يكفي الله ذلك وأبناء قيلة»، لكان فخراً لهم وهذا عظيمٌ جدَّا وفوق العظيم، ولا ريبَ أنّهم الذين أيّد الله بهم الدّين، وأظهَرَ بهم الإسلام بعد خَفائِه، ولولاهم لعَجَز المهاجرون عن حَرب قريش والعرب، وعن حِمايةِ رَسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، ولولا مَدينتهم لم يكن للإسلام ظَهر يَلجؤون عليه، ويكفِيهم فَخْراً يوم حَمْراء الأسد، يوم خرجَ بهم رسولُ الله صلی الله علیه وآله وسلم إلى قريش بعد انكسار أصحابِه، وقتل مَن قُتل منهم، وخرجوا نحوَ القوم والجراحُ فيهم فاشية، ودماؤهم تَسيل ، وإنّهم مع ذلك كالأسد الغراث تَتَواثَب على فَرائِسها وكم لهم من يوم أغرّ محجّل! وقالت الأنصار : لولا عليّ بن أبي طالب علیه السلام في المهاجرين لأبيَنا لأنفُسنا أن يُذكَر المهاجرون مَعَنا ، أو أن يُقرَنوا بنا ، ولكن رُبَّ واحدٍ ،كألف، بل كألُوف)
وقد تقدَّم ذكرُ الشِّعر المَنسوب إلى الوزير المغربيّ وما طعن به القادر بالله الخليفة العبّاسيّ في دِينه بطريقه وكان الوزيرُ المغربيّ يتبرّأ منه ،ويَجحَده، وقيل: إنه وُجدت مسوّدة بخطّه فرفعت إلى القادر بالله .وممّا وُجِد بخطّه أيضاً - وكان شديدَ العَصَبيّة للأنصار ولقَحْطانَ قاطبةً، على عَدنانَ، وكان يتَمِي إلى الأزد، أزد شَنُوءة - قوله :إنّ الّذي أرسَى دعائمَ أحمدٍ*** وعَلا بدَعْوَتِه على كِيوَانِأبناء قَيْلَة وارثو شَرَف العُلا وعَراعِر الأقيالِ مِن قَحْطانِ (1)بسُيوفهم يومَ الوَغَى وأكفِّهِمْ ضَرَبَتْ مَصاعب مُلْكِه بجرانِلولا مَصارِعُهم وصِدْقُ قِراعِهم*** خَرّت عُروسُ الدِّين للاذقانِفليشكرنّ محمّد أسيافَ مَن*** الولاء كانَ كخالِدِ بنِ سِنانِوهذا إفراط قبيح، ولفظ شنيع، والواجب أن يصان قدرُ النّبوّة عنه، وخصوصاً البَيْت الأخير، فإنّه قد أساء فيه الأدَب، وقال ما لا يجوز ،قولُه وخالدُ بنُ سِنان كان من بَني عَبْس بن بَغِيض : من قَيْس عَيْلان ادَّعى النبوّة ، وقيل : إنّه كانت تَظهَر عليه آياتٌ ومُعجزات، ثمّ مات وانقَرَض دِينُه ودثرتْ دَعْوَته، ولم يبقَ إلا اسمُه، وليس يَعرفه كلّ الناس بل البعض منهم****- 475 -الأصل: وقال علیه السلام : العَيْنُ وِكاءُ السّنَه .قالَ الرَّضِيُّ رَحمهُ الله تعالى : وهذِهِ مِنَ الاسْتِعارَاتِ العَجِيبَةِ، كأنَّهُ شَبَّهَ السَّتَه بالوعاء، والْعَيْنَ بالوِكاءِ، فَإِذَا أُطلِقَ الوِكَاءُ لَمْ يَنْضَبِط الوِعاءُ. وهذَا الْقَوْلُ في الأشهر الأظهَرِ مِنْ كلامِ النَّبي صلی الله علیه وآله وسلم، وقَدْ رَوَاهُ قَوْمٌ لأمِيرِ المُؤْمِنِين عَلَيْهِ السلامُ وذَكَرَ ذَلِكَ المُبَرِّدُ في الكتابِ المُقْتَضَبِ في باب اللَّفْظِ المعرُوفِ .قال الرّضيّ : وقَدْ تَكَلَّمْنا على هَذِهِ الاسْتعارَةِ في كِتابِنا المَوْسُومِ بِمَجازات الآثارِِ النبوِيَّةِ.
1) العراعر السادات والأشراف اللسان، مادة (عرر).
الشرح: المعروف أنّ هذا من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ذكَرَه المحدِّثون في كتُبهم وأصحابُ غَرِيب الحديث في تصانيفهم، وأهلُ الأدب في تفسير هذه الّلفظة في مجموعاتهم الّلغوية، ولعل المبرِّد اشتَبَه عليه فنسبه إلى أمير المؤمنين علیه السلام ، والرواية بلَفظ التثنية : «العينان وكاءُ السَّتَه»(1، والسَّتَهُ : الأسْتُ .)وقد جاء في تمام الخبر في بعض الروايات : «فإذا نامت العينان استطَلَق الوِكاء». والوكاء: رباطُ القِرْبة، فجعل العينين وكاء - والمُرَادُ اليَقَظة - للسَّته كالوِكاء للقربة، ومنه الحديث في اللُّقَطة: «احْفَظ عِفاصَها ووكاءها، وعرّفها سنةً، فإن جاء صاحِبُها وإلا فشأنَك بها»، والعفاص: السِّداد، والوكاء : السّداد، وهذه من الكِنايات اللطيفة .### بعض ما ورد في الكنايات وبعض الشواهد عليهاوقد كنّا قدمنا قطعةً صالحة من الكنايات المستحسَنة، ووعَدنا أن نعاوِدَ ذكر طرف منها ، وهذا الموضعُ موضعه، فمن الكناية عن الحدث الخارج - وهو الذي كَنَى عنه أميرُ المؤمنين علیه السلام، أو رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم الكناية التي ذكرها يحيى بن زياد في شعره، قيل: إنّ يحيى بن زياد ومطيعَ بن إياس وحمّاداً الرّاوية جلسوا على شِرْبٍ لهم، ومعهم رجلٌ منهم، فانحلّ وكاؤه، فاستحيا وخَرَج، ولم يعد إليهم ، فكَتَب إليه يحيى بنُ زياد.أمِنْ قَلوص غَدَتْ لم يُؤذِهَا أَحَدٌ إِلا تَذَكُرُها بالرَّمل أوطانَاخانَ العِقالُ لها فانبَتْ إِذْ نَفَرَتْ وإنما الذنب فيها للّذي خانامنحثنا مِنْك هجراناً ومَقْلِيَةً ولم تَزُرْنا كما قَدْ كنت تَغْشاناخفض عليك فما في الناس ذُو إبل إلا وأينقه يَشرُدن أحيَاناوليس هذا الكتابُ أهلاً أن يضمن حكاية سخيفةً أو نادرة خليعة فنذكر فيه ما جاء في هذا المعنى، وإنما جرّأنا على ذكر هذه الحكاية خاصة كنايةُ أمير المؤمنين علیه السلام أو رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم عنها، ولكنا نذكر كنايات كثيرة في غير هذا المعنى مستحسنة، ينتفع القارىء بالوقوف عليها .يقال : فلانٌ من قوم موسى، إذا كان ملولاً، إشارة إلى قوله تعالى : (وَإِذْ قُلْتُمْ يَنمُومَن لَن تصير على طعام واحد (2).)
قال الشاعر :فيا مُن ليس يُكفّيه صَديقٌ*** ولا ألفا صديق كلَّ عامأظنّك من بقايا قوم موسى فهم لا يصبرون على طعاموقال العبّاس بن الأحنف:كتبت تلوم وتستريتُ زيارتي وتقول: لست لنا كعَهْدِ العَاهِدِفاجبْتُها ودُموعُ عَيْنَي سُجَّمٌ تَجْرِي على الخدين غير جَوامِدِيا فَوْزُ لم أهْجُرْكُمُ المِلالة عرَضَتْ ولا لمقال واش حاسدلكنّني جَرِّبْتُكم فوجدتكمْ لا تصيرون على طعام واحدويقولون للجارية الحسناء : قد أبقَتْ من رِضوان، قال الشاعر:جَسَت العُودَ بالبَنانِ الحِسانِ وتثنت كأنها غُصْنُ بانِفسجَدْنا لها جميعاً وقلنا*** إذشجَتْنا بالحسن والإحسانحاش لله أن تكوني من الإن***س ولكن أبقتِ مِنْ رِضوانويقولون للمكشوف الأمر الواضح الحال: ابن جَلا، وهو كناية عن الصبح ومنه ما تمثل به الحجّاج :أنا ابنُ جَلا وطَلاّع الثّنايا ***متى أضَع العمامةَ تَعرفونيومنه قول القلاخ بن حَزْن :أنا القُلاخُ بنُ القُلاخ ابن جَلاومنه قولُهم : فلان قائدُ الجَمَل لأنّه لا يَحْفَى لعظم الجَمَل وكبر جنّته، وفي المَثَل : ما استَتَر مَن قاد جَمَلاً. وقالوا : كَفَى برُغائها نداءً، ومِثلُ هذا قولُهم : ما يومُ حَليمة بسير يقال : ذلك في الأمر المشهور الذي لا يُسْتَر ، ويومُ حَليمة يوم التقى المنذر الأكبر والحارثُ الغَسّانيّ الأكبر، وهو أشهر أيّام العَرَب ، يقال : إنه ارتَفَع من العَجَاج ما ظهرت معه الكواكب نهاراً، وحليمة : اسم امرأة أضيفَ اليومُ إليها ، لأنّها أخرَجَتْ إلى المعركة مراكن العيب، فكانتْ تُطيب بها الداخلين إلى القِتال، فقاتلوا حتى تفانوا .ويقولون في الكِناية عن الشّيخ الضعيف : قائد الحمار، وإشارة إلى ما أنشَدَه الأصمعي :آتي النَّدِيَّ فلا يُقرب مَجلسي وأقود للشَّرَف الرَّفيع حِمارِِيأي أقوده من الكِبَر إلى مَوْضع مرتفع لأركَبه لضَعفي. ومثلُ ذلك كنِايتهُم عن الشّيخ الضعيف بالعَاجِن ، لأنّه إذا قام عَجَن في الأرض بكفّيه، قال الشاعر:فاصبحتَ كُنْتِيّاً وأصبَحْتَ عاجناً وشَرُّ خِصال المرء كنتُ وعاجنُ
قالوا : الكُنْتِيُّ الذي يقول كنتُ أفعَل كذا ، وكنتُ أوكَب الخيل، يتذكر ما مضَى من زمانِه، ولا يكونُ ذلك إلّا عند الهَرَم أو الفَقْر والعَجْز.ومِثلُه قولُهم للشيخ : راكع ، قال لَبيد:خبر أخبار القُرونِ الّتي مَضَتْ ادب كاني كلما قمتُ راكِعُوالركوع : هو التَّطأطق والانحناء بعد الاعتدال والاستواء، ويقال للإنسان إذا انتَقَل من الثّروة إلى الفَقْر : قد رَكَّع ، قال :لا تهين الفقير عَلكَ أَنْ تَرْ كعَ يَوْماً والدَّهرُ قد رَفَعَهُوفي هذا المعنى قال الشاعر :ارفع ضعيفك لا يجزيك ضَعْفُه*** يوماً فتدركه الحوادث قديمايَحِرْبِكَ يَجزِيك أو يُثْنِي عليكَ وإن مَنْ*** يُثني عليك بما فَعَلْتَ فقد جَزَىومِثلُه أيضاً :وأكْرِِمْ كريماً إن أتاكَ لحاجةٍ*** لعاقبة إنّ العِضَاءَ تروّحُتروَّح الّشجر : إذا انفَطَر بالنَّبت ، يقول : إن كان فقيراً فقد يَستغني، كما أنّ الشّجر الّذي لا وَرَق عليه سيَكتَسي ،وَرقاً ، ويقال : ركع الرجل، أي سَقَط .وقال الشاعر :خرقُ إذا رَكَعَ المَطِيُّ من الوَجَى*** لم يطو دون رفيقه ذا المَرْوَدِحتّى يؤوب به قليلاً فضلُه*** حَمِد الرفيقُ نَداكَ أو لم يَحمَدوكما يشبِّهون الشيخ بالرّاكع فيَكنُون به عنه، كذلك يقولون : يَحْجِل في قَيْده لتقارب خَطوه قال أبو الطَّمَحان القَيْني : نتني حانياتُ الدَّهْر حَتَّى ***كاني خايل أدنُو لصَيْدِقريب الخطو يَحسَب مَن رآني ***- ولستُ مُقيّداً - أنِّي بِقَيْدِونحو هذا قولُهم للكبير : بَدَتْ له الأرنب، وذلك أنّ من يَختِل الأرنبَ ليَصِيدَها يَتمايَل في مِشيَته ، وأَنشَد ابن الأعرابيّ في النّوادر :وطالت بيَ الأيّام حتى كأنّني ***من الكبر العالِي بَدَت لي أرْنَبُونحوه يقولون للكبير : قيد بفلان البعير ، أي لا قوّة ليده على أن يُصرِّف البعيرَ تَحتَه على حَسَب ،إرادته، فيَقودُه قائدٌ يَحمِله حيثُ يريد .ومن أمثالهم : لقد كنتُ وما يقادُ بي البعير : يضرَب لمن كان ذا قُوَّة وعَزْم، ثم عَجَز وفَتَر . ومن الكنايات عن شَيْب العَنْفَقَة قولهم : قد عَضَّ على صُوفه .
ويَكْنُون عن المرأة التي كَبِر سنُّها فيقولون : امرأةٌ قد جمعت النّياب، أي تَلبَس القِناعَ والخِمار ،والإزار وليست كالفَتاة التي تلبس ثوباً واحداً .ويقولون لمن يَخضب : يسوِّد وجه النَّذير، وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ كُمُ النَّذِيرُ (1): إنها لشَّيب. وقال الشاعر:)وقائلةٍ ليَ اخضِبُ فالغَوانِي*** تَطيرُ مِنْ مُلاحظة القَتِيرِفقلت لها المَشيبُ نَذِيرُ مَوْتى*** ولستُ مسوّداً وجه النَّذِيرِوزاحم شابُّ شيخاً في طريق فقال الشابّ : كم ثمن القوس؟ يعيره بانحناء الظَّهر، فقال الشيخ : يابنَ أخي : إن طَال بكَ عُمْرٌ فسوفَ تَشْتَرِيها بلا ثمن .وأنشد لابن خَلف :تعيِّرني وخطّ المَشيبِ بعارضِي*** ولولا الحجُولُ البُلْق لم تُعرَف الدُّهُمُحَنَى الشَّيبُ ظَهْرِي فاستَمرّت مَريرتي** ولولا انحناءُ القوسِ لم يَنفُذ السّهمُويقولون لمن رشا القاضي أو غيره : صَبّ في قِندِيله زَيْتاً، وأنشد:وعند قُضاتنا خبثٌ ومَكْرُ وزَرْع حين تَسْقِيه يُسنيلإذا ما صُبّ في القِنديل زَيتٌ تحوّلت القضيّة للمُقَندِلُوكان أبو صالح كاتبُ الرّشيدِ يُنسب إلى أخذ الرّشا، وكان كاتب أمّ جعفر . وهو سعدانُ بن یحیی كذلك، فقال لها الرّشيد يوماً : أما سمعت ما قيل في كاتبك؟ قالت : ما هو ؟ فأنشَدَها :صَبّ في قنديل سَعْدًا ن مع التسلِیم زَیتاوقنادیل بَنيهقبل أن تَخفَی الکُمَیتَاقالت : فما قيل في كاتبك أشنَع، وأنشدَته :نديلُ سَعْدَانَ علا ضوءَهُ*** فَرْخُ لقِنديل أبي صالِحتَراهُ في مَجلِيه أحوَصاً من لمحِه للدِّرهم اللائحويقولون: لمن طلق ثلاثاً : قد نَحَرَها بمثلثه .ويقولون أيضاً : أعطاها نِصف الَّسنة.ويقولون لمن يفخَر بآبائه : هو عِظاميّ، ولمن يَفخر بنفسه هو عِصَاميّ، إشارةً إلى قول النّابغة في عصام بن سَهل حاجب النّعمان :نفسُ عِصامٍ سَوّدتْ عِصامَا وَعَلْمتَه الكَرُ والإقدامًاوجَعَلْته مَلِكاً هُماما
1) سورة فاطر، الآية: 37 .
وأشار بالعِظاميّ إلى فَخره بالأموات من آبائِهِ ورَهْطه، وقال الشاعر:إذا ما الحَيُّ عاش بِعَظمِ ميت فذاكَ العَظم حيُّ وهو مَيْتُونحو هذا أنّ عبد الله بن زياد بن ظَبيان التَّميميّ دَخل على أبيه وهو يَجُود بنَفسه فقال : الا أوصي بك الأميرَ؟ فقال: إذا لم يكن للحَيّ إلا وصيّة الميّت فالحي هو الميت، ويقال: إن عطاءَ بن أبي سُفيان قال ليزيدَ بن معاوية : أغنِني عن غَيْرك، قال:حَسْبُك ما أغنَاك به معاوية، قال: فهو إذن الحي وأنتَ الميّت، ومثل قولهم : عِظاميّ، قولهم: خارجيّ، أي يَفخَر بغير أوليّة كانت له، قال: كثيرّ لعبد العزيز :أبا مَرْوانَ لستَ بخارجيِّ وليس قديمُ مَجدك بانتحالويَكنُون عن العزيز وعن الذُّليل أيضاً فيقولون: بَيضة البَلَد، فمن يقولها للمَدْح يذهَب إلى أنَّ البَيضة هي الحَوزة والحِمَى، يقولون: فلانٌ يَحمِي بَيْضَته أي يَحمِي حَوْزَته وجماعَته، ومن يقولُها للذّم يعني أنّ الواحدةَ من بَيض النّعام إذا فسدت تركها أبواها في البلد وذَهَبًا عنها، قال الشاعر في المدح:لكنّ قائله من لا كِفاءَ له من كان يُدعَى أَبُو بَيْضَةِ البَلَدِوقال الآخَر في الذّمّ :تَأْبَى قُضاعة لم تَعْرِف لكمْ نَسَباً وأبنانِزارٍ فانتمْ بَيْضةُ البَلَدِويقولون للشيء الّذي يكون في الدهر مرَّة واحدة: هو بَيضة الدَّيك، قال بشّار :يا أطيبَ الناس ريقاً غير مختَبر** الّأشهادة أطرافِ المَساوِيكِقد زُرْتِنا زَوْرَة في الدّهر واحدةً*** ثَنِّي ولا تَجْعَلِيها بَيْضَةَ الدِّيكِويَكنُون عن الثقيل بالقَذَى في الشّراب، قال الأخطل يذكر الحمر والاجتماع عليها :وليسَ قَذَاها بالذي قد يضيرُها*** ولا يذبابِ نَزْمُه أَيسَر الأمْرِولكنْ قَذاهَا كلّ جِلْف مكلّف أتثنا به الأيّامُ من حيثُ لا نَدْرِيفَذاك القَذَى وابنُ القَذَى وأخو القَذَى فإنّ له من زائر آخر الدّهرِويَكنُون أيضاً عنه بقدح الَّلبلاب قال الشاعر:يا ثقيلاً زاد في الثّف** -ل على كلِّ ثَقیلأنتَ عندِي قَدَح اللَّب*** -لابِ في كَفِّ العلیلويَكنُون عنه أيضاً بالقَدَح الأوّل، لأنّ القَدَح الأوّل من الخَمْر تكرَهه الطّبيعة وما بعدَه فدُونه لاعتياده، قال الشاعر:وأثقَل من حضين بادياً*** وأبغَض من قَدَح أوّل
ويَكنُون عنه بالكانون، قال الحُطَيئة يهجو أمَّه:تَنَحْيُ فاقعُدِي عَنِّي بعيداً أراحَ اللهُ مِنك العالَمينَاأغربالاً إذا اسْتُودِعُتِ سِراً وكانوناً على المتحدَّثينا! :قالوا: وأصلُه مِنْ كَنَنْت أي سَتَرْت، فكأنه إذا دَخَل على قوم وهم في حديث سَتَروه عنه، وقيل: بل المُراد شِدّة بَرده.ويَكنُون من الثّقيل أيضاً برحا البؤر، قال الشاعر :وأثقَل من رحا بَزْرِ عَلينا كأنّكَ من بقايا قوم عادِويقولون لمن يَحمَدون جِوارَه: جارُه جارُ أبي دُوَادِ، وهو كَعب بنُ مامةَ الإياديّ، كان إذا جاوَرَه رجلٌ فمات وَدَاء، وإن هَلَك عليه شاة أو بعيرٌ أخلَف عليه، فجاوَرَه أبو دواد الإياديّ، فأحسن إليه، فضُرِب به المَثَل .ومثلُه قولُهم : هو جليسُ قَعقاع بن شَوْر، وكان قد قَدِم إلى معاويةَ فدَخَل عليه، والمجلس غاصُّ بأهله ليس فيه مَقعَد، فقام لَه رجل من القوم وأجلَسَه مكانه، فلم يَبرَح القعقاعُ من ذلك الموضع يكلّم معاويةَ ومعاويةُ يُخاطِبه حتى أمَر له بمائة ألفِ دِرْهم، فأحضِرَت إليه، فجُعلت إلى جانبه ، فلمّا قام قال للرجل القائم له من مكانه : ضُمِّها إليك، فهي لكَ بقيامِك لنا عن مجلسك، فقيل فيه :وكنتُ جليسَ فَعْقاعِ بن شَوْرٍ ولا يَشقى بقعقاع جَليسُضحوك السِّنّ إِنْ نَطقوا بخَيْرٍ*** وعند الشَّرِّ مِطرَاقَ عَبُوسأَخَذ قَوله :«ولا يَشقَى بقَعقاع جليسُ» من قول النبي صلی الله علیه وآله وسلم: «هم القومُ لا يَشقى جليسُهم»(1.)ويَكنُون عن السَّمين من الرّجال بقولهم : هو جار الأمير وضيفُ الأمير، وأصلُه أنّ الغَضبان بنَ القبعثرَى كان محبوساً في سجن الحجّاج، فدعا به يوماً ،فكلّمه، فقال له في جملة خطابه : إنّك لسَمين يا غَضْبان فقال : القيد والرّتعة والخَفْض والدَّعَة ومَن يكن ضيف الأمير يَسمَن .ويكني الفلاسفةُ عن السَّمين بأنه يُعرّض سور حبسه ، وذلك أن أفلاطُونَ رأى رجلاً سميناً، فقال : يا هذا ما أكثرَ عِنايتك بتعريض سور حَبْيك!ونظر أعرابيُّ إلى رجل جيّد الكِذنة (2، فقال : أرى عليك قطيفةٌ مُحكَمَةٌ . قال : نعم ، ذاكَ عنوانُ نعمة الله عِندي .)
ويقولون للكذّاب : هو قموصُ الحَنْجَرة، وأيضاً هو زَلُوق الكَبِد، وأيضاً لا يُوثق بسَيْل بلقِعِه . وأيضاً أسيرُ الهِنْد لأنه يدّعي أنه ابنُ المَلِك، وإن كان من أولادِ السِّفْلَة.ويُكنى عنه أيضاً بالشيخ الغريب، لأنّه يُحِبّ أن يتزوّج في الغُرْبة فيَدَّعي أنه ابنُ خمسين سنةٌ، وهو ابنُ خمسٍ وسَبْعين . ويقولون : هو فاختةُ البَلَد، من قول الشاعر :أكذبُ من فاختةٍ*** تصيحُ فوقَ الكرَبِلطَّلعُ لم يَبْدُلها: هذا أوانُ الرُّطوقال آخر في المعنى :حديثُ أبي حازم كلّه كقول الفواخت: جاء الرُّطَبوهُن وإن كن يُشبهنه فلسْنَ يُدانِينَه في الكَذِبُويَكنون عن النّمام بالزّجاج، لأنه يشِفّ على ما تحتَه، قال الشاعر:انمُّ بما استودعتُه من زُجاجة يُرَى الشيء فيها ظاهراً وهو باطِنُويَكنُون عنه بالنَّسيم، من قول الآخر :وإنّك كلّما استُودِعْتَ سِرَّا*** أنمُّ من النَّسيم على الرِّياضِويقولون : إنه لصُبح وإنه لطِيب كله في النّمام. ويقولون: ما زال يفتِل له في الذِّروة والغارِب حتى أسمَحتْ قَرُونته، وهي النفسُ والذُّروة: أعلى السَّنام ، والغارب: مقدمه .ويقولون في الكِناية عن الجاهل : ما يُدرِي َأيَّ طَرَفيه أطول، قالوا : ذكَرَهُ ولِسانُه .وقالوا : هل نَسَبُ أبيه أفضلُ أمْ نَسبُ امه ؟ومِثْلُه : لا يَعرِف قطائه من ،لطانه أي لا يعرف جَبهته مما بين وَرِكَيه.وقالوا : الحِدّة كُنْية الجَهْل والاقتصاد كنية البُخْل ، والاستقصاء كُنْية الظُّلم .وقالوا للجائع : عَضَّه الصَّفَر ، وعضَّه شُجاع البَطن .وقال الهُذَلي :أَرُدُّ شُجاع البطن قد تعلميِنَه*** وأُوثِر غَرْتَي مِن عِيالِكِ بالطَّعْمِمَخافة أن أخيا بِرَغم وذِلَّةٍ*** وللمَوْتُ خيرٌ من حَياةٍ على رَغْمِويقولون : زوَّدَه زادَ الضّب، أي لم يزوّده شيئاً، لأنّ الضّب لا يشرَب الماء، وإنما يتغذّى بالرّيح والنسيم، ويَأكُل القليل من عُشب الأرض .وقال ابن المعتزّ :
يقول أكلنا لحمَ جَدْي وبطّة*** وعَشْرَ دجاجاتٍ شواء بألبانوقد كَذَبَ المَلعون ما كان زادُه سِوَی زاد ضبٌ يَبلع الرِّيحَ عَطشانوقال أبو الطّيّب :لقد لَعِب البَيْنُ المُشِتُ بها وبى وزوَّدني في السَّير ما زَوّد الصَّباويقولون للمختِلفين من الناس : هم كنَعَم الصَّدَقة، وهم كبَعْر الكبش، قال عمرو بن لجأ :وشِعْر كبَعْر الكَبْش الفَ بَيْنَه*** لسانٌ دَعِيٌّ في القَرِيض دَخِيلُوذلك لأن بعر الكبش يقعُ متفرقاً .وقال بعضُ الشعراء لشاعر آخر: أنا أشعر منك لأني أقولُ البيت وأخاه، وتقول البيت وابن عمّه . فأما قولُ جرير في ذي الرّمة : إنّ شعره بعرظباء ونقط عروس، فقد فسره الأصمعيّ فقال : يريد أنّ شعره حُلْرٌ أول ما تسمعه ، فإذا كُرّر إنشادُه ضَعُف ، لأنّ أبعار الظباء أول ما تشم توجد لها رائحة ما أكلت من الجمحاث والشيح والقيصوم ، فإذا أَدَمْتَ شمّها عُدِمَتْ تلك الرائحة، ونقط العَروس إذا غَسلتها ذهبت .ويقولون أيضاً للمختلفين : أخياف، والخَيْف: سَوادُ إحدى العينين وزرق الأخرى.ويقولون فيهم أيضاً : أولادُ عَلّات كالإخْوَة لأمهات شتى والعَلة : الضَّرة.ويقولون فيهم : خبرُ كُتاب، لأنه يكون مختلفاً، قال شاعرٌ يهجو الحجّاجَ بنَ يوسف :أيَنْسَى كليبٌ زَمانَ الهُزال وتعليمه سُورة الكوثرغيفٌ له فَلكة ما تُرى وآخَر كالقَمَر الأزهَرِومثله :أما رأيت بني سَلْم وجُوههمُ*** كانّها خبرُ كُتّابِ وَبَقَالِويقال للمتساوين في الرداءة كأسنان الحمار، قال الشاعر:سواءٌ كأسنان الحِمارِ فلا تَرَى*** لذِي شَيْبةٍ منهم على ناشيء فَضلاوقال آخر :شبابُهُم وشيبُهم سواءٌ*** فهم في اللوم أسنانُ الحِمارِوأنشد المبرِّد في الكامل لأعرابي يصف قوماً من طيّىء بالتساوي في الرّداءة :ولما أن رأيتُ بَنِي جُوَينِ ***جُلوساً ليس بينهم جَلِيسُيَيْست من الذي أقبلت أبغى لديهم، إنني رجلٌ يَئُوسُ، إذا ما قلتُ أيّهم لأيّ تَشابَهت المناكِب والرؤوسُقال :فقوله: ليسَ بينهم جَليسُ» هِجاء قبيح، يقول : لا ينتجع الناس معروفهم، فليس بينهم
غيرهم. ويقولون في المتساوِيَين في الرَّداءة أيضاً: هما كحِمارَي العبَاديّ، قيل له : أيُّ حِمارَيْك شرّ؟ قال: هذا ثمّ هذا ويقال في التّساوي في الشّرّ والخير هم كأسنان المُشْط، ويقال : وقعا كركبتي البعير وكرِجلي النَّعامة.وقال ابنُ الأعرابيّ : كلّ طائر إذا كُسِرَتْ إحدى رجليه تَحامَل على الأخرى إلا النعام فإنه متی كُسرت إحدى رجليه جثم، فلذلك قال الشاعر يذكُر أخاه :وإني وإياه كرجلي نَعامةٍ*** على مايِنَا من ذي غِنّى وفَقيرِوقال أبو سُفْيانَ بنُ حَرْب العامر بن الطّفيل وعَلقمة بن عُلاثة وقد تنافرا إليه : أنتما كرُكْبَتَي البعير، فلم ينفِّر واحداً منهما فقالا : فأيّنا اليُمني ؟ فقال : كلُّ منكما يُمنى .وسأل الحجّاج رجلاً عن أولاد المهلّب : أيُّهم أفضل ؟ فقال : هم كالحلقة الواحدة .وسُئِل ابنُ دُرَيد عن المبرّد وثعلب، فأثنى عليهما ، فقيل : فابن قتيبة؟ قال : رَيْوة بين جَبَلين، أي حَمَل ذِكْرُه بنباهتهما .ويكنى عن الموت بالقطع عن المنجّمين وعن السّعاية بالنصيحة عند العمال، وعن الجماع بالوَطء عند الفُقهاء، وعن السُّكر بطيب النفس عند الندماء، وعن السؤال بالزوار عند الأجواد، وعن الصَّدقة بما أفاءَ الله عند الصُّوفية.ويقال للمتكلِّف بمصالح الناس : إنه وصيّ آدم على وَلدِه، وقد قال شاعرٌ في هذا الباب :فكانّ آدمَ عند قرب وفاتِه*** أوصاكَ وهو يجودُ بالحَوْباءِببنيه أن ترعاهُمُ فَرَعَيْتَهُمْ وَكَفَيْتَ آدم عَيْلة الأبناءويقولون : فلانٌ خليفةُ الخَضِر إذا كان كثير السَّفَرِ، قال أبو تمام :خليفة الخضْر مَنْ يَربَع على وَطَنٍ أو بَلدةٍ فظهور العِيس أوطانِيبَغدادُ أهلي وبالشام الهوَى وأنا*** بالرَّقتَّين وبالفُسطاط إخوانيوما أظنُّ النَّوى ترضى بما صَنَعتْ ***حتى تُبلُغَ بي أقصى خُراسانِويقولون للشيء المختار المنتخَب: هو ثمرة الغُراب لأنه ينتقي خيرَ الثمر .ويقولون : سَمْنُ فلانٍ في أديمه، كناية عمّن لا يُنتَفع به، أي ما خَرج منه يرجع إليه، وأصلُه أنّ نِحْياً من السَّمن انشقَّ في ظَرف من الدَّقيق، فقيل ذلك، قال الشاعر :تَرحَّل فما بغدادُ دارَ إقامةٍ ***ولا عندمَن أضحَى ببغداد طائِلُمحلّ مُلوك سَمْتُهمْ في أَديمهم ***وكلُّهُم مِن حِلْيَةِ المجد عاطِلُفلا غرو أن شَلَّتْ يدُ المجدِ والعُلى وقَلَّ سماح من رجال ونائِلُإذا غَضْغَض البحرُ الغطامِطُ ماءَه فليس عجيباً أن تغيض الجداول
ويقولون لمن لا يَفي بالعَهْد : فلان لا يَحْفَظ أول المائدة لأنّ أوّلها : (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ وَامَنُوا أوفوا بالعقود (1).)ويقولون لمن كان حَسَن اللباس ولا طائل عنده : هو مِشْجَب، والمِشْجَب : خشبة القَصّار التي يَطرَح التّياب عليها، قال ابن الحجّاج :لي سادةٌ طائر السرور بهم*** يطرده اليأسُ بالمقَالِيعمَشاجِبٌ للنّياب كلّهم*** وهذه عادةُ المشاقِیعجائزتي عندهُمُ إذا سَمِعوا*** شعريّ: هذا كلامُ مَطبوعوإنهم يضحكون إن ضَحكوا*** مِنِّي وأبكي أنا من الجُوعوقال آخر :إذا لبسوا دُكْنَ الخروز وخُضْرَها*** وراحوا فقد راحت عليك المَشاجِبورُوِي أَنّ كَيْسان غلامَ أبي عُبيدة وَفَد على بعض البرامكة فلم يعطه شيئاً، فلما وافى البضرة قيل له : كيف وجدته؟ قال : وجدتُه مِشجَباً من حيث ما أتيتُه وجدتُه .ويكنون عن الطُّفَيليّ فيقولون: هو ذبابٌ، لأنه يقع في القُدور، قال الشاعر:أتيتُك زائراً لقضاءِ حَقٌّ فحال السّترُ دُونَك والحجابُولستُ بواقع في قِدرِ قومٍ وإن كَرِهوا كما يَقَع اللُّبابُوقال آخر :وأنتَ أخو السَّلام وكيف أنتم*** ولست أخا الملماتِ الشّدادِوأطفل حين يُجفَى مِن ذُباب والزم حين يُدْعَى مِن قُرادِويكنون عن الجَرَب بحَبّ الشَّباب، قال الوزير المهلبيّ :یا صروف الدهرِ حَسْبي أيّ ذنب كان ذَنْبی!عِلة خَصْتْ وعَمْک في حبیب ومُجبّدبَّ فی كفّيه يا مَن حبُّهُ دَبَّ بقَلبفهو یشكو حرَّحَبٌ وشَكاتِي حرّ حُبّويكنون عن القصير القامة بأبي زبيبة وعن الطويل بخيط باطل . وكانت كُنْية مروان بن الحكم لأنه كان طويلاً مضطرباً، قال فيه الشاعر :لحا الله قوماً أمْرُوا خَيْط باطل على الناس يُغطي من يَشاءُ ويمنَعُ
1) سورة المائدة، الآية : 1.
وفي خيط باطل قولان: أحدهما أنه الهباء الذي يدخل من ضَوء الشّمس في الكُوّة من البيت، وتسمِّيه العامّة غَزْلَ الشَّمْس، والثاني أنه الخيط الذي يخرج من فم العَنْكَبوت، وتسمِّيه العامة مُخاطَ الشّيطان.وتقول العرب للملقو : لَطِيمُ الشيطان.وكان لقبُ عَمْرو بن سعيد الأشدق، لأنّه كان مَلْقُوا .وقال بعضهم الآخر : ما حَدَث؟ قال: قَتَل عبد الملك عمراً، فقال: قتل أبو الذبان لَطِيم الشيطان، ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِي بَعضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (1).)ويقولون للحزين المهموم: يَعُدّ الحصى، ويَخُطّ في الأرض، ويفت اليَوْمَع، قال المجنون:عشيّة مالي حِيلةٌ غير أنّني*** يلقط الحَصَى والخط في الدار مُولَعُأخُط وأمحو كل ما قد خططته بدَمْعِيَ والغربان حَوْلِيَ وقَعُوهذا كالنّادم يَقْرَع السِّنّ، والبخيل ينكُت الأرض ببنانه، أو بعود عند الردّ، قال الشاعر:عبيدُ إخوانهم حتى إذا رَكبوا يوم الكريهة فالآسادُ في الأجَميُرضون في العُسر والايسار سائِلهمْ*** لا يَقرَعون على الأسنانِ مِن نَدَمِوقال آخر في نكت الأرض بالعيدان :قومٌ إذا نزل الغريب بدارِهم*** تركوه رَبِّ صَواهِلِ وقِيانِلا ينكتون الأرض عند سؤالهم لتطلب العلات بالعيدانِويقولون للفارغ: فؤادُ أمّ موسى .ويقولون للمُثْرِي من المال : مُنْقَرس، وذلك أنَّ عِلَّة النَّقْرِس أكثر ما تعترِي أهل الثّروة والتنعم .حَكى المبرِّد قال : كان الحِرْمازيّ في ناحية عمرو بن مسعدة، وكان يُجْرِي عليه، فخرج عمرو بن مسعدة إلى الشام، وتخلف الحِرْمازيّ ببغداد، فأصابه النَّقرس، فقال:أقام بأرض الشّام فاختلّ جانبي ومطلَبه بالشام غیر قریبولا سيما من مُفْلِس حِلْف نقرِس أما نقرِسٌ في مُفلِسٍ بِعَجيب!: وقال بعضهم يهجو ابن زَيدان الكاتب :تواضَع النِّقرسُ حتى لقد صار إلى رِجْلِ ابنِ زَيْدانِعِلَّةً إنسان ولكنها قد*** وُجِدَتْ في غير إنسان
1) سورة الأنعام، الآية : 129 .
ويقولون للمترَف : رقيقُ النَّعل، وأصله قولُ النابغة :رِقاقُ النّعالِ طيّبٌ حُجُزَاتُهمْ يُحيون بالريحان يومَ السَّباسبيعني أنهم ملوكٌ، والملك لا يخصف نعله وإنما يخصف نعله من يمشي. وقوله : «طيّب حجزاتهم»، أي هم أعِفّاء الفروج، أي يشدّون حُجُزاتهم على عفة. وكذلك قولهم : فلانٌ مُسمَط النعال، أي نعله طبقة واحدة غير ،مخصوف قال المَرّار بنِ سَعيد الفَقْعَسي :وجَدْتُ بني خفاجة في عقيل كِرامَ الناسِ مُسمَطة النعالوقريبٌ من هذا قول النَّجاشيّ:ولا يأكل الكلبُ السّروقُ نِعالنا ***ولا ينتَقِي المُخَ الذي في الجماجِمِيريد أن نعالهم سبت والسبت: جلودُ البقر المدبوغة بالقرظ ولا تقربها الكلاب، وإنما تأكل الكلابُ غير المدبوغ ، لأنه إذا أصابه المَطَر دسَّمه فصار زَهِماً .ويقولون للسّيّد : لا يطأ على قدم أي هو يتقدّم الناس ولا يتبع أحداً فيطأ على قَدَمه.ويقولون : قد اخضرّت نِعالُهُم، أي صاروَا في خضب وسعة، قال الشاعر:يَايَهون إذا اخضرتْ نِعالهم ***وفي الحفيظةِ ابْرَام مَضاجِيرُوإذا دَعوا على إنسان بالزَّمانة قالوا : خَلع الله ،نعليه، لأنّ المُقعد لا يَحتاجُ إلى نَعْل .ويقولون : أطفأ الله ،نوره كنايةٌ عن العَمَى وعن المَوْت أيضاً، لأنّ من يموت فقد طَفِئَتْ نارُه .ويقولون : سقاهُ الله دَم جَوْفه، دُعاءٌ عليه بأن يقتل ولده، ويُضْطَرَّ إلى أخذِ دِيتِهِ إبلاً فيَشرَب ألبانها .ويقولون : رماه الله بليلة لا أختَ لها أي ليلة ،موته، لأنّ ليلة المَوْت لا أختَ لها .ويقولون: وَقَعوا في سَلا جَمَل، أي في داهية لا يُرى مِثلُها ، لأنّ الجمل لا سَلا له ، وإنما السَّلا للناقة، وهي الجُلَيْدة التي تكون ملفوفة على وَلدها .ويقولون : صارُوا في حُوَلاء ناقة، إذ صاروا في خضب.وكانوا إذا وصفوا الأرض بالخضب قالوا : كأنّها حُوَلاء ناقة .ويقولون لأبناء الملوك والرؤساء ومن يَجرِي مَجراهُم : جُفاة المَحَزّ، قال الشاعر:جُفاةُ المَحَر لا يُصيبون مفصلاً **ولا يأكلون اللحم إلا تَخنُّمَايقول : هم ملوك، وأشباه المُلوك لا حِذْقَ لهم بنَحْر الإبل والغنم ولا يعرفون التجليد والسَّلْخ، ولهم من يتولى ذلك عنهم، وإذا لم يحضرهم من يجزر الجزور تكلّفوا هُمْ ذلك بأنفسهم، فلم يُحسنوا حزَّ المفصل كما يفعله الجَزّار ، وقوله :ولا يأكُلون اللحم إلا تَخنُما
أي ليس بهم شَرَه فإذا أكلوا اللحم تخدموا قليلاً قليلاً، والخَدم : القطع، وأنشد الجاحظ مثلِه :وصُلْعُ الرّؤوسِ عِظامُ البطونِ*** جُفاةُ المَحَرِّ غِلاظ القِصَرُلأنّ ذلك كلّه أمارات الملوك، وقريبٌ من ذلك قوله :ليس براعِي إبل ولا غَنَمْ ولا ب-جَزَارٍ على ظهرِ وضَمْويقولون: فلانٌ أملَس يكنُون عمّن لا خَير فيه ولا شَرّ، أي لا يثبت فيه حمدٌ ولا ذَمّ.ويقولون : مِلْحُه على رُكبَته، أي هو سيّء الخُلُق، يُغضبه أدنى شيء، قال:لا تَلُمْها إنّها من عُضبةٍ مِلحُها موضوعة فوق الرُّكَبويقولون : كنايةً عن مَجوسيّ : هو ممّن يخُطّ على النّمل، والنّمل جمع نَملة، وهي قَرحة بالإنسان، كانت العربُ تَزعم أنّ المجوسيَّ إذا كان من أختِه وخَطّ عليها بَرَأت، قال الشاعر :ولا عيبَ فينا غَيرَ عِرْقٍ لِمعشَر كِرام وأنا لا نَخُطُ على النَّمْلويقولون للصبيّ : قد قُطِفتْ ثمرته ، أي خُتن. وقال عُمارة بن عقيل بن بلالٍ بن جَرير :ما زال عصيانُنا لله يرذُلنا حتّى دفعنا إلى يَحيَى َودِينارإلا عُلَيْجَيْن لم تُقطّف ثِمارُهما*** قد طالَما سَجَدَ للشّمس والنارويقولون : قِدر حليمة، أي لا غَلَيَانَ فيها .ويقولون لمن يصلّي صلاةً مختصرة: هو راجزُ الصّلاة.وقال أعرابيُّ لرجل رآه يصلّي صلاةً خفيفة : صلاتُك هذه رَجَز.ويقولون : فلانٌ عفيف الشَّفَة، أي قليلُ السؤال، وفلانٌ خفيفُ الشفة، كثيرُ السؤال.وتَكنى العَرب عن المتيقّظ بالقُطاميّ، وهو الصُّفر :ويَكنُون عن الشَّدّة والمَشَقَّة بعَرَق القِرْبة، يقولون : لقيتُ من فلانٍ عَرَق القِرْبَة، أي العَرَق الذي يَحدُث بك من حَمْلها وثقلها، وذلك لأنّ أشدَّ العمل كان عندهم السَّقْي وما ناسَبَه من معالجة الإبل.وتكني العَرب عن الحَشَرات وهَوامُ الأرض بجُنودِ سَعْد، يعنون سعد الأخبية، وذلك لأنّه إذا طلع انتشرت في ظاهر الأرض، وخرج منها ما كان مستتراً في باطنها، قال الشاعر :قد جاء سعدٌ مُنذِراً بحرِّه*** مُوعِدَةٌ جُنوده بشَرِّهويكني قومٌ عن السائلين على الأبواب بحُفّاظ سورة يوسفَ علیه السلام ، لأنهم يعتَنون بحفظها دونَ غيرها، وقال عُمارة يَهجُو محمّد بن وُهَيب :تَشَبّهتَ بالأعراب أهل التعجْرُفِ*** فدل على ما قلت تُبْحُ التكلف
لسانٌ عراقيُّ إذا ما ضَرَفْتَه*** إلى لغة الأغراب لم يتصرَّفولم تَنْسَ ما قد كان بالأمس حاكَه*** أبوكَ وعُودُ الجَت لم يتقصّفِلئن كنتَ للأشعار والنحو حافظاً لقد كان من حُفّاظ سورة يوسفويَكنُون عن اللَّقيط بتربيِة القاضي، وعن الرّقيب بثاني الحَبِيب، لأنه يُرَى معه أبداً، قال ابنُ الرومي:مَوْقِف للرقيب لا أنساهُلستُ أختارُه ولا آباهُمرحباً بالرّقيب من غير وَعد*** جاء يجلو عليَّ مَن أهواهُلا أحب الرقيبَ إلاّ لأنّي ***لا أرى من أحب حتّى أراهُويَكنون عن الوَجه المَليح بحُجَّة المُذنب، إشارة إلى قول الشاعر :قد وجدنا غفلةٌ من رقيب فسَرَقْنانظرةٌ مِن حَبيبِورأينا ثم وجها مَليحاً فوَجَدْنا حُجَّةً للذّنوبِويَكنُون عن الجاهل ذي النِّعمة بحجّة الزنادقة، قال ابنُ الروميّ :مَهْلاً أبا الصَّفر فكم طائر خَرَّ صريعاً بعد تَحليقلا قدّستْ نُعمى تسربَلْتَها كم حُجَّة فيها لزنديق!وقال ابنُ بَسام في أبي الصَّفر أيضاً :يا حُجَّة الله في الأرزاقِِ والقِسَمِ وعبرة لأولي الألباب والفهمتراك أصبحت في نعماءِ سابغة إلا ورَبُّكَ فَضْبان على النَّعَمِفهذا ضد ذلك المقصد، لأنّ ذاكَ جَعلَه حُجَّةٌ على الزَّنْدَقة، وهذا جَعلَه حجّة على قُدْرة البارى سبحانه على عجائب الأمور وغرائبها ، وأن النَّعم لا قدر لها عندَه سبحانه، جَعَلَها عند أبي الصقر مع دناءة منزلته. وقال ابن الرّوميّ :وقَيْنة أبرَدُ من ثلجة تبيتُ منها النفسُ في ضَجّةكأنها من نتنهاصَخْةٌ لكنّها في اللون أترجةتفاوتتْ خِلقتُها فاغتدَتْ لكلِّ مَنْ عُمّل مُختجّةوقد يُشابه ذلك قولَ أبي عليّ البَصير في ابن سعدان :يابنَ سَعدانَ أجْلَحَ الرِّزْقُ في أم رك واستحسن القبيح بمَرّةنلت مالم تكن تَمَنَّى إذا ما أسرفت غايةُ الأماني عشرةليس فيما أظنّ إلّا لكَيْلا يُنكر المنكرون لله قَدْرَة
وللمفجّع في قريب منه :إن كنتُ خُنتكم المودّة غايراً أو حُلْتُ عن سَنَن المحبّ الوامِقِفمُسِخت في قُبْح ابن طلحة إنّه ما دلّ قطّ على كمال الخالقويقولون : عَرَض فلانٌ على الحاجة عَرْضاً سابرياً، أي خفيفاً من غير استقصاء، تشبيهاً له بالثّوب السَّابِرِيِّ، والدّرع السابرية، وهي الخفيفة.ويُحكَى أن مرتداً مَرَّ على قوم يأكلون وهو راكبٌ حماراً، فقالوا : انزل إلينا، فقال: هذا عَرْضٌ سابريّ، فقالوا : انزل يابن الفاعلة. وهذا ظَرْفٌ ولباَقة.ويقولون في ذلك : وعدٌ سابريّ، أي لا يُقرَن به وفاء، وأصلُ السابِرِِيّ، اللَّطيف الرّقق .وقال المبرِّد: سألتُ الجاحِظَ من أشعَر المولّدين؟ فقال: القائل :كانّ ثِيابَه أطلَع*** ن أزراره قَمرَايزيدُك وجهُه حُسنا*** إذا ما زدْتَه نَظَرابعَينِ خَالَطَ التف ير في أجفانِها الحَوَراووجه سابِرِیِّ لو *** تَصوَّبَ ماوه قَطَرايعني العبّاس بن الأحنف .وتقول العرب في معنى قولِ المحدّثين : عَرض عليه كذا عَرْضاً سَابِرِيًّا : عَرَض عليه عَرْضَ عالة، أي عَرْض الماء على النّعم العالّة الّتي قد شَرِبتْ شُرْباً بعدَ شُرْب، وهو العَلَل ، لأنّها تُعرَض على الماء عَرْضاً خفيفاً لا تبالغ فيه .ومن الكنايات الحسنة قولُ أعرابية قالت لقيس بن سعد بن عُبادة: أشكو إليك قلّة الجرذان بیتی؛ فاستَحسَن منها ذلك، وقال لأكثرنّها املؤوا لها بَيتَها خُبزاً وتَمْراً وسَمْناً وأَقِطاً ودقيقاً.وشبيةٌ بذلك ما رُوي أنّ بعض الرؤساء سايَرَه صاحبٌ له على بِرْذَون مهزول، فقال له : ما أشدَّ هُزالَ دابّتك ! فقال : يدها مع أيْدِينا ، ففطن لذلك ووَصَله .وقريبٌ منه ما حُكِيَ أنّ المنصور قال لإنسان : ما مالك؟ قال ما أصونُ به وَجْهي، ولا أعودُ به على صَدِيقي، فقال : لقد تلطفتَ في المسألة، وأمر له بصلة.وجاء أعرابيُّ إلى أبي العباس تَغلب وعنده أصحابُه، فقال له : ما أراد القائلُ بقوله :الحمد الله الوَهوب المنّان صارَ الشريد في رؤوس القُضبانفاقبَل ثَعلَب على أهل المجلس فقال : أجيبوه، فلم يكن عندهم جواب، وقال له نِفْطَوَيْه : الجواب منكَ يا سيدي أحسَن، فقال على أنّكم لا تَعلَمونه! قالوا : لا نَعلَمه، فقال الأعرابيّ،
قد سمعتُ ما قال القوم، فقال: ولا أنتَ أعزّكَ الله تعلمه، فقال ثعلب : أرادَ أن السُّنبل قد أفرك ، قال : صدقتَ فأينَ حقّ الفائدة؟ فأشار إليهم ،ثعلب ،فبرُّوه، فقام قائلاً : بوركتَ من ثعلب، ما أعظَم برَكَتك ! .ويَكنُون عن الشَّيْب بغُبار العسكر، وبرغْوَة الشّباب، قال الشاعر :قالت أرَى شَيباً برأسِك، قلتُ لا*** هذا غبارٌ من غُبار العَسْكَرِوقال آخر - وسمّاه غُبار وقائع الدّهر :غَضبت ظَلُوم وأزمعتْ هَجري وصَبَتْ ضمائرها إلى الغَدْرِقالت أرَى شَيْباً فقلت لها: هذا غُبار وقائع الدّهرِويقولون للسّحاب : فَحْل الأرض.وقالوا : القلم أحدُ اللّسانين، ورداءَة الخَلط أحدُ الزَّمانتين .قال : وقال الجاحظ: رأيت رجلاً أعمى يقول في الشّوارع وهو يسأل : ارحموا ذَا الزَّمانتين، قلتُ وما هما؟ قال: أنا أعمى وصَوتي قبَيح. وقد أشارَ شاعرٌ إلى هذا فقال :اثنانِ إذا عدًا حقيق بهما المَوْتُفقیزٌ مالَه زُهدٌوأعمَی ما لَه صَوتُمالَه وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : «إيَّاكم وخَضْراء الدَّمَن»، فلما سُئِل عنها قال: «المرأةُ الحَسناء في المَنبت السّوء»(1.)وقال علیه السلام في صُلحِ قوم من العرب:« إنّ بيننا وبينهم عَيبة مكفوفة»، أي لا نكشفَ ما بينَنا وبينهم من ضِغْن وحِقْد ودَم.وقال علیه السلام : «الأنصارُ كَرِشي وعَيْبتي ، أي موضعُ سِرِّي وَكَرِشي : جَمَاعَتِي.ويقال : جاءَ فلانٌ رَبِذ العِنان، أي مُنهزماً .وجاءَ ينفض مِذْرَوَيه، أي يتوعد من غير حقيقة .وجاء يَنظُر عن شماله، أي مُنهزماً .وتقول : فلانٌ عندي بالشِّمال أي منزلتُه خَسِيسة. وفلانٌ عندي باليمين، أي بالمنزلة العُليا، قال أبو نُوَاس :أقولُ لناقتي إذ بلّغَثني*** لقد اصبحت عندِي باليَمين
1) أخرجه الديلمي في «مسند الفردوس(1537)، والقضاعي في «مسند الشهاب »(957)، وابن حجز في «التلخيص الحبير» (1481).
فلم اجْعَلكِ لِلغِرْبانِ نَهْباً ولم أقل اشرَقِي بدَم الوَتينحرمتِ على الأزمّة والوَلايَا وأعلاقِ الرّحالة والوَضِينِوقال ابن مَيّادة :أبيني أفي يُمْنَى يَدَيكِ جَعَلتِني ***فأفرح أم صيّرتني في شمالك !وتقول العرب : التَقَى الثريّان في الأمرَين يأتلفان ويتّفقان أو الرّجلين، قال أبو عبيدة: والثرى : التّراب النّديّ في بطن الوادي، فإذا جاء المطر وسح في بطن الوادي حتّى يلتقي نداء والنّدى الذي في بطن الوادي يقال : التَقى الثريّان.ويقولون : هم في خير لا يُطَيّر غُرابه، يريدون أنّهم في خير كثير وخضب عظيم فيَقَع الغراب فلا يُنفّر لكثرة الخصب.وكذلك أمرٌ لا يُنادى وليده، أي أمرٌ عظيم يُنادى فيه الكبارُ دونَ الصّیغار.وقيل : المرادُ أنّ المرأة تَشتغل عن وليدها فلا تناديه لعظم الخَطب، ومن هذا قولُ الشاعر يصِف حَرْباً عظيمة :إِذا خَرِسَ الفَحْلُ وَسط الحجُورِ وصاحَ الكِلابُ وعَقَّ الوَلَدْيريد أنّ الفحل إذا عاين الجيشَ والبارقةً لم يلتفت لَفت الحُجور ولم يَصهَل، وتنَبح الكلابُ أربابها ، لأنّها لا تعرفهم للبسهم الحديد، وتذهَل المرأة عن ولدها رعباً، فجعل ذلك عُقوقاً .ويقولون : أصبحَ فلانٌ على قَرْن أعفَر ، وهو الظَّبي إذا أرادوا أصْبَح على خطر، وذلك لأنّ قَرْن الظَّبي ليس يصلح مكاناً، فمن كان عليه فهو على خَطَر قال امرؤ القَيس :ولا مِثْل يوم بالعظالى قطعتُه كانّى وأصحابي على قرن أعفَرًاوقال أبو العلاء المَعَريّ :كانّني فوقَ رَوْق الظَّبي من حَذَروأنشَدَ ابن دريد في هذا المعنى :وما خيرُ عَيْش لا يزال كأنّه ***محلّة يَعسوب برأس سِنانِيعني من القلق وأنّه غير مطمين.ويقولون: به داءُ الظَّبي، أي لا داءَ به، لأنّ الظّبي صحيحٌ لا يزال والمَرَض قلّ أن يَعتريَه .ويقولون :للمتلوّن المختلف الأحوال : ظلّ الذئب لأنه لا يزل مرّةً هكذا ومرّة هكذا .ويقولون: به داءُ الذُّئب، أي الجُوع.وعهدُ فلان عهدُ الغُراب، يعنون أنّه غادر ، قالوا : لأنّ كلّ طائر بألف أنثاه إلّا الغراب، فإنّه إذا باضَتْ الأنثى تَرَكَها وصار إلى غيرها .
ويقولون : ذهب سَمْعَ الأرض وبصَرَها، أي حيثُ لا يُدرَى أين هو!وتقولون : ألقَى عصاه إذا أقام وأستقرّ، قال الشاعر :فألقتْ عَصاها واستقرَّ بها النَّوَى*** كما قَرْعَيْناً بالإيابِ المُسافِرُووقع القضيبُ من يَدِ الحجاج وهو يَخطُب، فتطيّر بذلك حتّى بانَ في وَجْهه، فقام إليه رجلٌ فقال : إنّه ليس ما سَبَق وهم الأمير إليه، ولكنّه قولُ القائل، وأنشده البيت، فسُرِّيَ عنه .ويقال للمختلفين : طارت عَصاهمْ شِقَقاً .ويقال : فلانٌ منقطع القَبَال، أي لا رَأْيَ له .وفلان عريضُ البِطان، أي كثيرُ الثروة.وفلانٌ رخيُّ اللبّ، أي في سَعَة .وفلانٌ واقعُ الطائر، أي ساكن.وفلانٌ شديد الكاهل، أي مَنيع الجانِب.وفلان يَنظُر في أعقابِ نَجم ،مُغرّب أي هو نايم آيس، قال الشاعر :فأصبحتُ من ليلى الغداة كناظر ***مع الصبح في أعقاب نجم مغرّیبوسُقِط في يده، أي أيقَن بالهَلَكة.وقد ردَدْتُ يده إلى فيه أي منعتُه من الكلام.وبنوفلان يدٌ على بني فلان، أي مجتمعون.وأعطاه كذا عن ظهر يد، أي ابتداءً لا عن مكافأة .ويقولون : جاء فلان ناشراً أُذُنَيه ، أي جاء طامِعاً .ويقال : هذه فرسٌ غير محلفة أي لا تحوج صاحبَها إلى أن يحلف أنها كريمة ، قال :کمیتٌ غیر محلفة ولكن ***كلون الصرف عُلّ به الأديمُوتقول : حَلَبَ فلان الدهر أشطره، أي مَرّت عليه صُرويه خيرُه وشَرُّه .وقرع فلانٌ لأمرٍ ظُنبوبه ، أي جد فيه واجتهد .وتقول : أبدَى الشرّ نواجذه أي ظهر.وقد كشفت الحرب عن ساقها، وكشرت عن نابها .وتقول : استَنْوَق الجَمَلُ ، يقال ذلك للرّجل يكون في حديث ينتقل إلى غيره يَخلطه به.وتقول لمن يهون بعد عِزِّ : اسْتَأْتَن العَير.وتقول للضّعيف يَقوَى : اسْتَنسر البغاث .
ويقولون : شرابٌ بأنقُع، أي مُعاود للأمور، وقال الحجاج: يا أهل العِراق، إنكم شَرّابون بأنقع، أي معتادون الخير والشّرّ. والأنقع : جمع نَقع، وهو ما استُنقِع من الغُدْران، وأصلُه في الطائر الحِذر يَرِدُ المناقع في الفَلوات حيث لا يبلُغه قانِص، ولا ينصب له شَرَك .### خبر عن امرئ القيسونختم هذا الفصل في الكنايات بحكاية رواها أبو الفرج عليّ بنُ الحسين الأصبهاني، قال أبو الفرج : أخبَرَني محمد بنُ القاسم الأنباري، قال: حدثني ابنُ عمّي، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله عن الهيثم بن عَدِيّ. قال: وحدثني عمّي، قال حدثنا محمد بن سعد الكرانيّ، قال: حدّثنا العُمَري، عن الهيثم بنِ عَدِيّ، عن مجالد بن سعيد عن عبد الملك بن عمير، قال : قدم علينا عمر بن هبيرة الكوفة أميراً على العِراق، فأرسَلَ إلى عشرة من وجوه أهل الكوفة أحدهم، فَسِرْنا عنده، فقال: ليُحدّثني كلّ رجل منكم أحدوثةً وابدأ أنت يا أبا عمرو، فقلت : أصلح الله الأمير! أحديث حَقّ أم حديث باطل؟ قال : بل حديث حَقِّ، فقلتُ: إِنّ امرأ القيس كان الى الية الا يتزوّج امرأةً حتى يسألها عن ثمانيِة وأربعة واثنتين، فجعل يَخْطب النّساء، فإذا سألهنّ عن هذا قلن أربعة عشر، فبينا هو يسيرُ في جوف الليل إذا هو برجل يَحمِل ابنةً صغيرة له كأنها البذر لتمِّه فأعجبته فقال لها: يا جارية ما ثمانية وأربعة، واثنتان؟ فقالت : أما ثمانية فأطباء الكلبة وأما أربعة فأخلافُ الناقة، وأما اثنتان فتَديا المرأة، فخطبها إلى أبيها فزَوّجه إياها وشَرَطت عليه أن تسأله ليلة بنائها عن ثلاث خصال، فجعل لها ذلك، وعلى أن يَسُوق إليها مائة من الإبل وعشرة أعبد، وعَشر وصائف، وثلاثة أفراس ففعل ذلك، ثم بعث عبداً إلى المرأة وأهدى إليها معه نِحياً من سَمْن ونحْياً من عَسَل وحُلّة من عَصْب، فنزل العبد على بعض الماء، ونَشَر الحلّة فليسها فتعلقت بسَمُرة فانشقت، وفَتح النِّحيين فأطعم أهل الماء منهما فنقصا ، ثم قَدِم على المرأة وأهلها خُلُوف فسألها عن أبيها وأمها وأخيها، ودفع إليها هديتها، فقالت: أعْلِم مولاك أنّ أبي ذهب يقرب بعيداً، ويبعد قريباً، وأن أمّي ذهبت تشق النفس نَفْسَين، وأنّ أخي ذَهَب يُراعي الشمس، وأنّ سماءكم انشقّت، وأن وعاءَ يكم نضبا .فقدِم الغلام على مولاه فأخبَرَه فقال: أما قولها : إنّ أبي ذهب يُقرب بعيداً، ويبعد قريباً ، فإنّ أباها ذهب يُحالف قوماً على قومه، وأمّا قولها: إن أمي ذهبتُ تَشُقّ النفس نفسين، فإن أمّها ذهبتْ تَقْبَل امرأةٌ نُفَساء. وأمّا قولها : إنّ أخي ذَهَب يُراعي الشمس، فإن أخاها في سَرْحٍ له يرعاه، فهو ينتظر وجوب الشمس ليروح به، وأمّا قولها :إن سماءكم انشَقَّتْ، فإن البُرْد الذي بعثت به انشق، وأما قولها إنّ وعاءَيْكم نَضَبا فإن النّحْيين اللذين بعثت بهما نَقَصَا ، فاصْدُقْني . فقال يا ،مولاي إني نزلتُ بماءٍ مِن مياهِ العَرَب، فسألوني عن نَسَبي فأخبرتهم أني ابن عمّك،
ونشرتُ الحُلّة ولبستُها وتجمّلت ،بها، فتعلقت بسمُرة فانشقَّت، وفتحتُ النّحْيين فأطعمتُ منهما أهل الماء ، فقال : أولى لك! ثمّ ساق مائةً من الإبل، وخرج نحوها ومعه العَبد يسقي الإبل، فعَجَز، فأعانه امرؤ القيس، فرمى به العبد في البئر، وخرج حتى أتَى إلى أهل الجارية بالإبل، فأخبَرَهم أنه زَوْجُها ، فقيل لها : قد جاء زوجُكِ، فقالت : والله ما أَدْرِي أَزَوْجي هو أم لا ! ولكن انحَرُوا له جَزُوراً وأطعِمُوه من كرِشِها وذنبها ، ففعلوا، فأكل ما أطعموه، فقالت: اسقوه لَبَناً حازراً وهو الحامضُ - فسَقَوْه فشرب، فقالت: افرشوا له عند الفَرْث والدم، فَفَرَشوا له، فنام فلما أصبحت أرسلت إليه : إني أريدُ أن أسألك فقال لها : سَلي عمّا بَدا لَكِ، فقالت : مِمّ تختلج شفتاكَ ؟ قال : مِنْ تقبيلي إيّاك، فقالت : مِمّ يَختلج كشحاك، قال: لالتزامي إياك، قالت : فممّ يختلج فَخِذاك؟ قال : لتورّكي إيّاك، فقالت عليكم العبد فَشُدُّوا أيديكم به، ففعلوا .قال : ومرّ قوم فاستخرجوا امرأ القيس من البئر، فرَجَع إلى حَيّه وساق مائةَ من الإبل، وأقبل إلى امرأتِه فقيل لها : قد جاء زوجك فقالت والله ما أدري أزوجي هو أم لا! ولكن انحروا له جَزُوراً، وأطعِمُوه من كَرِشها ،وذَنبها ففعلوا، فلما أتوه بذلك قال : وأين الكبد والسَّنام والمَلْحاء، وأبى أن يأكل ، فقالت اسقوه لَبَناً حازراً، فأتي به، فأبى أن يشربه، وقال: فأين الضريب والرَّئيئة؟ فقالت: افرشوا له عند الفَرْث والدم، ففرشوا له، فأبى أن ينام، وقال: افرشوا لي عند التلعة الحمراء، واضربوا لي عليها خِباءً، ثم أرسلت إليه : هلمّ شَريطتي عليك المسائل الثلاث، فأرسل إليها أنْ سَلي عمّا شِئتِ فقالت : مم تختلج شَفَتاك؟ فقال : لِشُربي المُشَعشعات، قالت : فممّ يختلج كشحاك؟ قال : للبسي الحبرات. قالت : فمم تختلج فخذاك؟ قال : لرَكْضي المُلهمات، فقالت: هذا زَوْجي لعمري، فعليكم به. فأُهديَتْ إليه الجارية. فقال ابن هبيرة حسبكم، فلا خير في الحديث سائر الليلة بعد حديث أبي عمرو، ولن يأتَينا أحدٌ منكم بأعجب منه ، فانصرفنا وأمَرَ لي بجائزة.-476 -الأصل: وقال علیه السلام في كلام لهُ: ووَليَهُم واي فأقامَ واسْتَقامَ، حَتَّى ضَرَبَ الدِّينُ بِجرَانِهِ.الشرح: الجران: مقدّم العُنق، وهذا الوالي هو عمرُ بنُ الخَطاب.وهذا الكلامُ من خُطبة خَطبها في أيّام خلافته طويلة، يذكر فيها قُربه من النبيّ صلى الله عليه وآله واختصاصه له، وإفضاءه بأسراره إليه، حتى قال فيها :
فاختار المسلمون بعده بآرائهم رجلاً منهم، فقارَبَ وسَدّد حَسَب استطاعته على ضعف وحد كانا فيه وليهم بعده ،وَالٍ، فأقامَ واستقام حتى ضَرَب الدِّينُ بِجرانه، على عَسْف وعَجْرَفية كانا فيه، ثم اختلفوا ثالثاً لم يكن يملك من أمر نفسه شيئاً، غَلَب عليه أهله فقادوه إلى أهوائهم كما تقود الوليدةُ البعير المخطوم، فلم يزل الأمر بينه وبين الناس يبعد تارة ويقرُب أخرى حتى نزَوْا عليه فَقَتَلوه، ثم جاؤوا بي مَدَب الدَّبا، يريدون بَيعتي .وتمام الخطبة معروف، فليطلب من الكُتُب الموضوعة لهذا الفن .-477 -الأصل: وقال علیه السلام : يأتي على النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ يَعَضُّ المُوسِرُ فيهِ على ما في يَدَيْهِ، ولَمْ يُؤْمَر بِذَلِكَ، قال الله سبحانه: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ (1)، يَنْهدُ فِيهِ الأشْرَارُ، ويُسْتَذَلُ الأخيار، ويُبايِعُ المُضْطَرُونَ ، وقَدْ نَهى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم عَن بيع المُضطرين .)الشرح: زمانٌ عَضُوض، أي كلبٌ على النّاس، كأنه يَعَضّهم، وفُعول للمبالَغة، كالنَّفور العَقوق، ويجوز أن يكون من قولهم بئرٌ عَضُوض، أي بعيدةُ القَعْر ضَيِّقة، وما كانت البئر عَضُوضاً، فأعضَت كقولهم: ما كانت جَرُوراً فأجرّت، وهي كالعَضوض.وعَضَّ فلانٌ على ما في يده أي بَخِل وأمسك.وينهد فيه الأشرار، ينهضون إلى الولايات والرِِّياسات، وترتفع أقدارُهم في الدنيا . ويُستَدَل فيه أهل الخير والدِّين، ويكون فيه بَيعٌ على وجه الاضطرار والإلجاء، كمن بيعت ضَيْعَته، وهو ذليل ضعيف من ربِّ ضَيْعَةٍ مجاورة لها ذي ثَرْوة وعِزّ وجاه فيلجئه بمَنعه الماء واستذلاله الأكرة والوكيل إلى أن يبيعها عليه، وذلك منهيِّ عنه، لأنه حرامٌ مَخض.****- 478 -الأصل: وقال : يَهْلِكُ فِي رَجُلانِ : مُحِبُّ مُفرط، وباهِتٌ مُفْتَرٍ .
1) سورة البقرة، الآية : 237 .
قالَ الرّضي رَحِمَهُ اللهُ تعالى : وهذا مثل قوله علیه السلام: يَهْلِكُ فِي اثْنَانِ: مُحِب غال ومُبْغِضُ قالٍ .الشرح: قد تقدّم شرحُ مِثلِ هذا الكلام، وخلاصة هذا القول: أن الهالك فيه المفرط والمفرِّط، أما المُفرِط فالغُلاة، ومن قال بتكفير أعيان الصحابة ونفاقهم أو فسقهم، وأما المفرِّط فمن استنقص به علیه السلام أو أبغَضَه او حارَبَه أو أَضمَر له فلا ، ولهذا كان أصحابنا أصحاب النجاة والخلاص والفَوْز في هذه المسألة، لأنهم سلكوا طريقة مقتصدة، قالوا : هو أفضل الخَلْق في الآخرة، وأعلاهُم منزلةً في الجنّة، وأفضل الخَلق في الدنيا، وأكثرهم خصائص ومزايَا ومناقب، وكلّ من عاداه أو حاربه أو أبغَضَه فإنه عدوُّ الله سبحانه وخالدٌ في النار مع الكفّارِ والمنافقين، إلا أن يكون ممن قد ثبتت توبتُه، ومات على تولّيه وحُبِّه .فأما الأفاضلُ من المهاجرين والأنصار الذين وَلُوا الإمامة قبله فلو أنّه أنكر إمامَتهم وغضب عليهم، وسخط فعلهم، فضلاً عن أن يُشهر عليهم السيف، أو يدعو إلى نفسه، لقُلنا : إنهم من الهالكين، كما لو غضب عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله، لأنه قد ثبَت أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال له : حربُك حَرْبي، وسلمك سلمي (1، وأنه قال: «اللهم والِ مَن ولاه، وعاد من عاداه»(2)، وقال له : «لا يُحبُّك إلّا مؤمن ولا يبغضك إِلّا مُنافِق»(3)، ولكنا رأيناه . رضيَ إمامَتَهم وبايعهم وصلى خلفهم وأنكحهم وأكل من فيئهم، فلم يكن لنا أن نتعدَّى فعله، ولا نتجاوز ما اشتهر عنه ألا ترى أنه لما برىء من معاوية برثنا منه، ولمّا لَعَنه لعنّاه، ولمّا حَكم بضلال أهل الشام ومن كان فيهم من بقايا الصحابة كَعَمْرو بن العاص وعبد الله ابنه وغيرهما حكمنا أيضاً بضلالهم !والحاصل أنا لم نَجْعل بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله إلّا رتبة النبوّة، وأعطيناه كلّ ما عدا ذلك من الفضل المشترك بينه وبنيه، ولم نَطعُن في أكابر الصحابة الذين لم يصحّ عندنا أنه طعن فيهم، وعاملناهم بما عامَلَهم علیه السلام به
1) ينابيع المودة: 172/1 - 253 ، والشيعة في الفريقين: 39 - 41 - 205 .
2) أخرجه الحاكم في «مستدرك» (4576) ، وابن حبان في «صحيحه» (6931)، وأحمد في «مسنده» (4/370) والطبراني في (الكبير) (4969).
3) أخرجه مسلم في (الإيمان) (78) ، والنسائي في الإيمان وشرائعه ، باب : علامة الإيمان (5018) ، وأحمد في مسنده (733) ، وابن حبان في صحيحه) (6924)، (والترمذي في المناقب) (3736) ، والحميدي في مسنده (58).)
### في التفضيل بين الصحابةوالقول بالتفضيل قولٌ قديم قد قال به كثيرٌ من الصحابة والتابعين، فمن الصحابة عمّار، والمِقداد، وأبو ذَرّ وسلمان وجابر بن عبد الله وأبيّ بنُ كعب، وحذيفة، وبُرَيدة، وأبو أيوب، وسهل بن حُنَيف، وعثمان بن حنيف، وأبو الهيثم بن التّيهان وخزيمة بن ثابت، وأبو الطفيل عامر بن واثلة :والعباس بن عبد المطلب وبنوه، وبنو هاشم كافةً، وبنو المطلب كافةً . وكان الزبيرُ من القائلين به في بدء الأمر، ثم رجع وكان من بني أميّة قومٌ يقولون بذلك، ممنهم خالد بن سعيد بن العاص، ومنهم عمر بن عبد العزيز .وأنا أذكرها هنا الخبر المرويَّ المشهور عن عُمَر، وهو من رواية ابن الكلبيّ، قال: بينا عمر بن عبد العزيز جالساً في مجلسه، دخل حاجِبُه ومعه امرأةٌ أدماء طويلةٌ حَسَنَة الجسم والقامة، ورجُلان متعلّقان بها، ومعهم كتابٌ من مَيمونِ بن مهران إلى عمر، فدفعوا إليه الكتاب، ففضه فإذا فيه :بسم الله الرحمن الرحيم إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، من ميمون بنِ مِهران سلامٌ عليكَ ورحمةُ الله وبركاته أمّا بعد فإنه وَردَ علينا أمرٌ ضاقَتْ به الصدور، وعجزت عنه الأوساع ، وهربنا بأنفسِنا عنه ، ووَكَلْناه إلى عالمه، لقول الله عزّ وجلّ : (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وإلى أولي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَه منهم(1)، وهذه المرأة والرّجلان أحدهما زَوْجها والآخر أبوها ، وإنّ أباها يا أمير المؤمنين زَعَم أن زوجَها حَلَف بطلاقها أنّ عليَّ بن أبي طالب علیه السلام خيرُ هذه الأمّة وأولاها برسول الله صلى الله عليه وآله، وأنّه يَرْعُم أن ابنته طلقتْ منه، وأنه لا يجوز له في دينه أن يتخذه صهراً، وهو يعلم أنّها حرام عليه كامِّه . وإنّ الزَّوج يقول :له كذبتَ وأيْمَتَ، لقد بَر قَسَمي، وصدقت مقالَتِي، وإنّها أمرأتي على رغم أنفك، وغَيْظ قلبك، فاجتَمعوا إليّ يختصِمون في ذلك، فسألتُ الرجلَ عن يمينه، فقال: نعم، قد كان ذلك، وقد حلفتُ بطلاقها أنّ عليا خيرُ هذه الأمة وأولاها برسول الله صلى الله عليه وآله عرَفه من عرفه، وأنكَرَه من أنكَرَه، فليَغْضَب من غَضِب، وليَرْضَ من رَضِي، وتسامعَ الناسُ بذلك، فاجتمعوا له، وإن كانت الألسن مجتمعةً فالقلوب شَتّى، وقد علمت يا أمير المؤمنين اختلاف الناس في أهوائهم، وتسرعهم إلى ما فيه الفتنة، فأحجمنا عن الحُكْم لتحكم بما أراك الله . وإنهما تعلّقا بها، وأقسَم أبوها ألا يَدَعَها معه، وأقسَم زَوْجُها ألا يفارقها ولو ضُرِبتُ عُنقها إلّا)
1) ) سورة النساء، الآية : 83 .
أن يحكُم عليه بذلك حاكم لا يَستطيع مُخالَفَته والامتناعَ منه ، فرفعناهم إليك يا أمير المؤمنين، أحسن الله توفيقَك وأَرْشَدَك . وكتب في أسفل الكتاب :إذا ما المُشكِلاتُ ورَدْن يَوماً*** فحارَتْ في تأملها العُيونُوضاقَ القومُ ذرعاً عن نباها*** فأنت لها أبا حفص أمينُلأنّك قد حَوَيْتَ العِلمَ طُرًا ***وأحكَمَكَ التجارِبُ والشؤونُوخَلْفَكَ الإله على الرّعايا فحظّك فيهمُ الحَقِّ الثّمينُقال : فجمعَ عمرُ بنُ عبد العزيز بني هاشم وبني أميّة وأفخاذ قُرَيش، ثم قال لأبي المرأة: ما تقول أيّها الشيخ؟ قال: يا أمير المؤمنين هذا الرجلُ زوّجتُه ابنتي، وجهّزتُها إليه بأحسَن ما، يجهِّز به مِثْلُها ، حتى إذا أملت خيره، ورجوتُ صلاحَه، حلَف بطلاقها كاذباً ، ثم أراد الإقامة معها، فقال له عمر يا شيخ لعلّه لم يُطلق امرأته، فكيف حَلَف؟ قال الشيخ : سبحان الله ! الذی حَلَفَ عليه لأنينُ حِنثاً وأوضَح كذباً من أن يَختَلِج في صدري منه شكّ، مع سنّي وعلمي، لأنّه زعم أنّ عليَّا أن عليَّا خيرُ هذه الأمة وإلّا فامرأتُه طالق ثلاثاً. فقال للزّوج : ما تقول؟ أهكذا حَلَفْتَ؟ قال: نعم، فقيل : إنّه لمّا قال: نَعَم، كادَ المجلس يَرْتجُّ بأهلِهِ، وبنو أميَّةَ يَنْظُرُون إليه شَزْراً ، إلّا أنّهم لم ينطِقوا بشيء، كلَّ ينظرُ إلى وجهِ عمر .فأكبَّ عمر مَلِيًّا يَنكُتُ الأرض بيدِه والقومُ صامتون ينظُرُونَ ما يَقُولُه ، ثمّ رفع رأسَه ، وقال :إِذَا وَلِي الحكومة بين قوم أصاب الحَقُّ والتمسَ السَّدَادًاوما خيرُ الإمامِ إِذا تَعَدَّى ***خلافَ الحَقِّ وَاجْتَنَبَ الرَّشاداثم قال للقوم : ما تقولونَ في يَمينِ هذا الرجل؟ فَسَكَتُوا فقال: سبحان الله ! قولُوا : فقال رجلٌ من بني أميّة: هذا حُكْم في فرّج ولسنا نجترى على القَوْل فيه، وأنتَ عالمٌ بالقول، مؤتمن لهم وعليهم، قُلْ ما عندك، فإنّ القول ما لم يكن يُحقِ ّباطلاً ويُبطل حقًّا جائزٌ عليّ في مجلسي .قال : لا أقولُ شيئاً ، فالتفَتَ إلى رجلٍ من بني هاشم من وَلد عقِيل بن أبي طالب، فقال له : ما تقول فيما حَلَفَ به هذا الرجل يا عَقِيليّ؟ فاغتَنَمها ، فقال : يا أمير المؤمنين، إن جعلتُ قَوْلي حكماً ، أو حُكْمى جائزاً قلتُ، وإن لم يكن ذلك فالسّكوت أوسَع لي، وأبقَى للمودّة، قال: قل وقولُك حُكْم، وحُكْمكَ ماض .فلما سَمِع ذلك بنو أميّة قالوا : ما أنصفتَنا أميرَ المؤمنين إذ جعلتَ الحُكم إلى غيرنا، ونحن من لُحمَتك وأُولي رَحمِك ! فقال عمر: اسكُتوا أعجزاً ولُوْماً عرضتُ ذلك عليكم آنفاً فما انتدبتم له. قالوا : لأنّك لم تُعطِنا ما أعطيتَ العَقيليِ، ولا حكمتنا كما حكّمتَه، فقال عمر: إن كانَ أصابَ ،وأخطأتُم ، وحَزَم وَعَجَزْتم ، وأبصَر وعَميتم، فما ذَنْب عمر، لا أبا لكم! أتدرون ما
مَثَلكم؟ قالوا : لا نَدْرِي قال لكنّ العقيليَّ يَدْرِِي، ثم قال ما تقول يا رجل؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، كما قال الأوّل:دُعِيتم إلى أمرٍ فلما عجَزْتُم*** تَناوله من لا يُداخِلُه عَجْزُفلما رأيتم ذاك أبدتْ نُفوسُكُمْ ***نِداماً وهل يُغني من القدر الحذر!فقال عمر: أحسنت وأصبتَ فقل ما سألتُك عنه. قال : يا أمير المؤمنين، بَر قَسَمَهُ، ولم تطلُق امرأتُه ، قال : وأنّى علمتَ ذاك؟ قال : نشدتُكَ الله يا أمير المؤمنين، ألم تعلم أنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قال لفاطمة علیها السلام وهو عندها في بَيتها عائدٌ لها : «يا بُنيّة، ما عِلتُك؟» قالت: الوَعَك يا أبتاه - وكان عليَّ غائباً في بعض حَوَائِج النبي صلی الله علیه وآله وسلم- فقال لها : «أتشتَهِين شَيْئاً؟» قالت : نعم أشتَهِي عِنَباً، وأنا أعلم أنّه عَزيز، وليس وقت عِنَب ، فقال علیه السلام :« إن الله قادرٌ على أن يجيئنا به»، ثم قال: «اللهمّ التنا به مع أفضل أمتي عندك منزلةٌ»، فَطَرَق علىُّ الباب، ودَخَل ومعه مِكتَل قد ألقَى عليه طرف ردائه، فقال له النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم : «ما هذا يا عليُّ؟» قال: عِنَبٌ التمستُه لفاطمةَ، فقال: «الله أكبر الله أكبر، اللهمّ كما سرزتني بان خَصصتَ عليَّا بدَعْوَتي فاجعل فيه شفاء بنيبَتي»، ثم قال: «كُلي على اسم الله يا بُنيّة»، فأكَلَت، وما خَرَج رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم حتّى استقلّت وبَرَأَتْ (1، فقال عمر: صدقتَ وبرَرْتَ، أَشْهَدُ لقد سمعتُه ووعيتُه يا ،رجل، خذ بِيدَ امرأتِك فإن عَرَض لك أبُوها فاهشِمْ أنفَه. ثم قال : يا بَني عبد مناف، والله ما نَجهل ما يَعلم غيرُنا، ولا بنا عمّى في ديننا، ولكنا كما قال الأوّل:)تصيّدتِ الدنيا رجالاً بفحها ***فلم يدركوا خيراً بل استقبحُوا الشّرًاوأعماهُمُ حُبُّ الغنى وأصَمَّهُمْ ***فلم يُدركوا إلّا الخسارةَ والوزرَاقيل : فكأنما ألْقَم بني أمية حَجَراً، ومضى الرجل بامرأتِه .وكتب عُمر إلى ميمونَ بن مِهرانَ: عليك سلامٌ، فإنّي أحمَد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ،بعد، فإني قد فهمتُ كتابَك ، ووَرَدَ الرّجلان والمرأة، وقد صَدَّق الله يَمينَ الزوج، وأبرَّ أما قسمه، وأثبته على نِكاحه ، فاستيقن ذلك، واعمل عليه، والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته.فأما مَن قال بتفضيله على النّاس كافةً من التابعين فَخَلْقٌ كثير كأوَيْس القَرَنِي وزَيد بن صوحان، وصعصعة أخيه، وجُندب الخير، وعُبيدة السَّلَمانيّ وغيرهم ممّن لا يُحصَى كثرةً، ولم تكن لفظةُ الشّيعة تُعرف في ذلك العَصر إلا لمن قال بتفضيله، ولم تكن مقالهُ الإماميّة ومَنْ نَحا نحوَها من الطّاعِنين في إمامةِ السّلف مشهورة حينئذٍ على هذا النحو من الاشتهار، فكان القائلون بالتفضيل هم المسمون الشّيعة، وجميع ما ورد من الآثار والأخبار في فضل الشيعة
1) أنظر كتاب الأربعين للشيرازي: 500 ، ومواقف الشيعة : 61/1 .
وأنّهم مَوْعودُون بالجنّة، فهؤلاء هم المعنيّون به دون غيرِهم، ولذلك قال أصحابُنا المعتزِلة في كُتُبِهِم وتصانيِفهم: نحن الشيعةَ حقًّا. فهذا القولُ هو أقرَبُ إلى السّلامة وأشبَهُ بالحقِّ من القَوْلين المقتَسِمَيْنِ طرفَي الإفراط والتَّفريط إن شاء الله (1)- 479 -الأصل: وسُئل عن التوحيد والعَدْلِ ، فقال : التَّوْحِيدُ الّا تَتَوَهَّمَهُ، وَالْعَدْلُ الَّا تَتَّهِمَهُ.الشرح: هذان الرُّكنان هما رُكنا علم الكلام، وهما شِعارُ أصحابنا المعتزلة، لنَفيهم المعانيَ القديمة التي يُثبتها الأشعريّ وأصحابُه، ولتنزيههم البارى سبحانه عن فعل القَبيح.ومعنى قوله : »ألاّ تتوهّمه» أي ألا تتوهّمُه جسماً أو صورة أو في جهة مخصوصة، أو مالثاً لكلِّ الجِهات كما ذَهَب إليه ،قومٌ أو نُوراً من الأنوار، أو قوّة ساريةً في جميع العَالم، كما قالَه قوم، أو من جنس الأغرَاض الّتي تَحُلّ الحال أو تَحُل المَحَلَّ وليس بعَرَض كما قاله النّصارى وغُلاة الشِّيعة، أو تحلّه المعاني والأعراض، فمتى تُوهّم على شيء مِنْ هذا فقد خُولف التوحيد، وذلك لأنّ كل جسم أو عَرَض أو حالٌ في مَحَلّ أو محلّ الحالٌ، أو مختص بجهة، لا بد أن يكون منقسِماً في ذاته، لا سيّما على قول مَنْ نَفَى الجزاء مطلقاً، وكلّ منقسم فليس بواحد، وقد ثبتَ أنّه واحد. وأضاف أصحابنُا إلى التّوحيد نَفي المعاني القديمة، ونفي ثان في الإلهية، ونفيَ الرؤية، ونفي كونه مشتهياً أو نافراً أو ملتَذاً أو ألماً أو عالماً يعلم مُحْدَث، أو قادراً بقذرة محدَثة، أو حَيًّا بحياة محدثة، أو نفي كونه عالماً بالمستقبَلات أبداً، أو نفي كونه عالماً بكل معلوم أو قادراً على كل الأجناس وغير ذلك من مسائل علم الكلام التي يُدخلها أصحابنا في الركن الأول، وهو التوحيد.وأما الركن الثاني فهو ألا تتّهمه أي لا تتهمه في أنه أجبَرك على القبيح، ويعاقبك عليه، حاشَاه من ذلك! ولا نتّهمه في أنه مَكّن الكَذّابين من المعجزات فاضَلّ بهم الناس، ولا تتهمه أنه كلّفك ما لا تُطيقه، وغير ذلك من مسائل العَدْل الّتي يَذكُرها أصحابُنا مفصَّلةً في كتُبِهم كالعِوض عن الألم، فإنه لا بدّ منه، والثواب على فعل الواجب فإنه لا بدّ منه، وصدق وعدِه ووعيده، فإنه لا بدّ منه. وجملة الأمر أن مذهب أصحابنا في العَدْل والتوحيد مأخوذ عن أمير المؤمنين. وهذا المواضعُ من الموضع التي قد صَرّح فيها بمذهب أصحابنا بعينه، وفي فَرْش كلامه من هذا النمط ما لا يُحصَى.
-480-الأصل: وقال علیه السلام : في دعاءِ اسْتَسْقَى بِهِ اللَّهُمْ اسْقِنا ذُلُلَ السَّحَائِبِ دُونَ صِعابها .قالَ الرَّضِي رَحمهُ الله تعالى : وهذَا مِنَ الْكَلامِ الْعَجِيبِ الفصاحة، وذلكَ أَنَّهُ علیه السلام شَبَه السُّحُبَ ذَوَاتِ الرُّعُودِ والبَوَارِقِ ، والرِّياح والصَّوَاعِقِ، بالإبل الصعاب تَقْمُصُ بِرِحَالِهَا ، وَنَتَوَفَّصُ بِرُكبانِها ، وشَبَّةَ السَّحَالَبَ الخالية مِنْ تِلْكَ الزوابع بالإِبِلِ اللَّلَّلِ الَّتِي تُحْتَلَبُ طَيِّعَةٌ، وتُقتَعَدُ مُسْمِحَةٌ .الشرح : قد كَفَانا الرضيُّ - رحمه الله - بشرحه هذه الكلمةَ مَؤونَة الخَوْض في تفسيرها .-481-الأصل: وقيلَ لَهُ علیه السلام: لَوْ غَيَّرْتَ شَيْبَكَ يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! فقال : الْخِضَابُ زِينَةٌ ، ونَحْنُ قَوْمٌ في مُصِيبَةٍ بِرَسُولِ الله صلی الله علیه وآله وسلم .### بعض ما قيل من الشعر في الشيب والخضابالشرح: قد تقدّم لنا في الخضاب قول كافي، وأنا أستملح قولَ الصّابي فيه :خضابٌ تقاسَمناه بيني وبينَها*** ولكنّ شأني فيه خالَفَ شانَهافيا قُبْحَه إذْ حَلَّ مِنِّي بِمَفرِقي ويا حُسْنه إِذ حَلَّ منها بَنانَهاوسُحقاً له عن لمتي حين شانَها وأهلاً به في كَفِّها حيث زانَهاوقال أبو تمّام:لعِب الشَّيبُ بالمَفارق بل ج-*** دّش فابکَی تُماضِراً ولَعُوبَاخَضَبتْ حَدّها إلى لؤلؤ العِف--*** د دماً أن رأتْ شَوَاتِي خَضِيبَاكلّ داء يُرجَى الدّواء له إِلَّا الفَظِيعَين: مَيْته ومَشيبَايا نسيبَ النّغامِ ذَنبك أبقَى حَسَناتي عند الحسان ذُنوبَاولئن عين ما رأين لقد أن*** كرْنَ مستنكراً وعِبْن مَعيبَا
لو رأى الله أنّ في الشَّيب فَضلاً*** جاورته الأبرار في الخُلد شيبَاوقال :فإن يكن المشيبُ طَغَى علينا ***وأوْدَى بالبَشاشةِ والشَّبابفإنّي لستُ أدفعُه بشَيْء يكون عليه أثقَلَ من خِضابأردتُ بانّ ذَاك وذا عذابٌ فسلّطت العذاب على العَذابِابنُ الرُّوميّ :لم أخضِب الشَّيبَ للغَوانِي *** أبغِي به عندَهم ودِادَالكن خضِابي على شَبابٍ ***لیست من بَعده حِدادَاومن مختارِ ما جاءَ من الشعر في الشَّيب وإن لم يكن فيه ذكر الخضاب قولُ أبي تمّام :نَسَجَ المَشيبُ له لفاعاً مُغينا يققاً فقَنَّع مِدْرَوَيْه ونَصَّفَانَظَر الزمانُ إليه قطَّع دونَه نَظَر الشَّقيق تَحَسُّراً وتلهُّفاما اسوَدّ حتّى ابيضّ كالكرم الّذي لم يَبْدُ حتّى جيء كيما يقطفَالما تفّوقت الخُطوبُ سَوادَها ببَياضِها عَبثت به فتفوّفاما كانَ يخطر قبل ذافي فِكرِه للبَدْر قبلَ تمامِه أن يُكسَفاوقال أيضاً :غدًا الهَمُّ مختطًا بِفَوْدَيّ خِطّةً طريقُ الرّدَى منها إلى المَوت مَهیَعُهو الزور يُجْفَى، والمُعاشر يُجْتَوَى وذُو الأَلف يُقْلَى، والجديد يُرَقَّعُله مَنظَر في العَيْن أبيضُ ناصعٌ ولكنّه في القلب أسوَدُ أسفَعُونحن نُرَجِّيه على الكُره والرِّضَا ***وأنْفُ الفَتَى من وجهه وهو أجدعُوقال أيضاً :شعلةٌ في المَفارِقِ اسْتَوْدَعَتْني ***في صميم الأحشاء تُكلاً صَمِيماتَستشيرُ الهموم ما اكتن منها صُعُداً وهي تستثيرُ الهُمومَاغُرة مُرَّةٌ إلا إنّما كنت أغَر أيام كنتُ بهيمادقّةٌ في الحياةِ تُدعَى جَلالاً ***مِثل ما سُمِّيَ اللّدِيغُ سَلِيما
حلّمتني زعمْتُمُ وأراني قبل هذا التعليم كنتُ حَلِيماوقال الصّابي وذَكَر الخِضاب :خضبتُ مَشيبي للتّعلُّق بالصِّبا وأُوهَمْتُ من أهواه أني لم أشِبفلمّا ادّعى منّي العِذار شبيبةَ*** إذا صلعِي قد صاحَ من فوقه كَذَبْفكَم طرّةٍ طارَتْ ودانَتْ ذوائبٌ*** وكم وَجنةٍ حالَتْ وماء بها نَضَبْشواهد بالتزوير يَحْوِينَ رَبِّها*** فهجرانه عند الأحبة قد وَجَبْالبحتريّ :بانَ الشَّبابُ فلا عَيْنٌ ولا أَثَرٌ*** الابقيّة برد منه أسمالقد كنت أخرجه عن مُنتهى عَدَدِي بأساً وأسقِطُه إذ فات من بالِيسُوء العَواقِب يأسٌ قبلَه أمَلٌ وأعضَلُ الداء نكس بعد إبلالوالمرة طاعة أيام تُنَزِّلُه ***تَنَقُلَ الظل من حال إلى حال- 482-الأصل: وقالَ علیه السلام : ما المُجاهِدُ الشهيدُ في سَبِيلِ الله بِأَعْظَمَ أَجْرًا مِمَنْ قَدَرَ فَعَفَّ، لَكَادَ العَفِيفُ أن يكُونَ مَلَكاً من الملائِكَةِ.الشرح: قد تقدّم القولُ في العِنّة، وهي ضُرُوب : عِفّة اليد، وعنّة اللسان، وعفة الفرج، وهي العُظمى، وقد جاء في الحديث المرفوع: «مَن عَشِق فكَتَم وعَفٌ وصَبَر فماتَ ماتَ شهيداً ودخَل الجنّة» (1.)وفي حكمة سليمان بن داود: إن الغالب لِهوَاء أشدّ من الذي يفتح المدينة وحدَه.
1) ذكره ملا علي القاري في كتابه «الأسرار في الأخبار الموضوعة» (508)، وذكره البغدادي في «تاريخه» (296/11)، وذكره أبو عبد الله الرزرعي في كتابه «فقد المنقول» (224) وقال موضوع على رسول الله .
نزل خارجيُّ على بعض إخوانه منهم مستتِراً من الحَجّاج، فشَخص المنزولُ عليه لبعض حاجاته وقال لزوجته : يا ظَمياءُ، أوصيكِ بضَيْفي هذا خيراً - وكانتْ من أحسن الناس - فلمّا عاد بعدَ شهر قال لها : كيف كان ضيفُكِ؟ قالت : ما أشغَلَه بالعَمَى عن كلّشيء، وكان الصَّيف أطبَقَ جَفْنَيه فلم يَنظُر إلى المرأة ولا إلى منزلها إلى أن عاد زوجُها .وقال الشاعر:إن أكن طامح اللحاظ فإنِّي واّذي يَملِكُ القلوبَ عفيفُخرجت امرأةٌ من صالحات نساء قريش إلى بابها لتغلِقَه، ورأسُها مكشوف فرآها رجلٌ أجنبيّ فرجعت وحلقت شعرَها، وكانت من أحسَن النّساء شعراً، فقيل لها في ذلك، قالت: ما كنتُ لأدَعَ على رأسِي شَعْراً رآه من ليس لي بمَحرَم. كان ابنُ سِيرِينَ يقول : ما خَشِيتُ امرأةٌ قط في يَقَظَةٍ ولا نَوْم غير أم عبدِ الله وإِنِّي لأرى المرأةَ في المَنام وأعلم أنها لا تَحِلّ لي فأصرف بَصَري عنها .وقال بعضهم :وإني لعفّ عن فُكاهةِ جارَتي وإنّي لمَشنوةٌ إليَّ اغتيابُهاإذا غابَ عَنْهَا بعلها لم أكن لها صديقاً ولم تأنس إلي كلابُهاولم أکُ طَلاّباً أحاديثَ سِرِّها ولا عالِماً من أيّ حَوْك ثيابُهادخلت بُثينُة على عبدِ الملك بن مَرْوانَ، فقال: ما أرى فيك يا بثَينة شيئاً ممّا كان يَلهَج به جَميل! فقالت: إنه كان يَرْنُو إليّ بعَيْنين ليستَا في رَأْسِك يا أمير المؤمنين، قال: فكيف صادفتِه فی عِفّته؟ قالت : كما وَصَفَ نفسَه إذ قال :لا والّذي تَسجُد الجِباهُ له مالي بما ضَمَّ ثوبُها خَبَرُولا بفِیها ولا هَمَمْتُ به ما كان إلا الحديث والنّظرُوقال أبو سَهْل الساعديّ : دخلت على جَميل في مرض مَوته، فقال: يا أبا سَهْل، رجلٌ يَلقَى الله ولم يَسفِك دماً حراماً ، ولم يَشرَب خمراً، ولم يأتِ فاحشةً، أترجو له الجنّة؟ قلتُ : إي والله فمن هو ؟ قال : إني لأرجو أن أكون أنا ذلك، فذَكَرتُ له بثينة ، فقال : إنّي لفي من أيّام الدنيا، وأول يوم من أيّام الآخرة، لا نالتني شفاعة محمد إن كنتُ حدثتُ نفسي برِيبةً معها أو مع غيرها قط ّ.قال الشاعر:قالت وقلتُ تَرَفَّقِي فصِلِي*** حَبْلَ امرى بوصالكم صَبِّصادِق إذاً بغلي فقلتُ لها ***الغدرُ شيءٌ ليس من شعبي
ينتانِ لا أَصْبو لوَصْلِهما عرس الصدّيق وجارَة الجَنبِأمّا الصديقُ فلسْتُ خَائِنَة والجارُ أَوْصاني به رَبّييقال : إنّ امرأةً ذات جمالٍ دَعتْ عبد الله بن عبد المطلب إلى نفسها لما كانت تَرَى على وجهه من النُّور، فأبى وقال:أمّا الحرام فالمماتُ دُونَهُ والحل لا حل فأستبينهفكيف بالأمْرِ الذي تبغينهُ يَحمي الكريمُ عِرْضَه ودِينَهُراوَدَ توبةُ بنُ الحمِّير ليلى الأخيليّة مرةً عن نفسها فاشمأزّت منه وقالت :وذي حاجةٍ قلنا له لا تَبُحْ بها فليس إليها ما حَبِيتَ سبيلُلنا صاحبٌ لا ينبغي أن نخونه وأنت الأخرى صاحب وخَليلُابنُ مَيّادة :موانِعُ لا يُعطين حَبَّةَ خَرْدَلٍ*** وهنّ زَوان في الحديث أوانسُويَكرَهن أن يَسمعن في اللَّهوِ رِيبةً*** كما كرهت صوت اللجام الشّوامِسُآخر :بيضٌ أوانسُ ما هَمَمْنَ بريبةٍ*** كظباء مَكّةَ صيدمن حَرامُيُحسبن من لين الكلام زَوانياً*** ويصدُّهن عن الخنا الإسلامُفي الحديث المرفوع: «لا تكوننّ حديد النظر إلى ما ليس لك، فإنه لا يَزْنِي فَرْجُك ما حفِظْتَ عَيْنيك، وإن استطعت ألا تنظرُ إلى ثوب المرأة التي لا تحلّ لك فافعل ولن تستطيع ذلك إلا بإذن الله» (1.)كان ابن المولى الشاعر المدني موصوفاً بالعفّة وطيب الإزار، فأنشد عبد الملك شعراً له من جُملتِه :وأبكي فلا لَيْلَى بكث من صبابةٍ*** لباك ولا ليلى لذي البذل تبدُلُوأخنع بالعُتبَى إذا كنتُ مُذنباً*** وإن أذنبت كنتُ الذي أتنَصلُفقال عبد الملك : مَن ليلى هذه؟ إن كانت حرّة ،لأزَوّجنكها ، وإن كنت أمةً لأشترينّها لك بالغة ما بلغت فقال: كلاً يا أمير المؤمنين، ما كنت لأصعر وجه حُرِّ أبداً في حُرَّته ولا في أمته، وما ليلى التي أنست بها إلا قَوْسي هذه سمّيتها ليلى لأنّ الشاعر لا بد له من النَّسيب. ابن الملوح المجنون : كان على أنيابها الخمر مَجْهُ بماءِ النّدَى من آخر الليل غابق
1) أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول : 181/3 .
وما ذُقتُه إلا بعَيني تفرُّساً ***كماشِيم من أعلى السَّحابة بارِِقُهذا مثل بيت الحماسة :بأعذب مِنْ فيها وما ذُقْتُ طَعْمَه ***ولكنني فيما تَرَى العينُ فارِسُشاعر :ما إن دعاني الهوى لفاحِشَةٍ ***إلا نهاني الحياءُ والكَرَمُولا إلى محرم مددتُ يَدي ***ولا مَشَت بي لريبة قَدَمُالعباس بن الأحنف:أتأذنون لصبِّ في زيارتِكُمْ فعندَكم شَهَواتِ السَّمْعِ والبَصَرِلا يُضْمِرُ السُّوء إن طال الجلوس به عفُّ الضمير ولكن فاسقُ النَّظَرِقال بعضهم: رأيتُ امرأة مستقبلة البيت في المَوْسم، وهي في غاية الضرُّ والنّحافة رافعةً يديها تدعو، فقلتُ لها : هل لكِ من حاجة؟ قالت حاجتي أن تُنادِيَ في الموقف بقولي :تزوَّدَ كل الناس زاداً يُقيمُهُمْ ومالي زاد والسّلام على نَفْسيففعلت، وإذا أنا بفَتى مَنْهوك فقال: أنا الزاد، فمضيتُ به إليها، فما زادوا على النظَر والبكاء، ثمّ قالت له : انصرف مُصاحَباً ، فقلت : ما علمت أن التقاء كما يُقتصر فيه على هذا، فقالت: امسِك يا فتى أما علمت أن ركوب العار ودُخول النار شديد.قال بعضهم :كم قد ظَفِرتُ بمن أهوى فيَمنَعُني منهُ الحَياءُ وخوفُ الله والحَذَرُوكم خَلَوْتُ بمن أهوى فيُقْنعُني ***منه الفُكاهة والتّحديثُ والنَّظَرُأهوى الملاح وأهوى أن أجالِسَهم وليس لي في حرام منهمُ وَطَرُكذلك الحُبّ لا إتيان معصية لا خَير في لذّةٍ من بعدِها سَقَرُقال محمّد بن عبد الله بن طاهر لبنيه : اعشقُوا تَظرُفوا ، وعِفُوا تشرفوا .وَصَف أعرابيُّ امرأةٌ طَرَقَها، فقال: ما زال القمرُ يُرينيها فلمّا غاب أرتنيه، فقيل : فما كان بينكما؟ قال : ما أقربَ ما أحلّ الله ممّا حرّم، إشارة في غير باس، ودنوُّ من غير مساس، ولا وَجَع أشدّ من الذّنوب.كثير عَزّة :وإنِّي لأرضَى منكِ يا عَزّ بالَّذِي ***لو أبصَرَه الواشي لَقرّت بلابلُةيلا وبالاً أستطيع وبالمُني وبالوَعْد حتى يسأم الوعدَ آمِلةوبالنظرة العَجْلَى وبالحَوْل يَنقضِي أواخره لا تلتقي وأوائِلُة
وقال بعضُ الظُّرفاء : كان أربابُ الهَوَى يسرّون فيما مضى، ويقنَعون بأنَ يمضُغ أحدُهم لباناً قد مَضغَتُه محبوبتُه، أو يَسْتاك بسواكها، ويرون ذاك عظيماً، واليوم يطلب أحدهم الخَلوةوإرخاء السُّتور، كأنّه قد أشهَد على نكاحها أبا سعيد وأبا هُريرة.وقال أحمد بنُ أبي عثمان الكاتب :وإني ليُرضيني المرورُ ببابِها*** وأقنع منها بالوَعِيد وبالزَّجْرِقال يوسف بن الماجشون : أَنشَدْتُ محمّد بن المنكدر قول وَضّاح اليَمن :إذا قلتُ هاتِي نَوّلِيني تبسّمت*** وقالت معاذ الله مِنْ فِعْل ما حَرُمفما نَوّلت حتّى تضرّعْتُ حَوْلها ***وعرفتُها ما رخص الله في اللّمَمفَضحِك وقال : إن كان وَضَاحٌ لَفَقِيها في نفسه .قال آخر :فقالت بحَقّ اللهِ إلا أتيتَنَا ***إذا كان لون الليل لون الطَّيالِسِفجئتُ وما في القومِ يقظان غيرُها ***وقد نامَ عنها كلُّ وال وحارِسِفبثّنا مَبِيتاً طيّباً نستلذّه جميعاً ولم أمدُدْ لها كَفَّ لامِسِمرّت امرأة حَسْناهُ بقَوْمٍ من بني نُمير مجتَمعين في نادٍ لهم، فرمقُوها بأبصارهم، وقال قائل : ما أكمَلَها لولا أنّها رَسُحاء! فالتفتت إليهم وقالت والله يا بني نمير، ما أطعتم الله ولا منهم: الشاعر ، قال الله تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَعْضُوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ (1).)وقال الشاعر :فغُضُ الطَّرْف إنّك من نُمَيْرٍ فلا کَعباً بلغت ولا كلابافأخجلَتهم. وقال أبو صخر الهُذَليُّ من شعر الحماسة :لليلةٌ منها تَعُود لنا من غير ما رفت ولا إثمِأشهى إلى نفسي ولو برحت ممّاملكتُ ومِن بني سَهمآخر:وما تلتُ منها مَحْرَماً غير أنّني أقبل بسّاماً من الشّغر أفلَجاوالشمُ فَاها آخذاً بقرونها وأترك حاجاتِ النُّفوس تَحرُّجاوأعف من هذا الشعر قول عبد بني الحَسْحاس على فشقه : لعمر أبيها ما صَبَوْتُ ولا صَبَتْ إليَّ وأنّي من صباً لحليم
1) سورة النور، الآية: 30 .
سِوَى قُبلة أستغفِر الله ذنبها*** سأطعم مشكيناً لها وأصُومُوقال آخَر :ومجدولةٍ جَدْلَ العَناقِ كأنما*** سَنَا البَرْق في داجي الظلام ابتسامُهاسربتُ لها الميعاد ليست بكنّةٍ *** ولا جارة يُخشَى عليّ ذمامُهافلمّا التقَينا قالت الحُكْم فاحتَكُمْ*** سوى خِلَّةٍ هَيهات منكَ مرَامُهافقلتُ مَعاذ الله أن أركب التي*** تبيدُ ويَبْقَى فِي المَعادِ أثامُهاقولُه : «ليست بكَنّة * ولا جارةٍ يُخشَى عليّ دِمامُها»، مأخوذ من قول قيس بن الخَطِيم :ومثلكِ قد أحببتُ ليست بكنةٍ ولا جارة ولا حَليلة صاحبوهذا الشاعر قد زاد عليه بقوله : «ولا حليلة صاحب».وأنشد ابن مَنْدُويه لبعضهم :أنا زانِي اللَّسانِ والطَّرْفِ إلا أنّ قلبي يعافُ ذاك ويأبىلا يراني الإله أقرب إلّا كلّ ما حَل شربه لي وطاباآخر :نَلهُو بهنّ كذا من غير فاحشةٍ لهوَ الصِّيامِ بتُفّاح البَساتِينبشّار بنُ بُرد :قالوا حرامٌ تلاقينا فقلتُ لهم*** ما في التزام ولا في قُبلةٍ حَرَجُمن راقب الناسَ لم يظفر بحاجَتِه*** وفاز بالطيِّبَاتِ الفاتِكُ اللّهِجالبيت الآخر مِثلُ قول القائل :من راقب الناسَ ماتَ هَمَّا*** وفاز باللذة الجَسُورُأبو الطيّب المتنبّي :وتَرَى الفتوة والمروة والأبوّة*** في كُلُّ مليحة ضَرّاتِهامن الثلاث المانعاتِي لَذَّتي*** في خَلْوَتي لا الخوف مِنْ تَبعاتهاإنِّي على شَغَفي بما في خَمْرِها*** لأعث عما في سراويلاتهاكان الصاحبُ رحمه الله يَستهجِن قولَه : «عمّا في سَراوِيلاتها»، ويقول: إن كثيراً من العُهر احسن من هذه العفّة، ومعنى البيت الأوّل أن هذهِ الخِلال الثلاث تَراهُنَّ المِلاح ضرائرَ لهنَّ لأنهن يمنَعْنه عن الخَلْوَة بالملاح والتمتّع بهنَّ. ثم قال: إنّ هذه الخلال هي التي تَمنَعه لا الخوف من تَبِعاتها، وقال قوم هذا تهاونٌ بالدِّين، ونوعٌ من الإلحاد. وعندي أنّ هذا مَذهبُ
للشّعراء معروف، لا يُريدون به التَهاوُنَ بالدِّين، بل المبالغةَ في وَصْف سجَاياهُم وأخلاقِهم بالطَّهارة، وأنّهم يَتركُون القَبيح لأنّه قبيح، لا لورود الشرع به ، وخوف العِقاب منه. ويُمكن أيضاً أن يريد بِتَبعاتها تبعات الدّنيا ، أي لا أخاف من قوم هذه المحبوبة الّتي أَنِسْتُ بها، ولا أُشفق من حَرْبهم وكيدِهِم، فأمّا عفّة اليد وعفّة اللسان فهما بابٌ آخَر. وقد ذكرنا طرفاً صالحاً من ذلك في الأجزاء المتقدمة عند ذكرِنا الوَرَع.وفي الحديث المرفوع: «لا يَبلُغ العبدُ أن يكون من المتّقين حتّى يترَك ما لا بأس به حذراً لما به البَأس»(1.)وقال أبو بكر في مرض موته : إنا منذُ وَلينا أمرَ المسلمين لم نأخذ لهم يرهماً ولا ديناراً، وأَكَلْنا من جَرِيش (2الطعام، ولبسنا من خَشِين النياب، وليس عندنا من فَيْء المسلمين إلا هذا الناضح وهذا العبد الحَبَشَيّ، وهذه القطيفة ، فإذا قُبِضْتُ فادفعوا ذلك إلى عُمَرَ ليجعله في بيتِ مالِالمسلمين، فلما ماتَ حُمِل ذلك إلى عمرَ ، فبَكَى كثيراً ثم قال : رحم الله أبا بكر، لقد أتعَبَ مَن بَعده !)قال سليمان بنُ داود :يا بني إسرائيل، أوصيكم بأمرين أفلح مَن فَعَلَهما : لا تُدخلوا واجوافَكم إلا اطَّيب، ولا تُخرِجوا من أفواهكم إلّا الطيّب.وقال بعضُ الحكماء : إذا شئت أن تعرف ربك معرفةً يقينية فاجعل بينك وبين المحارم من حديد، حائطاً فسوف يفتح عليك أبواب معرفته .ومما يُحكَى من وَرَع حسّان بن أبي سنان أنّ غلاماً له كتب إليه من الأهواز: إن قَصبَ السكّر أصابته السَّنة آفة فابتغ ما قَدَرْتَ عليه من السكر، فإنّك تجد له ربحاً كثيراً فيما بعد، ،فابتاع وطُلِبَ منه ما ابتاعه بعد قليل بربح ثلاثينَ ألف درهم فاستقالَ البيع من صاحبه، وقال : إنه لَم يَعلَم ما كنتُ أعلم حين اشتريتُه منه ، فقال البائع : قد علمتُ الآن مقدار الربح، وقد طيبته لك وأحللتك، فلم يطمئن قلبه، وما زال حتى ردّه عليه . يقال : إنّ غَنَم الغارة اختلَطَتْ بغَنَم أهل الكوفة، فتورّع أبو حنيفة أن يأكل اللحم، وسَأَلكم تعيش الشّاة؟ قالوا : سبع سنين، فترك أكل لحم الغَنَمِ سبع سنين .ويقال: إنّ المنصور حمل إليهِ بَدْرَةٌ فَرَمَى بها إلى زاوية البيت، فلمّا مات جاء بها ابنه
حمّاد بن أبي حنيفة إلى أبي الحسن بن أبي قحطبة، وقال إن أبي أوصاني أن أردّ هذه عليك، وقال : إنّها كانت عندي كالوَديعة فاصرفها فيما أمَرَك الله به، فقال أبو الحَسَن : رَحِم الله أبا حنيفة! لقد شَحْ بدينه إذ سَخَتْ به نفوسُ أَقوام .وقال سُفْيَانُ الثورِيّ : انظر دِرْهمك من أَيْن هُوَ، وَصَلّ في الصف الأخير .جابر، سمعتُ النَّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول لكعب بن عُجْرة : «لا يَدخُل الجنّة لحم نَبتَ من السُّخت، النّار أولَى به» (1.)الحَسَن : لو وجدتُ رَغِيفاً من حَلالٍ لأَحْرَقْتُه ثم سَحَقْتُه ثم جَعَلْتُه ذَرُوراً، ثم دَاوَيْتُ به المَرْضَى.عائشة قالت: يا رسول الله من المؤمن؟ قال: من إذا أصبَح نَظَر إلى رغيفَيه كيف يَكتَسِبُهما ، قالت :يا رسول الله، أما إنّهم لو كُلّفوا ذلك لتكلّفوه، فقال لها : إنهم قد كُلّفوه، ولكنهم يعيفون الدنيا عَسْفاً .حُذَيفة بن اليَمان يرفَعه : إنّ قوماً يجيئون يومَ القيامة ولهم من الحَسَنات كأمثال الجبال، في جعَلها الله هَباءً منثوراً، ثمّ يُؤمر بهم إلى النَّار ، فقيل : خَلَّهم لنا يا رسول الله ، قال : إنّهم كانوا يُصلُّون ويَصُومون ويأخذون أهْبَةً من اللّيل، ولكنهم كانوا إذا عُرِِض عليهم الحرامُ وثَبوا عليه.-483 -الأصل: وقال علیه السلام: الْقَنَاعَةُ مالٌ لا يَنْفَدُ .قال : وقد رَوَى بَعْضُهُم هَذَا الكلامَ عَن رَسُولِ الله صلی الله علیه وآله وسلم .الشرح : قد تَقدَّم القولُ في هذا المعنى، وقد تكرّرت هذه اللّفظة بذاتها في كلامِه علیه السلام.ومن جَيّد القول في القناعة قولُ الغَزّي:أنا كالثعبانِ جِلْدِي مَلْبِسي*** لستُ محتاجاً إلى ثوبِ الجَمَالِفالخُمولُ العِزّ واليأسُ الغِنَى*** والقُنوعُ المُلك، هذا ما بدا ليوقال أيضاً :
1) أخرجه الترمذي في الجمعة باب ما ذكر في فضل الصلاة (614)، وأحمد في «مسنده» (14032) ، واللفظ له والدارمي في الرقاق، باب في أكل السحت (2776).
لا تعجَبنّ لمن يهوَى ويَصعَد في*** دُنياه فالخَلْق في أرجوحةِ القَدَرِواقنع بما قَل فالأوشال صافيةٌ*** ولجة البَحْرِ لا تخلو من الكَدَرِ- 484 -الأصل: وقال علیه السلام لزياد بِنِ أبِيِه وقَد استخلفهُ لعبدِ الله بن العبّاسِ على فارِسَ وأعمالِها ، في بْنِ كلامٍ طويلٍ كانَ بَيْنَهُمَا نَهَاهُ فِيهِ مِنْ تَقْدِيمِ الخَرَاجِ :اسْتَعْمِلِ الْعَدْلَ، واحْذَرِ الْعَسْفَ والحَيْف، فإنَّ العَسْفَ يَعُودُ بالجَلاءِ، والحيف يَدْعُو إلى السَّيفِ.الشرح : قد سَبَقَ الكلام في العَدْل والجَوْر.وكانت عادة أهل فارس في أيّام عثمان أن يطلُب الوالي منهم خراجَ أملاكهم قبل بَيع الثَّمار على وَجه الاستِسلاف، أو لأنّهم كانوا يظنون أن أوّل السِّنة القَمَريّة هو مُبتدأ وجُوبِ الخراج جملاً للخراج التابع لسنّة الشَّمس على الحقوق الهلالية التابعة لسنّة القَمَر ، كأَجْرَةِ العَقار ،وجوالي أهل الذّمة، فكان ذلك يُجحف بالنّاس ويدعو إلى عَسْفِهم وحَيْقِهم. وقد غلط في هذا المعنى جماعةٌ من الملوك في كثير من الأعصار، ولم يَعلَموا فَرْقَ ما بين السنتين، ثم تنبّه له قومٌ من أذكياء الناس فكَبَسوا وجعلوا السنينَ واحدةً، ثم أهمل الناس الكبس، وانفَرَج ما بين السّنَة القمريّة والسَّنة الخراجيّة التي هي سَنَة الشمس انفراجاً كثيراً.واستقصاءُ القول في ذلك لا يليقُ بهذا الموضع، لأنّه خارجٌ عن فن الأدب الّذي موضوعُ كِتابِنا هذا.- 485 -الأصل: وقال علیه السلام : أشَدُّ الذُّنُوبِ ما اسْتَخَفْ بها صاحبها .الشرح: عُظْمُ المصيبة على حَسَب نِعمة العاصي، ولهذا كان لظم الولد وجه الوالد كبيراً ليس كلظمة وجه غير الوالد.
ولمّا كان البارى تعالى أعظَمَ المُنعمين، بل لا نعمة إلّا وهي في الحَقيقة مِن نِعمَه، ومنسوبة إليه، كانت مخاَلَفته ومعصِيتَه عظمة جدًّا ، فلا ينبغي لأحدٍ أن يعصيَه في أمرٍ وإن كان قليلاً في ظَنّه ، ثم يستقلّه ويستهين به، ويُظهِر الاستخفافَ وقلّة الاحتفال بمواقَعته، فإنه يكون قد جمع إلى المعصية معصية أخرى، وهي الاستخفاف بقَدر تلك المعصية الّتي لو أمعَن النَّظَر لعلم أنّها عظيمة، ينبغي له لو كان رشيداً أن يبكي عليها الدَّمَ فَضْلاً عن الدفع، فلهذا قال علیه السلام : «أشدّ الذنوب ما استَخَفَّ بها صاحبها».- 486 -الأصل: وقالَ علیه السلام : مَا أَخَذَ الله عَلَى أَهْلِ الجَهْلِ أنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أخَذَ عَلَى اهْلِ الْعِلْمِ انْ يُعلِّمُوا .الشرح: تعليمُ العِلْم فرضُ كفاية، وفي الخَبَرِ المرفوعِ«من عَلِم عِلْماً وكَتَمه الجمه الله يومَ القيامة بلِجام من نار» (1.)ورَوَى معاذ بنُ جَبَل عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم قال: «تعلّموا العِلمَ فإنّ تعلُّمه خشية الله، ودراستَه تسبيح، والبحث عنه جهاد، وطلبه عبادة، وتعليمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، وبيان سبيل الجنّة، والمؤنس في الوحشة، والمحدّث في الخلوة والجليس في ،الوحدة، والصاحب في الغربة، والدليل على السّرّاء والمُعين على الضرّاء والزّين عند الإخلاء، والسلاح على الأعداء»(2.)ورُئيَ واصل بن عطاء يكتب من صبي حديثاً، فقيل له : مثلك يكتب من هذا! فقال : أما إني أحفظ له منه، ولكني أردت أن أذيقه كأس الرياسة، ليدعوه ذلك إلى الازدياد من العلم.وقال الخليل : العلوم ،أقفال والسؤالات مفاتيحها .
1) أخرجه أبو داود في العلم باب كراهية منع العلم (3658) من حديث أبي هريرة وابن ماجه في المقدمة باب من سئل عن علم فكتمه (265) ، من حديث أبي سعيد الخدري وأحمد «مسنده» (8328) ، من حديث أبي هريرة واللفظ له.
2) ذكره الإمام السيوطي في كتابه (تدريب الراوي) (165/1) وقال أخرجه ابن عبد البر في كتابه العم وقال: حديث حسن جداً ولكن ليس له إسناد قوي، فأراد بالحسن حسن اللفظ لأنه رواية موسى البلقاوي وهو كذاب نسب إلى الوضع عن عبد الرحيم العمي وهو متروك .
وقال بعضهم: كان أهل العلم يضنّون بعلمهم عن أهل الدنيا فيرغبون فيه ويبذلون لهم دنياهم، واليوم قد بذل أهل العلم علمهم لأهل الدنيا فزهدوا فيه وضنّوا عنهم بدنياهم .وقال بعضهم : ابذل علمك لمن يطلبه، وادع إليه من لا يطلبه، وإلا كان مَثَلك كمن أهديت له فاكهة فلم يطعمها ولم يُطعِمُها حتى فسدت .- 487-الأصل: وقال : شَرُ الإِخْوَانِ مَنْ تكَلَّفَ لَهُ.الشرح: إنما كان كذلك لأنّ الإخاء الصادق بينهما يوجب الانبساط، وترك التكلف، فإذا احتيج إلى التكلّف له فقد دلّ ذلك على أن ليس هناك إخاء صادق، ومن ليس بأخٍ صادق فهو من شرّ الإخوان.وروى ابن ناقيا في كتاب «ملح الممالحة»، قال: دخل الحسن بن سَهل على المأمون، فقال له: كيف علمك بالمروءة؟ قال: ما أعلم ما يريد أمير المؤمنين فأجيبَه؟ قال: عليك بعمرو بن مسعدة، قال: فوافيتُ عمراً وفي داره صنّاع، وهو جالس على آجُرّة ينظر إليهم، فقلت : إن أمير المؤمنين يأمرك أن تعلّمني المروءة، فدعا بآجرّة فأجلسني عليها، وتحدّثنا ملياً، وقد امتلأتُ غيظاً من تقصيره بي، ثم قال : يا غلام عندك شيء يؤكل ؟ فقال : نَعَم، فقدّم طبقاً لطيفاً، عليه رغيفان وثلاث سكرّجات، في إحداهنّ خَلْ، وفي الأخرى مرىء، وفي الأخرى مِلح، فأكلنا، وجاء الفرّاش فوضّأنا، ثم قال : إذا شئت ! فنهضت متحفّظاً، ولهم أودعه، فقال لي : إن رأيتَ أن تعود إليّ في يوم مثلها فلم أذكر للمأمون شيئاً مما جرى، فلما كان في اليوم الذي وعدني فيه لقياه سرت إليه فاستؤذن لي عليه، فتلقّاني على باب الدار، فعانقني، وقبّل بين عينيّ، وقدَّمَني أمامه، ومشى خلفي حتى أقعدني في الدست، وجلَس بين يديّ، وقد فرِشت الدار، وزِيّنَت بأنواع الزينة، وأقبل يحدّثني ويتنادر معي إلى أن حضر وقت الطعام، فأمر فقدّمت أطباق الفاكهة، فأصبنا منها، ونصبت الموائد، فقدم عليها أنواع الأطعمة من حارّها وبارِدِها، وحلوها وحامضها ثم قال: أيّ الشراب أعجب إليك؟ فاقترحت عليه، وحضر الوصائف للخدمة، فلما أردت الانصراف حَمَل معي جميع ما أحضر من ذهب وفضة وفُرش وكسوة، وقدم إلى البساط فرس بمركب ثقيل، فركبته وأمر من بحضرته من الغلمان الرّوم والوصائف حتى سعوا بين يدي، وقال: عليك وأمر من بحضرته من الغلمان الروم والوصائف
حتى سعوا بين يديّ وقال : عليك بهم فهم لك . ثم قال : إذا زارك أخوك فلا تتكلّف له، واقتصر على ما يحضرك، وإذا دعوته فاحتفل به واحتشد ولا تدعَنّ ممكناً، كفعلنا إيّاك عند زيارتك إيّانا ، وفعلنا يوم دعوناك.- 488 -الأصل: وقال علیه السلام في كلام له : إِذَا احْتَشَمَ المُؤْمِنُ أَخَاهُ فَقَدْ فَارَقَهُ.الشرح: ليس يعني أن الاحتشام علّة الفرقة بل هو دلالة وأمارة على الفرقة، لأنه لو لم يَحدُث عنه ما يقتضي الاحتشام لانبسط على عادته الأولى، فالانقباض أمارة المباينة.هذا آخر ما دَوّنه الرّضي أبو الحسن رحمه الله من كلام أمير المؤمنين علیه السلام في «نهج البلاغةِ» ، قد أتينا على شرحه بمعونة الله تعالى .ونحن الآن ذاكرون ما لم يذكره الرضيّ مما نسبه قوم إليه، فبعضه مشهور عنه، وبعضه ليس بذلك المشهور، لكنه قد روى عنه، وعُزي إليه، وبعضه من كلام غيره من الحكماء، ولكنه كالنّظير لكلامه والمضارع لحكمته، ولما كان ذلك متضمناً فنوناً من الحكمة نافعة رأينا ألا نُخْليَ هذا الكتاب عنُه، لأنّه كالتكملة والتتمة لكتاب «نهج البلاغة» .وربما وقع في بعضه تكرار يسير شذّ عن أذهاننا التنبّه له، لطول الكتاب وتباعد أطرافه، وقد عددنا ذلك كلمة كلمة فوجدناه ألف كلمة .فإن اعترضنا معترض قال : فإذا كنتم قد أقررتم بأنّ بعضها ليس بكلام له، فلماذا ذكرتموه وهل ذلك إلا نوع من التطويل ! أجبناه وقلنا : لو كان هذا الاعتراضُ لازماً لوجب ألّا نذكر شيئاً من الأشباه والنظائر لكلامه، فالعذر هاهنا هو العذر هناك، وهو أنّ الغرض بالكتاب الأدب والحكمة، فإذا وجدنا ما يناسب كلامه علیه السلام، وينصّب في قالبَه ويحتذي حذوَه، ويتقبل منهاجه، ذكَرناه على قاعدتنا في ذكر النّظير عند الخوض في شرح نظيره .وهذا حِينُ الشروع فيها خالية عن الشرح لجلائها ووضوحها، وإنَّ أكثرها قد سبقت نظائره وأمثاله، وبالله التوفيق.
### الحكم المنسوبة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام1 - كان كثيراً ما يقول إذا فرغ من صلاة الليل: أشهد أن السماوات والأرض وما بينهما آيات تدل عليك وشواهد تشهد بما إليه دعوت كلّ ما يؤدّي عنك الحجة ويشهد لك بالرّبوبيّة، موسوم بآثار نعمتك ومعالم تدبيرك . علوتَ بها عن خَلْقِك، فأوصلت إلى القلوب من معرفتك ما آنسها من وحشة الفكر، وكفاها رجم الاحتجاج، فهي مع معرفتها بك، وولهها إليك، شاهدة بأنك لا تأخذك الأوهام، ولا تدركك العقول ولا الأبصار. أعوذ بك أن أشير بقلب أو لسان أو يد إلى غيرك ، لا إله إلا أنتَ واحداً ، أحداً فرداً صَمَداً، ونحن لك مسلِمُون .2- إلهي كفاني فخراً أن تكون لي ربا، وكفاني عزَّا أن أكون لك عبداً ، أنت كما أريد، فاجعلني كما تريد.3 - ما خاف امرؤ عَدَل في حكمه، وأطعم من قُوتِه ، وذَخَر من دنياه لآخرته .4 - أفضل على مَنْ شِئْتَ تكن أميره، واستَغْنِ عمَّن شئتَ تكن نظيره، واحتج إلى مَنْ شئت تكن أسيرَه.5 - لولا ضعفُ اليَقين ما كان لنا أن نشكو محنةً يسيرةً نرجو في العاجل سرعةَ زوالِها، وفي الأجل عظيمَ ثوابها ، بين أضعاف نِعَمِ لو اجتمع أهل السماوات والأرضِ على إحصائها ما وفوا بها فضلاً عن القيام بشكرها .6 - من علامات المأمون على دينِِ الله بعد الإقرار والعمل الحزمُ في أمره، والصّدق في قوله، والعدل في حكمِه، والشفقة على رعيّته، لا تخرجه القذرة إلى خُرْق، ولا اللّين إلى ضعف، ولا تمنعه العزّة من كرم عفو، ولا يدعوه العفو إلى إضاعة حق، ولا يدخله الإعطاء في سرف، ولا يتخطّى به القصد إلى بُخل، ولا تأخذه نِعَمُ الله ببطرٍ .7 - الفسق نجاسةٌ في الهمَّة، وكلب في الطَّبيعة.8 - قلوب الجهال تستفزّها الأطماع وترتهن بالأماني، وتتعلق بالخدائع. وكثرة الصمت مام اللسان، وحسم الفطنة، وإماطة الخاطر وعذاب الحسّ.9 - عَداوة الضعفاء للأقوياء، والسفهاء للحلماء والأشرار للأخيارِ، طبعٌ لا يُستطاع تغييره.10 - العقل في القلب والرّحمة في الكبد، والتنفُّس في الرّئةِ.11 - إذا أراد الله بعبد خيراً حال بينه وبين ،شهوته وحجز بينه وبين قلبه، وإذا أراد به شرَّا
12 - الصَّبر مطية لا تكبُو، والقناعة سيف لا ينبو .13 - رحم الله عبداً اتقى رَبَّهُ ، وناصح نفسه، وقدَّم توبته وغلب شهوته، فإنّ أجله مستورٌ عنه ، وأَمَلَهُ خادع له، والشيطان مُوَكَّل به.14 - مَرَّ بمقبرة فقال : السلام عليكم يا أهل الديار الموحِشَةِ، والمحالٌ المقفرة، من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، أنتم لنا ،فَرَط، ونحن لكم تبعٌ نزوركم عمّا قليل . ونلحق بكم بعد زمان قصير اللهُمَّ اغفر لنا ولهم، وتجاوز عنّا وعنهم الحمد لله الذي جعل له الأرض كفاتاً، أحياءً وأمواتاً. والحمد لله الذي منها خَلَقَنَا، وعليها مُنشانا، وفيها معاشنا، وإليها يُعيدنا . طوبَى لمن ذكر المعاد، وقنع بالكفاف، وأعدّ للحساب!15 - إنكم مخلوقون اقتداراً، ومربوبون اقتساراً، ومضمَّنُون أجداثاً، وكائنون رُفاتاً، ومبعوثون أفراداً، ومدينون حسابا. فرحم الله امراً اقترف فاعترف ووجل فعقل وحاذر فبادر، وعُمِّر فاعتبر، وحُذِّر فازدجر ، وأجاب فأناب، وراجع فتاب، واقتدى فاحتذى، وتأهّب للمعاد، واستظهر بالزّاد، ليوم رحيله، ووجه سبيله ولحال حاجته وموطن فاقته، فقدّم أمامه لدار ،مقامه فمهدوا لأنفسكم على سلامة الأبدان وفسحة الأعمار. فهل ينتظر أهل غضارة الشباب إلّا حواني الهرم، وأهل بضاضة الصحة إلّا نوازل السقم وأهل مدة البقاء إلا مفاجأة الفناء واقتراب الفوت، ومشارفة الانتقال، وإشفاء الزوال، وحفز الأنين ورشح الجبين وامتداد العِرْنين، وعَلَز ،القلق، وقَيْظ الرَّمَق وشدّة المضض، وخصص الجرّض.16 - ثلاث منجيات: خشية الله في السر والعَلانية، والقضد في الفقر والغنى، والعدل في الغضب والرضا .17 - إياكم والفُحش، فإنّ الله لا يحبّ الفُحش، وإيّاكم والشّح، فإنه أهلك من كان قبلكم هو الذي سفك دماء الرجال، وهو الذي قطّع أرحامها، فاجتنبوه.18 – إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث : صدقةٍ جارية، وعلمٍ كان علّمه الناس فانتفعوا به وولد صالح يدعو له.19 - إذا فعلتَ كلَّ شيءٍ فكن كمن لم يفعل شيئاً .20 - سأله رجل، فقال : بماذا أسوء عدوّي ؟ فقال : بأن تكون على غاية الفضائل، لأنه إنّ كان يسوءه أن يكون لك فرس فارهٌ، أو كلب صَيُود، فهو لأن تُذكر بالجميل وينسب إليك أشدّ مساءة.21 - إذا قُذفت بشيء فلا تتهاون به وإن كان كذباً ، بل تحرّز من طرقِ القذف جُهِدَكَ ، فإنَّ القول وإن لم يثبت يوجب ريبةً وشكاً .
22 - عدم الأدب سببُ كلِّ شرِّ.23 - الجهل بالفضائل عِدل الموتِ.24 - ما أصعب على من استعبدتُهُ الشّهوات أن يكون فاضلاً !25 - مَنْ لم يقهر حَسَدَهُ كانَ جَسَدُهُ قبراً لِنَفْسِهِ .26 - احمد من يغلظ عليك ويعظك، لا من يزكّيك ويتملّقك.27 - اختر أن تكون مغلوباً وأنت منصف، ولا تختَر أن تكون غالباً وأنت ظالم.28 - لا تهضمنّ محاسنك بالفَخر والتكبّر .29 - لا تنفك المدنية من شرّ، حتى يجتمع مع قوّة السلطان قوّة دينه وقوة حِكمته .30 - إِذَا أَرَدْتَ أنْ تُحْمَد فلا يظهر منك حرصٌ على الحَمْدِ.31 - مَن كَثُر همه سقم ،بدنه ، ومَنْ ساء خُلُقه عَذَّب نفسه، ومن لاحَى الرّجال سقطتمروءته، وذهبت كرامته، وأفضل إيمان العبد أن يعلم أنّ الله معه حيث كان.32 - كُنْ ورعاً تكن من أعبدِ الناس، وارْضَ بما قَسَم الله لك تكن من أغنى الناس وأحسن جوارَ مَنْ جاورك تكن مسلماً، ولا تكثرنّ الضحك، فإنّ كثرته تميت القلب، وأخرس لسانك واجلس في بيتك، وابك على خطيئتك .33 - إِنَّ الرَّجُل لَيُحَرم الرّزق بالذنب يصيبه ، ولا يردّ القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البرّ، ولا يزول قدم ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعمّا عمل فيما علم !34 - في التجارب علم مستأنف والاعتبار يفيدك الرشاد، وكفاك أدباً لنفسك ما كرهتَه من غيرك، وعليك لأخيك مثل الذي عليه لك .35- الغضب يُثير كامن الحِقْد ومَنْ عرف الأيام لم يُغفل الاستعداد، ومَن أمسك عن الفضول عدّلت رأيه العقول .36 - اسكت واستر تسلم. وما أحسن العلم يزينه العمل، وما أحسن العمل يزينه الرّفق !37 - أكبر الفخر ألا تفخر .38 - ما أصعب اكتساب الفضائل وأيسر إتلافها!39 - لا تنازع جاهلاً، ولا تشايع مائقاً (1، ولا تعاد مسلّطاً . -)
1) لا تشايع لا تشارك اللسان مادة (شيع) . المائق : الأحمق الغبي للسان، مادة (موق).
40 - الموت راحة للشيخ الفاني من العمل، وللشابّ السقيم من السَّقم وللغلام الناشيء من استقبال الكدّ والجمع لغيره، ولمن ركبه الدَّين لغرمائه، وللمطلوب بالوتر، وهو في جملة الأمر أمنيّة كلّ ملهوف مجهود.41 - ما كنتَ كاتمه عدوّك من سرّ، فلا تطلعنّ عليه صديقك واعرف قدرك يَستعل أمرُك ،وكفى ما مضى مخبراً عمّا بقي !42 - لا تَعِدَنْ عِدَةً تحفّرها قلةُ الثّقة بنفسك، ولا يغرنّك المرتقى السهل إذا كان المنحدَر وعراً.43 - اتّق العواقب عالماً بأن للأعمال جزاءً وأجراً، واحذر تبعات الأمور بتقديم الحزم فیها.44 - مَن اسْتَرْشَد غير العقل أخطأ منهاج الرّأي، ومَن أخطأته وجوه المطالب خذلته الحِيَل، ومن أخلّ بالصبر أخل به حسن العاقبة، فإنّ الصبر قوّة من قوى العقل، وبقدر مواد العقل وقوتها يقوى الصبر :45 - الخطأ في إعطاء من لا يبتغي ومنع من يبتغي واحد.46 - العِشْقُ مَرَضٌ ليس فيه أجْرٌ ولا عِوَض.47 - أعظم الخطايا عند الله اللسان الكذوب، وقائل كلمة الزّور ومن يمدّ بحبلها في الإثم سواء.48 - الخصومة تمحق الدّين.49 - الجهاد ثلاثة : جهاد باليد وجهاد باللسان، وجهاد بالقلب، فأوّل ما يغلب عليه من الجهاد يدك ثم لسانك، ثم يصير إلى القلب، فإن كان لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً نُكس فجعل أعلاه أسفله .50 - ما أنعم الله على عبد نعمةً فشكرها بقلبه إلّا استوجب المزيد عليها قبل ظهورها على لسانه .51 - الحاجةُ مسألة ، والدُّعاء زيادة والحمدُ شكرٌ، والنَّدم توبة .52 - لِن واحلُم تنبل، ولا تكُن معجِباً فتمقت وتُمتهن .53 - ما لي أرَى النَّاس إذا قُرِّب إليهم الطعام ليلاً تكلّفوا إنارة المصابيح ليبصروا ما يدخلون بطونهم، ولا يهتمون بغذاء النّفس بأن ينيروا مصابيح ألبابهم بالعلم ليسلموا من لواحق الجهالة والذنوب في اعتقاداتهم وأعمالهم.
54 - الفقر هو أضل حسنِ سياسة النّاس، وذلك أنه إذا كان من حُسن السياسة أن يكون بعض الناس يسوس وبعضهم يُساس، وكان مَنْ يُساس لا يستقيم أن يُساس من غير أن يكون فقيراً محتاجاً، فقد تبيّن أنّ الفقر هو السبب الذي به يقوم حسن السياسة.55 - لا تتكلّم بين يدي أحدٍ من النّاس دون أن تسمع كلامه، وتقيس ما في نفسك من العلم إلى ما في نفسه، فإن وجدت ما في نفسه أكثر ، فحينئذ ينبغي لك أن تروم زيادة الشيء الذي به يفضل على ما عندك .56 - إذا كان اللّسان آلة لترجمة ما يخطر في النفس، فليس ينبغي أن تستعمله فيما لم يخطر فیها.57 - إذا كان الآباء هم السبب في الحياة، فمعلمو الحكمة والدين هم السبب في جودتها .58 - وشكا إليه رجلٌ تعذَّرَ الرّزق، فقال: مه لا تجاهد الرّزق جهاد المغالب، ولا تتَّكِل على القَدَر اتكال المستسلم، فإنّ ابتغاء الفضل من السّنّة، والإجمال في الطّلب من العفّة، وليست العِفّة دافعةً رزقاً، ولا الحرص جالباً فضلاً، لأن الرّزق مقسوم، وفي شدّة الحرص اكتساب المآثم.59 - إذا استغنيت عن شيء فدغه وخذ ما أنت محتاج إليه.60 - العمر أقصر من أن تعلم كلّ ما يحسنُ بك علمه، فتعلّم الأهمّ فالأهمّ.61 - مَنْ رَضِيَ بما قسم له استراح قلبُه ويدنه .62 - أبعد ما يكون العبد من الله إذا كان هَمَّه بطنُه وفَرَجُه .63 - ليس في الحواسّ الظاهرة شيء أشرفُ من العين لا تُعطوها سؤلها، فيشغلكم عن ذكرالله.64 - ارحموا ضعفاءكم فالرّحمة لهم سببُ رحمة الله لكم .65 - إزالة الجبال أسهل من إزالة دولة قد أقبلت، فاستعينوا بالله واصبروا ، فإنّ الأرض الله يورثها من يشاء.66 - قال له عثمان في كلام تلاحَيا فيه حتى جرى ذكرُ أبي بكر وعمر: أبو بكر وعمر خيرٌ منك، فقال : أنا خيرٌ منك ،ومنهما عبدتُ الله قبلهما، وعبدته بعدهما .67 - أوثق سُلّم يُتَسَلَّق عليه إلى الله تعالى أن يكون خيراً .68 - ليس المُوسِر مَنْ كان يساره باقياً عنده زماناً يسيراً، وكان يمكن أن يغتصبه غيره منه، ولا يبقى بعد موته له، لكن اليَسار على الحقيقة هو الباقي دائماً عند مالكه، ولا يمكن أن يؤخذ ، ويبقى له بعد موته، وذلك هو الحكمة .
69 - الشّرف اعتقاد المنن في أعناق الرّجال .70 - يضرّ الناس أنفسَهم في ثلاثة أشياء: الإفراط في الأكل اتكالاً على الصحّة، وتكلّف حمل ما لا يطاق اتّكالاً على القوة والتفريط في العمل اتكالاً على القَدَر.71 - أحزمُ النّاس من ملك جِدُّه ،هزله وقهر رأيه هواهُ، وأعرب عن ضميره فعله، ولم يخدعه رضاه عن حظّه، ولا غضبه عن كيده.72 - مَنْ لم يُصْلِح خلائقه، لم ينفع النَّاسَ تأديبه .73 - من اتَّبع هواه ضلّ، ومن حاد ساد، وخمود الذكر أَجْمَل من ذميم الذَّكر .74 - لهب الشَّوْق أخف محملاً من مقاساة الملالة.75 - بالرّفق تُنال الحاجة، وبِحُسْنِ التأني تسهل المطالب.76 - عزيمة الصّبر تُطفى نارَ الهوى ونفي العجب يؤمن به كيد الحسّاد.77 - ما شيء أحقُّ بطولِ سِجنٍ من لسان.78 - لا نَذْرَ في معصية، ولا يمين في قطيعة.79 - لكلّ شيء ثمرة وثمرة المعروف تعجيل السِّرَاح.80 - إيّاكم والكسل، فإنّه من كسل لم يؤدَّ الله حقَّا .81- احسبوا كلامكم من أعمالكم ، وأقلّوه إلّا في الخير.82 - أحسِنُوا صحبةَ النّعم فإنّها تزول وتشهد على صاحبها بما عمل فيها .83 - أكثِروا ذكرَ الموتِ، ويوم خروجكم من قبوركم ويوم وقوفكم بين يدي الله عزّ وجلّ، يهُن عليكم المصاب.84 - بحسَب مجاهدة النفوس وردّها عن شهواتها ومنعها عن مصافحة لذّاتها ومنع ما أدّت إليه العيون الطامحة من لحظاتها - تكون المثوبات والعقوبات والحازم مَنْ ملك هواه فكان بملكِه له قاهراً، ولما قَدَحت الأفكار من سوء الظّنون زاجراً، فمتى لم تُرَدّ النّفس عن هجم عليها الفكر بمطالبة ما شُغِفت به، فعند ذلك تأنس بالآراء الفاسدة، والأطماع الكاذبة، والأماني المتلاشية، وكما أنّ البَصر إذا اعتلّ رأى أشباحاً وخيالات لا حقيقة لها، كذلك النفس إذا اعتلّت بحبّ الشهوات وانطوت على قبيح الإرادات رأت الآراء الكاذبة، فإلى الله سبحانه نرغب في إصلاح ما فسد من قلوبنا وبه نستعين على إرشاد نفوسِنا، فإن القلُوب بيد يُصرّفها كيف شاء.85 - لا تؤاخينّ الفاجر، فإنه يُزيّن لك فعلَه، ويودّ لو أنّك مثله، ويحسّن لك أقبح
خصاله، ومدخلُه ومخرجُه من عندك شينٌ وعار ونقص، ولا الأحمق فإنّه يجهَد لك نفسه ولا ينفعك، وربما أراد أن ينفعك فضرَّك، خيرٌ لك من نطقه، وبعده خير لك من ،قربه وموته خي لك من حياته، ولا الكذّاب فإنّه لا ينفعك معه شيء، ينقل حديثك، وينقل الحديث إليك، حتى إنه ليحدّث بالصّدق فلا يصدّق.86 - ما استَقصَى كريم قطّ، قال تعالى في وصف نبيه : (عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضِ(1).)87 - ربّ كلمةٍ يخترعها حليم مخافة ما هو شرّ منها، وكفى بالحلم ناصراً .88 - مَنْ جمع ستّ خصال لم يَدَع للجنّة مطلباً، ولا عن النار مهرباً : مَنْ عرف الله فأطاعه، وعرف الشيطان فعصاه، وعرف الحق فاتبعه وعرف الباطل فاتّقاه، وعرف الدّنيا فرفضها، وعرف الآخرة فطلَبها .89 - مَن استحيا مِنَ النّاس ولم يستحي من نفسه فليس لنفسه عند نفسه قدر .90 - غاية الأدب أن يستحِيَ الإنسان من نفسه .91 - البلاغة النَّصر بالحُجّة، والمعرفة بمواضع الفُرصة، ومن البَصر بالحجّة أن تَدع الإفصاح بها إلى الكناية عنها إذا كان الإفصاح أوعر ،طريقة، وكانت الكناية أبلغ في الدّرك وأحق بالظفر .92 - إيَّاك والشَّهوات وليكن مما تستعين به على كَفها علمك بأنها ملهية لعقلك، مهجِّنة لرأيك، شائنة لغرضك شاغلة لك عن معاظِم أمورك، مشتدّةٌ بها التبعة عليك في آخرتك. إنما الشّهوات لعب، فإذا حضر اللّعبُ غاب الجدّ ، ولن يقام الدّين وتصلحَ الدّنيا إلا بالجِدّ، فإذا نازعتك نفسك إلى اللّهو واللذات، فاعلم أنها قد نزعت بك إلى شرّ منزَع، وأرادت بك أفضح الفضوح، فغالبها مغالبة ذلك، وامتنع منها امتناع ذلك ، وليكن مرجعُك منها إلى الحقّ، فإنك مهما تترك من الحق لا تتركه إلا إلى الباطل، ومهما تدغ من الصواب لا تَدعه إلا إلى الخطأ، فلا تداهنن هواك في اليسير فيطمع منك في الكثير .وليس شيء ممّا أوتيت فاضلاً عما يصلحك ، وليس لعُمْرك وإن طال فضل عمَّا ينوبك من الحقّ اللازم لك، ولا بمالك وإن كثر فضل عمّا يجب عليك فيه، ولا بقوّتك وإن تمَّتْ فضلٌ أداء حقّ الله عليك، ولا برأيك وإن حَزُمَ فضل عمّا لا تُعْذَرُ بالخطأ فيه فليمنعنّك علمك بذلك من أن تطيل لك عمراً في غير نفع، أو تضيّع لك مالاً في غير حقّ، أو أن تصرف لك قوة في غير عبادة، أو تعدل لك رأياً في غير رشد.
1) سورة التحريم، الآية : 3.
فالحفظَ الحفظَ لما أوتيتَ، فإنّ بك إلى صغير ما أوتيتَ الكثيرَ منه أشدُّ الحاجة.وعليك بما أضعته منه أشدُّ الرزيّة، ولا سيما العمر الذي كل منفّذ سواء مستخلَف. وكلّ ذاهب بعده مرتجع .فإن كنت شاغلاً نفسك بلذّة فلتكن لذتك في محادثة العلماء ودرس كتبهم، فإنّه ليس سرورك بالشَّهوات بالغاً منك مبلغاً إلا وإكبابك على ذلك، ونظرُك فهي بالغهُ منك، غير أن ذلك يجمَعُ إلى عاجل السُّرور تمام السّعادة، وخلافُ ذلك يجمع إلى عاجل الغَيّ وخامة العاقبة . وقديماً قيل : أسعدُ الناس أدركُهم لهواه إذا كان هواه في رشده، فإذا كان هواه في غير رشده.فقد شقِيَ بما أدرك منه . وقديماً قيل : عوّذ نفسك الجميل، فباعتيادك إيّاه يعود لذيذاً.93 - وُكُل ثلاث بثلاث : الرزق بالحمق، والحرمان بالعقل والبلاء بالمنطق، ليعلم ابنُ آدم أن ليس له من الأمر شيء.94 - ثلاثةٌ إن لم تظلمهم ظلموك : عبدك وزوجتك، وابنك. وقد روينا هذه الكلمة لعُمر فيما تقدم.95 - للمنافقين علاماتٌ يعرفون بها : تحيَّتهم لعنة، وطعامهم تهمة، وغنيمتهم غلول، لا يعرفون المساجد إلّا هَجْراً، ولا يأتون الصلاة إلا دُبُراً، مستكبرون لا يألفون ولا يُؤلَفون خُشبٌ بالليل صُحب بالنهار .96 - الْحَسَدَ حُزن لازمٌ ، وعَقْلُ هائم، ونَفَسٌ دَائم والنّعمة على المحسودِ نعمة، وهي على الحاسدِ نقمة .97 - يا حَمَلة العلم، أتحملونه! فإنَّما العِلْم لمن عَلِم ثم عَمِل، ووافَق عملُه علمَه، وسيكون أقوامٌ يحملون العِلم، لا يجاوز تراقيَهم تخالف سريرتُهم علانيتَهم، ويخالف عملُهم عِلْمَهم، يقعدون حَلَقاً فيباهي بعضُهم بعضاً، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله سبحانه .98 - تعلَّموا العلم صِغَاراً تسودوا به كباراً، تعلموا العلم ولو لغير الله، فإنه سيصير الله العلم ذَكَرٌ لا يحبه إلا ذَكَرٌ من الرجال. 99 - ليس شيءٌ أحسن من عَقْل زانَه علم ، ومِنْ عِلْمٍ زانه حِلْم، ومن حِلْم زانه صِدق، - ومن صدق زانه رفق، ومن رفق تقوى. إنّ ملاك العقل ومكارم الأخلاق صون العرض، والجزاء بالفرض، والأخذ بالفضل، والوفاء بالعهد، والإنجاز للوعد. ومَنْ حاول أمراً بالمعصية كان أقرب إلى ما يخاف وأبعد مما يرجو .100 - إذَا جَرت المقاديرُ بالمكاره سبقت الآفة إلى العقل فحيَّرته، وأطلقت الألسن بما فيه تلف الأنفس.
101 - لا تصحبوا الأشرار فإنّهم يمنّون عليكم بالسَّلامة مِنْهم.102 - لا تفسروا أولادكم على آدابكُم، فإنهم مخلوقُون لزمان غير زمانكم.103 - لا تطلب سرعة العمل واطلب تجويده، فإن النّاس لا يسألون في كمْ فَرّغ من العمل، إنما يَسْأَلُون عن جودة صنعته .104 - ليس كلُّ ذي عين يُبْصِر، ولا كلّ ذي أُذُنِ يَسْمَع، فتصدَّقُوا على أولي العقول الزَّمِنة، والألباب الحائرة، بالعلوم التي هي أفضل صدقاتكم ، ثم تلا : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا إِنَّ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَأَهْدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيْنَهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَبِ أُولَيكَ يَلْعَمُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَبُهُمُ العنُونَ (1).)105 - مَنْ أَتَتْ عليه الأربعون من السِّنين قيل له : خذ حذرَك من حلُول المقدور فإنَّكَ غير معذور، وليس أبناء الأربعين بأحقَّ بالحذر من أبناء العشرين، فإن طالبهما واحِدٌ، وليس عن الطلب براقد، وهو الموت فاعمل لما أمامك من الهَوْل، ودع عنك زخرف القول.106 - سُئِل عن القَدَر فقال : أقصر أم أطِيل ؟ قيل : فقال : بل تُقْصِر، جلّ الله أن يُريد الفحشاء، وعزّ عن أن يكون له في المُلْك إلا ما يشاء.107 - مَنْ علِم أنه يفارق الأحباب ويسكُن التُّراب، ويواجِهُ الحِساب، ويستغني عمّا ترك، ويفتقر إلى ما قدّم كان حريَّا بِقَصر الأمل، وطول العمل.108 - المؤمن لا تختِلُه كَثرة المصائب، وتَواتُر النَّوائِب عن التَّسليم لربه والرّضَا بقضائه، كالحمامة التي تُؤخذ فراخها من وكرها ثم تعودُ إليه .109 - ما مَاتَ مَنْ أَحْيَا عِلماً ، ولا افْتَقَرَ مَنْ مَلَك فَهْماً .110 - العِلْم صبغ النفس، وليس يفوق صبغ الشيء حتى يَنظُف من كل دنَس .111 - اعلم أنّ الذي مدحَك بما ليس فيك، إنما هو مخاطبِ غيرَك، وثوابُه وجزاؤهُ قد سقطا عنك .112 - إحسانك إلى الحرِّ يُحَرِّكُهُ على المكافأة، وإحسانك إلى النَّذْلِ يَبْعَثُهُ على مُعاوَدَة المَسْأَلَة ..113 - الأشرار يتتبَّعُون مساوىء الناس ويتركون محاسنهم، كما يتتبع الذُّبابُ المواضعَ الفاسدة.114 - موت الرؤساء أسهل من رئاسة السَّفِلَة.115 - ينبغي لمن وَليَ أمرَ قوم أن يبدأ بتقويم نفسه قبل أن يشرع في تقويم رعيَّته، وإلا كان بمنزلة من رام استقامة ظلّ العُود قبل أن يستقيم ذَلِكَ العُود.
1) سورة البقرة، الآية : 159 .
116 - إذا قويَ الوالي في عمله حَرَّكَتْهُ ولايته على حسب ما هو مركوز في طبعه من الخير والشرّ.117 - ينبغي للوالي أن يعمل بخصال ثلاث : تأخيرِ العقوبة مِنهُ في سلطان الغضب، والأناةِ فيما يرتئيه من رأي، وتعجيل مكافاة المحسن بالإحسانِ، فإنّ في تأخير العقوبة إمكان العفو، وفي تعجيل المكافأةِ بالإحسانِ طاعةَ الرعيّة، وفي الأناة انفساح الرأي وحَمْدَ العاقبة وَوَضُوحَ الصواب.118 - من حقّ العالم على المتعلّم ألا يُكْثِر عليه السؤالَ، ولا يُعَتُه في الجواب، ولا يُلِحْ عليه إذا كسل، ولا يُفْشيَ له سرًا، ولا يغتاب عنده أحداً، ولا يطلب عشْرَتَهُ ، فإذا زل تأتيتَ أوْيَتهُ، وقَبِلْتَ معذرته، وأنْ تُعَظْمَهُ وتُوَقِّرَهُ ما حَفِظَ أمر الله وعظمه، وألا تجلس أمامه، وإن كانت له حاجةٌ سبقت غيرك إلى خدمته فيها . ولا تضجرنّ من صحبته، فإنما هُو بمنزلةِ النّخلة يُنتظَر متى يسقط عليك منها منفعةٌ. وخُصّه بالتحية، واحفظ شاهَده وغائبه، وليكن ذلك كُلّه لله عزّ وجلّ، فإنَّ العالم أفضلُ من الصائم القائم المجاهد في سبيل الله . وإذا مات العالم تُلِمَ في الإسلام تلمةٌ لا يسدها إلّا خَلَفٌ منه . وطالب العلم تُشيعه الملائكة حتى يرجع .119 - وَصُولٌ مُعْدِمٌ خيرٌ من جافٍ مُكْثِر، ومن أراد أن ينظر ماله عند الله فلينظر ما الله عنده.120 - لقد سبق إلى جنّات عدن أقوامٌ ما كانوا أكْثَرَ الناسِ صلاةً ولا صياماً ولا حجَّا ولا اعتماراً، ولكن عَقَلُوا عن الله أمره فحسنت طاعتهم، وصح ورعهمُ وكَمُلَ يقينُهُم ، ففاقوا غيرهم بالحُظْوَةِ وَرَفيع المنزلة .121 - ما من عَبْدِ إلّا ومعه ملك يقيه ما لم يُقَدَّز له، فإذا جاءَ القَدَرُ خَلاهُ وإياه .122 - إنّ الله سبحانه أدَّب نَبِيَّهُ صلی الله علیه وآله وسلم بقوله: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَن الجهلینَ(1)، فلما علم أنه قد تأدَّبَ، قال له : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)(2)، فلما استحكم له من رسوله ما أحبّ قالَ: ﴿وَمَا الَكُمُ الرَّسُولُ فَخُدُوهُ وَمَا تَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (3).)123 - كنت أنا والعبّاس وعمر نتذاكر المعروفَ ، فقلت :أنا خير المعروفِ سَتْرُه ، وقال العباسُ : خيرُهُ تصغُيُره، وقال عمر خيره تعجيلهُ، فخرج علينا رسول الله، فقال: فيم أنتم؟ فذكرنا له، فقال: خيرُهُ أن يكونَ هذا كله فيه .124 - العفو يفسد من اللثيم بقَدْرِ ما يصلح من الكريم.
125 - إذا خَبُثَ الزّمانُ كَسَدَتِ الفضائلُ وضَرَّتْ، ونَفَقَتِ الرَّذائلُ ونفعتُ، وكان خوف الموسرِ أشدَّ من خوف المعسرِ .126 - انظر إلى المُتَنَصح إليك ، فإن دخل مِنْ حَيْثُ يُضارُّ الناس فلا تقبل نصيحته وتَحَرَّزُ منه، وَإِن دَخَل من حيث العَدْلُ والصلاح فاقبلها منه .127 - أعداءُ الرَّجل قد يكونون أنفعَ من إخوَانه، لأنهم يهدونَ إليه عيوبه فيتجنّبها ويخاف شماتتهم به فيضبط نعمته ويتحرَّزُ من زوالها بغاية طوقه .128 - المِرآةُ التي ينظر الإنسان فيها إلى أخلاقه هي النّاس، لأنه يرى محاسنه من أوليائه منهم، ومساويه من أعدائه فیهم.129 - انظر وجهكَ كلّ وقت في المِرآةِ، فإن كان حسناً فاستقبح أن تضيف إليه فعلاً قبيحاًوتشينه ،به، وإن كان قبيحاً فاستقبح أن تجمع بين قُبحيْن .130 - موقع الصواب من الجُهّال مثل موقع الخطأ من العلماء.131 - ذَكّ قَلبك بالأدَب كما تُذكّي النار بالحطب.132 - كفر النعمة لؤمٌ، وصحبة الجاهل شومٌ.133 - عاديت من مارَيت.134 - لا تصرم أخاك على ارتياب ولا تقطعه دون استعتاب.135 - خير المقال ما صدّقه الفعال .136 - إذا لم ترزَقُ عَنِّى فَلا تُحْرَمَنَّ تقوى .137 - مَنْ عرَفَ الدنيا لم يحزن للبلوى.138 - دَعِ الكَذِبَ تَكَرَّماً إن لم تَدَعْهُ تأثْماً .139 - الدُّنيا طوَّاحة طرّاحةٌ فَضَاحَةٌ ، آسِيَةٌ جَرَّاحَةٌ .140 - الدنْيَا جَمّةُ المصائب، مُرَّة المشارب، لا تُمتّع صاحباً بصاحب .141 - المعتذر من غير ذنب يوجب على نفسه الذنب .142 - من كسل لم يُؤدِّ حقبَا .143 - كثرة الجدال تورثُ الشك.144- خير القلوب أوعاها .145 - الحياء لباس سابعٌ ، وحجابٌ مانعٌ، وسترٌ من المساوىء وَاقٍ، وحليفٌ للدِّين،
و موجبٌ للمحبّة، وعَيْنٌ كالثة تَذُودُ عنِ الفساد، وتنهى عن الفحشاء. والعجلة في الأمور مَكْسَبَةٌ للمذلّة، وزِمامٌ لِلنَّدَامَةِ، وسَلْبٌ للمُرُوءَةَ ، وشَيْنٌ لِلْحِجَى ، ودَليلٌ على ضَعْف العقيدة.146 - إذا بلغ المرءُ من الدُّنيا فوق قدره تَنكَّرَتْ للناس أخلاقُهُ .147 - لا تصحب الشِّرِّيرَ فإنّ طبعك يَسْرِق من طبعه شَرًا وأنت لا تعلم .148 - موتُ الصالح راحة لنفسه، وموت الطالح راحة للناس.149 - ينبغي للعاقل أن يتذكّر عند حلاوة الغذاءِ مرارة الدواء.150 - إن حَسَدَكَ أخ من إخوانك على فضيلة ظهرتَ منك فسعى في مكروهك فلا تقابله بمثل ما كافحك به، فتعذِر نفسه في الإساءة إليك، وتشرع له طريقاً إلى ما يُحِبُّهُ فيك، لكن اجتَهِد في التَّزَيدِ من تلك الفضيلة التي حَسَدك عليها ، فإنك تسوءه من غير أن تُوجده حجةً عليك .151 - إذا أردت أن تعرف طبع الرَّجل فاسْتَشِرْهُ، فإنك تقف من مشورته على عدله وجَوْرِهِ، وخَيْرِه وشره.152 - يَجبُ عَلَيْكَ أن تُشْفِقَ على ولدكَ أكثر من إشفاقه عليك.153 - زمان الجائر من السلاطين والولاة أقْصَرُ من زمان العادل، لأنّ الجائر ،مفسِد، والعادلَ مصلح، وإفساد الشيء أشرع من إصلاحه .154 - إذا خدمتَ رئيساً فلا تَلْبَس مثل ثوبه، ولا تركب مثل مركوبه، ولا تستخدم كخدِمِه، فعساك تسلم منه .155 - لا تُحدّث بالعلم السفهاء فيُكَذِّبوك، ولا الجهال فَيَسْتَعْقِلُوكَ، ولكن حَدَّتْ بهِ مِنْ يَتَلَقَّاهُ من أهله بقبولٍ وفَهم يفهم عَنك ما تقول، ويكتم عليك ما يسمع، فإن لعلمك عليك حقا، كما أنّ عليك في مالك حقا : بذله لمستحقه، ومنعهُ عن غير مستحقّه.156 - اليقين فوق الإيمان، والصبر فوقَ اليقينِ، ومن أفرط رجاؤه غلبت الأماني على قلبه واستعبدَتهُ.157 - إِيَّاكَ وصاحب السوء، فإنَّهُ كالسيف المسلول يروق منظره، ويقبح أثرُهُ .158 – يابن آدم، اخذرِ الموت في هذه الدَّارِ قبل أن تصير إلى دَارٍ تتمنى الموت فيها فلا تجدُهُ.159 - من أخطأه سهم المنيَّةِ قيّدهُ الهَرَمُ.160 - منْ سَمِعَ بفاحِشةٍ فأَبْدَاها كان كَمَنْ أتاها .
161 - العاقل من انّهم رأيه ولم يثق بما سَوَّلَتْهُ له نفْسُه .162 - مَنْ سامح نفسه فيما يحبّ أتعبها فيما لا يحبّ.163 - كفى ما مضى مُخبِراً عما بقي، وكفى عِبَراً لِذَوي الألباب ما جَرِّبُوا .164 - أمرٌ لا تَدْرِي متى يغشاك ما يمنعك أن تستعد له قبل أن يفجأك !165 - ليس في البرق الخاطف مُسْتَمْتَع لمن يخوض في الظلمة.166 - إذا أعْجَبَك ما يَتَواصَفُهُ النَّاسُ مِنْ مَحاسِنِكَ، فانْظُرْ فيما بطن من مساوئكَ، ولتَكُنْ معْرفَتُك بنَفْسِكَ أوثَقَ عِنْدَكَ مِنْ مَدْحِ المَادِحِينَ لك.167 - من مدحك بما ليس فيك من الجميل وهُو رَاضِ عنك ذَمّك بما لَيْسَ فِيكَ مِنَ القيح وَهُوَ ساخط عَليْكَ.168 - إذا تَشَبَّه صاحِبُ الرياءِ بالمُخلصين في الهيئة كانَ مثْلَ الوَارِمِ الَّذِي يوهمُ النَّاسَ أَنَّهُ سَمِينٌ ، فَيَظُنُّ النَّاس ذلِكَ فِيهِ وَهُو يستر ما يَلْقى مِنَ الأَلمِ التَّابع لِلوَرَمِ.169 - إذا قويَتْ نَفْس الإنْسانِ انْقَطع إلى الرَّأي، وإذ ضعفت انقطع إلى البَخْتِ .170 - الرغبة إلى الكريم تُحَرِّكُهُ على البذل، وإلى الخييسِ تَغْرِيهِ بالمَنْعِ .171 - خيارُ النَّاسِ يَتَرَفْعُون عن ذِكْر مَعايبِ النَّاسِ، ويتهمون المُخْبِرَ بِها، ويأثرُونَ الفضائل، ويَتَعَصَبُونَ لِأَهْلِها، ويستعرضُونَ مَآثِرَ الرُّؤساء، وإفضالَهُمْ عليهم، ويُطالبون أنفسهم بالمكافأةِ عَليها وَحُسْنِ الرِّعايةِ لَها .172 - لكلِّ شيءٍ قُوتُ، وأنتم قوتُ الهوام، ومن مشى على ظهر الأرض فإن مصيره إلى بطنها.173 - من كرم المرء بكاؤه على ما مضى مِنْ زَمَانِهِ، وحنينُهُ إلى أوطانه، وحفظُهُ قديمَ إخوانِهِ .174 - وَمِنْ دُعائِهِ : اللَّهُم إِنْ كنا قد قصَّرُنا عن بلوغ طاعتك فقد تمسكنا مِنَ طاعتك بأحبِّها إليكَ ، لا إله إلا أنت جاءَتْ بالحَقِّ مِنْ عِنْدَكِ .175 - أصابَتِ الدُّنْيَا منْ أمِنَها وأصابَ الدُّنْيَا من حَذِرَها .176 - ووَقَف على قَوْمِ أَصِيبُوا بمصيبة ، فقال : إِنْ تَجْزَعُوا فَحَقَّ الرَّحِم بلغتُمْ ، وإِنْ تَصْبِرُوا فَحَقِّ الله أديتم .177 - مَكارمُ الأَخْلاقِ عَشْرُ خِصال السخاء والحياء، والصدق، وأداء الأمانة، والتَّوَاضِعُ والغَيْرةُ، والشجاعة، والحلم، والصبر، والشكر .
178 - من أداء الأمانَةِ المكافأة على الصَّنِيعة لأنها كالوَدِيعةِ عِنْدَكَ.179 - الخيرُ النَّفْسِ تَكُونُ الحرَكَةُ في الخيْرِ عَلَيْهِ سَهلةً مُتيسرة، والحرَكَةُ في الإِضْرَارِ عَسرةً بطيئة، والشِّرِّيرُ بالضد من ذلك .180 - البُخَلاءُ مِنَ النَّاسِ يَكُونُ تغافلهم عن عظيم الجرْمِ اسْهَل عليهم من المكافأة على يسير الإحسان.181 - مثلُ الإنسانِ الحصيف مثل الجسمِ الصلب الكثيف، يَسْخُنُ بطيئاً، وتبرُدُ تِلْكَ السُّخونَةُ بأطْوَلَ مِنْ ذَلكَ الزَّمانِ.182 - ثلاثةٌ يُرْحَمُونَ : عاقِل يجري عليه حكم جاهل، وضعيف في يد ظالم قوي، وكَرِيمُ قَوْمِ احْتاج إلى لتيم .183 - من صحبَ السلطان وجبَ أنْ يكُونَ معهُ كرَاكب البحْرِ، إِن سلم بجسمه منَ الغَرَقلم يسلم بقلبه من الفرق .184 - لا تقبلن في استعمالِ عما لكَ وأمرائكَ شفاعَةً إِلَّا شفاعة الكفاية والأمانة.185 - إذا استشارَك عدوُّك فجرِّة لهُ النصيحةَ، لأنه باستشارتك قَدْ خَرَجَ من عدواتك ودخل في مودّتك .186 - العدلُ صورةٌ واحدةٌ ، والجور صور كثيرة، ولهذا سهل ارتكاب الجَوْر وصعب تحري العدل، وهما يشبهان الإصابة في الرماية والخطأ فيها، وإن الإصابة تحتاجُ إلى ارتياض وتعهد، والخطأ لا يحتاجُ إلى شيءٍ من ذلك .187 - لا يُخطى المخلص في الدعاء إحْدَى ثلاث: ذنب يغفرُ، أو خيرٌ يُعجل، أو شرُّ يؤجلُ.188 - لا ينتصف ثلاثة من ثلاثة : بَرَّ من فاجرِ، وعاقلٌ من جاهلٍ، وكريمُ من لثيم .189 - أشرف الملوكِ من لم يخالطهُ البطرُ . ولمْ يَحُل عن الحقِّ، وأغْنى الأغنياء من لمْ يكُن للحرص أسيراً، وخيرُ الأصدقاءِ من لم يكن على إخوانِه مستصعباً، وخيرُ الأخلاق أعونها على التُقَى والوَرَع.190 - أربع القليل منهنّ كثير : النار والعداوة، والمرض، والفقر.191 - أربعة من الشقاءِ: جارُ السوء، وولد السوء، وامرأةُ السوءِ، والمنزلُ الضيّقُ.192 - أربعة تدعو إلى الجنّةِ : كتمان المصيبة، وَكِتمانُ الصدقِة، وبرُّ الولدينِ، والإكثار من قول لا إله إلا الله
193 - لا تصحب الجاهلَ، فإنَّ فيه خصالاً ، فاعرفوه بها ، يغضب من غير غضب، ويتكلّم في غير نفع، ويُعطي في غير موضعِ الإعطاء، ولا يعرف صديقه من عدوِّه، ويفشي سرّه إلى كلّ أحدٍ .194 - إيّاك ومواقفَ الاعتذارِ، فَرُبَّ عذر أثبت الحجّة على صاحبه وإن كان بريئاً .195 - الصراطُ ميدانٌ فيه العثارُ، فالسالم ناجٍ، والعائرُ هالكٌ.196 - لا يعرفُ الفضلَ لأهل الفضل إلا أولو الفضل .197 - إنّ الله عباداً في الأرض كأنما رأوا أهلَ الجنةِ في جنّتهم وأهلَ النار في نارهم: اليقين وأنواره لامعةٌ على وجوههم. قلوبهم ،محزونة، وشرورُهم مأمونةً، وأنفسهم عفيفةً، وحوائجهم خفيفةٌ، صبروا أياماً قليلةً لراحةٍ طويلة، أما الليل فصافُون أقدامَهم، تجري دموعهم على خدودهم، يَجأرون إلى الله سبحانه بأدعيتهم قد حلا في أفواههم، وحلا في قلوبهم طعمُ مناجاته ولذيذ الخلوة به، قد أقسم الله على نفسه بجلال عزته ليُورثتّهم المقام الأعلى في مقعد صدق عنده، وأما نهارهم فحلماء ،علماء، بررة، أتقياء، كالقداح ينظر إليهم الناظر فيقول : مرضى، وما بالقوم من مرضٍ، أو يقول: قد خُولطوا : ولعمري لقد خالطهم أمر عظيم جليل .198 - عاتبه عثمان فأكثر وهو ساكت فقال : ما لك لا تقولُ ! قال : إن قلت لم أقل إلا ما تكره، وليس لك عندي إلا ما تحبّ.199 – بُليتُ في حرب الجمل بأشدّ الخلق شجاعةً، وأكثر الخلقِ ثروةّ وبذلاً، وأعظِم الخلق في الخلق طاعةً، وأوفى الخلق كيداً وتكثراً ، بليتُ بالزبير، لم يردَّ وجهه قطّ، وبيعلى بن منية يحمل المال على الإبل الكثيرة ويعطي كل رجل ثلاثين ديناراً وفرساً على أن يقاتلني وبعائشة ما قالت قط بيدها هكذا إلا واتبعها الناس، وبطلحة لا يدرَكُ غوره، ولا يُطال مكره .200 - بعث عثمان بن حنيف إلى طلحة والزبير، فعاد فقال يا أميرَ المؤمنين جنتك : بالخيبة فقال : كَلاً! أصبت خيراً وأجرت، ثم قال : إن من العجب انقيادهما لأبي بكر وعمر وخلافهما عليَّ، أما والله إنهما ليعلمان أني لستُ بدون واحد منهما ، اللهم عليك بهما .201 - الرّزق مقسوم، والأيامُ دُوَل، والناسُ شرع سواءٌ، آدم أبوهم، وحوّاء أمهم .202 - قوتُ الأجسام الغذاء، وقوت العقول الحكمة، فمتى فقد واحد منهما قوّته بار واضمحلّ.203 - الصبر على مشقة العباد يترقى بك إلى شرف الفوز الأكبر.204 - الرُّوحُ حياة البدن والعقل حياة الروح.
205 - حقيق بالإنسان أن يخشى الله بالغيب ويحرس نفسه من العيب ويزداد خيراً مع الشّيب.206 - أفضلُ الولاة من بقي بالعدل ذكره، واستمده من يأتي بعده.207 - قدّم العدل على البطش تظفر بالمحبة ولا تستعمل الفعل حيث ينجعُ القول .208 - البخيلُ يسخو من عرضه بمقدار ما يبخل به من ماله والسخيُّ يبخل من عِرضه بمقدار ما يسخو به من ماله .209 - فُضّل العقلُ على الهوى، لأنّ العقل يُمَلْكُكَ الزمان، والهوى يستعبدك للزمان.210 - كُلُّ ما حملت عليه الحُرَّ ،احتمله، ورآه زيادة في شرفه، إلا ما حطه جزءاً من حريته، فإنه يأباه ولا يجيب إليه .211 – إذا منعك اللئيمُ البِرّ مع إعظامه حقك، كان أحسن من بذل السخيِّ لك إياه مع الاستخفاف بك .212 - الملكُ كالنهر العظيم، تستمد منه الجداول، فإن كان عذباً عذبت، وإن كان ملحاً مَلحت.213 - الفرق بين السخاء والتبذير أنّ السخيّ يسمح بها يعرف مقداره ومقدار الرغبة فيه إليه، ويضعه بحيث يحسن وضعه وتزكو عارفته، والمبذر يسمح بما لا يوازن به رغبة الراغب، ولا حقّ القاصد ولا مقدار ما أولى، ويستفزُّه لذلك خطرةٌ من خطراته، والتصدّي لإطراء مُظر له بينهما بونٌ بعيد.214 - لا تُلاجِِّ الغضبان، فإنّك تقلقه باللّجاج، ولا تردّه إلى الصواب.215 - لا تفرح بسقطة غيرك، فإنك لا تدري ما تتصَّرف الأيام بك!216 - قليل العلم إذا وقر في القلب كالطَّلّ يصيب الأرض المطمئّنة فتعشب .217 - مثلُ المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب، وطعمها طيّب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مُرٌّ، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن مثلُ الحنظلة طعمها مُرُّ ولا ريح لها .218 - المؤمن إذا نظر اعتبر، وإذا سكتَ تفكَّرَ ، وإذا تكلم ذكَّرَ، وإذا استغنى شكر، وإذا أصابته شدّة صبر، فهو قريب الرّضا، بعيد السخط، يرضيه عن الله اليسير، ولا يسخطه البلاء الكثير ، قوَّته لا تبلغ ،به ونيَّته تبلغ مغموسة في الخير يدُه، ينوي كثيراً من الخير، ويعملُ بطائفة منُه، ويتلهف على ما فاتَه من الخير كيف لم يعمل به !
والمنافقُ إذا نظر لها ، وإذا سكت سها ، وإذا تكلَّم لغا، وإذا أصابُه شدّةٌ شكا، فهوَ قريبُ السخطِ بعيدُ الرّضا، يُسْخطه على الله اليسيرُ ، ولا يُرْضِيهِ الكثير، قُوَّتُه تبلغ، ونيَّته لا تبلغ، مغموسَةٌ في الشرِّيدُهُ، ينوي كثيراً من الشَّرِّ، ويعمل بطائفة منه فيتلهف على ما فاتَهُ منَ الشَّرِّ كيف لم يأمُرْ بِهِ، وكيف لم يعمل به !على لِسانِ المؤمن نورٌ يسطع، وعلى لِسانِ المنافقِِ شيطانٌ ينطِقُ .219 - سوء الظنِّ يَدوِي القلوبَ ويَتَّهِمُ المأمون، ويوحِشُ المستأنس، ويُغَيِّرُ مودَّةَ الإخوان.220 - إذا لم يكن في الدُّنيا إلا محتاج فأغنى الناسِ أقنعهم بما رُزِق.221 - قيل لَهُ : إِنّ دِرْعَكَ صدرٌ لا ظَهْرَ لها، إنَّا نخاف أنْ تُؤْتَى مِنْ قِبَلَ ظَهْرِكِ ، فقال : إذا وَلَّيْتُ فلا وَاءَلْتُ .222 - أشدُّ الأشياء الإنسانُ، لأنّ أشدّها - فيما يُرَى - الجَبَلُ ، والحديد ينحتُ الجبل، والنَّار تأكل الحديد، والماء يُظفي النَّارَ ، والسحاب يَحْمِل الماء، والرِّيحُ يُفرِّقُ السحاب، والإنسان يتقي من الريح.223 - إنَّما الناسُ في نَفسِ معدود، وأمل ممدود ، وأجل محدودٍ ، فلا بُدَّ لِلأجل أن يتناهى ولِلنَّفَسِ أنْ يُحْصَى وَلِلْأَمَل أَنْ يَنْقَضِي ، ثم قَرَأَ : (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَفِظِينَ كِرَامًا كَبِينَ(1).)224 - اللهم لا تجعل الدُّنيا لي سجناً، ولا فراقَها عَلَيَّ حُزْناً ، أعوذُ بِكَ مِنْ دُنْيا الآخرة، ومِنْ أمَل يحرمني العمل، ومن حياة تخرِمُني خير المماتِ.225 - تَعَطَّرُوا بالاستغفار لا تفضحكُمْ رائحةُ الذنوب.226 - لِلنَّكباتِ غايات تنتهي إليها، ودواؤها الصبرُ عَيْها وتَرْكُ الحيلة في إزالتها، فإنَّ الحيلةَ في إزالتها قَبْلَ انْقِضاء مدّتها سببٌ لزيادتها .227 - لا يَرْضى عنك الحاسد حتى يموت أحدكما.228 - لا يكُون الرَّجلُ سيّد قومه حتى لا يُبالي أي ثَوْبَيْهِ لَبس!229 - كتب إلى عامل له : اعمل بالحق ليوم لا يقضى فيه إلا بالحقٌِّ .230 - نظر إلى رجل يغتابُ آخَرَ عِند ابنه الحسن فقال : يا بني نزه سمعك عنه، فإنه نظر إلى أخبث ما في وعائِه فأفرغهُ في وعائك.
1) سورة الانفطار، الآيتان: 10 ، 11 .
231 - احذروا الكلامَ في مجالس الخوف، فإن الخوف يُذْهلُ العقل الذي منه نستمد، ويشغلُهُ بحراسة النفس عن حراسة المذهب الذي نَرُوم نُصرته . واحذر الغضب ممن يحمِلُكَ عليه، فإنُه مميتٌ للخواطِر، مانعٌ من التثبُّت. واحذر من تبغِضُه فإن بغضك له يدعوك إلى الضجر ،به وقليلُ الغَضَب كثير في أذَى النفس والعقل، والضجرُ مضيِّقٌ لِلصَّدر، مُضعفٌ لِقُوَى العقل، واخذِرِ المحافل التي لا إنصاف لأهلها في التسوية بينك وبين خصمك في الإقبال والاستماع، ولا أدب لهم يمنعهم من جَوْرِ الحُكم لك وعليك. واحذر حين تظهرُ العصبية لخصمك بالاعتراض عَليك وتشييد قَوْله وحجته، فإنّ ذلك يهيجُ العصبيّة، والاعتراضُ على هذا الوجه يخلق الكلام، ويُذْهِبُ بهجة المعاني. واحذر كلام من لا يفهمُ عنك فإنه يُضْجِرك، واحذر استضغار الخصم فإنه يمنع من التحفُظِ، ورُبَّ صغير غلب كبيراً !232 - لا تقبل الرئاسةَ على أهل مدينتك، فإنهم لا يستقيمونَ لكَ إلا بما تخرج به من شرطِ الرئيس الفاضل .233 - لا تهزأ بخطأ غيرك، فإن المنطق لا يملكه، وأقلل من الخطأ الَّذِي أنت فيه بقدرِ الصبرِ، واجعل العقل والحقَِّ إمامَيك تَنَل البغية بهما .234 - الرّأي يُرِيك غاية الأمر مَبدأهُ .235 - الخيرُ من الناس من قدر على أن يُصَرِّف نفسه كما يشاء ويدفعها عن الشُّرُورِ، والشرِّير من لم يكن كذلك.236 - السُّلطان الفاضل هو الذي يَحْرُس الفضائل، ويجود بها لمن دونه، ويرعاها من خاصّته وعامته، حتى تكثر في أيَّامه، ويتحسن بها من لم تكن فيه .237 - لِلْكَرِيم :رباطان: أحدهما الرعاية لصديقه وذوي الحرمَة به، والآخر الوفاء لمن ألزمه الفضل ما يجب له عليه .238 - إذا تحركت صورة الشَّرِّ ولم تظهر ولّدت الفَزَع ، فإذا ظهرت وَلّدت الألم، وإذا تَحرّكت صورة الخير ولم تظهر ولدت الفرج، فإذا ظهرت وَلّدت اللَّذة.239 - الفرقُ بين الاقتصادِ والبُخْل ، أن الاقتصاد تمسُّك الإنسان بما في يده خوفاً على حرَّيته وجاهه من المسألة، فهو يضع الشيء موضعه، ويصبر فهو يضع الشيء موضعه، ويصبر عمّا لا تدعو ضرورَةً إليه، ويصل صغیر برِّه بعظيم بِشره، ولا يستكثر من المودات خوفاً من فرط الإجحاف به، والبخيل لا يكافي على ما يسدّى إليه، ويمنع أيضاً اليسير من استحَقَّ الكثير ، ويصبر لصغير ما يجري عليه علی کثیر من الظُّلة.240 - لا تحتقرنّ صغيراً يمكن أن يكبر، ولا قليلاً يمكن أن يكثر .
241 - ما زلتُ مظلوماً مُنذ قبض الله نبيه حتى يوم الناس هذا ، ولقد كنت أظلم قبل ظهور الإسلام، ولقد كان أخي عَقِيلٌ يَذْنبُ أخي جعْفَر فيَضْرِبُني .242 - لو كُسِرتُ لي الوسادة لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبينَ أهلِ الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم حتى تُزْهِر تِلْك القضايا إلى الله عَزّ وجَلَّ وتقول: يا رب إن عليا قضى بين خلقك بقضائك .243 - مَرَّ بدارٍ بالكوفة في مُراد تبنى فوقعت مِنها شَظِيَّةٌ على صَلْعَتِهِ فأدمتها، فقال: ما يومي من مُرادٍ بواحد! اللّهُمَّ لا ترفعها، قالوا : فوالله لقد رأينا تلك الدار بين الدور كالشاة الجماء بين الغنم ذوات القُرُون .244 - أقتلُ الأشياء لعدوك ألا تُعَرِّفَهُ أنك اتخذته عدوَّا .245 - الخِيَرَةُ في تركِ الطَّيَرَةِ .246 - قيل له في بعض الحروب : إن جالت الخيلُ أين نطلُبُك؟ قال : حيثُ تركتموني .247 - شَفيعُ المُذنب إقراره، وتؤبتهُ اعْتِذَاره.248 - قصمَ ظهري رجلان: جاهل متنسّكٌ وعالمٌ متهتّكٌ .249 - ألا أخبركم بذات نفسي! أما الحسن ففتىً من الفتيان وصاحبُ جفنةٍ وخوان، ولَوْ التقت حلقتا البطان لم يغن عنكم في الحرب غناء عُصفور، وأما عبد الله بن جعفر فصاحب لهو وظل باطل، وأما أنا والحُسَيْنُ فنحن منكم وأنتم منا .250 - قال في المنبَرِيَّةِ : صار تُمُنها تُسْعاً على البديهة وهذا من العجائب.251 - جاء الأشعَثُ إليه وهو على المنبر ، فجعل يتخطّى رقاب النَّاس حتى قَرُبَ مِنه ثمَّ قال : يا أمِيرَ المُؤمنين غلبتنا هذه الحمراء على قُرْبِكَ - يعني العجم - فركض المنبر برجله، حتى قال صَعْصَعة بن صوحان ما لنا وللاشعث ليقولَنَّ أمير المؤمنين علیه السلام اليوم في العرب قولاً لا يزالُ يُذكرُ ، فقال علیه السلام : مَنْ يعذرُني من هؤلاء الضياطرة (1! يتمرَّغُ أحدهم على فراشه تمرغ ،الحمار ، ويَهْجُر قوماً للذكر، أفَتَأْمُرُونني أن أطردهم ما كنت لأطردهم فأكون من الجاهلين! أما والذي فلق الحبّة، وبَرَأَ النَّسَمة، ليضربنكُمْ على الدين عَوْداً كما ضربتُمُوهم عليه بَدْءاً .)252 - كان إذا رأى ابْنَ مُلْجَمٍ يقول : أُرِيدُ حَياتَهُ ... البيت، فيقال له: فاقتله، فيقولُ: كيف أقتلُ قاتلي !
1) الضياطرة : الضّخام الذين لا غَنَاء عندهم، والواحد ضيطار اللسان، مادة (ضطر).
253 - إلهي ما قدر ذُنُوبِ أُقابلُ بها كرمك، وما قَدْرُ عِبادة أقابل بها نعمك! وإني لأرجو أن تَستغرق ذُنوبي في كرمِك، كما استغرقتَ أعمالي في نعمك .254 - إذا غضب الكريمُ فألِن له الكلام، وإذا غضب اللئيمُ فخذ له العصا .255 - غضب العاقل في فعله وغضب الجاهل في قوله.256 - رأى رَجلاً يُحدِّث منكر الحديث، فقال: يا هذا أنصف أذُنيك مِن فمك، فإنما جعل الأذنان اثنتين والفم واحداً، لتسمع أكثر ممَّا تقول.257 - إيَّاك وكثرة الاعتذار، فإن الكذب كثيراً ما يُخالِطُ المعاذير .258 - اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على مَنْ شكرك.259 - سلْ مَسْأَلَة الحمقى واحفظ حفظ الأكياس.260 - مروا الأحداث بالمراء والجدال، والكُهولَ بالفكرِ، والشيوخَ بالصمت.261 - عوِّد نفسكَ الصبر على جليس السوء، فليسَ يكادُ يخطئكَ .262 - يا بنيَّ إنّ الشَّرِّ تارِكُكَ إنْ تركْتَهُ .263 - لا تطلبوا الحاجة إلى ثلاثة : إلى الكَذُوبِ، فإنُه يقرّبُها وإن كانت بعيدةً، ولا إلى أحمقَ، فإنه يريدُ أن ينفعك فيضرُّك ، ولا إلى رجل له إلى صاحب الحاجة حاجةً، فإنه يجعلُ حاجتك وقاية لحاجته.264 - إياك وصدر المجلسِ فإنُه مَجلسُ قُلعةٍ.265 - احذرُوا صؤلة الكريمِ إذا جاع، وصولة اللئيم إذَا شبعَ.266 - سرُّكَ دمك فلا تُجرينّه إلّا في أودَاجك.267 – وسُئل عنِ الفرق بين الغمِّ والخوف، فقال: الخوفُ مجاهدةُ الأمرِ المخوفِ قبل وُقُوعِهِ، والغم ما يلحق الإنسان من وقوعِه.268 - المعروف كنز فانظر عند من تودعهُ .269 - إذا أرسلت لبغر فلا تأت بتمر فيؤكلُ تمرُك وتعنف على خلافك .270 - إذا وقع في يدك يومُ السُّرُورِ فلا تخله فإنّك إذا وقعت في يدِ يومِ الغم لم يُخلّك .271 - إذا أردت أن تصادقَ رجلاً فانظر من عدوُّه؟272 - الانقباض من النَّاس مّكسبةٌ للعداوة، والانبساطُ مجلبةٌ لقرين السوء، فكن بين المنقبض والمسترسل فإن خير الأمور أوساطها .
273 - أنا عبد الله وأخو رسول الله ، لا يقولها بعْدِي إِلَّا كَذَّابٌ.274 - أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيدي فهزّها، وقال: ما أوّل نعمة أنعم الله بها عَليك؟ قلتُ : أن خلقني حيًّا، وأقْدَرَني، وأكمل حواسي ومشاعري وقواي قال : ثم ماذا؟ قلتُ: أن جعلني ذكراً، ولم يجعلني أنثى ، قال والثَّالثةُ : قلت : أن هداني للإسلام قال : والرابعة؟ قلت : (وإن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا(1). 275 - اللهم إني أسألك إخبات المخبتين، وإخلاص الموقنين، ومرافقة الأبرار، والعزيمة في كلّ برَّ، والسلامة من كلَّ إثم والفوز بالجنَّةِ، والنجاةَ من النار.
276 - لما ضربه ابن ملجم وأوصى ابنيه بما أوصاهما قالَ لابن الحنفيّة: هل فهمت ما أوصيتُ به أخويك ؟ قال : نعم قال : فإني أوصيكَ بمثله وبتوقير أخويك واتباع أمرهما، وألاً تبرم أمراً دونهما، ثم قال لهما : أوصيكما به فإنُه شقيقكما وابن أبيكما، وقد علمتما أن أباكما كان يحبّه فأحِبَّاهُ.
277 - أمَّا هذا الأعور - يعني الأشعث - فإن الله لم يرفع شَرَفاً إِلَّا حسده، ولا أظهَر فضلاً إلا عابه وهوَ يُمنِّي نفسَهُ ،ويخدعها يخافُ ويرجو، فهُوَ بينهما لا يثقُ بواحِدٍ منهما ، وقَدْ من الله عليه بأن جعلَهُ جباناً، ولو كان شجاعاً لقتلهُ الحقُّ، وأمَّا هذا الأكثفُ عند الجاهليّة - يعني جَرِيرَ بن عبد الله البَجَليّ - فهو يرى كلَّ أحَدٍ دونَهُ، ويستصغفرُ كُلَّ أَحَدٍ ويحتقرُهُ، قد مُليءَ ناراً، وهُوَ مع ذلك يطلبُ رئاسةٌ ، ويَرُومُ إمارَةً، وهذا الأعورُ يُغويه ويُطغيه، إن حدثَهُ كَذَبَهُ، وإن قامَ دُونَهُ نَكَصَ عنه ، فهما كالشيطان إذ قال للإنسان : اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ منكَ إِنِّي أخافُ الله رَبِّ العالمين.
278 - بُلُوعُ أعْلَى المنازِلِ بِغيرِ استحقاق من أكبر أسبابِ الهلكةِ .
279 - الكلمة إذا خرجت من القلبِ وقعت في القلبِ، وإذا خَرَجَتْ مِنَ اللسان لم تجاوِز الآذان.
280 - الكرم حسنُ الفِطنة، واللومُ سوءُ التغافُلِ .
281 - أسوأ النَّاسِ حالاً من اتَّسَعَتْ معرفته ، وبَعُدَتْ هِمْتُهُ، وضَاقَتْ قُدْرَتُهُ.
282 - أمران لا ينفكان مِن الكَذِب: كثرَةُ المواعيد، وشدَّة الاعتذارِ.
283 - عادَةُ النّوْكى الجلوسُ فوق القذر ، والمجيءُ في غيرِ الوقت.
284 - العافية المُلْكُ الخفي .
1) سورة النحل، الآية: 18 .
285 - سوء حمْلِ الغِنَى يورث مقتاً، وسوء حمل الفاقِة يضع شرفاً.
286 - لا ينبغي لأحدٍ أن يدَعَ الحزمَ لظفرٍ ناله عاجزٌ، ولا يسامح نفسه في التفريطِ لنكبةِ دخلت على حازِمٍ .
287 - ليس مِن حسنِ التوكل أن يقال العاشر عشْرَةً، ثم يركبها ثانية.
288 - سوء القالة في الإنسان إذا كان كذباً نظيرُ الموتِ لفسادِ دنياه، فإن كان صدقاً فاشدٌ من الموتِ لفسادِ آخرتِه .
289 - ترضى الكرامُ بالكلام، وتُصادُ اللّنامُ بالمال، وتُستصلَحُ السِّفلةُ بالهوان .
290 - لا يزالُ المرءُ مستمرًا ما لم يعثر ، فإذا عشَرَ مرَّةً لَجٌ بهِ العِثار ولو كان في جَدَدٍ.
291 - المتواضع كالوهْدَةِ يجتمعُ فيها قَطْرُها وقَطْرُ ،غيرها، والمُتَكَبِّرُ كالرَّبْوَةِ لا يقرُّ عليها قطُرها، ولا قطر غيِرِها.
292 - لا يصبرُ على الحربِ ويَصْدُقُ في اللقاء إلا ثلاثة : مستبصر في دِينِ، أو غيرَانُ على حُرْمَةٍ، أو ممتعِضُ من ذُلِّ .
293 - مجاوزتك ما يكفيك فَقُرٌ لا منتهى له .
294 - قيل له : أي الأمورِ أعْجَلُ عقوبة وأسرع لصاحبها صرْعةً؟ فقال: ظلم مَنْ لا ناصِرَ له إلا الله، ومجازاةُ النِّعَمِ بالتَّقْصِيرِ، واستطالة الغني على الفقير.
295 - الجِماعُ للمِحَنِ جَمَّاعٌ ، وللخيرات مناعٌ، حياءٌ يرتفعُ ، وعورات تجتمعُ، أشبه شيء بالجُنُونِ، ولذلك حُجب عن العيون، نتيجته ولد فتون، إن عاش كد، وإن مات هد.
296 - ما شيء أهونَ مِنْ ورع، وإذا رابكَ أمرٌ فَدَعْهُ.
297 - إذا أتى عَلَيَّ يوم لا أزداد فيه عملاً يقربني إلى الله، فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم.
298 - أشرف الأشياء العلم، والله تعالى عالِمٌ يُحِبُّ كل عالِم .
299 - ليْتَ شعري أي شيء أدرك من فاته العلمُ ! بل أي شيء فات من أذرك العلم!
300 - لا يسودُ الرجل حتّى لا يُبالي في أيّ ثوبيه ظهرَ .
301 - سمع رجلاً يدعو لصاحبه، فقال: لا أراك الله مكرُوهاً ، فقال : إنما دعوتَ لهُ ببالموت، لأنّ من عاش في الدُّنْيا لا بُدَّ أن يرى المكروة.
302 - من صفةِ العاقل ألا يتحدّث بما يُسْتَطاعُ تكذيبُه فيه .
303 - السعيد من وعظ بغيره، والشقي من اتَّعظ به غيرُه .
304 - ذو الهمّة وإن حط نفْسَه يأبى إلّا علوَّا، كالشعلةَ من النَّار يخفيها صاحبها، وتأبى إلّا ارتفاعاً.
305 - الدِّينُ عَل الله في أرْضهِ، إذا أراد أن يُذل عبداً جعله في عنقِه.
306 - العاقل إذا تكلم بكلمة أتبعها حكمةً ،ومثلاً ، والأحمقُ إذا تكلم بكلمةٍ أتبعها خلفاً .
307 - الحركة لقاح الجد العظيم.
308 - ثلاثةٌ لا يُستحى من الختم عليها : المالُ لنفي التهمة، والجوهر لنفاسته، والدواءُ للاحتياطِ من العدوِّ.
309 - إذا أيسرت فكلُّ الرجال رجالك ، وإذا أعسرتُ أنكرك أهلك.
310 - من الحكمة جعل المال في أيدِي الجهال فإنَّهُ لو خُصَّ به العقلاء لمات الجهالُ جوعاً، ولكنهُ جُعلَ في أيدي الجهالِ، ثم استنزلهم عنه العقلاءُ بلطفهم وفطنتهم .
311 - ما ردَّ أحد أحداً عن حاجة إلا وتبيَّنَ العزُّ في قفاه، والذلُّ في وجهه.
312 - ابتداءُ الصنيعة نافلةٌ، وربَّها فريضةٌ.
313 - الحاسدُ المبطنُ للحسدِ كالنحل يمج الدواء، ويبطنُ الداءَ.
314 - الحاسدُ يرى زوال نعمتِكَ نعمةً عليْهِ .
315 - التّواضع إحدى مصايد الشرف.
316 - تواضعُ الرَّجُل في مرتبتِه ذَبّ للشماتة عنهُ عِندَ سقطتِه.
317 - رُبِّ صَلَفٍ أدّى إلى تلَف .
318 - سوء الخلقِ يُعْدِي، وذاك أنهُ يدْعُو صاحبك إلى أن يقابلكَ بمثلِهِ.
319 - المروءة الثَّامة مُبايَنةُ العامة.
320 - أسوأ ما في الكريم أن يمنعك نداه وأحسنُ ما في اللّثيم أن يكفّ عنك أذاهُ .
321 - السفلةُ إذا تعلموا تكبّرُوا ، وإذا تموّلُوا اسْتطالُوا ، والعِلْيةُ إذا تعلّمُوا تواضعوا، وإذا افتقروا صالُوا .
322 - ثلاث لا يُسْتَصلَحُ فَسادُهُنَّ بحيلة أصلاً : العداوةُ بَيْنَ الأقارب، وتحاسد الأكفاء، وركاكة المُلُوكِ.
323 - السخي شُجاعُ القلب، والبخيلُ شُجاعُ الوجه .
324 - العزلة توفّر العرض وتستر الفاقة، وترفع ثقل المكافأة.
325 - ما احتنكَ أحد قط إلا أحبّ الخلوةَ والعزلة.
326 - خيرُ الناس من لم تجرِّبهُ .
327 - الكريم لا يلينُ على قسرٍٍ، ولا يَقْسُو على يسرِ .
328 - المرأة إذا أحبتك آذتك ، وإذا أبغضتك خانتك وربما قتلتك، فحُبُّها أذى، وبغضها داءٌ بلا دَوَاء.
329 - المرأة تكتمُ الحبّ أربعين سنةً، ولا تكتم البغض ساعةً وَاحِدةً .
330 - المُمتحنُ كالمختنق، كلما ازداد اضطراباً ازداد اختناقاً.
331 - كلُّ ما لا ينتقل بانتقالك من مالك فهو كفيل بك .
332 - أجلُ ما يَنزِلُ مِن السماء التوفيقُ، وأجلُّ ما يصعدُ مِنَ الأرْض الإخلاصُ .
333 - اثنان يهونُ عليهما كلُّ شيءٍ : عالمٌ عرَف العواقب، وجاهل يجهلُ ما هو فيه.
334 - شرّ من المؤتِ ما إذا نزل تمنيتَ بنزولِه الموتَ، وخيرٌ من الحياة ما إذا فقدته أبغضتَ لفقده الحياة.
335 - ما وَضعَ أحدٌ يدَهُ في طعام أحدٍ إلا ذلّ له .
336 - المرأة كالنعل يلبسها الرجلُ إذا شاء، لا إذا شاءَتْ .
337 - أبصرُ الناس لعوّار النَّاس المعورُ .
338 - العجبُ ممن يخافُ عقوبة السلطان وهي منقطعةٌ ولا يخافُ عقوبة الدَّيان وهي دائمة .
339 - من عرف نفسَهُ فقد عرف ربّه .
340 - من عجز عن معرِفِة نفسهِ فهو عن معرفة خالقِه أعجزُ.
341 - لو تكاشفتُم لما تدافتُم .
342 - شيطان كلّ إنسان نفسهُ .
343 - إنْ لمْ تعلم من أين جئت لمْ تَعْلَمُ إلى أين تذهبُ!
344 - غايةُ كلِّ مُتعمِّقٍ في معرفَةِ الخالق سبحانه الاعترافُ بالقصور عن إدراكها .
345 - الكمالُ في خمس : الا يعيبَ الرجلُ أحداً بعيبٍ فيه مثله حتّى يصلِحَ ذَلكَ الْعَيْب مِنْ نفسِه، فإنهَ لا يفرغَ من إصلاح عيب من عُيوبه حتى يهجم على آخر فتشغله عُيوبه عن عُيوب الناس، وألا يطلقَ لسانه ويدهَ حتّى يعلم أفي طاعة ذلك أم في معصية، وألا يلتمس مِن النَّاسِ
إلا ما يعطيهم من نفسه مثلَهُ، وأنْ يَسلَّم منَ النَّاسِ باستشعارِ مُداراتهم وتوفيتهم حقوقهم، وأن يُنفق الفضلَ منْ ماله، ويمسكَ الفضل من قولِه.
346 - صَدِيق البخيل مَن لم يُجَرِّبهُ .
347 - من الخيط الضعيف يُقتل الحبل الحَصيف، ومن مقدحةٍ صغيرة تحترق مدينةً كبيرة، ومن لَبِنَةٍ لَبِنَةٍ تُبْنِى قَرْيَةٌ حصينة.
348 - مُحِبُّ الدراهِمِ مَعذُورٌ وإن أذنَتْهُ من الدُّنْيا، لأنها صانته عن أبناء الدُّنيا .
349 - عجباً لمن قيل فيهِ الخيرُ وليس فيه كيف يَفْرَح! وعجباً لمن قيل فيه الشرُّ وليسَ فيه كيف يغضبُ !
350 - ثلاثُ موبقاتٌ : الكِبْرُ فإنه حظَّ إبليس عن مرتبتِهِ، والحِرص فإنه أخرج آدم من الجنّةِ، والحسَدُ فإنّهُ دعا ابن آدم إلى قَتْلِ أَخِيهِ .
351 - القِطامُ عن الحُطَامِ شَدِيدٌ .
352 - إذا أقبلَتِ الدُّنيا أقبلت على حِمارٍ قطوفٍ، وإذا أَدْبَرَتْ أَدبَرَتْ على البُراقِ .
-353 - أصاب مُتأمل أو كاد، وأخطأ مستعجلٌ أو كاد.
354 - سِتَّةٌ لا تُخْطِتُهُمْ الكآبة : فقير حديث عهد بغنى، ومُكْثِر يخاف على ماله، وطالب مرتبةٍ فَوْق قدره، والحسود، والحقود ، ومخالط أهل الأدب وليس بأديبٍ.
355 - طَلَبْتُ الراحة لنفسي فلم أجد شيئاً أروح من ترك ما لا يعنيني، وتوحَّشت في القفر البَلْقعِ فلم أرَ وَحْشةً أشدّ من قرين السوء، وشهدت الزحوف ولقيتُ الأقران، فلم أر قرناً أغلب من المرأةِ، ونظرت إلى كلِّ ما يُذِلُّ العزيز ويكيرُهُ ، فلم أرَ شيئاً أذَلَّ له ولا أكسر من الفاقة.
356 - أوّل رأي العاقل آخِرُ رأي الجاهل.
357 - المُسْترشِد مُوَفَّى ، والمُحْتَرِسُ مُلَقَّى .
358 - الحُرُّ عبد ما طمع، والعبْدُ حُرِّ ما قَنَعَ .
359 - ما أَحْسَنَ حُسْنَ الظنِّ إلا أنّ فيهِ العَجْزَ، وما أقبحَ سوءَ الظَّنِّ إِلَّا أَن فيه الحزْمَ!
360 - ما الحيلة فيما أغني إلا الكف عنه، ولا الرّأي فيما يُنال إلا اليأسُ منه .
361 - الأحمقُ إذا حدث ذهل، وإذا حَدَّث عُجل، وإذا حُمِل على القبيح فعل .
362 - إثبات الحُجَّةِ على الجاهل سهل، ولكن إقرارُهُ بها صعبٌ .
363 - كما تُعرف أواني الفَخَّار بامتحانها بأصواتها فيعلَمُ الصَّحيح منها من المكسور، كذلك يُمْتحنُ الإنسان بمنطِقِهِ فيعرفُ ما عِندَهُ.
364 - احتمال الفقرِ أحْسَنُ من احتمال الذُّلّ، لأنّ الصبر على الفقر قناعَةٌ، والصبر على الذل ضراعَةٌ.
365 - الدنيا حمقاء لا تميلُ إلا إلى أشباهها .
366 - السفرُ ميزانُ الأخلاق.
367 - العقل مَلِكٌ والخصال رعيته، فإذا ضعف عن القيام عليها وصل الخَلَلُ إليها .
368- الكَذَّابُ يُخيف نفسه وهو آمِنٌ .
369 - لولا ثلاث لم يُسلل سَيفٌ : سِلِكٌ أدق من سلك، ووَجهُ أَصْبَحُ من وجه، ولُقْمَةٌ أسْوَغُ من لُقمةٍ .
370 - قد يَحْسُن الامتنانُ بالنعمة وذلك عند كُفْرانِها ، ولولا أن بني إسرائيل كفرُوا النعمة لما قال الله لهم :( اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ )(1).
371 - إذا تناهَى الغَم انقَطَعَ الدمْعُ .
372 - إذا وُليَ صديقك ولايَةً فَأَصَبْتَه على العُشْرِ مِن صَدَاقَتِهِ فَلَيْسَ بصاحب سُوءٍ .
373 - أعْجَبُ الأشياء بديهةُ أَمْنِ وَرَدَتْ في مَقامِ خَوْفٍ .
374 - الحرصُ مَحْرمَةٌ والجبن مقتلةٌ، وإلا فانظر فيمن رأيت وسمعت: أَمَنْ قُتِلَ في الحربِ مُقبلاً أكثَرُ، أم من قتل مُذبراً وانظر: أمَن يَطلب بالإجمال والتكَرُّم أحقُّ أن تسخو نَفْسُكَ لَهُ أمْ مَن يَطْلُبُ بالشرَةِ والحرص !
375 - إذا كان العقل تسعة أجزاء احتاج إلى جُزء من جهل ليُقْدِم به صاحبه على الأمور، فإنّ العاقل أبداً متوان مترقب متخوّف .
376 - عملُ الرَّجل بما يعلم أنه خطاً هَوّى، والهوَى آفةُ العفاف، وتَرْكُ العمل بما يعلمُ أنه صوابٌ تهاوُنٌ، والتهاونٌ آفةُ الدينِ، وإقدامُه على ما لا يدري أصوابٌ هو أم خطأ لجاجٌ واللجاج آفة العقل .
377 - ضعفُ العقل أمانٌ منَ الغمّ.
378 - لا ينبغي للعاقل أن يمدحَ امرأة حتى تموتَ، ولا طعاماً حتى يستمرئه، ولا صديقاً حتى يستقرضهُ، وليس مِنْ حُسْنِ الجِوارِ تَرْكُ الأذى، ولكن حُسْنُ الجِوارِ الصبرُ على الأذى.
379 - لا يتأدب العبدُ بالكلام إذا وثق بأنه لا يُضرَبُ .
1) سورة البقرة، الآية : 122 .
380 - الفَرْقُ بين المؤمن والكافِرِ الصلاة فمن تركها وادعى الإيمان كذَّبه فِعْلُهُ، وكان عليه شاهدٌ مِنْ نَفْسِهِ .
381 - من خاف الله خافه كل شيء.
382 - منَ النقص أن يكونُ شفيعُكَ شيئاً خارجاً عن ذاتِكَ وصفاتِكَ.
383 - ويلي على العبد اللثيم، عبد بني ربيعةَ نزع به عِرْقُ الشَّرِك العبشِمي إلى مساءتي ، وتذكَّرُ دَمِ الوليدِ وعتبة وشيبةَ أَوْلَى له، والله ليريني في موقف يسوءه ثم لا يجد هناك فُلاناً وفلاناً - یعنی سالماً مَوْلَى حُذَيْفَةً .
384 - أنا قاتِلُ الأقران، ومُجَدِّلُ الشجعان أنا الذي فقأتُ عينَ الشِّرْكِ، وثَلَلْتُ عرشه، غيرَ مُمْتَنٌ على الله ،بجهادي، ولا مُدِلُّ إليه بطاعتي، ولكن أُحَدِّثُ بنعمة ربي .
385 - الصَّوْمُ عبادةٌ بين العبد وخالقه، لا يَطّلعُ عليها غيرُه، وكذلك لا يجازي عنها غيُرُه .
386 - طوبى لِمَن شغله عَيْبُهُ عن عيوب الناس طوبى لِمَنْ لا يعرفُ الناسَ ولا يعرِفُهُ الناسُ! طوبَى لمن كان حيَّا كميّتٍ وموجوداً كمعْدُوم، قد كفى جاره خَيْرَهُ وشَرَّهُ، لا يسألُ عن الناس، ولا يسأل الناس عنه
387 - ما السيف الصارم في كفّ الشجاع بأعَزّ له من الصِّدْقِ .
388 - لا يكن فَقْرُكَ كُفْراً، وغناك طغياناً .
389 - ثمرةُ القناعةِ الرَّاحةُ، وثمرةُ التَّواضع المحبة .
390 - الكريمُ يلينُ إذا استُعطِفَ، واللثيمُ يقسو إذا لُوطِفَ.
391 - انْكَى لِعَدُوِّك ألا تُرِيَهُ أنك اتَّخَذْته عدوَّا .
392 - عذابانِ لا يأْبَهُ الناسُ لهما : السفر البعيد، والبناء الكثير .
393 - ثلاثةَ يُؤثرون المال على أنفسهم : تاجر البحر، وصاحب السلطان، والمُرْتَشِي في الحكمِ.
394 - أعْجَزُ النَّاسِ مَنْ قَصَّرَ في طلب الصديق، وأعْجَرُ منه منْ وَجَدَهُ فَضَيَّعَهُ .
395 - أشدُّ المشاق وعدُ كَذَّابٍ لِحَرِيصٌ .
396 - العادات قاهِرَاتٌ ، فمن اعتاد شيئاً في سرّه وخلوته فضحهُ في جَهْرِهِ وعلانيته .
397 - الأخ البارّ مغِيضُ الأسرار.
398 - عدمُ المعرفة بالكتابة زمانةٌ خَفِيةٌ .
399 - قديمُ الحُرْمَةِ وحديثُ التَّوْبَةِ يمحقان ما بينهما من الإساءة.
400 - ركوبُ الخيلِ عِزّ ، ورُكُوبُ البراذين لذةٌ، ورُكوبُ البغالِ مَهْرَمَةٌ ، ورُكوبُ الحمير مذلةٌ.
401 - العقلُ يظهرُ بالمعاملة، وشِيَمُ الرِّجالِ تُعْرَفُ بالولاية.
402 - قال له قائلٌ: علِّمني الحلم، فقال: هوَ الذُّلُّ، فاصطبر عليه إن استطعتَ.
403 - قلتم : إن فلاناً أفاد مالاً عظيماً ، فهل أفاد أيَّاماً يُنفقه فيها !
404 - عيادةُ النَّوْكَى أشدُّ على المريض منْ وَجَعِهِ .
405 - المريض يعاد، والصحيحُ يُزَارُ .
406 - الشيء الذي لا يحسنُ أن يقال وإن كان حقًّا ، مدحُ الإنسان نفسَهُ.
407 - الشيء الذي لا يُستغنى عنه بحال من الأحوال التوفيقُ.
408 - أوسعُ ما يكونُ الكريم مغفرةً، إذا ضاقَتْ بالذنبِ المعذِرَة.
409 - سترُ ما عاينتَ أحسنُ من إشاعَةِ ما ظننتَ.
410 - التكَبُرُ على المتكبّرينَ هو التواضُعُ بعينه .
411 - إذا رفعت أحداً فوق قدرِهِ فتوقع منه أن يحطَّ منكَ بقدرِ ما رفعتَ منه .
412 - إساءةُ المحسن أن يمنعك جذواهُ، وإحسانُ المُسيءِ أن يكفِّ عنكَ أذاه .
413 - اللهمّ إني أستعديكَ على قريش، فإنهم أضمَرُوا لِرَسُولِكَ صلی الله علیه وآله وسلم ضروباً منَ الشَّرُ والغِدرِ، فعجزوا عنها ، وحُلْتَ بينهم وبينها ، فكانت الوجبة بي، والدَّائرةُ عليّ . اللهم احفظ حسناً وحسيناً، ولا تمكن فجرةً قريش منهما ما دمت حيا ، فإذا توفيتني فأنتَ الرَّقِيبُ عليهم، وأنتَ على كُلِّ شيء شهيدٌ .
414 - قال له قائلٌ: يا أمير المؤمنينَ، أرأيت لو كان رسولُ الله صلی الله علیه وآله وسلم تركَ ولداً ذكراً قد بلغَ الحُلم ، وآنسَ منه الرشد أكانَتِ العرب تسلّم إليه أمرها ؟ قال : لا ، بل كانتْ تقتُلُه إن لم يفعل ما فعلتُ إنّ العرب كَرِهَتْ أمر محمّد صلی الله علیه وآله وسلم وحسدتهُ على ما آتاه الله من فضلِه، واستطالت أيَّامَهُ حتى قذفَتْ زوجتهُ ، ونَفَّرَتْ به ،ناقتهُ مع عظيم إحسانه إليها ، وجسيمِ مِنَنِهِ عندها، وأجمعت مُذ كان حيًّا على صرف الأمر عن أهل بيته بعد موته، ولولا أن قريشاً جَعلَتِ اسمه ذريعةً إلى الرِّياسةِ، وسُلَّماً إلى العزّ والإمرة، لما عبدت الله بعدَ موتِهِ يوماً واحداً ، ولا رُتَدَّتْ في حافرتها، وعادَ قارِحُها جَذَعاً، وبازلُها بَكْراً، ثم فتح الله عليها الفتوح، فأثرت بعد الفاقة، وتموّلت بعد الجُهْدِ والمخمصة، فحُسنَ في عيونها من الإسلام ما كان سمجاً (1).
1) أي قبيحاً . القاموس، مادة (سمج).
وثبت في قلوب كثير منها من الدِّين ما كان مضطرباً ، وقالت: لولا أنّه حقٌّ لما كان كذا ، ثم نسبت تلكَ الفتوَح إلى آراِء ولاتها، وحُسْنِ تدبير الأمراء القائمين بها، فتأكَّدَ عندَ الناسِ نباهة قوم وخمول ،آخرين، فكُنَّا نحنُ ممَّنْ خَمل ذكرُهُ، وخبث نارُ ، وانقطعَ صوتُه ،وصيتُهُ ، حتى أكل الدَّهرُ علينا وشربَ، ومضتِ السُنُونَ والأحقاب بما فيها، ومات كثير ممن يُعرَف، ونشأ كثير ممن لا يُعرَفُ. وما عسى أن يكون الولد لو كان! إنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لم يَقرِّبني بما تعلمونهُ من القُرْبِ للنسبِ واللَّحْمَةِ ، بل للجهاد والنصيحة ، أفتراه لو كان له ولد هل كان يفعل ما فعلتُ! وكذاك لم يكن يقربُ ما قربت، ثم لم يكن عند قريش والعرب سبباً لِلْحُظوة والمنزلة، بل للحرمان والجفوَةِ. اللهمّ إنَّكَ تعلم أني لم أرِدِ الإمرة، ولا علوّ الملك والرياسة، وإنما أردت القيام بحدودك، والأداء لشرعكَ، ووضعَ الأمور في مواضعها، وتوفير الحُقُوقِ على أهلها، والمُضِيَّ على منهاج نبيِّكَ، وإرشادَى الضَّال إلى أنوارِ هدايتك .
415 - البرُّ ما سكنتْ إليه نفسُكَ، واطمأن إليه قلبك، والإثم ما جال في نفسك وتردَّدَ في صدّرك .
416 - الزكاةُ نقصٌ في الصورة، وزيادةٌ في المعنى.
417 - ليس الصومُ الإمساك عن المأكَلِ والمشربِ، الصومُ الإمساك عن كلِّ ما يكرَهُهُ الله سبحانَهُ.
418 - إذا كان الرّاعي ذئباً، فالشَّاةُ من يحفظُها !
419 - كلّ شيءٍ يعصيك إذا أغضبْتَهُ إلّا الدُّنيا، فإنها تُطِيعُكَ إذا أغضبُتها .
420 - رُبَّ مغبوط بنعمة هي داؤُهُ، ومَرْحوم من سقم هو شفاؤه.
421 - إذا أرادُ الله أن يسلّط على عبدِ عدوَّا لا يرحمه سلط عليه حاسداً .
422 - شربُ الدَّواءِ للجسدِ كالصابون للتّوْب، يُنقيه ولكن يُخلقه .
423 - الحسد خُلقٌ دنيء، ومن دناءَتِهِ أنه موكل بالأقربِ فالأقرب.
424 - لو كانَ أحدٌ مكتفياً منَ العلمِ لاكتفى نبيُّ الله موسى، وقد سمعتم قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِمُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) (1).
425 - أستغفرُ الله ممَّا أملك وأستصلحه فيما لا أملك.
426 - إذا قعدتَ وأنتَ صغيرٌ حيث تحِبُّ ، قعدتَ وأنت كبيرٌ حيث تكرَه .
427 - الولد العاقُّ كالإصبع الزائدةِ، إنْ تُرِكتْ ،شانت، وإن قطعتْ المَتْ .
1) سورة الكهف، الآية : 66 .
428 - خرج العزّ والغِنَى يجولان فلقيا القناعةَ فاستقرَّ .
429 - الصديق نسيبُ الرُّوح، والأخُ نسيبُ الجسم.
430 - جزيةُ المؤمن كِرَاءُ منزله، وعذابه سوء خُلُقٍ زوجته.
431 - الوَعْدُ وجه والإنجاز محاسنه .
432 - أنعمُ النَّاس عيشاً من عاش في عيشه غيرُه .
433 - لا تشاتمنَّ أحداً، ولا تَرُدُّنَّ سائِلاً، إمَّا هو كريمٌ تَسُدُّ خَلْته، أو لئيم تشتري عِرضك منه.
434 - النَّمّام سهم قاتِلٌ.
435 - ثلاثةُ أشياء لا دوام لها : المال في يَدِ المُبذّر، وسحابة الصيف، وغضب العاشق .
436 - الزَّاهد في الدينار والدرهم أعزُّ من الدينار والدرهم .
437 - ربَّ حرب أحييت بلفظة، وربَّ وُدٌ غُرِس بلحظة .
438 - إذا تزوّج الرّجل فقد ركب البحر، فإن ولد له فقد كُسِرَ به.
439 - صلاحُ كلّ ذي نعمة في خلاف ما فسد عليه .
440 - أنعم الناس عيشةً من تحلّى بالعفاف، ورضي بالكفافِ وتَجاوَزَ ما يُخاف إلى ما لا يخافُ .
441 - التّواضع نعمةٌ لا يفطنُ لها الحاسد .
442 - ينبغي للعاقل أن يمنع معروفه الجاهل واللئيم والسفيه، أما الجاهلُ فلا يعرف المعروف ولا يشكر عليه، وأما اللثيم فأرْضٌ سبخة لا تنبِتُ، وأما السفية فيقولُ : إنما أعطاني فرقاً من لساني .
443 - خير العيش ما لا يُطغيك، ولا يلهيك .
444 - ما ضرب الله العباد بسوط أوجعَ من الفقر .
445 - إذا أراد الله أن يزيل عَنْ عبدِ نعمة كان أول ما يغيِّرُ منه عَقْلُه .
446 - خيرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ في خَصْلتين : الغنى والتُّقى ، وشَرُّ الدُّنيا والآخرة في خصلتين : الفَقْرِ والفُجُورِ.
447 - ثمانية إذا أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم: الآتي طعاماً لم يُدْعَ إليه ، والمُتأمّرُ على : ربِّ البيت في بيتهِ، وطالب المعروف من غير أهله والداخل بين اثنين لم يدخلاه، والمستخِفُّ بالسلطان والجالس مجلساً ليس له بأهل والمقبلُ بحديثه على مشن لا يسمعهُ، ومن جرَّب المجرَّب.
448 - أنفسُ الأعلاق عقلٌ قُرن إليهِ حَظِّ .
449 - اللطاقَةُ فى الحاجة أجدى من الوسيلة .
450 - احتمال نَخْوَةِ الشرف أشد من احتمال بطرِ الغنى، وذلة الفقر مانعةٌ من الصبرِ، كما أن عزّ الغنى مانعٌ من كرم الإنصاف، إلا لمن كانَ في غريزته فضلُ قُوَّة، وأعراقٌ تنازعه إلى بُعد الهمة.
451 - أبعد الناس سفراً مَن كان في طلب صديقٍ يَرْضاه.
452 - استشارَةُ الأعداءِ من باب الخِذْلانِ.
453 - الجاهلُ يُعْرَفُ بِست خِصال: الغضب من غير شيء، والكلامِ في غير نفعِ، والعطيِّةِ في غير موضعها، وألّا يعرف صديقهُ من عدوّه، وإفشاء السر، والثقةِ بكلَّ أحدٍ.
454 - سوءُ العادَةِ كمينٌ لا يُؤْمَنُ .
455 - العادَةُ طبيعةٌ ثانيةٌ غالبةٌ.
456 - التجَنِّي وافِدُ القَطيعةِ.
457 - صديقكَ مَن تَهاك، وعدوّك من أغراك.
458 - يا عَجَباً من غفلة الحسادِ عن سلامَةِ الأجساد!
459 - من سعادةِ المرء أن يطول عمره، ويرى فى أعدائه ما يسرّه.
460 - الضَّغائن تورَتُ كما تورث الأموال.
461 - رُبّ عزيزِ اللَّهُ خُرْقُهُ، وذَليل أعزّهُ خُلُقُهُ .
462 - لا يصلحُ اللثيمُ لأحدٍ، ولا يستقيمُ إلا من فرَقٍ أو حاجة، فإذا استغنى أو ذهب خوفُهُ عاد إليه جوهرهُ.
463 - ثلاثةٌ فى المجلس وليسوا فيه : الحاقنُ والضَّيقُ الخفّ، والسّيء الظنِّ بأهلِه.
464 - وسُئِلَ : ما أبقى الأشياء في نفوس الناس ؟ فقال : أما في أنفس العُلماء فالنَّدَامَةُ على الذنوب، وأما في نفوس السفهاء فالحقدُ .
465 - إذا انقضى مُلكُ قوم خُيِّبُوا في آرائهم .
466 - الضعيفُ المحترس من العدو القوي أقربُ إلى السلامَةِ مِن القوي المُغترّ بالعَدُوِّ الضعيف.
467 - الحزن سوء استكانة، والغضَبُ لُؤْمُ قُدْرَةٍ.
468 - كل ما يؤكل يُتينُ ، وكل ما يوهَب يَأْرَجُ.
469 - الطَّرَش في الكرام والهوج في الطَّوال، والكيس في القصار، والنَّبْلُ في الربعةِ، وحسن الخلُق في الحُول، والكَبر في العُور ، والبَهْت في العميان، والذكاء في الخُرْس.
470 - الأم النَّاسِ مَن سعى بإنسان ضعيف إلى سُلطان جائر.
471 - أعسر الحِيَل تصوير الباطل في صورة الحقِّ عند العاقل المُميّز .
472 - الغَدْر ذل حاضر، والغيبة لوم باطن.
473 - القلب الفارغ يبحث عن السوء واليد الفارغة تنازع إلى الإثم.
474 - لا كثير مع إشراف ولا قليل مع احتراف، ولا ذنب مع اعتراف.
475 - المُتَعَبُدُ على غير فِقه كحمار الرحا يدور ولا يبرح .
476 - المحرومُ من طال نصبُهُ، وكان لغيرِه مكسبهُ .
477 - في الاعتبار غنّى عنِ الاختبار.
478 - غيظ البخيلِ على الجوادِ أعجبُ من بخلهِ.
479 - أذلُّ الناس مُعتذرٌ إلى اللئيم .
480 - أشجعُ الناس أثبتهم عقلاً في بداهِة الخوف .
481 - المعتذرُ منتصرٌ، والمعاتبُ مغاضبٌ .
482 - المُروءَةُ بلا مال كالأسد الذي يُهابُ ولم يفترس وكالسيف الذي يخافُ وهو مغمدٌ، والمالُ بلا مُرُوءَةٍ كالكلب الذي يجتنبُ عقراً ولم يعقر.
483 - عليكم بالأدب، فإن كُنتُمْ مُلوكاً ،برزتم، وإن كُنتم وسطاً ،فقتم، وإن أعوزتكم المعيشةُ عشتم بأدبكم.
484 - الملوك حُكّام على الناس، والعلماء حُكامٌ على الملوك .
485 - لا ينبغي للعاقِل أن يكُون إلا في إحدى منزلتين : إمّا في الغاية القصوى من مطالب الدُّنْيا، وإمّا في الغاية القصوى من الترك لَهَا .
486 - من أفضل أعمال البرِّ الجودُ في العسْرِ ، والصدقُ في الغضب، والعفو عند القدْرَةِ .
487 - إن الله أنعم على العبادِ بقدرِ قدرتِه، وكلفهم من الشكرِ بقدر قدرتهم .
488 - العيش في ثلاث : صديق لا يعدُّ عليك في أيام صداقتكَ ما يرضى به أيامُ عَداوتكَ، وَزوْجةً تسرُّكَ إذا دخلتَ عليها وتحفظ غيبكَ إذا غبت عنها ، وغلام يأتي على ما في نفسك كأنهُ قد علم ما تريد.
489 - تحتاجُ القرابة إلى مودَّةِ ولا تحتاج المودة إلى قرابة .
490 - الصابرُ على مخالطِة الأشرارِ ،وصحبتهم كراكب البحرِ إنْ سلَّمَ بِبَدَنِهِ مِنَ التلفِ، لم يسلم بقلبه من الحذر.
491 - لأخيك عليكَ إذا حزبه أمرٌ أن تشير عليه بالرّأي ما أطاعك، وتبذل له النصرَ إذا عصاكَ.
492 - الغيبةُ ربيعُ اللثام .
493 - أطولُ الناس نصباً الحريصُ إذا طمع، والحقودُ إذا مُنع .
494 - الشريف دُونَ حقَّه يُقتَل ويعطي نافلةً فوق الحقّ عليه.
495 - اجعل عمرَك كنفقةٍ دفعت إليكَ، فكما لا تحبُّ أن يذهب ما تنفقُ ضياعاً ، فلا تذهب عمركَ ضياعاً .
496 - من أظهر شكرك فيما لم تأتِ إليه، فاحذر أن يكفرك فيما أسديتَ إليه .
497 - لا تستعن في حاجتكَ بمن هُو للمطلوب إليه أنصحُ منهُ لك.
498 - لا يؤمِنّنّك من شرَّ جاهلٍ قرابةً ولا جَوارٌ ، فإنّ أخوف ما تكونُ لحريق النارِ أقربُ ما تكونُ إليها .
499 - كن في الحرص على تفقُّد عيوِبِك كعدوِّكَ .
500 - عليك بسوءِ الظنّ، فإن أصاب فالحزم وإلا فالسلامةُ.
501 - رضا الناس غايةٌ لا تدركُ، فتحرّ الخير بجهدِكَ، ولا تبال بسخط من يرضيه الباطلُ.
502 - لا تماكِس في البيع والشراء، فما يضيعُ من عرضِك أكثر مما تنالُ من عَرَضِكَ.
503 - الدِّينُ رِقٌ فلا تبذل رِقكَ لِمَنْ لا يعرفُ حقَّك .
504 - احذر كلَّ الحذر أن يخدعَك الشَّيطان فيمثل لَكَ التواني في صُورَةِ التَّوَكُل، ويورتُك الهوينَى بالإحالة على القَدَرِ ، فإن الله أمر بالتوكَّلِ عِند انقطاع الحيّل، وبالتسليم للقضاءِ بعد الإعذار، فقال: (خُذُوا حِدْرَكُمْ) (1)، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الهلكة) (2)، وقال النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم :«اعْقِلُها وتوكل »(3).
505 - لا تصحب في السفر غَنِيًّا، فإنّكَ إِنْ ساوَيْتَهُ في الإنفاق أضَرٌ بِكَ ، وإِنْ تَفَضَّلَ عَلَيْكَ اسْتَذَلكَ.
506 - إذا سألت كريماً حاجَةً فَدَعْهُ يُفَكِّرُ ، فإنه لا يفكر إلا في خير، وإذا سألتَ لثيماً حاجَةً فغافِضة فإنه إذا فكر عادَ إلى طَبعه .
507 - ما أقبح بالصَّبيح الوجهِ أن يكون جاهلاً! كدَارٍ حسنةِ البناء وساكنها شَر، وكجنة يعمرها يُومٌ، أو صِرمةٍ يحرسها ذئبٌ.
508 - قبيح بذي العقل أن يكون بهيمةً وقد أمكنه أن يكون إنساناً، وقد أمكنه أن يكون ملكاً، وأن يرضى لنفسه بقُنيّة (1)مُعارة وحياةٍ مُسْتَرَدّةٍ، وله أن يتخذ قُنيةٌ مُخَلَّدَةٌ وحياة مُؤيَّدَةٌ .
509 - الذي يستحقُ اسْم السَّعادة على الحقيقة سعادة الآخرة، وهي أربعة أنواع : بقاءٌ بلا فناءٍ، وعلم بلا جهل، وقُدرة بلا عجزٍ، وغنّى بلا فقر.
510 - ما خابَ مَنِ اسْتَخارَ .
511 - الدِّينُ قد كشف عن غِطاء قلبه يَرَى مطلوبَه قد طبَّق الخافقين فلا يقعُ بَصَرُهُ على شيء إلا رَآهُ فيه.
512 - من غَرَس النّخل أكل الرُّطب، ومَن غرس الصفصاف والعُلَّيْقَ عدم ثمرته ، وذَهَبَتْ ضياعاً خدمته .
513 - إذا أردت العلم والخير فانفض عن يدك أداة الجهل والشرّ، فإنّ الصائغ لا يتهيَّأ له الصِّيَاغَةُ إلَّا إذا ألقى أداةَ الفلاحة عَن يده.
514 - الصبر مِفتاحُ الفَرَج.
515 - غاية كلِّ مُتعمق في علمنا أن يجهل.
516 - ستعرف الحال على حقيقتها، ولكن حيثُ لا تستطيع أن تذاكر أحداً بها .
517 - السعادة التامّة بالعلم والسعادة الناقصة بالزهد، والعبادةُ من غير علمٍ ولا زهادة تعب الجسد.
518 - الآمال مطايا، وربما حَسِرتْ، ونَقبَتْ أخفافُها .
519 - حبُّ الرياسةِ شاغل عن حبّ الله سبحانه .
520 - يا أبا عبيدة، طال عليك العهدُ ،فنسيت أم ناقَست فأنسيت؟ لقد سمعتَها ووعيتهَا فَهَلاً رعيتها !
1) القنية: الكسبة، أي ما اكتسب القاموس، مادة (قني).
521 - قال لَمَّا سمعتُ خطبة عمرَ بالمدينة التي شرح فيها قصة السقيفِة: معذرةً وربِّ الكعبة، ولكن بعد ماذا ! هيهات علقت مَعالِقها، وصَرَّ الجُندب .
522 - أوَّلُ مَنْ جَرَّأَ الناسَ علينا سعد بن عبادة، فتح باباً ولَجَهُ غيرُه ، وأضرم ناراً كان لهبُها عليه وضوءها لأعدائه .
523 - ما لنا ولقُريش! يخضمون الدنيا باسمنا ويطؤون على رقابنا في الله وللعجب ! ما اسم جليلٍ لِمُسَمَّى ذليل !
524 - الخيرُ كُلُّهُ في السيف، وما قام هذا الدِّينُ إلّا بالسيف، أتعلمون ما معنى قَوْلِهِ تعالى: (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) (1)؟ هذا هو السيفُ.
525 - لم يفتْ مَن لم يَمُتْ .
526 - من فسدت بطانَتُه كان كمن غَصَّ بالماء، فإنه لو غَصَّ بِغَيْرِهِ لَأَساغ الماءُ غُصْتَهُ .
527 - مَن ضَنَّ بِعِرْضِهِ فَلْيَدَعِ المِرَاءَ.
528 - مَن َأيْقَظ فِتْنَةٌ فهو آكلها .
529 - من أثرى كَرُم على أهله ، وَمَن أعلق هان على وَلَدِهِ.
530 - من أمّل أحداً هابَهُ، ومَن جهل شيئاً عابَهُ .
531 - أسوأ الناس حالاً مَن لا يثق بأحد لِسُوء ظنّه، ولا يثقُ بِهِ أَحَدٌ لِسُوءِ أَثَرِهِ.
532 - أحَبُّ النَّاس إليك مَن كثرَتْ أياديه عندك، فإن لم يكن فمن كثرت أياديك عِندهُ .
533- من طال صمتُهُ اجْتَلب من الهيبة ما ينفعه، ومن الْوَحشة ما لا يَضُرُّهُ.
534 - مَن زَاد عقلُه نقص حَظُّهُ، وما جعل الله لأحدٍ عقلاً وافراً إلَّا احْتَسَبَ بهِ عليه من رِزِقِه.
535 - مَن عمل بالْعَدْل فيمَنْ دُونه، رُزِق العدل ممَّنْ فوقه.
536 - مَن طَلَبَ عِذًا بِظُلْمٍ وباطل أوْرَثَهُ الله ذلاً بإنصاف وحقِّ .
537 - من وَطِئَتْهُ الأعيُنُ، وطنه الأرجل.
538 - ينادِي مُنادٍ يَوْمِ القِيامَةِ : مَن كان لهُ أَجْرٌ على الله فليقُم، فيَقُوم العافون عن الناس، ثم تلا :( فَمَن عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهُ) (2).
539 - اصْحَب الناس بأيِّ خُلُقٍ شِئْتَ يَصْحَبُوك بمثله .
540 - كأنك بالدُّنْيا لم تكُن ، وكأنك بالآخرة لم تَزَل .
541 - قال لِمَرِيض أَبَلَّ مِن مَرَضِهِ : إن الله ذكرك فاذْكُرُه ، وأقالَكَ فاشْكُرْهُ.
542 - الدار دار مَن لا دار له، وبها يفرح من لا عقل لهُ، فَأَنْزِلوها مَنْزِلَتَها .
543 - لا تَسْتَصْغِرَنَّ أَمْرٍ عَدُوِّك إذا حارَيْتَهُ ، فإنك إن ظفرت به لم تُحْمَدْ، وإن ظفر بك لم تُعْذَرُ، والضَّعيفُ المحترس من العدو القَوِي أقرَبُ إلى السلامَةِ مِن القوي المُغْتَر بالضعيف .
544 - لا تَصْحب من تحتاج إلى أن تكتمه ما يعرف الله منك.
545 - لا تسأل غير الله، فإنه إن أعطاك أغناك .
546 - الصَّاحِبُ كالرُّقْعة في الثَّوْبِ، فاتخِذْهُ مُشاكِلاً .
547 - إياك وكثرة الإخوان، فإنه لا يُؤْذِيك إلا مَن يعرِفُكَ.
548 - دَع اليمين الله إجلالاً، وللنَّاس إجمالاً .
549 - العادات ،قاهِراتٌ فَمَنِ اعْتادَ شَيئاً في سِرِّهِ فَضَحَهُ في عَلانِيَتِهِ.
550 - إذا كان لك صديقٌ ولم تحمد إخاءه ومودّتَهُ فلا تُظهِرْ ذلِكَ للناس، فإنما هو بمنزلة السَّيف الكليل في مَنْزِلَ الرَّجُلِ، يُرْهِبُ بِهِ عَدُوهُ ، ولا يَعْلَمُ العَدُوُّ أصادِمٌ هو أم كليلٌ!
55 - دَعِ الذنوب قبل أن تَدَعَك .
552 - إذا نزل بِكَ مَكروه فانظر، فإن كان لك حيلةٌ فلا تعجز، وإن لم يكُن فيه حيلة فلا تجزع .
553 - تَعَلَّموا العِلْمَ ، فإنهُ زَيْنٌ للغني وعون للفقير، ولستُ أقولُ إِنَّهُ يَطلبُ به، ولكن يدعُوهُ إلى القناعَةِ.
554 - لا تَرضَيَنَّ قَوْلَ أحدٍ حَتَّى تَرْضى فعله، ولا تَرْضَ فِعْله حَتى تَرْضى عقله، ولا تَرْض عقله حتى ترضى حياءَه، فإن الإنسان مطبوع على كرم ولُؤْمِ، فإن قوي الحياة عنده قوي الكرم، وإن ضَعُفَ الحياءُ قَوِي اللُّؤْمُ . 555 - - تَعَلَّمُوا العِلْمَ وإن لَمْ تنالوا به حظا ، فَلَآن يُذَمّ الزَّمان لَكُم أَحْسَن من أن يُذَمّ بِكُمْ .
556 - اجعل سِرّك إلى واحد ومشوَرَتك إلى ألف.
557 - إن الله خلق النِّساء من عِيٌّ وعَوْرَةٍ، فَدَاوُوا عِيْهُنَّ بالسكوت، واسْتُرُوا العَوْرَة بالبُيُوتِ.
558 - لا تَعِدَنْ عِدَة لا تثق من نَفْسِك بإنجازها، ولا يَغُرَّنَّك المُرْتَقى السهل إذا كان المنْحَدَرُ وَعْراً. واعلم أن للأعمال جزاءً فاتَّقِ العواقب، وأنَّ لِلْأُمُورِ بَعْتاتٍ فَكُنْ عَلى حَذَرٍ .
559 - لا تجاهِدِ الطَّلب جهاد المُغالب، ولا تتِكل على القَدر اتِكال المُسْتَسْلم، فإنّ ابتغاءَ الفَضْل مِن السُّنَّةِ، والإجمال في الطلب من العِفَّةِ، وليست العِفَّةُ برافعةٍ رِزْقاً، ولا الحرص بجانب فضلاً.
560 - مَن لَمْ تستقم له نفْسُه، فلا يَلُومَنَّ من لَمْ يَسْتَقِيم له.
561 - من رُجي الرِّزْقُ لديه صُرفت أعناق الرِّجال إليه.
562 - من انتَجَعَكَ مُؤملاً فقد أسْلَفَكَ حُسْن الظنّ .
563 - إذا شئت أنْ تُطَاعَ فَاسْأَلُ ما يُسْتَطاعُ .
564 - من أعذر كمن أنجح.
565 - مَنْ كانت الدنيا هَمَّه كثر في القيامة عمه .
566 - من أجمل في الطَّلَب أتاهُ رِزْقُهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ .
567 - من ركِب العَجَلة لم يأمن الكبَوة.
568 - مَن لم يثق لم يُوثَقُ بهِ.
569 - من أفاده الدهرُ أَفادَ مِنْهُ.
570 - مَنْ أكْثَرَ ذِكْرَ الضَّعَائِنِ اكْتَسَبَ العَدَاوَةَ .
571 - منْ لم يَحْمد صاحِبَهُ على حسنِ النيَّة لم يحمدُهُ على حسنِ الصنيعة .
572 - تأمّل ما تتحدث به، فإنما تُملي على كاتبيكَ صَحِيفَةً يُوصِلاتها إلى ربكَ، فانظر على من تِملي، وإلى من تكتبُ. 573 - أقم الرَّغبة إليكَ مقَام الحرمةِ بك، وعظَّم نفسكَ عن التعظُّمِ، وتطوّل ولا تتطاوَل.
574 - عاملوا الأحرارَ بالكرامةِ المحضَة، والأوساط بالرغبة والرَّهبة، والمسِّفلَة بالهوانِ .
575 - كن للعدوّ المكاتِم أشدَّ حذراً مِنْك للعدُوّ المبارزِ.
576 - احفظ شَيْئكَ ممَّنْ تَسْتَحْيِي أن تسأله عن مثل ذلك الشيء إذا ضاعَ لَكَ.
577 - إذا كُنتَ في مجلس ولم تكن المحدَّث ولا المحدِّث فقم .
578 - لا تَستضغرَنٌ حَدَثاً من قريش ولا صَغِيراً من الكُتّاب، ولا صعلوكاً من الفرسانِ . ولا تصادقَنَّ ذمّياً ولا خَصِياً ولا مؤنثاً ، فلا ثبات لمودَّاتهم .
579 - لا تُدْخِل في مشورتكَ بخيلاً فيقصّرَ بفعلِك، ولا جبَاناً فيخوِفَكَ ما لا تخافُ، ولا حريصاً فيعدَك ما لا يُرْجَى، فإنَّ الجبنَ والبُخل والحرص طبيعة وَاحدةٌ، يجمعها سُوء الظنِّ بالله تعالى .
580 - لا تكن مِمَّنْ تغلبه نفسه على ما يظنُّ ولا يغلبُها على ما يَستيْقِنُ .
581 - اعصِ هَوَاك والنساءَ وافعل ما بدَا لكَ.
582 - ما كُنتَ كاتمهُ من عدوّك فلا تظهر عليهِ صديقَكَ .
583 - كل من الطعام ما تشتهي والبَس من الثِّياب ما يَشتهي الناسُ .
584 - ولتكن داركَ أَوَّلَ مَا يُبْتَاعُ وَآخِرَ مَا يُبَاعُ .
585 - منْ كانَ في يَدِهِ شيءٌ من رِزق الله سبحانه فليصِلحهُ، فإِنَّكُمْ في زَمان إذا احتاجَ المرءُ فيه إلى النَّاسِ كان أوّل ما يبذلُهُ لهم دينُهَُ .
586 - ابذل الصديقكَ مالكَ، ولمعرفتكَ رفدَك ومحضَرَكَ ، وللعامة بشرَكَ وتحنُّنكَ، ولعدوّك عدلَكَ وإنصافكَ، واضْنُنْ بدِينكَ وعَرْضِك عن كلّ أحد.
587 - جالس العقلاء أعداء كانوا أو أصدقاء، فإن العقل يقع على العقل .
588 - كُنْ في الحرب بحيلتك أوثقَ منك بشدّتك، ويحذَرِك أَفَرَحَ منك بنجدَتِك، فإن الحَرْبَ حزب المُتَهَوِّرِ، وغنيمة المتحَدِّرِ .
589 - النعم وحشيَّةٌ فقيدوها بالمعْرُوفِ .
590 - إذا أخطأتكَ الصنيعة إلى من يَتّقي الله فاصنعها إلى من يتّقي العارَ.
591 - لا تشتَغل بالرزق المضمونِ عن العملِ المفروض.
592 - إذا أكرمكَ الناسُ لمال أو سُلطان فلا يُعْجِبنّكَ ذاكَ، فإنّ زوال الكرامَةِ بزَوالِهما ، ولكن ليُعجبك إن أكرمَكَ الناسُ لدينٍ أو أدب.
093 - يَنبغي لمن لم يكرم وجهه عن مسألتَكَ أنْ تُكْرمَ وَجْهكَ عن رَدّهِ.
594 - إِيَّاكَ ومشاوَرَةَ النِّساءِ ، فإِنْ رَأيَهُنَّ إلى أفنٍ(1)، وعزّمَهُنَّ إلى وَهَنِ، وَاكْفُف من أبصارِهِنَّ بحجابكَ إِيَّاهُنَّ، فإنّ شدّةِ الحجاب خيرٌ لك من الارتياب، وليْسَ خُروجُهُنَّ باشد عليك من دخول من لا تَثقُ به عليْهنَّ، وإن استطعت الا يعْرِفن غيرك فافعل، ولا تمكّن امرأة منَ الأمْرِ ما جاوز نفسها ، فإن ذلك أنعم لبالها ، وأرخى لحالها ، وإنما المرأةُ رَيْحانةٌ وليسَتْ بقهرمانة (2)، فلا تعد بكرامتها نفسها، ولا تُعطها أن تَشفَع لغيرها، ولا تُطِل الخَلْوَةَ مَعَهُنَّ فيملتك وتملُّهُنَّ، واستبق من نفسك بقيَّةٌ ، فإن إنساكَكَ عنهُنَّ وهُنَّ يُرِدْنَكَ ذلكَ باقتدارِ، خَيْرٌ مِنْ
أن يهجُمْنَ منكَ على انكسارٍ وإِيَّاكَ والتَّغَائِرَ في غيرِ مَوْضِعِ الغَيْرَةِ، فَإِنَّ ذلك يدعو الصّحيحةَ منهُنَّ إلى السُّقمِ.
595 - إذا أردتَ أن تَحْتمَ على كتاب، فأَعِدِ النَّظَرَ فِيهِ، فَإِنَّما تختم على عقلكَ .
596 - إنّ يَوْماً أَسْكَرَ الكِبارَ وَشَيْبَ الصِّغار لشديد .
597 - كمْ مِنْ مُبَرَّد لهُ المَاءُ والحميمُ يُغْلَى له .
598 - الصلاة صابون الخطايا .
599 - إِنَّ امْرَأَ عَرَفَ حقيقةَ الأمْرِ ، وزَهِدَ فيه لأحمق، وإنْ امْرَأَ جهل حقيقةَ الأَمْرِ مَعَ وُضُوحِهِ لجاهِلٌ .
600 - إذا قال أحدكم : والله ، فلينظُر ما يضيفُ إليها .
601 - رَأيْكَ لا يَتَّسِعُ لِكُلِّ شيءٍ، فَفَرِّغْهُ للمهم منْ أُمُورِكَ، ومالُكَ لا يُغنِي النَّاسَ كلّهُمْ فاخصُصْ به أهْلَ الحقِّ، وكرامتُكَ لا تطيق بذلها في العامَّةِ، فَتَوَجَّ بها أهل الفضل، وليلكَ ونهارك لا يَستوْعِبانِ حوائجك، فأَحْسَنِ القِسْمةَ بَيْنَ عملِكَ ودَعَتك.
602 - أخي المعروف بإماتيِه .
603 - اصحبُوا مِنْ يذْكُرُ إِحْسانكُمْ إليه، ويَنسى أياديه عندكم .
604 - جاهِدُوا أهواءكم كما تجاهِدُونَ أعداءَكم.
605 - إذا رغبتَ في المكارمِ فاجتنب المحارمَ .
606 - لا تنقَنَّ كلّ الثقة بأخِيكَ، فإن سُرعة الاسترسالِ لا تقالُ.
607 - انتقم من الحرص بالقناعة، كما تنتقم من العدوِّ بالقصاص.
608- إذا قصُرَتْ يدُكَ عن المكافأة، فليطل لسانُكَ بالشكر .
609 - من لم ينشط لحدِثيكَ فارفع عنهُ مُؤنَةَ الاستماع منك .
610 - الزمانُ ذُو ألوان، ومنْ يُصْحَب الزّمانَ يَرَ الهوان .
611 - لا تزْهَدَنَ في معرُوف، فإنّ الدهر ذو صُرُوف، كم من راغب أصبح مرغوباً إليه، ومتبوع أنسى تابعاً .
612 - إن غُلبتَ يوْماً على المالِ فلا تُغلَبَنٌ على الحيلة على كلِّ حالٍ.
613 - كُن أحسن ما تكون في الظاهر حالاً أقل ما تكون في الباطنِ مالاً .
614 - لا تكونَنَّ المحدّثَ من لا يسمعُ منه ، والدَّاخِلَ في سر اثنين لم يُدْخِلاهُ فيه، ولا
الآتي وليمة لم يُدْعَ إليها، ولا الجالِسَ في مجلِس لا يستحقُّهُ، ولا طالِبَ الفضلِ من أيدي اللَّثامِ، ولا المتحمّق في الدَّالّة، ولا المتعرِّضَ للخيرِ من عند العدو.
615 - اطبعِ الطَّينَ ما دامَ رطباً، واغرِسِ العودَ ما دَامَ لَدْنا .
616 - خَفِ الله حتى كأَنكَ لَمْ تُطِعْهُ وارْجُ الله حتى كأنَّكَ لم تعصب ،
617 - لا تبلُغ في سلامِكَ على الإخوانِ حدَّ النّفاقِ ولا تقصُرْهُم عن درجة الاستحقاق.
618 - انْصَحْ لكلِّ مستَشِيرٍ، ولا تستَشِرُ إِلَّا النَّاصحَ اللّبيبَ.
619 - ما أقبحَ بِكَ أن ينادَى غداً: يا أهل خطيئة كذا ، فتقومَ معهم، ثم ينادي ثانياً : يا أهلَ خطيئِة كذا ، فتقومَ معهم. ما أراكَ يا مسكينُ إلّا تقومُ معَ أهلِ كُلِّ خطيئةٍ !
620 - ما أصابَ أحدٌ ذنباً ليلاً إلّا أصبحَ وعليهِ مَذَلّتُهُ .
621 - الاستغفارُ يحُبُّ الذنوبَ حَتَّ الورق، ثم تلا قولُه تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمَ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ) (1).
622 - أيُّها المُستَكثِرُ منَ الذُّنوبِ، إنّ أباك أُخْرِجَ من الجنّة بذنبٍ واحدٍ .
623 - إذا عصى الرَّبِّ من يعرفُهُ سلّط عليه من لا يعرفُ
624 - لقاء أهل الخيرِ عمارةُ القلوبِ.
625 - أنا من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم كالعَضُدِ مِنَ المِنْكَبِ، وكالذِّراع مِنَ العَضُدِ، وَكَالكَفْ مِنَ الذراع، ربَّاني صغيراً، وآخاني كبيراً ، ولقدْ عَلِمْتُمْ أني كانَ لي منه مجلس سِرِّ لا يطلع عليه غيري، وأنَّه أوصى إلي دونَ أصحابه وأهل بيته، ولأقولنَّ ما لم أقلُه ُلأحد قبلَ هذا اليوم، سألتُهُ مَرَّةً أن يدعُو لي بالمغفرة فقال: أفعلُ، ثم قامَ فصلَّى، فلمّا رفعَ يدهُ لِلدُّعاءِ استمعْتُ عليه، فإذا قائلٌ : اللّهمّ بحقّ عليّ عندكَ اغفِر لعليِّ، فقلتُ : يا رسولَ الله ما هذا؟ فقال : أَوَاحِدٌ أكرم
منك عليهِ فَاسْتَشْفِعَ بِهِ إليه !
626 - والله ما قلعتُ بابَ خَيْبَرَ، ودَكْدَكْتُ حِصْنَ يهود بقُوَّةٍ جسمانية بل بقوة إلهية .
627 - يابنَ عَوْفٍ، كيف رأيت صنيعك مع عُثمانَ رُبِّ وايْقٍ خَجِلَ، ومَنْ لم يتوخَّ بعملِهِ وجةَ الله عاد مادِحُهُ منَ الناسِ له ذامَّا.
628 - لو رأيْتَ ما في ميزانك لختمتَ على لسانِكَ .
629 - ليس الحلمُ ما كان حال الرّضا، بل الحلمُ ما كان حال الغضبِ.
1) سورة النساء، الآية : 110 .
630 - ليس شيءٌ أقطعَ لظهر إبليس من قوله : «لا إله إلا الله»، كلمةِ التَّقوى.
631 - لا تحملوا ذنوبكم وخطاياكم على الله ، وتَذَرُوا أَنفُسَكُمْ والشَّيْطَانَ.
632 - إن أخوف ما أخاف على هذه الأُمَّةِ منَ الدَّجَّالِ، أَيْمَةٌ مُضِلُّونَ وَهُمْ رُؤساء أهل البِدَع.
633 - إذا زلَلْتَ فارجع ، وإذا ندمت فأقلع ، وإذا أسأت فاندم، وإذا مننتَ فاكتُمْ ، وإذا منعت فأجيل، ومنْ يُسْلِفِ المعروف يكنْ رِيْحُهُ الحمد .
634 - استشر عدوك تجربةً لتعلم مقدار عداوته .
635 - لا تطلُبَنَّ من نفسك العام ما وعدتك عاماً أول.
636 - أطولُ الناس عُمُراً من كثرَ ،علمُهُ فَتَأَدْبَ به مَنْ ،بعده، أو كَثُرَ معروفه فشرُفَ به عقبُهُ.
637 - استهينوا بالموت فإن مرارتُه في خوفِهِ.
638 - لا دينَ لمن لا نية له، ولا مالَ لمن لا تدبيرَ لهُ، ولا عيشَ لِمَنْ لا وِفْقَ له .
639 - مَنِ اسْتغلَ بتفقد اللفظة، وطلب السجعَةِ، نسي الحُجّةَ .
640 - الدُّنيا مطية المؤمن عليها يرتحل إلى رَبِّهِ، فأصلحوا مطاياكُمْ تُبلغكم إلى رَبِّكُمْ .
641 - من رأى أنه مسيء فهو محسن ، ومن رأى أنه محسن فهو مسيءٌ .
642 - سيئة تسوءك خيرٌ من حسنةٍ تعجبُكَ .
643 - اطلبوا الحاجاتِ بعزّةِ الأَنْفُسِ، فإِنَّ بيد الله قضاءَها .
644 - عَذَّبْ حُسَادَكَ بالإحسان إليهم .
645 - إظهار الفاقة من خمول الهمّةِ.
646 - يا عالِمُ قد قامَ عليكَ حُجّةُ العِلْمِ، فاستقظ من رقدتِكَ .
647 - الرّفقُ يقُلُّ حدَّ المخالفة .
648 - أرْجَعُ الناسِ عقلاً، وأكملهم فضلاً، من صحب أيَّامَهُ بالموادعة وإخوانه بالمسالمةِ، وقَبِلَ من الزَّمانِ عفْوَهُ.
649 - الوُجُوهُ إذا كثر تقابلها، اعتصر بعضُها ماءَ بَعض.
650 - أداء الأمانةِ مِفْتَاحُ الرِّزْق.
651 - حَصْن عِلْمَكَ منَ العُجب ووقارَك من الكبر، وعطاءكَ منَ السَّرَفِ، وصرامتكَ منَ
العجلةِ، وعقوبتكَ من الإفراطِ ، وعَفوك من تعطيل الحدود، وصَمْتكَ منَ العِيِّ، واستماعَكَ مِنْ سُوءِ الفَهم، واستئناسَك من البَذاءِ، وخَلَواتِكَ مِنَ الإضاعة، وغراماتِكَ مِنَ الدَّجاجة وَرَوَغَانِكَ من الاستسلام، وحَذَراتِكَ منَ الجُبْن .
652 - لا تجدُ للموتور المحقودِ أماناً من أذاه أوثق من البعد عنه، والاحتراسِ منه .
653 - احذر من أصحابك ومخالطيكَ الكثيرَ المسألة، الخشنَ البَحْثِ، اللّطيفَ الاستدراج، الذي يحفَظ أوّلَ كلامَكَ على آخره، ويعتبرُ ما أخرْتَ بما قَدَّمْتَ ولا تُظهرن له المخافة فيرى أنك قد تحرّزْتَ وتحفظت. واعلم أن من يقظة الفطنة إظهار الغفلة مع شدّةِ الحَذَر، فخالط هذا مخالطة الآمن، وتحفّظ منه تحفظ الخائف، فإنَّ البَحْثَ يُظهرُ الخفي ويُبدي المستور الكامنَ.
654 - من سَرَّهُ الغِنى بلا سلطان، والكثرةُ بلا عشيرةٍ، فليخرج من ذُلّ معصية الله إلى عزّ طاعِته، فإنَّهُ واحِدٌ ذلك كله .
655 - الشيبُ إعذارُ الموتِ.
656 - منْ ساسَ نفسهُ بالصبرِ على جهْلِ النَّاسِ صَلَحَ أن يكون سائساً .
657 - الله تعالى كلَّ لحظةٍ ثلاثة عساكر : فعسكَرٌ ينزِِلُ من الأصلاب إلى الأرحامِ، وعسكرٌ ينزِلُ منَ الأرحام إلى الأرض، وعسكر يرتحلُ من الدُّنيا إلى الآخرة.
658 - اللَّهمَّ ارحمني رحمةَ الغفران، إن لم ترحمني رحمةَ الرضا.
659 - إلهي كيفَ لا يحسُنُ منّي الظَّنَّ وقد حسُنَ منكَ المنُّ! إلهي إن عاملتنا بعذلِكَ لَمْ يبقَ لنا حسنةٌ، وإن أنلتنا فضلك لم يبقَ لَنا سَيِّئَةٌ .
660 - العلمُ سُلطان من وجده صالَ به، ومن لم يجدهُ صيلَ عليه .
661 - يابنَ آدمَ إنَّما أنتَ أيَّام مجموعةً ، فإذا مضى يومٌ مضى بعضُكَ.
662 - حيثُ تكونُ الحكمةُ تكونُ خشيةُ الله، وحيثُ تكونُ خشيته تكونُ رحمته .
663 - اللَّهُمَّ إني أرَى لدَيَّ من فضلك ما لم أسألك، فعلمت أنَّ لديكَ من الرحمة ما لا أعلم، فصغرتْ قيمةُ مطلبي فيما عاينت وقصرت غايةُ أملي عندُما رجوت، فإن الحفت في سؤالي فَلِفاقتي إلى ما عندك، وإن قصَّرْتُ في دعائي فيما عَوَّدْتَ من ابتدائكَ .
664 - منْ كانَ همَتهُ ما يَدْخُلُ جوفه كانت قيمته ما يخرج منُه .
665 - يقولُ الله تعالى : يابنَ آدَمَ ، لم أخلقك لأربح عليك ، إنما خَلَقْتُكَ لِتَرْبَحَ عليَّ، فاتَّخِذْني بدلاً من كلِّ شيء فإني ناصر لك من كل شيء.
666 - الرّجاءُ للخالقِ سُبحانه أقوى من الخوف لأنك تخافهُ لذنبك، وترجوه لجوده، فالخوف لك والرَّجاء لهُ .
667 - أسألك بعزَّةِ الوحدانية، وكرم الإلهية، ألا تقطعَ عَنِّي بِرَّكَ بَعْدَ مماتي، كما لم تزل تراني أيَّامَ حياتي، أنْتَ الَّذِي تجيبُ مَنْ دَعَاكَ، ولا تخيب منْ رَجاكَ، ضَلَّ مَنْ يَدعُو إِلَّا إِيَّاكَ، فإنك لا تحْجُبُ من أتاكَ وتُفْضِلُ على من عصاكَ، ولا يفوتك من ناواك، ولا يُعْجِزُك من ماذاك، كل في قدرتك، وكل ياكل رزقك.
668 - لا تطلبنَّ إلى أحدٍ حاجةٌ ليلاً، فإنّ الحياء في العينينِ.
669 - منِ ازْدَاد علماً فليحذر من توكيدِ الحجَّةِ عليهِ.
670 - العاقلُ ينَافسُ الصالِحينَ ليلحقَ بهم، ويحبهم ليشارِكَهُم بمحبِته، وإن قَصَّر عنْ مِثلِ عملهم، والجاهِلُ يدمُ الدُّنيا ولا يَسخو بإخراج أقلِّها ، يمدحُ الجُودَ ، ويبخلُ بالبذل، يتمنَّى التوبة بطولِ الأَمَلِ، ولا يُعجلُها لخوْفِ حُلولِ الأجلِ، يَرْجُو ثواب عمل لم يعمل به، ويفرُّ من الناس ليطلبَ، ويخفي شخصه ليشتَهِرَ، ويذمُّ نفسه ليمدَحَ ، وينهى عن مدحِه وهو يحبُّ ألا ينتهى من الثناءِ عليه .
671 - الأنسُ بالعلمِ من نبل الهمَّةِ .
672 - اللَّهمَّ كما صُنت وجهي عن السُّجودِ لغيرك، فصُنُ وجهي عن عن مسألة غيرك .
673 - من الناس من ينقصكَ إذا زدتهُ، ويهون عليك إذا خاصَصتهُ، ليسَ لرضاهُ موضعٌ تعرفهُ، ولا لسخطِه مكانٌ تحذَرُهُ ، فإذا لقيت أولئك فابذل لهم موضعَ المَوَدَّةِ العامبَة، واحْرِمهمْ موضعَ الخاصَّةِ، ليكُونَ ما بذلت لهم من ذلك حائلاً دون شرِّهم، وما حَرَمتهم من هذا قاطعاً لحرمتهم .
674 - مَن شَبع عُوقب في الحالِ ثلاث عُقوبات : يُلْقَى الغطاءُ على قَلبِه، والنُّعاس على عينِه، والكسلُ على بَدَيْه .
675 - ذَمُّ العُقَلاء أشَدُّ من عُقُوبة السلطان.
676 - يقطعُ البليغ عن المسألة أمْرانِ : ذُلُّ الطلب، وخَوْفُ الرَدّ .
677 - المؤمن محدَّثٌ .
678 - قلّ أن ينطق لِسانُ الدَّعْوى إلا ويُخْرِسه كِعامُ الامتحان.
679 - انظر ما عندك فلا تَضَعْهُ إلا في حقه، وما عند غيرك فلا تأخُذْهُ إلا بحقِهِ.
680 - إذا صافاك عَدُوكَ رِياءٌ مِنه فَتَلَقَّ ذلك بأؤكد مودة، فإنه إن ألف ذلك واعتادَهُ خَلُصَت لك مَودَّته.
681 - لا تألَف المسألة فيألفَك المَنعُ .
682 - لا تسأل الحوائج غير أهلها، ولا تسألها في غيرِ حينِها، ولا تسأل ما لسْتَ لهُ مُستحقًا فتكونَ للحرمانِ مُستوجباً .
683 - إذا غَمَّكَ صديقك فاجْعَلْهُ معَ عدوّك .
684 - لا تعدَّنَّ من إخوانكَ منْ آخاك في أيام مقدَرتكَ للمقُدُرة ، واعلم أنه ينتقلُ عنكَ في أحوالٍ ثلاثٍ : يَكُونُ صديقاً يوْمَ حاجته إليك، ومُعرِضاً يوم غناه عنك، وعدوا يومَ حاجتك إليْهِ.
685 - لا تُسَرَّنَ بكثرَةِ الإخوان ما لم يَكُونُوا أخياراً، فإنّ الإخوان بمنزلة النَّار التي قليلها متاعٌ، وكثيرها بوَارٌ .
686 - كفاك خيانة أن تَكُونَ أميناً للخونة .
687 - لا تحقرنّ شيئاً من الخير وإن صغر، فإنك إذا رأيته سرّك مكانه، ولا تحقرنّ شيئاً من الشرّ وإن صغر، فإنك إذا رأيته ساءَك مكانه
688 - يا بن آدم ليس بِكَ غَناءٌ عن نصيبكَ مِن الدُّنْيا وأنْتَ إلى نصيبك منَ الآخرةِ أفقرُ .
689 - معصيةُ العالم إذا خفيتْ لم تضرَّ إلّا صاحبها، وإذا ظهرت ضرت صاحبها والعامَّةَ.
690 - يجبُ على العاقل أنْ يَكُونَ بما أحيا عقلَهُ من الحكمةِ أكْلَفَ منْهُ بما أحيا جسمَهُ مِنَ الغِذاء .
691 - أعسر العيُوبِ صلاحاً العُجْبُ والِلجاجة.
692 - لكلِّ نعمةٍ مِفتاح ،ومغلاق، فمفتاحُها الصبر، ومغلاقُها الكسلُ.
693 - الحزنُ والغضبُ أميرَانِ تابِعانِ لوقوع الأَمْرِ بخلافِ ما تُحِب، إلَّا أن المكروة إِذَا أتاك ممَّنْ فوقكَ نَتَجَ عليكَ حُزْناً ، وإن أتاك ممَّن دونك نتج عليكَ غَضَباً .
694 - أولُ المعروفِ مُستخَفٌ، وآخرهُ مُستثقلٌ، تكادُ أوائله تكُونُ لِلهوَى دُونَ الرّأي، وَأوخرُهُ الرَّأي دُونَ الهوى، ولذلك قيلَ : ربُّ الصنيعة أشد من الابتداء بها .
695 -لا تدعُ الله أنْ يُغنيكَ عنِ النَّاسِ فإن حاجات الناس بعضهم إلى بَعْض مُتصلةٌ كا تصالِ الأعضاء فمتى يستغني المرء عن يدِهِ أوْ رِجله! ولكن ادْعُ الله أنْ يُغنيك عنْ شِرارِهمْ .
696 - احترس مِنْ ذِكرِ العلم عند من لا يرغب فيه، ومِنْ ذِكر قدِيمِ الشَّرَف عِند منْ لا قَدِيم لهُ ، فإنّ ذلك ممَّا يحقدُهُما عليكَ.
697 - ينبغي لذوي القَرَابات أن يَتَزاوَرُوا ولا يَتَجاوَرُوا .
698 - لاتواخِ شاعِراً فإنَّهُ يَمْدحُكَ بثمن، ويَهْجُوكَ مجاناً .
699 - لا تُنزِلَ حوائجك بجيّدِ اللِّسانِ، ولا بمتَسَرِّع إلى الضمانِ.
700 - كلّ شيءٍ طلبته في وقته فقد فات وقتُه.
701 - إذا شككتَ في مودة إنسان فاسأل قلبك عنه .
702 - العقلُ لم يجْنِ على صاحبِه قطُّ، والعلمُ مِنْ غيرِ عقل يَجني على صاحبه.
703 - يا بن ،آدم هل تنتظرُ إلَّا هَرَماً حائلاً، أو مرضاً شاغلاً، أو موتاً نازِِلاً !
704 - ابنك يأكلُكَ صَغِيراً ويَرِثُك كبيراً، وابنتك تأكلُ مِنْ وِعائكَ، وترثُ مِنْ أعْدائك، وابن عمك عدوك وعدو عدوّكَ ، وزَوْجتك إذا قلت لها قومي قامَتْ .
705 - إذا ظفرْتُمْ فأكْرِمُوا الغَلَبَةَ، وعليكم بالتغاقُلِ فإنه فعل الكرام، وإيَّاكُمْ والمن فإنهُ مَهْدمة للصنيعة، منبهةً للضغينة.
706 - منْ لمْ يَرْجُ إلَّا ما يستوْجِبُه أَدْرَك حاجَتُه.
707 - بلغَ مِنْ خَدع النَّاسِ أن جعلوا شكر المؤتى تجارةً عِندَ الأحياء، والثناءَ على الغائبِ اسْتمالة للشاهد.
708 - من احتاج إليكَ َثقُلَ عليك، ومن لم يُضلِحه الخيرُ أصْلَحَهُ الشر، ومن لم يُضلِحهُ الطالي أصلحُه الكاوي.
709 - منْ أكثَرَ مِنْ شيءٍ عُرِف بهِ ومِنْ زَنى زني به، ومنْ طَلَب عظيماً خاطر بعظمَتِه، ومن أحبَّ أن يصرِمَ أخاه فليُقْرِضُهُ ثم ليتقاضه، ومن أحبّك لشيء ملّكَ عند انقضائِه، ومن عُرِفَ بالحكمة لاحظته العُيُونُ بالوقارِِ .
710 - من بلغَ السَّبعين اشتكى مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ.
711 - في المالِ ثلاثُ خِصالٍ مَذْمُومةٌ: إمّا أنْ يُكتَسَبَ مِنْ غيرِ حِلْهِ، أَوْ يَمْنَعَ إنفاقه في حقه، أو يُشغل بإصلاحه عنْ عِبادَةِ الله تعالى.
712 - يُباعدك مِنْ غضب الله ألا تغضب.
713 - لا تستبدلنّ بأخٍ لَكَ قَدِيم أخاً مُستفَادا ما استقامَ لَكَ، فإِنكَ إِنْ فَعَلْتَ فَقَدْ غَيرتَ، وإنَّ غيّرت تغيرت نعم الله عليكَ.
714 - أشدُّ مِنَ البَلاءِ شماتةُ الأعْداءِ.
715 - لَيْسَ يَزْنِي فَرْجُكَ إِنْ غَضَضَتَ طَرْفكَ.
716 - كما ترك لكُمُ المُلُوكُ الحِكْمَةَ والعِلْمَ فاتركوا لهمُ الدُّنيا
717 - الهديَّة تفقَأ عين الحكيمِ.
718- ليكن أصدقاؤك كثيراً ، واجعل سرَّكَ منهم إلى واحد .
719 - يا عَبيدَ الدُّنْيا كَيْفَ تُخالِفُ فُرُوعُكُمْ أَصولَكُمْ ، وعُقولُكُمْ أهْوَاءَكُمْ، قوْلُكُمْ شفاءٌ يُبْرِىءُ الدَّاءَ، وعملكم داءً لا يقبلُ الدَّوَاء، ولَسْتُمْ كالْكَرْمَةِ الَّتي حسن ورقها، وطابَ ثمرها ، وسهل مُرْتقاها، ولكِنَّكُمْ كالشجرَةِ التي قَل ،ورقها ، وكَثُر شوْكُها ، وخُبثَ ثمرها، وصعب مرتقاها . جَعَلتُم العلم تحت أقْدَامِكُمْ ، والدُّنيا فوق رؤوسِكُمْ، فالعلم عندكُمْ مُذال ممتهن ، والدنيا لا يُستطاع تناولها ، فقد مَنَعتُم كُلِّ أحَدٍ من الوصول إليها ، فلا أحرار كرام أنتُمْ ، ولا عبيد أتقياء. ويُحكُم يا أجراء السُّوءِ! أمّا الأَجْرَ فتأخُذُونَ، وأمّا العمل فلا تعملون، إن عملتم فللعمل تُفسدون، وسوف تلقون ما تفعلون، يُوشِكُ رَبُّ العمل أن ينظر في عمله الَّذِي أَقْسَدْتُمْ ، وفي أجْرِه الَّذِي أَخذْتُم يا غرماءَ السُّوءِ، تبدوون بالهدية قبل قضاء الدين، تتطوعون بالنوافل ولا تُؤدُّون الفرائضَ، إن رَبِّ الدِّينِ لا يرضى بالهدية حتَّى يُقضى دينه .
720 - الدُّنيا مزرَعةُ ،إيليس، وأهلها أكَرةٌ حرَّاثون لهُ فيها .
721 - واعجبًا ممَّنْ يَعمل للدُّنْيَا وَهُوَ يرزَقُ فيها بغير عمل، ولا يعملُ للآخرَةِ وهوَ لا يَرْزَقُ فيها إلّا بالعمل!
722 - لا تُجالسُوا إلّا من يذكِّرُكُمُ الله رؤيته، ويزيدُ في عملكم منطقه، ويرغبكُمْ في الآخِرِة عملُه .
723 - كثرةُ الطعامِ تميتُ القلب كما تميتُ كثرة الماء الزّرْعَ .
724 - ضربُ الوَالِدِ الولَدَ كالسَّمادِ للزرع .
725 - إذا أردتَ أن تصادِق رجلاً فأغضبه، فإن أنصفك في غضبِهِ وإلّا فدعهُ .
726 - إذ أتيتَ مجلس قومٍ فارمهمْ بِسَهْمِ الإسلام ، ثمَّ اجلس - يعني السَّلامَ - فإن أفاضوا في ذكرِِ الله فأَجِلْ سهمَكَ معَ سِهامهم، وإن أفاضوا في غيره فخلهم وانهض .
727 - الأوطار تكسب الأوزار ، فارفُضٌ وطَرَكَ، وَاغْضُضْ بصرَكَ.
728 - إذا قعدّت عندَ سُلطان فليكن بينَكَ وبينُه مقعدُ رجلٍ، فلعله أن يأتيَهُ من هو آثرُ عنده منك، فيريدُ أنْ تتَنحِّى عن مجلِسكَ، فيكونُ ذلك نقصاً عليك وشَيْئاً .
729 - ارحِم الفقراء لقلة صبرهم ، والأغنياء لقلّة شُكرهم وارحم الجميع لِطُول غفلتِهِم.
730 - العالمُ مصباحُ الله في الأرض، فمن أراد الله به خيراً اقتبَس منه .
731 - لا يهونَنَّ عليك من قبحَ منظرُهُ ورَتْ لباسه، فإنَّ الله تعالى ينظُرُ إلى القلوبِ ويُجازي بالأعمال .
732 - منْ كَذبَ ذَهَبَ بِماءِ ،وجهِهِ، ومنْ ساءَ خُلُقُهُ كثُرَ غَمُّه ، ونقل الصخورِ مِنْ مواضعها أَهْوَنُ مِنْ تفهيم مَن لا يفهم . 733 - كنتُ في أَيَّامٍ رَسُولِ الله صلی الله علیه وآله وسلم كجزءٍ مِنْ رَسُولِ الله صلی الله علیه وآله وسلم، ينظُرُ إلي الناسُ كما يُنظَرُ إلى الكواكِبِ في أفق السماءِ، ثم غضَ الدَّهْرُ منّي ، فقُرنَ بي فلان وفلانٌ، ثم قُرِنْتُ بخمسة أمثلُهُمْ عثمان، فقلتُ : واذَفَراهُ ثم لم يَرْضَ الدهرُ لي بذلك، حتى أرذلني، فجعلني نظيراً لابْنِ هِنْدِ وابْنِ النابِغَةِ! لقد استنت الفصال حتى القَرْعى .
734 - أما والّذِي فلق الحبَّةَ ، وبَرَأَ النَّسَمَةَ، إنه لَعَهْدُ النَّبِيِّ الأُمي إلي أنَّ الأمةَ ستغدِرُ بك مِنْ بعدي .
735 - لامَتْهُ فاطمة على قُعُودِهِ وأطالت تعنيفه ، ساکت . وهو حتى أذَنَ المُؤذِّنُ، فلما بلغ إلى قوله : أشهدُ أنْ مُحَمَّداً رسولُ الله ، قال لها : أتُحبِّينَ أنْ تَزُولَ هذه الدعوة منَ الدُّنيا؟ قالت : لا ، قال : فهُوَ ما أقولُ لكِ .
736 - قالَ ليَ رَسُولُ الله صلی الله علیه وآله وسلم: إن اجتمعوا عليك فاصنع ما أمرتُكَ، وإلا فأَلْصِق كَلْكَلَكَ بالأَرْضِ ، فلما تفَرَّقوا عَنّي جررْتُ على المكْرُوه ذيلي، وأغضيْتُ على القَذَى جفني، والصفتُ بالأرض كَلكَلِي
737 - الدُّنيا حُلْم والآخرة يقظةً، ونحنُ بينَهُما أضغاتُ أحلام.
738 - لَمَّا عرف أهل النقص حالَهُمْ عند أهل الكمال، استعانوا بالكبْرِ ليُعَلِّمَ صغيراً، ويرفع حقيراً، وليس بفاعلِ.
739 - لو تميّزَتِ الأشياء كانَ الكَذِبُ مع الجُبْنِ ، والصدقُ مع الشجَاعَةِ، والرَّاحةُ مع اليَأسِ، والتَّعَبُ مع الطمع، والحرمانُ مع الحرص، والذُّلُّ مع الدِّينِ.
740 - المعروفُ خُل لا يَفُكُّه إلا شكرٌ أو مكافاةٌ.
741 - كثرةُ مال الميِّت تسلّي ورثته عنه .
742 - منْ كَرُمَتْ عليه نفْسُهُ مانَ عليه مالُهُ .
743 - من كَثُرَ مُؤَاحُهُ لم يسلم من استخفاف به، أو حقدٍ عليه.
744 - كثرةُ الدَّيْنِ تضطر الصادق إلى الكذب والواعد إلى الإخلافِ.
745 - عارُ النَّصيحة يكدِّرُ لَذتها .
746 - أوَّلُ الغَضبِ جنون، وآخِرُهُ ندم.
747 - انفرد بسرك ولا تودعه حازِِماً فيزلً، ولا جاهلاً فيخونَ.
748 - لا تقطع أخاكَ إلَّا بعد عجز الحيلة عن استصلاحه، ولا تُتبعه بعد القطيعة وقيعةً فيه ، فتَسُدَّ طريقه عنِ الرُّجوع إليك، ولعلَّ التجارب أن ترده عليك وتُصْلحَهُ لكَ.
749 - من أحسَّ بضعف حيلته عن الاكتسابِ بخلَ .
750 - الجاهل صغير وإن كان شيخاً، والعالم كبير وإن كان حَدَثاً .
751 - الميّتُ يَقِلُ الحسدُ له، ويكثرُ الكذبُ عليِه.
752 - إذا نزلَتْ بك النعمة فاجعل قراها الشكرَ.
753 - الحِرْصُ ينقُصُ من قدرِ الإنسانِ ولا يزيدُ في حَظِّهِ.
754 - الفرصةُ سريعةُ الفوتِ بطيئةُ العود.
755 - أبخَلُ الناس بماله أجودهم بعِرضه.
756 - لا تتبع الذنب العقوبة واجعل بينهما وقتاً للاعتذاِر.
757 - اذكُرُ عندَ الظلم عدل الله فيك، وعندَ القدرةِ قدرة الله عليك.
758 - لا يحملنَّكَ الحَنَقُ على اقتراف الإثِم فتَشفي غيظك وتسقم دينك.
759 - المُلْكُ بالدِّين يبقى والدِّينُ بالملكِ يقوَى.
760 - كأنّ الحاسدَ إنَّما خلقَ ليغتاظَ .
761 - عقلُ الكاتبِ في قلمِه. -
762 - اقتصر من شهوةٍ خالفت عقلَك بالخلافِ عليها .
763 - اللهُم صُنْ وجهي باليسار، ولا تبذل جاهي بالإقتار، فأسترزقَ طالبي رزقِكَ، واستعطفَ شِرَارَ خلقك ، وأَبْتَلَى بحمد من أعطاني، وأفتِينَ بذمٌ من منعني، وأنتَ من وراء ذلكَ وليُّ الإعطاء والمنع ، إنَّكَ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ.
764 - كلُّ حقدِ حقدته قريشٌ على رسول الله صلی الله علیه وآۀه وسلم أظهرتُهُ فيَّ وستُظهِرُهُ في ولدي من بعدي، ما ليِ ولقريشِ! إنما وتَرْتُهُمْ بأمر الله وأمرِ رَسُولِهِ أفهذا جزاء مَنْ أطاعَ اللَّه وَرَسُولَهُ إِنكانوا مسلمينَ!
765 - عجباً لسعد وابن عمر! يزعمان أني أحاربُ على الدُّنيا، أفكانَ رَسُولُ الله صلی الله علیه وآله وسلم يحاربَ على الدنيا ! فإن زعما أنّ رَسُولَ الله حارب لتكسير الأصنام، وعبادةِ الرَّحمنِ ، فإنما حاربتُ لدفع الضلالِ والنَّهْي عن الفحشاء والفساد، أفمثلي يُزَنُّ بحبِّ الدُّنيا ! والله لو تمثلَتْ لي بَشَراً سويّاً لضربتُها بالسيفَ.
766 - اللهُمَّ أنتَ خلقتني كما شئت فارحمني كيف شِئْتَ، ووفّقني لطاعتكَ، حتى تكونَ ثقتي كلّها بك، وخَوْفي كله منكَ.
767 - لا تَسُبْنَّ إبليس في العلانيِّةِ وأنت صديقُهُ في السِّرِّ.
768 - من لم يأخذ أهبَة الصلاةِ قبلَ وقتها فما وقّرَها .
769 - لا تطمع في كلِّ ما تسمعُ .
770 - منْ عاتَبَ ووبَّخَ فقد استوفَى حقَّهُ.
771 - الجودُ الذي يستطاعُ أن يُتناوُل به كلُّ أحدٍ، هو أن ينوَى الخير لكلِّ أحدٍ .
772 - من صحبَ السلطانَ بالصحّة والنصيحِة كان أكثرَ عدوَّا مِمَّنْ صحبَهُ بالغشِّ والخيانة.
773 - من عابَ سَفِلةً فقد رفعه ، ومن عابَ كريماً فقد وضعُ نفسهُ.
774 - الموالى ينصرونُ، وبنو العمِّ يحسدونَ.
775 - الصدقُ عزّ والكَذِبُ مذلّةً، ومن عرف بالصدقِِ جازَ كذبُهُ ، ومَن عرفَ بالكذبِ لم يجز صدقُهُ.
776 - إذا سمعتَ الكلمة تُؤذيك فطأطِي: لها فإنّها تتخطَّاكَ.
777 - نحنُ نريدُ ألّا نموتَ حتى نتوبَ، ونحنُ لا نتوبُ حتى نموتَ.
778 - أنزِلِ الصديقَ منزلةَ العدُوّ في رفعِ المؤنةِ عنهُ، وأنْزِلِ العدُوَّ منزلةَ الصديِقِ في تحمُّل المؤنة لهُ.
779 - أوّلُ عقوبة الكاذب أن صدقَهُ يُرَدُّ عليه .
780 - الأدبُ عند الأحمقِ كالماءِ العذبِ في أصول الحنظلِ، كلما ازداد رِیَّا ازداد مرارةً.
781 - إيَّاكم وحميَّةَ الأوغادِ، فإنَّهُمْ يروْنَ العفو ضيْماً .
782 - الكريمُ لا يستقصي في مُحاقُّةِ المعتذرِ، خوفاً أن يجزي من لا يجدُ مخرجاً من ذنبه.
783 - العفو عن المقر لا عن المُصِر .
784- ما استغنى أحدٌ بالله إلا افتقرَ الناسُ إليه .
785 - منْ جادَ بمالهِ فقد جادَ بنفسِه، فإن لم يكن جادَ بها بعينها فقد جادَ بقوامها .
786 - الدِّينُ ميسمُ الكرام، وطالما وُقرَ الكرام بالدِّين !
787 - الماضي قبلكَ هوَ الباقي بعدَكَ، والتّهنئة بأجل الثوابِ أوْلَى مِنَ التَّعزيَةِ بعاجِلِ المُصاب.
788 - مِمَّا تكتسبُ به المحبّةُ أن تكون عالماً كجاهل، وواعظاً كموعوظ .
789 - لا تحمدنّ الصبيّ إذا كان سخيًّا، فإنّه لا يعرفُ فضيلةَ السخاءِ، وإنَّما يعطي ما في يده ضعفاً.
790 - خيرُ الإخوان من إذا استغنيت عنه لم يزد في الموَدَّة، وإن احتجت إليه لم ينقُصْكَ منها.
791 - عَجَباً للسلطانِ، كيف يُحْسِنُ، وهو إذا أساءَ وجد من يزكيه ويمدحُهُ!
792 - إذا صادقتَ إنساناً وجبَ عليكَ أن تكونَ صديقَ صديقِهِ، وليسَ يجبُ عليكَ أن تكونَ عدوَّ عدُوَّه، لأنّ هذا إنما يجِبُ على خادِمِهِ وليسَ يجب على مُماثِل له .
793 - ليس تكملُ فضيلة الرَّجُلِ حتَّى يَكونَ صديقاً لمتعادِيَين.
794 - منْ سَعادَةِ الحدِثِ ألا يتم له فضيلةٌ في رَذيلة.
795 - إذا مُنِعْتَ منْ شيءٍ قد التمسْتَه ، فليكن غيظك منه على نفسِك في المسألِة أكثَر من غظيكَ على من منعك . 796 - الأسخياء يشمتونَ بالبُخلاء عند المؤت، والبخلاءُ يَشمتونَ بالأسْخياء عند الفقرِ .
797 - ليسَ يضبطُ العددُ الكثير من لا يضبطُ نفسُه الواحدَةَ.
798 - إذا أحسَنَ أحدٌ من أصحابك فلا تخرج إليه بغاية برّكَ، ولكن اترك منه شيئاً تزيدُهُ إيَّاهُ عند تبينك منه الزيادة في نصيحتِهِ.
799 - الوُقوعُ في المكروه أسهلُ منْ تَوَقَّع المكُروهِ.
800 - الحسُودُ ظالِمٌ، ضعفتْ يدُهُ عن انتزاع ما حسدكَ عليه، فلما قصُرَ عليك بعثَ إليك تأسفهُ .
801 - أعمُّ الأَشياء نَفْعاً موتُ الأشرار.
802 - الشيءُ المعزّي للناسِ عنْ مَصائبهمْ عِلمُ العُلماء أنها نفعاءُ اضرارِيةٌ وتأسي العامَّةِ بعضها ببعض.
803 - العقلُ الإصابةُ بالظنّ ومعرفةُ ما لم يكن بما كانَ.
804 - يا عَجَباً للناس قد مكَّنَهم الله من الاقتداء به، فيدَعُون ذلك إلى الاقتداء بالبهائم!
805 - سلُوا القلوبَ عن الموداتِ، فإنها شُهودٌ لا تقبلُ الرِّشا .
806 - إنما يحزَنُ الحسدةُ أبداً لأنهم لا يحزنون لما ينزل بهم من الشرِّ فقط، بل ولما ينالُ الناس من الخيْرِ .
807 - العشقُ جهدٌ عارضٌ صادفَ قلباً فارغاً .
808 - تُعرَفُ خساسةُ المَرءِ بكثرة كلامِهِ فيما لا يَعنيِه، وإخباره عمَّا لا يُسْأَلُ عنه.
809 - لا تؤخِّر إنالةَ المحتاج إلى غدٍ، فإنّك لا تعرفُ ما يعرِض في غدٍ .
810 - إن تتعَب في البرّ، فإن التعب يَزُولُ والبرَّ يبقى .
811 - أجهلُ الجهالِ من عثرَ بحجرٍ مرتين .
812 - كفاكَ مُوبّخاً على الكذب عِلمُكَ بأنَّك كاذِبٌ، وكفاك ناهياً عنه خَوْفُكَ مِنْ تكذيبك حالَ إخباركَ.
813 - العالمُ يعرفُ الجاهِل لأنه كان جاهلاً، والجاهلُ لا يعرفُ العالم لأنُه لم يكن عالماً .
814 - لا تتكلوا على البَحْتِ فربما لم يكن وربما كان وزالَ، ولا على الحسَبِ فطالما كان بلاة على أهله ، يقالُ للنَّاقِص هذا ابن فلانٍ الفاضل، فيتضاعف غمه وعارُهُ، ولكن عليكم بالعلم والأدبِ، فإنّ العالم يُكرَمُ وإنْ لم ينتسب، ويكرم وإن كان فقيراً، ويكرم وإن كان حدِثاً .
815 - خيرُ ما عُوشرَ به الملكُ قلةُ الخلافِ وتخفيفُ المؤنة، وأصعبُ الأشياء على الإِنْسَان أن يعرف نفسه، وأن يكتم سرّهُ. 816 - العدلُ أفضلُ منَ الشجاعة، لأنَّ الناسُ لو استعملوا العدلَ عموماً في جميعهم لاستغنوا عن الشجاعة.
817 - أولى الأشياء أن يتعلمها الأحداث الأشياء التي إذا صاروا رجالاً احتاجُوا إليها .
818 - لا ترغب في اقتناءِ الأموالِ، وكيف ترغبُ فيما ينالُ بالبخت لا بالاستحقاق، ويأمر البخلُ والشرَهُ بحفظه والجود والزهد بإخراجِه!
819 – إذا عاتبت الحدَث فاترك لهُ موضعاً من ذنبه لثلاً يحملهُ الإخراجُ على المكابرة.
820 - ما انتقم الإنسانُ من عدوِّهِ بأعظم من أن يزداد من الفضائلِِ .
821 - إنما لم تجتمع الحكمة والمال، لعزّةِ وجُود الكمال.
822 - يَمنعُ الجاهل أن يجد ألم الحمق المستقرّ في قلبِه ما يمنع السكرانَ أن يجد مسَّ الشوكة في يدِه.
823 - القُنية مخدومةٌ، ومن خدمَ غير نفسِه فليس بحرِّ.
824 - لا تطلب الحياة لتأكُل، بل اطلبِ الأكل لتحيا .
825 - إذا رأتِ العامّة منازَل الخاصَّةِ من السلطانِ حسدتها عليها، وتمنّت أمثالها ، فإذا رات مصارعها بدا لها .
826 - الشيءُ الذي لا يستغني عنهُ أحدٌ هو التوفيق .
827 - ليْسَ ينبغي أن يقعَ التصديقُ إلا بما يصحُّ، ولا العملُ إلا بما يحلُّ، ولا الابتداء إلا بما تحسنُ فيه العاقبةُ.
828 - الوحدة خيرٌ من رفيق السوء.
829 - لكل شيءٍ صناعةٌ، وحسن الاختبارِ صناعةُ العقلِ.
830 - من حَسِدَك لم يشكرك على إحسانك إليه .
831 - البغيُ آخرُ مدّة الملوكِ .
832 - لأن يكون الحرُّ عبداً لعبيده خيرٌ من أن يكون عبداً لشهواتِه .
833 - من أمضى يومه في غير حق قضاه، أو فرضٍ أدَّاهُ، أو مجدٍ بناهُ، أو حَمْدٍ حَصَّلَهُ، أو خیرِ أسَّسَه، أو علم اقتبسهُ، فقد عقَّ يؤمهُ.
834 - أرسلَ إليهِ عمرو بن العاص يعيبه بأشياء، منها أنّه يسمي حَسَناً وحُسَيْناً : ولدي رَسُولِ الله صلی الله علیه وآله وسلم فقالَ لِرَسُولِهِ : قل للشّاني (1)ابن الشَّانيء، لو لم يكونا ولَدَيْه لكان أبترَ ، كما زعمه أبوك !
835 - قالَ معاوية لما قُتِلَ عمارٌ واضطربَ أهلُ الشام لرواية عمرو بن العاص كانت لهم : »تقتُلُه الفئةُ الباغيةُ»: إنّما قتله من أخرجهُ إلى الحرب وعَرَّضَه للقتل، فقال أميرُ المؤمنين علیه السلام: فرسولُ الله صلى الله عليه وآله و سلم إِذَنْ قاتِل حمزةَ !
836 - هذا يدي - يعني محمَد بن الحنفيّة - وهذان عينايَ - يعني حَسَناً وحُسَيْناً - وما زَال الإنسانُ يَذُبْ بِيَدِهِ عن عينيهِ، قالها لمن قال له : إنَّكَ تُعَرِّضُ محمّداً للقتل، وتقْذِفُ به في نحور الأعداءِ دونَ أَخَوَيه .
837 - شكَرْتَ الواهب، وبُورِك لك في الموهوب، ورُزِقْتَ خيره وبِرَّهُ، خذ إليك أبا الأملاك ، قالها لعبد الله بن العباس لما وُلِدَ ابنه علي بن عبدالله.
838 - ما يَسُرُّني أني كُفِيتُ أمرَ الدُّنيا كله، لأني أكره عادة العجز.
839 - اجتماع المالِ عند الأسخياء أحدُ الخِصْبَيْنِ، واجتماع المال عند البخلاء أحدُ الجَدْبَيْنِ.
1) الشانيء : المبغض. القاموس، مادة (شنا).
840 - َمنْ عَمِلَ عَمَلَ أبيه كُفِيَ نصف التَّعَبِ .
841 - المُصطَنِعُ إلى اللّئيم كمنْ طَوَّقَ الخِنزير تبراً ، وقَرَّط الكلب دُرا، وألبس الحمارَ وَشْياً، وألقم الأفعى شهداً .
842 - الحازم إذا أشكل عليهِ الرّأي بمنزلة من أضل لُؤْلُوةً، فجمع ما حول مسقطها مِنَ التراب ثم التمسها حتى وجدها ، ولذلك الحازِمُ يجمعُ وُجُوهَ الرّأي في الأمر المشكل، ثم يضرب بعضه ببعض حتى يخلص إليهِ الصَّوابُ .
843 - الأشْرَافُ يعاقبون بالهِجْرانِ لا بالحرمان.
844 - السُّحُ أَضَرُّ على الإنسانِ مِن الفَقْرِ، لأن الفقير إذا وجد اتسع، والشحيح لا يتسعُ وإن وَجَد.
845 - أحَبُّ الناس إلى العاقل أن يكون عاقلاً عَدُوُّهُ، لأنه إذا كان عاقلاً كان مِنْه في عافیة.
846 - عليك بمجالسة أصحاب التجارب، فإنها تُقَوَّمُ عليهم بأغلى الغلاء، وتأخذها مِنهم بأرخَص الرُّخص.
847 - مَن لم يحمَدْكَ على حُسْنِ النِّيّة لم يَشْكُرْكَ على جَمِيل العَطِيَّة .
848- لا تنكحوا النساء الحُسنهنَّ، فعسى حُسْنُهُنَّ أَن يُرْدِيَهِنَّ، ولا لأموالهنَّ فعسى أمْوالُهنَّ أن تُطْفِيَهُنَّ، وانكِحُوهُنَّ على الدِّين، ولأمَةٌ سَوْداءَ خَرْماءُ ذَاتُ دِين أَفْضَلُ .
849 - أفضَلُ العبادَةِ الإمساك عن المعصية، والوقوف عِند الشُبهَة.
850 - ذَمُ الرَّجل نفسه في العلانية مَدْح لها في السِّر.
851 - مَن عَدِم فَضِيلة الصدق في منطقِهِ فَقَدْ فُجِعَ بأَكْرَم أَخْلاقِهِ .
852 - ليس يضُرُّك أنْ تَرَى صديقك عند عدوك ، فإنه إن لم ينفعك لم يَضُرّكَ .
853 - قل أن تَرَى أحداً تكبَّرَ على من دونه إلا وبذلك المقدار يجودُ بالذُّلُّ لَمَنْ فَوْقَهُ.
854 - مَن عَظُمَتْ عَلَيْهِ مُصيبةٌ فلْيذْكُرِ المَوْتَ، فإنها تَهُونُ عَلَيْهِ، وَمَنْ ضاقَ بِهِ أَمْرٌ فَلْيَذْكُرِ القبر فإنه يتّسعُ .
855 - خَيْرُ الشَّعْرِ ما كان مَثَلاً ، وَخَيْرُ الأَمْثالِ ما لم يكن شعراً .
856 - الق الناس عند حاجتهم إليك بالبشر والتواضع، فإن نابتك نائبة، وحالَتْ بك حال لَقِيتَهُمْ ، وقَدْ أمِنت ذِلّة التنصل إليهم والتواضع .
857 - إن الله يحبُّ أن يُعفى عن زَلَّةِ السِّرِي.
858- من طال لِسانُه وحَسُن بَيانُهُ، فليترك التَّحدث بغرائِبِ ما سمع، فإنّ الحسد لِحُسن ما يظهرُ منهُ يحمِلُ أكْثَرَ الناس على تكذِيبه، ومَن عَرفَ أسرَارَ الأمورِ الإلهية فلْيَتْرُكِ الخوض فيها، وإلّا حملتهم المنافسة على تكفيرِهِ.
859 - لَيْسَ كلُّ مَكتومٍ يَسُوعَ إظهارُهُ لك، ولا كلُّ مَعْلُومٍ يَجوزُ أَن تُعَلَّمَهُ غَيْرك.
860 - ليسَ يفهَمُ كلامَكَ منْ كان كلامُهُ لك أحبَّ إليه مِنَ الاستماع منك ولا يعلَمُ نصيحتَكَ مَنْ عَلَب هواهُ على رَأْيِكَ، ولا يسلّمُ لكَ من اعتقد أنه أتم معرفة بما أشرتَ عليه به هم منك .
861 - خَفِ الضعيفَ إذا كان تحتَ راية الإنصاف أكثرَ من خوفك القويّ تحت راية الجورِ، فإنّ النضر يأتيه من حيث لا يشعر، وجُرحُه لا يندملُ .
862 - إخافةُ العبيد والتضييق عليهم يزيد في عبوديّتهم وصيانتِهم، وإظهارُ الثقةِ بهم يكسِبهم أنفةٌ وجبريّة .
863 - أضرُّ الأشياء عليك أن تُعلم رئيسك أنك أعرفُ بالرّياسة منه .
864 - عداوةُ العاقلينَ أشدُّ العداواتِ وأنكاها، فإنها لا تقع إلا بعد الإعذار والإنذار، وبعد أن يئس إصلاح ما بينهما .
865 - لا تخدِمَنْ رئيساً كنتَ تعرفُهُ بالحُمُولِ، وسمّتْ به الحالُ، ويعرف منك أنّكَ تعرفُ قديمهُ، فإنَّهُ وإن سُرّ بمكانكَ مِنْ خدمته، إلا أنه يعلَمُ العين التي تراه بها، فينقبضُ عنك بحسب ذلك .
866 - إذا احتجتَ إلى المشورة في أمر قد طرأ عليك فاستَبْدِهِ ببداية الشَّبان، فإنهم أحدّ أذهاناً وأسرَعُ حَدْساً ، ثم رُدَّهُ بعد ذلك إلى رأي الكهولِ والشيوخ ليستعقِبُوهُ، ويُحْسِنُوا الاختيار له، فإنّ تجربتهم أكثرُ .
867 - الإنسانُ في سعيه وتصرفاته كالعائم في اللجّةِ، فهو يكافح الجرية في إدباره، ويجري معها في إقبالِه.
868 - ينبغي للعاقل أن يستعمل فيما يَلتمِسهُ الرفقَ، ومُجانبة الهذَرِ ، فإن العَلَقَةَ تأخذ بهدوئها مِنَ الدَّمِ ما لا تأخذه البعوضة باضطرابها وفرط صياحها .
869 - أقوى ما يكونُ التصنعُ في أوائله، وأقوى ما يكون التطبع في أواخره.
870 - غاية المُروءة أن يستحيي الإنسان من نفسه، وذلكَ أَنَّهُ ليسَ العِلَّةُ في الحياءِ مِنَ الشيخ كِبَرَ سِنهِ ولا بياض لِحْيَتِه، وإنما عِلَّه الحياء منه عقله، فينبغي إن كان هذا الجَوْهَر فينا أنْ نستحيي منه ولا تُحضره قبيحاً .
871 - منْ ساس رعِيَّةً حَرُمَ عليه السُّكرُ عَقْلاً، لأنّهُ قبيحٌ أن يحتاجَ الحارسُ إلى من يحرسُهُ .
872 - لا تبتاعنَّ مملوكاً قوي الشهْوَةِ، فإنَّ له مولّى غيرك، ولا غَضُوباً فإِنَّهُ يُؤذِيكَ في استخدامِكَ له، ولا قَوِي الرَّأْي فإنه يستعمِلُ الحيلُةَ عليك، لكن اطلُب منَ العبيدِ مَنْ كانَ قَوِيَّ الجِسْمِ حَسنَ الطَّاعَةِ، شديدَ الحياءِ .
873 - لا تُعادوا الدُّولَ المُقبلة، وتُشرِبوا قلوبكم بُغْضَها، فتُدبِرُوا بإقبالها .
874 - الغَرِيبُ كالفرس الذي زايل شِرْبَهُ، وفارقَ أرضهُ، فهو ذاوٍ لا يتّقِد وذابِلٌ لا يُثمرُ .
870 - السفرُ قطعةٌ منَ العذابِ والرَّفيقُ السوء قطعةٌ منَ النَّارِ .
876 - كلُّ خُلُقٍ من الأخلاق فإنه يكسُدُ عندَ قوم مِنَ الناسِ إِلَّا الأمانة فإنها نافِقَةٌ عندَ أصنافِ الناس، يُفضّل بها من كانت فيه، حتى إن الآنية إن لم تُنشف وبَقِيَ ما يودَعُ فيها على حاله لم ينقُصْ - كانت أكثر ثناءً مِنْ غيرها مما يرشَّحُ أو يُنشِّفُ .
877 - اصْبِرْ على سلطانك في حاجاتِكَ، فلستَ أكبر شغله، ولا بك قِوامُ أمرِِهِ .
878 - قُوَّة الاستشعارِ من ضعفِ اليقينِ.
879 - إذا أحسسْتَ من رأيكَ بإكدادٍ ومِن تصورِكَ ،بفسادٍ، فاتّهم نفسك بمجالستِكَ لعامّي الطبع، أو لِسَيِّىء الفكْرِ ، وتدارك إصلاح مزاج تخيلك بمكاثرة أهل الحكمِة، ومجالسِة ذوي السدَاد، فإن مفاوضتهُمْ تريحُ الرَّأيَ المكدودَ ، وتردُّ ضالةَ الصواب المفقود.
880 - من جلس في ظلّ الملق(1)، لم يستقرَّ به موضعُه، لكثرة تنِقُّله وتصرُّفه معَ الطباعِ، وعرفَهُ النَّاسُ بالخديعة.
881 - كثيرٌ من الحاجاتِ تُقضَى بَرَماً لا كَرَماً .
882 - أصحابُ السلطان في المَثلِ كقومٍ رقوا جبلاً ثم سقطوا منه، فأقربُهُمْ إِلى الهَلَكَةِ والتَّلَفِ أبعدهم كان في المرتقَى .
883 - لا تضَعْ سِرَّكَ عند منْ لا سِرَّ له عندكَ .
884 - سَعَةُ الأخلاق كِيمياء الأرزاق.
885 - العلمُ أفضلُ الكُنُوزِ وأجملها ، خفيفُ المحمَلِ ، عظيمُ الجدوى، في الملا جمالٌ، وفي الوحدةِ أنسٌ.
1) المَلَق : الودّ واللطف الشديد، وقيل: الترفق والمداراة اللسان، مادة (ملق).
886 - السِّبابُ مُزَاحُ النّوْكَى (1)، ولا بأس بالمفاكهة، يُرَوِّحُ بها الإنسانُ عن نفسه، ويَخْرُجُ عن حدّ العُبُوسِ .
887 - ثلاثة أشياء تدلُّ على عقول أربابها : الهَدِيَّةُ والرَّسُولُ، والكتابُ.
888 - التعزية بعد ثلاث تجديد للمصيبة، والتهنئةُ بعدَ ثلاثٍ استخفافٌ بالمودَّةِ.
889 - أنتَ مخيَّرٌ في الإحسانِ إلى من تحسنس إليه، ومرتَهَنَّ بدوام الإحسان إلى منْ أحسنتَ إلِيه، لأنّكَ إنْ قطعته فقد أهدرته، وإن أهدرته فلمَ فعلتُهُ!
90 - الناس مِن خوف الذُّل في ذُلّ .
891 - إذا كانَ الإيجازُ كافياً كان الإكثارُ عِيًّا، وإذا كان الإيجازُ مقصِّراً كان الإكثارُ واجباً .
892 - بنسَ الرّادُ إلى المَعادِ، العُدوانُ على العِبادِ.
893 - الخلقُ عِيالُ الله ، وأحبُّ النَّاس إلى الله أشفقهم على عياله.
894 - تحريك الساكن أسهل من تسكينُ المتحرِّك .
895 - العاقلُ بخشونِة العيش معَ العُقلاء، آنسُ منه بلينِ العيش مع السُّفهاء.
896 - الانقباضُ بين المنبسطين يُقلّ، والانبساطُ بين المنقبضين سخفٌ.
897 - السخاءُ والجودُ بالطعامِ لا بالمال، ومن وهب ألفاً وشَع بصحفة طعامٍ فليسَ بجوَادٍ.
898 - إن بقيت لم يبقَ الهمُّ.
899 - لا يقومُ عن الغضب بذلَّةِ الاعتذارِِ .
900 - الشفيعُ جناحُ الطالب.
901 - الأملُ رفيقٌ مُؤنِسٌ، إن لم يبلِّغكَ فقد استمتَعْتَ به.
902 - إعادة الاعتذار تذكيرٌ بالذَّنْبِ .
903 - الصبرُ في العواقِبِ شافٍ أو مريحٌ.
904 - من طالَ عمرُهُ، رأى في أعدائه ما يسرُّهُ.
905 - لا نعمةَ في الدُّنيا أعظمُ من طول العمر، وصحّةِ الجسدِ.
906 - الناسُ رجلان: إمّا مُؤجّلُ لفقد أحبابه، أو معجّلٌ بفقِد نفسه .
1) التوكى : الحمقى، مفرده : أنوك ، اللسان، مادة (نوك).
907 - العقلَ غريزةٌ تربَّيها التّجارِبُ.
908 - النُّصْحُ بين الملأ تقريعٌ.
909 - لا تُنكِحْ خاطبَ سِركَ .
910 - منْ زادَ أدبُهُ على عقله كان كالرّاعي الضعيفِ معَ الغنمِ الكثير .
911 - الدَّارُ الضّيّقةُ العمى الأصغرُ.
912 - النَمّام جسرُ الشرِّ.
913 - لا تَشِن وجه العفو بالتقريع.
914 - كثرة النصح تهجم بك على كثرة الظُّنَّة .
915 - لكلّ ساقطة لاقطة .
916 - ستساق إلى ما أنت لاق.
917 - عاداك من لاحاك.
918 - جَدّك لا كدّك .
919 - تذكر قبل الوزدِ الصدَرَ، والحذر لا يغني من القدر والصبر من أسباب الظفر .
920 - عارُ النساء باقي يلحق الأبناء بعد الآباء.
921 - أعجل العقوبةِ عقوبةُ البغي والغدر واليمين الكاذبة، ومنْ إذا تُضُرّعَ إليهِ وسُئِلَ العفو لم يغفر .
922 - لا تردّ بأس العدُوّ القويّ وغضبه بمثل الخضوع والذل، كسلامة الحشيش منَ الريح العاصف بانثنائه معها كيفَما مالت .
923 - قارِب عدوّك بعض المقاربةِ تنل حاجتك، ولا تُفرط في مقاربته فتذلّ نفسك وناصرك، وتأمَّل حال الخشبة المنصوبة في الشمس التي إن أمَلتها زاد ظلها، وإن أفرطت في الإمالة نقص الظلّ .
924 - إذا زال المحسود عَلَيْهِ علمت أن الحاسد كان يَحْسُدُ على غير شيء.
925 - العجز نائم، والحزم يقظان.
926 - من تجرًا لَكَ تجرًا عَليك .
927 - ما عفا عن الذنب مَن قَرّع بِهِ.
928 - عبد الشهوة أذلُّ من عبد الرّقّ .
929 - لَيْسَ ينبغي للعاقل أن يطلب طاعة غيره، وطاعةُ نفسه عَلَيْهِ مُمْتَنِعَةٌ .
30 - الناسُ رَجلان: واجد لا يكتفي، وطالب لا يجد.
931 - كُلّما كثر خُزّان الأسرار، زادت ضياعاً .
932 - كثرة الآراء ،مفسدة كالقِدْرِ لا تطيب إذ كثر طَبّاخُوها .
933 - مَن اشتاق خَدَمَ ومَن خَدم اتَّصَل، ومَن اتّصل وصل، ومَن وصَل عَرّف.
934 - عَجَباً لِمَنْ يخرج إلى البساتين للفُرْجَةِ على القُدْرَة، وَهَلاً شَغَلَتْهُ رُؤْيَةُ القَادِرِ عَن رُؤْيَةِ القدرة !
935 - كلُّ الناسِ أُمِرُوا بأنْ يَقُولُوا: لا إله إلا الله ، إلا رسول الله ، فإِنَّهُ رُفِعَ قَدْرُهُ عَن ذلك ، وقيل لَهُ : (فَاعَتِرَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله) (1)، فأُمِرَ بالعِلْمِ لا بالقَوْلِ .
936 - كُلُّ مُصطنع عارفةٍ فإنَّما يصنع إلى نفسه، فلا تلتمس من غيرك شكر ما أتيَتَه إلى نفسك وتمَّمْت به لذَّتَكَ، ووقيْتَ بهِ عِرْضَك.
937 - ولَدُكَ رَبْحانَتُك سَبْعاً، وخادِمُك سَبْعاً، ثمّ هُوَ عَدُوّك أو صديقك .
938 - مَن قَبِل معرُوفكَ فَقَدْ بَاعَكَ مُرُوءَتَهُ .
939 - إلى الله أشكو بلادة الأمين ويقظة الخائنِ.
940 - من أكثر المشورة لم يَعْدَم عند الصواب مادحاً، وعند الخطأ عاذِراً .
941 - من كثر حقده قَلَّ عتابُهُ .
942 - الحازمُ مَن لم يَشْغَلْهُ البَطرُ بالنعْمَةِ عَن العمل للعاقِبَةِ، والهم بالحادِثَةِ عن الحيلةِ لدفعها.
943 - كلّما حَسُنتْ نِعْمَةُ الجَاهِلِ ازْدَادَ قُبْحاً فيها .
944 - مَن قَبلَ عَطاءَك فقد أعانك على الكرم، ولولا مَن يَقْبلُ الجودَ لم يكُنْ مَن يَجُودُ .
945 - إخوان السوء كشجرةِ النار، يُحرق بعضها بعضاً .
946 - زلة العالم كانكسار السفينةِ تغرق ويَغْرَقُ معها خلق .
947 - أهْوَنُ الأَعْدَاءِ كَيْداً أظهرهم لِعَدَاوَتِه .
948 - ابْقِ لِرِضاكَ مِنْ غَضَبِك، وإذا طِرْتَ فَقَعْ قَرِيباً .
949 - لا تَلْتَبِسْ بالسُّلْطانِ في وقتِ اضْطِرابَ الأُمُورِ عَلَيْهِ، فإنّ البَحْر لا يكاد يسلمُ صاحِبُهُ في حالِ سُكُونِهِ، فكيف يسلم مَع اختلاف رياحِه واضطرابِ أمْواجِهِ!
1) سورة محمد، الآية : 19 .
950 - إذا خُلِّي عِنان العقل، ولم يحبس على هوى نفسٍ، أو عادةِ دينٍ، أو عصبيَّة لسلف ،ورد بصاحِبه على النجاة.
951 - إذا زادك المُلك تأنيساً فزده إجلالاً .
952 - من تكلَّف ما لا يعنيه فاته ما يعنيه .
953 - قليلٌ يُتَرَنّى مِنه إلى كثيرٍ خَيْرٌ مِن كثيرٍ ينحط عَنْهُ إلى قليل .
954 - جَنبُوا مَوتاكم في مدافِنهم جار السُّوءِ، فإنّ الجارَ الصالح يَنْفَعُ في الآخِرَةِ كما ينفعُ في الدُّنيا .
955 - زُر القُبورَ تَذكر بها الآخرة، وغسل الموتى يتحرَّك قلبك ، فإنّ الجسد الخاوي عظةٌ بليغةٌ، وصلّ على الجنائز لعلّهُ يُحْزِنكَ، فإنَّ الحزين قَرِيبٌ منَ الله .
956 - الموتُ خيرٌ لِلْمُؤْمِنِ والكافر، أمَّا المؤمنُ فيتعجّل له النعيم، وأمَّا الكافرُ فيقلٌ عذابه، وآيةُ ذلك من كتاب الله تعالى : (وَمَا عِندَ الله خير لِلْأَبْرَارِ)(1)،(ولا تحسبن الذينَ كَفَرُوا أنما نُعلي لم خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَمْ لِيَزْدَادُوا إِنْمَا) (2).
957 - جَزعُك في مُصيبَةِ صديقك أحْسَنُ مِنْ صَبْرِك، وصبْرُك في مُصيبتِكَ أحْسَنُ من جَزَعِك .
958 - مَنْ خاف إساءَتكَ اعتقد مَسَاءَتَكَ ، ومَن رهِبَ صَوْلَتَكَ ناصَبَ دَوْلَتك .
959 - من فَعَلَ ما شاءَ لَقِيَ ما شاءَ .
960 - يَسُرُّني مِن القُرْآنِ كَلِمَةٌ أَرْجُوها لَمِنْ أَسْرَفَ على نَفْسِهِ (وَقَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) (3)فَجَعَلَ الرَّحْمَةَ عُمُوماً والعَذَابَ خُصُوصاً .
961 - الاسْتِثثارُ يُوجِبُ الحسد والحَسَدُ يوجب البِغْضَةَ، والبغضةُ تُوجِب الاخْتِلاف، والاختلافُ يوجب الفرقَةً، والفرقةُ توجب الضعف، والضَّعفُ يوجب الذلّ، والذُلُّ يوجب زَوال الدَّولةِ، وذهاب النِّعْمَةِ.
962 - لا يكاد يَصحّ رُؤيا الكذَّابِ، لأنه يخبرُ في اليقظة بما لم يكن، فأخرِ بِهِ أن يرى في المنام ما لا يكون.
963 - يُفسدك الظَّنُّ على صديقٍ قَدْ أصلحك اليقين لهُ .
964 - لا تكادُ الظُّنون تزدحم عل أمر مستور إلا كشفته .
965 - المشورة راحةٌ لَكَ وتعب على غَيْرِك .
966 - حقُّ كلّ سرّ أن يصان، وأحقُّ الأسرار بالصيانة سرُّك مع مولاك ، وسِرُّهُ مَعَك، واعلم أنَّ مَن فَضَح فُضِح ، ومَن باح فَلِدَمِهِ أباح .
967 - يا مَنْ ألَم بجناب الجلال، احفظ ما عرفت واكتم ما استودعت، واعلم أنك قَدْ رشحت لأمْرِ فافطن له، ولا ترض لِنَفْسِك أن تكون خائناً ، فمن يُؤدِّ الأمانة فيما استودع، أخلَقُ الناس بسمة الخيانة، وأجدرُ الناس بالإبعاد والإهانة !
968 - لا تعامل العامة فيما أنعم به عليك من العلم، كما تعامل الخاصّةَ، واعلم أن الله سبحانه رجالاً أوْدَعَهُمْ أسراراً خفيةً ، ومَنَعَهُمْ عن إشاعتها، واذكرْ قَوْلَ العَبْدِ الصالح لموسى وقد قال له : هل أتَّبِعُك على أن تعلمن مما عُلِّمْتَ رُشْداً . قال : إنك لن تستطيع معي صبراً، وكيف تَصْبِرُ على ما لَمْ تُحِطْ به خبراً !
969 - لكلِّ دارٍ ،بابٌ، وباب دار الآخرة الموت.
970 - إن لك فيمن مضى من آبائك وإخوانك لعبرةً، وإن ملك الموت دخل على داودَ النبيّ ، فقال : مَنْ أنت؟ قال: مَن لا يهاب الملوك، ولا تمنُع منه القصور، ولا يَقْبَلُ الرّشا قالَ : فإذَنْ أنت ملك الموت جئت، ولم أستعِدّ بعد! فقال : فأين فلان جارُك، أين فلان نسيبك؟ قال: ماتُوا قال ألم يكن لك في هؤلاء عبرة لتستعدَّ!
971 – ما أخسر صفقة الملوك إلّا من عصم الله، باعوا الآخرة بِنَوْمَةٍ .
972 - إن هذا الموت قد أفسد على الناس نعيم الدنيا، فما لكم لا تلتمسون نعيماً لا موت بعده!
973 - انظر العمل الذي يسرّك أنْ يأتيك الموت وأنت عليه فافعله الآن، فلستَ تأْمَنُ أن تموت الآن.
974 - لا تَسْتَبْطِى القيامةَ فتَسكن إلى طول المدة الآتية عليك بعد المَوْت، فإنك لا تُفرّق بعد عودك بين ألف سنةٍ وبين ساعةٍ واحدةٍ، ثم قرأ: (وَيَوْمَ يَحْضُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ ا) (1)الآية .
975 - لا بدَّ لك من رفيق في قَبرك، فاجعله حَسن الوجه طيب الريح، وهو العمل الصالح .
976 - رُبَّ مُرْتاحٍ إلى بلد وهو لا يدري أن حمامه في ذلك البلد .
1) سورة يونس الآية: 45 .
977 - الموت قانص يُصمي ولا يشوي.
978 - ما من يَوْمِ إلا يتصفح ملك الموت فيه وجوه الخلائق، فمن رآه على معصية أو لهو ، أو رآه ضاحكاً فرحاً ، قال لهُ يا مسكين : ما أغفلك عما يُرَادُ بك! اعمل ما شئت، فإن لي فيك غمرة أقطع بها وتينَك.
79 - إذا وُضع الميِّتُ في قَبره اعتورَته نيرانٌ أربعُ، فتجيءُ الصلاة فتظفيء واحدَةً، ويجيءُ الصومُ فيطفىءُ واحدةً، وتجيء الصدقة فتطفِىءُ واحدةً، ويجيء العِلم فيظفِي الرَّابعةَ، ويقول : لو أدركتهنَّ لأطفاتهنَّ كلّهنَّ، فقَرَّ عيناً فأنا معك، ولن ترى بؤساً .
980 - استجيروا بالله تعالى، واستخيروه في أموركم، فإنه لا يُسلِم مستجيراً، ولا يحرم مُستخيراً .
981 - ألا أدلُّكم على ثمرة الجنة ! لا إله إلا الله بشرط الإخلاص.
982 - مِنْ شَرف هذه الكلمة وهي الحمد لله . أنّ الله تعالى جعلها فاتحةً كتابه، وجعلها خاتمةً دَعْوى أهل جنيه، فقال: ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَنهُمْ أَن تلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )(1).
983 - ذَاكِرُ الله في الغافلين كالشجرةِ الخضراء في وسط الهشيم، وكالدَّار العامرة بين الرُّبوع الخربة.
984 - أفضلُ الأعمال أن تموت ولسانُكَ رطبٌ بذكر الله سبحانُه .
985 - الذِّكر ذِكرانِ: أحدُهما ذكر الله وتحميدُه، فما أحسنَه وأعظم أجره! والثاني ذكر الله عندما حرَّم الله وهو أفضلُ من الأوّل!
986 - ما أضيقَ الطريق على من لم يكُن الحقُّ تعالى دليله، وما أوحشها على من لم يكن أنيسه ! ومن اعتزّ بغير عزّ الله ذلّ، ومن تكثّر بغير الله قلِّ.
987 - اللهمَّ إن فههتُ عن مسألتي، أو عمهتُ عن طلبتي، فدُلَّني على مصالحي، وخذ بناصيتي إلى مراشدي . اللهمَّ احملني على عفوك ولا تحملني على عدلكَ.
988 - مُخّ الإيمان التقوى والورعُ، وهما من أفعال القلوبِ، وأحسنُ أفعال الجوارح الا تزال مالياً فاك بذكِرِ الله سبحانه .
989 - اللهمّ فرّغني لما خلقتني لهُ، ولا تشغلني بما تكفّلت لي به، ولا تَحْرِمني وأنا أسْأَلُك، ولا تعذبني وأنا أستغفرك.
1) سورة يونس الآية : 10 .
990 - سُبحان من ندعوهُ لحظِّنا فيسرعُ! ويدعونا لحظِّنا فنبطىءُ ! خيره إلينا نازلٌ، وشرُّنا إليه صاعٌد، وهو مالك قادِرٌ .
991 - اللهمّ إنا نعوذُ بك منْ بَياتِ غفلة وصباح ندامةٍ.
992 - اللهمّ إني أستغفرك لما تبت منهُ إليك ثمّ عدت فيه، وأستغفركَ لما وعدتُك من نفسي ثمّ أخلفتك، وأستغفرك للنعم التي أنعمت بها علي فتقوّيتُ بها على مَعْصِيَتِكَ.
993- اللهمّ إني أعوذُ بك أن أقولَ حقَّا ليس فيه رضاكَ التمسُ به أحداً سِواكَ، وأعوذُ بك أن أتزيّن للناس بشيء يشينني عندَك ، وأعوذُ بك أن أكون عبرة لأحدٍ من خلقك، وأعوذُ بك أن يكون أحدٌ من خلقك أسعد بما علَّمْتَني مِنّي .
991 - يا من ليسَ إلا هو، يا من لا يعلمُ ما هو إلا هو، اعف عنّي.
995 - اللهمّ إن الآمال مَنوطةٌ بكرمك، فلا تقطع علائقها بسخطك. اللهم إني أبرأ من الحول والقوّة إلّا بك، وأذرأ بنفسي عن التوكل على غيركَ.
996 - اللهم صلِّ على محمّد وآل محمّدٍ، كلما ذكرهُ الذاكرونَ ،وصلّ على محمد وآل محمّدٍ كلما غَفَل عن ذكره الغافلون. اللهم صل على محمد وآل محمدٍ عَدَدَ كلماتك، وعددَ معلوماتك صلاة لا نهاية لها، ولا غاية لأمدها .
997 - سبحانَ الواحد الذي ليس غيره ، سبحان الدائم الذي لا نفاد لهُ، سبحانَ القديم الذي لا ابتداءَ لهُ، سبحانَ الغنيّ عن كلِّ شيء ولا شيء من الأشياء يغني عنه!
998 - يا الله يا رحمنُ يا رحيمُ يا حَيُّ يا قيُّومُ يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرامِ اعفُ عَنّي .
وهذا حِين انتهاءِ قولنا في شَرح نهج البلاغة، ولم ندركُ ما أدركناه منه بقوتنا وحولنا، فإنّا عاجزون عمَّا هو دُونُه، ولقد شرفنا فيه وإنَّهُ لفي أنفسنا كالطَّوْدِ (1)الأَمْلَسِ تَزِلُّ الوُعولُ العُصْمُ قذَفاتِه ، بل كالفلك الأطلس لا تبلغ الأوهامُ والعُقولُ إلى حدودِ غاياته، فما زالت معونةُ الله سبحانهُ وتعالى تُسَهْلُ لنا حَزنَه، وتذلُّل لنا صعبَهُ، حتَّى أصحَبَ أبيهُ، وأطاعَ عَصيه، وفُتِحَتْ علينا - بحُسن النّيّة وإخلاص الطَّوِيةِ - في تصنيفِه أبوابُ البركات، وتيسَّرَت علينا مطالب الخيرات، حتَّى لقد كان الكلامُ ينثال علينا انثيالاً، ويُواتينا بَديهَةً وارتجالاً ، فَتَمَّ تصنيفه في مدَّةٍ قدرها ، أربع سنين وثمانية أشهر وأوّلها غرة شهر رجب من سنة أربع وأربعين وستمائة . وآخرُها سَلْخ صفر من سنة تسعٍ وأربعين وستمائة، وهو مقدار مدَّة خلافة أمير المؤمنين علیه السلام ، وما كان
1) الطَّود الجبل . القاموس، مادة (طود).
في الظنَّ والتقدير أنّ الفراغَ منهُ يقعُ في أقلّ من عشر سنينَ، إلّا أنّ الألطاف الإلهية والعنايَةَ السماوية، شملتنا بارتفاع العوائق، وانتفاء الصَّوارفِ وشحذَتْ بصيرتنا فيه، وأرهفت همَّتنا في تشييد مبانيه، وتنضيد ألفاظه ومعانيه .
وكان لسعادة المجلس المؤلوِيّ المُؤيّدي الوزيري أجرى الله بالخير أقلامهُ، وأمضى في طُلَى (1)الأعداء حُسامهُ في المعونة عليه أوفَرُ قِسط، وأوفى نصيب وحظ، إذ كان مصنوعاً لِخزانتهِ ، ومَوْسُوماً بِسِمَته، ولأنَّ همتهُ أعلاها الله ما زالت تتقاضى عنده بإتمامه، وتحثُّهُ على إنجازه وإبرامه ، وناهيك بها من همةٍ راضَتِ الصَّعب الجامع، وخَفَّفَتِ العِبة الفادح، ويَسِّرْت الأمر العسير، وقطعت المدى الطَّويل في الزّمن القصير.
وقد استعملتُ في كثير من فصوله فيما يتعلَّق بكلام المُتكلمين . والحُكماءِ خاصة ألفاظ القوم، مع علمي بأنّ العربية لا تُجيزها ، نحو قولهم المحسوسات، وقولهم : الكلُّ والبَعْضُ، : وقولهم : الصفات الذاتية ، وقولهم : الجُسْمانيات، وقولهم : أما أوّلاً فالحال كذا، ونحو ذلك مما لا يخفى عمَّنْ له أدنى أنس بالأدب، ولكنَّا استهجنا تبديل ألفاظهم وتغيير عباراتهم، فمنكلّم قوماً كلّمهم باصطلاحِهم، ومَن دخل ظَفارِ حَمَّرَ .
والنسخةُ التي بُنيَ هذا الشرحُ على نصها أتمُّ نسخةٍ وجدتُا بنهج البلاغة، فإنها مشتملةٌ على زياداتٍ تخلو عنها أكثرُ النسخ.
وأنا أستغفرُ الله العظيم من كلِّ ذنب يُبْعِدُ من رحمتِهِ، ومن كل خاطرِ يدْعُو إلى الخروج عن طاعته، وأستَشفعُ إليه بمن أنصبتُ جسدي، وأسهرْتُ عيني وأعملت فكري، واستغرَقْتُ طائفةٌ من عمري، في شرح كلامِهِ، والتَّقَرُّبِ إلى الله بتعظيم منزلته ومقامه، أن يعتق رقبتي من النَّارِ، وألّا يبتليني في الدُّنيا ببلاءِ تَعْجَرُ عنه قُوَّتي، وتَضَعفُ عنه طاقَتِي، وأن يصون وجهي عن المخلوقين، ويَكُفَّ عَنِّي عادِيَة الظالمين، إنه سَمِيعٌ مُجِيبٌ ، وحَسْبُنا الله وحده وصلواته على سينا محمد النبي وآله وسلامه .
آخر الجُزء العشرين تمَّ الكتاب
1) العُلى الأعناق. اللسان، مادة (طلي).
الجزء التاسع عشر
فصل: بعض ما قيل في الحياء ...25
نُبذّ عن شجاعة عليّ علیه السلام...34
خبر غزوة الخندق...36
من غريب كلام الإمام علي وشرحه لأبي عبيد..63
من غريب كلام الإمام علي وشرحه لابن قتيبة...68
خطبة الإمام علي علیه السلام الخالية من الألف...77
بعض ما قيل في صحبة السلطان...82
بعض ما ورد في تقلبات الدهر ...97
بعض ما ورد في حمد القناعة وقلة الأكل...101
بعض ما قيل في الوعد والمطل ...135
بعض ما قيل في حال الدنيا وصروفها...155
النهي عن المنكر...167
بعض ما ورد في الجود والبخل..172
بعض ما قيل في حال الدنيا...178
بعض ما قيل في الفخر...194
نوادر حول الأسماء والكني...201
أخبار حول العين والطيرة والفأل والسحر والعدوى...206
أخبار حول مذاهب العرب وتخيلاتها...213
الجزء العشرون
مع أبي المعالي الجويني في أمر الصحابة والرد عليه...251
أخبار عمار بن ياسر ونسبه ..268
بعض ما قيل في مدح العقل..271
في ماهية التوبة وشروطها ..279
عبدالله بن الزبير : نسبه وبعض أخباره ...301
بعض ما قيل في الفخر وقبحه ...331
مع علي بن أبي طالب علیه السلام حول أشعر الشعراء...332
اختلاف العلماء في تفضيل بعض الشعراء على بعض ...333
بعض ما ورد في الكنايات وبعض الشواهد عليها ...352
خبر عن امرئ القيس ...370
في التفضيل بين الصحابة...374
بعض ما قيل من الشعر في الشيب والخضاب...378
الحكم المنسوبة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام...392