ghaemiyeh.com
بحر الفوائد في شرح الفرائد
سایر عناوین: فرائد الاصول. شرح / الرسائل
شارح: آشتیانی، محمدحسن بن جعفر
سایر نویسندگان
نویسنده: انصاری، مرتضی بن محمدامین
زير نظر: عاملی، جعفر مرتضی
محقق: لجنة إحیاء التراث العربی
تعداد جلد: 8
زبان: عربی
ناشر: مؤسسة التاريخ العربي - بیروت - لبنان
سال نشر: 1429 هجری قمری|2008 میلادی
کد کنگره: /الف8 ف40225 1387 159 BP
محرر رقمی میثم حیدری
بحر الفوائد في شرح الفرائد
مؤسسة التاريخ العربي - بیروت - لبنان
بسم الله الرحمن الرحيم
و هو من وجوه بعضها يختص بإثبات حجية خبر الواحد و بعضها يثبت حجية الظن مطلقا، أو في الجملة فيدخل فيه الخبر.
أمّا الأول و هو حجية خبر الواحد فتقريره من وجوه:
أولها ما اعتمدته سابقا (1) و هو أنّه لا شك للمتتبع في أحوال الرواة المذكورة في تراجمهم في كون أكثر الأخبار، بل جلها إلاّ ما شذ و ندر
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ المعلوم صدوره تفصيلا من الأخبار بالتّواتر بأقسامه أو القرينة بأقسامها خارج عن أطراف العلم الإجمالي، فالمعلوم صدوره من الأخبار الكثيرة إنّما هو في ضمن غير المعلوم صدوره تفصيلا.
فمحصّل هذا الوجه أنّا نعلم إجمالا بصدور أكثر ما بأيدينا من الأخبار الّتي لا نعلم تفصيلا بصدورها، و لا طريق لنا إلى تشخيص الصّادر عن غيره، فيجب إمّا الاحتياط و الأخذ بكلّ ما يحتمل صدوره و لو موهوما على ما يقتضيه العلم الإجمالي بحكم العقل أو الأخذ بما ظنّ صدوره منها بعد فرض قيام الدّليل على بطلان الاحتياط الكلّي.
و القول بأنّ ما أفاده قدّس سرّه في تقريب العلم الإجمالي لا يفيد العلم أصلا بعد فرض عدم التّواتر و القرينة، ضرورة أنّ الأخبار المفروضة ليست في واقعة واحدة و إنّما هي في وقائع مختلفة متعدّدة لا ارتباط بينها أصلا كلّها مرويّة بسند واحد، فيلاحظ كلّ خبر بنفسه من غير أن يكون له تعلّق بخبر آخر في قضيّة أخرى، غاية ما هناك كونها مظنون الصّدور بالظّن الاطمئناني بعد ملاحظة كيفيّة ورودها إلينا و اهتمام المشايخ في شأنها و أخذها و إيداعها في أصولهم.
صادرة عن الأئمة عليهم السلام و هذا يظهر بعد التأمل في كيفية ورودها إلينا و كيفية اهتمام أرباب الكتب من المشايخ الثلاثة و من تقدمهم في تنقيح ما أودعوه في كتبهم، و عدم الاكتفاء بأخذ الرواية من كتاب و إيداعها في تصانيفهم حذرا من كون ذلك الكتاب مدسوسا فيه من بعض الكذابين.
فقد حكي عن أحمد بن محمد بن عيسى أنّه قال: «جئت إلى الحسن بن علي الوشاء و سألته أن يخرج إلى كتابا لعلاء بن رزين و كتابا لأبان بن
الشرح
و أين هذا من العلم الإجمالي بصدور أكثرها أو كثير منها و إن هي إلاّ نظير الأخبار الكثيرة الواردة على الشّخص في القضايا المتعدّدة المختلفة الغير المربوطة بعضها ببعض من غير أن يكون مرجعها إلى تعيين ما اتّفقوا على وقوعه حتّى يرجع إلى تواتر القدر المشترك، و إلاّ فيخرج عن الفرض، ضرورة أنّه لا فرق بين خبر واحد في قضيّة شخصيّة و لو كان راويه عدلا إماميّا ضابطا و بين أخبار كثيرة غاية الكثرة في وقائع مختلفة و لو كانت من ثقات محتاطين في النّقل، فإن أفادت العلم بالصّدور فلا بدّ أن يفيد العلم به أيضا و هو خلف، مع أنّه على هذا التّقدير الفاسد لا بدّ أن يكون معلوم الصّدور تفصيلا، لا أن يكون بعضها معلوم الصّدور إجمالا فيتردّد بين الجميع فاسد جدّا، إذ الكلام بعد العلم ببيان النّبي صلى اللّه عليه و آله و الوصيّ جميع ما يحتاج إليه الأمّة في الوقائع لأهل زمانهما و إيجابهما تبليغ الشّاهد و اهتمام كلّ طبقة على نقل ما سمعوه و لو بوسائط و عدم اندراس تمام ما بيّنه النّبي و الوصيّ صلوات اللّه عليهما، و وجود ما ثبت منهما فيما وصل إلينا من أخبار الكتب من جهة ما أفاده قدّس سرّه من الشّواهد و القرائن بحيث لا يحتمل كون تمام ما بأيدينا غير ما صدر عن المعصوم عليه السلام في بيان الأحكام بحيث اختفى تمامه علينا، و يكون تمام ما وصل إلينا من الأخبار المكذوبة عليهم السّلام.
نعم لا ينكر اختفاء البعض، كما لا ينكر احتمال وجود بعض الأخبار المكذوبة
عثمان الأحمر فأخرجهما فقلت: أحب أن أسمعهما، فقال لي رحمك اللّه ما أعجلك اذهب فاكتبهما و أسمع من بعد، فقلت له: لا آمن الحدثان فقال لو علمت أن الحديث يكون له هذا الطلب لاستكثرت منه، فإني قد أدركت في هذا المسجد مائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد عليه السلام»(1).
و عن حمدويه عن أيوب بن نوح أنه دفع إليه دفترا فيه أحاديث محمد بن سنان، فقال: «إن شئتم أن تكتبوا ذلك فافعلوا فإني كتبت عن محمد بن سنان، و لكن لا أروي لكم عنه شيئا، فإنه قال قبل موته كل ما حدثتكم به فليس بسماع و لا برواية و إنما وجدته»(2).
فانظر كيف احتاطوا في الرواية عمن لم يسمع من الثقات و إنما وجد في الكتب و كفاك شاهدا أن علي بن الحسن بن فضال لم يرو كتب أبيه الحسن عنه مع مقابلتها عليه، و إنما يرويها عن أخويه أحمد و محمد عن أبيه و اعتذر عن ذلك بأنه يوم مقابلته الحديث مع أبيه كان صغير السن ليس له كثير
الشرح
فيما بأيدينا، و هذا لا ينافي العلم الإجمالي بصدور كثير منها أو أكثرها، بل لا ينافيه العلم بالاختفاء في الجملة و وجود الأخبار المكذوبة عليهم فيما بأيدينا في الجملة كما هو واضح فقياس المقام بالأخبار الكثيرة الواردة في الوقائع المختلفة قياس مع الفارق، فالّذي يقاس به المقام ما لو علم بصدور أحكام كثيرة من سلطان لم نسمعها منه، و لكن نقلت إلينا بوسائط ثقات محتاطين في النّقل مع شدّة اهتمامهم في الضّبط، فإنّه يعلم إجمالا بأنّ تلك الأخبار مشتملة على ما صدر من السّلطان و من أنكره، فإنّما ينكره باللّسان و قلبه مطمئنّ بالإيمان.
معرفة بالروايات فقرأها على أخويه ثانيا(1).
و الحاصل: أن الظاهر انحصار مدارهم على إيداع ما سمعوه من صاحب الكتاب أو ممن سمعه منه فلم يكونوا يودعون، إلاّ ما سمعوا و لو بوسائط من صاحب الكتاب و لو كان معلوم الانتساب مع اطمئنانهم بالوسائط و شدة وثوقهم بهم.
حتى أنهم ربما كانوا يتبعونهم في تصحيح الحديث و ردّه كما اتفق للصدوق بالنسبة إلى شيخه ابن الوليد قدس سرهما.
و ربّما كانوا لا يثقون بمن يوجد فيه قدح بعيد المدخلية في الصدق، و لذا حكي عن جماعة منهم التحرز عن الرواية عمن يروي من الضعفاء و يعتمد المراسيل و إن كان ثقة في نفسه، كما اتفق بالنسبة إلى البرقي.
بل يتحرزون عن الرواية عمن يعمل بالقياس مع أن عمله لا دخل له بروايته، كما اتفق بالنسبة إلى الإسكافي حيث ذكر في ترجمته أنّه كان يرى القياس فترك رواياته لأجل ذلك.
و كانوا يتوقفون في روايات من كان على الحق فعدل عنه و إن كانت كتبه و رواياته حال الاستقامة حتى أذن لهم الإمام عليه السلام أو نائبه كما سألوا العسكري عليه السلام عن كتب بني فضال، و قالوا إن بيوتنا منها ملاء فأذن عليه السلام لهم و سألوا الشيخ أبا القاسم بن روح عن كتب ابن أبي عذافر التي صنفها قبل الارتداد عن مذهب الشيعة حتى أذن لهم الشيخ في العمل بها.
و الحاصل: أن الأمارات الكاشفة عن اهتمام أصحابنا في تنقيح الأخبار في الأزمنة المتأخرة عن زمان الرضا عليه السلام أكثر من أن تحصى و يظهر
1) المصدر السابق: ص 181.
للمتتبع.
و الداعي إلى شدة الاهتمام مضافا إلى كون تلك الروايات أساس الدين و بها قوام شريعة سيد المرسلين صلى اللّه عليه و آله، و لهذا قال الإمام عليه السلام في شأن جماعة من الرواة: «لو لا هؤلاء لاندرست آثار النبوة»، و إن الناس لا يرضون بنقل ما لا يوثق به في كتبهم المؤلفة في التواريخ التي لا يترتب على وقوع الكذب فيها أثر ديني بل و لا دنيوي، فكيف في كتبهم المؤلفة لرجوع من يأتي إليها في أمور الدين على ما أخبرهم الإمام عليه السلام بأنّه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون إلاّ بكتبهم و على ما ذكره الكليني قدس سره في ديباجة الكافي من كون كتابه مرجعا لجميع من يأتي بعد ذلك ما تنبهوا له و نبههم عليه الأئمة عليهم السلام من أن الكذابة كانوا يدسون الأخبار المكذوبة في كتب أصحاب الأئمة عليهم السلام، كما يظهر من الروايات الكثيرة:
منها: أنه عرض يونس بن عبد الرحمن على سيدنا أبي الحسن الرضا عليه السلام: «كتب جماعة من أصحاب الباقر و الصادق عليهم السلام فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبد اللّه عليه السلام و قال إن أبا الخطاب كذب على أبي عبد اللّه عليه السلام و كذلك أصحاب أبي الخطاب يدسون الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد اللّه عليه السلام»(1).
و منها: ما عن هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبد اللّه عليه السلام يقول: «كان المغيرة بن سعد لعنه اللّه يتعمد الكذب على أبي و يأخذ كتب أصحابه و كان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي
1) رجال النجاشي: ص 224.
فيدفعونها إلى المغيرة لعنه اللّه، فكان يدسّ فيها الكفر و الزندقة و يسندها إلى أبي عليه السلام»(1)الحديث.
و رواية الفيض بن المختار المتقدمة في ذيل كلام الشيخ إلى غير ذلك من الروايات.
و ظهر مما ذكرنا أن ما علم إجمالا من الأخبار الكثيرة من وجود الكذابين و وضع الحديث
فهو إنمّا كان قبل زمان مقابلة الحديث و تدوين علمي الحديث و الرجال بين أصحاب الأئمة عليهم السلام مع أن العلم بوجود الأخبار المكذوبة إنّما ينافي دعوى القطع بصدور الكل التي تنسب إلى بعض الأخباريين، أو دعوى الظن بصدور جميعها (1)، و لا ينافي ذلك ما نحن بصدده من دعوى العلم الإجمالي بصدور أكثرها أو كثير منها، بل هذه دعوى بديهية، و المقصود مما ذكرنا دفع ما ربّما يكابره المتعسف الخالي عن التتبع من منع هذا العلم الإجمالي.
ثمّ إنّ هذا العلم الإجمالي إنما هو متعلق (2) بالأخبار المخالفة للأصل
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ المراد من الظنّ بصدور الجميع المنافي للعلم الإجمالي بكذب البعض هو الظّن الشّخصي الفعلي لا النّوعي الشّأني و لا الأعمّ منهما، ضرورة إمكان اجتماع الظّن الشّأني بصدور الجميع مع العلم الإجمالي بكذب البعض نظير العلم الإجمالي مع الشّك في جميع أطراف الشّبهة.
(2) قد عرفت أنّ متعلّق العلم ما لم يعلم صدوره تفصيلا من الأخبار بالتّواتر أو القرينة، لأنّ العلم الإجمالي المتعلّق بمطلق الصّادر المردّد بين المعلوم التفصيلي
1) المصدر السابق.
........
الشرح
و المشكوك لا أثر له بالنّسبة إلى المشكوك لرجوع الشّك فيه إلى الشّك البدوي، إذ لا يعقل العلم الإجمالي مع كون أحد طرفيه معلوما بالتّفصيل.
و هذا مع وضوح الأمر فيه ستسمع شرح القول فيه في الجزء الثّاني من التّعليقة في حكم الشّبهة المحصورة و أنّ العلم الإجمالي فيها إنّما يؤثر في وجوب الاحتياط و حمل المكلّف على الإطاعة الإجماليّة فيما لو أوجب التّكليف و أثبته على كلّ تقدير، أمّا لو أثبته على بعض التّقادير دون بعض فلا يؤثّر في وجوب الاحتياط، كما لو علم بتنجّس أحد الإناءين من جهة العلم بوقوع النّجس في أحدهما يعلم بنجاسة أحدهما تفصيلا قبل العلم الإجمالي، فلا يجب الاحتياط عن المشكوك، بل يرجع إلى أصالة الطّهارة فإنّه على تقدير وقوع النّجس فيما علم بنجاسته تفصيلا لا يوجب فيه تكليفا بوجوب الاجتناب فيما لو كانا من جنس واحد، بل الأمر فيما نحن فيه أوضح من المثال المفروض لاحتمال كون الخبر الصّادر ما علم صدوره تفصيلا، فلا يكون هناك علم إجماليّ أصلا، بل علم تفصيليّ و مشكوك بدوي كما هو الظّاهر.
و أمّا اعتبار كونهما متعلّق الخبر المخالف للأصل.
و بعبارة أخرى الأخبار المثبتة للتّكاليف الإلزاميّة فيما لا يحكم بمقتضاها بمقتضى الأصول المثبتة للتّكليف الإلزامي، فلأنّ الرّجوع إلى الأصل لا يوجب طرح المعلوم بالإجمال، لأنّ الخبر الدّال على الإباحة مثلا و لو كان صادرا عن الإمام عليه السلام في الواقع لا يقتضي إيجاب العمل بمقتضاه حيث إنّ الالتزام بالإباحة الظّاهريّة ثابتة بالفرض كما أنّ الالتزام بالحكم الواقعي على ما هو عليه ثابت أيضا و الالتزام بالإباحة الظّاهريّة من حيث اقتضاء الخبر لها لا دليل عليه أصلا و إن منع العلم بصدوره تفضيلا عن جريان الإباحة الظّاهريّة، إلاّ أنّ الرّجوع إلى الأصل في مورد العلم الإجمالي لا يوجب طرحه عملا و التزاما، و كذلك الخبر
المجردة عن القرينة، و إلاّ فالعلم بوجود مطلق الصادر لا ينفع، فإذا ثبت العلم الإجمالي بوجود الأخبار الصادرة، فيجب بحكم العقل العمل (1) بكل خبر
الشرح
الخبر الدّال على الوجوب مثلا لا يقتضي إلاّ وجوب إيجاد الفعل في الخارج و المفروض حصوله بمقتضى الأصل المطابق له و وجب إيجاده من حيث دلالة الخبر عليه لا مطلقا إنّما هو إذا علم بصدوره تفصيلا لا إجمالا، و الفرق ظاهر، حيث إنّ الاحتياط لا يوجب رفع اليد عن الأصل المثبت للتّكليف و ليس العلم بصدور بعض الأخبار في الفرض إلاّ نظير العلم ببقاء الحالة السّابقة في أحد مستصحبي النّجاسة إجمالا أو وقوع نجاسة في واحد من مستصحبي النّجاسة، فإنّ هذا العلم الإجمالي لا يوجب رفع اليد عن استصحاب النّجاسة جزما و الالتزام بالحكم الظّاهري الإلزامي أيضا حاصل و إن لم يكن من مقتضيات أدلّة وجوب العمل بالخبر الصّادر على ما عرفت، فلا بدّ أن يدّعى كون المعلوم بالإجمال الأخبار المخالفة للأصول الّتي لم يعلم بصدورها تفصيلا فتدبّر.
(1) تعيين العمل بخصوص مظنون الصّدور لتحصيل الواقع المراد به في المقام الخبر الصّادر عن المعصوم عليه السلام إنّما هو مبنيّ على ما زعمه غير واحد من قيام الظّن التّفصيلي في حكم العقل مقام العلم التّفصيلي و الظّن الخاصّ عند انسداد بابهما من غير التفات إلى الامتثال العلميّ الإجمالي بإتيان جميع المحتملات نظرا إلى قيام الدّليل من إجماع و غيره عندهم على عدم وجوبه.
و أمّا على ما يقتضيه التّحقيق من كونه المتعيّن بعد تنجز التّكليف بالواقع المعلوم إجمالا المجهول تفصيلا من غير فرق بين الحكم الأصولي و الفرعي و أنّ المانع منه هو لزوم الاختلال أو الحرج من مراعاته فيما لا نقول بوجوبه كالشّبهة الغير المحصورة أو الشّبهة الكثير في الكثير، كما سيجيء تفصيل القول فيه عند التكلّم في دليل الانسداد الّذي أقاموه على حجيّة الخبر أو الظّن مطلقا أو في الجملة، فلا بدّ
مظنون الصدور، لأنّ تحصيل الواقع الذي يجب العمل به إذا لم يمكن على وجه العلم تعين المصير إلى الظن في تعيينه توصلا إلى العمل بالأخبار الصادرة.
بل ربما يدعى وجوب العمل بكل واحد منها مع عدم المعارض و العمل بمظنون الصدور أو بمظنون المطابقة للواقع من و الجواب عنه أولا (1) أن
الشرح
من أن يؤخذ بكلّ ما يحتمل صدوره و لو موهوما في غير مورد التّعارض لعدم المانع منه في المقام أصلا بل الاحتياط الكلّي في المقام ربما يوجب السّعة على المكلّف لا الضّيق كما لا يخفى، و بما يظنّ صدوره من المتعارضين أو يظنّ مطابقته للواقع بينهما من حيث إنّ العمل بالخبر الصّادر إنّما يجب من حيث كونه طريقا إلى الواقع لا من حيث هو و ليس هذا من جهة ترجيح أحد المتعارضين على الآخر بالظّن، حتّى يقال إنّه كيف يتصوّر التّرجيح بين ما لم يثبت حجيّته من الأخبار المتعارضة، بل من جهة أنّه غاية ما يمكن الأخذ به من باب امتثال الواقع المردّد، لأنّ الغرض عدم إمكان الاحتياط و إحراز الواقع على وجه اليقين لمكان التّعارض.
و ممّا ذكرنا كلّه يظهر تطرّق المناقشة إلى قوله قدّس سرّه: (بل ربما يدّعى) إلى آخره فإنّ المقام حقيق أن يقال بدل ما عرفت فيجب بحكم العقل العمل بكلّ خبر يحتمل صدوره في غير مورد التّعارض إلى آخر ما عرفت.
و ربّما يدّعى وجوب العمل بخصوص مظنون الصّدور بتوهّم قيام الدّليل على عدم وجوب الاحتياط في المقام، إلاّ أنّ العذر في سوق التّحرير على النّمط المسطور عدم كونه في مقام التّحقيق، بل في مقام مجرّد ذكر وجوه المسألة أو كونه في مقام بيان ما اعتمد عليه في سالف الزّمان لا بيان ما يقتضيه التّحقيق عنده لا حقا من مقتضى العلم الإجمالي.
(1) ما أفاده في كمال الوضوح عند من تأمّل في عنوان وجوب الأخذ بالسّنة
........
الشرح
القطعيّة و بقول النّبي صلى اللّه عليه و آله و الوصيّ القائم مقامه، حيث إنّ إطاعة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و الوليّ ليست واجبة في قبال إطاعة اللّه جلّ شأنه على سبيل الاستقلال بحيث لو خالفهما المكلّف لعوقب على مخالفتهما زائدا على عقاب مخالفة اللّه الحاصلة من مخالفتهما من حيث كون قولهما كاشفا قطعيّا عن حكم اللّه تبارك و تعالى، بل من حيث كونهما إطاعة اللّه نظرا إلى كون قولهما طريقا إلى حكمه جلّ جلاله و كاشفا عنه نظير كشف حكم العقل عن حكم الشّرع، حيث إنّه رسول في الباطن، كما أنّ الشّرع رسول في الظّاهر و عقل في الحقيقة فحيثيّة وجوب الأخذ بقولهما و عنوانه كونهما دليلين على حكم الشارع و موصلين إليه من غير أن يكون له مطلوبيّة نفسيّة ذاتيّة في عرض حكم اللّه تعالى، بل التّحقيق كون وجوب العمل بالكتاب أيضا من حيث كونه دليلا و طريقا إلى حكم اللّه تبارك و تعالى، كما هو واضح فالعمل بالخبر الصّادر يقينا بالعلم التّفصيلي عن الحجّة إنّما هو من حيث كونه عملا بحكم اللّه تعالى الواقعي و امتثالا له، فإذا علم إجمالا بصدور أخبار كثيرة عن الحجج في بيان أحكام اللّه تعالى فيجب الأخذ بالأحكام المدلول عليها بتلك الأخبار حقيقة و الأخذ بالأخبار إنّما هو من حيث كونها كاشفة عنها و طريقة إليها، فإن علم إجمالا بصدور أحكام كثيرة و تكاليف شرعيّة عنهم عليهم السلام من غير أن يعلم باختصاصها بموارد الأخبار، بل علم بوجودها في موارد الأخبار و سائر الأمارات الكاشفة عن صدور الحكم عن الحجج، فالواجب الأخذ بجميع الأخبار و الأمارات الكاشفة أو خصوص ما يحصل الظّن منه بصدور الحكم فلا ينتج هذا الدّليل حجيّة خصوص الخبر، بل و لا الاحتياط في خصوص الأخبار.
و نحن ندّعي وجود العلم الإجمالي بصدور أحكام إلزاميّة كثيرة في ضمن تمام الأمارات الشّاملة للأخبار و غيرها.
وجوب العمل بالأخبار الصادرة إنما هو لأجل وجوب امتثال أحكام اللّه الواقعية المدلول عليها بتلك الأخبار، فالعمل بالخبر الصادر عن الإمام عليه السلام إنمّا يجب من حيث كشفه عن حكم اللّه الواقعي، و حينئذ نقول إن العلم الإجمالي (1) ليس مختصا بهذه الأخبار، بل نعلم إجمالا بصدور أحكام
الشرح
(1) لمّا ادّعى قدّس سرّه العلم الإجمالي العامّ الشّامل لموارد جميع الأمارات توجّه عليه سؤال اختصاصه بموارد الأخبار من حيث إنّ العلم بالأحكام على سبيل الإجمال إنّما نشأ و حصل من العلم الإجمالي بصدور أكثر تلك الأخبار، و إلاّ فلا موجب للعلم الإجمالي، إذ لا يعلم إجمالا بمطابقة أكثر تلك الأمارات للواقع حتّى يدّعى العلم الإجمالي بالأحكام في مواردها أيضا.
فأجاب قدّس سرّه عن السّؤال بعد تسليم وجود العلم الإجمالي في ضمن خصوص الأخبار بأنّ هناك علما إجماليّا شاملا لموارد الأخبار و الأمارات و الواجب مراعاته لا العلم الإجماليّ الخاصّ، إذ في مراعاته مراعات للخاصّ بخلاف العكس كما هو ظاهر.
و الشّاهد على ما أفاده و الدّليل عليه أنّ العلم الإجمالي بوجود أحكام كثيرة صادرة عن الحجج عليهم السلام إنّما حصل من العلم بأنّ الغرض من الرّسالة في كلّ عصر و زمان بعث فيه رسول تبليغ الأحكام الإلهيّة و الأوامر و النّواهي الواقعيّة إلى العباد بحيث لا ينفك العلم بإرسال الرّسل و إنزال الكتب من العلم بما ذكر.
فالعلم ببعث الرّسول ملازم للعلم بالتّكاليف، فإذا علمنا برسالة الرّسول المختار صلى اللّه عليه و آله فنعلم بتبليغه صلى اللّه عليه و آله تكاليف من اللّه عزّ و جلّ إلى العباد، فيكلّفون بها من اللّه تبارك و تعالى من غير فرق بين الحاضر و الغائب و الموجود و المعدوم، فإذا لم يعلم بها تفصيلا فيعلم بوجودها بين ما يحكى عنها من الأخبار و غيرها من غير اختصاص بإحداهما.
........
الشرح
لا يقال: ما ذكر إنّما هو قبل الاطّلاع على حال الأخبار و العلم بصدور أكثرها عن الحجج عليهم السلام، و أمّا بعد العلم بصدور أكثرها عن الحجج عليهم السلام، فلا نسلّم العلم بوجود أحكام كثيرة على وجه الإطلاق بحيث يشمل موارد الأمارات سلّمنا لكن لا نسلّم كون الشّبهة في المقام من الشّبهة المحصورة لم لا يكون من غيرها، فلا يؤثر في وجوب الاحتياط، لأنّا نقول العلم بصدور أحكام كثيرة في مضامين تلك الأخبار بملاحظة العلم الإجمالي بصدور أكثرها عن الحجج عليهم السلام لا ينافي بقاء العلم الإجمالي في موارد مجموع الأمارات، و إلاّ أمكن دعوى ارتفاع العلم الإجمالي عن موارد الأخبار من جهة العلم بكثير من الأحكام الشّرعية المدلول عليها بالكتاب و سائر الأدلّة العلميّة و ذلك من جهة كثرة المعلومات الإجماليّة بحيث لا يحتمل اختصاصها بموارد الأخبار و الكتاب و سائر الأدلّة العلميّة.
و منه يظهر فساد ما يتخيّل من كون الشّبهة في المقام من الشّبهة الغير المحصورة و إن كنت في شكّ ممّا ذكرنا من وجود العلم الإجمالي في مجموع الأمارات مضافا إلى العلم الإجماليّ الموجود في موارد خصوص الأخبار، فارجع إلى الضّابط الّذي ذكره قدّس سرّه في الكتاب لتميّز موارد وجود العلمين عن موارد وجود العلم الواحد حتّى تعلم صدق ما ادّعاه فإنّه لا شبهة في بقاء العلم الإجمالي بعد عزل طائفة من الأخبار يحتمل انحصار المعلوم بالإجمال من الأحكام في الأخبار في مواردها و ضمّ تمام الأمارات بباقي الأخبار و ملاحظتها معها بعد عزل تلك الطّائفة الخاصّة.
و هذا دليل على وجود العلم الإجمالي الأعمّ، و إلاّ لم يبق علم بعد عزل تلك الطّائفة الخاصّة الّتي يحتمل انحصار المعلوم بالإجمال في الأخبار فيها لا ما يزيد عليه و لا ما ينقص عنه، فإنّه على كلّ من الوجهين لا يدلّ على وجود العلمين كما
كثيرة عن الأئمة عليهم السلام لوجود تكاليف كثيرة و حينئذ فاللازم أولا الاحتياط و مع تعذره أو تعسره أو قيام الدليل على عدم وجوبه يرجع إلى ما أفاد الظن بصدور الحكم الشرعي التكليفي عن الحجة عليه السلام سواء كان المفيد للظن خبرا أو شهرة أو غيرهما، فهذا الدليل لا يفيد حجية خصوص الخبر و إنما يفيد حجية كل ما ظن منه بصدور الحكم عن الحجة و إن لم يكن خبرا.
فإن قلت: المعلوم صدور كثير من هذه الأخبار التي بأيدينا، و أمّا صدور لأحكام المخالفة للأصول غير مضمون هذه الأخبار فهو غير معلوم لنا و لا مظنون.
الشرح
هو واضح فمجرّد وجود العلم الإجمالي بالتّكاليف الكثيرة في مضامين الأخبار لا يكشف عن خروج سائر الأمارات عن أطراف العلم الإجمالي الكلّي العام، و إلاّ أمكن اختصاص العلم في الأخبار بطائفة خاصّة منها كأخبار العدول مثلا و خروج غيرها فإنّه لا ينبغي الإشكال في وجود العلم الإجمالي بالتّكاليف في مضامين أخبار العدول مضافا إلى العلم الإجمالي الموجود في مضامين تمام الأخبار فتدبّر.
فإذا فرض تعلّق العلم الإجمالي بمجموع الأمارات فلا بدّ من رعايته في مضامينها على ما عرفت غاية الأمر كون الاحتياط في الأخبار أولى بالاهتمام من جهة العلم الإجمالي في مضامينها بالخصوص أيضا و لكن مجرّد كونها أولى بالاهتمام لا يمنع من الاحتياط في غيرها.
نعم يمكن أن يقال إنّ الاحتياط على هذا الوجه الكلّي يوجب الحرج الشّديد، إذ يجب أن يؤخذ حينئذ بكلّ ما يثبت التّكليف الإلزامي خبرا كان أو غيره لكنّه مضافا إلى اقتضائه رعاية الاحتياط في خصوص الأخبار و إلقائه في غيرها، كما سيجيء الكلام فيه لا تعلّق له بدعوى اختصاص العلم الإجمالي بموارد الأخبار.
قلت أولا: العلم الإجمالي و إن كان حاصلا في خصوص هذه الروايات التي بأيدينا إلاّ أن العلم الإجمالي حاصل أيضا في مجموع ما بأيدينا من الأخبار و من الأمارات الأخر المجردة عن الخبر التي بأيدينا المفيدة للظن بصدور الحكم عن الإمام عليه السلام، و ليست هذه الأمارات خارجة عن أطراف العلم الإجمالي الحاصل في المجموع بحيث يكون العلم الإجمالي في المجموع مستندا إلى بعضها و هي الأخبار، و لذا لو فرضنا عزل طائفة من هذه الأخبار و ضممنا إلى الباقي مجموع الأمارات الأخر كان العلم الإجمالي بحاله فهنا علم إجمالي حاصل في الأخبار و علم إجمالي حاصل بملاحظة مجموع الأخبار و سائر الأمارات المجردة عن الخبر.
فالواجب مراعاة العلم الإجمالي الثاني و عدم الاقتصار على مراعاة الأول.
نظير ذلك ما إذا علمنا إجمالا بوجود شياه محرمة في قطيع غنم بحيث يكون نسبته إلى كل بعض منها كنسبته إلى البعض الآخر، و علمنا أيضا بوجود شياه محرمة في خصوص طائفة خاصة من تلك الغنم بحيث لو لم يكن من الغنم إلاّ هذه علم إجمالا بوجود الحرام فيها أيضا، و الكاشف عن ثبوت العلم الإجمالي في المجموع ما أشرنا إليه سابقا، من أنه لو عزلنا من هذه الطائفة الخاصة التي علم بوجود الحرام فيها قطعة توجب انتفاء العلم الإجمالي فيها و ضممنا إليها مكانها باقي الغنم حصل العلم الإجمالي بوجود الحرام فيها أيضا.
و حينئذ فلا بدّ من أن نجري حكم العلم الإجمالي في تمام الغنم، إمّا بالاحتياط أو بالعمل بالمظنة لو بطل وجوب الاحتياط و ما نحن فيه من هذا القبيل.
و دعوى أن سائر الأمارات المجردة لا مدخل لها في العلم الإجمالي و أن
هنا علما إجماليا واحدا بثبوت الواقع بين الأخبار خلاف الإنصاف.
و ثانيا: أن اللازم من ذلك (1) العلم الإجمالي هو العمل بالظن في مضمون تلك الأخبار لما عرفت من أن العمل بالخبر الصادر إنما هو باعتبار كون مضمونه حكم اللّه الذي يجب العمل به.
و حينئذ فكلما ظن بمضمون خبر منها و لو من جهة الشهرة يؤخذ به و كل خبر لم يحصل الظن بكون مضمونه حكم اللّه لا يؤخذ به و لو كان مظنون الصدور، فالعبرة بظن مطابقة الخبر للواقع لا بظن الصدور.
و ثالثا: أن مقتضى (2) هذا الدليل وجوب العمل بالخبر المقتضي للتكليف،
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ هذا الجواب مبنيّ على الإغماض عمّا يقتضيه التّحقيق من كون النّتيجة بعد تسليم اختصاص العلم الإجمالي بمضامين الأخبار الاحتياط الكلّي، لا الاقتصار على خصوص موارد الظّن.
و قد عرفت الإشارة إلى استقامة ما أفاده بعد وضوح كون العمل بالخبر الصّادر يقينا من حيث كونه طريقا إلى الواقع و كاشفا عنه، فالعبرة بما يظنّ مطابقته للواقع من الأخبار، لا ما يظنّ بصدورها كما يقوله المستدلّ بالوجه المزبور.
(2) لمّا كان عنوان الأخذ بالخبر بمقتضى هذا الوجه رعاية الاحتياط اللاّزم في مضامين الأخبار من جهة العلم بصدور أكثرها عن الحجج عليهم السلام و كون مضامينها أحكام اللّه تعالى، فلا يتعدّى عمّا يقتضي الوجوب و التّحريم من الأخبار، ضرورة عدم تطرّق الاحتياط اللاّزم في الأخبار الغير المتضمّنة للأحكام الإلزاميّة.
و من هنا قيّد المعلوم بالإجمال بالأخبار المثبتة للتّكاليف الإلزاميّة المخالفة للأصول، مع أنّ معنى حجيّة الخبر هو الأخذ بمقتضاه من غير فرق بين الأحكام المدلول عليها، فهذا المعنى لا يمكن إثباته بهذا الوجه، فلا معنى للاستدلال به.
نعم هنا حكم إلزامي متعلّق بغير الحكم الإلزاميّ أيضا سواء كان واقعيّا أو
لأنه الذي يجب العمل به، و أمّا الأخبار الصادرة النافية للتكليف، فلا يجب العمل بها نعم يجب الإذعان بمضمونها و إن لم تعرف بعينها، و كذلك لا يثبت به حجية الأخبار (1) على وجه ينهض لصرف ظواهر الكتاب و السنة القطعية.
الشرح
ظاهريّا و هو وجب الالتزام به على ما هو عليه، فإنّه من الحكم الأصولي حقيقة و من فروع تصديق النّبي صلّى اللّه عليه و آله فيما جاء به و بلغه عن اللّه تبارك و تعالى من غير فرق بين كون ما جاء به حكما إلزاميّا و غيره، فلا تعلّق له بدليل حجيّة الخبر و لا يمكن إثباته به.
نعم دليل حجيّته فيما فرض كون مدلوله هي الحجّة عند الشّارع لا وجوب الاحتياط يثبت الحكم الشّرعي في مرحلة الظّاهر من غير فرق بين الإلزام و غيره فيلتزم به كذلك، كما أنّه يلتزم بالحكم الواقعي على نحو ثبوته في موارد الأخبار على تقدير عدم قيام الدّليل على حجيّتها من غير فرق بين كون مفادها الإلزام و غيره و إن علمنا بصدور بعضها عن المعصوم عليه السلام و مطابقته للواقع و هذا أمر ظاهر.
(1) لمّا كان مفاد الوجه المذكور على ما عرفت الاحتياط في موارد الأخبار المثبتة للتّكليف الإلزامي لا حجيّة خبر الواحد، فلا محالة لا يعارض الدّليل الموجود في المسألة و إن كان عموما من العمومات الكتابيّة و السّنة القطعيّة أو إطلاقا من إطلاقاتها لرجوع المعارضة إلى معارضة الأصل و الدّليل، و من هنا قال قدّس سرّه ما قال من عدم وفاء هذا الوجه لإثبات حجيّته الأخبار على وجه ينهض لصرف ظواهر الكتاب و السّنة القطعيّة، كما أنّه لا ينهض لرفع اليد به عن مقتضى الأصول العمليّة فيما إذا اقتضت التّكليف كالاستصحاب المقتضي للتّكليف الإلزامي أو أصالة الاحتياط المقتضية للجمع بين المحتملين في دوران الأمر بين
و الحاصل أن معنى حجية الخبر كونه دليلا متبعا في مخالفة الأصول العملية و الأصول اللفظية مطلقا، و هذا المعنى لا يثبت بالدليل المذكور، كما لا يثبت بأكثر ما سيأتي من الوجوه العقلية، بل كلها فانتظر.
الثاني: ما ذكره في الوافية مستدلا على حجية الخبر الموجود في الكتب المعتمدة للشيعة كالكتب الأربعة مع عمل جمع به من غير رد ظاهر بوجوه:
«قال الأول: أنا نقطع ببقاء التكليف إلى يوم القيامة سيما بالأصول الضرورية كالصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و المتاجر و الأنكحة و نحوها، مع أن جل أجزائها و شرائطها و موانعها إنما يثبت بالخبر الواحد الغير القطعي بحيث يقطع بخروج حقائق هذه الأمور عن كونها هذه الأمور عند ترك العمل بخبر الواحد، و من أنكر فإنما ينكره باللسان و قلبه مطمئن بالإيمان» انتهى.
و يرد عليه:
أولا: أن العلم الإجمالي حاصل بوجود الأجزاء و الشرائط بين جميع
الشرح
المتباينين، فإذا دلّ الخبر على وجوب أحدهما لم يجز رفع اليد به عن الآخر، بل يجب الإتيان به كما إذا لم يكن هناك خبر و هذا بخلاف ما لو كان مفاد الدّليل حجيّة الخبر فإنّه يثبت به مدلوله في مرحلة الظّاهر و يرفع اليد به عن مقتضيات الأصول لفظيّة كانت أو علميّة، كما يسلكه القائل بحجيّة الخبر و يزعمه و إن كان لنا كلام فيما أفاده قدّس سرّه، من كون لازم حجيّة الظّن بقول مطلق و إن كان اعتباره من حيث العجز عن تحصيل العلم جواز رفع اليد به عن الأصول اللّفظيّة سيجيء عند الكلام في دليل الانسداد، كما نتكلّم فيما ذكره قدّس سرّه فيما سيجيء من كون لازم حجيّة الظّنّ الرّجوع إلى الأصول العلميّة في موارد فقده إذا كان بقدر الكفاية أو رفع الإجمال به في الألفاظ المجملة.
الأخبار لا خصوص الأخبار المشروطة بما ذكره و مجرد وجود العلم الإجمالي في تلك الطائفة الخاصة لا يوجب خروج غيرها عن أطراف العلم الإجمالي، كما عرفت في الجواب الأول عن الوجه الأول، و إلاّ لما أمكن إخراج بعض هذه الطائفة الخاصة و دعوى العلم الإجمالي في الباقي كأخبار العدول مثلا، فاللازم حينئذ إمّا الاحتياط و العمل بكل خبر دل على جزئية شيء أو شرطيته، و إما العمل بكل خبر ظن صدوره (1) مما دلّ على الجزئية أو الشرطية، إلاّ أن يقال إن المظنون الصدور من الأخبار هو الجامع لما ذكر من الشروط.
و ثانيا: أن مقتضى (2) هذا الدليل وجوب العمل بالأخبار الدالة على الشرائط
الشرح
(1) بعد البناء على كون المعلوم بالإجمال في خصوص الأخبار إغماضا عمّا عرفته في الجواب عن الوجه من اختصاص العلم الإجمالي بمضامين الأخبار و المنع من اختصاصه في مضامين الأخبار المشروطة بما ذكره من الشّروط و إن كان هناك علم إجماليّ خاصّ في مضامينها و الإغماض عمّا يقتضيه العلم الإجمالي من الأخذ بكلّ خبر كان من أطراف الشّبهة بعد العجز عن تعيين الصّادر و تميزه عن غيره، كما هو المفروض يجب الأخذ بما ظنّ مطابقته للواقع من الأخبار، لا بما ظنّ بصدوره و إن لم يظنّ بمطابقته للواقع، حيث إنّ عنوان الأخذ بالأخبار الصّادرة هو كشفها عن الواقع، لا من حيث هو حسبما عرفت في طيّ الجواب عن الوجه الأوّل، فلعلّ ما أفاده إغماض عمّا يقتضيه التّحقيق في المقام و تسليم لما يقوله الخصم.
(2) ما أفاده قدّس سرّه من قصر مقتضى الدّليل المذكور على ما يثبت الأجزاء و الشّرائط و الموانع للماهيّات و عدم عمومه لما ينفي أحد الأمور المذكورة لخروجه عن أطراف العلم ممّا لا خفاء فيه أصلا، مع أنّ معنى حجيّة الخبر إثبات
و الأجزاء دون الأخبار الدالة على عدمهما خصوصا إذا اقتضى الأصل الشرطية.
و الثالث: ما ذكره بعض المحققين (1) من المعاصرين في حاشيته على المعالم
الشرح
ما دلّ عليه مطلقا من غير فرق بين أن يكون مدلوله الإثبات أو النّفي سواء على القول بالاشتغال في ماهيّات العبادات أو البراءة، كما يقول به المستدلّ و هذا المعنى لا يثبت بالدّليل المذكور المقتضى للأخذ بالأخبار المثبتة للماهيّات بعنوان الاحتياط سيّما إذا اقتضى الأصل خلافه، كما لا يثبت به الأخذ بالأخبار الغير المتضمّنة لحكم الماهيّات و إن اقتضت الإلزام فضلا عمّا لا يقتضيه، و دعوى الإجماع المركّب و عدم القول بالفصل في المقام كما ترى، و أيضا لا يثبت به العمل بالخبر المقتضي للحرمة مثلا فيما كان هناك عموم أو إطلاق ينفيها سواء كان في المعاملات أو العبادات على مذهب الأعمّي في ألفاظها إذا وجد هناك شرائط التمسّك بالإطلاق، و لعلّه قدّس سرّه طوى ذكر هذا الاعتراض اعتمادا على ما أفاده في الإيراد على الوجه الأوّل المشترك مع هذا الوجه في النّتيجة، كما أشار بقوله سابقا و هذا المعنى لا يثبت بالدّليل المذكور إلخ.
(1) الأولى نقل كلامه بألفاظه و لو بإسقاط مكرّراته أو ما لا تعلّق له بالمقام قال قدّس سرّه في تعليقاته على المعالم في عداد الوجوه على حجيّة الأخبار «السّادس:
أنّه قد دلّت الأخبار القطعيّة و الإجماع المعلوم من الشّيعة على الرّجوع إلى الكتاب و السّنة، بل ذلك ممّا اتّفقت عليه الأمّة و إن وقع الخلاف بين الخاصّة و العامّة في موضوع السّنة، و ذلك ممّا لا ربط له بالمقام و حينئذ نقول إن أمكن حصول العلم بالحكم الواقعي من الرّجوع إليهما في الغالب تعيّن الرّجوع إليهما على الوجه المذكور حملا لما دلّ على الرّجوع إليهما على ذلك و إن لم يحصل ذلك بحسب الغالب و كان هناك طريق في كيفيّة الرّجوع إليهما تعيّن الأخذ به
........
الشرح
و كان بمنزلة الوجه الأوّل و إذا انسدّ سبيل العلم به أيضا و كان هناك طريق ظنّي في كيفيّة الرّجوع إليهما لزوم الانتقال إليه و الأخذ بمقتضاه و إن لم يفد الظّن بالواقع تنزّلا من العلم إلى الظّن، مع عدم المناص عن العمل و إلاّ لزم الأخذ بهما و الرّجوع إليهما على وجه يظنّ منهما بالحكم على أيّ وجه كان، لما عرفت من وجوب الرّجوع إليهما حينئذ، فينزل إلى الظّن و حيث لا يظهر ترجيح لبعض الظّنون المتعلّقة بذلك على بعض يكون مطلق الظّن المتعلّق بهما حجّة، فيكون المتّبع حينئذ هو الرّجوع إليهما على وجه يحصل الظّن منهما، و الحاصل أنّ هناك وجهين:
أحدهما: الرّجوع إليهما على وجه يعلم منه بأداء التّكليف من أوّل الأمر، إمّا لكون الرّجوع إليهما مفيدا للعلم بالواقع أو القيام دليل على الرّجوع إليهما على وجه مخصوص سواء أفاد اليقين بالواقع أو الظّن به أو لم يفد شيئا منهما.
ثانيهما: الرّجوع إليهما على وجه يظنّ معه بذلك، و ذلك بعد انسداد سبيل العلم إلى الأوّل مع العلم ببقاء التّكليف المذكور، فينزل في حكم العقل إلى الظّن به.
فإن سلّم انسداد سبيل الوجه الأوّل على وجه يكتفى به في استعلام الأحكام كما يدّعيه القائل بحجيّة مطلق الظّن، فالمتّبع في حكم العقل هو الوجه الثّاني سواء حصل هناك ظنّ بالطّريق أو بالواقع و إن ترتب الوجهان على حسب ما مرّ من التّفصيل، و حينئذ فالواجب الأخذ بمقتضى الظّن المذكور بخصوصه في استنباط الأحكام من غير تعدية إلى سائر الظّنون.
فإن قلت: إنّا نمنع وجوب الأخذ بالكتاب و السّنة مطلقا و لو مع عدم إفادتهما اليقين بالحكم و لم يقم دليل قاطع و قيام الإجماع على وجوب الرّجوع إليهما من القائل بحجيّة مطلق الظّن، و الظّن المخصوص لا يفيد حجيّتهما بالخصوص، إذ
........
الشرح
القائل بحجيّة مطلق الظّن لا يقول بحجيّته من حيث الخصوصيّة و إنّما يقول به من جهة اندراجه تحت مطلق الظّن، و القائل بحجيّة الظّن الخاص لا يثبت بقوله إجماع مع مخالفة الباقين و لم يقم دليلا قطعا حتّى يثبت به ذلك و القول بدلالة الأخبار القطعيّة عليه ممنوع أقصى الأمر دلالتها على حجيّة ذلك بالنّسبة إلى المشافهين المخاطبين بتلك الخطابات و من بمنزلتهم، و حينئذ قد يقال بحصول العلم بالنّسبة إليهم، إذ لا بعد في احتفافها إذن بالقرائن القاطعة و مع تسليم عدمه، غاية الأمر حجيّة الظّن الحاصل بالنّسبة إليهم و ذلك غير الظّن الحاصل لنا للاحتياج إلى ضمّ ظنون عديدة لم يكن محتاجا إليها حينئذ و لا دليل على حجيّتها عندنا، إلاّ ما دلّ على حجيّة مطلق الظّن.
قلت: المناقشة فيما ذكرنا واهية إذ انعقاد الإجماع على وجوب الرّجوع إلى الكتاب و السّنة بالنّسبة إلى زماننا هذا و ما قبله من الأمور الواضحة الجليّة، بل ممّا يكاد يلحق بالضّروريّات الأوليّة و ليس بناء الإيراد على إنكاره حيث إنّه غير قابل للمنع و المنازعة، و لذا نوقش فيه من جهة اختلاف المجمعين في المبنى، فإنّ منهم من يقول به من جهة كونه من جزئيات ما يفيد الظّن لا الخصوصيّة فيهما، فلا يقوم إجماع على اعتبار الظّن الحاصل منهما بخصوصيّة، و فيه أنّه بعد قيام الإجماع عليه لا عبرة بالخلاف المذكور فيما نحن بصدده إذ ليس المقصود دعوى الإجماع على وجوب الرّجوع إلى الكتاب و السّنة لخصوصيّة لهما، بل المدّعى قيام الإجماع بالخصوص على وجوب الرّجوع إليهما لكون الظّن الحاصل منهما حجّة ثابتة بالخصوص، إذ لا حاجة إذا في إثبات حجيّتهما إلى ملاحظة الدّليل العقلي المذكور، بل هو ثابت بالإجماع القطعي فيكون ظنّا ثابتا بالدّليل و ليس نعني بالظّن الخاص، إلاّ ما يكون حجيّته ثابتة بالخصوص لا ما يكون حجّة بحسب الواقع بملاحظة الخصوصيّة الحاصلة فيه لا من جهة عامة
........
الشرح
و هو واضح لا خفاء فيه، فإذا ثبت حجيّة الظّن الحاصل منهما في الجملة و وجوب العمل بهما و عدم سقوط ذلك عنده و لم يتعيّن عندنا طريق خاصّ في الاحتجاج بهما كان قضيّة حكم العقل حجيّة الظّن المتعلّق بهما مطلقا حسبما قرّرنا.
و أمّا المناقشة في الأخبار الواردة في ذلك، فإن كان من حيث الإسناد فهي واهية جدّا و كذا من جهة الدّلالة إذ من البيّن بعد ملاحظة فهم الأصحاب و عملهم شمولها لهذا العصر و نحوه قطعا و ليس جميع تلك الأخبار من قبيل الخطاب الشّفاهي لمحض الحاضرين و يتوقّف في شموله للغائبين على قيام الإجماع، و مع الغضّ عن ذلك ففيما ذكرنا من الإجماع المعلوم كفاية في المقام، و كيف كان فإن سلّم عدم قيام الدّليل القاطع من الشّارع أوّلا على حجيّة الظّن المتعلّق بالكتاب و السّنة على وجه يتمّ به نظام الأحكام حسبما ندّعيه، كما سيأتي الإشارة إليه فقضيّة حكم العقل هو حجيّة الظّن المتعلّق بهما من أيّ وجه كان على ما يقتضيه الدّليل المذكور و المقصود بالاحتجاج المذكور بيان هذا الأصل و بعد ثبوته لا وجه للرجوع إلى شيء من سائر الظّنون، إذ لا ضرورة إليها و لم يقم عليها دليل خاصّ، فإن قلت القدر المسلم الرّجوع إلى الكتاب و السّنة في الجملة و لا يقضي ذلك بحجيّة الظّنّ الحاصل منهما مطلقا، بل القدر الثّابت من ذلك هو ما قام الإجماع عليه فيقتصر من الكتاب على خصوصه و من السّنة على الخبر الصّحيح الّذي يتعدّد مزكّى رجاله، فلا يعمّ سائر وجوه الظّن الحاصل من الكتاب و السّنة و حينئذ نقول لا يكفي الظّن المذكور، لأنّ المعلوم بإجماع الشّيعة، بل الأمّة و الأخبار القطعيّة وجوب الرّجوع إلى الكتاب و السّنة الواقعيّة الّتي هي قول المعصوم عليه السلام و فعله و تقريره و لا فرق في ذلك بين أن يفيد ذلك القطع بالحكم الواقعي أو الظّن به، بل و إن لم يفد أحدهما و ليس شيء من
........
الشرح
ذلك من باب الظّن المطلق الثّابت بدليل الانسداد، فإذا انسدّ باب العلم بالسّنة الواقعيّة فاللاّزم الأخذ بالظّن بكونها سنّة، و من المعلوم أنّ الظّن الحاصل من الشّهرة و أخواتها من الظّنون المطلقة مساوية مع الأخبار في كونها كاشفة ظنّا عن السّنة الواقعيّة أعني القول أو الفعل أو التّقرير الصّادرة من المعصوم عليه السلام، فهذا هو الاستدلال المشهور لحجيّة الظّن المطلق في الأحكام الواقعيّة، مع اختلال و فساد في تقريره من جهة أنّ وجوب الرّجوع إلى الكتاب و السّنة ليس لذاته، بل لأجل ثبوت التّكليف بالأحكام الواقعيّة الموقوف معرفتها على الرّجوع إلى الكتاب و السّنة إلى أن قال قلت بناء على اختيار الوجه المذكور لا نسلّم قيام الدّليل القاطع على حجيّة خصوص شيء من الأخبار و ساق الكلام إلى أن قال فإن قلت إنّ قضيّة ما ذكر من وجوب الرّجوع إلى الكتاب و السّنة هو الرّجوع إلى ما علم كونه كتابا و سنّة و إن كان الأخذ منهما على سبيل الظّن، فلا عبرة بالكتاب الواصل إلينا على سبيل الظّن حسبما أشاروا إليه في بحث حجيّة الكتاب، و كذا ينبغي أن لا يعتبر من السّنة، إلاّ ما نقل إلينا على وجه اليقين من المتواتر أو المحفوف بقرينة القطع و حينئذ، فلا يتمّ ما قرر في الاحتجاج لظهور عدم وفاء المقطوع به منهما بالأحكام و إن كان استنباط الحكم على سبيل الظّن، فلا بدّ إذا من الرّجوع إلى مطلق الظن قلت لا ريب أنّ السّنة المقطوع بها أقلّ قليل و ما يدلّ على الرّجوع إلى السّنة في زماننا يفيد أكثر من ذلك للقطع بوجوب رجوعنا اليوم في تفاصيل الأحكام إلى الكتب الأربعة و غيرها من الكتب المعتمدة في الجملة بإجماع الفرقة و اتّفاق القائل بحجيّة مطلق الظّن و الظّن الخاصّ، فلا وجه للقول بالاقتصار على السّنة المقطوعة، و بذلك يتم التّقريب المذكور» انتهى ما أردنا نقله من كلامه، و هو كما ترى و إن كان مشتبه المراد حيث إنّه قد يظهر منه أنّ محلّ البحث في حجيّة ظواهر الكتاب و السّنة
........
الشرح
و هي لا تعلّق لها بما نحن فيه، و قد يظهر منه كون محلّ بحثه في كشف الأخبار الظّنية و حكايتها من حيث إسناد الرّاوي عن السّنة الواقعيّة و أنّ ما يحكيه المخبر عن المعصوم عليه السلام من السّنة يجب الاعتماد عليه و العمل به من حيث كشفه ظنّا عن السّنة بالنّظر إلى الحكاية الظّنية، كما هو المقصود بالبحث في المقام، إلاّ أنّه بعد التّأمّل في أطراف كلماته و مجموعها يظهر ممّا أفاده تعلّق قصده بإثبات حجيّة الظّن الخبري من حيث السّنة، أمّا من جهة كونه من الظّنون المخصوصة من حيث قيام الإجماع من القائل بحجيّة الظّن الخاص و الظّن المطلق على حجيّته كما هو ظاهر بعض كلماته و إن كان التمسّك بمثل الإجماع المذكور كما ترى.
و أمّا من جهة إجراء دليل الانسداد في التّكليف المتعلّق بالمسألة الأصوليّة أعني وجوب العمل بالسّنة بتقريب أنّه بعد الفراغ عن ثبوته و انسداد طريق العلم إليها في الغالب، و كذا الظّن الخاصّ لا بدّ من الرّجوع إلى الأخبار الغير العلميّة الكاشفة عنها على سبيل الظّن، إذ هو الأقرب إلى العلم في حكم العقل بعد انسداد الطّريق إليه و عدم نصب الشّارع ما يقوم مقامه عند تعذّر تحصيله، كما يستظهر من بعضها أيضا و إن توجّه عليه ما أفاده شيخنا الأستاذ العلاّمة قدّس سرّه من أنّ التكليف المتعلّق بالعمل بالسّنة إنّما هو من حيث كونها كاشفة عن الحكم الواقعي المدلول عليه بها لا من حيث ذاتها مع أنّ مقتضاه العمل بكلّ ما يكشف ظنّا عن السّنة الواقعيّة لا خصوص الأخبار، مع أنّ كلّ أمارة كاشفة عن الحكم الواقعي كاشفة عن السّنة بعد العلم ببيان النّبي صلى اللّه عليه و آله لأحكام جميع الوقائع، كما هو المعلوم عندنا و إليه أشار شيخنا قدّس سرّه بقوله: (و الحاصل أنّ مطلق الظّن بحكم الشّارع) إلى آخره، و دعوى عدم العلم الإجمالي بالتّكاليف الواقعية في غير مضامين الأخبار قد عرفت فسادها بما فصّل في الجواب عن الوجه الأوّل الّذي اعتمد عليه شيخنا قدّس سرّه في سابق الأيّام، فلا حاجة إلى إطالة البحث و الكلام.
لإثبات حجية الظن الحاصل من الخبر لا مطلقا و قد لخصناه لطوله و ملخصه:
«أن وجوب العمل بالكتاب و السنة ثابت بالإجماع، بل الضرورة و الأخبار المتواترة و بقاء هذا التكليف أيضا بالنسبة إلينا ثابت بالأدلة المذكورة و حينئذ فإن أمكن الرجوع إليهما على وجه يحصل العلم بهما بحكم أو الظن الخاص به فهو، و إلاّ فالمتبع هو الرجوع إليهما على وجه يحصل الظن منهما»(1)هذا حاصله.
و قد أطال قدس سره في النقض و الإبرام بذكر الإيرادات و الأجوبة على هذا المطلب.
و يرد عليه أن هذا الدليل بظاهره عبارة أخرى عن دليل الانسداد الذي ذكروه لحجية الظن في الجملة أو مطلقا، و ذلك لأنّ المراد بالسنة هو قول الحجة أو فعله أو تقريره فإذا وجب علينا الرجوع إلى مدلول الكتاب و السنة و لم نتمكن من الرجوع إلى ما علم أنه مدلول الكتاب أو السنة تعين الرجوع باعتراف المستدل إلى ما يظن كونه مدلولا لأحدهما، فإذا ظننا أن مؤدى الشهرة أو معقد الإجماع المنقول مدلول للكتاب أو لقول الحجة أو فعله أو تقريره وجب الأخذ به و لا اختصاص للحجية بما يظن كونه مدلولا لأحد هذه الثلاثة من جهة حكاية أحدها التي تسمى خبرا و حديثا في الاصطلاح.
نعم يخرج عن مقتضى هذا الدليل الظن الحاصل بحكم اللّه من أمارة لا يظن كونها مدلولا لأحد الثلاثة، كما إذا ظن بالأولوية العقلية أو الاستقراء أن الحكم كذا عند اللّه و لم يظن بصدوره عن الحجة أو قطعنا بعدم صدوره عنه عليه السلام، إذ رب حكم واقعي لم يصدر عنهم و بقي مخزونا عندهم لمصلحة من المصالح لكن هذا نادر جدا للعلم العادي بأن هذه المسائل
1) هداية المسترشدين: ص 391.
العامة البلوى قد صدر حكمها في الكتاب أو ببيان الحجة قولا أو فعلا أو تقريرا، فكل ما ظن من أمارة بحكم اللّه تعالى، فقد ظن بصدور ذلك الحكم عنهم.
و الحاصل أن مطلق الظن بحكم اللّه ظن بالكتاب أو السنة و يدل على اعتباره ما دل على اعتبار الكتاب و السنة الظنية.
فإن قلت: المراد بالسنة الأخبار و الأحاديث و المراد أنه يجب الرجوع إلى الأخبار المحكية عنهم فإن تمكن من الرجوع إليها على وجه يفيد العلم فهو و إلا وجب الرجوع إليها على وجه يظن منه بالحكم.
قلت: مع أن السنة في الاصطلاح عبارة عن نفس قول الحجة أو فعله أو تقريره لا حكاية أحدها يرد عليه أن الأمر بالعمل بالأخبار المحكية المفيدة للقطع بصدورها ثابت بما دلّ على الرجوع إلى قول الحجة و هو الإجماع، و الضرورة الثابتة من الدين أو المذهب.
و أمّا الرجوع إلى الأخبار المحكية التي لا تفيد القطع بصدورها عن الحجة فلم يثبت ذلك بالإجماع و الضرورة من الدين التي ادعاها المستدل، فإنّ غاية الأمر دعوى إجماع الإمامية عليه في الجملة، كما ادعاه الشيخ و العلامة في مقابل السيد و أتباعه قدست أسرارهم.
و أمّا دعوى الضرورة من الدين و الأخبار المتواترة كما ادعاها المستدل فليست في محلها، و لعل هذه الدعوى قرينة على أن مراده من السنة نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره لا حكايتها، التي لا توصل إليها على وجه العلم.
نعم لو ادعي الضرورة على وجوب الرجوع إلى تلك الحكايات الغير العلمية لأجل لزوم الخروج عن الدين لو طرحت بالكلية.
يرد عليه أنه أراد لزوم الخروج عن الدين من جهة العلم بمطابقة كثير منها للتكاليف الواقعية التي يعلم بعدم جواز رفع اليد عنها عند الجهل بها تفصيلا، فهذا يرجع إلى دليل الانسداد الذي ذكروه لحجية الظن و مفاده ليس إلا حجية كل أمارة كاشفة عن التكليف الواقعي.
و إن أراد لزومه من جهة خصوص العلم الإجمالي بصدور أكثر هذه الأخبار حتى لا يثبت به غير الخبر الظني من الظنون ليصير دليلا عقليا على حجية خصوص الخبر، فهذا الوجه يرجع إلى الوجه الأول الذي قدمناه و قدمنا الجواب عنه فراجع.
هذا تمام الكلام في الأدلة التي أقاموها على حجية الخبر، و قد علمت دلالة بعضها و عدم دلالة البعض الآخر.
و الإنصاف أن الدال منها (1) لم يدل إلا على وجوب العمل بما يفيد الوثوق و الاطمئنان بمؤداه و هو الذي فسر به الصحيح في مصطلح القدماء و المعيار فيه أن يكون احتمال مخالفته للواقع بعيدا بحيث لا يعتني به العقلاء و لا يكون عندهم موجبا للتحير و التردد، الذي لا ينافي حصول مسمى الرجحان، كما نشاهد في الظنون الحاصلة بعد التروي في شكوك الصلاة فافهم، و ليكن على ذكر منك لينفعك فيما بعد.
الشرح
(1) المراد بمؤدّى الخبر الّذي تعلّق به الوثوق و الاطمئنان مضمونه من حيث الحكاية عن السّنة لا الحكم الواقعي الّذي تضمّنه السّنة المحكيّة، فإنّه لا تعلّق له بالمقام أصلا، كما عرفت تفصيل القول فيه في ابتداء البحث عن مسألة حجيّة أخبار الآحاد و أنّ الكلام فيها من حيث الحكم بصدق الرّاوي في الحكاية و هو المراد بالواقع أيضا في قوله قدّس سرّه: (و المعيار فيه أن يكون احتمال مخالفته للواقع بعيدا، كما هو واضح لا الحكم الواقعي كما ربما يتوهّمه من لا خبرة له).
فلنشرع في الأدلة التي أقاموها على حجية الظن من غير خصوصية للخبر يقتضيها نفس الدليل و إن اقتضاها أمر آخر، و هو كون الخبر مطلقا (2)، أو خصوص قسم منه متيقن الثبوت من ذلك الدليل إذا فرض أنّه لا يثبت إلاّ الظن في الجملة، و لا يثبته كلية، و هي أربعة.
الشرح
(1) ما أفاده من باب المثال على تقدير عدم الكليّة و الإهمال في النتيجة لأنّ المعيّن لا ينحصر فيه على هذا القدر، كما سيجيء تفصيل القول فيه.
ثمّ إنّ ذكر الوجوه الأربعة غير الوجه الثّالث في كلمات القدماء و المتأخّرين من الخاصّة و العامّة عدا جمع من متأخّري المتأخّرين إنّما هو لإثبات حجيّة الظّنّ الخبري و إن لم يكن الوجوه بأسرها ناظرة إليه، إلاّ أنّهم أقاموها لإثبات حجيّة الخبر بأخذه في عنوان الدّليل أو إرجاعه إليه، كما صنعه في المعالم عند الاستدلال بالدّليل الرّابع لإثبات حجيّة الخبر و إن كان الصّواب في تحريرها ما صنعه جمع من متأخّري المتأخّرين، ثمّ إنّ الوجهين الأوّلين بل الثّالث على تأمّل لا يفرق في مفادهما بين التّمكن من تحصيل العلم و الظّن الخاصّ في غالب الأحكام، أو في المسألة الشخصيّة و الحكم الشّخصي و عدم التّمكن منهما و عدم التزام المستدلّ بهما بما ذكر لا يوجب، إلاّ نقضا عليه أو هو مع إيراد عليهما على تقدير الاتّفاق على عدم الالتزام بمفادهما عند التمكن من تحصيل العلم أو الظّن الخاصّ، و ما ستعرفه من المحقّق القميّ قدّس سرّه من أخذ مقدّمات دليل الانسداد في سائر الوجوه العقليّة، لا تعلّق له بكلامهم في الاستدلال بالوجوه المذكورة، مع أنّه لا معنى له بناء على ما أفاده قدّس سرّه من جعلها دليلا مستقلا في قبال الدّليل
أمّا الصغرى فلأنّ الظن بالوجوب ظن باستحقاق العقاب على الترك، كما أن الظن بالحرمة ظن باستحقاق العقاب على الفعل، أو لأنّ الظن بالوجوب ظن بوجود المفسدة في الترك، كما أن الظن بالحرمة ظن بالمفسدة في الفعل بناء على قول العدلية بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد، و قد جعل في النهاية كلا من الضررين دليلا مستقلا على المطلب.
و أجيب عنه بوجوه:
أحدها: ما عن الحاجبي و تبعه غيره من منع الكبرى، و أن دفع الضرر المظنون إذا قلنا بالتحسين و التقبيح العقليين احتياط مستحسن لا واجب.
و هو فاسد لأنّ الحكم المذكور (1) حكم إلزامي أطبق العقلاء على الالتزام
الشرح
المذكور و إن زعم قدّس سرّه عدم التّنافي بين الأمرين، كما سيجيء الإشارة إليه.
(1) فساد منع الكبرى و كون الحكم المذكور إلزاميّا أطبق عليه العقلاء و العلماء في جميع أمورهم ممّا لا يحتاج إلى البيان من غاية وضوحه، و من هنا استدلّوا على وجوب المعرفة بوجهين:
أحدهما: أنّ شكر المنعم من حيث ذاته لازم في حكم العقل، و يتوقّف على معرفة المنعم فيجب من باب المقدّمة.
ثانيهما: أنّ شكر المنعم واجب من حيث إنّ تركه في معرض زوال النّعمة و الضّرر، فإذا كان واجبا وجب المعرفة من باب المقدّمة، و حكموا بوجوب النّظر في أمر من يدّعي النّبوة من حيث إنّ تركه في معرض الضّرر و يجب دفعه عقلا، فيجب النّظر لدفعه، و المفروض أنّه لا يمكن إثبات وجوبه بالشّرع، كما هو واضح، فلو لم يجب عقلا لم يكن للّه على غير النّاظر حجّة، فيلزم إقحام الأنبياء و إثبات نبوة النّبيّ اللاّحق بإخبار النّبي السّابق لا يجدي جدّا، إذ ينقل الكلام إلى طريق إثبات نبوّة السّابق.
به في جميع أمورهم و ذم من خالفه، و لذا استدل به المتكلمون في وجوب شكر المنعم الذي هو مبنى وجوب معرفة اللّه تعالى و لولاه لم يثبت وجوب النظر في المعجزة، و لم يكن للّه على غير الناظر حجة، و لذا خصوا النزاع في الحظر و الإباحة في غير المستقلات العقلية بما كان مشتملا على منفعة و خاليا عن أمارة المفسدة، فإن هذا التقييد يكشف عن أن ما فيه أمارة المضرة لا نزاع في قبحه بل الأقوى، كما صرح به الشيخ في العدة (1) في مسألة الإباحة و الحظر و السيد في الغنية وجوب دفع الضرر المحتمل و ببالي أنه تمسك في العدة بعد العقل بقوله تعالى وَ لاٰ تُلْقُوا إلخ.
الشرح
(1) ما أفاده قدّس سرّه من تسرية الحكم إلى الضّرر المحتمل، و أنّه ممّا يجب دفعه في حكم العقل لا بدّ من أنّ يحمل على الإهمال من حيث الضّرر الدّنيوي و الأخروي، و مراتب الاحتمال في الضّرر الدّنيوي و أقسامه، فإنّ حكم العقل بوجوب دفع الضّرر المحتمل الأخروي ممّا لا شبهة فيه، كما يرشد إليه اتّفاقهم في مسألة وجوب النّظر مع أنّها ليست مفروضة في خصوص الظّن بصدق المدّعى، كما لا يخفى كحكمه بدفع الضّرر المشكوك الدّنيوي في الجملة لا مطلقا، كيف و ستعرف تصريحه بعدم اعتناء العقلاء باحتمال الضّرر الدّنيوي مع ظنّ السّلامة، هذا و ستعرف شرح القول في ذلك منّا عن قريب.
نعم كلام الشّيخ قدّس سرّه في العدّة لا يأبى عن ذلك، فإنّه بعد ما اختار القول بالوقف من جهة العقل في مسألة الحظر و الإباحة في الأشياء المشتملة على المنفعة الخالية عن أمارة المفسدة و فاقا لجماعة و شيخه أبي عبد اللّه قال ما هذا لفظه: «و الّذي يدلّ على ذلك أنّه قد ثبت في العقول أنّ الإقدام على ما لم يؤمن المكلّف كونه قبيحا مثل إقدامه على ما يعلم قبحه أ لا ترى أنّ الإقدام على الإخبار بما لا يعلم صحّته يجري في القبح مجرى من أخبر مع علمه بأنّ خبره على خلاف ما أخبر به
........
الشرح
على حدّ واحد، و إذا ثبت ذلك و فقدنا الأدلّة على حسن هذه الأشياء قطعا ينبغي أن يجوز كونها قبيحة و إذا جوزنا ذلك فيها قبح الإقدام عليها، فإن قيل نحن نأمن قبحها، لأنّها لو كانت قبيحة لم يكن إلاّ لكونها مفسدة لأنّه ليس لها جهة قبح يلزمها مثل الجهل و الظّلم و الكذب و لو كانت قبيحة للمفسدة وجب على القديم تعالى أن يعلّمنا ذلك، و إلاّ قبح التّكليف فلمّا لم يعلّمنا ذلك علمنا حسنها عند ذلك و ذلك يفيدنا الإباحة قيل لا يمنع أن يتعلّق المفسدة بإعلامنا جهة الفعل على التّفصيل فيقبح الإعلام و يكون المصلحة لنا في التّوقّف في ذلك و الشّكّ و تجويز كلّ من الأمرين»، انتهى ما أردنا نقله من كلامه قدّس سرّه.
و هو كما ترى لا يأبى الشّمول لبعض مراتب الاحتمال الموهوم و إن كان آبيا لشمول جميع مراتبها، فإنّ مع الاطمئنان يحصل الأمن فتدبّر، و أمّا تمسّكه بعد العقل بالآية الشّريفة فليس له عين و لا أثر في النّسخة الموجودة عندي مع أنّ في الاستدلال بها ما لا يخفى، فإنّ الاستدلال بما يثبت الحكم للموضوع النّفس الأمري الواقعي لإثبات الحكم في صورة احتمال وجود الموضوع كما ترى.
و قال قدّس سرّه في العدّة في آخر المسألة: «و استدلّ كثير من النّاس على أنّ هذه الأشياء على الخطر أو الوقف بأن قالوا قد علمنا أنّ التحرز من المضار واجب في العقول و إذا كان ذلك واجبا لم يحسن منّا أن نقدم على تناول ما لا نأمن أن يكون سمّا قاتلا فيؤدّي ذلك إلى العطب، لأنّا لا نفرق بين ما هو سمّ أو غذاء و إنّما ينظر ذلك إعلام اللّه تعالى لنا ما هو غذاء و الفرق بينه و بين السّموم و اعترض من خالف في ذلك بهذا الاستدلال بأن قال يمكننا أن نعلم ذلك بالتّجربة إلى أن قال بعد جملة كلام له و النّقض و الإبرام على الوجه المذكور، فالمعتمد في هذا الباب ما ذكرناه أوّلا في صدر هذا الباب» انتهى كلامه رفع مقامه.
ثمّ إنّ ما ذكره من ابتناء الكبرى (1) على التحسين و التقبيح العقليين غير ظاهر، لأنّ تحريم تعريض النفس للمهالك و المضار الدنيوية و الأخروية مما دلّ عليه الكتاب و السنة مثل التعليل في آية النبإ، و قوله تعالى: وَ لاٰ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَّهْلُكَةِ(1)، و قوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ اَلَّذِينَ يُخٰالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ(2)، بناء على أن المراد العذاب و الفتنة الدنيويان، و قوله تعالى: وَ اِتَّقُوا فِتْنَةً لاٰ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً(3)، و قوله تعالى: وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللّٰهُ نَفْسَهُ(4)، و قوله تعالى: أَ فَأَمِنَ اَلَّذِينَ مَكَرُوا اَلسَّيِّئٰاتِ(5)، إلى غير ذلك.
الشرح
(1) مراده قدّس سرّه من تحريم تعريض النّفس للمهالك و المضار الدّنيويّة و الأخرويّة لا بدّ أن يكون أعمّ من التّحريم الإرشاديّ العقلي أو خصوص الإرشاديّ، ضرورة عدم تصوّر التّحريم الشّرعي بالنّسبة إلى المقطوع من الضرر الأخروي فضلا عن المظنون أو المحتمل منه، بل الأمر بالنّسبة إلى تعريض النّفس للمهالك الدّنيويّة أيضا كذلك، فإنّ الضّرر الدّنيوي و إن كان قابلا لتعلّق الوجوب الشّرعي بدفع المظنون منه، بل المشكوك منه من باب الموضوعيّة، إلاّ أنّه خلاف ما يستفاد من الأدلّة، فإنّ ما ذكره من الآيات على تقدير دلالتها على حكم التّعريض المدّعى صدقه في صورة الظّن بالضّرر لا يدلّ، إلاّ على الطلب الإرشادي و أكثرها يرجع إلى الإيعاد على ترتيب لوازم مخالفة الشّارع، مع أنّه قد يمنع من دلالتها على حكم صورة الظّن سيّما آية التهلكة، ثمّ إنّه قد يناقش في الابتناء الّذي أفاده بقوله:
(بناء على أنّ المراد) إلى آخره، مضافا إلى ظهور الفتنة فيما أفاده بأنّ المدّعى أعمّ من الضّرر الدّنيوي و الأخروي، فالاستدلال يتمّ على كلّ تقدير.
نعم التمسك في سند الكبرى (1) بالأدلة الشرعية يخرج الدليل المذكور عن الأدلة العقلية، لكن الظاهر أن مراد الحاجبي منع أصل الكبرى، لا مجرد منع استقلال العقل بلزومه، و لا يبعد عن الحاجبي (2) أن يشتبه عليه حكم العقل الإلزامي بغيره بعد أن اشتبه عليه أصل حكم العقل بالحسن و القبح، و المكابرة في الأول ليس بأعظم منها في الثاني.
ثانيها: ما يظهر من العدة و الغنية (3) و غيرهما من أن الحكم المذكور مختص بالأمور الدنيوية، فلا يجري في الأخروية مثل العقاب.
و هذا كسابقه في الضعف فإن المعيار هو التضرر مع أن المضار الأخروية
الشرح
(1) ما أفاده قدّس سرّه واضح لا خفاء فيه أصلا فإنّ الافتراق بين الدّليل العقلي و الشّرعي إنّما هو بالكبرى، فإنّ ملاك الدّليليّة إنّما هو بها لا بالصّغرى و لا بالمجموع، غاية ما هناك تسمية ما يكون الكبرى فيه فقط عقليّا بالعقل الغير المستقلّ في اصطلاحهم نظرا إلى عدم كفايته في الإنتاج، و إلاّ لم يعقل عدم الاستقلال فيما يحكم به العقل و تسمية ما يكون المقدّمتان فيه عقليّا بالعقل المستقلّ، كما في مسألة التحسين و التقبيح العقليّين مع ثبوت الملازمة بحكم العقل.
(2) لا خفاء فيما أفاده قدّس سرّه و إنّما العجب من حكمه بأنّ حكم العقل في المسألة استحساني، مع أنّه منكر لأصل حكم العقل رأسا، فإنّه مع إنكاره الرّأسي كيف تصوّر ما حكم به، اللّهم إلاّ أن يقال إنّ الجواب الإغماضي لا يتوقّف على التّصور التّحقيقي فتدبّر.
(3) لم أر الجواب المذكور و الفرق بين الضّررين في النّسخة الموجودة عندي من عدّة الشّيخ قدّس سرّه، فلعلّ ما كان عنده قدّس سرّه من النّسخة مغاير لما عندي، و لا ريب في لزوم تصديقه.
أعظم، اللهم إلاّ أن يريد المجيب ما سيجيء من أن العقاب مأمون على ما لم ينصب الشارع دليلا على التكليف به بخلاف المضار الدنيوية التابعة لنفس الفعل أو الترك علم حرمته، أو لم يعلم أو يريد أن المضار الغير الدنيوية (1) و إن لم تكن خصوص العقاب مما دل العقل و النقل على وجوب إعلامها على الحكيم و هو الباعث له على التكليف و البعثة.
لكن هذا الجواب راجع إلى منع الصغرى لا الكبرى.
ثالثها: النقض بالأمارات التي قام الدليل القطعي على عدم اعتبارها كخبر الفاسق (2)، و القياس على مذهب الإمامية.
الشرح
(1) هذا مبنى على كون المراد من العقاب خصوص ما يستحقّه المكلّف للمعصية من الدّخول في النّار أو العذاب و العقوبات الّتي يلحقه في عالم البرزخ إلى ورود جهنّم، لا مثل انحطاط الشّأن و المرتبة بحسب الدّرجات العالية و البعد عن مراتب قرب ساحته جلّ جلاله و الحرمان عن الفيوضات الغير المتناهية، أو خصوص دخول النّار لا غيره، ثمّ إنّ الباعث على التّكليف و بعث الرّسل إنّما هو تكميل النّفوس و حصول الاستعداد لها لفيضان رحمة الحقّ جلّت عظمته و التّشبّه بالمبدإ الموجب لقرب حضرته الّذي هو منتهى المقصود، فدفع المضارّ الأخرويّة ممّا يترتّب على هذا المقصود كجلب المنافع الأخرويّة، و ليسا ممّا يقصده بالتّكليف و البعث أوّلا و بالذّات فلعلّ مراده قدّس سرّه ما ذكرنا، لا ما ربما يستظهر من العبارة في بادي النّظر.
(2) غرضه قدّس سرّه مجرّد التّمثيل و مثاليّة الأوّل إنّما هي على سبيل الإهمال، كيف و قد صرّح قدّس سرّه بحجيّة خبر الفاسق في الجملة في مواضع من كلماته، بل و كذا غيره من الإماميّة، و قد عرفت قول المحقّق إنّه ما من مصنّف، إلاّ و يعمل بخبر المجروح، و كذا قول الشيخ و غيره من الأصحاب رضوان اللّه عليهم.
و أجيب عنه تارة بعدم التزام حرمة العمل بالظن عند انسداد باب العلم، و أخرى بأن الشارع إذا ألغى ظنا تبين أن في العمل به ضررا أعظم من ضرر ترك العمل به.
و يضعف الأول (1) بأن دعوى وجوب العمل بكل ظن في كل مسألة انسد فيها باب العلم و إن لم ينسد في غيرها الظاهر أنّه خلاف مذهب الشيعة، لا أقل من كونه مخالفا لإجماعاتهم المستفيضة، بل المتواترة كما يعلم مما ذكروه في القياس.
و الثاني: بأن إتيان الفعل حذرا (2) من ترتب الضرر على تركه أو تركه حذرا
الشرح
(1) الجواب المذكور للمحقّق القميّ قدّس سرّه و لا يبعد أن يكون مراده من الانسداد، كما سيجيء هو الانسداد الغالبي لا الشّخصي، إلاّ أنّ مبنى الدّليل لما لم يكن على فرض الانسداد أصلا فضلا عن الغالبي يتوجّه عليه النّقض و الإبرام بحرمة العمل بالقياس المفيد للظّن بالوجوب، و التّحريم في الجملة لامتناع تطرّق التّخصيص في الدّليل العقلي، و إلاّ لم يكن حاكما فكأنّه لما عرفت حمل الانسداد في الجواب على الشّخصي.
(2) لا يخفى عليك أنّ ما أفاده قدّس سرّه في تضعيف الوجه الثّاني من أنّ عنوان وجوب دفع الضّرر المظنون في حكم العقل الّذي يرجع إلى الاحتياط في مورد قيام الأمارة على الوجوب، و التّحريم كحكمه بوجوب دفع الضّرر المحتمل فيما يحكم به من موارد تنجّز التّكليف بالعلم الإجمالي لا ينافي عنوان حرمة العمل بالظّن القياسي من كونه الأخذ به بعنوان التّدين و التّعبد به، و لذا انعقد الإجماع على حسن الاحتياط في موارد القياس و أشباهه مع انعقاد الإجماع على حرمة العمل به كما يحكم بحرمة العمل بالظّن المشكوك الاعتبار أيضا بهذا العنوان، فلا فرق في عنوان الحرمة و معروضها بينهما أصلا، و إنّما الفرق بينهما بعد ثبوت حرمة العمل بالخصوص في القياس جواز قيام
........
الشرح
الدّليل على الاعتبار في المشكوك الاعتبار، فيخرج العمل به عن عنوان التّشريع و عدم جوازه في القياس و أشباهه إنّما هو مبنيّ على ما هو الصّواب و الحقّ عنده من كون مفاد الوجه المذكور على تقدير تسليمه، كما هو المفروض في كلام المجيب هو إيجاب الاحتياط في مورد الظّن بالضّرر في حكم العقل لا حجيّة الظّن و طريقيّته، كما هو مبني الاستدلال به و مقتضاه في زعم المستدلّ، و إلاّ فلا توجّه لما أفاده قدّس سرّه في المقام، مع أنّه قد يناقش فيه على التّقدير الصّواب، و الحقّ بأنّ مرجع تحريم العمل بالقياس و أشباهه و إن كان إلى تحريم التّعبّد بمقتضاه، فلا ينافي الاحتياط من جهة إدراك الواقع المحتمل في مورده، إلاّ أنّه ينافي وجوب مراعاة الظّن المذكور و لو بعنوان الاحتياط، ضرورة أنّ معنى إلغاء الظّن هو وجوب الرّجوع إلى الأصول الشّرعيّة الجارية في مورده، كما أنّ معنى اعتباره عند الشّارع هو رفع اليد عن الأصول الجارية في مورده، و هذا كما ترى لا يجامع إيجاب الاحتياط فيما حكم بعدم اعتباره من جهة نفس الأمارة الغير المعتبرة، نعم يجامع إيجاب الاحتياط من جهة الشّك في المسألة الفرعيّة الّتي قامت الأمارة الغير المعتبرة عليها فيما لو كان الشّك موجبا للاحتياط لكنّه لا دخل له بالاحتياط من جهة الأمارة القائمة و لو كان الأصل الجاري في المسألة نافيا للاحتياط، كما إذا كان الشّك في التّكليف.
نعم لو فرض إبطال الأصول رأسا كالطّرق الأخر غير الظّن و ما يقابله بحيث دار الأمر بينهما حكم حينئذ باعتبار الظّن فيرجع إلى دليل الانسداد، و لا دخل له بهذا الوجه و إن أمكن دفع المناقشة عمّا أفاده قدّس سرّه بأنّ غرضه الاعتراض على من أجاب بكون خروج القياس عن هذا الوجه أي حكم العقل بوجوب دفع الضّرر من جهة الخروج الموضوعي من حيث إنّ العمل به مشتمل على الضّرر الأعظم، فلا يقتضي الوجه المذكور وجوب العمل به، حيث إنّه توهّم أنّ العمل به بأيّ عنوان كان مشتمل على تلك المفسدة و ليس في مقام منع دلالة دليل إلقائه على عدم وجوب الاحتياط في مورده فتأمّل.
من التضرر بفعله لا يتصور فيه ضرر أصلا، لأنّه من الاحتياط الذي استقل العقل بحسنه و إن كانت الأمارة مما ورد النهي عن اعتباره، نعم متابعة الأمارة المفيدة للظن بذلك الضرر و جعل مؤداها حكم الشارع و الالتزام به و التدين به ربما كان ضرره أعظم من الضرر المظنون، فإنّ العقل مستقل بقبحه و وجود المفسدة فيه و استحقاق العقاب عليه، لأنّه تشريع، لكن هذا لا يختص بما علم إلغاؤه، بل هو جار في كل ما لم يعلم اعتباره.
توضيحه أنا قدمنا لك في تأسيس الأصل في العمل بالمظنة أن كل ظن لم يقم على اعتباره دليل قطعي سواء قام دليل على عدم اعتباره أم لا، فالعمل به بمعنى التدين بمؤداه و جعله حكما شرعيا تشريع محرم دلّ على حرمته الأدلة الأربعة.
و أمّا العمل به بمعنى إتيان ما ظن وجود مثلا أو ترك ما ظن حرمته من دون أن يتشرع بذلك، فلا قبح فيه إذا لم يدل دليل من الأصول و القواعد المعتبرة يقينا على خلاف مؤدى هذا الظن بأن يدلّ على تحريم ما ظن وجوبه أو وجوب ما ظن تحريمه.
فإن أراد أن الأمارات التي يقطع بعدم حجيتها كالقياس و شبهه يكون في العمل بها بمعنى التدين بمؤداها و جعله حكما شرعيا ضرر أعظم من الضرر المظنون فلا اختصاص لهذا الضرر بتلك الظنون، لأنّ كل ظن لم يقم على اعتباره دليل قاطع يكون في العمل به بذلك المعنى هذا الضرر العظيم أعني و إن أراد ثبوت الضرر في العمل بها بمعنى إتيان ما ظن وجوبه حذرا من الوقوع في مضرة ترك الواجب و ترك ما ظن حرمته لذلك، كما يقتضيه قاعدة دفع الضرر، فلا ريب في استقلال العقل و بداهة حكمه بعدم الضرر في ذلك أصلا و إن كان ذلك في الظن القياسي.
و حينئذ فالأولى لهذا المجيب (1) أن يبدل دعوى الضرر في العمل بتلك الأمارات المنهي عنها بالخصوص بدعوى أن في نهي الشارع عن الاعتناء بها و ترخيصه في مخالفتها مع علمه بأن تركها ربما يفضي إلى ترك الواجب و فعل الحرام مصلحة يتدارك بها الضرر المظنون على تقدير ثبوته في الواقع، فتأمل و سيجيء تمام الكلام عند التكلم في الظنون المنهي عنها بالخصوص و بيان كيفية عدم شمول أدلة حجية الظن لها إن شاء اللّه تعالى.
فالأولى أن يجاب عن هذا الدليل.
بأنّه إن أريد من الضرر المظنون العقاب، فالصغرى ممنوعة لأنّ استحقاق العقاب على الفعل أو الترك (2) كاستحقاق الثواب عليهما ليس ملازما للوجوب
الشرح
(1) فعلى ما أفاده قدّس سرّه يكون مرجع خروج القياس عن حكم العقل المزبور إلى التّخصّص و الخروج عن الموضوع لا التّخصيص و الخروج الحكمي، حيث إنّ حكم العقل في مسألة دفع الضّرر و لو في الضّرر المقطوع إنّما هو في الضّرر الغير المتدارك، فالضّرر المتدارك خارج موضوعا عن مورد حكم العقل و الوجه في أمره بالتّأمّل ما سيجيء في بيان وجوه خروج القياس عن دليل الانسداد من الإشكال في تماميّة هذا الوجه فانتظر.
(2) ما أفاده قدّس سرّه في بيان وجه منع الصّغرى على تقدير إرادة العقاب من الضّرر المظنون في موارد الظّن بالحكم الإلزامي من جهة عدم في حكم العقل بين الحكم الإلزامي الواقعي الّذي تعلّق به الظّن و استحقاق العقاب ممّا لا خفاء فيه أصلا، و من هنا يتخلّف قولا واحدا عن مخالفة الحكم الواقعي في موارد تحقّقها عن جهل مركّب أو بسيط في الجملة أي مع القصور لا التّقصير و هو المراد بما أفاده لا القضيّة المطلقة، فإذا لم يكن ملازمة بينهما، فلا يمكن أن يستكشف من الظّن بالحكم الإلزامي الواقعي الظّن بالضّرر و يستدلّ به عليه، إلاّ أنّ قصره الإطاعة
و التحريم الواقعيين، كيف و قد يتحقق التحريم و نقطع بعدم العقاب في الفعل كما في الحرام و الواجب المجهولين جهلا بسيطا أو مركبا، بل استحقاق الثواب و العقاب إنما هو على تحقق الإطاعة و المعصية اللتين لا تتحققان، إلاّ بعد العلم بالوجوب و الحرمة أو الظن المعتبر بهما.
و أمّا الظن المشكوك الاعتبار فهو كالشك، بل هو هو بعد ملاحظة أن من الظنون ما أمر الشارع بإلغائه، و يحتمل أن يكون المفروض منها.
اللهم إلاّ أن يقال إن الحكم بعدم العقاب و الثواب فيما فرض من صورتي
الشرح
و المعصية الموجبتين لاستحقاق الثّواب و العقاب على العلم و الظّن المعتبر محلّ مناقشة، إذ كثيرا ما يحكم بترتّب الثّواب على موافقة الأحكام الواقعيّة من دون حصول أحد الأمرين كما قد يحكم باستحقاق العقاب على مخالفتها من دون تحقّق أحدهما، كما في موارد جهل الّذي لا يكون عذرا في حكم العقل، اللّهم إلاّ أن يكون الحصر إضافيّا و مقصودا بالنّسبة إلى الظّن الغير المعتبر بحيث لا يكون في المسألة مقتضيا لاستحقاق العقوبة من غير جهة الظّن، و من هنا ألحقه بالشّك و حكما من حيث إنّ العقل حاكم بالمعذوريّة معه كما يحكم بالمعذوريّة مع الشّك و الإلحاق الموضوعي بقوله، بل هو هو كما في بعض النّسخ غلط جدّا إذ حكم الشّارع بعدم الاعتبار لا يوجب خروج الشّيء عن حقيقته و انقلابه عمّا هو عليه و القول بأنّه يوجب ارتفاع الظّن عن الأمارة خروج عن الفرض، إذ الكلام إنّما هو في حكم الظّن و قد أمر في مجلس البحث بكونه غلطا و محوه عمّا وجد فيه من النّسخ و بالجملة لا يمكن جعل حكم العقل المفروض دليلا على وجوب العمل بالظّن في المقام الموقوف على ثبوت الظّن بالعقاب الموقوف على حجيّة الظّن، و من هنا قال قدس سره و منه يعلم فساد ما ربما يتوهّم أنّ قاعدة دفع الضّرر إلخ.
الجهل البسيط أو المركب بالوجوب و الحرمة إنمّا هو لحكم العقل بقبح التكليف مع الشك أو القطع بالعدم، و إمّا مع الظّن بالوجوب أو التحريم، فلا يستقل العقل بقبح المؤاخذة و لا إجماع أيضا على أصالة البراءة في موضع النزاع.
و يرده أنه لا يكفي المستدل منع استقلال العقل و عدم ثبوت الإجماع، بل لا بدّ له من إثبات أن مجرد الوجوب و التحريم الواقعيين مستلزمان للعقاب، حتى يكون الظن بهما ظنا به، فإذا لم يثبت ذلك بشرع و لا عقل لم يكن العقاب مظنونا، فالصغرى غير ثابتة.
و منه يعلم فساد ما ربّما يتوهم أن قاعدة دفع الضرر يكفي للدليل على ثبوت الاستحقاق، وجه الفساد أن هذه القاعدة موقوفة على ثبوت الصغرى و هي الظن بالعقاب، نعم لو ادعي أن دفع الضرر المشكوك لازم توجه فيما نحن فيه الحكم بلزوم الاحتراز في صورة الظن بناء على عدم ثبوت الدليل على نفي العقاب عند الظن فيصير وجوده محتملا، فيجب دفعه لكنه رجوع عن الاعتراف (1) باستقلال العقل و قيام الإجماع على عدم المؤاخذة على
الشرح
(1) حقّ التّحرير أن يقال بدل القول المذكور لكنّه مناف لحكم العقل المستقلّ بقبح العقاب من دون وصول بيان من الشّارع إلى المكلّف و لو مع الظّن الغير المعتبر بالتّكليف، و المفروض أنّ بيانيّة الظّن في المقام دوري على ما عرفت و الوجه في أولويّة التّبديل ممّا لا يخفى، فإنّه لم يسبق اعتراف من المستدلّ بذلك، إلاّ أن يقال إنّ التزامه بإثبات حجيّة الظّن اعتراف بأنّه لولاه لم يكن مانع عن الرّجوع إلى البراءة حتّى في مورد الظّن بالتّكليف، اللّهم إلاّ أن يقال إنّ مرجع التزامه إلى ورود قاعدة دفع الضّرر دائما على قاعدة القبح و هو في معنى عدم الالتزام بلزوم قيام دليل على التّكليف في المنع عن الرّجوع إلى البراءة، و إلاّ فليس
الوجوب و التحريم المشكوكين.
و إن أريد من الضرر المظنون المفسدة المظنونة، ففيه أيضا منع الصغرى، فإنّا و إن لم نقل بتغير المصالح و المفاسد بمجرد الجهل، إلاّ أنا لا نظن بترتب المفسدة (1) بمجرد ارتكاب ما ظن حرمته لعدم كون فعل الحرام علة تامة لترتب المفسدة حتى مع القطع بثبوت الحرمة لاحتمال تداركها بمصلحة فعل آخر لا يعلمه المكلف، أو يعلمه بإعلام الشارع نظير الكفارة و التوبة و غيرهما من الحسنات اللاتي يذهبن السيئات.
و يرد عليه أن الظن (2) بثبوت مقتضى المفسدة مع الشك في وجود المانع
الشرح
في المقام دليل سوى الظّن الّذي لم يقم دليل على اعتباره غير قاعدة وجوب دفع الضّرر فتأمل.
(1) ما أفاده قدس سره مبنيّ على ما عرفت الإشارة إليه من كون حكم العقل لاحقا و عارضا في قاعدة وجوب الدّفع للضّرر الغير المتدارك من حيث كون عنوان موضوع حكمه التّضرّر الغير المتحقّق في صورة التّدارك، فكما أنّه لا بدّ من إحراز ذات الضّرر في حكم العقل كذلك لا بدّ من إحراز قيده و هو عدم التّدارك فإذا احتمل مصادفة ما يتدارك به الضّرر، فلا يلازم الظّن بالوجوب مثلا الظّن بالتّضرّر، بل قد يقال بأنّه على قول العدليّة بتبعيّة الأحكام الشّرعيّة للمصالح و المفاسد النّفس الأمريّة، لا يلازم الظّن بالحكم الإلزامي الظّن بالمفسدة في الفعل، إذ ربما يكون المصلحة في التّشريع و التّكليف أو يكون حكمة التّشريع وجود المصلحة في وجود الفعل في الجملة لا في جميع أشخاصه، و من هنا حكموا بعدم لزوم الاطّراد في الحكمة، فالظّن بالحكم لا يلزم الظّن بالضّرر في جميع موارد وجوده فتأمّل.
(2) ما أفاده ممّا لا خفاء فيه بعد التّأمّل في بناء العقل و حكم العقل في موارد
كاف في وجوب الدفع، كما في صورة القطع بثبوت المقتضي مع الشك في وجود المانع، فإنّ احتمال وجود المانع للضرر أو وجود ما يتدارك الضرر لا يعتني به عند العقلاء سواء جامع الظن بوجود مقتضى الضرر أم القطع به، بل أكثر موارد التزام العقلاء التحرز عن المضار المظنونة كسلوك الطرق المخوفة و شرب الأدوية المخوفة و نحو ذلك من موارد الظن بمقتضى الضرر دون العلة التامة له، بل المدار في جميع غايات حركات الإنسان من المنافع المقصود جلبها و المضار المقصود دفعها على المقتضيات دون العلل التامة، لأنّ الموانع و المزاحمات مما لا تحصى و لا يحاط بها.
و أضعف من هذا الجواب ما يقال إن في نهي الشارع عن العمل بالظن كلية، إلاّ ما خرج ترخيصا في ترك مراعاة الضرر المظنون، و لذا لا يجب مراعاته إجماعا في القياس.
و وجه الضعف ما ثبت سابقا (1) من أن عمومات حرمة العمل بالظن، أو بما
الشرح
ثبوته، فالمأخوذ في موضوع الحكم العقلي عدم العلم بالتّدارك لا العلم بعدم التّدارك المنتفي باحتمال التّدارك و لا التّدارك الواقعي حتّى يلزم إحراز عدمه ضرورة استحالة تعلّق الحكم العقلي بالأمر النّفس الأمري، كما ستعرف شرح القول فيه مضافا إلى ما عرّفته في مطاوي كلماتنا السّابقة.
(1) قد تقدّم سابقا عند تأسيس الأصل في العمل بالظّن، بل مطلق غير العلم أنّ النّهي عن العمل به قد يكون من باب الطّريقيّة من حيث أنّه موجب لطرح الواقع الأوّلي أو الثّانوي في مورده فيكون النّهي عنه إرشاديّا، حتّى لا يقع في محذور مخالفة الواقع المحتمل أو المحقّق، و قد يكون من باب الموضوعيّة من حيث إنّ التّدين به مع عدم العلم بحجيّته و لو لم يوجب طرح الواقع أصلا حرام من حيث كونه تشريعا محرّما بالأدلّة الأربعة، فإذا فرض الظّن بوجوب فعل ففعله المكلّف
عدا العلم إنّما يدل على حرمته من حيث إنه لا يغني عن الواقع، و لا يدلّ على حرمة العمل به في مقام إحراز الواقع و الاحتياط لأجله و الحذر عن مخالفته.
فالأولى أن يقال إن الضرر و إن كان مظنونا، إلاّ أن حكم الشارع قطعا أو ظنا بالرجوع في مورد الظن إلى البراءة و الاستصحاب و ترخيصه لترك مراعاة الظن أوجب القطع أو الظن بتدارك ذلك الضرر المظنون، و إلاّ كان ترخيص العمل على الأصل المخالف للظن إلغاء، توضيح ذلك أنّه لا إشكال في أنه متى ظن بوجوب شيء، و أن الشارع الحكيم طلب فعله منّا طلبا حتميا منجزا، لا يرضى بتركه، إلاّ أنه اختفى علينا ذلك الطلب أو حرم علينا فعلا كذلك، فالعقل مستقل بوجوب فعل الأول و ترك الثاني، لأنه يظن في ترك الأول الوقوع في مفسدة ترك الواجب المطلق الواقعي و المحبوب المنجز النفس الأمري و يظن في فعل الثاني الوقوع في مفسدة الحرام الواقعي و المبغوض
الشرح
تحرّزا عن الوقوع في مخالفة الحكم الإلزامي و بعنوان الاحتياط بحيث لا يكون في فعله احتمال حرمة أصلا فليس الفعل المزبور بالعنوان المذكور محرّما بوجه من الوجوه، بل يكون حسنا قطعا في حكم العقل.
نعم قد عرفت أنّ إيجاب الاحتياط في مورد الظّن المزبور من جهته مع فرض ترخيص الشّارع الرّجوع إلى الأصل المقابل للظّن المستفاد ممّا دلّ على عدم اعتباره و لو من جهة الشّك في الاعتبار لا يجامع عدم حجيّة الظّن و المفروض كون مفاد الدّليل المذكور الاحتياط لا الحجيّة، كما هو مبنى كلامه قدّس سرّه، فتأمل و ممّا ذكرنا يظهر أنّ ما أفاده قدس سره بقوله المذكور (إنّما هو بالنّسبة إلى بعض ما دلّ على حرمة العمل بالظّن، و إلاّ فقد عرفت تصريحه مرارا بثبوت الجهة الثّانية لحرمة العمل بالظّن)، فلعلّه ترك التّعرض له في المقام من جهة تعرّضه فيما تقدّم لعدم مانعيّة للعمل بالظّن بالضّرر بعنوان الاحتياط.
النفس الأمري، إلاّ أنه لو صرح الشارع بالرخصة في ترك العمل في هذه الصورة كشف ذلك عن مصلحة يتدارك بها ذلك الضرر المظنون، و لذا وقع الإجماع على عدم وجوب مراعاة الظن بالوجوب أو الحرمة إذا حصل الظن من القياس، و على جواز مخالفة الظن في الشبهات الموضوعية حتى يستبين التحريم، أو تقوم به البينة.
ثمّ إنّه لا فرق بين أن يحصل القطع (1) بترخيص الشارع ترك مراعاة الظن
الشرح
(1) لمّا أبطل مانعيّة مجرّد احتمال التّدارك و مزاحمته لحكم العقل بوجوب الدّفع و لو كان بمرتبة الشّك فالتزم بإثبات التّدارك للضّرر بما ذكره معمما في مراتب الثّبوت بقوله هذا، و ما أفاده من عدم الفرق بين حصول القطع بالتّدارك و بين الظّنّ به ممّا لا خفاء فيه أصلا، حيث إنّه لا يظنّ بالضّرر مع الظّن بالتّدارك أيضا، كما لا يظنّ به مع القطع بالتّدارك من جهة القطع بالإذن من الشّارع فالواجب في حكم العقل دفع الضّرر و المظنون الّذي لم يظنّ تداركه فإنّه مع الظّن بالتّدارك يكون كالظّن بالسّلامة، فكما لا يحكم العقل بوجوب دفع الضّرر المقطوع الّذي يقطع بتداركه من جهة القطع بإذن الشّارع، كذلك لا يحكم بوجوب دفع مظنونه مع التّدارك الثّابت بإذن الشّارع و لو ظنّا.
نعم الفرق بينهما أنّه مع القطع بالضّرر لا يجوز الرّجوع إلى الأصول من جهة القطع بالحرمة، و مع الظّن به يجوز الرّجوع إليها من حيث إنّ الظّن لم يثبت حجيّته شرعا، و إنّما فرض حكم العقل بوجوب الدّفع في مورده من باب الاحتياط و المفروض أنّ إذن الشّارع في مورده ظاهرا الكاشف عن التّدارك لا ينافي حكم العقل أصلا كما عرفت، و من هنا يعلم أنّه لو فرض قيام الدّليل على اعتبار الظّن بالحكم شرعا لم يجز الرّجوع إلى الأصول أيضا، حيث إنّ الدّليل مانع عن الرّجوع إلى الأصل بخلاف العكس فافهم.
........
الشرح
ثمّ إنّ له قدس سره تعليق متعلّق بالمقام قبل قوله، ثم إنّ مفاد هذا الدّليل إلى آخره لا بدّ من نقله و إيراده و بيان ما يحتاج إلى التّوضيح منه، ثمّ إيراد ما يخطر بالبال في تنقيح المقام قال قدس سره و محصّل الكلام: «أن الضّرر الدّنيوي لمّا جاز حكم الشّارع عليه بجواز الارتكاب بخلاف الضّرر الأخروي، فيجوز أن يحكم الشّارع بجواز الارتكاب مع ظنّه، فيكون مظنون الضّرر كمحتمله مرخّصا فيه بأدلّة الأصول، نعم لو ثبت طريقيّة الظّن و حجيّته كان كمقطوع الضّرر، فإذا فرضنا أنّ الإضرار الواقعي بالنّفس محرّم، فإن قطع أو ظن بظنّ معتبر جاء التّحريم و إلاّ دخل تحت الشّبهة الموضوعيّة المرخّص فيها مع الشّك و الظّن الغير المعتبر، فوجوب دفع الضّرر المظنون موقوف على إثبات طريقيّة الظّن فإثباتها به دور ظاهر، فالتّحقيق أنّ الظّن بالضّرر إن استند إلى الأمارات الخارجيّة في الشّبهات الموضوعيّة كان طريقا و حجّة بإجماع العقلاء و العلماء و السّر فيه انسداد باب العلم بالضّرر في الأمور الخارجيّة، فالعمل بالأصول في مقابل الظّن يوجب الوقوع في المضار الكثيرة بحيث يخلّ بنظام المعاش نظير ترك العمل بظنّ السّلامة و إن كان مستندا إلى الأمارات في الشّبهات الحكميّة، فلا دليل على اعتباره، بل المرجع الأصول المرخّصة النّافية للتّكليف، إلاّ إذا ثبت انسداد باب العلم فيها فيرجع إلى دليل الانسداد، و كذلك الكلام في ظنّ السّلامة في مقابل الأصول المثبتة للتّكليف فتأمّل، و الأولى و الأسلم الجواب بمنع ترتّب الضّرر الدّنيوي على مخالفة الواجب و الحرام إمّا بالوجدان، و إمّا لاحتمال كون المصالح و المفاسد مترتّبة على المخالفة عصيانا لا مطلقا، و لا يلزم من ذلك عدم حسن الاحتياط في موارد الشّك فافهم» انتهى كلامه قدس سره في الهامش، قوله فيه: (فوجوب دفع الضّرر المظنون) إلى آخره، ظاهره و إن كان في بادي النّظر منع أصل الكبرى في الضّرر المظنون الدّنيوي ما لم يثبت حجيّته نظرا إلى كون
........
الشرح
التّحريم متعلّقا بالإضرار الواقعي، فيكون الظّن المتعلّق به كالظّن الغير المعتبر المتعلّق بسائر الموضوعات المحرّمة إلاّ أنّه بعد التّأمل في أطراف كلماته يعلم أنّ مراده منع وجوب الدّفع من حيث ترخيص الشّارع الثّابت بأدلّة الأصول الموجب للتّدارك الرّافع لقيد الموضوع في حكم العقل، كما أنّ إذن الشّارع بالنّسبة إلى الضّرر الأخروي يرجع إلى رفع الموضوع أيضا فينطبق على ما أفاده في الكتاب، فإذا كان تطبيق الكبرى في المورد الخاص على الصّغرى موقوفا على حجيّة الظّن، حتّى يمنع جريان الأصل المثبت للتّدارك، فلا يمكن إثبات حجيّة الظّن بالضّرر بنفس وجوب الدّفع الموقوف جريانه على إثبات الصّغرى الموقوف على الحجيّة، و إلاّ لزم الدّور الواضح من حيث توقّف الصّغرى على الحجيّة المتوقّفة على وجوب الدّفع المتوقّف على الحجيّة، فإنّ أسقطت الواسطة قلت يتوقّف كلّ من الصّغرى و الكبرى على الأخرى و توهّم لزوم الدّور أيضا من استناد رفع قيد الموضوع إلى أصالة البراءة من حيث إنّ إجراءها يتوقّف على عدم البيان الموقوف على عدم حجيّة الظّن بالضّرر المستند إلى أصالة البراءة، فيلزم توقّف كلّ من الصّغرى و الكبرى في قاعدة قبح العقاب من غير بيان على الأخروي، و هذا معنى الدّور فاسد جدّا حيث إنّ القاعدة يتوقّف على عدم العلم بالحجيّة و هو حاصل في المقام إذ المفروض عدم إمكان حجيّة الظّن بالضّرر بنفس وجوب الدّفع و حكم العقل لكونه دوريّا.
هذا و سيجيء تتمّة الكلام في ذلك عند تعرّض شيخنا قدس سره له في الجزء الثّاني من الكتاب قوله قدس سره في الحاشية: (فالتّحقيق أنّ الظّن بالضّرر) إلى آخره، مراده من ذلك الظّن المتعلّق بموضوع الضّرر من الأمارات الخارجيّة القائمة عليه ابتداء و بالذّات في قبال الظّن المتعلّق به ثانيا و بالغرض من جهة الظّن بالحكم الشّرعي الإلزامي سواء كان من جهة تعلّقه بالحكم الكلّي، كما في الشّبهات
........
الشرح
الحكميّة، كما هو مفروض البحث أو الحكم الجزئي، كما في الشّبهات الموضوعيّة الوجوبيّة أو التّحريميّة.
و من هنا تبيّن أنّ ملاك الفرق بين القسمين هو تعلّق الظّنّ بالضّرر ابتداء من غير تعلّقه به من جهة تعلّقه بالحكم الإلزامي المبني على المفسدة على مذهب العدليّة و إن كان من جهة تعلّقه بوجود الضّرر في موضوع كلّي و تعلّقه به من جهة تعلّقه بالحكم الإلزامي و إن كان من جهة تعلّقه بتحريم موضوع جزئي من جهة الظّن بكونه من مصاديق الحرام المعلوم في الشّرع و جعل السّر في اعتبار الظّن في الأوّل انسداد باب العلم بالضّرر فيه غالبا، حيث إنّه لا يعلم به غالبا إلاّ بعد الوقوع فيه يحتمل أن يكون من باب الحكمة لانعقاد إجماع العلماء و العقلاء على اعتباره، كما هو الحكمة في اعتبار أغلب الظّنون الخاصّة، و يحتمل أن يكون من جهة كونه علّة و دليلا بحجيّة الظّن به في حكم العقل، فيكون هو الوجه و الدّاعي لإجماعهم على سلوكه، كما هو الشّأن في إجماعهم على اعتبار الظّن في الأمور المستقبلة و جملة من الموضوعات الخارجيّة كالعدالة و النّسب و الوقف و نحوها ممّا ستعرف الكلام فيها في تنبيهات دليل الانسداد و الفرق بين الوجهين لا يكاد يخفى على أحد، فالظّن بالمفسدة و الضّرر في القسم الثّاني بناء على ما أفاده قدس سره لا يفيد شيئا، إلاّ إذا فرض تماميّة مقدّمات الانسداد في الشّبهات الحكميّة و عليه يحكم بحجيّة الظّن المتعلّق بالحكم الشّرعي الكلّي ابتداء من غير اعتبار توليد الظّن بالضّرر منه، و لذا لا يفرق على فرض تماميتها بين مذهب العدليّة و الأشاعرة و الوجه في أمره بالتّأمّل عقيب حكمه قدس سره بالفرق بين القسمين ما سننبّئك عليه في توضيح المقام من أنّه لو حصل الظّن بمرتبة من الضّرر يجب دفعها في حكم العقل إذا حصل الظّن بها في الموضوعات الخارجيّة كالضّرر المهلك من الظّن بالحكم الشّرعي الكلي لم يكن معنى للحكم بعدم وجوب دفعه.
........
الشرح
و من هنا ذكر قدس سره: (أنّ الأولى و الأسلم الجواب بمنع ترتّب الضّرر) إلخ، و مراده من ذلك العلم بعدم كون الضّرر و المفسدة من لوازم نفس الفعل بحيث يترتّب عليه قهرا و الشّاهدة له مشاهدة التّخلّف كثيرا أو احتمال ذلك باحتمال كون الضّرر مترتّبا على الفعل إذا صدر بعنوان العصيان كما أنّ المصلحة مترتّبة في العبادات على الفعل الصّادر بعنوان الإطاعة و لا يلزم على هذا الاحتمال عدم حسن الاحتياط في موارد احتمال الحكم الإلزامي فيما اقتضت أدلّة البراءة نفي العصيان على وجه العلم و اليقين بتوهّم أنّ حسن الاحتياط و رجحانه في حكم العقل إنّما هو من جهة التّحرز عن لوازم فعل الحرام و ترك الواجب من المفاسد الكامنة الثّابتة في نفس الأفعال بأيّ نحو وجدت، ضرورة أنّه يكفي في حسنه احتمال ترتّب المفسدة على الفعل بعنوانه الإطلاقي و التّجريد عن المعصية و إن احتمل ترتّبها على الفعل إذا صدر بعنوان العصيان، نعم على الوجه الأوّل لا معنى للحكم بحسن الاحتياط في صورة القطع بانتفاء العصيان فتدبّر هذا بعض ما خطر ببالي و خاطري القاصر في توضيح مرامه ممّا علّقه بالمقام عاجلا و إن أردت تنقيح المقام و شرح القول فيه بحيث يزول عنك جملة الشّبهات المتطرّقة في نفسك، فاستمع لما يتلى عليك بسمع الطّالب الشّائق.
فنقول من باب المقدّمة إنّه لا ريب و لا إشكال في أنّ الحكم بمعنى الإنشاء من أيّ حاكم كان شارعا أو عقلا أو غيرهما يتبع الموضوعات الوجدانيّة عند الحاكم، فيلحقها من غير فرق بين الموضوعات البسيطة أو المركبة الأعمّ من المقيّدة الرّاجعة عند التّحقيق ببعض الملاحظات إلى الموضوعات البسيطة الّتي تكون علّة الحكم في نظر الحاكم و موجبة له، فلا يعقل عروض الحكم للموضوع النّفس الأمري المجهول عند الحاكم بحيث يلزم وجود الحكم في الواقع من الحاكم مع جهله به، ضرورة استحالة تبعيّة الأمر الوجداني للأمر النّفس الأمري.
........
الشرح
و أمّا تقسيم الحكم الشّرعي إلى الواقعي الشّأني و الفعلي المنجّز فإنّما هو بملاحظة أمر آخر يرجع إلى المكلّف لا إلى الشّارع الحاكم فلا يعقل جهل الشّارع بحكمه و إنّما يتصور جهل الغير بحكم الشّارع، و هذا ليس من جهة كونه شارعا عالما بالغيب معصوما عن الخطإ، بل من جهة كونه حاكما حسبما عرفت.
و من هنا قلنا بامتناع جريان الاستصحاب في الأحكام العقليّة الرّاجعة إلى التّحسين و التّقبيح العقليّين كما يمرّ عليك في باب الاستصحاب، حيث أنّه لا يتصوّر الشّك فيها للعقل و حكمنا بفساد القول بجريان استصحاب الاشتغال العقلي و البراءة العقليّة، كما ستقف عليه في باب البراءة و إن كان الشّكّ متصوّرا في الحكم الشّرعي المستكشف من الحكم العقلي و إن رجع إلى الشّكّ في بقاء ما هو المناط و الموضوع في نظر الشّارع، و معه لا يجري الاستصحاب أيضا إلاّ أنّه ليس من تلك الحيثيّة كما لا يخفى، و لذا قلنا بجريان الاستصحاب لإثبات الحكم الشّرعي فيما يرجع الشّك فيه إلى الشّك في بقاء الموضوع في الآن اللاّحق فيما لا يرجع إلى الشّك في موضوعيّة الموضوع كالموضوع الّذي كان مضرّا في السّابق مثلا يقينا و شكّ في بقاء الضّرر فيه من جهة الأمور الخارجيّة، فإنّه لا مانع من استصحاب الضّرر له و الحكم من أجله بالحرمة الشّرعيّة و إن لم يكن الحكم بالحرمة العقليّة بمعنى التّقبيح العقليّ من حيث كون حكمه تابعا للأمر الوجداني لا للأمر الواقعي النّفس الأمريّ حتّى يقبل الشّك في بقائه إذا عرفت ما قدّمنا لك من المقدّمة، فاستمع لما يتلى عليك في توضيح المقام في موضوعين:
أحدهما: في الضّرر الأخروي.
ثانيهما: في الضّرر الدّنيوي.
أمّا الأوّل: فتحقيق القول فيه أنّه لا ريب في استقلال العقل و حكمه بوجوب دفع محتمله كمقطوعه من غير فرق بين مراتب الاحتمال ظنّا و شكّا و وهما، إلاّ في
........
الشرح
الوضوح و الخفاء حيث إنّ حكمه بوجوب دفع الموهوم ليس كحكمه به في المشكوك و في المشكوك ليس في الوضوح كحكمه به في المظنون، كما أنّ في المظنون ليس كحكمه به في المقطوع في كونه بالنّظر الأوّلي و إن كان حكمه في الموهوم ينتهي إلى البديهي الأوّلي فضلا عن حكمه في المظنون كما هو الشّأن في جميع النّظريّات، و توهّم عدم حكمه في الموهوم أصلا فاسد جدّا، حيث إنّه مخالفته للوجدان السّليم موجب لإقحام الأنبياء و أن لا يكون للّه تعالى حجّة على غير النّاظر و عدم حكمه بوجوب شكر المنعم الّذي هو مبنى وجوب معرفة اللّه تعالى و لو في حقّ المتوهّم فليس حكم العقل بوجوب دفع الضّرر المظنون من حيث كون الظّن طريقا إلى الضّرر النّفس الأمري، و إلاّ لم يتحقّق في المشكوك و الموهوم كما لا يخفى، مضافا إلى ما عرفت في المقدّمة من استحالة لحوق حكم العقل للموضوع النّفس الأمري، بل من حيث ذاته كالمقطوع، فالعلم و الظّن سيّان من هذه الجهة ثمّ إنّ الحكم العقلي المذكور في المقام و إن كان إرشاديا كسائر الأحكام العقليّة، إلاّ أنّه لا يمكن أن يجعل دليلا على الحكم الشّرعي المولوي كما في أكثر الموارد بل يجعل دليلا على الحكم الإرشادي للشّارع لاستحالة الاستكشاف من ذلك في المقام، كما في حكمه في مسألة وجوب الإطاعة و حرمة المعصية، حيث أن حكم العقل فيها لا يمكن أن يجعل دليلا، إلاّ على الحكم الإرشادي للشّارع، كما هو واضح لا سترة فيه فكلّ ما ورد ممّا يدلّ على الطّلب الإلزامي من الآيات و الأخبار، فيحمل على الطّلب الإرشادي، فيكون تأكيدا لحكم العقل به كأوامر الإطاعة.
ثمّ إنّ حكم العقل فيما ذكرنا من الضّرر الأخروي بمراتبه المذكورة لا يبحث فيه من حيث إنّه لا حق للضّرر أو الضّرر الغير، حيث أنّ إيقاع الشّارع في الضّرر الأخروي مع جبره بالتّدارك غير معقول و إن كان حكم العقل لاحقا عند التّحقيق
........
الشرح
للضّرر الغير المتدارك مطلقا ففي كلّ موضع لم يحكم فيه بوجوب الدّفع بالنّسبة إلى الضّرر الأخروي مع إذن الشّارع خصوصا أو عموما فليس من جهة كشفه عن التّدارك و ارتفاع القيد للموضوع العقلي، بل من جهة ارتفاع أصل الضّرر مع إذن الشّارع، ضرورة امتناع التّخصيص، بل الحكومة بالنّسبة إلى الأحكام العقليّة، فلا بدّ أن يجعل دليل الإذن واردا على الحكم العقلي و رافعا لموضوع حكمه حقيقة، فإذا فرضنا في المقام كما هو المفروض عدم قيام دليل من الخارج على حجيّة الظّن بالوجوب و التحريم، بل أريد إثبات حجيّته بنفس حكم العقل من حيث كون الظّن بهما ظنّا بالضّرر الأخروي فهو إنّما يتمّ فيما إذا كان الظّن بهما ظنّا به مع قطع النّظر عن حكم العقل بوجوب دفع الضّرر المظنون و إلاّ لدار، فلا يتمّ القياس و الاستدلال، و المفروض أنّ الحاكم باستحقاق العقاب على مخالفة المولى العقل، فلا يعقل أن يتبع حكمه المخالفة الواقعيّة التّابعة للطّلب الحتمي النّفس الأمري، بل إنّما يتبع تبيّن الطّلب و قيام الدّليل عليه عند المكلّف و لو في مرحلة الظّاهر إلاّ فيما لا يعذر فيه الجاهل من جهة جهله مع التّقصير حيث أنّ نفس احتمال الحكم الإلزامي يكفي في تنجّزه في حقّه كما هو واضح.
و هذا معنى ما ذكرنا من لحوق حكم العقل للموضوع الوجداني لا النّفس الأمريّ، و من هنا ذكر شيخنا قدس سره في مطاوي كلماته الشّريفة أنّ حكم العقل بالاستحقاق يتبع المعصية الّتي هي من الأمور الوجدانيّة، لا المخالفة الواقعيّة للخطاب الشّرعي النّفس الأمري، فإذا لا يحتاج في إبطال جعل حكم العقل بوجوب دفع الضّرر المظنون الأخروي دليلا على حجيّة الظّن بالوجوب و التحريم إلى ملاحظة ورود دليل البراءة على هذه القاعدة العقليّة، بل نفس القاعدة غير جارية إذا فرض استحالة جعلها موجبة للصّغرى و هو الظّن بالضّرر و العقاب حسبما عرفت، و هذا معنى عدم إمكان الاستدلال على حجيّة الظّن بقاعدة وجوب دفع الضّرر، بل قد يتأمّل في إبطال
........
الشرح
جعله دليلا من جهة الورود المذكور بعد تسليم وجود الموضوع لقاعدة وجوب الدّفع مع قطع النّظر عن حكم العقل في قاعدة قبح العقاب من غير بيان و غيره من أدلّة البراءة، حيث إنّه يجعل بيانا بعد تسليم وجود موضوعه بالملاحظة المسطورة و دليلا ظاهريّا على وجود الحكم الإلزامي، فيجعل واردا على دليل البراءة و إن كان فاسدا بما أشرنا إليه سابقا عن قريب في توضيح ما أفاده قدس سره من لزوم الدّور في كلامه السّابق في الهامش فتأمّل، فإنّ المقام حقيق بالتأمّل فيه، بل قد يقال برجوع ما أفاده قدس سره في غير موضع من ورود دليل البراءة على القاعدة إلى ما ذكرناه، و بالجملة حكم العقل بوجوب دفع الضّرر المظنون عند الظّن بالوجوب و التّحريم سواء كان في الشّبهة الحكميّة أو الموضوعيّة إنّما يجعل دليلا على عدم معذوريّة المكلّف و حسن عقابه على الواقع المظنون فيما فرض عدم معذوريّة الجاهل من جهة جهله من غير توقّف على كون الظّن دليلا كما في الجاهل المقصّر الّذي منه التّارك للنّظر في المعجزة، فهذا الدّليل لا يتمّ إلاّ بإرجاعه إلى دليل الانسداد، فلا يكون دليلا مستقلا على المدّعى، كما هو المدّعى و القول بعدم المانع من جعله دليلا مستقلا مع توقّفه على ضمّ مقدّمات الانسداد نظرا إلى أنّه قد يؤخذ مقدّمات دليل في دليل آخر كما في القوانين فيه ما لا يخفى.
ثمّ إنّ الحكم العقلي المذكور فيما يكون ثابتا كما في موارد عدم معذوريّة الجاهل حسبما عرفت إنّما يصحّ دليلا على حسن المؤاخذة على الواقع المظنون على تقدير ثبوته و في نفس الأمر لا على حجيّة الظّن بالحكم الإلزامي، و إلاّ لم يتحقّق في المحتمل، إذ لا يعقل طريقيّة مجرّد الاحتمال، مع أنّك قد عرفت ثبوت حكمه في المحتمل كالمظنون و هذا و إن كان أمرا ظاهرا لا سترة فيه بعد التّأمّل فيما ذكرنا، إلاّ أنّه كلام آخر لا تعلّق له بالمقام هذا بعض الكلام في الموضع الأوّل.
........
الشرح
و أمّا الموضع الثّاني: و هو الضّرر الدّنيوي فتفصيل القول فيه أنّه لا شبهة في استقلال العقل في الحكم بوجوب دفع مقطوعه و مظنونه في الجملة و لو كان في خصوص ما يوجب هلاك النّفس أو يقرب منه، بل التّحقيق حكمه بوجوب دفع المحتمل من هذا القسم من الضّرر الدّنيوي الّذي يحكم به مع القطع أو الظّن به في الجملة أي في بعض مراتب الاحتمال، و لا ينافي ما ذكرنا في الموضع الأوّل من حكم العقل بالوجوب في المحتمل من الأخروي مطلقا للفرق بين الضّررين، كما لا يخفى، كالفرق بين مراتب الضّرر الدّنيوي حسبما، لكن حكمه بالوجوب فيما يحكم به من الضّرر الدّنيوي حتّى في المقطوع منه إنّما هو من حيث ذات الضّرر و عنوانه بنفسه مع قطع النّظر ممن ضمّ عنوان آخر حسن إليه بالعرض كحكمه بالحسن و القبح في كثير من الموضوعات و العنوانات، فإنّه ليس إلاّ بالملاحظة الّتي ذكرنا و ليس العنوان المعروض للحسن و القبح فيها علّة تامّة لهما في نظر العقل، بل إنّما هو مقتض لهما.
فإن شئت قلت: إنّهما يعرضان في أكثر الموارد للعنوانات المقيّدة بعدم المزاحم لا المطلقة البسيطة، كما في بعض الموارد كقبح الكفر باللّه و الظلم و المعصية و حسن الإيمان باللّه و إطاعته مثلا، فإذا حكم الشّارع في مورد بتعريض النّفس للمهلكة، فيكشف ذلك عن ضمّ عنوان حسن إلى الضّرر غالب على قبحه، و من هنا ذكر قدس سره في الكتاب أنّه يجوز إذن الشّارع في ارتكاب الضّرر المقطوع الدّنيوي فضلا عن المظنون منه و إن كان مجرّد احتمال ذلك غير مجد في نظر، و إلاّ لزم تأثير الأمر النّفس الأمري في الأمر الوجداني و هو محال ظاهر على ما عرفت مفصّلا.
ثمّ إنّ الحكم العقلي المذكور يكشف بقاعدة التّلازم من حيث قابليّة المورد سواء كان في مقطوع الضّرر أو مظنونه عن حكم شرعيّ مولويّ يعاقب على
........
الشرح
مخالفته و إن تخلّف الاعتقاد عن الواقع، لما عرفت من استحالة طريقيّة الاعتقاد في المستقلاّت العقليّة، و من هنا ذكر الفقهاء رضوان اللّه عليهم في باب القصر أنّ سلوك طريق مقطوع العطب أو مظنونه معصية يجب إتمام الصّلاة معه و إن انكشف عدم الضّرر و ليس قولهم هذا مبنيّا على حرمة التّجري، كما زعم و استظهره شيخنا العلاّمة قدس سره من كلماتهم على ما عرفت في أوّل الكتاب في فروع مسألة العلم، بل على ما ذكرنا، و ليس هذا كحكمه في الضّرر الأخرويّ من حيث عدم إمكان كشفه عن حكم شرعيّ مولوي في مورده على ما عرفت شرح القول فيه في الموضع الأوّل، هذا في الضّرر الدّنيوي الّذي يستقلّ العقل بالحكم فيه و قد عرفت عدم إمكان جعل الظّن طريقا بالنّسبة إليه من حيث اختصاص طريقيّته بما يكون الحكم عارضا، نعم يمكن طريقيّته فيما لوحظ بالنّسبة إلى الحكم الشّرعي المعلّق على نفس ارتكاب المضر الواقعي و لو كان مهلكا، و يحكم العقل بوجوب الدّفع في مقطوعه و مظنونه بل مشكوكه فتدبّر.
و أمّا الضّرر الّذي لا يستقلّ العقل بحكمه من حيث كونه دون المرتّبة الّتي يحكم العقل فيها، فلا إشكال في إمكان ثبوت الحرمة الشّرعيّة له من حيث كون الموضوع في الحكم الشّرعي في باب الضّرر أوسع منه في الحكم العقلي و حكم العقل بوجوب الدّفع إجمالا من جهة تصديق الشّارع نظرا إلى عكس قاعدة التّلازم كما هو الشّأن في جميع موارد ثبوت الحكم الشّرعي فيما لا يستقلّ العقل بحكمه، فلا إشكال في إمكان جعل الظّن طريقا بالنّسبة إليه خصوصا أو عموما من جهة قيام دليل خاصّ أو عامّ كشبه دليل الانسداد حيث إنّه قد يقال بجريانه في بعض الموضوعات الّتي منها الضّرر على ما عرفت الإشارة إليه في شرح الحاشية، و على هذا القسم لا بدّ من أن يحمل ما أفاده قدس سره فيها لما عرفت من استحالة طريقيّة الظّن فيما يستقلّ العقل بحكمه.
........
الشرح
ثمّ إنّ هذا الّذي ذكرنا إنّما هو فيما لو تعلّق الظّن ابتداء بالضّرر الدّنيوي و إن تعلّق الظّن بالحرمة من جهته كما فيما يظنّ كونه مضرّا في الموضوعات الخارجيّة، و أمّا إذا تعلّق الظّن ابتداء بالحرمة فيظنّ من جهته بالضّرر الدّنيوي كما في الظّن بالتّحريم مثلا في الشّبهات الحكميّة حسبما يبحث عنه بناء على ما هو المقرّر عند العدليّة من تبعيّة الأحكام الشّرعيّة للمصالح و المفاسد النّفس الأمريّة فلم يقم هناك دليل على حجيّة الظّن حتّى يجب متابعته، لما عرفت من عدم استقلال العقل فيه بحكم و الدّليل الدّال على حرمة ارتكاب المضرّ لا يجدي مع عدم إحراز الموضوع بالطّريق المعتبر و المفروض إذن الشّارع بالرّجوع إلى الأصول فيما لم يقم هناك دليل على الرافع حتّى في مورد قيام الظّن، فالضّرر و إن كان مظنونا من جهة الظّن بالتّحريم الشّرعي، إلاّ أنّه مع كونه متداركا على تقدير ثبوته من جهة إذن الشّارع فيه الثّابت بالفرض لا يستقلّ العقل فيه بشيء، فجعل مطلق الظّن بالضّرر في الفرض حجّة يتوقّف على جعل الظّن بالحرمة مطلقا حجّة شرعيّة من دليل الانسداد و نحوه، فيرجع الكلام إلى عدم صلاحيّة قاعدة وجوب الدّفع لجعل الظّن بالتّحريم و الوجوب حجّة في الأحكام الشّرعيّة من حيث استلزامه للظّن بالضّرر الدّنيوي، إمّا من جهة منع استقلال العقل في ذلك الّذي يرجع إلى المنع الكبروي، و إمّا من جهة ثبوت التّدارك من إذن الشّارع في مورد الظّن المستفاد من أدلّة حرمة العمل بغير العلم و أدلّة الأصول فيرجع إلى المنع الصّغروي، و إن كان الثّاني منظورا فيه نظرا إلى أنّه بعد تسليم استقلال العقل في الحكم لم يكن هناك محلّ للرّجوع إلى عمومات حرمة العمل بغير العلم أو أدلّة الأصول، فلا بدّ من منع استقلال العقل و إن كان إذن الشّارع على تقدير مصادفته للوقوع في الضّرر في مورد ثبوته يتدارك به الضّرر، فلعلّ هذا وجه أمره قدس سره بالتّأمّل و إن كان بعيدا عن مساق العبارة، إذ الظّاهر منها بعد إمعان النّظر كما صرّح
........
الشرح
به قدس سره في مجلس المذاكرة على ما هو ببالي و عرفت توجيه التّأمّل به في مطاوي شرح الحاشية التّأمل في حكم الظّن المتعلّق ابتداء بالضّرر كما في الشّبهة الموضوعيّة، و الظّن المتعلّق به ثانيا، و بالعرض من جهة الظّن المتعلّق بالحكم الإلزامي الشّرعيّ كما في الشّبهة الحكميّة، فإنّ المناط هو الظّن بالتّضرّر عند، فلا بدّ إمّا من القول بعدم حكم العقل في الصّورتين، و إمّا من القول به فيهما، فالتّفصيل لا معنى له و إن كان هذا منظورا فيه بعد التّأمّل فيما تلوناه عليك.
ثمّ إنّ الوجه المذكور للتّأمّل دعاه قدس سره إلى العدول عمّا أفاده إلى الجواب عن القاعدة في الضّرر الدّنيوي بقوله: (و الأولى و الأسلم في الجواب) إلى آخره، الرّاجع إلى منع استلزام الظّن بالحكم الإلزامي للظّن بالمفسدة الكامنة في الفعل من غير احتياج إلى إثبات التّدارك و إن قلنا بتبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد على ما هو المفروض، إذ لا يلزم القول بذلك القول بوجود المفاسد في ذوات الأفعال، بل يكفي الالتزام بوجود المفاسد الدّاعية للطّلب و الباعثة عليه في الجملة و لو كان في الفعل باعتبار وجوده بعنوان المعصية، و لا يلزم عليه محال من حيث إنّ تحقق الإطاعة و المعصية متأخّر عن الطّلب المتأخّر عن جهته أعني المصلحة و المفسدة، إذ الحكمة الدّاعية على الطّلب و العلّة الغائية له لا بدّ أن يكون مقدّمة عليه من حيث التصوّر و إن كانت متأخّرة عنه من حيث الوجود، كما هو الشّأن في مطلق العلل الغائية حتّى الموجودة في ذوات الأفعال، فإنّ وجود الأفعال متأخّر عن الطّلب و تصور المعصية لا يتوقّف على وجود طلب خارجيّ، و من هنا حكموا بأنّ المصلحة في العبادات إنّما هي في وجودها بعنوان الإطاعة لا مطلقا.
فتحصل من ذلك أنّ القول بالتبعيّة لا يلزم وجود المفسدة في ذات الفعل فنقول في توضيح الجواب بعد منع الملازمة المذكورة إنّ الظّن بالتّحريم مثلا إنّما يكون ظنّا بالمفسدة إذا كان ظنّا، و لا يكون ظنّا بها إلاّ بعد حجيّة الظّن و هو محال
بالضرر، كما عرفت من الظن القياسي بالوجوب و التحريم، و من حكم الشارع بجواز الارتكاب في الشبهة الموضوعية و بين أن يحصل الظن بترخيص الشارع في ترك مراعاة ذلك الظن، كما في الظن الذي ظنّ كونه منهيا عنه عند الشارع، فإنّه يجوز ترك مراعاته، لأنّ المظنون تدارك ضرر مخالفته لأجل ترك مظنون الوجوب، أو فعل مظنون الحرمة فافهم.
إذا عرفت ذلك فنقول: إن أصل البراءة و الاستصحاب إن قام عليهما الدليل القطعي بحيث يدلّ على وجوب الرجوع إليهما في صورة عدم العلم و لو مع وجود الظن الغير المعتبر، فلا إشكال في عدم وجوب مراعاة ظن الضرر و في أنّه لا يجب الترك أو الفعل بمجرد ظن الوجوب أو الحرمة لما
الشرح
كما عرفته في الضّرر الأخرويّ طابق النّعل بالنّعل، و لا يلزم من ذلك عدم حكم العقل في موارد احتمال الحكم الإلزامي بحسن الاحتياط و رجحانه من جهة أنّ تحقّق الإطاعة مثلا يتوقّف على ثبوت الطّلب المفروض عدمه في مورد الاحتمال، حيث إنّ المنع الّذي ذكرنا لم يكن مبنيّا إلاّ على احتمال تبعيّة المفسدة للعصيان مع احتمال تبعيّتها لذات الفعل، فلا ينافي حسن الاحتياط المبنيّ على الاحتياط، كما لا يخفى و هذا الوجه و إن أمكن تصحيحه في الجملة بتكلّف بعيد حسبما عرفت، إلاّ أن الأوجه في الجواب عن الضّرر الدّنيوي ما ذكرنا و ملخّصه المنع من كون الظّن بالتّحريم مثلا ظنّا بالضّرر الّذي يحكم العقل بوجوب دفعه، مع قطع النّظر عن حكم الشّارع، و إلاّ لحكم به استقلالا و هو خلف فتدبّر.
فما يحكم العقل بوجوب دفعه من الضّرر لا يظنّ من الظّن بالتّحريم، و ما يظنّ من الظّن بالتّحريم لا يحكم العقل بوجوب دفعه، هذا آخر ما أردنا إيراده في المقام، و قد بقي خبايا في زوايا و لعلّ المتأمّل فيما ذكرنا يستغني به عمّا طوينا إيراده.
عرفت من أن ترخيص الشارع الحكيم للإقدام على ما فيه ظن الضرر، لا يكون إلاّ لمصلحة يتدارك بها ذلك الضرر المظنون على تقدير الثبوت واقعا.
و إن منعنا عن قيام الدليل القطعي على الأصول، و قلنا إن الدليل القطعي لم يثبت على اعتبار الاستصحاب خصوصا في الأحكام الشرعية و خصوصا مع الظن بالخلاف و كذلك الدليل لم يثبت على الرجوع إلى البراءة حتى مع الظن بالتكليف، لأنّ العمدة في دليل البراءة الإجماع و العقل المختصان بصورة عدم الظن بالتكليف، فنقول: لا أقل من ثبوت بعض الأخبار الظنية على الاستصحاب و البراءة عند عدم العلم الشامل لصورة الظن فيحصل الظن بترخيص الشارع لنا في ترك مراعاة ظن الضرر، و هذا القدر يكفي في عدم الظن بالضرر.
و توهم أن تلك الأخبار الظنية لا تعارض العقل المستقل بدفع الضرر المظنون مدفوع، بأن الفرض أن الشارع لا يحكم بجواز الاقتحام في مظان الضرر، إلاّ عن مصلحة يتدارك بها الضرر المظنون على تقدير ثبوته فحكم الشارع ليس مخالفا للعقل، فلا وجه لاطراح الأخبار الظنية الدالة على هذا الحكم الغير المنافي لحكم العقل.
ثمّ إنّ مفاد هذا الدليل هو وجوب العمل بالظن (1) إذا طابق الاحتياط لا
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ المدّعى هو حجيّة الظّن بحيث يكون مثبتا لمدلوله و طريقا إليه شرعا مطلقا سواء قام على الحكم الإلزامي و غيره و سواء وافق الاحتياط، كما إذا كان مفاده إثبات جزئيّة ما شكّ في جزئيّته أو شرطيّته أو خالفه، كما إذا كان مفاده تعيين الواجب المردّد بين المتباينين في الشّك في المكلّف به و من المعلوم ضرورة حسبما عرفت الإشارة إليه في كلام شيخنا في طيّ الجواب
من حيث هو، و حينئذ فإذا كان الظن مخالفا للاحتياط الواجب، كما في صورة الشك في المكلف به، فلا وجه للعمل بالظن حينئذ.
و دعوى الإجماع المركب و عدم القول بالفصل واضحة الفساد، ضرورة أن العمل في الصورة الأولى لم يكن بالظن من حيث هو، بل من حيث كونه احتياطا و هذه الحيثية نافية للعمل بالظن في الصورة الثانية، فحاصل ذلك العمل بالاحتياط كلية و عدم العمل بالظن رأسا و يمكن أن يرد أيضا بأنها قاعدة عملية (1) لا تنهض دليلا حتى ينتفع به في مقابل العمومات الدالة على
الشرح
عن الوجه الأوّل الّذي اختاره في سابق الأيّام عدم وفاء الوجه المذكور على تقدير تماميّته بإثبات هذا المدّعى، فإنّ مرجعه إلى الاحتياط في مورد قيام الظّن على الحكم الإلزامي، فلا يشمل فيما لو قام على غيره من الأحكام الثّلاثة، كما أنّه لا يشمل فيما لو قام على تعيين المكلّف به فيما يقتضي الاحتياط في المسألة الفرعيّة الجمع بين المحتملين و إثبات المدّعى و تماميّته من الجهتين بالإجماع المركّب و عدم القول بالفصل، كما ترى إذ من قال بحجيّة ظنّ لا يفرق بين موارد قيامه و مفاده، لا من يعمل به من باب الاحتياط، فإنّه لا معنى لعدم تفصيله، بل لا بدّ له من القول بالتّفصيل، فإنّ الحيثيّة الموجبة للعمل به نافية له فيما خالف الاحتياط، كما لا يخفى.
(1) ما أفاده قدس سره كالإيراد السّابق عليه مبنيّ على ما هو الحق و الصّواب في مفاد القاعدة من كونه وجوب الاحتياط ظاهرا في موارد الظّن بالحكم الإلزامي، فيكون أصلا من الأصول في خصوص مورد الظّن بالتكليف الإلزامي، فلا يقبل المعارضة للعمومات الاجتهاديّة المثبتة للحكم الغير الضّرري في مورد الظّن بالحكم الضّرري، بل يكون العمومات واردة عليه، كما هو الشّأن في مقابلة مطلق الدّليل مع الأصل العقلي، مع أنّ المستدلّ بهذا الوجه يريد إثبات حجيّة الظّن به بحيث يكون دليلا في مقابل العمومات الاجتهاديّة النّافية بعمومها للحكم الضّرري.
الحكم الغير الضرري، و قد يشكل بأن المعارضة (1) حينئذ تقع بين هذه القاعدة
الشرح
نعم لو قيل: بحجيّته من جهة دليل الانسداد و لم يتوجّه عليه هذا الإشكال بناء على اعتبار العمومات من باب الظّن الخاصّ الموجب لانفتاح باب العلم في مورده، كما ستقف على تفصيل القول فيه عن قريب.
(1) توضيح الإشكال أن مبنى الإيراد و هو عدم نهوض القاعدة دليلا ينتفع به في مقابل العمومات الاجتهاديّة الدّالّة على الحكم الغير الضّرري في الشّبهات الحكميّة و لو كان مواردها شكّا في التّكليف مثل قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمُ اَلطَّيِّبٰاتُ مثلا على أنّ مفاد قاعدة وجوب الدّفع إثبات الاحتياط في موارد الظّن بالتّكليف و لزوم الاحتياط في كلّ مورد فرض في حكم العقل إنّما هو من جهة احتمال الضّرر، كما هو المفروض في المقام أيضا و العمومات الاجتهاديّة المرخّصة رافعة لاحتمال الضّرر أو مثبتة للتّدارك فيما لو كان المحتمل هو الضّرر الدّنيوي، فيرجع إلى منع صغرى قاعدة وجوب الدّفع بملاحظة العمومات الاجتهاديّة، كما كان مرجع الإيراد الأوّل في قوله قدس سره: (فالأولى أن يقال) إلى آخره إليه أيضا.
لأنّ مفاده ملخّصا منع الصّغرى بملاحظة دليل البراءة و الحال أنّ مبنى الإيراد الثّاني على الإغماض عن الإيراد الأول الرّاجع إلى منع الصّغرى و تسليم تماميّة القاعدة و المنع عن إنتاجها حجيّة الظّن و المراد من الحكومة في قوله قدس سره في تقريب الإشكال، فإن نهضت للحكومة إلى آخره الورود، إذ كثيرا ما يطلق أحدهما على الآخر مسامحة فتدبّر.
و الوجه في أمره بالتّأمّل المشير إلى عدم تماميّة الإشكال و استقامة الإيراد هو أنّ مبنى الإيراد ليس على منع أصل القاعدة بمنع الصّغرى حتّى يرجع إلى الإيراد الأوّل فيستقيم حينئذ مطالبته الفرق بين الجوابين، بل على أنّ مفادها على تقدير تماميّتها و الإغماض عن منع صغراها قاعدة عمليّة و تقديم بعض الأصول العملية
القاعدة و الأصول اللفظية، فإنّ نهضت للحكومة على هذه القاعدة جرى ذلك أيضا في البراءة و الاستصحاب النافيين للتكليف المرخصين للفعل و الترك المؤمنين من الضرر فتأمل.
الثاني: أنه لو لم يؤخذ بالظن لزم ترجيح المرجوح (1) على الراجح و هو قبيح.
على بعض من حيث الاختلاف في المرتبة، لا يلازم تقديم ما هو مقدّم على الأصل العملي على الأصل اللّفظي و إن كان معمولا به عند الشّك كالأصل العملي، أ لا ترى أنّ الاستصحاب وارد على البراءة العقليّة و حاكم على البراءة الشّرعيّة، و لا يعارض أصلا من الأصول اللّفظية و إن كان في غاية الضّعف كأصالة الإطلاق فضلا من أن يقدّم عليه و الوجه فيه مع كون كلّ منهما معمولا به عند الشّك أنّ الأصل اللّفظي إنّما يعمل به عند الشّكّ في القرينة على المراد و الصّارف عن الظّاهر، و الأصل العملي ليس اعتباره من حيث كونه طريقا إلى الواقع و كاشفا عن مراد الشّارع من اللّفظ كأصل البراءة مثلا، فإنّه إنّما يعمل به عند عدم ثبوت التّكليف من الشّارع رأسا واقعا و ظاهرا نقلا و عقلا، فإذا يصلح القاعدة على تقدير تماميّتها للورود على البراءة، كما هو مبنى الإغماض و لا تصلح قرينة لإرادة خلاف الظّاهر من اللّفظ، فهذا الإيراد راجع إلى منع صلاحيّة القاعدة للصّارفيّة لا إلى رفع صغراها بالعمومات الاجتهاديّة و إن كان وجودها ملازما لرفع الصّغرى، إلاّ أنّ مبنى الإيراد ليس عليه فتأمّل حتّى لا يختلط عليك الأمر في وجه أمره قدس سره بالتّأمّل فتقع في حيص و بيص.
الشرح
(1) لا يخفى عليك أن الوجه المذكور في كلماتهم لحجيّة خصوص الخبر أو مطلق الظّن غير محصّل المراد و محتمل للوجهين، فإنّه قد يقرّر بالنّسبة إلى الحكم بمقتضى الظّن و جعل حكم اللّه الظّاهري ما اقتضاه من غير نظر إلى العمل و إن
و ربّما يجاب عنه بمنع (1) قبح ترجيح المرجوح على الراجح، إذ المرجوح
الشرح
ترتّب عليه العمل في الجملة من غير فرق بين أن يكون مفاده الحكم الإلزامي من الوجوب و التّحريم أو غيره و من غير فرق على الأوّل بين أن يكون مورده من موارد الشّك في التّكليف أو المكلّف به، و قد يقرّر بالنّسبة إلى العمل بمقتضاه و إن استتبع الحكم به أيضا في الجملة، كما إذا كان مفاده الإلزام من غير فرق بين الصّور المذكورة و على الأوّل يكون مفاده حجيّة الظّن مطلقا من غير فرق بين الصّور المتصوّرة، و المراد منه على كلّ تقدير و مفروضه أنّه لو لم يؤخذ بالظّن لم يكن هناك مناص عن الأخذ بالوهم، فلا يرد بأنّه مع التّمكن من الأخذ بالعلم و تحصيله في المسألة لا يؤخذ بشيء من الظّن و الوهم، فإذا كان الظّن حجّة فيجب تحصيله للشّاك، فإنّ اعتباره أوجب تقديمه فيجب تحصيله قال المحقّق القميّ قدس سره بعد ذكر الوجه المذكور و نقله عن العلاّمة قدس سره في نهاية الأصول و غيره في غيرها ما هذا لفظه: «و توضيحه أنّ لفظ التّرجيح في قولنا ترجيح المرجوح بمعنى الاختيار و لفظ المرجوح عبارة عن القول بأنّ الموهوم حكم اللّه أو العمل بمقتضاه و الرّاجح عبارة عن القول بأنّ المظنون حكم اللّه تعالى أو العمل بمقتضاه، و مبدأ الاشتقاق في لفظ الرّاجح و المرجوح هو الرّجحان بمعنى استحقاق فاعله المدح أو الذّم بمعنى كون الشّيء ذا المصلحة الدّاعية إلى الفعل، كما هو المصطلح في لفظ المرجّح و المرجوح إلى أن قال و بالجملة المراد أنّ الفتوى و العمل بالموهوم مرجوح عند العقل و الفتوى و العمل بالرّاجح حسن و وجهه أنّ الأوّل يشبه الكذب بل هو هو بخلاف الثّاني و لا يجوز ترك الحسن و اختيار القبح» انتهى كلامه رفع مقامه، و أنت خبير بأنّ مرادهم من الرّاجح في المقام الظّن و من المرجوح الوهم.
(1) يستفاد هذا الجواب ممّا أفاده بعض مشايخ المحقّقين في تعليف على المقام المعالم و هو مبنيّ على إرادة إثبات إيجاب العمل بمقتضى الظّن كليّة من
قد يوافق الاحتياط، فالأخذ به حسن عقلا.
و فيه أن المرجوح المطابق للاحتياط ليس العمل به ترجيحا للمرجوح، بل هو جمع في العمل بين الراجح و المرجوح مثلا إذا ظن عدم وجوب شيء و كان وجوبه مرجوحا، فحينئذ الإتيان به من باب الاحتياط ليس طرحا للراجح في العمل، لأنّ الإتيان لا ينافي عدم الوجوب.
و إن أريد الإتيان بقصد الوجوب المنافي لعدم الوجوب، ففيه أن الإتيان على هذا الوجه مخالف للاحتياط، فإنّ الاحتياط هو الإتيان لاحتمال الوجوب لا بقصده.
و قد يجاب أيضا بأن ذلك فرع (1) وجوب الترجيح بمعنى أن الأمر إذا دار
الشرح
الدّليل المذكور، فأورد عليه بأنّ لزوم ترجيح الظّن على الوهم إنّما هو من حيث كونه أقرب إلى الواقع من الوهم، فإذا فرض كون الوهم مطابقا للاحتياط فليس في ترجيحه بمعنى العمل بمقتضاه طرحا للواقع أصلا، و هذا بخلاف العكس، فإنّه لو عمل بمقتضى الظّن، باختيار ترك ما يظنّ إباحته مثلا مع احتمال وجوبه لم يؤمن من مخالفة الواقع، و من هنا ربما يناقش فيما أفاده قدس سره في الإيراد على هذا الجواب بقوله: (و فيه أنّ المرجوح المطابق للاحتياط) إلخ، بأنّ العمل بالمرجوح في الفرض و أن لم يكن طرحا للرّاجح، إلاّ أنّ العمل بالرّاجح باختيار التّرك خلاف الاحتياط يقينا و إن التزم في الفرض بعدم جواز اختيار التّرك كان هذا في معنى لزوم العمل بالمرجوح، نعم لو كان المراد من ترجيح المرجوح الفتوى بمقتضى الوهم لا بعنوان الاحتياط لم يكن معنى للجواب المذكور في كلام المجيب فتدبّر.
(1) هذا الجواب معروف ذكره في القوانين و غيره و الغرض منه أنّ مرجع الوجه المذكور إلى أن نفس دوران الأمر بين الظّن و الوهم يوجب في حكم العقل
بين ترجيح المرجوح و ترجيح الراجح كان الأول قبيحا، و أمّا إذا لم يثبت وجوب الترجيح، فلا مرجح للمرجوح و لا للراجح.
و فيه أن التوقف عن ترجيح الراجح أيضا قبيح كترجيح المرجوح فتأمل (1) جدا.
الشرح
من حيث كون الظّن راجحا و الوهم مرجوحا، وجوب العمل بالظّن و حجيّته عند العقل، فيرجع إلى كون اعتبار الظّن ذاتيا و هو فاسد، إذ مع التمكن من تحصيل العلم في المسألة يتعيّن تحصيل العلم فيها و مع العجز عنه يرجع إلى الأصول، فعلى كلّ تقدير لا يرجّح الظّن و الوهم و إن كان العمل على طبق أحدهما، نعم لو فرض في مقام وجوب ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر و كان الأمر دائرا بينهما لزم في حكم العقل ترجيح الظّن و قبح ترجيح الوهم، بل يقبح التّوقف أيضا.
(1) كأنّه قدس سره زعم من الجواب كون المراد منه مجرّد عدم ترجيح المرجوح فأورد عليه بما ذكره و لو حمله على ما عرفت في شرح المراد منه لم يورد عليه أصلا، فإنّه راجع كما ترى إلى ما أفاده في الجواب الحلّي عن الوجه المذكور فليته ذكر في وجه التّأمل ما يرجع إلى الجواب الّذي ذكره عن الجواب لا ما أفاده بقوله في الحاشية وجه التّأمل أنّ مراد المستدلّ من الرّاجح و المرجوح ما هو الأقرب إلى الغرض و الأبعد عنه في النّظر و لا شكّ في وجوب التّرجيح بمعنى العمل بالأقرب و قبح تركه مطلقا، فلا فرض لعدم وجوب التّرجيح يردّ به هذا الدّليل فلا فائدة في الرّد انتهى كلامه قدس سره في حاشية الكتاب في وجه التّأمل، فإنّ ما أفاده يرجع إلى تأييد الاستدلال بعد الجواب عن الإيراد عليه بقوله و فيه إلى آخره و يتوجّه عليه مضافا إلى أنّه ليس المقام مقام الأمر بالتّأمّل بأنّ تنزيل الاستدلال عليه موجب لأخذ تمام مقدّمات دليل الانسداد في هذا الوجه و عليه لا يتوجّه عليه ما أفاده من الإيراد أيضا كما لا يخفى.
فالأولى الجواب أولا بالنقض بكثير من الظنون المحرمة العمل بالإجماع أو الضرورة، و ثانيا بالحل و توضيحه تسليم القبح إذا كان التكليف و غرض الشارع متعلقا بالواقع و لم يمكن الاحتياط، فإنّ العقل قاطع بأن الغرض إذا تعلق بالذهاب إلى بغداد و تردد الأمر بين طريقين: أحدهما مظنون الإيصال و الآخر موهومه، فترجيح الموهوم قبيح، لأنه نقض للغرض، و أمّا إذا لم يتعلق التكليف بالواقع أو تعلق به مع إمكان الاحتياط، فلا يجب الأخذ بالراجح، بل اللازم في الأول هو الأخذ بمقتضى البراءة، و في الثاني الأخذ بمقتضى الاحتياط فإثبات القبح موقوف على إبطال الرجوع إلى البراءة في موارد الظن و عدم وجوب الاحتياط فيهما، و معلوم أن العقل قاض حينئذ بقبح ترجيح المرجوح، بل ترك ترجيح الراجح على المرجوح، فلا بدّ من إرجاع هذا الدليل إلى دليل الانسداد الآتي المركب من بقاء التكليف و عدم جواز الرجوع إلى البراءة و عدم لزوم الاحتياط و غير ذلك من المقدمات التي لا يتردد الأمر بين الأخذ بالراجح و الأخذ بالمرجوح، إلاّ بعد إبطالها.
«من أنّه لا ريب في وجود واجبات و محرمات كثيرة بين المشتبهات و مقتضى ذلك وجوب الاحتياط بالإتيان بكل ما يحتمل الوجوب و لو موهوما و ترك ما يحتمل الحرمة كذلك، و لكن مقتضى قاعدة نفي العسر و الحرج عدم وجوب ذلك كله لأنّه عسر أكيد و حرج شديد، فمقتضى الجمع بين قاعدتي الاحتياط و انتفاء الحرج العمل بالاحتياط في المظنونات دون المشكوكات و الموهومات، لأنّ الجمع على غير هذا الوجه (1) بإخراج بعض المظنونات،
الشرح
(1) الصّور المتصوّرة بعد بطلان الاحتياط الكلّي في جميع الوقائع المشتبهة
و إدخال بعض المشكوكات و الموهومات باطل إجماعا».
و فيه أنّه راجع إلى دليل الانسداد (1) الآتي، إذ ما من مقدمة من مقدمات ذلك
الشرح
كثيرة الاحتياط في المظنونات فقط و الاحتياط في المشكوكات فقط دون المظنونات و الموهومات، و الاحتياط في الموهومات فقط و التّبعيض بين الجميع، و التبعيض بين البعض المتصوّر بصور كثيرة غير مخفيّة و عين الوجه الأوّل في الجمع بين قاعدة وجوب الاحتياط من جهة العلم الإجمالي، و قاعدة نفي الحرج بإبطال غيره بالإجماع و هو بظاهره محلّ مناقشة واضحة، إذ بعد الغضّ عن سند قيام الإجماع يتوجّه عليه بأنّ تعيّن الأخذ بالظّن من جهة الإجماع يخرج الدّليل عن الدّليل العقلي، فالأولى بناء عليه التمسّك بقيام الإجماع على وجوب العمل بالظّن عند انسداد باب العلم في الأحكام الشرعيّة كما ذكره في القوانين و غيره هذا كلّه مضافا إلى أنّ صريح الوجه المذكور وجوب الاحتياط في مظنونات التّكليف الإلزامي، و أين هذا من حجيّة مطلق الظّن في الأحكام الشّرعيّة و ستقف على الفرق بينهما مضافا إلى وضوحه عند تعرّض شيخنا الأستاذ العلامة له في طيّ دليل الانسداد.
(1) توقّف إتمام هذا الدّليل على أخذ مقدّمات دليل الانسداد فيه ممّا لا ريب فيه أصلا إذا مجرّد العلم بوجود الواجبات و المحرّمات مع فرض انفتاح باب العلم أو الظّن الخاصّ أو الرّجوع إلى ما ينفي التّكليف في جميع الوقائع مع فرض الانسداد أو إلى الأصول في الوقائع لا يقتضي العمل بالظّن قطعا، فيتوجّه عليه مضافا إلى ما عرفت ما أفاده قدس سره بقوله مع أنّ العمل بالاحتياط في المشكوكات أيضا إلى آخره، حيث أنّ مبنى الدّليل المذكور على ما عرفت على وجوب العمل بالاحتياط في المظنونات و ترك العمل به في المشكوكات و الموهومات دفعا للحرج، فإذا فرض اندفاع الحرج من ترك الاحتياط في الموهومات من جهة كثرتها، فلا يلزم
الدليل، إلاّ و يحتاج إليها في إتمام هذا الدليل، فراجع و تأمل حتى يظهر لك حقيقة الحال مع أن العمل بالاحتياط في المشكوكات أيضا كالمظنونات، لا يلزم منه حرج قطعا لقلة موارد الشك المتساوي الطرفين، كما لا يخفى فيقتصر في ترك الاحتياط على الموهومات فقط، و دعوى أن كل من قال بعدم الاحتياط في الموهومات قال بعدمه أيضا في المشكوكات في غاية الضعف و السقوط.
الدليل الرابع: هو الدليل المعروف (1) بدليل الانسداد
هناك حرج من ضم الاحتياط في المشكوكات إلى الاحتياط في مظنونات التّكليف، فلا مانع من الحكم بوجوبه بمقتضى العلم الإجمالي الكلّي و دعوى ضمّ المشكوكات بالموهومات من حيث عدم وجوب الاحتياط من جهة عدم القول بالفصل فاسدة جدّا من حيث أنّ عدم وجوب الاحتياط في الموهومات إنّما هو من جهة دفع الحرج، لا من جهة تعيين المعلومات الإجماليّة بالظّن، و كلّ من قال بعدم وجوب الاحتياط في الموهومات من جهة ذهابه إلى حجيّة الظّن المطلق أو الخاص قال بعدم وجوبه في المشكوكات من جهة العلم الإجمالي الكلّي أيضا و إن التزم بوجوبه من جهة العلم الإجمالي الخاصّ الموجود في بعض المسائل و كلّ من قال بعدم وجوبه في الموهومات من جهة لزوم الحرج من مراعاته فيها مع اعترافه باندفاع الحرج من الاقتصار في مخالفة الاحتياط عليها لا يقول بعدم وجوب الاحتياط في المشكوكات، بل يقول بوجوب الاحتياط فيها.
الشرح
(1) للدّليل المذكور في كلماتهم تقريرات مختلفة و بيانات متعدّدة من حيث أخذ بعض المقدّمات فيه و تركه من جهة وضوحه أو استفادته ممّا ذكر من المقدّمات كالعلم الإجمالي بالواجبات و المحرّمات في الوقائع، و كوننا مكلّفين بها
........
الشرح
كالحاضرين الغير الموجودين، كما سلكه قدّس سرّه و إن كان مستفادا من مطاوي ما ذكره من المقدّمات كوجوب التّعرض لامتثال الأحكام المشتبهة و عدم جواز إهمالها، ثمّ إنّ الدليل المذكور قد يقرّر بالنّسبة إلى وجوب الامتثال و العمل بالأحكام المشتبهة على كثرتها، و قد يقرّر بالنّسبة إلى تحصيل الأحكام و حفظها عن الضّياع و ضبطها من حيث وجوب حفظ الأحكام الدّينيّة كفاية على المكلّفين و لو لم يكن متعلّقا لعمل المأمور بمعرفته و ضبطه كأحكام النّساء للرّجال، و كالأحكام الغير الإلزاميّة و المعروف في تقريره هو الوجه الأوّل و الفرق بينهما لا يكاد أن يخفى، إذ على الأوّل يكون تحصيل الظّن من باب المقدّمة للعمل كتحصيل العلم فلا يجب، إلاّ إذا وجب العمل، فلا يقتضي الدّليل اعتبار الظّن بالنّسبة إلى غير الأحكام الإلزاميّة و يحتاج إتمامه إلى إبطال الاحتياط و الرّجوع إلى الأصول و على الثّاني يكون مطلوبا نفسيّا كفائيّا من غير فرق بين الأحكام الإلزاميّة و غيرها، و لا يتصوّر الاحتياط على هذا التّقرير و لا الرّجوع إلى الأصول بعد فرض ثبوت وجوب الحفظ حتّى يتوقّف إتمامه على إبطال وجوب الاحتياط و الرّجوع إلى سائر الأصول و إن كان الغرض من حفظ الأحكام العمل بها في الجملة، إلاّ أنّه ليس واجبا مقدّميّا، فإنّ الغرض من إرسال الرّسل و تشريع الدّين و إبلاغه إلى المكلّفين هو حصول الكمال لأنفسهم بأخذه و العمل بمقتضاه، إلاّ أنّه لا يوجب كون وجوب البيان على الأنبياء غيريّا و بالجملة تقرير الدّليل على الوجه الثّاني غير مذكور في كلماتهم و إن كان على تقدير تماميّته أنفع من الوجه الأوّل و إن كان مقتضاه حصول المعرفة الظنية بالنّسبة إلى الواقع و القطعيّة بالنّسبة إلى الحكم الظّاهري على تقدير إثباته حجّية الظّن بالنّسبة إلى مورده أيضا، إلاّ أنّه يتوجّه عليه إشكال لزوم التبعيض في الاحتياط على ما ستقف عليه و عدم العموم له بالنّسبة إلى الظّن بغير الأحكام الإلزاميّة.
و هو مركب من مقدمات:
المقدمة الأولى: انسداد باب العلم و الظن الخاص في معظم المسائل الفقهية.
الثانية: أنه لا يجوز لنا إهمال الأحكام المشتبهة و ترك التعرض لامتثالها بنحو من أنحاء امتثال الجاهل العاجز عن العلم التفصيلي بأن يقتصر في الإطاعة على التكاليف القليلة المعلومة تفصيلا، أو بالظن الخاص القائم مقام العلم بنص الشارع و نجعل أنفسنا (1) في تلك الموارد ممن لا حكم عليه فيها كالأطفال و البهائم، أو ممن حكمه فيها الرجوع إلى أصالة العدم.
الثالثة: أنه إذا وجب التعرض لامتثالها فليس امتثالها بالطرق الشرعية المقررة للجاهل من الأخذ بالاحتياط الموجب للعلم الإجمالي بالامتثال، أو الأخذ في كل مسألة بالأصل المتبع شرعا في نفس تلك المسألة، مع قطع النظر عن ملاحظتها منضمة إلى غيرها من المجهولات، أو الأخذ بفتوى
الشرح
ثمّ إنّ ما أفاده قدس سره في بيان المقدّمة الأولى في عداد المقدّمات على الوجه الأوّل على سبيل الإجمال و الفهرست من انسداد باب العلم و الظّن الخاص في معظم المسائل الفقهيّة ليس المراد منه ما يتراءى من ظاهر لفظ المعظم، بل المراد منه هو الكثير من المسائل الفقهيّة المشتملة على الأحكام الإلزاميّة بحيث يكون الشّبهة من الكثير في الكثير و لو فرضت كثرة المعلومات التّفصيليّة أو المظنونة بالظّن الخاصّ، فالمراد أنّ المشتبهات المشتملة على الواجبات و المحرّمات يكون أكثر بمراتب من المعلومات و المظنونات بالظّن الخاص.
(1) الفرق بين الوجهين لا يكاد أن يخفى، فإنّه على الأوّل لم يصدر حكم من الشّارع في حقّ الجاهل و إنشاء في مرحلة الظّاهر أصلا، و في الثّاني صدر إنشاء من الشّارع في حقّه بمقتضى أدلّة البراءة أو أصالة العدم.
العالم بتلك المسألة و تقليده فيها.
الرابعة: أنه إذا بطل الرجوع في الامتثال إلى الطرق الشرعية المذكورة لعدم الوجوب في بعضها (1) و عدم الجواز في الآخر، و المفروض عدم سقوط الامتثال بمقتضى المقدمة الثانية تعين بحكم العقل المستقل الرجوع إلى الامتثال الظني و الموافقة الظنية للواقع، و لا يجوز العدول عنه إلى الموافقة الوهمية بأن يؤخذ بالطرف المرجوح، و لا إلى الامتثال الاحتمالي و الموافقة الشكية بأن يعتمد على أحد طرفي المسألة من دون تحصيل الظن فيها أو
الشرح
(1) المراد من البعض الّذي يكون إبطال وجوبه مقدّمة، لا جوازه هو الاحتياط، كما ستقف عليه مشروحا حيث أنّ بطلان تعيينه يكفي في الحكم بحجيّة الظّن و لا يتوقّف على بطلان جوازه، فإنّ جوازه بل رجحانه يجامع انفتاح باب الظّن الخاصّ بل العلم التّفصيلي فضلا عن الظّن المطلق، فإنّ حجيّة الظّن لا تنفي جواز إحراز الواقع بالاحتياط و هذا بخلاف سائر الأصول و الطّرق المحتملة فإنّ جوازها ينافي حجيّة الظّن، أمّا الأصول فظاهر و أمّا التّقليد و نحوه، فإنّ حجيّة الظّن في حقّ المجتهد يوجب تمكّنه عن الاجتهاد في المسألة فكيف يجوز له الأخذ بوظيفة العامي.
ثمّ إنّ المقدّمة الرّابعة، كما ترى بمنزلة الكبرى للقياس المركّب من الصّغرى الموقوفة على المقدّمات الثّلاثة، فإنّه يثبت بمعونتها الدّوران بين الامتثال الظّني و الشّكي و الوهميّ و بمقتضى المقدّمة الرّابعة تثبت كبرى هذه الصّغرى، فإنّ العقل يحكم حكما كليّا بأنّه كلّما دار الأمر فيه بين الظّن و الاحتمالين الآخرين يجب تقديم الظّن عليهما، فإذا انضمّت إلى الصّغرى المذكورة، فيحصل من المجموع العلم بالنّتيجة و هي وجوب الامتثال الظّني، و من هنا سمّي الدّليل عقليّا من حيث إنّ الحاكم في كبرى القياس المذكور العقل، و ما أفاده في تقرير المقدّمة الرّابعة و إن لم يكن واضح الدّلالة على ما ذكرنا من البيان، إلاّ أنّ مراده ما ذكر.
يعتمد على ما يحتمل كونه طريقا شرعيا للامتثال من دون إفادته للظن أصلا، فيحصل من جميع تلك المقدمات وجوب الامتثال الظني و الرجوع إلى الظن.
و أمّا المقدمة الأولى و هي انسداد باب العلم و الظن الخاص في معظم المسائل الفقهية (1)
[و هي انسداد باب العلم و الظن الخاص في معظم المسائل الفقهية].
الشرح
(1) ما أفاده بالنّسبة إلى انسداد باب العلم في أغلب الأحكام من عدم احتياجه إلى الإثبات بما في المعالم و غيره في كمال الظّهور، فإنّ كثيرا من الواجبات و المحرّمات و أن كانت معلومة في الجملة من جهة الضّرورة و الإجماع و الأخبار المتواترة، إلاّ أنّه لا ينافي ما ندّعيه من انتفاء العلم التّفصيلي بالنّسبة إلى كثير منها، فإنّ المنافي له العلم بأكثر الأحكام بحيث يلحق الباقي بالشّبهة الغير المحصورة و هو منفيّ قطعا، مع أنّ الواجبات المعلومة إنّما علمت على سبيل الإجمال لا بجميع أجزائها و شرائطها و موانعها، أ لا ترى أنّا نعلم بوجوب الصّلاة، لأنّه من أوضح ضروريّات الدّين الّتي يكون العلم بها خارجا عن الفقه حقيقة، إلاّ أنّا لا نعلم بجميع ما يعتبر فيه و كذلك الصّيام و الحجّ و الزّكاة و الخمس و غيرها من أمّهات الفروع و أصولها.
و أمّا بالنّسبة إلى انسداد باب الظّن الخاصّ المراد به ما قام الدّليل على اعتباره من حيث حصوله من سبب خاصّ، فتصديقه موقوف على أن لا يثبت ممّا تقدّم من الأدلّة القطعيّة على حجيّة الظّواهر و الأخبار ما يفي بضميمة الأدلّة القطعيّة بأغلب الأحكام بحيث لم يكن هناك مانع من الرّجوع إلى الأصول في المسائل الخالية عنه، فهذا يتوقّف على سير في الأدلّة و في المسائل الفقهيّة و لو على نحو الإجمال حتّى يعلم وجود ما علم حجيّته بالخصوص في أغلبها و عدمه، و ليس هذا أمرا مضبوطا جدّا، بل يختلف باختلاف اعتقاد العلماء في باب حجيّة الأمارات الخاصّة
فهي بالنسبة إلى انسداد باب العلم في الأغلب غير محتاجة إلى الإثبات ضرورة قلة ما يوجب العلم التفصيلي بالمسألة على وجه لا يحتاج العمل فيها إلى إعمال أمارة غير علمية، و أمّا بالنسبة إلى انسداد باب الظن الخاص فهي مبتنية على أن لا يثبت من الأدلة المتقدمة لحجية الخبر الواحد حجية مقدار منه يفي بضميمة الأدلة العلمية و باقي الظنون الخاصة بإثبات معظم الأحكام الشرعية بحيث لا يبقى مانع عن الرجوع في المسائل الخالية عن الخبر و أخواته من الظنون الخاصة إلى ما يقتضيه الأصل في تلك الواقعة من البراءة، أو الاستصحاب، أو الاحتياط، أو التخيير.
فتسليم هذه المقدمة و منعها لا يظهر، إلاّ بعد التأمل التام و بذل الجهد في النظر فيما تقدم من أدلة حجية الخبر و أنه هل يثبت بها حجية مقدار واف من الخبر أم لا.
الشرح
و مذهب شيخنا قدس سره لا يستفاد من الكتاب قطعا، و قد استفدت من كلماته في مجلس البحث و غيره أنّه يعتقد وفاء الظّنون الخاصّة بأغلب الأحكام بضميمة الأدلّة العلميّة و إن كان الظّن الخاصّ منحصرا في زعمه حسبما عرفت بظواهر الألفاظ و الخبر المفيد للوثوق و الاطمئنان و كلّ ما يوجب نفي الرّيب بالإضافة في باب التّعارض، كما ستقف عليه في الجزء الرابع.
ثمّ إنّ إثبات هذا الجزء من المقدّمة الأولى هو العمدة في المقام، لأنّ إثبات انسداد باب العلم في الأغلب، و كذا إثبات سائر المقدّمات لا يحتاج إلى إتعاب النّظر بل هو أمر مسلّم عندهم، و لذا لم يتعرّض أكثر المستدلّين بالدّليل له، إلاّ على سبيل الإشارة و الإجمال في الجملة كصاحب المعالم و الشّيخ في الزّبدة فإنّهما أبطلا الرّجوع إلى البراءة بعدم حصول الظّن منها مقابل الخبر، و من هنا سمّي الدّليل بدليل الانسداد من حيث كونه هو العمدة من مقدّماته.
و هذه هي عمدة مقدمات دليل الانسداد، بل الظاهر المصرح به في كلمات بعض أن ثبوت هذه المقدمة يكفي في حجية الظن المطلق للإجماع عليه على تقدير انسداد باب العلم و الظن الخاص، و لذا لم يذكر صاحب المعالم و صاحب الوافية في إثبات حجية الظن الخبري غير انسداد باب العلم.
و أمّا احتمالات الآتية في ضمن المقدمات الآتية من الرجوع بعد انسداد باب العلم و الظن الخاص إلى شيء آخر غير الظن، فإنّما هي أمور احتملها بعض المدققين من متأخري المتأخرين أولهم فيما أعلم المحقق جمال الدين الخوانساري حيث أورد على دليل الانسداد باحتمال الرجوع إلى البراءة، و احتمال الرجوع إلى الاحتياط و زاد عليها بعض من تأخر احتمالات أخر.
و هي عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة على كثرتها و ترك التعرض لامتثالها بنحو من الأنحاء، فيدل عليه وجوه:
الأول: الإجماع القطعي على أن المرجع على تقدير انسداد باب العلم، و عدم ثبوت الدليل على حجية أخبار الآحاد بالخصوص ليس هي البراءة و إجراء أصالة العدم في كل حكم، بل لا بدّ من التعرض لامتثال الأحكام المجهولة بوجه ما، و هذا الحكم و إن لم يصرح به أحد من قدمائنا، بل المتأخرين في هذا المقام، إلا أنه معلوم للمتتبع في طريقة الأصحاب، بل علماء الإسلام طرا فرب مسألة غير معنونة يعلم اتفاقهم فيها من ملاحظة كلماتهم في نظائرها، أ ترى أن علماءنا العاملين بالأخبار التي بأيدينا لو لم يقم عندهم دليل خاص على اعتبارها كانوا يطرحونها و يستريحون في مواردها إلى أصالة العدم حاشا ثم حاشا، مع أنهم كثيرا ما يذكرون أن الظن يقوم مقام العلم في
الشرعيات عند تعذر العلم، و قد حكي عن السيد في بعض كلماته الاعتراف بالعمل بالظن عند تعذر العلم، بل قد ادعي في المختلف في باب (1) قضاء الفوائت الإجماع على ذلك.
الثاني: أن الرجوع في جميع تلك الوقائع (2) إلى نفي الحكم مستلزم للمخالفة القطعية الكثيرة المعبر عنها في لسان جمع من مشايخنا بالخروج عن الدين، بمعنى أن المقتصر على التدين بالمعلومات التارك للأحكام المجهولة جاعلا لها كالمعدومة يكاد يعدّ خارجا عن الدين لقلة المعلومات التي أخذ بها، و كثرة المجهولات التي أعرض عنها.
و هذا أمر يقطع ببطلانه كل أحد بعد الالتفات إلى كثرة المجهولات كما يقطع ببطلان الرجوع إلى نفي الحكم و عدم الالتزام بحكم أصلا لو فرض
الشرح
(1) بل ادّعى غير واحد في هذا الباب الإجماع على تضيّق الواجبات الموسّعة بظنّ الضّيق، بل ادّعى بعض المحقّقين الإجماع على حجيّة الظّن بالنّسبة إلى الأمور المستقبلة نظرا إلى انسداد باب العلم بها غالبا.
(2) صريح هذا الكلام كما ترى كون المخالفة الكثيرة للعلم الإجمالي المعبّر عنها في لسان المتأخّرين بالخروج عن الدّين مانعا مستقلا من الرّجوع إلى أصالة البراءة و أصالة العدم على القول بجريانها في موارد جريان البراءة و إن لم نلتزم بقدح المخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي في الشّبهة المحصورة و منعها عن الرّجوع إلى الأصل، و قد استظهره قدس سره ممّا حكاه من كلمات المتقدّمين و المتأخّرين فإن كان هناك إجماع كاشف عن حكم الشّارع بذلك فهو، و إلاّ فللمناقشة فيه مجال إذا المانع في حكم العقل في كلّ مورد هو مخالفة الخطاب المتعلّق به لا بملاحظة اجتماع الخطابات و كثرتها بحسب الموارد، فلو لم يكن المخالفة القطعيّة للخطاب المعلوم بالإجمال قبيحة عند العقل لم يكن كثرتها أيضا قبيحة، نعم الفرق بينهما لو كان فإنّما هو بالوضوح و الخفاء.
و العياذ باللّه انسداد باب العلم و الظن الخاص في جميع الأحكام و انطماس هذا المقدار القليل من الأحكام المعلومة.
فيكشف بطلان الرجوع إلى البراءة عن وجوب التعرض لامتثال تلك المجهولات و لو على غير وجه العلم و الظن الخاص، لا أن يكون تعذر العلم و الظن الخاص منشأ للحكم بارتفاع التكليف بالمجهولات، كما توهمه بعض من تصدى للإيراد على كل واحدة واحدة من مقدمات الانسداد.
نعم هذا إنما يستقيم في حكم واحد (1) أو أحكام قليلة لم يوجد عليه دليل علمي أو ظني معتبر، كما هو دأب المجتهدين بعد تحصيل الأدلة و الأمارات في أغلب الأحكام، أما إذا صار معظم الفقه أو كله مجهولا، فلا يجوز أن يسلك فيه هذا المنهج.
و الحاصل أن طرح أكثر الأحكام الفرعية بنفسه محذور مفروغ عن بطلانه
الشرح
(1) إنّما يستقيم ما أفاده على القول بالانفتاح بالنّسبة إلى أغلب الأحكام بحيث كانت موارد الشّبهة داخلة في الشّك الغير المقرون بالعلم الإجمالي بالتّكليف و لو بتعيّن المعلومات الإجماليّة بالظّنون الخاصّة بناء على كونها بمنزلة العلم التّفصيلي من هذه الجهة، و إلاّ فلو فرض هناك علم إجماليّ بالتّكليف في مسألة شخصيّة كالقصر و التّمام و نحوها من موارد الشّك في المكلّف به، فلا معنى للرّجوع إلى أصالة البراءة، و بالجملة هذا الكلام مسوق لبيان ارتفاع أثر العلم الإجمالي الكلّي من جهة الانفتاح في الأغلب و لا دخل له بما فرضنا من صورة العلم الإجمالي بالتّكليف في المسألة الشخصيّة، نعم لو أغمض عن منع مطلق المخالفة القطعيّة من الرّجوع إلى الأصول و جعل خصوص كثرتها مانعة صحّ ما أفاده على تقدير عدم حمله على ما ذكرنا أيضا و لمّا كان مبنى الوجه الثّاني على ذلك، فلا مانع من حمله على ما ذكر إغماضا عمّا بنى عليه الأمر في الوجه الثّالث فتدبّر.
كطرح جميع الأحكام لو فرضت مجهولة.
و قد وقع ذلك تصريحا أو تلويحا في كلام جماعة من القدماء و المتأخرين:
منهم: الصدوق في الفقيه في باب الخلل الواقع في الصلاة في ذيل أخبار سهو النبي: «فلو جاز رد هذه الأخبار الواقعة في هذا الباب لجاز رد جميع الأخبار و فيه إبطال للدين و الشريعة»(1)انتهى.
و منهم: السيد قدس سره حيث أورد على نفسه في المنع عن العمل بخبر الواحد، و قال: «فإن قلت إذا سددتم طريق العمل بأخبار الآحاد فعلى أي شيء تعولون في الفقه كله فأجاب بما حاصله دعوى انفتاح باب العلم في الأحكام»(2).
و لا يخفى أنه لو جاز طرح الأحكام المجهولة و لم يكن شيئا منكرا لم يكن وجه للإيراد المذكور، إذ الفقه حينئذ ليس إلاّ عبارة عن الأحكام التي قام عليها الدليل و المرجح و كان فيه معول و لم يكن وقع أيضا للجواب بدعوى الانفتاح الراجعة إلى دعوى عدم الحاجة إلى أخبار الآحاد، بل المناسب حينئذ الجواب بأن عدم المعول في أكثر المسائل، لا يوجب فتح باب العمل بخبر الواحد.
و الحاصل أن ظاهر السؤال و الجواب المذكورين التسالم و التصالح على أنه لو فرض الحاجة إلى أخبار الآحاد لعدم المعول في أكثر الفقه لزم العمل عليها و إن لم يقم عليه دليل بالخصوص، فإنّ نفس الحاجة إليها هي أعظم دليل بناء على عدم جواز طرح الأحكام، و من هنا ذكر السيد صدر الدين في
شرح الوافية أن السيد قد اصطلح بهذا الكلام مع المتأخرين.
و منهم: الشيخ قدس سره في العدة، حيث إنه بعد دعوى الإجماع على حجية أخبار الآحاد، قال ما حاصله: «أنه لو ادعى أحد أن عمل الإمامية بهذه الأخبار كان لأجل قرائن انضمت إليها كان معولا على ما يعلم من الضرورة خلافه»(1).
ثم قال: «و من قال إني متى عدمت شيئا من القرائن حكمت بما كان يقتضيه العقل يلزمه أن يترك أكثر الأخبار و أكثر الأحكام و لا يحكم فيها بشيء ورد الشرع به و هذا حد يرغب أهل العلم عنه و من صار إليه لا يحسن مكالمته، لأنه يكون معولا على ما يعلم ضرورة من الشرع خلافه» انتهى، و لعمري إنه يكفي مثل هذا الكلام من الشيخ في قطع توهم جواز الرجوع إلى البراءة عند فرض فقد العلم و الظن الخاص في أكثر الأحكام.
و منهم: المحقق في المعتبر حيث قال في مسألة خمس الغوص في رد من نفاه مستدلا: «بأنه لو كان لنقل بالسنة قلنا أما تواترا فممنوع و إلا لبطل كثير من الأحكام»(2)انتهى.
و منهم: العلامة في نهج المسترشدين في مسألة إثبات عصمة الإمام حيث ذكر: «أنه عليه السلام لا بدّ أن يكون حافظا للأحكام و استدل بأن الكتاب و السنة لا يدلان على التفاصيل إلى أن قال و البراءة الأصلية ترفع جميع الأحكام».
و منهم: بعض أصحابنا في رسالته المعمولة في علم الكلام المسماة بعصرة المنجود حيث استدل على عصمة الإمام عليه السلام: «بأنه حافظ للشريعة
لعدم إحاطة الكتاب و السنة به إلى أن قال و القياس باطل و البراءة الأصلية ترفع جميع الأحكام»(1)انتهى.
و منهم: الفاضل المقداد في شرح الباب الحادي عشر، إلا أنه قال: «إن الرجوع إلى البراءة الأصلية يرفع أكثر الأحكام»(2).
و الظاهر أن مراد العلامة و صاحب الرسالة قدس سرهما من جميع الأحكام ما عدا المستنبط من الأدلة العلمية، لأنّ كثيرا من الأحكام ضرورية لا ترفع بالأصل و لا يشك فيها، حتى يحتاج إلى الإمام عليه السلام.
و منهم: المحقق الخوانساري فيما حكى عنه السيد الصدر في شرح الوافية من: «أنه رجح الاكتفاء في تعديل الراوي بعدل مستدلا بعد مفهوم آية النبإ بأن اعتبار التعدد يوجب خلو أكثر الأحكام عن الدليل»،
و منهم: صاحب الوافية حيث تقدم عنه الاستدلال على حجية أخبار الآحاد: «بأنا نقطع مع طرح أخبار الآحاد في مثل الصلاة و الصوم و الزكاة و الحج و المتاجر و الأنكحة و غيرها بخروج حقائق هذه الأمور عن كونها هذه الأمور»، و هذه عبارة أخرى عن الخروج عن الدين الذي عبر به جماعة من مشايخنا.
و منهم: بعض شراح الوسائل حيث استدل على حجية أخبار الآحاد: «بأنه لو لم يعمل بها بطل التكليف و بطلانه ظاهر».
و منهم: المحدث البحراني صاحب الحدائق حيث ذكر في مسألة ثبوت الربا في الحنطة بالشعير خلاف الحلي في ذلك و قوله: «بكونهما جنسين و أن الأخبار الواردة في اتحادهما آحاد لا توجب علما و لا عملا قال في رده إن
الواجب عليه مع رد هذه الأخبار و نحوها من أخبار الشريعة هو الخروج عن هذا الدين إلى دين آخر»(1)انتهى.
و منهم: العضدي تبعا للحاجبي حيث حكى عن بعضهم الاستدلال على حجية خبر الواحد: «بأنه لولاها لخلت أكثر الوقائع عن المدرك».
ثمّ إنّه و إن ذكر في الجواب عنه أنا نمنع الخلو عن المدرك، لأنّ الأصل من المدارك، لكن هذا الجواب من العامة القائلين بعدم إتيان النبي صلى اللّه عليه و آله بأحكام جميع الوقائع و لو كان المجيب من الإمامية القائلين بإكمال الشريعة و بيان جميع الأحكام لم يجب بذلك.
و بالجملة فالظاهر أن خلو أكثر الأحكام عن المدرك المستلزم للرجوع فيها إلى نفي الحكم، و عدم الالتزام في معظم الفقه بحكم تكليفي كأنّه أمر مفروغ البطلان.
و الغرض من جميع ذلك الردّ على بعض من تصدى لرد هذه المقدمة و لم يأت بشيء عدا ما قرع سمع كل أحد من أدلة البراءة و عدم ثبوت التكليف، إلاّ بعد البيان و لم يتفطن بأن مجراها في غير ما نحن فيه، فهل يرى من نفسه إجراءها و لو فرضنا و العياذ باللّه ارتفاع العلم بجميع الأحكام، بل نقول لو فرضنا أن مقلدا دخل عليه وقت الصلاة و لم يعلم من الصلاة عدا ما تعلم من أبويه بظن الصحة مع احتمال الفساد عنده احتمالا ضعيفا و لم يتمكن من أزيد من ذلك فهل يلتزم بسقوط التكليف عنه بالصلاة في هذه الحالة، أو أنّه يأتي بها على حسب ظنه الحاصل من قول أبويه و المفروض أن قول أبويه مما لم يدلّ عليه دليل شرعي، فإذا لم تجد من نفسك الرخصة في تجويز ترك الصلاة لهذا الشخص فكيف ترخص الجاهل بمعظم الأحكام في نفي الالتزام
1) الحدائق: ج 19، ص 231.
بشيء منها عدا القليل المعلوم، أو المظنون بالظن الخاص، و ترك ما عداه و لو كان مظنونا بظن لم يقم على اعتباره دليل خاص.
بل الإنصاف أنه لو فرض و العياذ باللّه (1) فقد الظن المطلق في معظم الأحكام كان الواجب الرجوع إلى الامتثال الاحتمالي بالتزام ما لا يقطع معه بطرح الأحكام الواقعية.
الثالث: أنه لو سلمنا أن الرجوع إلى البراءة لا يوجب شيئا مما ذكر من المحذور البديهي و هو الخروج عن الدين، فنقول: إنّه لا دليل على الرجوع إلى البراءة من جهة العلم الإجمالي بوجود الواجبات و المحرمات، فإن أدلتها مختصة بغير هذه الصورة و نحن نعلم إجمالا أن في المظنونات واجبات كثيرة و محرمات كثيرة.
و الفرق بين هذا الوجه و سابقه أن الوجه السابق كان مبنيا على لزوم المخالفة القطعية الكثيرة المعبر عنها بالخروج عن الدين و هو محذور مستقل،
الشرح
(1) ما أفاده قدس سره من عدم سقوط الامتثال بعد العلم الإجمالي بالتّكاليف الإلزاميّة على تقدير انسداد باب الظّن المطلق ممّا لا شبهة فيه غاية الأمر تعيّن الامتثال أوّلا بعد انسداد باب الظّن الشّخصي بتحصيل الأمارات و الظّنون النّوعية و على تقدير عدم وجودها، أو عدم كفايتها يتعدّى إلى الامتثال الشّكي، ثمّ يتعدّى إلى الامتثال الوهمي على تقدير.
و بالجملة بعد العلم الإجمالي بالواجبات و المحرّمات لا بدّ في حكم العقل من امتثالها بنحو من أنحاء امتثال العاجز عن تحصيل العلم التّفصيلي الّذي آخر مرتبته الامتثال الإجمالي، و هذا ممّا يحكم به بديهة العقل أ ترى أنّه لو طرأ العجز عن الصّلاة إلى أربع جهات عند تردّد القبلة أن تحكم بسقوط الصّلاة بالنّسبة إلى الجهة الممكنة، و هكذا في تردّد الثّوب و نحوه ممّا يجب فيه الجمع و فرض العجز
و إن قلنا بجواز العمل بالأصل في صورة لزوم مطلق المخالفة القطعية.
و هذا الوجه مبني على أن مطلق المخالفة القطعية غير جائز و أصل البراءة في مقابلها غير جار ما لم يصل المعلوم الإجمالي إلى حد الشبهة الغير المحصورة (1)، و قد ثبت في مسألة البراءة أن مجراها الشك في أصل التكليف، لا الشك في تعيينه مع القطع بثبوت أصله كما في ما نحن فيه.
فإن قلت: إذا فرضنا أن ظن المجتهد أدى في جميع الوقائع إلى ما يوافق البراءة فما تصنع.
قلت: أولا إنه مستحيل (2)، لأنّ العلم الإجمالي بوجود الواجبات و المحرمات
الشرح
عنه مع التّمكن من الإتيان ببعض الاحتمالات.
(1) المراد ممّا أفاده قدس سره عدم الجريان رأسا عند اشتباه الواجب أو الحرام في الشّبهة المحصورة أو الشّبهة الملحقة بها، و إن كان الحقّ عنده حسبما ستقف على تفصيل القول فيه عدم جواز المخالفة القطعيّة في الشّبهة الغير المحصورة أيضا.
(2) ما أفاده من استحالة اجتماع العلم الإجمالي مع الظّن التّفصيلي الشّخصي بالخلاف في جميع أطراف الشّبهة من حيث أوله إلى اجتماع النّقيضين أو الضدين نظرا إلى عدم تنافي الإدراكات من حيث الذّات، و إنّما هو من جهة متعلّقاتها ممّا لا شبهة فيه، نعم لو فرض الظّنون القائمة على خلاف العلم الإجمالي في جميع أطراف الشّبهة من الظّنون النّوعيّة على تقدير تعميم النّتيجة بالنّسبة إلى حجيّة الظّن النّوعي أو كانت مظنونة الاعتبار على تقدير التّعميم بالنّسبة إلى المسألة الأصوليّة، كما ستقف على شرح القول فيه توجّه منع الاستحالة، لكن كلامه قدس سره مبنيّ على خلاف المفروض و توهم عدم التّنافي بين الأمرين، كما يشاهد في الغلبة من حيث حصول الظّن بالإلحاق بالنّسبة إلى الأفراد المشكوكة مع العلم الإجمالي بتخلّف الفرد النّادر فاسد جدّا، كما ستقف على تفصيل القول فيه، فإن قلت كيف
الكثيرة في جملة الوقائع المشتبهة يمنع عن حصول الظن بعدم وجوب شيء من الوقائع المحتملة للوجوب و عدم حرمة شيء من الوقائع المحتملة للتحريم، لأنّ الظن بالسالبة الكلية يناقض العلم بالموجبة الجزئية فالظن بأنه لا شخص من العلماء بفاسق يناقض العلم إجمالا بأن بعض العلماء فاسق.
و ثانيا: إنه على تقدير الإمكان غير واقع، لأنّ الأمارات التي يحصل للمجتهد منها الظن في الوقائع، لا تخلو عن الأخبار المتضمن كثير منها لإثبات التكليف وجوبا و تحريما، فحصول الظن بعدم التكليف في جميع الوقائع أمر يعلم عادة بعدم وقوعه.
و ثالثا: لو سلمنا وقوعه لكن لا يجوز حينئذ العمل بعدم التكليف في جميع الوقائع لأجل العلم الإجمالي المفروض، فلا بدّ حينئذ من التبعيض بين مراتب الظن بالقوة و الضعف، فيعمل في موارد الظن الضعيف بنفي التكليف بمقتضى الاحتياط، و في موارد الظن القوي بنفي التكليف بمقتضى البراءة
الشرح
يحكم بالاستحالة فيما فرض، مع أنّا نرى بالوجدان اجتماع الشّك مع العلم الإجمالي و لا ينكره أحد، و أيّ فرق بين الظّنّ بالخلاف في جميع أطراف العلم الإجمالي و الشّك فكما أنّ مرجع الأوّل إلى اجتماع العلم بالشّيء و الظّن بعدمه فيئول إلى اجتماع الوجود و العدم، كذلك مرجع الثّاني إلى العلم بوجود الشيء و الشّك فيه فيئول إلى تجويز اجتماع الوجود و العدم، قلت ما قرع سمعك من اجتماع العلم مع الشّك بالنّسبة إلى جميع أطراف الشّبهة، فإنّما هو بالنّسبة إلى الشّك في انطباق المعلوم بالإجمال و تعيينه، لا بالنّسبة إلى وجوده و لا يمكن هذا الاعتبار بالنّسبة إلى الظّن في جميع الأطراف، ضرورة أنّ الظّن بعدم انطباق المعلوم بالإجمال بالنّسبة إلى بعض الأطراف موجب للظّن بانطباقه على الطّرف الآخر فتدبّر حتّى لا يختلط عليك هذا الأمر الواضح.
و لو فرض التسوية في القوة و الضعف كان الحكم، كما لو لم يكن ظن في شيء من تلك الوقائع من التخيير إن لم يتيسر لهذا الشخص الاحتياط، و إن تيسر الاحتياط تعين الاحتياط في حق نفسه و إن لم يجز لغيره تقليده، و لكن الظاهر أن ذلك مجرد فرض (1) غير واقع، لأنّ الأمارات كثير منها مثبتة للتكليف فراجع كتب الأخبار.
ثمّ إنّه قد يرد (2) الرجوع إلى أصالة البراءة تبعا لصاحب المعالم و شيخنا البهائي في الزبدة: «بأن اعتبارها من باب الظن و الظن منتف في مقابل الخبر و نحوه من أمارات الظن».
الشرح
(1) ربما ينافي ظاهر ما استظهره هنا مع الجزم بعدم الوقوع الّذي ذكره سابقا من حيث دلالة كثير من الأمارات على الحكم الإلزامي وجوبا أو تحريما، كما هو واضح لمن راجع الفقه إجمالا، فإنّه يعلم علما يقينيّا بأنّ كثيرا منها مثبتة له فكيف يحصل منها الظّن بعدم التّكليف في جميع الوقائع المحتملة للحكم الإلزامي، فلا مناص عن هذا الجواب، كما أنّه لا مناص عمّا قبله و ما بعده من التّبعيض على تقدير اختلاف المراتب أو الأخذ باحتمال التّكليف بالنّسبة إلى بعضها تخييرا على تقدير التّساوي و إن كان لا يتّفق عادة.
(2) لا يخفى عليك أنّ ما ذكره في المعالم و الزّبدة لما كان مفروضا لإثبات حجيّة الظّن الخبري تعرّضا لحال أصل البراءة في مقابل خبر الواحد، و أنّه لا يحصل منه الظّن في مقابل الخبر من حيث كونه من الأمارات التّعليقيّة سواء كان مبنيّا على استصحاب البراءة أو غيره و الخبر من الأمارات التّنجيزيّة إذا فرض الكلام في مطلق الظّن، و سيجيء في باب البراءة و الاستصحاب أنّ مبناهما على الحكم القطعي، كما في البراءة و التّعبّد الثّابت من الشّارع كما فيهما و إن توهّم كونهما من باب الظّن، كما نسب إلى الأكثر فاسد جدّا موضوعا و حكما أي من حيث الصّغرى و الكبرى.
و فيه منع كون البراءة من باب الظن كيف و لو كانت كذلك لم يكن دليل على اعتبارها، بل هو من باب حكم العقل القطعي بقبح التكليف من دون بيان.
و ذكر المحقق القمي رحمه اللّه في منع (1) حكم العقل المذكور: «أن حكم العقل، إمّا أن يريد به الحكم القطعي أو الظني.
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ ما ذكره في الكتاب من المحقّق القميّ قدس سره هو الّذي أورده على المحقّق جمال الدّين بعد نقل كلامه المحكيّ في الكتاب في الإيراد الثّاني، فإنّه بعد نقله أورد عليه بإيرادات كثيرة منها الإيراد الثّاني الّذي أورده في الكتاب و سائر ما أورده عليه غير الإيراد الأوّل و الثّاني واضح الدّفع، كما يظهر لمن راجع إلى القوانين.
و أمّا الإيراد الأوّل: فهو مبنيّ على ما أورده في مسألة أصل البراءة في الشّك في المكلّف به من تسليم وجوب الاحتياط فيما كان التّكليف متعلّقا بالواقع المعلوم إجمالا من غير اشتراطه بالعلم التّفصيلي، كما ستقف على تفصيل القول فيه في محلّه فلا ينافي ما بنى عليه الأمر في الشّك في المكلّف به من عدم وجوب الاحتياط.
و أمّا الإيراد الثّاني: فإنّ كان مبنيّا على زعم إرادة المحقّق جمال الدّين قدس سره من حكم العقل بالبراءة فيما لا علم بالتّكليف حكم العقل القطعي بعدم التّكليف في الواقع و نفس الأمر كما يستفاد من قولهم بالإباحة الواقعيّة في الأشياء قبل الشّرع فما أورده عليه من الإيرادات على التّقدير المزبور حقّ لا محيص عنه، لكن الكلام في صحّة الزّعم المزبور، حيث إنّه لا شاهد له من كلامه أصلا و إن كان مبنيّا على ما يستفاد من ظاهره من إرادة حكم العقل بعدم التّكليف في مرحلة الظّاهر و قبح العقاب على الواقع المجهول، كما هو مبنى البراءة عند المحقّقين فما
فإن كان الأول فدعوى كون مقتضى أصل البراءة قطعيا أول الكلام، كما لا يخفى على من لاحظ أدلة المثبتين و النافين من العقل و النقل سلمنا كونه قطعيا في الجملة لكن المسلم إنما هو قبل ورود الشرع و أما بعد ورود الشرع فالعلم بأن فيه أحكاما إجماعيا على سبيل اليقين يثبطنا عن الحكم بالعدم قطعا كما لا يخفى سلمنا ذلك و لكن لا نسلم حصول القطع بعد ورود مثل الخبر الواحد الصحيح على خلافه.
و إن أراد الحكم الظني سواء كان بسبب كونه بذاته مفيدا للظن أو من جهة استصحاب الحالة السابقة فهو أيضا ظن مستفاد من ظاهر الكتاب و الأخبار التي لم يثبت حجيتها بالخصوص، مع أنه ممنوع بعد ورود الشرع ثم بعد ورود الخبر الصحيح إذا حصل من خبر الواحد ظن أقوى منه» (1)انتهى كلامه رفع مقامه.
و فيه أن حكم العقل بقبح المؤاخذة من دون البيان حكم قطعي لا و لم
الشرح
أورده عليه بقوله فدعوى كون مقتضى أصل البراءة قطعيّا أوّل الكلام لا توجّه له أصلا، ضرورة استقلال العقل في الحكم بما ذكر على سبيل القطع و اليقين.
و أمّا ما أورده عليه بقوله سلّمنا كونه قطعيّا في الجملة إلى آخره فهو و إن كان متوجّها عليه في الجملة، إلاّ أنّه يرجع إلى الإيراد الأوّل حقيقة على تقدير و مناقض لما بنى عليه الأمر في باب البراءة من صور الشّك في المكلّف به من جواز الأخذ بأصالة البراءة فيما لم يكن هناك إجماع و نصّ على عدم جواز ترك المشتبهين، و بالجملة ما أفاده المحقّق القميّ قدس سره في المقام لا يخلو عن تشويش و اضطراب مضافا إلى ما يتوجّه عليه من المناقشات الغير المخفيّة على المتأمّل في أطرافه.
1) القوانين: ص 213.
اختصاص له بحال دون حال، فلا وجه لتخصيصه بما قبل ورود الشرع و لم يقع فيه خلاف بين العقلاء، و إنما ذهب من ذهب إلى وجوب الاحتياط لزعم نصب الشارع البيان على وجوب الاحتياط من الآيات و الأخبار التي ذكروها، و أمّا الخبر الصحيح فهو كغيره من الظنون إن قام دليل قطعي على اعتباره كان داخلا في البيان و لا كلام في عدم جريان البراءة معه، و إلاّ فوجوده كعدمه غير مؤثر في الحكم، و الحاصل أنّه لا ريب لأحد فضلا عن أنّه لا خلاف في أنّه على تقدير عدم بيان التكليف.
بالدليل العام أو الخاص، فالأصل البراءة و حينئذ، فاللازم إقامة الدليل على كون الظن المقابل بيانا.
و بما ذكرنا ظهر صحة دعوى الإجماع (1) على أصالة البراءة في المقام
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ دعوى الإجماع على البراءة في المقام يرجع إلى الإجماع المدّعى على الحكم الظّاهري الّذي لم يخالف فيه أحد من المجتهدين و الأخباريّين من أن الحكم فيما لا يعلم بصدور الحكم الإلزامي من الشّارع بعد الفحص التّامّ لا خصوصا و لا عموما هو جواز الفعل و التّرك في مرحلة الظّاهر بانضمام عدم قيام الدّليل على حجيّة الخبر الّذي دلّ على التّكليف، كما هو المفروض، فإنّ من انضمامه يتحقّق مبنى القياس الثّابت كبراه بالإجماع، فإنّ خلاف القائل بحجيّة الخبر من حيث الخصوص لا يقدح في دعوى الإجماع بعد فرض عدم تماميّة دليل حجيّته عند المستدلّ بالإجماع، فإنّ الصّغرى و هو عدم العلم بالبيان أو عدم البيان الواصل إلينا قطعية وجدانيّة عنده، فالمراد من عدم البيان في قوله صدق قطعا عدم البيان أحد الأمرين اللّذين عرفت الإشارة إليهما، ثمّ إنّ ما أفاده قدس سره مبنيّ، كما هو واضح على الإغماض عمّا ذكره في وجه بطلان الرّجوع إلى البراءة في المقام، و إلاّ فلا تأمّل عنده فيه حسبما عرفت و ستعرفه من كلامه.
لأنّه إذا فرض عدم الدليل على اعتبار الظن المقابل صدق قطعا عدم البيان، فتجري البراءة، و ظهر فساد دفع أصل البراءة بأن المستند فيها إن كان هو الإجماع فهو مفقود في محل البحث، و إن كان هو العقل فمورده صورة عدم الدليل و لا نسلم عدم الدليل مع وجود الخبر.
و هذا الكلام خصوصا الفقرة الأخيرة منه مما يضحك الثكلى فإن عدم ثبوت كون الخبر دليلا يكفي في تحقق مصداق القطع بعدم الدليل الذي هو مجرى البراءة.
و اعلم أن الاعتراض على مقدمات دليل الانسداد بعدم استلزامها للعمل بالظن لجواز الرجوع إلى البراءة و إن كان قد أشار إليه صاحب المعالم و صاحب الزبدة و أجابا عنه بما تقدم مع رده من أن أصالة البراءة، لا يقاوم الظن الحاصل من خبر الواحد، إلاّ أن أول من شيد الاعتراض به و حرره لا من باب الظن هو المحقق المدقق جمال الدين قدس سره في حاشيته حيث قال: «يرد على الدليل المذكور أن انسداد باب العلم بالأحكام الشرعية غالبا لا يوجب جواز العمل بالظن حتى يتجه ما ذكروه لجواز أن لا يجوز العمل بالظن.
فكل حكم حصل العلم به من ضرورة أو إجماع نحكم به، و ما لم يحصل العلم به نحكم فيه بأصالة البراءة، لا لكونها مفيدة للظن، و لا للإجماع على وجوب التمسك بها، بل لأنّ العقل يحكم بأنّه لا يثبت تكليف علينا إلاّ بالعلم به أو بظن يقوم على اعتباره دليل يفيد العلم.
ففيما انتفى الأمران فيه يحكم العقل ببراءة الذمة عنه و عدم جواز العقاب على تركه، لا لأنّ الأصل المذكور يفيد ظنا بمقتضاها، حتى يعارض بالظن الحاصل من أخبار الآحاد بخلافها، بل لما ذكرنا من حكم العقل بعدم لزوم
شيء علينا ما لم يحصل العلم لنا، و لا يكفي الظن به.
و يؤكده ما ورد من النهي عن اتباع الظن.
و على هذا ففي ما لم يحصل العلم به على أحد الوجهين و كان لنا مندوحة عنه كغسل الجمعة، فالخطب سهل إذ نحكم بجواز تركه بمقتضى الأصل المذكور.
و أمّا فيما لم يكن مندوحة عنه كالجهر بالتسمية و الإخفات بها في الصلاة الإخفاتية التي قال بوجوب كل منهما قوم، و لا يمكن لنا ترك التسمية فلا محيص لنا عن الإتيان بأحدهما، فنحكم بالتخيير فيها لثبوت وجوب أصل التسمية و عدم ثبوت وجوب الجهر و الإخفات، فلا حرج لنا في شيء منهما، و على هذا فلا يتم الدليل المذكور، لأنّا لا نعمل بالظن أصلا»(1)، انتهى كلامه رفع مقامه.
و قد عرفت أن المحقق القمي قدس سره أجاب عنه بما لا يسلم عن الفساد، فالحق رده بالوجوه الثلاثة المتقدمة.
ثمّ إنّ ما ذكره من التخلص (1) عن العمل بالظن بالرجوع إلى البراءة، لا
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ ما أفاده في كمال الوضوح من الاستقامة، ضرورة عدم جريان البراءة في الوضعيّات و الماليّات المشكوكة المردّدة في أبواب المعاملات بالمعنى الأعمّ و إن فرض هنا شكّ في التّكليف المسبّب عن الوضع، فإنّه بمجرّده لا يكفي للرّجوع إلى البراءة بعد فرض كونه مسبّبا عن الوضع كما لا يخفى، و أمّا عدم جواز المعالجة بالتّخيير في هذه الموارد حتّى يخير الحاكم المرجع عند تعادل الأمارات المعتبرة في الشّبهات الحكميّة أو الموضوعيّة، فأمر واضح بعد عدم جريان دليله في المقام، بل عدم تحقّق موضوعه سيّما التّخيير الّذي ذكره
1) حاشية شرح مختصر الأصول.
يجري في جميع الفقه، إذ قد يتردد الأمر بين كون المال لأحد شخصين، كما إذا شك في صحة بيع المعاطاة فتبايع بها اثنان، فإنه لا مجرى هنا للبراءة لحرمة تصرف كل منهما على تقدير كون المبيع ملك صاحبه و كذا في الثمن، و لا معنى للتخيير أيضا لأن كلا منهما يختار مصلحته، و تخيير الحاكم هنا لا دليل عليه مع أن الكلام في حكم الواقعة لا في علاج الخصومة، اللهم إلاّ أن يتمسك في أمثاله بأصالة عدم ترتب الأثر بناء على أن أصالة العدم من الأدلة الشرعية، فلو أبدل في الإيراد أصالة البراءة بأصالة العدم كان أشمل.
و يمكن أن يكون هذا الأصل (1) يعني أصل الفساد و عدم التملك و أمثاله
الشرح
المحقّق المعترض الّذي يرجع إلى اللّزوم و اللاّبدّية و عدم الحكم حقيقة.
فإن شئت قلت: إنّ مقتضى الأصل في الماليّات الحكم بحرمة التّصرّف فيما شكّ في صحّة المعاملة الواقعة عليها، إمّا من جهة الأصل الموضوعي أو الحكمي على أضعف الوجهين، فلا معنى للرّجوع إلى البراءة هذا و قوله قدس سره في وجه المنع إلى الرّجوع إلى البراءة لحرمة تصرّف كلّ منهما على تقدير كون المبيع ملك صاحبه، لا يخلو عن غموض، بل ربما يناقش في دلالته على المدّعى.
(1) قد عرفت في أوّل التّعليقة و سيجيء في باب الاستصحاب أنّ أصل العدم ليس أصلا مستقلا في قبال الاستصحاب، بل هو قسم منه و أنّ دعوى الإجماع على اعتباره و كونه مسلّما عندهم فاسدة، نعم يمكن دعوى الإجماع على اعتبار خصوص أصالة الفساد في المعاملات، فإنّها أمر مسلّم عندهم ظاهرا في جميع أبواب المعاملات، و أمّا اعتبار مطلق أصالة العدم سيّما في الشّبهات الحكميّة و سيّما فيما قامت أمارة على خلافها فليس أمرا مسلّما عندهم و يشهد له نزاعهم في أنّ النّافي يحتاج إلى دليل أم لا و استدلال النّافين لاعتبار الاستصحاب بأنّه لو كانت حجّة لكانت بيّنة النّفي مقدّمة على بيّنة الإثبات، و المراد من الرّجوع إلى الظّن
داخلا في المستثنى في قوله لا يثبت تكليف علينا، إلاّ بالعلم أو بظن يقوم على اعتباره دليل يفيد العلم بناء على أن أصل العدم من الظنون الخاصة التي قام على اعتبارها الإجماع و السيرة، إلاّ أن يمنع قيامهما على اعتباره عند اشتباه الحكم الشرعي مع وجود الظن على خلافه.
و اعتباره من باب الاستصحاب مع ابتنائه على حجية الاستصحاب في الحكم الشرعي رجوع إلى الظن العقلي أو الظن الحاصل من أخبار الآحاد الدالة على الاستصحاب، اللّهم إلاّ أن يدعى تواترها (1) و لو إجمالا بمعنى حصول العلم بصدور بعضها إجمالا، فيخرج عن خبر الآحاد و لا يخلو عن تأمل و كيف كان ففي الأجوبة المتقدمة و لا أقل من الوجه الأخير غنى و كفاية إن شاء اللّه تعالى.
في بيان بطلان وجوب تحصيل الامتثال بالطرق المقررة للجاهل من الاحتياط، أو الرجوع في كل مسألة إلى ما يقتضيه الأصل في تلك المسألة أو الرجوع إلى فتوى العالم بالمسألة و تقليده فيها.
فنقول: إن كلا من هذه الأمور الثلاثة و إن كان طريقا شرعيا في الجملة
الشرح
العقلي على تقدير ابتنائه على الاستصحاب الرّجوع إلى ما هو المعروف من استدلالهم في باب الاستصحاب بقولهم ما ثبت دام المعروف منه بقولهم ما ثبت جاز أن يدوم و جاز أن لا يدوم، و يمكن أن يكون المراد منه ما ذكروه في منع الكبرى في باب الاستصحاب فتأمل.
(1) يرد على الاستدراك المذكور مضافا إلى منع التّواتر الإجمالي أنّه لا ينفع أصلا، لأنّ العلم بصدور بعض أخبار الاستصحاب مع دلالة بعضها و عدم دلالة
الأخر لا يجدي أصلا، كما لا يخفى، لامتثال الحكم المجهول، إلاّ أن منها ما لا يجب في المقام و منها ما لا يجري.
أمّا الاحتياط فهو و إن كان مقتضى الأصل و القاعدة العقلية و النقلية عند ثبوت العلم الإجمالي بوجود الواجبات و المحرمات، إلاّ أنه في المقام أعني صورة انسداد باب العلم في معظم المسائل الفقهية غير واجب لوجهين:
أحدهما: الإجماع القطعي على عدم وجوبه في المقام، لا بمعنى أن أحدا من العلماء لم يلتزم بالاحتياط في كل الفقه أو جله، حتى يرد عليه أن عدم التزامهم به إنّما هو لوجود المدارك المعتبرة عندهم للأحكام، فلا يقاس عليهم من لا يجد مدركا في المسألة بل بالمعنى الذي تقدم نظيره في الإجماع على عدم الرجوع إلى البراءة.
و حاصله دعوى الإجماع القطعي على أن المرجع في الشريعة على تقدير انسداد باب العلم في معظم الأحكام و عدم ثبوت حجية أخبار الآحاد رأسا أو باستثناء قليل هو في جنب الباقي كالمعدوم ليس هو الاحتياط في الدين و الالتزام بفعل كل ما يحتمل الوجوب و لو موهوما و ترك كل ما يحتمل الحرمة كذلك.
و صدق هذه الدعوى مما يجده المنصف من نفسه بعد ملاحظة قلة المعلومات مضافا إلى ما يستفاد من أكثر (1) كلمات العلماء المتقدمة في
الشرح
الأخر لا يجدي أصلا، كما لا يخفى.
(1) وجه الاستفادة أنّه لو لم يكن بطلان وجوب الاحتياط أمرا مسلّما مفروغا عنه عندهم لم يحسن الاستدلال المذكور و لم يتم أصلا، حيث إنّه على تقدير وجوب الاحتياط لا يلزم من عدم الالتزام بحجيّة الخبر الرّجوع إلى البراءة حتّى يترتّب عليه بطلان أكثر الأحكام كما هو واضح، اللّهم إلاّ أن يقال إنّ الاحتياط في
بطلان الرجوع إلى البراءة، و عدم التكليف في المجهولات، فإنّها واضحة الدلالة في أن بطلان الاحتياط كالبراءة مفروغ عنه فراجع.
الثاني: لزوم العسر الشديد و الحرج الأكيد في التزامه لكثرة ما يحتمل موهوما وجوبه خصوصا في أبواب الطهارة و الصلاة، فمراعاته مما يوجب الحرج و المثال لا يحتاج إليه، فلو بنى العالم الخبير بموارد الاحتياط فيما لم ينعقد عليه إجماع قطعي أو خبر متواتر على الالتزام بالاحتياط في جميع أموره يوما و ليلة لوجد صدق ما ادعيناه، هذا كله بالنسبة إلى نفس العمل بالاحتياط.
و أمّا تعليم المجتهد موارد الاحتياط لمقلده و تعلم المقلد موارد الاحتياط الشخصية و علاج تعارض الاحتياطات و ترجيح الاحتياط الناشئ عن الاحتمال القوي على الاحتياط الناشئ عن الاحتمال الضعيف فهو أمر مستغرق لأوقات المجتهد و المقلد، فيقع الناس من جهة تعليم هذه الموارد و تعلمها في حرج يخل بنظام معاشهم و معادهم.
توضيح ذلك أن الاحتياط في مسألة التطهير بالماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر ترك التطهير به، لكن قد يعارضه في الموارد الشخصية احتياطات أخر بعضها أقوى منه، و بعضها أضعف، و بعضها مساو، فإنّه قد يوجد ماء آخر للطهارة، و قد لا يوجد معه، إلاّ التراب، و قد لا يوجد من مطلق الطهور غيره.
الشرح
احراز الواقع بحسب العمل غير الحكم به و الغرض الثّاني، إلاّ أن يقال إنّ الغرض الحكم بالواقع هو العمل بمقتضاه، و إلاّ فلا يلزم إبطال أكثر الأحكام من الرّجوع إلى البراءة، فإنّ الرّاجع إليها يلتزم بأنّ الحكم الواقعي ثابت للمشتبه في نفس الأمر و إن خالف مقتضى البراءة فتأمل.
فإنّ الاحتياط في الأول هو الطهارة من ماء آخر لو لم يزاحمه الاحتياط من جهة أخرى، كما إذا كان قد أصابه ما لم ينعقد الإجماع على طهارته و في الثاني هو الجمع بين الطهارة المائية و الترابية إن لم يزاحمه ضيق الوقت المجمع عليه، و في الثالث الطهارة من ذلك المستعمل و الصلاة إن لم يزاحمه أمر آخر واجب أو محتمل الوجوب، فكيف يسوغ للمجتهد أن يلقي إلى مقلده أن الاحتياط في ترك الطهارة بالماء المستعمل، مع كون الاحتياط في كثير من الموارد استعماله فقط، أو الجمع بينه و بين غيره.
و بالجملة فتعليم موارد الاحتياط الشخصية و تعلمها فضلا عن العمل بها أمر يكاد يلحق بالمتعذر، و يظهر ذلك بالتأمل في الوقائع الاتفاقية.
فإنّ قلت: لا يجب على المقلد متابعة هذا الشخص الذي أدى نظره إلى انسداد باب العلم في معظم المسائل و وجوب الاحتياط بل يقلد غيره.
قلت: مع أن لنا أن نفرض (1) انحصار المجتهد في هذا الشخص إن كلامنا في حكم اللّه سبحانه بحسب اعتقاد هذا المجتهد الذي اعتقد انسداد باب العلم، و عدم الدليل على ظن خاص يكتفى به في تحصيل غالب الأحكام، و إن من يدعي وجود الدليل على ذلك، فإنّما نشأ اعتقاده مما لا ينبغي الركون إليه، و يكون الركون إليه جزما في غير محله.
الشرح
(1) حاصل ما أفاده أنّا نتكلّم في حكم موضوع الانسداد و أنّه لا يمكن أن يكون وجوب الاحتياط، بل لا يمكن أن يكون جواز الاحتياط نظرا إلى إيجابه الحرج الموجب لاختلال نظام المعاش، بل المعاد من حيث لزومه من اختلال نظم المعاش فتدبّر، فهذا ما ذكرنا فيكون منافيا للغرض فيقبح من الشّارع تجويزه فتدبّر، فإذا لا تعلّق لدفعه بأنّ الاختلال إنّما يلزم من التّعليم و التعلّم لا من مجرّد العمل بالاحتياط، فيرجع المكلّفون بالتّقليد إلى من يعتقد الانفتاح.
فالكلام في أن حكم اللّه تعالى على تقدير انسداد باب العلم و عدم نصب الطريق الخاص، لا يمكن أن يكون هو الاحتياط بالنسبة إلى العباد للزوم الحرج البالغ حد اختلال النظام.
و لا يخفى أنّه لا وجه لدفع هذا الكلام بأن العوام يقلدون مجتهدا غير هذا قائلا بعد انسداد باب العلم أو بنصب الطرق الظنية الوافية بأغلب الأحكام، فلا يلزم عليهم حرج و ضيق.
ثمّ إنّ هذا كله مع كون المسألة (1) في نفسها مما يمكن فيه الاحتياط و لو بتكرار العمل في العبادات، أمّا مع عدم إمكان الاحتياط كما لو دار المال بين صغيرين يحتاج كل واحد منهما إلى صرفه عليه في الحال و كما في المرافعات، فلا مناص عن العمل و قد يورد على إبطال الاحتياط بلزوم الحرج بوجوه، لا بأس بالإشارة إلى بعضها:
منها: النقض بما لو أدى اجتهاد المجتهد و عمله بالظن إلى فتوى يوجب الحرج كوجوب الترتيب بين الحاضرة و الفائتة لمن عليه فوائت كثيرة أو وجوب الغسل على مريض أجنب متعمدا و إن أصابه من المرض ما أصابه، كما هو قول بعض أصحابنا، و كذا لو فرضنا أداء ظن المجتهد (2) إلى وجوب
الشرح
(1) ما أفاده في كمال الوضوح حيث إنّ موضوع الاحتياط على ما عرفت مرارا إنّما هو في موارد إمكانه، لا فيما دار الأمر فيه بين المحظورين سواء أجري فيه التّخيير أم لا، حيث إنّه لا مناص فيه عن العمل بالظّن، كما ستقف على تفصيل القول فيه.
(2) فرض أداء ظنّ المجتهد إلى ما ذكره يحصل بأمرين:
أحدهما: أداؤه إلى الحكم الإلزامي في جميع الوقائع المشتبهة، و بعبارة أخرى أداؤه إلى ما يوافق الاحتياط بالنّسبة إلى جميع موارد احتمال التّكليف.
أمور كثيرة يحصل العسر لمراعاتها، و بالجملة فلزوم الحرج من العمل بالقواعد لا يوجب الإعراض عنها، و فيما نحن فيه إذا اقتضى القاعدة رعاية الاحتياط لم يرفع اليد عنها للزوم العسر.
و الجواب أن ما ذكر في غاية (1) الفساد.
الشرح
ثانيهما: أداؤه إلى ذلك بالنّسبة إلى أكثرها بحيث يفرض لزوم العسر من الاحتياط فيها من غير توقّف حصوله على ضم الباقي.
(1) لا يخفى عليك أنّ كلام المورد مشتبه المراد، فإنّ ملخّص ما ذكره من النّقض أنّ إثبات حجيّة مطلق الظّن بإبطال وجوب الاحتياط من حيث إيجابه الحرج و العسر لا يجوز من حيث لزوم المحذور المزبور على تقدير العمل بالظّن أيضا، و أمّا قوله و بالجملة فلزوم الحرج إلى آخره، فغير محصّل المراد إذ لم يظهر كون المراد منه المنع من قيام دليل على نفي التّكليف العسري أو منع حكومته على ما يثبت التّكاليف في الشّريعة مع تسليم وجوده أو تقديم القواعد عليه و ترجيحه عليه بضرب من التّرجيح مع تسليم وجوده و تقدّمه الذّاتي على عمومات التّكاليف في الجملة، فإن كان المراد الأوّل فلا شبهة في بداهة بطلانه بعد دلالة الأدلّة الثّلاثة، بل الأربعة عليه في المقام و أشباهه ممّا يوجب الحرج البالغ حدّ الاختلال الّذي يحكم العقل المستقل بوجوب رفعه على الحكيم تعالى و إن كان المراد الثّاني، فلا ينبغي الأشكال في فساده و إن زعم بعض المتأخّرين صحّته، فإنّ قوله تعالى: وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ و أشباهه من الآيات و الأخبار يكون شارحا لما أثبت الأحكام الدّينيّة من العمومات و الإطلاقات و مفسّرا لها بالدّلالة اللّفظيّة، و حاكيا عنه، و متفرعا عليه، و هذا معنى الحكومة و التّقدم الذاتي بحيث لا يلاحظ نسبة و ترجيح بينهما أصلا، و من هنا يقدّمونه عليه من غير ملاحظة مرجّح هذا كلّه بالنّسبة إلى غير المقام، و أمّا بالنّسبة إليه، فلا شبهة في
........
الشرح
ورود دليل نفي الجرح من وجهين:
أحدهما: كون مبنى وجوب الاحتياط عند العقل و مناطه احتمال العقاب، و من المعلوم ضرورة ارتفاعه بإذن الشّارع و لو لم يكن مستفادا ممّا يكون حاكما على التّكاليف، بل و لو لم يكن من الأدلّة الاجتهاديّة، و من هنا يكون الاستصحاب واردا على الاحتياط العقلي.
ثانيهما: كون النّافي للحرج في المقام العقل المستقلّ، فلا محالة يكون واردا على ما يوجب الاحتياط و لو كان دليلا شرعيّا، هذا و إن كان المراد الثّالث ففيه أنّ الموجب للاحتياط في المقام حكم العقل من جهة لزوم دفع الضّرر المحتمل فيكون دليل نفي الجرح واردا عليه لا محالة، فلا يكون قابلا، لأن يقدّم عليه و يخصّصه مضافا إلى ما عرفت عن قريب من كون النّافي في المقام بملاحظة لزوم الاختلال من الاحتياط العقل المستقلّ، فكيف يحكم بتقديم الاحتياط عليه نعم قاعدة نفي العسر و الحرج في غير ما يوجب الاختلال ظنّية مستفادة من عمومات الكتاب و السّنة القطعيّة على ما هو الصّواب عندنا وفاقا للمشهور، و خلافا لبعض أفاضل المتأخّرين في عوائده و غيره في غيره حيث زعما كون التّكليف العسريّ قبيحا عقلا و خلافا للّطف و أنّ ما في الشّرعيّات ممّا حكموا بكونه تكليفا عسريّا مثل الجهاد و نحوه لا يكون عسرا بعد ملاحظة ما أعدّ الشّارع له من الأجر و الثّواب.
و لتحقيق المقام و توضيح فساد الزّعم المزبور مقام آخر، فعلى ما ذكرنا يكون القاعدة في غير ما يوجب الاختلال قابلة للتّخصيص بما هو أخصّ منه مثل ما دلّ على وجوب الغسل على المريض المجنب عمدا على تقدير تماميّته سندا و دلالة، و ما دلّ على وجوب التّرتيب بين الفوائت لمن عليه فوائت كثيرة أو بين الحاضرة و الفائتة في الفرض المسطور و نحوهما، فيخرج بها عن القاعدة بعد تماميّتها نظرا
لأنّ مرجعه إن كان إلى منع نهوض أدلة نفي الحرج للحكومة على مقتضيات القواعد و العمومات و تخصيصها بغير صورة لزوم الحرج، فينبغي أن ينقل الكلام في منع ثبوت قاعدة الحرج، و لا يخفى أن منعه في غاية السقوط لدلالة الأخبار المتواترة معنى عليه مضافا إلى دلالة ظاهر الكتاب.
و الحاصل أن قاعدة نفي الحرج مما ثبتت بالأدلة الثلاثة، بل الأربعة في مثل المقام لاستقلال العقل بقبح التكليف بما يوجب اختلال نظام أمر المكلف، نعم هي في غير ما يوجب الاختلال قاعدة ظنية تقبل الخروج عنها بالأدلة الخاصة المحكمة و إن لم تكن قطعية.
و أمّا القواعد و العمومات المثبتة للتكليف، فلا إشكال، بل لا خلاف في حكومة أدلة نفي الحرج عليها فليس الوجه في التقديم كون النسبة بينهما عموما من وجه فيرجع إلى أصالة البراءة، كما قيل أو إلى المرجحات الخارجية المعاضدة لقاعدة نفي الحرج كما زعم، بل لأنّ أدلة نفي العسر بمدلولها اللفظي حاكمة على العمومات المثبتة للتكليف فهي بالذات مقدمة عليها، و هذا هو السر في عدم ملاحظة الفقهاء المرجح الخارجي، بل يقدمونها من غير مرجح خارجي.
نعم جعل بعض متأخري المتأخرين عمل الفقهاء بها في الموارد من
الشرح
إلى عدم إمكان تحكيم القاعدة عليها، كما لا يخفى فيعامل معهما معاملة مطلق الخاص و العام المتنافيين.
فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ ما ذكره المورد من النّقض لا توجّه له أصلا بالنّسبة إلى ما فرضه من المثالين و أشباههما لوضوح الفرق بينهما و بين المقام من وجوه و أمّا ما ذكره من فرض أداء ظنّ المجتهد إلى وجوب أمور يلزم من مراعاتها الحرج، فسيجيء الكلام عليه عند تعرّض شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره له.
المرجحات لتلك القاعدة زعما منه أن عملهم لمرجح توقيفي اطلعوا عليه و اختفى علينا و لم يشعر أن وجه التقديم كونها حاكمة على العمومات.
و ممّا يوضح ما ذكرنا و يدعو (1) إلى التأمل في وجه التقديم المذكور في محله و يوجب الإعراض عما زعمه غير واحد من وقوع التعارض بينها و بين سائر العمومات فيجب الرجوع إلى الأصول أو المرجحات هو ما: «رواه عبد الأعلى مولى آل سام في من عثر فانقطع ظفره فجعل عليه مرارة فكيف يصنع بالوضوء فقال عليه السلام يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه ما جعل عليكم في الدين من حرج امسح عليه»(1).
فإنّ في إحالة الإمام عليه السلام لحكم هذه الواقعة إلى عموم نفي الحرج، و بيان أنّه ينبغي أن يعلم منه أن الحكم في هذه الواقعة المسح فوق
الشرح
(1) دلالة الرّواية على كون تقدّم ما دلّ على نفي الحرج على العمومات المثبتة للتكاليف العسريّة بعمومها ذاتيّا و من باب الحكومة مضافا إلى ما عرفت من وضوحه ممّا لا يكاد أن يخفى، فإنّ معرفة المسئول من كتاب اللّه بحيث يغني عن السّؤال عن الإمام عليه السلام مع كون النّسبة بين قوله تعالى: وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ و ما دلّ على وجوب المسح على الرّجل الظّاهر في المسح على بشرتها عموم من وجه، فلا يمكن المعرفة من الكتاب بنفسه، إلاّ بكون ما دلّ على نفي الحرج مقدّما عليه بذاته و بحسب المرتبة، و لا فرق فيما ذكرنا من الدّلالة بين كون إيجاب المسح على المرارة مستفادا من الكتاب أيضا حسبما هو ظاهر شيخنا قدس سره في المقام و صريحه فيما تقدّم و بين كونه تأسيسا من الإمام عليه السلام، و كون الغرض من الإحالة و الإجماع إلى الكتاب نفي وجوب المسح على البشرة حسبما عرفت باستظهاره سابقا و إن كان خلاف ظاهر الرّواية في بادي النّظر، فإنّ المقصود يحصل بالثّاني.
1) الكافي: ج 3، ص 33.
المرارة مع معارضة العموم المذكور بالعمومات الموجبة للمسح على البشرة دلالة واضحة على حكومة عمومات نفي الحرج بأنفسها على العمومات المثبتة للتكاليف من غير حاجة إلى ملاحظة تعارض و ترجيح في البين فافهم.
و إن كان مرجع ما ذكره إلى أن التزام العسر إذا دلّ عليه الدليل لا بأس به، كما في ما ذكر من المثال و الفرض.
ففيه ما عرفت من أنه لا يخصص تلك العمومات إلاّ ما يكون أخص منها معاضدا بما يوجب قوتها على تلك العمومات الكثيرة الواردة في الكتاب و السنة، و المفروض أنه ليس في المقام إلاّ قاعدة الاحتياط، التي قد رفع اليد عنها لأجل العسر في موارد كثيرة مثل الشبهة الغير المحصورة، و ما لو علم أن عليه فوائت لا يحصي عددها و غير ذلك، بل أدلة نفي العسر بالنسبة إلى قاعدة الاحتياط من قبيل الدليل بالنسبة إلى الأصل، فتقديمها عليها أوضح من تقديمها على العمومات الاجتهادية.
و أمّا ما ذكره من فرض أداء ظن المجتهد إلى وجوب بعض ما يوجب العسر كالترتيب في الفوائت أو الغسل في المثالين، فظهر جوابه مما ذكرنا من أن قاعدة نفي العسر في غير مورد الاختلال قابلة للتخصيص.
و أمّا ما ذكره من فرض أداء ظن المجتهد إلى وجوب أمور (1) يلزم من فعلها الحرج.
الشرح
(1) لمّا كان النّقض المذكور نظير نقض بطلان البراءة من جهة العلم الإجمالي بأداء ظنّ المجتهد إلى ما يوافق البراءة في جميع الوقائع المشتبهة، فلا بدّ أن يجاب عنه:
أوّلا: بعدم الإمكان من حيث وجود العلم الإجمالي بالأحكام الغير الإلزاميّة في الوقائع المشتبهة، و معه لا يمكن الظّن بما يوافق الاحتياط في جميعها أو فيما
........
الشرح
يوجب من مراعاته الحرج نظرا إلى كثرة الأحكام الغير الإلزاميّة، كما هو واضح، فكما أنّ العلم الإجمالي بالأحكام الإلزاميّة يمنع من الظّن بما يوافق البراءة في جميع الوقائع المشتبهة كذلك العلم الإجمالي بالأحكام الغير الإلزاميّة يمنع من الظّن بما يوافق الاحتياط في جميع الوقائع.
و ثانيا: بعدم الوقوع على تقدير تسليم الإمكان بجعل نتيجة الدّليل أعمّ من الظّن الشخصيّ و النّوعي، و كون الأمارات القائمة على التّكليف مفيدة للظّن النّوعي كلاّ أو جلا بحيث يجامع العلم الإجمالي بالخلاف نظرا إلى كون مدلول غالب الأمارات من الأخبار و غيرها الأحكام الغير الإلزاميّة، فكيف يظنّ منها الحكم الإلزامي.
و ثالثا: بعدم جواز العمل بجميعها على تقدير تسليم الإمكان و الوقوع نظرا إلى لزوم الحرج و الاختلال فيحكم بالتّبعيض بين مراتب الظّنون بالقوّة و الضّعف، فيختار جانب التّكليف الإلزامي فيما قام الظّن القويّ عليه و جانب الحكم الغير الإلزامي فيما قام على التّكليف الظّن الضّعيف، فإن سلّم الخصم هذا المعنى فيرجع إلى الاعتراف بوجوب العمل بالظّن في مقابل الاحتياط في الجملة، و أمّا ما أفاده شيخنا قدس سره في الكتاب من الأجوبة فغير نقيّة عن المناقشة، لأنّ حصول العلم من أدلّة نفي الحرج بعدم جعل الحكم العسري في الشّريعة أصلا و رأسا مبنيّ على كون نفي الحكم العسري في الشّريعة عقليّا لا من جهة لزوم الاختلال فيما فرض لزومه، فإنّه مضافا إلى مخالفته لظاهر كلامه في المقام مناف لصريح كلامه فيما يأتي حيث إنّه جعل لزوم الاختلال فيما سيأتي جوابا مستقلا، بل من جهة ما زعمه بعض المتأخّرين من كون التكليف العسري خلاف اللّطف و هو مناف لصريح كلامه فيما مضى و تصديقه بكونه في غير ما يوجب الاختلال قاعدة ظنيّة قابلة للتخصيص بقوله: (نعم) إلى آخره فراجع هذا لو أريد من العلم العلم التّفصيلي،
فيرد عليه أولا: منع إمكانه لأنّا علمنا بأدلة نفي الحرج أن الواجبات الشرعية في الواقع ليست بحيث يوجب العسر على المكلف، و مع هذا العلم الإجمالي يمتنع الظن التفصيلي بوجوب أمور في الشريعة يوجب ارتكابها العسر على ما مر نظيره في الإيراد على دفع الرجوع إلى.
و ثانيا: سلمنا إمكان ذلك (1)، إمّا لكون الظنون الحاصلة في المسائل
الشرح
كما هو ظاهر كلامه، بل صريحه عند التّأمّل، و أمّا لو أريد منه العلم الإجمالي من حيث العلم بإرادة بعض الأفراد من كلّ عام و من هنا حكموا بقبح التّخصيص المستغرق، ففيه أنّه لا يجدي شيئا أصلا و إن كان مسلّما، فإنّه يكفي فيه عدم عسريّة بعض أحكام الشّريعة.
نعم ينافي هذا العلم الظّن بكون كلّ حكم مجعول شرعا عسريّا، لكنّه ليس مراد المستدلّ قطعا، إذ مبنى كلامه على لزوم العسر من مراعات الظّن كلزومه من مراعات الاحتياط، و أين هذا من فرض أداء ظنّ المجتهد إلى كون المجعول في كلّ واقعة حكما عسريّا.
و بالجملة لا أرى وجها لتصحيح الجواب الّذي أفاده، و قد اعترضت عليه قدس سره في مجلس البحث بما عرفت، فاعتذر بعد الاعتراف بعدم تماميّته بأنّه ليس جوابا مستقلا عنده تامّا عند التّأمّل.
(1) ما أفاده في تصور الإمكان صريح في كون الجواب الأوّل مبنيّا على قطعيّة ما دلّ على نفي الحرج دلالة، و قد عرفت ما فيه، ثمّ إنّ ما ذكره في وجه الإمكان أوّلا مبنيّ على كون نتيجة دليل الانسداد هي حجيّة الظّن بالمعنى الأعمّ من الظّن النّوعي و الشّخصي أو كون الظّنون القائمة في المسائل الفرعيّة مظنونة الاعتبار، و ما أفاده في تصويره ثانيا مبنيّ على كون اعتبار الظّواهر من باب الظّن المطلق، و إلاّ فيخرج عن الفرض و ما أفاده ثالثا في تصويره مبنيّ على ما أسمعناك في طيّ
الفرعية كلها أو بعضها ظنونا نوعية، لا تنافي العلم الإجمالي بمخالفة البعض للواقع أو بناء على أن المستفاد من أدلة نفي العسر ليس هو القطع و لا الظن الشخصي بانتفاء العسر، بل غايته الظن النوعي الحاصل من العمومات بذلك، فلا ينافي الظن الشخصي التفصيلي في المسائل الفرعية على الخلاف، و أمّا بناء على ما ربما يدعى من عدم التنافي بين الظنون التفصيلية الشخصية و العلم الإجمالي بخلافها، كما في الظن الحاصل من الغلبة مع العلم الإجمالي بوجود الفرد النادر على الخلاف، لكن نمنع وقوع ذلك لأنّ الظنون الحاصلة للمجتهد بناء على مذهب الإمامية من عدم اعتبار الظن القياسي و أشباهه ظنون حاصلة من أمارات مضبوطة محصورة كأقسام الخبر و الشهرة و الاستقراء و الإجماع المنقول و الأولوية الاعتبارية و نظائرها، و من المعلوم للمتتبع فيها أن مؤدياتها لا تفضي إلى الحرج لكثرة ما يخالف الاحتياط فيها، كما لا يخفى على من لاحظها و سبرها سبرا إجماليا.
و ثالثا: سلمنا إمكانه و وقوعه لكن العمل (1) بتلك الظنون لا يؤدي إلى
الشرح
كلماتنا السّابقة فساده من إمكان اجتماع الظّنون الشّخصيّة مع العلم على الخلاف، حيث إنّا نرى بالوجدان اجتماعها في الغلبة نظرا إلى حصول الظّن بملاحظة الغلبة بإلحاق الأفراد المشكوكة بالغالب مع العلم الإجمالي بتخلّف النّادر و الوقوع أخصّ من الإمكان و إن كان هذا الوهم في كمال الوضوح من الفساد، و خلاف العقل و الوجدان حتّى فيما فرضه من مثال الغلبة، فإنّ الظّن بالإلحاق بالنّسبة إلى الأفراد المشكوكة إذا لوحظت بعنوان الاجتماع لا يحصل جدّا، فإذا بقي فرد مشكوك لا يمكن الظّن بإلحاقه، إلاّ إذا فرض ذهاب الظّن بالإلحاق من غيره ممّا شكّ فيه و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا.
(1) الفرق بين العمل بالظّن و كونه حجّة و مناطا للتّكليف في الشّرعيّات مع
اختلال النظام حتى لا يمكن إخراجها من عمومات نفي العسر، فنعمل بها في مقابلة عمومات نفي العسر و نخصصها بها، لما عرفت من قبولها التخصيص في غير مورد الاختلال و ليس هذا كرا على ما فر منه، حيث إنّا عملنا بالظن فرارا عن لزوم العسر فإذا أدى إليه فلا وجه للعمل به، لأنّ العسر اللازم على تقدير طرح العمل بالظن كان بالغا حد اختلال النظام من جهة لزوم مراعاة
الشرح
أدائه إلى الحكم الإلزامي في جميع الوقائع المشبهة و الأخذ بالاحتياط فيها، و كونه مناطا لإطاعة الأحكام المشتبهة في لزوم الاختلال على الثّاني دون الأوّل هو أنّ لزوم الاختلال إنّما هو من جهة انضمام التّعليم و تعلّم موارد الاحتياط إلى العمل به على ما عرفته مفصّلا و هو لا يلزم من حجيّة الظّن إذا فرض أداؤه إلى ما يوافق الاحتياط في جميع الوقائع فإنّه أمر منضبط واحد كما هو واضح، نعم لو كان الموجب للاختلال نفس العمل بالاحتياط لم يكن فرق بينهما أصلا، كما لا يخفى و ممّا ذكرنا كلّه يظهر لك توجّه المناقشة إلى ما أفاده في وجه عدم ورود إشكال لزوم العسر على تقدير العمل بالظّن و أنّه ليس كرّا على ما فرّ منه بقوله لأنّ العسر اللاّزم على تقدير طرح العمل بالظّن كان بالغا حدّ اختلال النّظام من جهة لزوم مراعات الاحتمالات المشكوكة و الموهومة إلى آخره حيث إنّ ظاهره بيان الفرق بين الأمرين مع قطع النّظر عن التّعليم و التعلّم و هو كما ترى، فإنّ المفروض في الإيراد أداء ظنّ المجتهد إلى ما يوافق الاحتياط في جميع الوقائع المشتبهة، فلا يبقى هنا موارد موهومة و مشكوكة حتّى تجعل فارقة.
نعم لو فرض لزوم الحرج من العمل بالظّن فيما لو أدّى إلى ما يوافق الاحتياط في كثير من الوقائع المشتبهة بحيث لو انضمّ إلى العمل بالظّن العمل بالاحتياط في سائر الموارد المشتبهة لزوم الاختلال توجّه الفرق بينهما بما أفاده لكنّه رجوع عمّا ذكره سابقا من كون الاختلال مستندا إلى التّعليم و التعلّم و بالجملة عبارة الكتاب في بيان الفرق لا يخلو عن شيء.
الاحتمالات الموهومة و المشكوكة، و أمّا الظنون المطابقة لمقتضى الاحتياط، فلا بد من العمل بها سواء عملنا بالظن أم عملنا بالاحتياط، و حينئذ ليس العسر اللازم من العمل بالظنون الاجتهادية في فرض المعترض من جهة العمل بالظن، بل من جهة مطابقته لمقتضى الاحتياط، فلو عمل بالاحتياط وجب عليه أن يضيف إلى تلك الظنون الاحتمالات الموهومة و المشكوكة المطابقة للاحتياط.
و منها: أنّه يقع التعارض (1) بين الأدلة الدالة على حرمة العمل بالظن و العمومات النافية للحرج و الأول أكثر، فيبقى أصالة الاحتياط مع العلم الإجمالي بالتكاليف الكثيرة سليمة عن المزاحم.
و فيه ما لا يخفى لما عرفت (2) في تأسيس الأصل من أن العمل بالظن ليس
الشرح
(1) وقوع التّعارض بين ما دلّ على حرمة العمل بالظّن و دليل نفي الحرج إنما هو من جهة اقتضاء النّافي للحرج حجيّة الظّن بعد فرض تماميّة سائر المقدمات، كما هو المفروض عند البحث في بطلان الاحتياط كالبحث عن سائر ما له دخل في تماميّة الدّليل، فيتعارضان في حكم العمل بالظّن في زمان الانسداد منعا و إثباتا تعارض العامين من وجه، فإذا كان الأوّل أكثر فلا مجال لترجيح الثّاني عليه غاية الأمر تعادلهما فيحكم بتساقطهما و الرّجوع إلى ما يقتضي وجوب الاحتياط من حكم العقل بملاحظة العلم الإجمالي.
(2) لا يخفى عليك وضوح فساد التّعارض المتوهّم في المقام، فإنّ الدّليل الدّال على وجوب العمل بالظّن وارد على ما دلّ على حرمته من جهة التّشريع، بل من جهة إحراز الواقع بالاحتياط أيضا، ضرورة ارتفاع موضوع التّشريع المبنيّ على عدم العلم بالحجيّة و الاحتياط المبنيّ على احتمال الضّرر بالدّليل القائم على الحجيّة، بل التّعارض المتوهّم في المقام إنما هو بملاحظة الاحتياط، فإذا حكم
فيه إذا لم يكن بقصد التشريع و الالتزام شرعا بمؤداه حرمة ذاتية، و إنمّا يحرم إذا أدى إلى مخالفة الواقع من وجوب أو تحريم فالنافي للعمل بالظن فيما نحن فيه ليس إلاّ قاعدة الاحتياط الآمرة بإحراز الاحتمالات الموهومة و ترك العمل بالظنون المقابلة لتلك الاحتمالات، و قد فرضنا أن قاعدة الاحتياط ساقطة بأدلة نفي العسر، ثمّ لو فرضنا ثبوت الحرمة الذاتية للعمل بالظن و لو لم يكن على جهة التشريع لكن عرفت سابقا عدم معارضة عمومات نفي العسر بشيء من العمومات المثبتة للتكليف المتعسر.
و منها: أنّ الأدلة النافية للعسر (1) إنمّا تنفي وجوده في الشريعة بحسب
الشرح
بارتفاع موضوعه بدليل نفي الحرج، فلا يبقى تعارض أصلا، فأين تعارض الدّليلين حتّى يصير الاحتياط مرجعا بعد تساقطهما، و من هنا يظهر أنّه لا تعارض حقيقة بين دليل الحرمة و دليل نفي الحرج على تقدير ثبوت الحرمة الذّاتية للعمل بالظّن أيضا، إذ مقتضى دليل نفي الحرج عدم وجوب الاحتياط عند انسداد باب العلم و قضيّة العقل بعد تماميّة تمام المقدّمات وجوب العمل بالظّن، و أين هذا من التّعارض بين دليل الحرمة و دليل نفي الحرج، فكلام المورد ساقط من أصله.
(1) توهّم عدم شمول الأدلّة النّافية للعسر للمقام من وجهين أحدهما ما أفاده قدس سره في الكتاب من أنّ المنفيّ بها هو الأحكام المجعولة أوّلا و بالذّات للأفعال و الموضوعات العسرة بحيث لم يستند إلى غير الشّارع أصلا إذ الظّاهر من قوله تعالى: وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ و نحوه هو ما ذكر لا غيره، فيبقى الغير تحت العمومات و الأدلّة المقتضية للتّكليف بالأمور المتعسّرة، فإذا كان موضوع وجوب الاحتياط و السّبب فيه اشتباه الحكم الإلزامي الصّادر من الشّارع بحيث لو لم يكن تقصير من المكلّفين في حفظه و تبليغه، بل في اختفاء من كان حافظا للدّين و مبيّنا لما اشتبه من أحكام جدّه سيّد المرسلين صلى اللّه عليه و آله
........
الشرح
للمكلّفين لم يقعوا في الاشتباه جدّا، فلا ينفي تلك الأدلّة، ثانيهما أنّ المنفي بتلك الأدلّة هو الحكم الشّرعي لا العقلي، فإنّ صريح قوله تعالى وَ مٰا جَعَلَ الآية هو المجعولات الإلهيّة لا العقليّة، و من المعلوم ضرورة أنّ الحاكم بوجوب الاحتياط في موارد العلم الإجمالي بالتكليف الإلزامي هو العقل و ما ورد من الأخبار بعنوان العموم لا يستفاد منها وجوب الاحتياط و على تقدير الدّلالة يكون مؤكّد لحكم العقل نظير ما دلّ من الآيات و الأخبار على وجوب الإطاعة و حرمة المعصية.
فإن شئت قلت: إنّ الاحتياط من مراتب الإطاعة الّتي لا يمكن أن يتعلّق بها حكم شرعي مولويّ، فلا ينفيه ما دلّ على عدم جعل الحكم الحرجي في الدّين إذ هو مفسّر و شارح لما أثبته الشّارع من الأحكام، فكما أنّ إثبات وجوب الاحتياط في موارد العلم الإجمالي بالتّكليف الإلزامي ليس من الشّارع كذلك نفيه ليس منه بما ينفي المجعولات الشّرعيّة، هذا و لكنّك خبير بفساد كلا الوجهين:
أمّا الأوّل: فلما ذكره قدس سره في الكتاب من منع الاختصاص أوّلا، لأنّ دخل المكلّف في تحقّق موضوع الحكم و تسبيبه له لا دخل له في جعل الحكم و لا أثر له بالنّسبة إليه أصلا فالجعل دائما من الشّارع سواء كان في الموضوع العسري أو الضّرري فوجوب الغسل على المريض المجنب عمدا و إن أصابه من المرض ما أصابه ممنوع، و كذا أشباهه و أمثاله، نعم لو قام هناك دليل قطعيّ على جعل حكم حرجيّ أو ضرريّ أو ظنّي معمول به عندهم لخرجنا به عمّا دلّ على نفي الحرج و الضّرر من غير فرق بين أن يكون السّبب لإيجاد موضوعه نفس المكلّف أو غيره، و من هنا يحكم بوجوب الجهاد و الاجتهاد و إن سلّم كونه حرجيّا و أغمض عمّا في الكتاب من منعه بأنّ مزاولة العلوم لأهله إلى أخره من جهة ما أفاده فيما سيجيء من كونه أشقّ من طول الجهاد، و أمّا العمومات المثبتة للتكليف فهي محكومة بالنّسبة إلى ما دلّ على نفي الأمرين من غير فرق بين
أصل الشرع أولا و بالذات، فلا تنافي وقوعه بسبب عارض لا يسند إلى الشارع، و لذا لو نذر المكلف أمورا عسرة كالأخذ بالاحتياط في جميع الأحكام الغير المعلومة و كصوم الدهر أو إحياء بعض الليالي أو المشي إلى الحج أو الزيارات لم يمنع تعسرها عن انعقاد نذرها، لأنّ الالتزام بها إنما جاء من قبل المكلف، و كذا لو آجر نفسه لعمل شاق لم يمنع مشقته من صحة الإجارة و وجوب الوفاء بها، و حينئذ فنقول لا ريب أن وجوب الاحتياط بإتيان كل ما يحتمل الوجوب و ترك كل ما يحتمل الحرمة إنّما هي من
الشرح
الصّورتين هذا مع الإغماض عن كون النّافي لوجوب الاحتياط في المقام العقل بملاحظة لزوم الاختلال و تسليم التّوهم المذكور على تقدير الإغماض بالنّسبة إلى ما التزم به المكلّف من الأمور الشّاقة.
ثانيا: فيفرق بين المريض المجنب عمدا، فلا يجب عليه الغسل و بين الأجير على الأعمال الشّاقة فيجب عليه الوفاء من حيث إنّ إيجاب الوفاء في حقّه يرجع إلى إيجاب الوفاء بما التزم على نفسه باختياره كالنّاذر للأمور الشّاقة فمرجع الجعل في هذا القسم إلى إمضاء ما التزم به المكلّف و هذا التّسليم لا ينفع المتوهّم في المقام، فإنّه من القسم الأوّل لا الثّاني، كما لا يخفى.
و أمّا الثّاني: فلأنّ إيجاب الاحتياط و إن كان عقليّا و الحاكم به و إن كان هو العقل المستقلّ، إلاّ أنّه كاشف عن حكم شرعيّ مطابق له بقاعدة التّلازم جدّا، و إلاّ لم يكن دليلا متّبعا معتبرا فإذا حكم الشّارع بعدم جعل الحكم الحرجي مطلقا سواء كان حكما واقعيّا أو ظاهريّا، فيكشف ذلك عن عدم مؤاخذة الشّارع على الواقع المجهول المعلوم إجمالا في موارد تعسّر الاحتياط في تحصيله فيرفع موضوع حكم العقل بوجوب الاحتياط، و من هنا حكموا بعدم وجوب الاحتياط في الشّبهة الغير المحصورة و حكم الشّارع بعدم وجوبه عند اشتباه القبلة و قنع بالصّلاة إلى أربع جهات فتدبّر.
جهة اختفاء الأحكام الشرعية المسبب عن المكلفين المقصرين في محافظة الآثار الصادرة عن الشارع المبينة للأحكام و المميزة للحلال عن الحرام، و هذا السبب و إن لم يكن عن فعل كل مكلف لعدم مدخلية أكثر المكلفين في ذلك، إلاّ أن التكليف بالعسر ليس قبيحا عقليا حتى يقبح أن يكلف به من لم يكن سببا له و يختص عدم قبحه بمن صار التعسر من سوء اختياره، بل هو أمر منفي بالأدلة الشرعية السمعية و ظاهرها أن المنفي هو جعل الأحكام الشرعية أولا و بالذات على وجه يوجب العسر على المكلف، فلا ينافي عروض التعسر لامتثالها من جهة تقصير المقصرين في ضبطها و حفظها عن الاختفاء مع كون ثواب الامتثال حينئذ أكثر بمراتب أ لا ترى أن الاجتهاد الواجب على المكلفين و لو كفاية من الأمور الشاقة جدا خصوصا في هذه الأزمنة فهل السبب فيه إلاّ تقصير المقصرين الموجبين لاختفاء آثار الشريعة، و هل يفرق في نفي العسر بين الوجوب الكفائي و العيني.
و الجواب عن هذا الوجه أن أدلة نفي العسر سيما البالغ منه حدّ اختلال النظام و الإضرار بأمور المعاش و المعاد لا فرق فيها بين ما يكون بسبب يسند عرفا إلى الشارع و هو الذي أريد بقولهم عليهم السلام: «ما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر»(1)و بين ما يكون مسندا إلى غيره و وجوب صوم الدهر على ناذره إذا كان فيه مشقة لا يتحمل عادة ممنوع، و كذا أمثالها من المشي إلى بيت اللّه جل ذكره و إحياء الليالي و غيرهما مع إمكان أن يقال بأن ما ألزمه المكلف على نفسه من المشاق خارج عن العمومات لا ما كان السبب فيه نفس المكلف فيفرق بين الجنابة متعمدا، فلا يجب الغسل مع المشقة و بين إجارة النفس للمشاق، لأنّ الحكم في الأول تأسيس من الشارع و في الثاني
1) الكافي: ج 3، ص 412.
إمضاء لما ألزمه المكلف على نفسه فتأمل.
و أمّا الاجتهاد الواجب كفاية عند انسداد باب العلم، فمع أنّه شيء يقضي بوجوبه الأدلة القطعية فلا ينظر إلى تعسره و تيسره فهو ليس أمرا حرجا خصوصا بالنسبة إلى أهله فإنّ مزاولة العلوم لأهلها ليس بأشق من أكثر المشاغل الصعبة التي يتحملها الناس لمعاشهم، و كيف كان فلا يقاس عليه.
و أمّا عمل العباد بالاحتياط و مراقبة ما هو أحوط الأمرين أو الأمور في الوقائع الشخصية إذا دار الأمر فيها بين الاحتياطات المتعارضة، فإنّ هذا دونه خرط القتاد، إذ أوقات المجتهد لا تفي بتميز موارد الاحتياطات، ثمّ إرشاد المقلدين إلى ترجيح بعض الاحتياطات على بعض عند تعارضها في الموارد الشخصية التي تتفق للمقلدين، كما مثلنا لك سابقا في الماء المستعمل في رفع الحدث.
و قد يرد الاحتياط بوجوه أخر غير ما ذكرنا من الإجماع و الحرج:
منها: أنه لا دليل على وجوب الاحتياط، و أن الاحتياط أمر مستحب إذا لم يوجب إلغاء الحقوق الواجبة.
و فيه أنه إن أريد أنه لا دليل على وجوبه في كل واقعة إذا لوحظت مع قطع النظر عن العلم الإجمالي بوجود التكليف بينها و بين الوقائع الأخر فهو مسلم بمعنى أن كل واقعة ليست مما يقتضي الجهل فيها بنفسها الاحتياط، بل الشك فيها إن رجع إلى التكليف، كما في شرب التتن و وجوب الدعاء عند رؤية الهلال لم يجب فيها الاحتياط و إن رجع إلى تعيين المكلف به كالشك في القصر و الإتمام و الظهر و الجمعة و كالشك في مدخلية شيء في العبادات بناء على وجوب الاحتياط فيما شك في مدخليته وجب فيها الاحتياط، لكن وجوب الاحتياط في ما نحن فيه في الوقائع المجهولة من جهة العلم الإجمالي
بوجود الواجبات و المحرمات فيها و إن كان الشك في نفس الواقعة شكا في التكليف، و لذا ذكرنا سابقا أن الاحتياط هو مقتضى القاعدة الأولية عند انسداد باب العلم نعم من لا يوجب الاحتياط (1) حتى مع العلم الإجمالي بالتكليف، فهو يستريح عن كلفة الجواب عن الاحتياط.
و منها: أن العمل بالاحتياط مخالف للاحتياط، لأنّ مذهب جماعة من العلماء، بل المشهور بينهم اعتبار معرفة الوجه بمعنى تمييز الواجب عن المستحب اجتهادا أو تقليدا، قال في الإرشاد (2) في أوائل الصلاة: «يجب
الشرح
(1) فلعلّ المجيب المورد بما ذكر هو ممّن لا يوجب الاحتياط حتّى مع العلم الإجمالي بالتّكليف كما يشهد له قوله بعدم الدّليل على وجوب الاحتياط و كونه أمرا مستحبّا، بل هو الظّاهر فالغرض من الاستدراك بيان كون الإيراد مبنيّا على هذا الزّعم الفاسد، لا على ملاحظة الشّك في الواقعة مع قطع النّظر عن العلم الإجمالي الكلّي حتّى يتوجّه على أنّ الإغماض و قطع النّظر لا يوجب رفع الأثر من العلم الإجمالي الموجود بالفرض فتدبّر.
(2) ما ذكره في الإرشاد يحتمل وجهين: أحدهما كون كلّ من المعرفة و إيقاع الفعل على وجهه بعد المعرفة واجبا مستقلا و شرطا في صحّة العبادة من غير أن يكون المعرفة مقدّمة لقصد الوجه، كما ربما يتراءى من العبارة في النّظرة الأولى، ثانيهما كون المعرفة مقدّمة للقصد من غير أن يكون شرطا مستقلا في العبادة و لعلّه الظّاهر بعد ملاحظة عدم القول باعتبارها على الوجه الأوّل و إن قيل باعتبار الأوّل دون الثّاني أو الثّاني دون الأوّل، إلاّ من باب المقدّمة العقليّة حيث إنّ القصد إلى عنوان الفعل يتوقّف عقلا على معرفته، ثمّ إنّا قد أشرنا عند البحث عن حكم العلم الإجمالي و كون الاحتياط طريقا مع التّمكن من تحصيل الظّن المعتبر إلى ما زعمه المتكلّمون و جمع من الفقهاء وجها لاعتبار معرفة الوجه أو قصده في
........
الشرح
تحقّق الإطاعة و إلى فساده، و نشير هنا أيضا على سبيل الإجمال و الاختصار طلبا لمزيد البصيرة و تنبيها لبعض ما طوينا ذكره هناك، فنقول إنّ المستفاد من كلماتهم في وجه ما ذهبوا إليه هو أنّ الفعل إنّما يجب شرعا من حيث كونه معنونا بعنوان منطبق عليه لا بعنوانه الأوّلي و باعتبار كونه، و إلاّ لوجب كلّ فعل شرعا، فالأمر المتعلّق بالأفعال حقيقة معلول للعنوان المذكور المشتمل على المصلحة الملزمة، فإذا أتى بالفعل بعنوانه إمّا يقصد نفس العنوان أو يقصد ما يكون حاكيا عنه و مشيرا إليه و معلولا عنه كان ترتّب العنوان على الفعل و تحقّقه اختياريّا فتحصل الإطاعة و امتثال الأمر، فيترتّب جميع ما هو آثار الامتثال عقلا و شرعا و إذا أتى به لا بذلك العنوان بالمعنى الّذي عرفته كان ترتّبه على تقديره من غير اختيار كما إذا فعل فعلا كان إهانة لشخص و لم يلتفت إلى كونه إهانة فإنّه يترتّب عليه الإهانة جدّا، إلاّ أنّه ليس فعلا اختياريا للفاعل، و من هنا يترتّب إسقاط الأمر على الواجبات التّوصّليّة إذا أتى بها لا بعنوان الإطاعة نظر إلى عدم اشتراط الامتثال في صحّتها و سقوط الأمر المتعلّق بها و إن كان شرطا في ترتّب استحقاق الثّواب عليها فإذا فرض اشتراط تحقق الإطاعة و الامتثال في صحة العبادات، فلا بدّ من قصد العنوان المزبور و الوجه المذكور و لو بقصد الوجوب المسبب عنه مثلا حتى يتحقق الامتثال، و من هنا قالوا إنّه لا بدّ من قصد الوجوب أو وجه الوجوب هذا على القول باعتبار قصد الوجه، فيكون المعرفة حينئذ مقدّمة له، و أمّا على القول بكفاية نفس المعرفة و إن لم يقصد الوجه المعلوم فيستدلّ له بأن العلم بعنوان الواجب أو الحكم المعلول عنه يكفي في تحقّق الامتثال بالنّسبة إلى الأمر المتعلّق بالمعنون و صدق كونه بذلك العنوان اختياريّا، و لا يعتبر قصده بعد معرفته في تحقّق الامتثال، هذا ملخّص ما يستفاد من كلماتهم في وجه المسألة.
و لكنّك خبير بأنّه لا يقتضي على تقدير تماميّة الاقتصار على ما ذكروه لأنّه بعد
معرفة واجب أفعال الصلاة من مندوبها و إيقاع كل منهما على وجهه» و حينئذ ففي الاحتياط إخلال بمعرفة الوجه التي أفتى جماعة بوجوبها و بإطلاق بطلان عبادة تارك طريقي الاجتهاد و التقليد.
و فيه أولا: أن معرفة الوجه مما يمكن (1) للمتأمل في الأدلة و في إطلاقات
الشرح
التّعدي عن القصد التّفصيلي بعنوان الفعل و لو من جهة تعذّره غالبا و عدم الاطلاع عليه إلى كفاية القصد الإجمالي بقصد ما يكون حاكيا عنه، لا يلزم قصد خصوص الوجوب و الاستحباب، بل يكفي قصد الظّهريّة و العصريّة مثلا نعم لو فرض في مقام كان المميّز منحصرا في الوجوب و الاستحباب تعيّن قصدهما، كما ذكروه بالنّسبة إلى فريضة الصّبح و نافلته، هذا كلّه مضافا إلى أنّه يتمكّن في موارد الاحتياط من القصد الّذي ذكروه، فإنّه يجعل الدّاعي للجمع بين الفعلين مثلا وجوب أحدهما عند اللّه كما أنّه يجعل الدّاعي له امتثال الأمر المتعلّق بأحدهما من غير فرق بين الأمرين و من هنا اتّفقوا على كفايته فيما لا يتمكّن من تحصيل الوجه أصلا و لو بالظّن و القول بالتّفكيك و الفرق بين صورتي التّمكن و العجز ممّا يضحك منه الثّكلى، و من هنا ذكر المحقّق قدس سره في المعتبر في باب الوضوء في مسألة قصد الخلاف بعد ذهابه إلى الصحّة، و أمّا ما ذكره المتكلّمون من وجوب إيقاع الواجب على وجهه أو وجه وجوبه فكلام شعري، فإنّا و إن ذكرنا في الفقه أنّ قصد الخلاف لا يمكن من العالم بالوجه و ذكر جماعة أنّ عدم اعتبار قصد الوجه لا يلازم جواز قصد الخلاف من حيث إنّ قصده يرجع إلى قصد غير الأمر المتوجّه إلى المكلّف، فلا يكون قاصدا للأمر المتعلّق به، إلاّ أنّه كلام آخر لا تعلّق له بالمقام و قد مضى شطر من الكلام فيه عند تأسيس الأصل في العمل بغير العلم.
(1) لعلّ المراد من الأدلّة في قبال إطلاقات العبادة الأخبار البيانيّة للعبادات، فإنّ سكوتها عن اعتبارها في مقام بيان ما يعتبر فيها شطرا أو شرطا يكشف عن
........
الشرح
عدم اعتبارها فإنّ المستفاد منها حصر ما يعتبر فيها فيما ذكر فيها فتدبّر.
و أمّا إطلاق العبادة فالمراد منه ظاهرا هو إطلاق المادّة، ضرورة أنّ إطلاق الهيئة إنما ينفع عند الشّك في الإطلاق و اشتراط الواجب لا عند الشّك فيما يعتبر في تحقّق امتثال الأمر المطلق المتعلّق بالواجب، فقد يناقش فيما أفاده قدس سره بأنّ التّمسك بإطلاق العبادات مادّة مبنيّ على القول بكون ألفاظها أسامي للأعمّ، و أمّا على القول بكونها أسامي لخصوص الصّحيحة التّامّة، كما اختاره قدس سره في محلّه، فلا محالة يكون ألفاظها مجملة ذاتا، ثمّ على القول بالأعمّ لا يجوز التّمسك بها على الإطلاق و إنما يجوز إذا وجد هناك شرائط التمسّك بالإطلاق، فإنّ حال ألفاظ العبادات على هذا القول حال سائر المطلقات من حيث كونها مبنيّة بالذّات.
و قد ذكر شيخنا قدس سره في الجزء الثّاني من الكتاب، كما سيجيء الإشارة إليه أنّه لا يجوز التّمسّك بأكثر ألفاظ العبادات، بل كلّها على القول بالأعمّ أيضا من حيث ورودها في مقام الإهمال و بيان المطلوبيّة في الجملة أو سوقها لبيان حكم آخر من الحثّ و التّرغيب، هذا كلّه مضافا إلى ما ربما يقال من منافاته لما أفاده في أوّل الكتاب من عدم كون اعتبار هذه الخصوصيّة و أمثالها تقييدا في العبادة حتّى يدفع بإطلاقها من حيث إنّ معرفة الوجه و كذا قصده كقصد القربة يلاحظ بعد تحقّق الأمر فكيف يمكن أخذها في المأمور به المتأخّر عن الأمر و إن ذكرنا هناك بعض المناقشات في ذلك و أنّ الظّاهر من حال الأمر و الآمر كون غرضه متعلّقا بوجود الفعل المأمور به من غير اعتبار أمر آخر فيه، إلاّ فيما ثبت اعتبار قصد الامتثال فيه، و من هنا اتفقوا على أنّ مقتضى الأصل اللّفظي في الواجبات التّوصّليّة، فلعلّه المراد من إطلاق العبادة و كون الخصوصيات المذكورة متأخّرة عن الأمر من حيث التّصور لا ينافي تأخّرها عنه من حيث الوجود فيعتبر
........
الشرح
في صحّة العبادة فتأمل في المقام، فإنّه من مزالّ الأقدام و ذكر قدس سره في مقام آخر، كما سيجيء الإشارة إليه لدفع مثل الخصوصيّة المشكوكة في المقام بدل إطلاق العبادة إطلاق الإطاعة و هو إشارة إلى التّمسّك بما ورد في باب الإطاعة من الآيات و الأخبار من حيث المادّة بعد الفراغ عن صدق الإطاعة على وجه القطع و اليقين على الخالية عن الخصوصيّة المبحوث عنها و الشّكّ في اعتبارها عند الشارع فيها تعبّدا، و إلاّ لم يعقل التّمسك بها، كما لا يخفى و هذا و إن كان أسلم من التّمسك بإطلاق العبادة، إلاّ أنّه ربّما يناقش فيه أيضا بأن ما دلّ على وجوب الإطاعة و حرمة المعصية إنما هو في مقام بيان حكم الموضوعين المذكورين من غير أن يكون في مقام بيان حقيقة الإطاعة و ما يعتبر فيها شرعا فتدبّر.
و أمّا التمسّك بسيرة المسلمين في المقام فقد يناقش فيه أيضا بعدم العلم بوجودها، بل نعلم بعدمها كيف و مذهب جماعة من الفقهاء الّذين كان مدار عمل المسلمين على تقليدهم و متابعة آرائهم كالعلاّمة قدس سره و غيره على اعتبار معرفة الوجه أو قصده المتوقّف على المعرفة، فكيف يمكن مع ذلك تحقّق السّيرة الكاشفة عن تقرير المعصوم عليه السلام، و مثله التّمسك بسيرة النّبي صلى اللّه عليه و آله و الأئمّة عليهم السّلام مع النّاس، فإنّه يناقش فيه مضافا إلى عدم كونه وجها أخر في قبال سيرة المسلمين بأنّه لم يعلم عنوان عمل النّاس في زمان الحضور و أنّهم يكتفون بالاحتياط مع التّمكن من المعرفة العلميّة أو لا يقصدون وجه الفعل بعد تحصيل المعرفة، مع أنّه قد يدّعى على تقدير تسليم العلم بالعنوان أنّ ما ورد من الآيات و الأخبار في باب وجوب تحصيل العلم بالأحكام يكفي رادعا، هذا مضافا إلى أنّه قد يدّعى أنّ السّيرة على إلقاء الإطاعة الإجماليّة مع التّمكن من الإطاعة التّفصيليّة العلميّة، بل ادّعى عليه الإجماع في كلام بعضهم و إن كانت هذه الدّعوى فاسدة بما أسمعناك في فروع العلم فراجع، فالحقّ فساد ادّعاء السيرة من
العبارات و في سيرة المسلمين و في سيرة النبي صلى اللّه عليه و آله و الأئمة عليهم السلام مع الناس الجزم بعدم اعتبارها حتى مع التمكن من المعرفة العلمية، و لذا ذكر المحقق قدس سره كما في محكي المدارك في باب الوضوء: «أن ما حققه المتكلمون من وجوب إيقاع الفعل لوجهه أو وجه وجوبه كلام شعري» و تمام الكلام في غير هذا المقام.
و ثانيا: لو سلمنا وجوب المعرفة أو احتمال وجوبها الموجب للاحتياط (1) فإنّما
الشرح
الجانبين، فلا وجه يقضي وجوب تحصيل معرفة الوجه أو قصده بالمعنى المبحوث عنه في المقام و إن كان ما يدلّ على وجوب تحصيل العلم من الآيات و الأخبار بالمعنى الّذي عرفته في أوائل التّعليقة عند التّكلم في حكم العلم الإجمالي أكثر من أن تحصى.
(1) الحكم بوجوب المعرفة ظاهرا مع احتمال وجوبها مبنيّ على جريان الاشتغال في خصوص المسألة مع القول بالبراءة عند الشّك في ماهيّة العبادة و دورانها بين الأقلّ و الأكثر، كما اختاره شيخنا الأستاذ العلامة قدّس سرّه وفاقا للمشهور، كما ستقف عليه في الجزء الثّاني من الكتاب نظرا إلى استقلال العقل في حكمه بلزوم الأخذ بالطّريق اليقيني في باب الإطاعة عند الشّك في حصولها بغيره كما بنى عليه الأمر في أوّل الكتاب أيضا لكنّك عرفت التّأمل في ذلك هناك و أنّ مرجع الشّك إن كان إلى الشّك في حصول الإطاعة في حكم العقلاء عند إلقاء خصوصيّة من الخصوصيّات يلزم في حكم العقل الإتيان على وجه يحصل معه العلم بحصول الإطاعة و إن كان إلى الشّك في اعتبار خصوصيّة زائدة عند الشّارع مع الجزم بحصول الإطاعة عند العقلاء بدونها فلا يسلّم حكم العقل بلزوم الإتيان بالخصوصيّة بل مبنيّ على القول بالاشتغال في ماهيّة العبادة المردّد، بل يمكن المصير إلى البراءة في المثال المقام و لو قلنا بالاشتغال في ماهيّات العبادات المردّدة من حيث أنّ الرّافع
هو مع التمكن من المعرفة العلمية، أمّا مع عدم التمكن فلا دليل عليه قطعا.
لأنّ اعتبار معرفة الوجه إن كان لتوقف نية الوجه عليها، فلا يخفى أنه لا يجدي المعرفة الظنية في نية الوجه، فإنّ مجرد الظن بوجوب شيء لا يتأتى
الشرح
لحكم العقل هو العلم بمنع الشّارع و لا يكفي مجرّد احتمال المنع على ما عرفت في طيّ كلماتنا السّابقة و ستعرفه فيما يتلى عليك بعد هذا إن شاء اللّه تعالى، ثمّ إنّ الوجه فيما أفاده قدس سره من الفرق على تقدير تسليم وجوب المعرفة في الجملة بين التّمكن من المعرفة العلميّة و التّمكن من المعرفة الظّنّية على ما ذكروه من اعتبار الجزم بالنّية ظاهر، حيث إنّه لا جزم بالمنوي في صورة الظّن فكيف يتمكن من جعله على سبيل الجزم داعيا و لو اكتفي باحتماله لم يفرق بين الإطاعة الظّنية و الاحتماليّة الحاصلة عند الاحتياط، بل لم يفرق بين صورتي اعتبار الظّن و عدمه، ضرورة أنّ حجيّة الظّن لا يوجب القطع بوجود المظنون، و إلاّ خرج عن كونه ظنّا فالدّاعي بالنّسبة إلى الأمر الواقعي عند عدم العلم بالواقع هو احتمال وجوده المشترك بين صور الظّن و الشّك و الوهم، نعم قطعيّة اعتباره يوجب القطع بالحكم الظّاهري و لا تعلّق له بالأمر الواقعي العبادي الّذي يجب معرفته نفسا أو مقدّمة لقصد الوجه في العبادات، ضرورة كون الأمر المتعلّق بالطّريق توصّليا إرشاديّا دائما و لا يوجب قصده قصد الواقع و لا يغني عنه أصلا، مع أنّه على تقدير كونه تعبّديّا لم ينفع قصده عن قصد الواقع و أدلّة وجوب الأخذ بالطّريق و تنزيله منزلة الواقع إنما تجدي بالنّسبة إلى الآثار الشّرعيّة و الأحكام الإلهيّة المحمولة على الواقع لا الآثار العقليّة المرتّبة على العلم بالواقع، فلا يمكن أن يتوهّم بملاحظة دليل اعتبار الطّريق و تنزيله منزلة الواقع إمكان الجزم بنيّة الوجه و منه يظهر تطرق المناقشة إلى قوله قدس سره.
فالتّحقيق أنّ الظّن بالوجه إذا لم يثبت حجيّته فهو كالشّك فيه إلى آخره لما عرفت من عدم الفرق بالنّسبة إلى قصد المظنون بين اعتبار الظّن و عدمه.
معه القصد إليه لوجوبه، إذ لا بدّ من الجزم بالنية و لو اكتفي بمجرد الظن بالوجوب و لو لم يكن نية حقيقة فهو مما لا يفي بوجوبه ما ذكروه في اشتراط نية الوجه، نعم لو كان الظن المذكور مما ثبت وجوب العمل به تحقق معه نية الوجه الظاهري على سبيل الجزم لكن الكلام بعد في وجوب العمل بالظن، فالتحقيق أن الظن بالوجه إذا لم يثبت حجيته فهو كالشك فيه لا وجه لمراعاة نية الوجه معه أصلا.
و إن كان اعتبارها لأجل توقف الامتثال التفصيلي المطلوب عقلا أو شرعا عليه، و لذا أجمعوا ظاهرا على عدم كفاية الامتثال الإجمالي مع التمكن من التفصيلي بأن يتمكن من الصلاة إلى القبلة في مكان و يصلي في مكان آخر غير معلوم القبلة إلى أربع جهات أو يصلي في ثوبين مشتبهين أو أكثر مرتين أو أكثر مع إمكان صلاة واحدة في ثوب معلوم الطهارة إلى غير ذلك، ففيه أن ذلك إنما هو مع التمكن من العلم التفصيلي، و أمّا مع عدم التمكن منه كما في ما نحن فيه فلا دليل على ترجيح الامتثال التفصيلي الظني على الامتثال الإجمالي العلمي، إذ لا دليل على ترجيح صلاة واحدة في مكان إلى جهة مظنونة على الصلاة المكررة في مكان مشتبه الجهة، بل بناء العقلاء في إطاعتهم العرفية على ترجيح العلم الإجمالي على الظن التفصيلي.
و بالجملة فعدم جواز الاحتياط مع التمكن من تحصيل الظن مما لم يقم له وجه فإن كان و لا بدّ من إثبات العمل بالظن فهو بعد تجويز الاحتياط و الاعتراف برجحانه و كونه مستحبا، بل لا يبعد ترجيح الاحتياط على تحصيل الظن الخاص (1) الذي قام الدليل عليه بالخصوص فتأمل.
الشرح
(1) الوجه فيما أفاده من ترجيح الاحتياط عند العقل على سلوك الظّن الخاصّ
نعم الاحتياط مع التمكن من العلم التفصيلي (1) في العبادات مما انعقد الإجماع ظاهرا على عدم جوازه كما أشرنا إليه في أول الرسالة في مسألة اعتبار العلم الإجمالي و أنه كالتفصيلي من جميع الجهات أم لا فراجع.
و ممّا ذكرنا ظهر أن القائل بانسداد باب العلم و انحصار المناص في مطلق الظن ليس له أن يتأمل في صحة عبادة تارك طريقي الاجتهاد و التقليد إذا أخذ بالاحتياط، لأنه لم يبطل عند انسداد باب العلم إلا وجوب الاحتياط لا جوازه أو رجحانه، فالأخذ بالظن عنده و ترك الاحتياط عنده من باب الترخيص و دفع العسر و الحرج لا من باب العزيمة.
الشرح
و لو كان مبنى اعتباره على ملاحظة المصلحة المتداركة لمصلحة الواقع على تقدير فوتها من سلوك الأمارة المعتبرة بالخصوص ظاهر، إذ غاية ما هناك تدارك المصلحة الواقعيّة الفائتة، و من المعلوم أنّ إدراك نفس المصلحة الأوّليّة أولى من إدراك ما يتدارك به تلك المصلحة، فالاحتياط بهذه الملاحظة أولى من سلوك الظّن الخاص لكن سلوك الظّن الخاصّ بملاحظة منع جماعة عن سلوك الاحتياط مع وجود الطّريق المعتبر في الشّرعيّات و إطلاقهم القول في اعتبار قصد الوجه أولى من الاحتياط، و هذا هو الوجه في أمره قدس سره بالتّأمّل في ترجيح الاحتياط على الظّن الخاصّ، فالأولى لمن يريد الاحتياط تحصيل الواقع أوّلا بظنّه المعتبر و إتيان العمل بمقتضاه ثمّ الإتيان بالمحتمل بعنوان الاحتياط و إن لم يكن هذا و لا ذاك لازما لما أسمعناك في مسألة العلم الإجمالي مفصّلا.
(1) لا يخفى عليك أنّ هذا الكلام لا بدّ أن يحمل على الإهمال لا الإطلاق لاستظهاره قدس سره عدم الإجماع على المنع فيما لا يتوقّف الاحتياط على تكرار العبادة، فالحمل على الإطلاق ينافيه فراجع إلى ما أفاده هناك حتّى تصدق ما ذكرنا.
ثالثا: سلمنا (1) تقديم الامتثال التفصيلي و لو كان ظنيا على الإجمالي و لو كان علميا لكن الجمع ممكن بين تحصيل الظن في المسألة و معرفة الوجه ظنا و القصد إليه على وجه الاعتقاد الظني و العمل على الاحتياط مثلا إذا حصل الظن بوجوب القصر في ذهاب أربعة فراسخ، فيأتي بالقصر بالنية الظنية الوجوبية، و يأتي بالإتمام بقصد القربة احتياطا أو بقصد الندب، و كذلك إذا حصل الظن بعدم وجوب السورة في الصلاة، فينوي الصلاة الخالية عن السورة على وجه الوجوب، ثم يأتي بالسورة قربة إلى اللّه تعالى للاحتياط.
و رابعا: لو أغمضنا عن جميع ما ذكرنا (2) فنقول إن الظن إذا لم يثبت
الشرح
(1) إذا كان الجمع ممكنا، فلا يجدي التّوهم المذكور لإبطال وجوب الاحتياط فيؤخذ بمقتضى العلم الإجمالي بوجود التّكاليف بين الوقائع المشتبهة و دليل اعتبار قصد الوجه الظّني على تقدير تسليمه و تماميّته، و إلاّ فقد عرفت عدم دليل عليه أصلا.
(2) الوجه فيما أفاده ظاهر بعد التّأمّل فيما قدّمنا لك سابقا في طيّ الأجوبة السّابقة، حيث إنّ المقتضي لبطلان الاحتياط مع الاعتراف بأنّه مقتضى الأصل و القاعدة الأوليّة بالنّظر إلى العلم الإجمالي بالتّكليف الإلزامي بين الوقائع المشتبهة ليس إلاّ وجوب قصد الوجه الظّاهري المبنيّ على حجيّة الظّن المبنيّة على وجوب قصد الوجه أو الوجه الواقعي بعنوان الاحتمال أو المعرفة القطعيّة للوجه الظّاهري المبنيّة على حجيّة الظّن، و من المعلوم ضرورة عدم اقتضاء ما ذكر لبطلان الاحتياط مع الغضّ عمّا فيه من لزوم الدّور في الجملة كما هو ظاهر، فإنّه بعد الاعتراف بكون وجوب الاحتياط ممّا يقضي به العقل و النّقل بملاحظة العلم الإجمالي فتحصل هناك معرفة الوجه الظّاهري علما فيأتي بنيّته على تقدير كون
حجيته، فقد كان اللازم بمقتضى العلم الإجمالي بوجود الواجبات و المحرمات في الوقائع المشتبهة هو الاحتياط كما عرفت سابقا، فإذا وجب الاحتياط حصل معرفة وجه العبادة و هو الوجوب، و تأتي نية الوجه الظاهري كما تأتي في جميع الموارد التي يفتي فيها الفقهاء بالوجوب من باب الاحتياط و استصحاب الاشتغال فتأمل.
فتحصل مما ذكرنا أن العمدة في رد الاحتياط هي ما تقدم من الإجماع
الشرح
المعرفة مقدّمة لنيّة الوجه، و لا يلزم عليه شيء من لزوم الدّور و نحوه و من هنا يؤتى بالفعل بهذا العنوان فيما يفتي فيه الفقهاء بالوجوب من باب الاحتياط و الأصول الظّاهريّة، اللّهم إلاّ أن يقال إنّ إتيان العوام بعنوان الوجوب فيما يفتي فيه الفقهاء بالوجوب من حيث إنّه ممّا أفتى به المفتي من غير ملاحظة مدرك فتواه فتدبّر، نعم قد يناقش في هذا الوجه الرّابع بأن وجوب كلّ من المحتملين أو المحتملات في موارد العلم الإجمالي وجوب عقليّ إرشاديّ محض لا دخل له بوجوب المعلوم بالإجمال في حكم الشّارع فقصد هذا الوجوب كمعرفته ليس قصدا للوجوب الواقعي يقينا، كما أنّ معرفته ليست معرفة له فلا يجدي على القول بوجوب معرفة الوجه أو قصده جدّا فتأمّل، و هذا هو الوجه في أمره قدس سره بالتّأمّل عقيب الوجه الرّابع و إن احتمل ضعيفا كون الوجه فيه ما ذكرنا في وجه استكشاف حكم المقام من موارد إفتاء الفقهاء بالوجوب الظّاهري بقولنا، إلاّ أن يقال إلخ فتدبّر، نعم هنا شيء قد نبّهنا عليه سابقا و هو أنّه يمكن قصد الوجه الواقعي جزما بعنوان الاحتمال في موارد الاحتياط، كما يقصد التّقريب كذلك، و هذا لا يتأتّى مع إلقاء الاحتياط و الاقتصار على الظّن فهذه جهة مزيّة الاحتياط على العمل بالظّن، فإنّه على تقدير حجيّته بعنوان الخصوص لا يمكن قصد الوجه الواقعي معه على وجه الجزم و اليقين.
و لزوم العسر، دون، اللّهم إلاّ أن يقال إن هناك شيئا ينبغي أن ينبه عليه (1)
الشرح
(1) حاصل ما أفاده من التّحقيق الّذي تفرّد به في بيان مفاد هذه المقدّمة و لازمها هو أنّ مقتضى ما أقاموه على بطلان وجوب الاحتياط الكلّي في الوقائع المشتبهة من مظنونات التّكليف بقسميها و موهومات التّكليف كذلك و مشكوكات التّكليف من الوجوه الثّلاثة المتقدّمة هو بطلان كليّة الاحتياط فيها لا بطلانه فيها رأسا، أمّا دليل بطلان الحرج و لزوم الاختلال فظاهر أنّه لا يقتضي، إلاّ رفع اليد عن الاحتياط بحيث لا يترتّب عليه شيء من المحذورين، و من المعلوم أنّ مقتضاه رفع اليد عن الاحتياط و مخالفته في الوقائع المشتبهة في الجملة، غاية الأمر تعيين العقل اختيار مخالفة الاحتياط الكلّي اللاّزم بمقتضى العلم الإجمالي في ضمن ما كان احتمال التّكليف فيه في كمال البعد على تقدير اندفاع المحذور بمخالفة الاحتياط في ضمنه فقط أو في ضمن مطلق موهومات التّكليف على تقدير توقف اندفاع الحرج بذلك و هذا هو المراد بالتّردّد في قوله كلاّ أو بعضا، و أمّا الإجماع فلأنّ القدر المسلّم الثّابت منه هو انعقاده على بطلان الاحتياط الكلّي بأن يحتاط في كلّ واقعة يحتمل التّكليف فيه على ما يقتضيه العلم الإجمالي، فيكون مفاده مفاد دليل نفي الحرج لا غير، فيلزم أن يؤخذ في باقي المحتملات بمقتضى العلم الإجمالي، إذ لا مانع منه بعد فرض عدم اقتضاء دليل البطلان إلاّ البطلان في الجملة المعين في حكم العقل في ضمن الموهومات كلا أو بعضا، فالدّليل على وجوبه فيه هو بعينه الدّليل الّذي اقتضى وجوب الاحتياط في صورة العلم الإجمالي بالتّكليف و توهّم عدم المقتضي للاحتياط في باقي المحتملات بعد فرض قيام الدّليل على عدم وجوب الاحتياط في الجملة المستلزم لعدم تنجّز التّكليف بالواقع على كلّ تقدير فاسد جدّا، إذ لو كان قيام الدّليل على البطلان في الجملة رافعا لتنجّز التّكليف مطلقا لم يجب العمل بالظّن أيضا.
و هو أن نفي الاحتياط بالإجماع و العسر لا يثبت، إلاّ أنه لا يجب مراعاة جميع الاحتمالات مظنونها و مشكوكها و موهومها.
و يندفع العسر بترخيص موافقة الظنون المخالفة للاحتياط كلا أو بعضا بمعنى عدم وجوب مراعاة الاحتمالات الموهومة، لأنّها الأولى بالإهمال.
و إذا ساغ لدفع الحرج ترك الاحتياط في مقدار ما من المحتملات يندفع به العسر يبقى الاحتياط على حاله في الزائد على هذا المقدار لما تقرر في مسألة الاحتياط، من أنه إذا كان مقتضى الاحتياط هو الإتيان بمحتملات، و قام الدليل الشرعي على عدم وجوب إتيان بعض المحتملات في الظاهر تعين مراعاة الاحتياط في باقي المحتملات و لم يسقط وجوب الاحتياط رأسا.
توضيح ما ذكرنا أنا نفرض المشتبهات التي علم إجمالا بوجود الواجبات الكثيرة فيها بين مظنونات الوجوب و مشكوكات الوجوب و موهومات الوجوب و كان الإتيان بالكل عسرا أو قام الإجماع على عدم وجوب الاحتياط في الجميع تعين ترك الاحتياط و إهماله في موهومات الوجوب، بمعنى أنه إذا تعلق ظن بعدم الوجوب لم يجب الإتيان.
و ليس هذا معنى حجية الظن، لأنّ الفرق بين المعنى المذكور و هو (1) أن
الشرح
هذا مع أنّ ما يستلزمه هو المعذوريّة في مخالفة الواقع في ضمن موهومات التّكليف لا مطلقا، و بعبارة أخرى عدم تنجّز التّكليف بالواقع المتحقّق في ضمن خصوص موهومات التّكليف، هذا و سيجيء تتمّة الكلام في اندفاع التّوهّم المزبور عن قريب.
(1) لا يخفى عليك أنّ ما أفاده قدس سره في بيان الفرق بين حجيّة الظّن و التّبعيض في الاحتياط بين الوقائع المشتبهة و الثّمرة بينهما في موارد فقد الظّن من خروج الوقائع المشكوكة الخالية عن الأمارة عن أطراف العلم الإجمالي الكلّي
........
الشرح
على الأوّل من حيث تعيين الواجبات و المحرّمات الإجماليّة بالظّن القائم على التّكليف الإلزامي وجوبا أو تحريما، فلا يبقى علم إجماليّ في موارد فقده بحكم دليل حجيّته فيلاحظ الشّك في نفس الواقعة مع قطع النّظر عن العلم الإجمالي و يؤخذ بمقتضاه و عدم خروجها عنها على الثّاني، حيث إنّ الجهة المقتضية للبناء على التّكليف في مظنونات الإلزام كونها من أطراف العلم الإجمالي الكلّي و هو بعينه موجود في مشكوكات التّكليف، غاية الأمر عدم وجوب رعاية العلم الإجمالي في موهومات التّكليف بملاحظة حكم العقل بانضمام دليل نفي الحرج و عدم وجوب الاحتياط الكلّي على ما عرفت تفصيل القول فيه إنما هو مبنيّ على كون لازم حجيّة الظّن تعيين المعلومات الإجماليّة و ارتفاع العلم الإجمالي به و إن لم يقم على التّعيين و لم يكن مفاده ذلك، فيكون معنى حجيّة الظّن سواء كانت من حيث الخصوص أو من حيث الإطلاق و العموم كونه معيار الامتثال الأحكام المشتبهة إثباتا و نفيا فيكون كالعلم التّفصيلي و إن كان الفرق بينهما ظاهرا، حيث إنّ ارتفاع العلم الإجمالي بالعلم التّفصيلي إذا تعلّق بالمعلوم بالإجمال في بعض أطراف الشّبهة قهريّ عقليّ، و هذا بخلاف الظّن بالمعلوم بالإجمال في بعض أطراف الشّبهة، فإنّه لا ينافي العلم الإجمالي بوجود التّكليف في تمام الوقائع المشتبهة في حكم العقل و إنما ينافيه بحكم الشّرع هكذا قرّر الفرق، و قد تنظر قدس سره فيه في الجزء الثّاني من الكتاب بأنّ ذلك إنما يسلّم فيما كان مفاد الأمارة القائمة على التّكليف تعيين المعلومات الإجماليّة و قصرها و حصرها في موارد وجودها، و إلاّ يمنع كون لازم حجيّة الظّن شرعا حصر المعلومات الإجماليّة في موارده فيما لم يفرض قيامه على التّعيين، هذا و سيجيء تتمّة الكلام في ذلك في التّنبيهات مع الإشارة إلى دفعه، كما أنّه يجيء تفصيل القول فيه في الجزء الثّاني من التّعليقة فانتظر.
مظنون عدم الوجوب لا يجب الإتيان به و بين حجية الظن بمعنى كونه في الشريعة معيارا لامتثال التكاليف الواقعية نفيا و إثباتا، و بعبارة أخرى الفرق بين تبعيض الاحتياط في الموارد المشتبهة و بين جعل الظن فيها حجة هو أن الظن إذا كان حجة في الشرع كان الحكم في الواقعة الخالية عنه الرجوع إلى ما يقتضيه الأصل في تلك الواقعة من دون التفات إلى العلم الإجمالي بوجود التكاليف الكثيرة بين المشتبهات، إذ حال الظن حينئذ كحال العلم التفصيلي و الظن الخاص بالوقائع، فيكون الوقائع بين معلومة الوجوب تفصيلا أو ما هو بمنزلة المعلوم و بين مشكوكة الوجوب رأسا.
و أمّا إذا لم يكن الظن حجة، بل كان غاية الأمر بعد قيام الإجماع و نفي الحرج على عدم لزوم الاحتياط في جميع الوقائع المشتبهة التي علم إجمالا بوجود التكاليف بينها عدم وجوب الاحتياط بالإتيان بما ظن عدم وجوبه لأن ملاحظة الاحتياط في موهومات الوجوب خلاف الإجماع و موجب للعسر كان اللازم في الواقعة الخالية عن الظن الرجوع إلى ما يقتضيه العلم الإجمالي المذكور من الاحتياط، لأن سقوط الاحتياط في سلسلة الموهومات لا يقتضي سقوطه في المشكوكات لاندفاع الحرج بذلك.
و حاصل ذلك أن مقتضى القاعدة العقلية و النقلية لزوم الامتثال العلمي التفصيلي للأحكام و التكاليف المعلومة إجمالا و مع تعذره يتعين الامتثال العلمي الإجمالي و هو الاحتياط المطلق، و مع تعذره لو دار الأمر بين الامتثال الظني في الكل و بين الامتثال العلمي الإجمالي في البعض و الظني في الباقي كان الثاني هو المتعين عقلا و نقلا.
ففيما نحن فيه إذا تعذر الاحتياط الكلي و دار الأمر بين إلغائه بالمرة و الاكتفاء بالإطاعة الظنية و بين إعماله في المشكوكات و المظنونات و إلغائه
هو الموهومات كان الثاني هو المتعين.
و دعوى لزوم الحرج أيضا من الاحتياط (1) في المشكوكات خلاف الإنصاف لقلة المشكوكات، لأنّ الغالب حصول الظن إما بالوجوب و إما بالعدم.
اللّهم إلاّ أن يدعى قيام الإجماع على عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات أيضا و حاصله دعوى أن الشارع لا يريد (2) الامتثال العلمي
الشرح
(1) ما ذكره من الدّعوى ناظر إلى رفع الفرق الّذي أفاده بين حجيّة الظّن و التّبعيض في الاحتياط من حيث إنّه بعد فرض لزوم الحرج من انضمام الاحتياط في مشكوكات التّكليف إلى مظنونات التّكليف لا بدّ من رفع اليد عن مقتضى العلم الإجمالي الكلّي في مشكوكات التكليف، فيكون حالها حال الموهومات فيقتصر في رعاية جانب العلم الإجمالي الكلّي على مظنونات التّكليف و يرتفع الفرق المذكور و الثّمرة المزبورة و إن كان هناك فرق آخر من جهة أخرى سيجيء الكلام فيه، إلاّ أنّه لا دخل له بهذا الفرق و ما أفاده في وجه ضعف الدّعوى المذكورة ممّا لا خفاء فيه أصلا مضافا إلى أنّ الأخذ بالاحتياط في المشكوكات إذا اقتضاه الشّك في نفس المسألة من جهة العلم الإجمالي الجزئي ممّا لا مناص عنه على كلّ تقدير، كما أنّ الأخذ بالتّكليف إذا اقتضاه أصل آخر في المشكوكات ممّا لا مناص عنه أيضا و إن لم يكن بعنوان الاحتياط فعلى تقدير عدم حجيّة الظّن ينضمّ إلى مظنونات التّكليف حقيقة ما شكّ فيه ممّا لا يقتضي الأصل الأخذ بالتّكليف فيه و لا ريب في قلّته، فلا يلزم الحرج فالدعوى المذكورة من جهة فسادها لا تجدي في رفع الثّمرة المذكورة، فينحصر الرّافع في قيام الإجماع على عدم وجوب مراعات العلم الإجمالي الكلّي في المشكوكات كالموهومات و ستعرف ما في دعواه.
(2) المراد من الامتثال العملي الامتثال المستند إلى العلم الإجمالي و المنبعث
الإجمالي في التكاليف الواقعية المشتبهة بين الواقع، فيكون حاصل دعوى الإجماع دعوى انعقاده على أنه لا يجب شرعا الإطاعة العلمية الإجمالية في الوقائع المشتبهة مطلقا، لا في الكل، و لا في البعض و حينئذ تعين الانتقال إلى الإطاعة الظنية.
لكن الإنصاف أن دعواه مشكلة جدا و إن كان تحققه مظنونا بالظن القوي، لكنه لا ينفع ما لم ينته إلى حد العلم.
فإن قلت: إذا ظن بعدم وجوب الاحتياط (1) في المشكوكات فقد ظن
الشرح
عنه إلى الاحتياط لا الامتثال المحصّل للعلم الإجمالي، كيف و لا يحصل بالاحتياط في بعض موارد الشّبهة، كما هو المفروض، ثمّ إنّ قيام الإجماع على بطلان الاحتياط رأسا و إن كان ربما يستظهر من كلماتهم في بطلان الرّجوع إلى البراءة عند الاستدلال على حجيّة الخبر بالحاجة على ما عرفت الكلام فيه، إلاّ أنّ الجزم بذلك ممنوع، أ لا ترى أنّ الفقهاء عند تردّدهم في المسائل من جهة عدم استقصاء النّظر في أنظارهم يحتاطون فيها و إن جوّزوا للعامي تقليد من أقصى النّظر فيها في اعتقاده و أفتى بأحد طرفي المسألة.
(1) لمّا سلّم قدس سره قيام الإجماع الظّني على عدم وجوب الاحتياط أصلا و رأسا و أنّ الشّارع لا يريد امتثال المعلومات الإجمالية على تقدير وجودها في ضمن المشكوكات بمعنى معذوريّة المكلّف في مخالفتها توجّه عليه السّؤال بأنّ لازم الظّن ببطلان الاحتياط بالمعنى المذكور الحاصل من الظّن بالإجماع على ذلك الظّن يكون المرجع في المشكوكات الأصول الجارية فيها بمقتضى الشّك في نفس المسألة من غير ملاحظة العلم الإجمالي، فإنّ المانع من الرّجوع إليها في مجاريها لم يكن، إلاّ الاحتياط المسبّب عن العلم الإجمالي، فالظّن ببطلانه ملازم للظّن بالرّجوع إلى الأصول، فيكون الأصل مظنون الاعتبار و سيجيء في التّنبيه
بأن المرجع في كل مورد منها إلى ما يقتضيه الأصل الجاري في ذلك المورد فيصير الأصول مظنونة الاعتبار في المسائل المشكوكة فالمظنون في تلك المسائل عدم وجوب الواقع فيها على المكلف و كفاية الرجوع إلى الأصول، و سيجيء أنه لا فرق في الظن الثابت حجيته بدليل الانسداد بين الظن المتعلق بالواقع، و بين الظن المتعلق بكون شيء طريقا إلى الواقع و كون العمل به مجزيا عن الواقع و بدلا عنه و لو تخلف عن الواقع.
قلت: مرجع الإجماع (1) قطعيا كان أو ظنيا على الرجوع في المشكوكات
الشرح
الأوّل من تنبيهات دليل الانسداد عدم الفرق في نتيجة مقدّمات دليل الانسداد الجاري في المسائل الفقهية سواء على القول بكون نتيجة حجيّة الظّن، أو التّبعيض في الاحتياط بين الظّن بالمسألة الأصوليّة، و كون الشّيء حجّة و معتبرا و طريقا عند الشّارع، و بين الظّن بالمسألة الفقهيّة المنسدّ فيها باب العلم و إن كان هذا على خلاف التّحقيق الّذي بنى عليه الأمر قدس سره في سالف الزّمان و أنّ عدم الفرق مبني على كون النّتيجة حجيّة الظّن لا التّبعيض في الاحتياط، إلاّ أنّ المختار عنده لا حقا هو الحكم بتعميم عدم الفرق، كما ستقف على تفصيل القول فيه.
(1) الوجه مبتدأ فيما أفاده من رجوع الإجماع على الرّجوع إلى الأصول في مجاريها بعد العلم الإجمالي قطعيّا كان أو ظنيّا إلى الإجماع على وجود الحجّة الكافية الوافية بتشخيص المعلومات الإجماليّة و لو كان هو الظّن المطلق، فيرجع الأمر بالأخرة في المقام إلى دعوى الإجماع على حجيّة الظّن المطلق واضح خبر بعد إمعان النّظر فيما ذكرنا، حيث إنّك قد عرفت انحصار المانع من الرّجوع إلى الأصول في العلم الإجمالي و لا يرتفع، إلاّ بالعلم التّفصيلي بالمعلومات الإجماليّة أو ما في حكمه من الظّن المعتبر على ما بنى عليه الأمر في بيان الثّمرة بين حجيّة الظّن و التّبعيض في الاحتياط، فقيام الإجماع القطعي أو الظّني على اعتبار الأصول في محلّ البحث إنما
........
الشرح
هو من جهة قيامه على اعتبار الظّن المطلق فملخّص دعوى الإجماع في كلام المتوهّم دعوى الإجماع الظّني على حجيّة مطلق الظّن في زمان الانسداد، و من المعلوم ضرورة عدم كفايته أصلا في الخروج عن مقتضى الأصل الأوّلي في الظّن و ما قرع سمعك من عدم الفرق في النّتيجة إنما هو بعد إنتاج المقدّمات في حكم العقل على وجه القطع الرّجوع إلى الظّن، فلا يفرق بين الظّن في المسألة الفقهيّة و الظّن في المسألة الأصوليّة، فلا معنى لتوهّم أنّه بناء عليه يلزم الاكتفاء بالظّن الحاصل من الإجماع القطعي على اعتبار الأصول في المشكوكات على حجيّة الظّن المطلق فيرجع الأمر بالأخرة إلى إثبات الظّن بالظّن من غير حاجة إلى إنهائه إلى القطع، و هذا أمر واضح لا سترة فيه أصلا، هذا مضافا إلى أنّه بعد البناء على كفايته لا معنى للتمسّك بدليل الانسداد لإثبات المدّعى في حكم العقل أصلا، بل يتمسّك بالإجماع الظّني على حجيّته، و من هنا استدلّ بعض أفاضل من تأخّر في المقام بإجماع العلماء كافّة على حجيّته في زمان الانسداد و إن كان هذا كما ترى لا شاهد له أصلا.
فإن قلت: المفروض في المقام أيضا إنتاج المقدّمات في حكم العقل على وجه القطع و اليقين الرّجوع إلى الظّن في الجملة و لو من جهة التّبعيض في موارد الاحتياط اللاّزم بمقتضى العلم الإجمالي الكلّي فيحكم بعد ملاحظته بوجوب الأخذ بالظّن القائم على حجيّة مطلق الظّن الحاصل من الإجماع الظّني.
قلت: ما ذكر توهّم فاسد و تمحّل بارد، لأنّ التّبعيض في الاحتياط الملازم لعدم حجيّة مطلق الظّن لا يمكن أن ينتج حجيّة مطلق الظّن المانعة من التّبعيض في الاحتياط، نعم الظّن بحجيّة بعض الأمارات القائمة على نفي التّكليف الإلزامي مع عدم إفادتها الظّن الفعلي به في حكم الظّن الفعلي على القول بكون النّتيجة هو التّبعيض في الاحتياط، و أين هذا من اتّصافه بالظّن بحجيّة مطلق الظّن بناء على التّبعيض في الاحتياط و الفرق بين الأمرين ممّا لا يكاد أن يخفى على ذي مسكة.
إلى الأصول هو الإجماع على وجود الحجة الكافية في المسائل التي انسد فيها باب العلم، حتى تكون المسائل الخالية عنها موارد للأصول و مرجع هذا إلى دعوى الإجماع على حجية الظن بعد الانسداد.
قلت: مسألة اعتبار الظن بالطريق موقوف على هذه المسألة بيان ذلك أنه لو قلنا ببطلان لزوم الاحتياط في الشريعة رأسا من جهة اشتباه التكاليف الواقعية فيها، و عدم لزوم الامتثال العلمي الإجمالي، حتى في المشكوكات و كفاية الامتثال الظني في جميع تلك الواقعات المشتبهة لم يكن فرق بين حصول الظن بنفس الواقع و بين حصول الظن بقيام شيء من الأمور التعبدية مقام الواقع في حصول البراءة الظنية عن الواقع، و الظن بسقوط الواقع في الواقع، أو في حكم الشارع و بحسب جعله.
أمّا لو لم يثبت ذلك بل كان غاية ما ثبت هو عدم لزوم الاحتياط بإحراز الاحتمالات الموهومة للزوم العسر كان اللازم جواز العمل على خلاف الاحتياط في الوقائع المظنون عدم وجوبها أو عدم، و أمّا الوقائع المشكوك وجوبها أو تحريمها فهي باقية على طبق مقتضى الأصل من الاحتياط اللازم المراعاة، بل الوقائع المظنون وجوبها أو تحريمها يحكم فيها بلزوم الفعل أو الترك من جهة كونها من محتملات الواجبات و المحرمات الواقعية.
و حينئذ فإذا قام ما يظن كونه طريقا على عدم وجوب أحد الموارد المشكوك وجوبها، فلا يقاس بالظن القائم على عدم وجوب مورد من الموارد المشتبهة في ترك الاحتياط، بل اللازم هو العمل بالاحتياط، لأنّه من الموارد المشكوكة و الظن بطريقية ما قام عليه لم يخرجه عن كونه مشكوكا.
و أنت خبير بأن جميع موارد الطرق المظنونة التي يراد إثبات اعتبار الظن بالطريق فيها إنما هي من المشكوكات، إذ لو كان نفس المورد مظنونا مع
ظن الطريق القائم عليه لم يحتج إلى إعمال الظن بالطريق و لو كان مظنونا بخلاف الطريق التعبدي المظنون كونه طريقا لتعارض الظن الحاصل من الطريق و الظن الحاصل في المورد على خلاف الطريق، و سيجيء الكلام في حكمه على تقدير اعتبار الظن بالطريق.
و الحاصل أن اعتبار الظن بالطريق و كونه بالظن في الواقع مبني على القطع ببطلان الاحتياط رأسا بمعنى أن الشارع لم يرد منا في مقام امتثال الأحكام المشتبهة الامتثال العلمي الإجمالي، حتى يستنتج من ذلك حكم العقل بكفاية الامتثال الظني، لأنّه المتعين بعد الامتثال العلمي بقسميه من التفصيلي و الإجمالي فيلزم من ذلك ما سنختاره من عدم الفرق بعد كفاية الامتثال الظني بين الظن بأداء الواقع، و الظن بمتابعة طريق جعله الشارع مجزيا عن الواقع، و سيجيء تفصيل ذلك إن شاء اللّه تعالى.
فإن قلت: إذا لم يقم في موارد الشك ما ظن طريقيته لم يجب الاحتياط في ذلك المورد من جهة كونه أحد محتملات الواجبات أو المحرمات الواقعية و إن حكم بوجوب الاحتياط من جهة اقتضاء القاعدة في نفس المسألة كما لو كان الشك فيه في المكلف به، و هذا إجماع من العلماء حيث لم يحتط أحد منهم في مورد الشك من جهة احتمال كونه من الواجبات و المحرمات الواقعية و إن احتاط الأخباريون في الشبهة التحريمية من جهة مجرد احتمال التحريم، فإذا كان عدم وجوب الاحتياط إجماعيا مع عدم قيام ما يظن طريقيته على عدم الوجوب فمع قيامه لا يجب الاحتياط بالأولوية القطعية.
قلت: العلماء إنما لم يذهبوا إلى الاحتياط في موارد الشك لعدم العلم الإجمالي لهم بالتكاليف، بل الوقائع لهم بين معلوم التكليف تفصيلا أو
مظنون لهم بالظن الخاص و بين مشكوك التكليف رأسا، و لا يجب الاحتياط في ذلك عند المجتهدين، بل عند غيرهم في الشبهة الوجوبية.
و الحاصل أن موضوع عمل العلماء القائلين بانفتاح باب العلم أو الظن الخاص مغاير لموضوع عمل القائلين بالانسداد، و قد نبهنا على ذلك غير مرة في بطلان التمسك على بطلان البراءة و الاحتياط بمخالفتهما لعمل العلماء فراجع.
و يحصل مما ذكر إشكال آخر أيضا (1) من جهة أن نفي الاحتياط بلزوم
الشرح
(1) لمّا كان لازم حجّية الظّن أمرين:
أحدهما: تعيين المعلومات الإجماليّة به فيما قام عليها، فيلزم خروج المشكوكات عن أطراف العلم الإجمالي بعد ما كانت منها فيرجع فيها إلى الأصول.
ثانيهما: إثباته لمدلوله و طريقيّته إليه و ترتيب أحكامه عليه، و رفع اليد به عن الظّواهر الموجودة في مورده على خلافه من العمومات و الإطلاقات و غيرهما إذا كان أقوى منها، فإذا لم يثبت بالدّليل المذكور نظرا إلى المقدّمة الثّالثة، إلاّ رفع اليد عن الاحتياط الكلّي في الجملة و إن تعين هذه المهملة نظرا إلى حكم العقل في ضمن جزئيّة معيّنة و هي الظّنون المخالفة للاحتياط كلا أو بعضا لم يترتّب عليه شيء من الأمرين، أمّا الأوّل فقد عرفت الكلام فيه، و أمّا الثّاني فظاهر بعد فرض كون النّتيجة ما ذكر من التّبعيض في الاحتياط من غير فرق بين الظّن القائم على التّكليف في قبال ما ينفيه من الظّواهر كما هو مفروض الكتاب، فإنّه لا يجوز رفع اليد به عنها لعدم جواز رفع اليد عن الدّليل بأصالة الاحتياط و بين القائم على عدمه فإنّ الثّابت عنده مجرّد عدم وجوب الاحتياط في مورده لا إثبات مدلوله فلو دلّ على استحباب شيء لا يحكم به و إنما يحكم بعدم وجوب الاحتياط، فإنّ دليل نفي الحرج أو الإجماع على عدم وجوب الاحتياط لا يقتضي، إلاّ عدم رعاية احتمال الوجوب و الاحتياط من جهة العلم الإجمالي و لا يقتضيان الحكم بالاستحباب كما هو ظاهر
العسر، لا يوجب كون الظن حجة ناهضة لتخصيص العمومات الثابتة بالظنون الخاصة، و مخالفة سائر الظواهر الموجودة فيها.
و دعوى أن باب العلم و الظن الخاص (1) إذا فرض انسداده سقط عمومات
الشرح
هذا، و قد يناقش فيما أفاده قدس سره بأنّ رفع اليد عن الظّواهر المعتبرة من الكتاب و السّنة القطعيّة أو الظّنية المعتبرة بالظّن على خلافها إنما هو فيما كان مبنى اعتباره على الحجيّة من حيث الخصوص حتّى يكون في مرتبة الظّواهر، لا على الحجّية من جهة الظّن المطلق فإنّه ليس في مرتبة الظّواهر حتّى يرفع اليد به عنها.
فإن شئت قلت: إنّ حجيّة الظّن المطلق مبنيّة على عدم انفتاح باب العلم و الظّن الخاص في المسألة الشّخصيّة، فإذا فرض انفتاح أحدهما في مسألة، فلا معنى لحجّية الظّن المطلق فيها كما لا يخفى فما أفاده من رفع اليد عن الظّواهر إذا كانت النّتيجة حجّية الظّن بخلاف ما إذا كانت هو التّبعيض في الاحتياط كما ترى فهذه الثّمرة ساقطة على الوجهين، كما أنّها ساقطة على القول باعتبار الظّواهر من باب الظّن المطلق لاستحالة حصول الظّنين الفعليّين بطرفي النّقيضين، إلاّ على القول بكون النّتيجة هي حجّية الظّن بالمعنى الأعمّ من الشّخصي و النّوعي لكنّه فاسد، كما ستقف على تفصيل القول فيه، نعم إنّما يتصور التّعارض الحقيقي بينهما فيما لو كان مبنى حجّية أحدهما على الظّن باعتباره لا حصول الظّن منه في المسألة الفقهيّة فإنّه يتصور التّعارض حينئذ لكن مبنى كلامه قدس سره ليس على ذلك، بل على الوجه الأوّل، فيتوجّه عليه الإشكال بعدم الفرق على الوجهين في عدم جواز العمل بالظّن المطلق في مقابل الظّواهر الّتي ثبت كونها من الظّنون الخاصّة، فهذه الثّمرة ساقطة عنها.
(1) ما ذكر من الدّعوى يرجع إلى ما سبق إلى بعض الأوهام من نفي الإشكال الثّاني و الثّمرة المذكورة من جهة توهّم عدم وجود لموضوع الظّواهر بعد فرض
الكتاب و السنة المتواترة و خبر الواحد الثابت حجيته بالخصوص عن الاعتبار للعلم الإجمالي بمخالفة ظواهر أكثرها لمراد المتكلم، فلا يبقى ظاهر هاهنا على حاله، حتى يكون الظن الموجود على خلافه من باب المخصص و المقيد مجازفة، إذ لا علم و لا ظن بطرو مخالفة الظاهر (1) في غير الخطابات
الشرح
العلم الإجمالي باختلالها من جهة طروّ الصّوارف، فلا يبقى ظاهر منها على ظهوره، و إلاّ لم يجز ادّعاء انسداد باب الظّن الخاصّ لتكفل ظواهر الكتاب و السّنة القطعيّة و الظّنّية المعتبرة بالاتفاق لأحكام أكثر الوقائع، فلو لا إجمالها من الجهة المذكورة لم يكن معنى لدعوى الانسداد، فإذا قام هناك أمارة على التّكليف في قبال الظّواهر النّافية له لم يفرق في وجوب العمل بها بين كون عنوان العمل بالظّنون الموافقة للاحتياط الاحتياط أو الحجّية، و هذا معنى نفي الثّمرة المذكورة.
(1) خطابات الكتاب و السّنة القطعيّة و المعتبرة الغير الوافية بأغلب الأحكام و لو مع الانضمام بالأدلّة القطعيّة و سائر الظّنون الخاصّة، قد يكون مجملة من حيث الذّات كألفاظ العبادات على القول بالوضع للصّحيحة أو على القول بالوضع للأعمّ إذا قيّدت بقيد مجمل أو كان المشكوك من معظم الأجزاء الّتي لها دخل في أصل الصّدق أو من جهة وضعه للمعاني المتعدّدة مع عدم القرينة على التّعيين كلفظ القرء أو من جهة إرادة المعنى المجازي مع تعدّده و عدم القرينة على التّعيين، و قد يكون غير ظاهرة من جهة سوقها في مقام الإهمال و بيان التّكليف في الجملة كقوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيٰامُ، كَمٰا كُتِبَ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، فإنّه ليس إلاّ في مقام أعلام تشريع وجوب الصّوم في هذه الشّريعة كالشّرائع السّابقة، و قد يكون غير ظاهرة من جهة ورودها في مقام بيان حكم آخر ككثير من الخطابات الواردة في العبادات كقوله تعالى: وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاٰةَ و نحوه، ممّا ورد في بيان الحثّ و التّرغيب و التّأكيد، بل المعاملات كقوله البيّعان بالخيار و نحوه ممّا يشهد به
........
الشرح
التّتبّع كالأخبار الواردة في عدم انعزال الوكيل إلاّ بعد بلوغ العزل إليه، فإنّه لا ظهور لها من حيث بيان شروط الوكالة و ما يعتبر فيها كما زعمه بعض مشايخنا المتأخّرين في شرحه على الشّرائع، و قد يكون غير ظاهرة من جهة كثرة استعماله في بعض الأفراد أو المعنى المجازي فيما أوجبت الإجمال و هكذا و قد تكون مجملة من حيث العلم الإجمالي الخاصّ، كما في العامين من وجه أو مطلق الظّاهرين المتعارضين بعد القطع من غير جهة الدّلالة، و قد تكون مجملة من جهة العلم الإجمالي العامّ إذا كانت الشّبهة ملحقة بالمحصورة نظرا إلى العلم بإرادة خلاف الظّاهر من كثير من الخطابات و الإثبات و النّفي في كلام المدّعي و شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره يرجع إلى القسم الأخير لا إلى سائر الوجوه و الأقسام، فإنّها ليست محلّ الإنكار أصلا و لا ينفع المدّعى جزما، إذ هي مسلّمة على القول بانفتاح باب العلم و الظّن الخاصّ أيضا، إذ ليس مبنيّا على كون جميع الخطابات مبنيّة فعلا بحيث يجوز الرّجوع إليها عند الشّك و بعد إخراج ما يكون مجملة من غير الجهة الأخيرة، لا يبقى ظواهر كثيرة يمنع ظهورها عن ادّعاء الانسداد حتّى يكون إثبات إجمالها من جهة العلم الإجمالي من مقدّمات دليل الانسداد مضافا إلى أنّه لا شاهد لهذا العلم الإجمالي و التّمسك بالقضيّة المعروفة ما من عامّ، إلاّ و قد خصّ و ما من مطلق، إلاّ و قد قيّد مضافا إلى عدم إيجابه الإجمال، كما حقّق في محلّه و عدم الفرق بناء عليه بين القولين لا يجدي بالنّسبة إلى غير العموم و الإطلاق من الظّواهر.
هذه غاية ما يقال في بيان كلامه و توجيه مرامه لكن ما أفاده قدس سره في المقام ينافي ما أفاده بعد ذلك عند التّكلّم في التّنبيه الثّاني، فإنّه قد جزم هناك، كما سيجيء بأنّ إجمال تلك الخطابات من مقدّمات دليل الانسداد و أنّه لا شبهة فيه من جهة العلم الإجمالي العام، و قد جعل الثّمرة بين حجيّة الظّن و التّبعيض في الاحتياط
الخطابات التي علم إجمالها بالخصوص مثل وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاٰةَ(1)، وَ لِلّٰهِ عَلَى اَلنّٰاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ(2)و شبههما، و أما كثير من العمومات التي لا نعلم بإجمال كل منها، فلا يعلم و لا يظن بثبوت المجمل بينها لأجل طرو التخصيص في بعضها، و سيجيء بيان ذلك عند التعرض لحال نتيجة المقدمات إن شاء اللّه هذا كله حال الاحتياط في جميع الوقائع.
و أمّا الرجوع في كل واقعة (1) إلى ما يقتضيه الأصل في تلك الواقعة من غير التفات إلى العلم الإجمالي بوجود الواجبات و المحرمات بين الوقائع بأن يلاحظ نفس الواقعة، فإن كان فيها حكم سابق يحتمل بقاؤه استصحب كالماء المتغير بعد زوال التغيير، و إلاّ فإن كان الشك في أصل التكليف كشرب التتن أجري البراءة و إن كان الشك في تعيين المكلف به مثل القصر و الإتمام، فإن أمكن الاحتياط وجب و إلاّ تخير، كما إذا كان الشك في تعيين التكليف الإلزامي كما إذا دار الأمر بين الوجوب و التحريم.
الشرح
مع فرض الإجمال و تسليمه في ارتفاع الإجمال عن الخطابات و عودها إلى الحالة الأوليّة من البيان على الأوّل و عدم ارتفاع الإجمال منها على الثّاني، و فيه كلام ستقف عليه عند شرح القول في التّنبيه الثّاني، فانتظر فما أدري بالمراد بقوله قدس سره: (و سيجيء بيان ذلك عند التّعرض) إلخ، مع أنّ ما تعرّضه هناك مناف لما أفاده في المقام.
(1) لا يخفى عليك أنّ ما أفاده في بيان مجاري الأصول في المقام لا يخلو عن اضطراب، لأنّ ظاهره أوّلا حصر مجرى التّخيير في الشّك في المكلّف به و ظاهر قوله: (كما إذا كان الشّك في التّكليف الإلزامي) إلى آخره، أخيرا تعميم مجراه بالنّسبة إلى الشّك في التّكليف كما هو الحقّ عنده و عندنا، بل و عند الكلّ.
فيرد هذا الوجه أن العلم الإجمالي (1) بوجود الواجبات و المحرمات يمنع
الشرح
(1) ما أفاده في بيان عدم جواز الرّجوع إلى الأصول النّافية للتّكليف من البراءة أو الاستصحاب المطابق لها ظاهر لا شبهة في صحّته و استقامته، فإنّ الوجه فيه هو الّذي عرفت توضيحه في طيّ إثبات عدم الرّجوع إليها في جميع الوقائع، فإنّ ملاحظة الشّك مع قطع النّظر عن العلم الإجمالي لا يرفعه كما هو واضح.
و أمّا ما أفاده في بيان عدم جواز الرّجوع إلى غير الاحتياط من الاستصحاب المثبت للتّكليف من منع العلم الإجمالي بوجود الأحكام الغير الإلزاميّة في مجراه من جريانه في موارده فهو مبني على ما أفاده في الجزء الثّاني من الكتاب في الشّبهة المحصورة من عدم الفرق في عدم جواز الرّجوع إلى الأصل الجاري في المشتبهين مع قطع النّظر عن العلم الإجمالي بين كونه على طبق الاحتياط أو على خلافه من حيث أنّ الغاية في أدلّة الأصول أعمّ من العلم الإجمالي و التّفصيلي هذا، و لكن هنا وجهين آخرين:
أحدهما: جريان ما لم تنتقض حالته السّابقة في الواقع و في علم اللّه و لمّا لم يكن معلوما تفصيلا للمكلّف فيحتاط في العمل بهما احتياطا في الحكم الظّاهري و عملا بالاستصحاب الجاري في الواقع نظير الاحتياط في العمل بالخبرين اللّذين يعلم بصحّة سند أحدهما إجمالا، و هذا هو الّذي يحتمله قوله قدس سره يمنع من العمل بالاستصحابات من حيث أنّها استصحابات إلى آخره، فإنّه على الأوّل لا يكون العمل بالاستصحابات أصلا و رأسا، إلاّ على تكلّف بأن يكون المراد العمل على طبقها فتدبّر.
ثانيهما: جريان الاستصحابات بأسرها و الفرق بين الأصول المثبتة و النّافية في قدح العلم بالخلاف، حيث أنّ قدحه من جهة لزوم طرح التّكليف الإلزامي المعلوم بالإجمال المتوجّه إلى المكلّف على وجه التّنجز، فإذا لم يلزم ذلك في المقام كما هو المفروض، فلا مانع من الرّجوع إلى الأصل، و من هنا يرجع إلى
........
الشرح
الأصل في المشتبهين إذا كان نافيا للتّكليف أيضا فيما لم ينجّز التّكليف بالمعلوم إجمالا على كلّ تقدير في الشّبهة المحصورة.
و هذا هو الوجه عندنا و قد مال إليه قدس سره في أواخر الاستصحاب إلاّ أنّ استفادة ذلك من أخبار الاستصحاب بحيث يفرق في الغاية بين العلم الإجمالي بالتّكليف الإلزاميّ و غيره يحتاج إلى إمعان نظر تامّ، و لعلّنا نتكلّم في ذلك و نشرح لك القول فيه في أجزاء التّعليقة المتعلّقة بالبراءة و الاستصحاب.
ثمّ إنّ الوجه في أمره قدس سره بالتّأمّل يحتمل أن يكون منع قدح العلم الإجمالي بالنّسبة إلى الأصول المثبتة كما هو مبني الوجه الأخير، و يحتمل أن يكون منع جريان ما لم تنتقض حالته السّابقة في علم اللّه كما هو مبنى الوجه الثّاني بناء على حمل كلامه عليه كما سمعنا عنه في مجلس البحث حيث أنّ عدم الانتقاض واقعا و بقاء الحالة السّابقة في علم اللّه لا يمكن أن يجعل مناطا و موضوعا للأصل الظّاهري و لا يقاس ذلك بالخبر الصّحيح المردّد بين الخبرين للفرق بينهما بما لا يخفى على ذي مسكة فإنّ الصّحة يكون عنوانا لحجّية الخبر بخلاف بقاء المستصحب في الواقع، فإنه لا يمكن أن يكون مناطا و إنما المناط الشّك في البقاء المتحقّق بالنّسبة إلى كلّ منهما.
هذا ثمّ إنّ لازم الوجوه الثّلاثة في الأصول المثبتة بأسرها البناء على الأخذ بالتّكليف الإلزامي و إن افترقت من جهة أخرى، حيث أنّ لازم الوجه الأخير الراجع إلى جريان الاستصحاب الحكم بترتّب جميع آثار المستصحب في زمان الشّك فيحكم بتنجس ملاقي أحد مستصحبي النّجاسة مع العلم بطهارة أحدهما بخلافه على الوجهين الأوّلين كما هو واضح، و سيجيء تفصيل القول فيه في محلّه هذا.
ثمّ إنّه لم يتعرّض لوجه عدم جريان أصالة التّخيير في مواردها و إن تعرّض لها عند بيان مقتضى الأصل في الوقائع بقوله: (و أمّا الرّجوع في كلّ واقعة) إلخ، من
عن إجراء البراءة و الاستصحاب المطابق لها المخالف للاحتياط، بل و كذا العلم الإجمالي بوجود غير الواجبات و المحرمات في الاستصحابات المطابقة للاحتياط يمنع من العمل بالاستصحابات من حيث إنها استصحابات و إن كان لا يمنع من العمل بها من حيث الاحتياط فتأمل، لكن الاحتياط في جميع ذلك يوجب العسر.
و بالجملة فالعمل بالأصول النافية للتكليف في مواردها مستلزم للمخالفة القطعية الكثيرة و بالأصول المثبتة للتكليف من الاحتياط و الاستصحاب مستلزم للحرج، و هذا لكثرة المشتبهات في المقامين، كما لا يخفى على المتأمل.
و أمّا رجوع هذا الجاهل الذي انسد عليه باب العلم في المسائل المشتبهة إلى فتوى العالم بها و تقليده فيها فهو باطل لوجهين: أحدهما: الإجماع القطعي؛ و الثاني: أن الجاهل الذي وظيفته (1) الرجوع إلى العالم هو الجاهل العاجز عن الفحص.
الشرح
حيث وضوح كون الموضوع و المناط فيها تسوية الاحتمالين المرتفعة بالظّن، فالرّجوع إلى الظّن في موارد التّخيير ممّا لا مناص عنه سواء على القول بكون نتيجة المقدّمات حجّية الظّن أو التّبعيض في الاحتياط، كما أنّ الأخذ بالتّخيير ممّا لا مناص عنه مع عدم التّمكن من تحصيل الظّن على كلّ تقدير، هذا و سيجيء توضيح القول في ذلك زيادة على ذلك في التّنبيه الثّاني، و حاصل ما أفاده قدس سره في حكم المقام أنّه بعد البناء على عدم جواز الرّجوع إلى الأصول النّافية من جهة العلم الإجمالي يئول الأمر بالأخرة إلى الأخذ بمقتضى التّكليف الإلزامي سواء كان من جهة الأخذ بالاحتياط أو الاستصحاب أو التّخيير، فيوافق من حيث العمل للاحتياط الكلّي فيلزمه العسر و الحرج لا محالة.
(1) إذا فرض عدم شمول دليل التّقليد كتابا و سنّة و إجماعا للمقام كما هو
و أمّا الجاهل الذي يبذل الجهد و شاهد مستند العالم و غلطه في استناده إليه و اعتقاده عنه، فلا دليل على حجية فتواه بالنسبة إليه، و ليست فتواه من الطرق المقررة لهذا الجاهل، فإنّ من يخطئ القائل بحجية خبر الواحد في فهم دلالة آية النبإ عليها كيف يجوز له متابعته و أي مزية له عليه، حتى يجب رجوع هذا إليه، و لا يجب العكس.
و هذا هو الوجه فيما أجمع عليه العلماء من أن المجتهد إذا لم يجد دليلا في المسألة على التكليف كان حكمه الرجوع إلى البراءة، لا إلى من يعتقد وجود الدليل على التكليف.
و الحاصل أن اعتقاد مجتهد ليس حجة على مجتهد آخر خال عن ذلك الاعتقاد، و أدلة وجوب رجوع الجاهل إلى العالم يراد بها العالم الذي يختفي
الشرح
واضح لكلّ من له أدنى تأمّل، فلا معنى للحكم بتبعيّته و تقدّمه على الظّن بل مقتضى الوجه الأوّل كونه ممّا قام الدّليل القطعي على حرمته من حيث الخصوص، فلا يكون في عرض سائر الظّنون أيضا على تقدير الإغماض عن عدم إفادته للظّن في حقّ هذا المجتهد المخطئ القائل بالانفتاح، بل مع فرض العلم بخطإ المجتهد في مدارك اجتهاده، لا يجوز تقليده للعالم بالخطإ و إن كان عاميا، فكيف إذا كان مجتهدا فعدم الشمول للمقام حقيقة من وجهين:
أحدهما: أنّ دليل التّقليد يختصّ بالجاهل العاجز عن الاستنباط و بعبارة أخرى يختصّ بالعامي العاجز و المفروض في المقام كون المكلّف مجتهدا بالقوّة بل بالفعل.
ثانيهما: أنّ مصبّه فيمن خفي عليه مدرك استنباط المجتهد و احتمل إصابته فيه، فلا يشمل من يعلم بخطإ المجتهد في مدرك استنباطه و لو فرض كونه عاميّا، لأنّ نظره ليس له طريقيّة بالنّسبة إليه هذا.
منشأ علمه على ذلك الجاهل، لا مجرد المعتقد بالحكم، و لا فرق بين المجتهدين المعتقدين المختلفين في الاعتقاد و بين المجتهدين اللذين أحدهما اعتقد الحكم عن دلالة، و الآخر اعتقد بفساد تلك الدلالة فلم يحصل له اعتقاد و هذا شيء مطرد في باب مطلق رجوع (1) الجاهل إلى العالم شاهدا كان أو مفتيا أو غيرهما.
في أنّه إذا وجب التعرض لامتثال الواقع (2) في مسألة واحدة، أو في مسائل
الشرح
(1) ما أفاده من اطّراد ما ذكره في حكم المقام في باب مطلق رجوع الجاهل إلى العالم سواء كان المرجع مفتيا أو شاهدا أو غيرهما ممّا لا خفاء فيه و لا شبهة تعتريه، ضرورة أنّ مبنى الإرجاع على طريقيّة قول المرجع و كشفه عن الواقع فلا بدّ أن يكون له مزيّة فإذا فرض انكشاف مبنى قوله: (و اختياره لمن أمر بالرّجوع إليه) بحيث علم بخطئه فيه أو عدم صلاحيّته للاستناد إليه أو تحقّقه في حقّه، فلا معنى للأمر برجوعه إليه، و من هنا حكموا بعدم حجيّة الشّهادة على النّفي الأصلي و نحوه إلى غير ذلك.
(2) قد عرفت الإشارة إلى أنّ غير المقدّمة الرّابعة من المقدّمات مهّدت لإثبات الصّغرى و المقدّمة الرّابعة ذكرت لبيان الكبرى العقليّة، و أنّه كلّما وجب التّعرض لامتثال الخطاب الواقعي في مسألة واحدة كما في الشّك في المكلّف به أو في مسائل كما في المقام في الشّبهة الموضوعيّة أو الحكميّة، و لا يمكن تحصيله بالعلم أو الطّرق المقرّرة من الشّارع و لا يجب الاحتياط في تحصيله وجب الرّجوع إلى الظّن في تحصيله.
فإن شئت قلت: في بيان الكبرى إنّه كلّما وجب تحصيل الواقع و دار الأمر بين
و لم يمكن الرجوع فيها إلى الأصول، و لم يجب أو لم يجز الاحتياط تعين العمل فيها بمطلق الظن، و لعله لذلك يجب العمل بالظن في الضرر و العدالة و أمثالهما.
إذا تمهدت هذه المقدمات.
فنقول: قد ثبت وجوب العمل بالظن فيما نحن فيه و محصلها أنّه إذا ثبت انسداد باب العلم و الظن الخاص كما هو مقتضى المقدمة الأولى، و ثبت وجوب امتثال الأحكام المشتبهة و عدم جواز إهمالها بالمرة كما هو مقتضى المقدمة الثانية، و ثبت عدم وجوب كون الامتثال على وجه الاحتياط، و عدم جواز الرجوع فيه إلى الأصول الشرعية كما هو مقتضى المقدمة الثالثة تعين بحكم العقل التعرض لامتثالها على وجه الظن بالواقع فيها، إذ ليس بعد الامتثال العلمي و الظني بالظن الخاص المعتبر في الشريعة امتثال مقدم على الامتثال الظني.
الشرح
الظّن و الشّك و الوهم يجب تقديم الظّن و سلوكه في تحصيله، فيجب استفراغ الوسع في تحصيل الظّن، و لا يجوز قبله الأخذ بأحد طرفي الشّك كما أنّه لا يجوز بعد حصوله الأخذ بالوهم.
و هذا ممّا يحكم به، ضرورة العقل إن فرض تماميّة المقدّمات حتّى بطلان التّبعيض في الاحتياط المثبتة للصّغرى، فيحصل من ضمّ المقدّمة الرّابعة إليها العلم بحجيّة الظّن بحكم العقل.
ثمّ إنّ عدم الجزم بثبوت حجيّة الظّن فيما ذكره من الموضوعات المشتبهة كالضّرر و العدالة و النّسب و الوقف و غير ذلك من جهة التّأمّل في تماميّة المقدّمات بالنّسبة إليها كما ستقف على تفصيل القول في ذلك، لا من جهة الفرق بعد فرض تماميّتها بين الموضوعات و الأحكام كما هو واضح.
توضيح ذلك أنّه إذا وجب عقلا (1) أو شرعا التعرض لامتثال الحكم الشرعي فله مراتب أربع:
الأولى: الامتثال العلمي التفصيلي و هو أن يأتي بما يعلم تفصيلا أنه هو المكلّف به، و في معناه ما إذا ثبت كونه هو المكلّف به بالطريق الشرعي و إن لم يفد العلم و لا الظن كالأصول الجارية في مواردها، و فتوى المجتهد بالنسبة إلى الجاهل العاجز عن الاجتهاد.
الثانية: الامتثال العلمي الإجمالي و هو يحصل بالاحتياط.
الثالثة: الامتثال الظني و هو أن يأتي بما يظن أنه المكلف به.
الرابعة: الامتثال الاحتمالي كالتعبد بأحد طرفي المسألة من الوجوب و التحريم أو التعبد
ببعض محتملات المكلف به عند عدم وجوب الاحتياط أو عدم إمكانه.
و هذه المراتب مترتبة، لا يجوز بحكم العقل العدول عن سابقها إلى لاحقها، إلاّ مع تعذرها على إشكال في الأولين تقدم في أول الكتاب، و حينئذ فإذا تعذرت المرتبة الأولى و لم يجب الثانية تعينت الثالثة، و لا يجوز الاكتفاء بالرابعة.
فاندفع بذلك ما زعمه بعض من تصدى لرد (2) دليل الانسداد بأنّه لا يلزم
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّه قدس سره قد أسقط بعض مراتب الامتثال كالإطاعة الظّنية الاطمئنانيّة، فإنّها مقدّمة على الامتثال الظّني بقول مطلق و الإطاعة الظّنية بالظّن النّوعي فإنّها مقدّمة على الامتثال الشّكي و الوهمي، فمراتب الامتثال ستّة لا أربعة، بل قد يقال إنّها سبعة بناء على عدم إدراج التّبعيض في الاحتياط في المرتبة الثّانية فتدبّر.
(2) قد عرفت استقلال العقل بوجوب متابعة الظّن عند دوران الأمر في الامتثال
من إبطال الرجوع إلى البراءة و وجوب العمل بالاحتياط وجوب العمل بالظن لجواز أن يكون المرجع شيئا آخر لا نعلمه مثل القرعة و التقليد أو غيرهما لا نعلمه، فعلى المستدل سدّ باب هذه الاحتمالات، و المانع يكفيه الاحتمال.
توضيح الاندفاع بعد الإغماض عن الإجماع على عدم الرجوع إلى القرعة و ما بعدها أن مجرد احتمال كون شيء غير الظن طريقا شرعيا، لا يوجب العدول عن الظن إليه، لأنّ الأخذ بمقابل المظنون قبيح في مقام امتثال
الشرح
بينه و بين الشّك و الوهم، فإذا لا معنى لقدح مجرّد احتمال جعل شيء آخر، فإمّا أن يختار عدم حكم العقل في موضوع الدّوران، و إمّا أن يختار و يلتزم بعدم قدح احتمال جعل شيء آخر لما قد عرفت مرارا من عدم إمكان دخل الأمر النّفس الأمري في جعل العقل المبنيّ على الوجدان، و قدح مجرّد الاحتمال المتحقّق بالوجدان خروج عمّا فرضنا من حكم العقل في موضوع الدّوران من غير مدخليّة شيء آخر و الغرض أنّ مجرد الاحتمال لا يخرج الموضوع عن الدّوران.
فإن شئت قلت: إذا فرض تقدّم الامتثال الظّني على الشّكي و الوهميّ عند العقل الحاكم في أصل مسألة الإطاعة و مراتبها، فلا معنى لقدح احتمال جعل شيء آخر و إنما القادح العلم بالجعل من حيث إنّه رافع لموضوع حكم العقل، ضرورة أنّه لا دوران هنا بين الظّن و الشّكّ و الوهم، بل بينه و بين الامتثال العملي فكما أنّ مجرّد وجود الظّن و إن احتمل كونه مجعولا لا يرفع حكم العقل بلزوم الامتثال العلمي عند التّمكن منه كذلك احتمال جعل ما لا يفيد الظّن في زمان الانسداد مع التّمكن من الظّن، لا يوجب رفع موضوع حكم العقل، فالظّن عند تماميّة مقدّمات دليل الانسداد كالعلم في عدم الحاجة إلى جعل الشّارع لا مثل العلم في عدم إمكان تعلّق الجعل به مطلقا سواء كان من الشّارع أو العقل، و هذا هو المراد من قوله قدس سره: (و الحاصل أنّه كما لا يحتاج الامتثال العلمي) إلى آخره.
الواقع و إن قام عليه ما يحتمل أن يكون طريقا شرعيا، إذ مجرد الاحتمال لا يجدي في طرح الطرف المظنون، فإنّ العدول عن الظن إلى الوهم و الشك قبيح.
و الحاصل أنه كما لا يحتاج الامتثال العلمي إلى جعل جاعل، فكذلك الامتثال الظني بعد تعذر الامتثال العلمي، و فرض عدم سقوط الامتثال.
و اندفع بما ذكرنا (1) أيضا ما ربما يتوهم من التنافي بين التزام بقاء التكليف
الشرح
(1) اندفاع التّوهم المذكور بما أفاده واضح، ضرورة أنّ ما ذكره المتوهّم من التّنافي بين الالتزام ببقاء التّكليف و تعلّقه بالواقع و كفاية ما لا يقطع معه بإحراز الواقع قضيّة عقليّة لا شرعيّة، فإذا فرض كون الامتثال ذا مراتب متعدّدة في حكم العقل حتّى أنّ آخر مراتبه الامتثال الاحتمالي و الوهمي، فكيف بحكم بالتّنافي بين الأمرين توضيح ذلك أنّ المراد من التّكليف الباقي في الوقائع المجهولة إن كان هو الحكم الواقعي النّفس الأمري، فلا إشكال في تعلّقه بنفس الواقع من غير مدخليّة للعلم و الجهل، فكما يتعلّق بالعالم كذلك يتعلّق بالجاهل على نهج واحد من غير فرق بينهما، لأنّ تعلّقه بهما بخطاب واحد و جعل كذلك بالنّسبة إلى جميع حالات المكلّفين المختلفين من حيث العلم و الجهل بأقسامه و مراتبه لكنّه لا يتنجّز بمجرّد وجوده النّفس الأمري بمعنى أنّه لا يؤاخذ على مخالفته مطلقا، و لا يجب امتثاله كذلك، إذ ربما يكون المكلّف معذورا في مخالفته، و لا يجب عليه امتثاله أصلا، و إذا فرض تنجّزه في مقام لا يلزم في حكم العقل تحصيل العلم بحصوله مطلقا، بل يلزم ذلك في الجملة و في بعض المراتب و الحالات كما ذكره في الكتاب، فقد يكتفى في امتثاله مع تنجّزه بمجرّد احتمال حصوله و إن كان هو التّكليف المنجّز الّذي ليس بإنشاء حكم من الشّارع حقيقة بل إنما هو من شئونه و مراتبه بحسب حكم العقل، ففيه أنّه يتبع وجوب الامتثال و مراتبه، فلا معنى لجعله
........
الشرح
قادحا في الاكتفاء بالامتثال الظّني كما هو واضح.
فإن شئت قلت: إنّ الالتزام ببقاء التّكليف بالواقع بالفرض مع كفاية الامتثال الظّني نظير الالتزام ببقاء التّكليف في جميع موارد الأمارات المعتبرة الشّرعيّة و الظّنون الخاصّة و موارد الأصول، الّتي لا يقطع مع الأخذ بها بالواقع الأوّلي، فإنّ التوهّم المذكور جار بالنّسبة إلى الجميع، و لك أن تجعل ما ذكر من النّظائر بمنزلة الجواب النّقضي و الحلّ أن يقال إنّ الحكم الواقعي الصّادر من الشّارع في الجميع متعلّق بالواقع بما هو واقع، إلاّ أنّه بمجرّده لا يؤثّر في عدم المعذوريّة و استحقاق العقاب على مخالفته في حكم العقل على كلّ تقدير و الحكم الفعلي المنجّز، الّذي هو عين الحكم الأوّلي على تقدير، و غيره بالاعتبار المنتزع من حكم العقل بوجوب امتثال الحكم الواقعي، و استحقاق العقاب على مخالفته يتبع حكمه بحسب مراتبه، فقد يكون موجودا في المظنون و لا يكون موجودا في غيره و هذا معنى الالتزام بالتّكليف المتوسّط بين تعلّقه بالواقع بما هو هو و عدم التّكليف رأسا، و لا يمكن اعتبار التّوسّط بالنّسبة إلى الحكم الأوّلي، و إلاّ لزم التّصويب و الالتزام بالإجزاء عند انكشاف خطإ الأمارات و الأصول، كما هو واضح، و هذا هو المراد من التّكليف المتوسّط في الكتاب لا ما يزعمه غير الخبير بمراده قدس سره و لك أن تقول إنّ الحكم الواقعي الغير المختلف باختلاف الظّنون و الآراء متعلّق بالواقع و الحكم الظّاهري المختلف باختلافهما يتبع مقتضيات الأصول و الأمارات و إن بقي لك تأمّل فيما ذكر مع ما عرفت، فارجع إلى ما أوردنا من الكلام في أوائل التّعليقة في شرح الحكم الواقعي الشّأني و الفعلي و الظّاهري.
ثمّ إنّ المراد من قبح العدول عن الظّن إلى الوهم المتكرّر في كلامه، و قبح الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي مع التّمكن من الامتثال الظّني في المقام ليس ما يتراءى منه في بادي النّظر من حسن العمل بالظّن ذاتا و قبح الأخذ بغيره كذلك، بل
في الوقائع المجهولة الحكم و عدم ارتفاعه بالجهل، و بين التزام العمل بالظن نظرا إلى أن التكليف بالواقع لو فرض بقاؤه، فلا يجدي غير الاحتياط و إحراز الواقع في امتثاله.
توضيح الاندفاع أن المراد من بقاء التكليف بالواقع نظير التزام بقاء التكليف فيما تردد الأمر بين محذورين من حيث الحكم، أو من حيث الموضوع بحيث لا يمكن الاحتياط، فإنّ الحكم بالتخيير لا ينافي التزام بقاء التكليف، فيقال إن الأخذ بأحدهما لا يجدي في امتثال الواقع، لأنّ المراد ببقاء التكليف عدم السقوط رأسا بحيث لا يعاقب عند ترك المحتملات كلا، بل العقل يستقل باستحقاق العقاب عند الترك رأسا نظير جميع الوقائع المشتبهة.
فما نحن فيه نظير اشتباه الواجب بين الظهر و الجمعة في يوم الجمعة بحيث يقطع بالعقاب بتركهما معا مع عدم إمكان الاحتياط أو كونه عسرا قد نص الشارع على نفيه مع وجود الظن بإحداهما، فإنّه يدور الأمر بين العمل بالظن و التخيير و العمل بالموهوم فإن إيجاب العمل بكل من الثلاثة و إن لم يحرز به الواقع، إلاّ أن العمل بالظن أقرب إلى الواقع من العمل بالموهوم و التخيير فيجب عقلا فافهم.
الشرح
المراد منه القبح العرضي الغيري من جهة ملاحظة طرح الواقع كثيرا في غيره و الحسن الغيري من جهة إدراك الواقع كثيرا في الظّن، ضرورة أنّه ليس للعمل بالظّن مع قطع النّظر عن الواقع حسن ذاتيّ على مذهب أهل الصّواب، و منه يظهر أنّ التّمسّك في حكم المقام بقبح ترجيح المرجوح على الرّاجح، كما وقع في كلام غير واحد من الأعلام لا يخلو عن مناقشة و نظر إن كان المراد من الصّفتين في القضيّة ما كان كذلك بالذّات.
و لا فرق في قبح طرح الطرف الراجع، و الأخذ بالمرجوح بين أن يقوم على المرجوح ما يحتمل أن يكون طريقا معتبرا شرعا، و بين أن لا يقوم، لأنّ العدول عن الظن إلى الوهم قبيح و لو باحتمال كون الطرف الموهوم واجب الأخذ شرعا حيث قام عليه ما يحتمل كونه طريقا، نعم لو قام على الطرف الموهوم ما يظن كونه طريقا معتبرا شرعيا و دار الأمر بين تحصيل الظن بالواقع و بين تحصيل الظن بالطريق المعتبر الشرعي، ففيه كلام سيأتي إن شاء اللّه تعالى.
و الحاصل أنه بعد ما ثبت بحكم المقدمة الثانية وجوب التعرض لامتثال المجهولات بنحو من الأنحاء و حرمة إهمالها و فرضها كالمعدوم، و ثبت بحكم المقدمة الثالثة عدم وجوب امتثال المجهولات بالاحتياط، و عدم جواز الرجوع في امتثالها إلى الأصول الجارية في نفس تلك المسائل، و لا إلى فتوى من يدعي انفتاح باب العلم بها تعين وجوب تحصيل الظن بالواقع فيها و موافقته، و لا يجوز قبل تحصيل الظن الاكتفاء بالأخذ بأحد طرفي المسألة، و لا بعد تحصيل الظن الأخذ بالطرف الموهوم لقبح الاكتفاء في مقام الامتثال بالشك و الوهم مع التمكن من الظن، كما يقبح الاكتفاء بالظن مع التمكن من العلم، و لا يجوز أيضا الاعتناء بما يحتمل أن يكون طريقا معتبرا مع عدم إفادته للظن لعدم خروجه عن الامتثال الشكي أو الوهمي.
هذا خلاصة الكلام في مقدمات (1) دليل الانسداد المنتجة لوجوب العمل بالظن في الجملة.
الشرح
(1) المراد من وجوب العمل بالظّن في الجملة ما يشمل القول بكون نتيجة المقدّمات هو التّبعيض في الاحتياط، فإنّك قد عرفت إيجابه العمل بالظّن القائم على خلاف الاحتياط و على تنزيل العبارة على القول بكون النتيجة هي حجيّة الظّن لا بدّ أن يكون المراد ما يقابل التّعميم من جميع الجهات، الّتي يقع الكلام
أنّك قد عرفت أن قضية المقدمات (1) المذكورة وجوب الامتثال الظني
الشرح
فيها في الأمر الثّاني، أو فيه و في الأمر الأوّل، لا المهملة المردّدة، حتّى ينافي التّقرير على وجه الحكومة كما ستقف عليه، و ما ذكره في الأمر الأوّل و إن كان ظاهره الاختصاص بالقول بكون النّتيجة حجيّة الظّن، إلاّ أنّه يصرّح بعد ذلك في الأمر الثّاني أنّ التّعميم من حيث المسألة الأصوليّة و الفرعيّة ثابت على القولين.
(1) قد عرفت ذلك مرارا سيّما عند بيان مراتب الامتثال و أنّ منها الامتثال الظّني المتعيّن عند انتفاء الأوّلين من مراتبه و إن كان شرحه هناك ربما ينافي كلامه في المقام، حيث إنّه فسّره بالإتيان بما يظن أنّه المكلّف به اللّهم، إلاّ أن يحمل على البيان في الجملة أو يجعل المراد من الظّن بكونه المكلّف به أعمّ من الظّن به في مرحلة الظّاهر.
ثمّ إنّ ما ذكره من تعميم نتيجة المقدّمات الجارية في المسائل الفرعيّة الفقهيّة للظّن في المسألة الأصوليّة العمليّة يستفاد من المحقّق القمي قدس سره و بعض آخر و هو ممّا يحكم به ضرورة العقل عند التّأمّل، فإنّ امتثال الخطابات الواقعيّة بإتيان نفس ما تعلّقت به و إن كان حسنا عند العقل من حيث اشتماله على المصلحة الموجبة لكمال النّفس، إلاّ أنّ الّذي يحكم العقل بلزومه التّخلّص عن مؤاخذة مخالفتها و البراءة عنها و إن لم يتحقّق موافقتها في نفس الأمر و في علم الشّارع.
و من هنا ذكرنا مرارا أنّ الواجب في حكم العقل بوجوب الإطاعة في مطلق الأوامر الصّادرة من الموالي دفع العقاب، و من هنا يصحّ جعله غاية للإطاعة في العبادات، و يسمّى الإطاعة بالملاحظة المذكورة بإطاعة العبيد و بها يمتاز عن
للأحكام المجهولة، فاعلم أنّه لا فرق في الامتثال الظني بين تحصيل الظن بالحكم الفرعي الواقعي، كأن يحصل من شهرة القدماء الظن بنجاسة العصير العنبي و بين تحصيل الظن بالحكم الفرعي الظاهري، كأن يحصل من أمارة الظن بحجية أمر لا يفيد الظن كالقرعة مثلا، فإذا ظن حجية القرعة حصل الامتثال الظني في مورد القرعة و إن لم يحصل ظن بالحكم الواقعي، إلاّ أنه حصل ظن ببراءة ذمة المكلف في الواقعة الخاصة و ليس الواقع بما هو واقع مقصودا للمكلف، إلاّ من حيث كون تحققه مبرئا للذمة.
الشرح
إطاعة الأجزاء الملحوظ فيها طلب الأجر و الثّواب و عن إطاعة الأحرار الغير الملحوظ فيها، إلاّ كون المولى مستحقّا للإطاعة و العبادة المختصّة بأولياء اللّه تعالى و سادات الخلق أجمعين سلم اللّه عليهم ما دامت السّماوات و الأرضين، فإذا كان الواجب عند العقل عند انسداد باب العلم بالواجبات و المحرّمات تحصيل الظّن بامتثال الخطابات الواقعيّة و سقوطها عن المكلّف، فلا محالة يحكم بالتّعميم من حيث الظّن في المسألة الأصوليّة، حيث إنّه يرجع إلى الظّن برضاء الشّارع في إطاعة أوامره الواقعيّة بسلوك ما ظنّ طريقيّته ما دام الطّريق قائما و البناء على كون مفاده نفس ما أراده الشّارع في ضمن الخطابات الواقعيّة، فكما أنّه يحكم بجواز تحصيل العلم بالطّريق المجعول مع التّمكن من تحصيل العلم بالواقع إذا فرض انفتاح باب العلم بهما من كونه موجبا للقطع بسقوط الخطابات الواقعيّة في مرحلة الظّاهر ما لم ينكشف الخلاف، و إن جاز معه تحصيل العلم بالواقع الأولي الموجب لارتفاع موضوع الأمر بالطّريق كذلك يحكم بجواز تحصيل الظّن بمفاد الطّريق من غير فرق بين أن يعلم إجمالا بجعله أوّلا كما يحكم بجواز تحصيل الظّن بالواقع الأوّلي من حيث كونه مطلوبا أوّليا من غير ترتيب بين الأمرين، و إن كان الثّاني أولى في نظر العقل من حيث إيجابه بالظّن بإدراك المصلحة الأوليّة.
فكما أنّه لا فرق في مقام التمكن من العلم بين تحصيل العلم بنفس الواقع و بين تحصيل العلم بموافقة طريق علم كون سلوكه مبرئا للذمة في نظر الشارع، فكذا لا فرق عند تعذر العلم بين الظن بتحقق الواقع و بين الظن ببراءة الذمة في نظر الشارع.
و قد خالف في هذا التعميم فريقان (1):
أحدهما: من يرى أن مقدمات دليل الانسداد لا تثبت إلاّ اعتبار الظن و حجيته في كون الشيء طريقا شرعيا مبرئا للذمة في نظر الشارع، و لا تثبت اعتباره في نفس الحكم الفرعي زعما منهم عدم نهوض المقدمات المذكورة لإثبات حجية الظن في نفس الأحكام الفرعية، إمّا مطلقا أو بعد العلم الإجمالي بنصب الشارع طرقا للأحكام الفرعية.
الثاني: مقابل هذا و هو من يرى أن المقدمات المذكورة، لا تثبت إلاّ
الشرح
(1) أوّل من سلك هذا المسلك و اختار هذه الطّريقة فيما وجدته الشّيخ المحقّق التّستري (شيخ أسد اللّه) قدس سره فيما عرفت من كلامه عند البحث في حجيّة نقل الإجماع حيث ذكر أنّ انسداد باب العلم بما يجب العمل به من الأدلّة كالكتاب و السّنة يقتضي في حكم العقل وجوب إعمال الظّن في تشخيصهما، لا في تحصيل الأحكام الواقعيّة، و قد تبعه غير واحد ممّن تأخّر عنه، إمّا بعد العلم الإجمالي بجعل الطّرق الظّنية، و انسداد باب العلم و الطّريق الخاصّ إلى تشخيصه كما هو مبنى كلام الشّيخ الفاضل في الفصول أو مطلقا، كما هو مبنى بعض الوجوه المذكورة في كلام أخيه الأجلّ الشيخ المحقّق قدس سره في تعليقه على المعالم، كما حكاه شيخنا الأستاذ العلاّمة عنهما في الكتاب و القول الثّاني المقابل لهذا القول ذهب إليه شيخ شيخنا و أستاذه الشّريف قدس سره و بعض تلامذته كما ستقف عليه مفصّلا في الكتاب.
اعتبار الظن في نفس الأحكام الفرعية، أمّا الظن بكون الشيء طريقا مبرئا للذمة فهو ظن في المسألة الأصولية لم يثبت اعتباره فيها من دليل الانسداد لجريانها في المسائل الفرعية دون الأصولية.
و أما الطائفة الأولى: فقد ذكروا لذلك وجهين:
أحدهما: و هو الذي اقتصر عليه بعضهم ما لفظه: «أنا كما نقطع بأنا مكلفون (1) في زماننا هذا تكليفا فعليا بأحكام فرعية كثيرة لا سبيل لنا بحكم
الشرح
(1) الأولى نقل باقي كلامه المتعلّق بالمقام أوّلا.
ثمّ إيراد ما يوضح به مرامه قال قدس سره بعد ما في الكتاب ما هذا لفظه:
«و إنما اعتبرنا في الظّن أن لا يقوم دليل معه على عدم جواز الرّجوع إليه حينئذ، لأنّ الحكم بالجواز هنا ظاهري فيمتنع ثبوته مع انكشاف خلافه، و مع تعذّر هذا النّوع من الظّن فالرّجوع إلى ما يكون أقرب إليه مفادا من المدارك، التي لا دليل على عدم حجيّتها مع الاتّحاد، و مع التّعدّد و التّكافؤ التّخيير لامتناع الأخذ بما علم عدم جواز الأخذ به كما مرّ أو ترجيح المرجوح أو التّرجيح مع عدم المرجّح، و ممّا يكشف عمّا ذكرناه أنّا كما نجد على الأحكام الأمارات نقطع بعدم اعتبار الشّارع إياها طريقا إلى معرفة الأحكام مطلقا و إن أفاد الظّن الفعلي بها كالقياس و الاستحسان و السّيرة الظّنية و الرّؤيا و ظنّ وجود الدّليل و القرعة و ما أشبه ذلك، ممّا لا حصر له كذلك نجد عليها أمارات نعلم بأنّ الشّارع قد اعتبرها كلا أو بعضا طريقا إلى معرفة الأحكام و إن لم يستفد منها ظنّ فعليّ بها و لو بمعارضة الأمارات السّابقة، و هذه أمارات محصورة منها الكتاب و السّنة الغير القطعيّين و الاستصحاب و الإجماع المنقول و الاتّفاق الغير الكاشف و الشّهرة، و ما أشبه ذلك، فإنّا نقطع بأنّ الشّارع لم يعتبر بعد الأدلّة القطعيّة في حقّنا أمارات أخر خارجة عن هذه الأمارات و مستند قطعنا في المقامين الإجماع مضافا في بعضها
........
الشرح
إلى مساعدة الآيات و الأخبار، إذ القائلون بحجيّة مطلق الظّن كبعض متأخّري المتأخّرين لا يتعدون في مقام العمل عن هذه الأمارات إلى غيرها و إن لم يستفد منها ظنّ فعليّ بمآربها، و حيث أنّه قد وقع النّزاع في تعيين ما هو المعتبر من هذه الأمارات في نفسه و في صورة التّعارض و لا علم لنا بالتّعيين و لا طريق علميّا إليه مع علمنا ببقاء التّكليف بالعمل بها كان اللاّزم الرّجوع في ذلك إلى ما يستفاد اعتبارها من هذه المدارك الاحتماليّة لتقدّمها في نظر العقل حينئذ على المدارك المعلوم عدم اعتبارها شرعا مقدّما للأقرب منها في النّظر إلى غيره مع تحقّقه، فثبت ممّا قرّرنا جواز التّعويل في تعيين ما يعتبر من تلك الطّرق الّتي هي أدلّة الأحكام على الظّن الّذي لا دليل على عدم حجيّته، ثمّ على ما هو الأقرب إليه كذلك إلى أن قال و اعلم أنّ العقل يستقلّ بكون العلم طريقا إلى إثبات الحكم المخالف للأصل و لا يستقلّ بكون غيره طريقا إليه مع تعذّره حيث لا يعلم ببقاء التّكليف معه، بل يستقل حينئذ بعدم كون غير العلم طريقا في الظّاهر و بسقوط التّكليف ما لم يقم على حجيّة غير العلم قاطع سمعيّ واقعي أو ظاهري معتبر مطلقا أو عند انسداد باب العلم مع حصوله.
ثمّ إن دلّ الدّليل السمعي على حجيّة طريق مطلقا كان في مرتبة العلم مطلقا فيجوز التّعويل عليه و لو مع إمكان تحصيل العلم في تلك الواقعة و إن دلّ على حجيّته عند تعذّر العلم لم يجز التّعويل عليه، إلاّ عند تعذّره، فيقدّم العمل بالعلم و بما دلّ الدّليل السّميعي على قيامه مقامه مطلقا مع تيسّره، و أمّا إذا انتفى الجميع و علم ببقاء التّكليف معه ثبت بحكم العقل وجوب العمل بالظّن الّذي لا دليل على عدم حجيّته ثمّ الأقرب إليه على ما مرّ و هذه مرتبة ثالثة متوقّفة على تعذّر المرتبتين المتقدّمتين و ساق الكلام إلى أن قال: فاتّضح أنّ للطّريق ثلاثة مراتب لا يعول على اللاّحقة منها، إلاّ بعد تعذّر السّابقة و نحن حيث علمنا ممّا مرّ أنّ الشارع
........
الشرح
قد قرّر في حقّنا إلى معرفة الأحكام أصولا و فروعا و لو بعد انسداد باب العلم و ما في مرتبته طرقا مخصوصة لم يجز لنا العدول إلى المرتبة الثّالثة، و الأخذ بما يقرّره العقل طريقا إلى معرفة الأحكام، بل يجب علينا تحصيل تلك الطّرق الّتي علمنا بنصب الشّارع إيّاها و تعيينها بالعلم، أو بما علم قيامه بالخصوص مقامه و لو بعد تعذّره إلى أن قال فتعيّن أنّ طريقنا إلى معرفة فروع الأحكام الغير القطعيّة، إمّا في المرتبة الأولى أو الثّانية، و إلى معرفة تفاصيل ذلك في المرتبة الثّالثة و السّر في الفرق أنّا لمّا راجعنا طريقة أصحابنا وجدناهم يعتمدون في فروع الأحكام على طرق و مدارك مخصوصة مطبقين على نفي حجيّة ما عداها، مع إمكان الرّجوع إليها مطلقا و في إثبات حجيّة تلك الطّرق و تعين ما هو المعتبر فيها على أدلّة قطعيّة عندهم كالكتاب و الإجماع» إلى أخر ما ذكره.
ثمّ ساق الكلام بعد إتمام الوجه إلى النّقض و الإبرام بإيراد الإشكالات و الإيرادات عليه و النّقض و الجواب عنها بما يطول المقام بذكره من أراده فليراجع إلى كتابه، و ملخّص ما يقال في توضيح مرامه أنّ التّكليف بالعمل بالطّرق المجعولة إذا لم يكن تكليفا مستقلا في قبال التّكليف بالواقع كالتكاليف الواقعية كما هو المسلّم الواضح الّذي لم يتوهّم أحد خلافه، فلا بدّ إمّا من إرجاع التّكليف بالواقع إليه بمعنى عدم إرادة إطاعته، إلاّ إذا ساعد عليه الطّريق فالواقع الّذي لم يكن مدلولا لأحد الطّرق المعتبرة لا يجب امتثاله على المكلّف لا بمعنى عدم ثبوته في نفس الأمر فيما لم يساعد عليه الطّريق حتّى يلزم التّصويب الباطل، فالتّكليف الفعلي الّذي عليه المدار في وجوب الإطاعة و حرمة المعصية تابع لقيام الطريق، أو إرجاع التّكليف بالطّريق إليه بمعنى عدم لزوم العمل به، إلاّ فيما طابق الواقع، فيكون عند عدم المطابقة غير واجب العمل واقعا و لمّا لم يعقل الثّاني، حيث إنّ العلم بالمطابقة يوجب امتناع جعل التّكليف الظّاهري في حقّ العالم، و لا
........
الشرح
يعقل اعتبار ما يوجب العلم به ارتفاع موضوع الحكم فيه فتعيّن الوجه الأوّل و هو الّذي أفاد بقوله: (و مرجع التّكليفين) إلخ و فعليّة الأحكام الواقعيّة عند تحصيل العلم بها من جهة كون العلم طريقا شرعيّا معتبرا بحكم العقل، هذا ما يقال في توضيح مرامه، و يرد عليه مضافا إلى ما أورده عليه في الكتاب:
أوّلا: أنّ تنجّز الخطابات الواقعيّة و التّكاليف النّفس الأمريّة إنما هو بنفس العلم الإجمالي المتعلّق بها، و التّكليف بالعمل بالطّريق على ما عرفت في توضيح مرامه ليس في عرض التّكليف بالواقع و في مرتبته، بل إنما هو تكليف غيري إرشادي شرع للتّوصّل بسلوكه إلى الواقع و إن لاحظ الشّارع في جعله تسهيل الأمر على المكلّفين، و لازمه العقلي عدم جواز المؤاخذة عند مخالفة سلوكه للواقع لا انقلاب التّكليف الفعلي إلى مؤداه حسبما زعمه قدس سره، و من هنا يجب الفحص عن الواقع و يجب الاحتياط في تحصيله فيما لم يكن هناك طريق إليه في مورد العلم الإجمالي، نعم فيما قام الطّريق الشّرعي على تعيين الواقعيّات المجهولة بحيث يوجب رفع العلم الإجمالي الكلّي و لم يكن هناك أصل مثبت للتّكليف، و لم يقتض العلم الإجمالي الخاصّ للاحتياط في المورد لم يجب الاحتياط في الشّبهات الحكميّة بعد الفحص التّام و ليس هذا من جهة انقلاب التّكليف الفعلي إلى مؤدّيات الطّرق بل من جهة حكم العقل بقبح المؤاخذة المقرّر في باب البراءة، و من هنا يجوز تحصيل العلم بالواقع الأوّلي عند التمكن منه و لو جاز سلوك الطريق فيما لو كان معلوما بالتّفصيل أيضا، و القول بكون العلم مجعولا أيضا كالظّن قد عرفت فساده بما لا مزيد عليه في طي كلماتنا السّابقة في أوّل التّعليقة.
و ثانيا: أنّ لازم ما أفاده عدم جواز الامتثال الظني في تحصيل الواقع أصلا عند انسداد باب الظّن بالطّريق المجعول إجمالا مع اعترافه فيما عرفت من كلامه بلزوم العمل عليه عند انسداد باب الظّن بالطّريق، فالاعتراف به ينافي القول بكون مرجع
العيان و شهادة الوجدان إلى تحصيل كثير منها بالقطع و لا بطريق معين نقطع من السمع بحكم الشارع بقيامه أو قيام طريقه مقام القطع و لو عنده تعذره كذلك نقطع بأن الشارع قد جعل لنا إلى تلك الأحكام طرقا مخصوصة و كلّفنا تكليفا فعليا بالرجوع إليها في معرفتها.
و مرجع هذين القطعين عند التحقيق إلى أمر واحد و هو القطع بأنا مكلفون تكليفا فعليا بالعمل بمؤدى طرق مخصوصة، و حيث إنه لا سبيل غالبا إلى تعيينها بالقطع و لا بطريق نقطع عن السمع بقيامه بالخصوص أو قيام طريقه كذلك مقام القطع و لو بعد تعذره، فلا ريب أن الوظيفة في مثل ذلك بحكم العقل إنما هو الرجوع في تعيين تلك الطرق إلى الظن الفعلي الذي لا دليل على عدم حجيته، لأنّه أقرب إلى العلم و إلى إصابة الواقع مما عداه»(1).
و فيه أولا: إمكان منع نصب الشارع طرقا خاصة للأحكام الواقعية وافية (1)
الشرح
التّكليف الفعليّ مؤديات الطّرق، و دعوى الرّجوع إليه عند التّمكن من تحصيله و لو ظنّا دون ما لم يتمكّن من تحصيله، فإنّ التّكليف حينئذ بنفس الواقع كما ترى.
(1) لما كان المدّعى نصب الشّارع طرقا مخصوصة بمعنى جعله لها في مقابل الإمضاء و التّقرير بحيث يوجب رجوع الجعلين بالتّقريب الّذي عرفت إلى جعل واحد، فلا محالة يلزم عليه إثبات أمور:
أحدها: الجعل و النّصب بالمعنى الّذي عرفت.
ثانيها: كفاية ما جعله و وفاؤه بأغلب الأحكام الفرعيّة، ضرورة أنّ مطلق العلم بالجعل لا يجدي في صرف التّكليف عن جميع الواقعيّات إلى مؤدّيات الطّرق.
ثالثها: عدم كون المجعول معلوما بالتّفضيل لنا و إلاّ لم يكن معنى الرّجوع إلى الظّن في تشخيصه و عدم التّمكن من تحصيله بالطّرق المقرّرة الخاصّة لتشخيصها
1) الفصول الغرويّة: ص 275.
........
الشرح
و لو من جهة عدم العلم بها كما هو المصرّح به في كلامه، ضرورة أنّه لا معنى للرّجوع إلى مطلق الظّن في تعيين الطّريق مع فرض انفتاح باب الظّن الخاصّ في هذه المسألة كما هو الشّأن في كلّ ما يرجع فيه إلى الظّن المطلق.
رابعها: إثبات كون المجعول الكافي المعلوم بالإجمال موجودا فيما بأيدينا من الأمارات المحتملة للجعل، و إلاّ لم يعقل الحكم بصرف التّكليف من الواقعيّات الّتي فرض العلم ببقاء التّكليف بالنّسبة إليها إلى مؤدّيات طرق غير موجودة فيما بأيدينا، فإذا لزم عليه إثبات الأمور المذكورة من حيث كونه مستدلا و مثبتا فلا محالة يكفي في ردّ دليله احتمال عدم الجعل بالمعنى المبحوث عنه و إمضائه للرّجوع إلى الطّرق العقلائية المقرّرة في باب إطاعة مطلق الأوامر الصّادرة من الموالي بالنّسبة إلى العبيد مع القطع بعدم جعل طريق من المولى من الأخذ بما يمكن تحصيله من الطّرق العلميّة أو الاحتياط في تحصيل الواقع أو الرّجوع إلى الظّن الاطمئناني في تحصيله الّذي اختار بعض مشايخنا في شرحه على الشّرائع كونه في مرتبة العلم مطلقا، بل كونه من أفراده الحقيقي أو الادّعائي كما احتمله في الكتاب و إن لم يكن مفيدا فيما يترتّب على الموضوع المعلوم فضلا عمّا يترتّب على الواقع إلاّ فيما انسدّ فيه باب العلم فإنّه مقدّم على مطلق الظّن عند العقل و العقلاء، كما ستقف على تفصيل القول فيه في الأمر الثّاني من التّنبيهات كما عرفت بعض الكلام فيه في مسألة حجيّة الخبر بالخصوص سيّما فيما أفاده شيخنا قدس سره عند الجمع بين كلامي السيّد و الشّيخ قدس سرهما أو مطلق الظّن الفعلي أو الشأني أو الاحتمالي كلّ في محلّ، فاحتمال ما ذكر مانع من الاستدلال.
هذا مع أنّه يمكن الاستدلال لعدمه بما أفاده قدس سره في الكتاب بقوله:
(كيف و إلاّ كان وضوح تلك الطّرق) إلخ و المناقشة فيه بأنّ الحاجة و إن فرضت كثرتها لكلّ مكلّف لا يلازم عدم الاختفاء، و إلاّ لم يختف المرجع بعد النّبي صلى
بها، كيف و إلاّ لكان وضوح تلك الطرق كالشمس في رابعة النهار لتوفر الدواعي بين المسلمين على ضبطها لاحتياج كل مكلف إلى معرفتها أكثر من حاجته إلى معرفة صلواته الخمس.
و احتمال اختفائها مع ذلك لعروض دواعي الاختفاء، إذ ليس الحاجة إلى معرفة الطريق أكثر من الحاجة إلى معرفة المرجع بعد النبي صلى اللّه عليه و آله مدفوع بالفرق بينهما كما لا يخفى.
و كيف كان فيكفي في ردّ الاستدلال احتمال عدم نصب الطريق الخاص للأحكام و إرجاع امتثالها إلى ما يحكم به العقلاء و جرى عليه ديدنهم في امتثال أحكام الملوك و الموالي مع العلم بعدم نصب الطريق الخاص للأحكام من الرجوع إلى العلم الحاصل من تواتر النقل عن صاحب الحكم أو باجتماع جماعة من أصحابه على عمل خاص أو الرجوع إلى الظن الاطمئناني الذي يسكن إليه النفس و يطلق عليه العلم عرفا و لو تسامحا في إلقاء احتمال الخلاف و هو الذي يحتمل حمل كلام السيد عليه حيث ادعى انفتاح باب العلم هذا حال المجتهد (1).
الشرح
اللّه عليه و آله و لم يقع الخلاف فيه كما ترى لوضوح الفرق بين المقامين من جهة وجود دواعي اختفاء المرجع بعد النّبي صلّى اللّه عليه و آله من طلب الرّئاسة الكليّة الإلهيّة أو الخلقيّة و غيره، و هذا بخلاف الطّرق المجعولة، فإنّه لا داعي لاختفائها، فالفرق ظاهر، فلا يجوز قياس حال أحدهما بالآخر فتأمّل.
(1) ما أفاده قدس سره مبني على ما عرفت من اعتبار كون المجعول معلوما بالإجمال، و إلاّ لم يكن مفيدا في إثبات حجيّة الظّن في تعيين الطّريق كما أنّ الأمر كذلك على تقدير قيام الطّريق الخاصّ على تعيينه، و من هنا اعتبر المستدلّ قدس سره انتفاءه، و من هنا يظهر عدم الجدوى فيما يحكم بحجيّته قطعا من
و أمّا المقلد فلا كلام في نصب الطريق الخاص له و هو فتوى مجتهده مع احتمال عدم النصب في حقه أيضا فيكون رجوعه إلى المجتهد من باب الرجوع إلى أهل الخبرة المركوز في أذهان جميع العقلاء، و يكون بعض ما ورد من الشارع في هذا الباب تقريرا لهم لا تأسيسا.
و بالجملة فمن المحتمل قريبا إحالة الشارع للعباد في طريق امتثال الأحكام إلى ما هو المتعارف بينهم في امتثال أحكامهم العرفية من الرجوع إلى العلم أو الظن الاطمئناني.
فإذا فقدا تعين الرجوع أيضا بحكم العقلاء إلى الظن الغير الاطمئناني كما أنّه لو فقد و العياذ باللّه الأمارات المفيدة لمطلق الظن لتعين الامتثال بأخذ أحد طرفي الاحتمال فرارا عن المخالفة القطعية و الإعراض عن التكاليف الإلهية، فظهر مما ذكرنا اندفاع ما يقال (1): من أن منع نصب الطريق لا يجامع القول
الشرح
الظّنون الخاصّة كظواهر الألفاظ و الأصول الشرعيّة إذا كان مرجع اعتبارها إلى الجعل لا الإمضاء في إثبات مقصود المستدلّ أصلا.
(1) لما كان مجرّد احتمال عدم الجعل كافيا في إبطال الاستدلال المذكور على ما عرفت بيانه، فلا بدّ للمستدلّ من إقامة الدّليل على الجعل على سبيل الإجمال من العقل أو النّقل، و ليس في العقل ما يتوهّم اقتضاؤه لما ذكر، إلاّ حكمه بقبح التكليف مع عدم نصب الطّريق الممنوع بما أفاده بقوله قدس سره توضيح الاندفاع أنّ التكليف إلى آخره و في النّقل ما يتوهّم دلالته عليه، إلاّ الإجماع الّذي أشار إليه بقوله: (و ربّما يستشهد للعلم الإجمالي) إلخ و يستفاد الاستدلال به ممّا عرفت نقله من كلام المستدلّ المندفع بما أفاده قدّس سرّه في فساده من الوجهين:
بقوله: (و هو ممنوع أوّلا) إلى آخره الرّاجعين عند التّحقيق إلى منع تحقّق الإجماع إمّا من جهة ذهاب جماعة إلى الاقتصار على الأدلّة العلميّة في الشّرعيّات كما هو
ببقاء الأحكام الواقعية، إذ بقاء التكليف من دون نصب طريق إليها ظاهر البطلان.
توضيح الاندفاع أن التكليف إنما يقبح مع عدم ثبوت الطريق رأسا و لو بحكم العقل الحاكم بالعمل بالظن مع عدم الطريق الخاص، أو مع ثبوته و عدم رضاء الشارع بسلوكه، و إلاّ فلا يقبح التكليف مع عدم الطريق الخاص و حكم العقل بمطلق الظن و رضاء الشارع به، و لهذا اعترف هذا المستدل على أن الشارع لم ينصب طريقا خاصا يرجع إليه عند انسداد باب العلم في تعيين الطرق الخاصة الشرعية مع بقاء التكليف بها.
و ربّما يستشهد للعلم الإجمالي بنصب الطريق بأن المعلوم من سيرة العلماء في استنباطهم هو اتفاقهم على طريق خاص و إن اختلفوا في تعيينه.
و هو ممنوع أولا: بأن جماعة من أصحابنا كالسيد رحمه اللّه و بعض من تقدم عليه و تأخر عنه منعوا نصب الطريق الخاص رأسا، بل أحاله بعضهم.
و ثانيا: لو أغمضنا عن مخالفة السيد و أتباعه لكن مجرد قول كل من العلماء بحجية طريق خاص حسب ما أدى إليه نظره لا يوجب العلم الإجمالي بأن بعض هذه الطرق منصوبة لجواز خطإ كل واحد فيما أدى إليه نظره، و اختلاف الفتاوى في الخصوصيات، لا يكشف عن تحقق القدر المشترك، إلاّ إذا كان اختلافهم راجعا إلى التعيين على وجه ينبئ عن اتفاقهم
الشرح
مرجع وجه الأوّل، و إمّا من جهة أنّ الاختلاف بنفسه، لا يكون إجماعا، و إنما يكون كاشفا عنه إذا كان راجعا إلى التّعيين بحيث لو فرض خطأ بعض المختلفين فيما ذهب إليه من المختار الخاص لالتزم بمقالة غيره تفصيلا أو إجمالا، و إلاّ لم يكن مجرّد الاختلاف مجديا في الإجماع على القدر المشترك، و إلاّ لم تر الأقوال في المسألة على اثنين دائما و الملازمة ظاهرة كبطلان التّالي، بل هو أظهر كما لا يخفى.
على قدر مشترك نظير الأخبار المختلفة في الوقائع المختلفة، فإنّها لا توجب تواتر القدر المشترك إلاّ إذا علم من أخبارهم كون الاختلاف راجعا إلى التعيين، و قد حقق ذلك في باب التواتر الإجمالي و الإجماع المركب، و ربّما يجعل تحقق الإجماع (1) على المنع عن العمل بالقياس و شبهه و لو مع انسداد باب العلم كاشفا عن أن المرجع إنما هو طريق خاص.
و ينتقض أولا: بأنه مستلزم لكون المرجع في تعيين الطريق أيضا طريقا خاصا للإجماع على المنع عن العمل فيه بالقياس.
و يحلّ ثانيا: بأن مرجع هذا إلى الإشكال الآتي في خروج القياس عن مقتضى دليل الانسداد، فيدفع بأحد الوجوه الآتية.
فإن قلت: ثبوت الطريق (2) إجمالا مما لا مجال لإنكاره، حتى على مذهب
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ ما أفاده أيضا راجع إلى الاستدلال على وجود الحجّة الكافية المجهولة بين الأمارات من حيث إنّ المنع عن العمل بجملة من الأمارات، حتّى في زمان الانسداد يكشف بحكم العقل عن أنّ المرجع بحكم الشّارع غيرها، و لا يمكن أن يكون مطلق الظّن بالحكم كما يحكم به العقل في زعم القائل بحجيّة مطلق الظّن، و إلاّ لم يعقل التّخصيص، فلا بدّ أن يكون المرجع أمورا خاصّة كما هو ظاهر و مثل الاستدلال بالإجماع المذكور على وجود الحجّة الشّرعيّة الكافية بين الأمارات الاستدلال عليه بما دلّ من الأخبار العامّة لزماني الانسداد و الانفتاح على حرمة العمل بالقياس بالتّقريب المذكور و لمّا كان مرجع الاستدلال إلى ملاحظة المقدّمة المذكورة، لا محالة فأجاب قدس سره عنه بالوجهين من النّقض و الحلّ.
(2) مرجع السّؤال المذكور بعد منع تحقّق الإجماع على وجود الحجّة الكافية المردّدة على ما عرفت إلى وضوح تحقّقه، و فساد المنع المذكور بعد ملاحظة
من يقول بالظن المطلق، فإنّ غاية الأمر أنه يجعل مطلق الظن طريقا عقليا رضي به الشارع فنصب الشارع للطريق بالمعنى الأعم من الجعل و التقرير معلوم.
قلت: هذه مغالطة فإن مطلق الظن ليس طريقا في عرض الطرق المجعولة حتى يتردد الأمر بين كون الطريق هو مطلق الظن أو طريقا آخر مجعولا، بل الطريق العقلي بالنسبة إلى الطريق الجعلي كالأصل بالنسبة إلى الدليل إن
الشرح
كون الخاصّة مختلفين بين قولين:
منهم: من يقول بحجيّة الظّنون الخاصّة و هم الأكثرون.
و منهم، من يقول بحجيّة الظّن المطلق.
فوجود الطّريق إجمالا ممّا اتّفق عليه الكلّ و يرد عليه مضافا إلى ابتنائه على عدم قدح مخالفة القائلين بالانفتاح، و إلى الإغماض عن كون مطلق الاختلاف غير كاشف عن وجود القدر المشترك، و إلى الإغماض عن أنّ المدعى على ما عرفت وجود الحجّة الشّرعيّة بين الأمارات، لا الأعمّ منه و ممّا أمضاه الشّارع من الحجّة العقليّة.
أوّلا: بما أفاده في الكتاب من أنّ الدّوران و التردّد في المقام غير معقول بعد فرض كون المانع عن حكم العقل هو العلم بجعل الشّارع للأمارات و ثبوته عند العقل، لا مجرّد احتماله على ما عرفت مرارا.
و ثانيا: أنّ نتيجة الدّوران المذكور على تقدير الإغماض هو عدم العلم بوجود الحجّة الكافية الشّرعيّة بين الأمارات لا العلم بوجودها الّذي ادّعاه الخصم، فأين المعلوم بالإجمال الشّرعي أي الحكم الشّرعي لا الأصولي، حتّى ينقلب التّكليف إليه و يجب تعيينه بالظّن المطلق بعد فرض انتفاء العلم و الظّنون الخاصّة في تعيين الطّريق المجعول إلى غير ذلك ممّا يرد عليه من الإيرادات الواضحة عند المتأمّل.
وجد الطريق الجعلي لم يحكم العقل بكون الظن طريقا، لأنّ الظن بالواقع لا يعمل به في مقابلة القطع ببراءة الذمة و إن لم يوجد كان طريقا، لأنّ احتمال البراءة لسلوك الطريق المحتمل، لا يلتفت إليه مع الظن بالواقع، فمجرد عدم ثبوت الطريق الجعلي كما في ما نحن فيه كاف في حكم العقل بكون مطلق الظن طريقا، و على كل حال فتردد الأمر بين مطلق الظن و طريق خاص آخر مما لا معنى له.
و ثانيا: سلمنا نصب الطريق لكن بقاء ذلك الطريق لنا غير معلوم بيان ذلك أن ما حكم بطريقيته لعله قسم من الأخبار ليس منه بأيدينا اليوم، إلاّ قليل كأن يكون الطريق المنصوب هو الخبر المفيد للاطمئنان الفعلي بالصدور، الذي كان كثيرا في الزمان السابق لكثرة القرائن، و لا ريب في ندرة هذا القسم في هذا الزمان، أو خبر العادل، أو الثقة الثابت عدالته، أو وثاقته بالقطع أو البينة الشرعية، أو الشياع مع إفادته الظن الفعلي بالحكم.
و يمكن دعوى ندرة هذا القسم في هذا الزمان، إذ غاية الأمر أن نجد الراوي في الكتب الرجالية محكي التعديل بوسائط عديدة من مثل الكشي و النجاشي و غيرهما، و من المعلوم أن مثل هذا لا تعد بينة شرعية (1)، و لذا لا
الشرح
(1) الوجه فيما أفاده قدس سره مضافا إلى رجوع أكثر التّعديلات إلى الاجتهاد و الخبر الحدسي أنّ البيّنة الشّرعيّة من مقولة الخبر و الكتب ليس خبرا، و من هنا لا يعمل به في المرافعات، إلاّ فيما فرض كشفه وجه القطع و لو من جهة القرائن عن تحقّق مفاده و دعوى حجيّة الخبر المذكور المعدّل بالتعديلات الكتبيّة في الأحكام الشّرعيّة من جهة توافق جميع المختلفين في حجيّة أقسام الخبر على العمل به و إن لم يكن الكتب بيّنة شرعيّة، حتّى يستدلّ على اعتبارها بما دلّ على حجيّة البيّنة ضعيفة بمنع تحقق الإجماع العملي الكاشف عن تقرير المعصوم عليه
يقبل مثله في الحقوق و دعوى حجية مثل ذلك بالإجماع ممنوعة، بل المسلم أن الخبر المعدل بمثل هذا حجة بالاتفاق، لكن قد عرفت سابقا عند تقرير الإجماع على حجية خبر الواحد أن مثل هذا الاتفاق العملي لا يجدي في الكشف عن قول الحجة، مع أنّ مثل هذا الخبر في غاية القلة خصوصا إذا انضم إليه إفادة الظن الفعلي.
و ثالثا: سلمنا نصب الطريق (1) و وجوده في جملة ما بأيدينا من الطرق الظنية من أقسام الخبر و الإجماع المنقول و الشهرة و ظهور الإجماع و الاستقراء و الأولوية الظنية، إلاّ أن اللازم من ذلك هو الأخذ بما هو المتيقن من هذه،
الشرح
السلام، أو الكاشف عن الإجماع القولي من حيث كشف عمل العلماء عن آرائهم في المسألة و إن كان اتّفاقهم على العمل به مسلّما نظرا إلى ما عرفت في طي كلماته السّابقة من لزوم إحراز عنوان فعل المتّفقين و القطع بتحقّقه عندنا، حيث إنّ الفعل مجمل ملتبس من الجهة الّتي يقع عليها هذا، و لكنّك عرفت فيما سبق أنّ ما أفاده مسلّم مفهوما، لكنّه غير نافع في المقام بعد فرض انتهاء عمل العاملين المختلفين في شرائط العمل بالأخبار إلى زمان الحجّة، هذا مضافا إلى أنّ منع كثرة الخبر المفيد للاطمئنان بالصّدور و لو من جهة القرائن الرّاجع إلى عدم كفاية المجعول و لو من جهة ندرته محلّ منع، فالأولى في الجواب منع أصل الاتفاق على العمل بالخبر المزبور المنتهى إلى زمان الحجّة.
(1) لا يخفى عليك أنّ ما أفاده قدس سره إنّما يستقيم فيما علم إجمالا بأنّ الشّارع قد جعل لنا الطّرق الكافية، فإذا انضمّ إليه تيقّن بعض الأمارات بالنّسبة إلى الجميع أو بالإضافة بمعنى كونه أولى بالاعتبار مع فرض كفايته، فيرتفع العلم الإجمالي بالجعل عن الباقي، فيرجع فيه إلى أصالة الحرمة، إلاّ إذا فرض العلم بجعل ما يزيد على الكفاية و أنّى له بإثباته فتدبّر.
فإنّ و فى بغالب الأحكام اقتصر عليه، و إلاّ فالمتيقن من الباقي مثلا الخبر الصحيح و الإجماع المنقول متيقن بالنسبة إلى الشهرة و ما بعدها من الأمارات، إذ لم يقل أحد بحجية الشهرة و ما بعدها دون الخبر الصحيح و الإجماع المنقول، فلا معنى لتعيين الطريق بالظن بعد وجود القدر المتيقن و وجوب الرجوع في المشكوك إلى أصالة حرمة العمل، نعم لو احتيج إلى العمل بإحدى أمارتين و احتمل نصب كل منهما صح تعيينه بالظن بعد الإغماض عمّا سيجيء من الجواب.
و رابعا: سلمنا عدم وجود القدر المتيقن، لكن اللازم من ذلك وجوب الاحتياط، لأنّه مقدم على العمل بالظن لما عرفت من تقديم الامتثال العلمي على الظني، اللهم إلاّ أن يدلّ دليل على عدم وجوبه و هو في المقام مفقود (1).
و دعوى أن الأمر دائر بين الواجب و الحرام، لأنّ العمل بما ليس طريقا حرام مدفوعة بأن العمل بما ليس طريقا إذا لم يكن على وجه التشريع غير محرم و العمل بكل ما يحتمل الطريقية رجاء أن يكون هذا هو الطريق لا
الشرح
(1) فقد الدّليل على عدم وجوب الاحتياط في المقام ظاهر، لأنّ شيئا من الوجوه الثّلاثة المقتضية بطلانه عند اشتباه الحكم الشّرعيّ الفرعي في صورة انسداد باب العلم في معظم المسائل الفقهيّة من الإجماع و قبح ما يوجب الاختلال و دليل نفي الحرج لا يقتضيه عند اشتباه الحكم الشّرعي الأصولي، أمّا الأوّل:
فظاهر، و أمّا الثّاني و الثّالث: فلأنّ الاحتياط في المقام يوجب التّوسعة على المكلّف لا الضيق عليه، ضرورة أنّ أكثر الأمارات ينتفي التّكليف و لا يثبته، اللّهم إلاّ أن يقال إنّ مقتضى الدّليل هو وجوب العمل بما يوجب الإلزام على المكلّف، لا بالأعمّ منه و ما ينفيه، لكنّه فاسد من جهة أنّ المستدلّ لم يأخذه في عنوان مختاره و لم يعتبره شرطا فيه فتدبّر.
حرمة فيه جهة التشريع، نعم قد عرفت أن حرمته مع عدم قصد التشريع إنّما هي من جهة أن فيه طرحا للأصول المعتبرة من دون حجة شرعية.
و هذا أيضا غير لازم في المقام، لأنّ مورد العمل بالطريق المحتمل إن كان الأصول على طبقه، فلا مخالفة و إن كان مخالفا للأصول، فإنّ كان مخالفا للاستصحاب النافي للتكليف، فلا إشكال لعدم حجية الاستصحابات بعد العلم الإجمالي بأن بعض الأمارات الموجودة على خلافها معتبرة عند الشارع و إن كان مخالفا للاحتياط، فحينئذ يعمل بالاحتياط في المسألة الفرعية، و كذا لو كان مخالفا للاستصحاب المثبت للتكليف (1).
الشرح
(1) العبارة محتملة لوجهين:
أحدهما: أنّه يحتاط في العمل بالاستصحابات المثبتة كما يكشف عنه قوله بعد لك، فالعمل مطلقا على الاحتياط نظرا إلى جريان ما لم يقم أمارة معتبرة في الواقع على خلافه، فيحتاط في العمل بالحكم الظّاهري على ما عرفت من احتماله في بعض كلماته السّابقة في طيّ المقدّمات.
ثانيهما: جريان جميع الاستصحابات المثبتة نظرا إلى عدم المانع من جريانها أصلا لعدم لزوم المخالفة العمليّة القطعيّة من العمل بها أصلا، لا من جهة الخطابات الواقعيّة، و لا من جهة الخطابات الظّاهريّة و المخالفة الالتزاميّة، بل يمكن أن يقال إنّ العلم الإجمالي بجعل الأمارات، لا يوجب الاحتياط في الحكم الظّاهري بالنّسبة إلى الأمارات النّافية للتّكليف فيما لم يكن في مقابلها أصل مقتض للتّكليف، فضلا عمّا إذا كان، و قد عرفت كونه وجها في كلامه السّابق في طيّ المقدّمات و الأخذ بالاستصحابات المثبتة على هذا الوجه و إن لم يكن بعنوان الاحتياط، و يختلفان بحسب الآثار و الأحكام، إلاّ أنّه مثله في الحكم المقصود منه في المقام فالمراد من قوله: (فالعمل مطلقا على الاحتياط) هو رعاية جانب احتمال
فحاصل الأمر يرجع إلى العمل بالاحتياط في المسألة الأصولية أعني نصب الطريق إذا لم يعارضه الاحتياط في المسألة الفرعية، فالعمل مطلقا على الاحتياط (1)، اللهم إلاّ أن يقال إنه يلزم الحرج من الاحتياط في موارد جريان الاحتياط في نفس المسألة كالشك في الجزئية، و في موارد الاستصحابات المثبتة للتكليف و النافية له بعد العلم الإجمالي بوجوب العمل في بعضها على خلاف الحالة السابقة، إذ يصير حينئذ كالشبهة المحصورة فتأمل (2).
الشرح
التّكليف و لو لم يكن بعنوان الاحتياط و ما يتوهّم من أنّ لازم انقلاب التّكليف إلى مؤدّيات الطّرق إلقاء الأصول المقتضية للاحتياط، و الإلزام في المسألة الفرعيّة فاسد، لأنّ المراد منه ليس ما يرجع إلى التّصويب، بل إلى ما ذكرنا في المراد منه سابقا فتأمّلت.
ثمّ إنّه لا يخفى عليك أنّه قدس سره لم يستوف الأصول النّافية، فإنّها غير منحصرة في الاستصحابات النّافية ضرورة كون أصالة البراءة مغايرة للاستصحاب، فكان الأولى تبديل الاستصحاب النّافي للتّكليف في كلامه بالأصل النّافي للتّكليف و إن أمكن توجيه ما أفاده بأنّ الاستصحاب النّافي عنوان لمطلق الأصل النّافي.
(1) مراده من الاحتياط كما هو صريح كلامه أعمّ من الاحتياط في المسألة الفرعيّة و الأصوليّة، و دعوى إلقاء الاحتياط على هذا القول في المسألة الفرعيّة رأسا قد عرفت ما فيها.
(2) الوجه في أمره بالتّأمّل هو منع لزوم الحرج من الجمع بين الاحتياطين، إذ موارد مخالفة الاحتياط كثيرة، لأنّ موارد تطابق الأصول النّافية و الأمارات، لا يحتاط فيها، كما أنّه لا يحتاط فيها إذا لم يكن هناك أمارة أصلا و إرجاعه إلى التّأمل فيما أفاده بقوله إذ يصير حينئذ كالشّبهة المحصورة ضعيف جدّا كما هو ظاهر، إذ لا وجه لمنع إلحاق الشّبهة في المقام الّتي من الشّبهة الكثيرة في الكثير
و خامسا: سلّمنا العلم الإجمالي (1) بوجود الطريق المجعول و عدم المتيقن
الشرح
باعتبار كثرة المعلومات الإجماليّة في المشتبهات الكثيرة بالشّبهة المحصورة الممنوعة من الرّجوع إلى الأصول فيها حكما إن لم نقل بإلحاقها بها موضوعا، و كونها من مصاديقها من حيث إنّ المناط في الحصر و عدمه قلّة الاحتمالات المتعارضة المتباينة و كثرتها، لا مطلق القلّة و الكثرة كما ستقف على شرح القول فيه في الجزء الثّاني من الكتاب.
(1) الوجه فيما أفاده تسليما من عدم إيجاب العلم الإجمالي بنصب الطّرق الكافية الموجودة فيما بأيدينا من الأمارات، مع الإغماض عن وجوب الاحتياط تعيّن الرّجوع إلى مفاد الطّرق المجعولة بالمعنى المتوهّم للمستدلّ ما أسمعناك سابقا من أنّ حصر الحكم الفعلي في مؤدّيات الطّرق و إن كان من جهة دلالة نفس الطّرق عليه فهي ممنوعة جدّا، و لم يتوهمه متوهّم أيضا، بل لا يعقل دلالتها عليه كما هو ظاهر و إن كان من جهة دلالة دليل اعتبارها و وجوب العمل بها عليه من حيث ظهورها في الوجوب التّعييني فهي أشدّ منعا، ضرورة أنّه لا معنى لتعيين إيجاب العمل بالطّرق إلى الواقع في مقام التمكّن من تحصيل نفس الواقع نعم يمكن تعلّق الوجوب التّعييني بالعمل بالطّرق في موضوع الجهل ما دام موجودا كما يتعلّق الخطاب التّعييني بالتّمام ما دام المكلّف حاضرا، فيجوز له رفع الموضوع الموجب لرفع الحكم المتعيّن و إن كان من جهة دلالة العقل عليه من حيث إنّه يحكم بقبح المؤاخذة على مخالفة الواقع، الّتي أدّى إليها سلوك الطّرق المجعولة، فالواقع الّذي أدّى الطّريق إلى خلافه لا يؤاخذ على مخالفته، و هذا معنى كون الحكم الفعلي تابعا لمؤدّى الطّريق، ففيه أنّ المعذوريّة بالمعنى المذكور لا يقتضي، إلاّ ترخيص سلوك الطّرق المجعولة عند و إن كانت مخالفة للواقع في نفس الأمر لا عدم جواز تحصيل الواقع عند العقل و عدم القناعة به في رفع المؤاخذة.
........
الشرح
هذا فإن شئت قلت: إنّ لازم العلم الإجمالي بالخطابات الواقعيّة و الأحكام الشّرعيّة الإلزاميّة في حكم العقل تنجّزها عنده، غاية ما هناك كون سلوك الطّريق المجعول علما أو ظنّا عند العجز عن تحصيل العلم بالواقع و الطّريق موجبا لمعذوريّة المكلّف عند العقل عند المخالفة، كما أنّ العمل بالواقع علما أو ظنّا عند تماميّة مقدّمات الانسداد موجب للأمن من العقاب عند العقل، فغاية ما يتصوّر للظّن بالطّريق كونه في مرتبة الظّن بالواقع بناء على تقرير الحكومة فكيف يحكم بتقدّمه عليه و لا فرق فيما ذكرنا بين كون الطّريق المجعول مجعولا مطلقا حتّى عند التّمكن من تحصيل العلم التّفصيلي بالواقع فيسمّى عندهم بالظّن الخاصّ المطلق، فيجوز للمكلّف عند العقل الأخذ بمؤدّى الطّريق و القناعة به عن الواقع ما لم ينكشف الخطأ و إن جاز معه تحصيل الواقع علما أيضا، كما أنّه يجوز له من أوّل الأمر تحصيل العلم بالواقع، فيرتفع موضوع الطّريق المجعول في حقّ الجاهل بالواقع، فليس جواز الأمرين في حقّه من التّخيير الشّرعي الاصطلاحي و إن هو إلاّ نظير القول بجواز اختيار السّفر للحاضر الموجب لرفع موضوع التّمام، و هذا الّذي ذكرنا مراده قدس سره من التّخيير في قوله: (مثلا إذا فرضنا حجيّة الخبر مع الانفتاح تخيّر المكلّف) إلى آخره، لا ما يتوهّمه من لا خبرة له و بين كونه مجعولا عند العجز عن تحصيل الواقع، فيسمّى بالظّن الخاصّ المقيّد، فإنّ تقديم سلوكه على الظّن بالواقع إنما هو مع التّمكن من تحصيل العلم به من حيث إنّه موجب للقطع بمعذوريّة المكلّف في مخالفة الواقع و سقوطه عنه في مرحلة الظّاهر و الظّن بالواقع، لا يوجبه مع التّمكن من تحصيل الطّريق المذكور علما و إن أوجبه مع العجز عنه في حكم العقل كالظّن بالطّريق بناء على الحكومة.
ثمّ إنّه كما يتعيّن سلوك الطّريق المجعول بقسميه مع التمكن من تحصيل العلم به أو تحصيله من الطّرق الشّرعيّة المعتبرة بالخصوص في مقابل الظّن المطلق
........
الشرح
بالواقع، كذلك يتعيّن سلوكه في مقابل الاحتياط الكلّي بالنّسبة إلى الواقع أمّا على القول بتقديم الامتثال التّفصيلي المعتبر على الامتثال الإجمالي العلميّ على ما عرفت الكلام فيه في محلّه فواضح، و أمّا على القول بجواز الامتثال الإجمالي مع التمكّن من الامتثال التّفصيلي فلإيجابه الاختلال الّذي يحكم العقل بقبح تجويز ما يوجبه و الاحتياط الكلّي في الأحكام الشّرعيّة مع فرض انسداد باب العلم في أغلبها يوجب ذلك قطعا على ما عرفت الكلام فيه في طي المقدّمات، و منه يظهر أنّ ما ذكرنا في طي التّعليقة و ذكره شيخنا قدس سره في مطاوي كلماته من كون الامتثال العلمي الإجمالي ممّا يحكم العقل و النّقل بحسنه و رجحانه و جوازه، حتّى مع التّمكن من الامتثال العلمي التّفصيلي فضلا عن التّمكن من الامتثال الظّني التّفصيلي بالظّن الخاصّ فضلا عن الظّن المطلق، فإنّما هو بالنّظر إلى القضيّة الطبيعيّة و ملاحظته في نفسه و الأخذ به في الجملة لا في جميع الأحكام، فإنّه قبيح في حكم العقل من حيث استلزامه للقبح، فما ذكرنا مرارا و قرع سمعك من صحّة عمل المحتاط التّارك لطريقي الاجتهاد و التّقليد إنّما هو فيما إذا بني على الاحتياط في بعض الأحكام المثبتة، لا في جميعها.
نعم لو لم يبلغ الحرج اللاّزم من الاحتياط في جميع أحكام المشتبه حدّا يخلّ بنظام المعاش و المعاد لم يمنع تعسّره من جوازه و رجحانه و إن منع من إيجابه، لأنّ رفع ما يوجب العسر الغير البالغ حدّ الاختلال إنّما هو بحكم الشّرع فقط على ما عرفت مرارا في قبال من تخيّل كون رفعه عقليّا أيضا و الدّليل الشّرعي القائم عليه لا يدلّ إلاّ على أنّ الشّارع لم يوجب الأمر الحرجي على العباد، و من هنا حكمنا بصحّة الوضوء و الغسل و الصّوم و نحوها مع الحرج الّذي لا يحتمل عادة و حكمنا بفسادها مع لزوم الضّرر من فعلها على المكلّف، و منه يظهر أنّه لا يمنع تعسّره من إيجابه تخييرا أيضا، فلا يقال إنّه كيف يقصد الوضوء للصّلاة الواجبة فيما كان عسرا، مع أنّ الأمر الإيجابي يقتضي
و عدم وجوب الاحتياط، لكن نقول إن ذلك لا يوجب تعيين العمل بالظن في مسألة تعيين الطريق فقط، بل هو مجوز له، كما يجوز العمل بالظن في المسألة الفرعية.
و ذلك لأنّ الطريق المعلوم نصبه إجمالا إن كان منصوبا حتى حال انفتاح باب العلم، فيكون هو في عرض الواقع مبرئا للذمة بشرط العلم به كالواقع المعلوم مثلا إذا فرضنا حجية الخبر مع الانفتاح تخير المكلف بين امتثال ما علم كونه حكما واقعيا بتحصيل العلم به و بين امتثال مؤدى الطريق المجعول الذي علم جعله بمنزلة الواقع، فكل من الواقع و مؤدى الطريق مبرئ مع العلم به، فإذا انسد باب العلم التفصيلي بأحدهما تعين الآخر و إذا انسد باب العلم التفصيلي بهما تعين العمل فيهما بالظن، فلا فرق بين الظن بالواقع و الظن بمؤدى الطريق في كون كل واحد منهما امتثالا ظنيا.
و إن كان ذلك الطريق منصوبا عند انسداد باب العلم بالواقع، فنقول: إن تقديمه حينئذ على العمل بالظن إنما هو مع العلم به و تمييزه عن غيره إذ حينئذ يحكم العقل بعدم جواز العمل بمطلق الظن مع وجود هذا الطريق المعلوم، إذ فيه عدول عن الامتثال القطعي إلى الظني، فكذا مع العلم الإجمالي بناء على أن الامتثال التفصيلي مقدم على الإجمالي، أو لأنّ الاحتياط يوجب الحرج المؤدي إلى الاختلال.
الشرح
إيجاب مقدّماته، فإنّا نلتزم في موارد تعسّر الطّهارة المائيّة بالتّخيير بينها و الطّهارة التّرابية، فالمقدّمة حقيقة كلّ منهما تخييرا لا تعيينا، فلا ينافي إيجاب الصّلاة تعيينا عدم إيجاب الطّهارة المائيّة تعيينا فتأمّل، و ممّا ذكرنا كلّه يظهر لك المراد من قول شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره في الكتاب، و كذا مع العلم الإجمالي إلى آخره و إن كانت العبارة لا تخلو عن شيء بحسب العطف مع وضوح المراد منه.
أمّا مع انسداد باب العلم بهذا الطريق و عدم تميزه عن غيره، إلاّ بإعمال مطلق الظن، فالعقل لا يحكم بتقديم إحراز الطريق بمطلق الظن على إحراز الواقع بمطلق الظن.
و كأن المستدل توهم أن مجرد نصب الطريق (1) و لو مع عروض الاشتباه
الشرح
(1) لا يخفى عليك ما في التّعبير المذكور، فإنّ كلام المستدلّ صريح في أنّ نصب الطّريق و لو عرض فيه الاشتباه موجب لصرف التّكليف الفعلي إلى مؤدّاه و لا يحتمل غير ذلك، و قد بنى عليه الأمر يقينا و هو من مقدّمات مطلبه جزما، فلا يحسن التّعبير بكأنّ و إن أوضحنا و أوضح قدس سره فساده بما لا مزيد عليه و أنّه لا يلزم من نصب الطّرق الخاصّة إلى الأحكام الواقعيّة، إلاّ جواز اكتفاء المكلّف بسلوكها عن تحصيل الواقع و معذوريّة سالكها في حكم العقل على تقدير الخطإ لا رفع اليد عن الواقع الّذي نصب لأجله الأمارة بحيث لا يجوز تحصيله مع نصب الأمارة، و انقلاب التّكليف الفعلي إلى مؤدّاها، كما زعمه المستدلّ هذا مضافا إلى أنّ ما توهّمه إنما يستقيم على تقدير الإغماض عمّا ذكرنا عليه فيما كان المجعول نوعا واحدا من الأمارات، فيتوهّم انقلاب التّكليف الفعلي إلى مؤدّاه و عدم تعلّق إرادة الفعليّة من الشّارع بالواقع الّذي لم يقم عليه، لا ما إذا كان أنواعا مختلفة متعدّدة و دعوى كون المحصّل من مجموع الأدلّة القائمة على جعلها عدم إرادة ما لم يقم عليه واحد منها شطط من الكلام فتأمّل، مضافا إلى أنّ لازم ما توهمه لغويّة اعتبار الأصول و الرّجوع إليها في مجاريها حتّى أصالة البراءة، بل عدم اعتبار ما قام من الأمارات المظنون اعتبارها على غير الأحكام الإلزاميّة، اللّهم إلاّ أن يعتبر الشّأنيّة و الفعليّة بالنّسبة إلى جميع الأحكام حتّى الإباحة و هو كما ترى بمكان من الضّعف و السّقوط، كما أنّ لازمه عدم اعتبار ما قام منها على الأحكام الوضعيّة، إلاّ إذا يترتّب عليها أحكام تكليفيّة إلزاميّة مضافا إلى أنّ لازمه عدم اعتبار الظّنّ
فيه موجب لصرف التكليف عن الواقع إلى العمل بمؤدى الطريق كما ينبئ عنه قوله، و حاصل القطعين إلى أمر واحد و هو التكليف الفعلي بالعمل بمؤديات الطرق، و سيأتي مزيد توضيح لاندفاع هذا التوهم إن شاء اللّه تعالى.
فإن قلت: نحن نرى أنه إذا عين الشارع طريقا للواقع عند انسداد باب العلم به، ثم انسد باب العلم بذلك الطريق كان البناء على العمل بالظن في الطريق دون نفس الواقع، أ لا ترى أن المقلد يعمل بالظن في تعيين المجتهد لا في نفس الحكم الواقعي و القاضي يعمل بالظن في تحصيل الطرق المنصوبة لقطع المرافعات، لا في تحصيل الحق الواقعي بين المتخاصمين.
قلت: فرق بين ما نحن فيه و بين المثالين (1)، فإنّ الظنون الحاصلة للمقلد
الشرح
بالأحكام الفرعيّة الواقعيّة مطلقا حتّى مع انسداد باب الظّنّ المطلق في الطّريق أو عدم كفاية ما ظنّ اعتباره، مع أنّه التزم بحجّية الظّن في الفروع على هذا التّقدير فيما عرفت من كلامه و الملازمة كبطلان اللّوازم ظاهرة، اللّهم إلاّ أن يتشبّث في التّعميم بالنّسبة إلى جميع ذلك بعدم القول بالفصل و هو كما ترى بمكان من الضعف، و الحاصل أنّ كلّ ما يزيد المنصف التّأمّل في هذا القول و لوازمه يزيد له التعجّب ممّن صار إليه مع كونهم من أفاضل الأعلام.
(1) الوجه في القيد الّذي اعتبره في التّعميم كنفس الفرق بين المثالين و المقام من الوجهين ممّا لا يكاد أن يخفى، فإنّ حال المثالين بعد ملاحظة الوجهين المذكورين حال القياس و شبهه ممّا قام الدّليل القطعي على عدم اعتباره بالخصوص، حتّى في زمان الانسداد و إن كان هناك فرق بين الوجهين من حيث خروج ظنّ العامي في الأحكام و القاضي في الموضوعات بالنّظر إلى الوجه الأوّل و هو كثرة مخالفتهما عن موضوع حكم العقل، حيث أنّ حكمه بحجيّة الظّن سواء تعلّق بالواقع أو بالطّريق إنما هو من حيث غلبة مطابقته للواقع و كشفه عنه فالعنوان
........
الشرح
في حكم العقل و الموضوع الأوّلي فيه هي غلبة المطابقة، لا الظّن من حيث إنّه ظن، و لذا لا يجوز العمل بما يكون غالب المخالفة من الظّنون في تعيين الطّريق كالقياس و شبهه باعتراف الخصم و عدم خروجها عنه في النّظر الأوّل على الوجه الثّاني حيث إنّ الإجماع على عدم حجيّة الظّن، لا على كثرة مخالفته، فإنّه ممّا لا يقبل قيام الإجماع عليه و إن لم يكن بدّ عن الالتزام بخروجهما عن الموضوع بجعل الإجماع على عدم الحجيّة كاشفا عنه على سبيل الإجماع كما يلتزم به فيما قام ممّا نهى عنه بالخصوص من جهة الإجماع و غيره على تشخيص الطّريق أيضا، فعلى ما ذكر يحكم بجواز عمل العامي مثلا بالظّن في الحكم الفرعي إذا حصل من الأمارات المضبوطة كالأمارات الّتي يعمل بها في تشخيص المرجع كما يحكم بجواز عمله بالظّن في تشخيص المجتهد بالنّظر إلى الوجه الأوّل و إن منع منه بالنّظر إلى الوجه الثّاني، فكما أنّ العامي الّذي يقدر على إعمال الظّنون الخاصّة في زمان الحضور يتخيّر بينه و بين التّقليد، كذلك يتخيّر بين إعمال الظّن في تشخيص الحكم و المرجع في زمان الانسداد إذا فرض حصوله من نوع واحد ممّا كان منضبطا من غير فرق بينهما، و إلى الفرق بين مقتضى الوجهين أشار بأمره بالتّأمل بعد إبداء الفرق في ظنّ القاضي بين ما يعمل به لتشخيص ميزان القضاء و فصل الخصومة الرّاجع إلى الظّن بالحكم الظّاهري الشّرعي، و ما يعمل به لتشخيص الحقّ بين قولي المتخاصمين في الموضوعات الخارجيّة و الوقائع الشّخصيّة دون ما يعمل به لتشخيص الحقّ في الوقائع الكلّيّة إذا كان التّرافع في الشّبهات الحكميّة، فإنّ الظّن به يرجع إلى الظّن بالحكم الفرعي الواقعي أو الظّاهري، الّذي لا مناص من القول بحجيّته في كلا القسمين على ما عرفت تحقيقه.
هذا كما أنّه يحكم بتعيّن إعماله الظّن في تشخيص الحكم الفرعي إذا حصل من أمارات مضبوطة مع قدرته على الفحص عمّا يعارضها مع عجزه عن إعمال مثلها في تعيين المرجع، أ لا ترى أنّهم حكموا بوجوب عمل العامي بالشّهرة في الأحكام الشّرعيّة
و القاضي في المثالين بالنسبة إلى نفس الواقع أمور غير مضبوطة كثيرة المخالفة للواقع مع قيام الإجماع على عدم جواز العمل بها كالقياس بخلاف ظنونهما المعمولة في تعيين الطريق، فإنّها حاصلة من أمارات منضبطة غالبة المطابقة لم يدلّ دليل بالخصوص على عدم جواز العمل بها.
فالمثال المطابق لما نحن فيه أن يكون الظنون المعمولة في تعيين الطريق بعينها هي المعمولة في تحصيل الواقع، لا يوجد بينهما فرق من جهة العلم الإجمالي بكثرة مخالفة إحداهما للواقع، و لا من جهة منع الشارع عن إحداهما بالخصوص كما أنا لو فرضنا أن الظنون المعمولة في نصب الطريق على العكس في المثالين كان المتعين العمل بالظن في نفس الواقع دون الطريق.
الشرح
إذا عجز عن تحصيل رأي المجتهد فيها، و ليس هذا إلاّ من جهة ما ذكرنا من عدم إلغاء الظّن بالحكم الفرعي في حقّه رأسا و اعتباره في حقّه في و إن كان المختار عندنا في هذه المسألة وجوب رجوعه إلى قول الأموات من المجتهدين في المسألة الّتي لا يجد فيها رأي الأحياء أو الأخذ بالاحتياط إذا لم يكن عسرا حسبما فصّلنا القول فيه في باب التّقليد خلافا لما اختاره شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره.
و ممّا ذكرنا كلّه يظهر لك المراد من قول شيخنا قدس سره لم يجب عليه العمل بالظّن في تعيين المجتهد، بل وجب عليه العمل بظنّه في تعيين الحكم الواقعي، فإنّ الوجوب المنفي في كلامه هو الوجوب التّعييني كما أنّ المثبت هو الوجوب التّخييري، لأنّ إرادة غير ما ذكرنا لا يجامع المفروض في كلامه.
نعم لو كان المفروض قبل هذا القول قدرة العامي على إعمال الأمارات المضبوطة في الأحكام و عجزه عن إعمالها في تعيين المرجع تعيّن حمل الوجوب المثبت على التّعيين و المنفي على أصل الوجوب مع عدم الجواز كما هو ظاهر فافهم.
فما ذكرنا من العمل على الظن سواء تعلق بالطريق أم بنفس الواقع، فإنّما هو مع مساواتهما من جميع الجهات، فإنّا لو فرضنا أن المقلد يقدر على إعمال نظير الظنون التي يعملها لتعيين المجتهد في الأحكام الشرعية مع قدرة الفحص عما يعارضها على الوجه المعتبر في العمل بالظن لم يجب عليه العمل بالظن في تعيين المجتهد، بل وجب عليه العمل بظنه في تعيين الحكم الواقعي، و كذا القاضي إذا شهد عنده عادل واحد بالحق لا يعمل به و إذا أخبره هذا العادل بعينه بطريق قطع هذه المخاصمة يأخذ به، فإنّما هو لأجل قدرته على الاجتهاد في مسألة الطريق بإعمال الظنون و بذل الجهد في المعارضات و دفعها بخلاف الظن بحقية أحد المتخاصمين، فإنّه مما يصعب الاجتهاد و بذل الوسع في فهم الحق من المتخاصمين لعدم انضباط الأمارات في الوقائع الشخصية و عدم قدرة المجتهد على الإحاطة بها حتى يأخذ بالأخرى.
و كما أن المقلد عاجز عن الاجتهاد في المسألة الكلية، كذلك القاضي عاجز عن الاجتهاد في الوقائع الشخصية فتأمل.
هذا مع إمكان أن يقال إن مسألة عمل القاضي بالظن (1) في الطريق مغايرة
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ ما أفاده قدس سره مجرّد إبداء احتمال، و لذا عبّر بالإمكان و قد حكي عن بعض القدماء المصير إليه في باب القضاء، و لأجله منع من قضاء القاضي بعلمه و إن جوّز عمله به، و إلاّ فالّذي يقتضيه الأدلّة و اختاره شيخنا قدس سره في باب القضاء و أكثر الفقهاء، بل ادّعى عليه الإجماع لزوم قضائه بعلمه، بل لا يعقل منعه بعد كونه مأمورا بالقضاء بالحقّ و القسط و تنزيل الأدلّة على خصوص القضاء في الشّبهات الحكميّة كما ترى، و لا ينافي ذلك ما دلّ على حصر القضاء من النّبي صلى اللّه عليه و آله بالبيّنة و الأيمان و كذا غيره ممّا دلّ على
........
الشرح
الحصر بقول مطلق، فإنّ المراد من الأوّل قضاء النّبي صلّى اللّه عليه و آله بالحقّ الواقعي على طبق البيّنة و اليمين كيف و جعل الحكم الظّاهري في حقّه غير معقول، و من الثّاني الحصر بالإضافة إلى غيرهما من الأمارات.
هذا و إن أردت شرح القول في ذلك فراجع إلى ما علّقناه في الكتاب في مسألة البحث عن العلم، فإنّا قد استوفينا الكلام فيما يتعلّق بالمقام نقضا و إبراما و إلى ما كتبناه في باب القضاء من الفقه، و قد ذكرنا هناك ما يدلّك على أنّ شرع القضاء بالموازين المقرّرة ليس على السّببيّة المحضة بحيث لم يلاحظ الطّريقيّة فيها أصلا و رأسا، بل على الطّريقيّة و الكشف النّوعي حتّى في مسألة القرعة كما يظهر من أخبارها مع أنّ عدم ملاحظة الكشف، لا يلازم إعراض الشّارع عن الواقع رأسا بحيث لو علم بخطاء البيّنة بالنّسبة إلى الواقع حكم بكونها حجّة غاية ما هناك كون اعتبارها من باب التعبّد الصّرف كاعتبار الأصول في مجاريها مثل الاستصحاب، و لا يلزم من اعتبارها على هذا الوجه إعراض الشّارع عن الواقع في مواردها بحيث يقيّد الواقع بها، حتّى يشبه التّصويب الّذي اتّفقت كلمة العامّة على بطلانه في الموضوعات، اللّهم إلاّ أن يكون مراده قدس سره من الإعراض عدم ملاحظة الطّريقيّة في جعلها، لا رفع اليد عن الواقع رأسا في مواردها فيرجع إلى ما ذكرنا من احتمال التعبّد في جعلها و يترتّب عليه ما أفاده من عدم التّسوية بين إعمال الأمارة في تشخيص الطّريق و إعمالها في تشخيص الواقع على هذا التّقدير أيضا، كما يترتّب على ما يقتضيه ظاهر العبارة في النّظر الأوّل و إن كان بينهما فرق في الوضوح و الخفاء من حيث التّرتب المذكور و اللاّزم المنظور، و منه يظهر أنّه يمكن الفرق بين المقام و عمل العامي بالتّقليد أيضا من حيث احتمال التّعبّد في حقّه، و هذا الوجه و إن كان فاسدا في التّقليد بل في باب القضاء، إلاّ أنّ احتماله يكفي مانعا عن قياس المقام به و لا بدّ من تنزيل عبارة الكتاب على هذا الوجه و إن
لمسألتنا من جهة أن الشارع لم يلاحظ الواقع في نصب الطريق و أعرض عنه و جعل مدار قطع الخصومة على الطرق التعبدية مثل الإقرار و البينة و اليمين و النكول و القرعة و شبهها، بخلاف الطرق المنصوبة للمجتهد على الأحكام (1) الواقعية، فإنّ الظاهر أن مبناها على الكشف الغالبي عن الواقع و وجه تخصيصها
الشرح
استلزم خلاف الظّاهر في بعض ألفاظها، و ببالي أنّه قدس سره يفسّر العبارة في مجلس البحث بذلك، فإنّ الوجه الأوّل ممّا لا يمكن الالتزام بلوازمه الفاسدة، نعم ترتيب ما أفاده قدس سره على الوجه الثّاني من عدم التّسوية بين الظّنين يحتاج إلى مزيد تأمّل، فإنّه يمكن أن يقال إنّ عدم ملاحظة الشّارع الطّريقيّة في جعل الأمارات إذا لم يوجب الإعراض عن الواقع كما هو المفروض، فأيّ مانع من الحكم بحجيّة الظّن في تشخيص الواقع كالظّنّ في تشخيص الطّريق الّذي فرض انسداد باب العلم به كالواقع و أيّ مزيّة للثّاني على الأوّل، غاية ما هناك ملاحظة الشّارع وجود مصلحة في أمره بسلوك الطّريق يتدارك به المصلحة الفائتة عند مخالفتها للواقع، و هذا المقدار لا يوجب رفع اليد عن الواقع رأسا، و إلاّ لزم الإعراض بالمعنى الأوّل الباطل كما هو المفروض فالإعراض بهذا المعنى، لا يلازم نفي التّسوية بين الظّنين فافهم.
(1) جعل الوجه في تخصيص الطّرق المنصوبة بالخصوص من بين الأمارات ما أفاده قدس سره فيما لو قيل باختصاص اعتبارها بزمان العجز عن تحصيل العلم في مواردها، فيصير من الظّنون الخاصّة المقيّدة بزمان الانسداد ممّا لا غبار فيه و لا شبهة تعتريه، و أمّا على القول بعموم اعتبارها لزمان الانفتاح و التّمكن من تحصيل العلم في موردها بالرّجوع إلى المعصوم عليه السلام، فيكون من الظّنون الخاصّة المطلقة كما هو الشّأن فيما بأيدينا من الظّنون الخاصّة، فقد يناقش فيه بأنّ مجرّد أغلبيّة الظّنون الخاصّة بالنّسبة إلى سائر الأمارات الملقاة عند الشّارع، لا يوجب
من بين سائر الأمارات كونها أغلب مطابقة للواقع و كون غيرها غير غالب المطابقة، بل غالب المخالفة كما ينبئ عنه ما ورد في العمل بالعقول في دين اللّه: «و أنه ليس شيء أبعد عن دين اللّه من عقول الرجال و أن ما يفسده أكثر مما يصلحه و أن الدين يمحق بالقياس»(1)، و نحو ذلك.
و لا ريب أن المقصود من نصب الطريق إذا كان غلبة الوصول إلى الواقع
الشرح
جعلها مع التّمكن من تحصيل العلم بالواقع، فإنّه يلزم منه فوت الواقع أحيانا مع التّمكن من تحصيله و هو قبيح على ما اعترف به شيخنا قدس سره أيضا فيما تقدّم من كلامه في ردّ ابن قبة قدس سره، فلا بدّ من أن يلتزم مضافا إلى الأغلبيّة بوجود مصلحة في أمر الشّارع بسلوكها يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع من العمل بها.
هذا و يمكن دفع المناقشة المذكورة بأنّ المصحّح لجعلها مع التّمكن من تحصيل العلم و إن كان ما ذكر من وجود ما يتدارك به مصلحة الواقع الفائتة من سلوكها، إلاّ أنّ شيخنا قدس سره لمّا اكتفى من المصلحة اللاّزمة بمجرّد تسهيل الأمر على المكلّفين حسبما عرفت منه فيما ساقه في ردّ ابن قبة و كان موجودا بالنّسبة إلى جميع الأمارات المعتبرة و غيرها من غير فرق بينهما، فلا محالة يكون المرجّح غير المصلحة المذكورة، و من هنا جعل الوجه في ترجيحها من بين سائر الأمارات الأغلبيّة المذكورة و إن كانت المصلحة المذكورة ملحوظة في جعلها، بل غير منفكّة عنها كما لا يخفى.
و إن شئت قلت: إن كلامه قدس سره في مقام إثبات ملاحظة الطّريقيّة في جعل الأمارات، لا في مقام حصر عنوان الجعل فيها، فلا ينافي ملاحظة الموضوعيّة و المصلحة فافهم.
1) وسائل الشيعة: ج 18، ص 149.
لخصوصية فيها من بين سائر الأمارات، ثمّ انسد باب العلم بذلك الطريق المنصوب و التجأ إلى إعمال سائر الأمارات التي لم يعتبرها الشارع في نفس الحكم لوجوب الأوفق منها بالواقع، فلا فرق بين إعمال هذه الأمارات في تعيين ذلك الطريق و بين إعمالها في نفس الحكم الواقعي، بل الظاهر أن إعمالها في نفس الواقع أولى لإحراز المصلحة الأولية التي هي أحق بالمراعاة من مصلحة نصب الطريق، فإنّ غاية ما في نصب الطريق من المصلحة ما به يتدارك المفسدة المترتبة على مخالفة الواقع اللازمة من العمل بذلك الطريق لا إدراك المصلحة الواقعية، و لهذا اتفق العقل و النقل على ترجيح الاحتياط على تحصيل الواقع بالطريق المنصوب في غير العبادات مما لا يعتبر فيه نية الوجه اتفاقا، بل الحق ذلك فيها أيضا كما مرت الإشارة إليه في إبطال وجوب.
فإن قلت: العمل بالظن في الطريق عمل بالظن في الامتثال الظاهري و الواقعي، لأنّ الفرض إفادة الطريق للظن بالواقع بخلاف غير ما ظن طريقيته، فإنّه ظن بالواقع و ليس ظنا بتحقق الامتثال في الظاهر، بل الامتثال الظاهري مشكوك أو موهوم بحسب احتمال اعتبار ذلك الظن.
قلت: أولا: إن هذا خروج عن الفرض، لأنّ مبنى الاستدلال المتقدم على وجوب العمل بالظن في الطريق و إن لم يكن الطريق مفيدا للظن به أصلا، نعم قد اتفق في الخارج أن الأمور التي (1) يعلم بوجود الطريق فيها إجمالا
الشرح
(1) عدم تعلّق السّؤال المذكور بكلام المستدل القائل بتخصيص اعتبار الظّن بالطّريق بمكان، لا يرتاب فيه أحد، فإنّه بعد مصيره إلى انقلاب التّكليف إلى مؤدّيات الطّرق الشّرعيّة و كونها المكلّف بها فعلا، فأيّ مدخليّة للظّن بالواقع عنده
مفيدة للظن شخصا أو نوعا، لا أنّ مناط الاستدلال اتباع الظن بالطريق المفيد للظن بالواقع.
و ثانيا: أن هذا يرجع إلى ترجيح بعض الأمارات (1) الظنية على بعض باعتبار
الشرح
حتّى يعتبره مرجّحا للأمارات الّتي ظنّ اعتبارها على ما لا يظن اعتباره من الأمارات القائمة على نفس الواقع و أمّا الاستدراك المذكور في كلام شيخنا قدس سره، فلو لا إلحاق كلمة شخصا أو نوعا لتوجّه عليه المنع ممّا ذكره بجملة ممّا ظنّ اعتباره بناء على ظهور الظّنّ في الظّن الشّخصيّ، مع أنّه بناء على التّعميم أيضا يمكن منعه بأنّ اعتبار الاستصحاب و نحوه من الأصول عنده من جهة الظّن باعتباره، مع أنّه غير مفيد للظّن شخصا و نوعا، اللّهم إلاّ أن يكون مراده من الأمور خصوص الأمارات فتأمّل، مضافا إلى أن التّعميم المذكور لا يلائم ما ذكره في الجواب الثّاني عن السّؤال، فإنّ نتيجة مقدّمات الانسداد سواء على الإطلاق أو الإهمال كما ستقف على شرح القول فيها هي حجيّة الظّن الشّخصي، لا الأعمّ منه و من النّوعي.
(1) رجوع ما ذكر في السّؤال من لزوم الأخذ بالجامع بين الامتثالين الظّنيين في حكم العقل دون أحدهما فقط، و ما يظنّ اعتباره جامع بينهما من بين الأمارات دون ما لم يظنّ إلى القول بحجيّة الظّن في المسألة الفرعيّة على الإهمال و الرّجوع في تعيينها إلى الظّن بالاعتبار من حيث كونه موجبا للظّن بتدارك الواقع على تقدير خطإ الأمارة أو لأقربيّة إدراك الواقع و بدله كما ستقف على شرح القول فيه فيما تعلّق على الأمر الثّاني ممّا لا يكاد أن يخفى، فلا تعلّق لهذا السّؤال بكلام المستدلّ أصلا، إذ مبناه كما عرفت على كون مدار تكليف العباد مؤدّى الأمارة الشّرعيّة و الطّرق المعتبرة و إن خالف الواقع لا الواقع من حيث هو، فإنّه غير مكلّف به فعلا فلا معنى لملاحظة الظّن المتعلّق به و لا الواقع و مؤدى الطّريق معا بحيث يكون
الظن باعتبار بعضها شرعا دون الآخر بعد الاعتراف بأن مؤدى دليل الانسداد حجية الظن بالواقع لا بالطريق.
و سيجيء الكلام في أن نتيجة دليل الانسداد على تقدير إفادته اعتبار الظن بنفس الحكم كلية بحيث لا يرجع بعض الظنون على بعض أو مهملة بحيث يجب الترجيح بين الظنون، ثمّ التعميم مع فقد المرجح.
و الاستدلال المذكور مبني على إنكار ذلك كله و أن دليل الانسداد جار في مسألة تعيين الطريق و هي المسألة الأصولية، لا في نفس الأحكام الواقعية الفرعية بناء منه على أن الأحكام الواقعية بعد نصب الطرق ليست مكلفا بها تكليفا فعليا، إلاّ بشرط قيام تلك الطرق عليها، فالمكلف به في الحقيقة مؤديات تلك الطرق، لا الأحكام الواقعية من حيث هي.
و قد عرفت مما ذكرنا أن نصب هذه الطرق ليس، إلاّ لأجل كشفها الغالبي عن الواقع و مطابقتها له، فإذا دار الأمر بين إعمال الظن في تعيينها أو في تعيين الواقع لم يكن رجحان للأول.
ثمّ إذا فرضنا (1) أن نصبها ليس لمجرد الكشف، بل لأجل مصلحة يتدارك
الشرح
مدار التّكليف على مؤدّى الطّريق المطابق للواقع، حتّى يعتبر الظّن بهما معا، ضرورة استحالة اعتبار هذا العنوان التّقييد كما هو واضح، و بالجملة لا ريب في كون السّؤال المذكور أجنبيّا عن كلام القائل باختصاص نتيجة المقدّمات بالظّن في المسألة الأصوليّة نظرا إلى ما عرفت من كلامه وجه فساده و ما ستعرفه.
(1) قد عرفت شرح القول في ذلك و أنّ مجرّد ملاحظة الشّارع المصلحة في أمره بسلوكه الأمارة الكاشفة عن الواقع مضافا إلى كشفها، لا يقتضي رفع اليد عن الواقع، بل غاية ما يلازمه تدارك ما فاتت من مصلحة الواقع من جهة سلوكها و أين هذا من إعراض الشّارع عن الواقع رأسا، بل قد أسمعناك في طيّ الكلام في أقسام
........
الشرح
جعل الطّريق أنّ هذا المقدار لا يلازم الإجزاء و القناعة عن امتثال الواقع بامتثال الطّريق فيما لو انكشف خطأ الطّريق في أثناء الوقت، بل بعد خروج الوقت أيضا في وجه عرفته هناك، بل أسمعناك عن قريب أنّه على تقدير القول بكون جعل الأمارات كالأصول من باب التّعبّد بحيث لم يلاحظ في جعلها كشفها عن الواقع و إن كانت كاشفة، لا يلازم إلقاء الواقع أو رفع اليد عنه حتّى يترتّب عليه عند انسداد باب العلم بالطّريق و الواقع تعيين إعمال الظّن بالطّريق كيف و رفع اليد عن الواقع واقعا مع وجود العلم الإجمالي به لا معنى له، و إن كان معقولا بإرادة رفع فعليّة الخطاب عند قيام الطّريق المجعول عليه ما لم ينكشف الخطاء بالبناء على كون مؤدّاه هو الواقع ما دامت الأمارة قائمة بمعنى القناعة عن امتثال الواقع ظاهرا بامتثال الطّريق من حيث البناء على كون مؤدّاها هو الواقع ما دامت قائمة، فيجوز مع قيامه امتثال نفس الواقع بتحصيل العلم به أو الاحتياط في تحصيله، كيف لا يكون كذلك مع أنّ الاكتفاء بسلوك الطّريق إنما هو من حيث البناء على كون مؤدّاه الواقع، لا رفعه واقعا و في نفس الأمر و لو بتقييده بحسب وجوده الواقعي بقيام الأمارة على ما يقتضيه ظاهر عبارة بعضهم الّذي هو نوع من التّصويب حقيقة، بل يمكن الالتزام بفساده مع القول بالتّصويب أيضا فإن القائل به إنما يجعل الواقع نفس ما اقتضته الأمارة، لا أن يجعل الأمارة قيدا للواقع واقعا كيف و الأمارة ليست في مرتبة الواقع حتّى يصحّ جعلها قيدا له، و منه يظهر فساد ما حكاه شيخنا قدس سره عن المحقّق المحشّي رحمه اللّه بقوله: (و بذلك ظهر ما في قول بعضهم إنّ التّسوية بين الظنّ بالواقع و الظّن بالطّريق) إلخ، إذ كما لا يمكن أن يكون التّكليف بالطّريق في عرض التّكليف بالواقع كالتّكليفين الواقعيّين كالتكليف بالصّلاة و الصّوم مثلا و إن كان مغايرا له كذلك لا يمكن أن يكون قيدا له، حيث أنّه ليس في مرتبة، بل هو عين التّكليف بالواقع بالجعل و البناء و إن كان غيره واقعا بمعنى
........
الشرح
آخر و من هنا يترتّب جميع آثار الواقع على مؤدّى الأمارات ما دامت قائمة.
هذا و الأولى نقل كلام الشّيخ المحقّق المحشّي قدس سره فيما يتعلّق بالمقام بتمامه أوّلا، ثمّ التّعرض لشرح ما يخطر بخاطري من المناقشة فيه بعد بيان مراده حسبما يظهر بنظري القاصر، لأنّ المقام حقيق بذلك قال قدس سره في ذيل التّقرير الثّاني لدليل الانسداد الّذي قرّره لإثبات حجيّة الظّن بالطّريق ما هذا لفظه: و يمكن الإيراد في المقام بأنّه كما انسدّ سبيل العلم بالطّريق المقرّر، كذلك سبيل العلم بالأحكام المقرّرة في الشّريعة، و كما ينتقل من العلم بالطّريق المقرّر بعد انسداد سبيله إلى الظّن به، فكذا ينتقل من العلم بالأحكام الشّرعيّة إلى ظنّها تنزلا من العلم إلى الظّن في المقامين لكون العلم طريقا قطعيّا إلى الأمرين فبعد انسداد طريقه يؤخذ بالظّن بهما، فغاية ما يستفاد إذا من الوجه المذكور كون الظّن بالطّريق حجّة أيضا كالظّن بالواقع، و لا يأبى عنه القائل بحجيّة مطلق الظن فيثبت ذلك مقصوده من حجيّة مطلق الظّن و إن أضيف إليه شيء آخر و يدفعه أنّ المطلوب لمّا كان أداء الواقع لكن من الطّريق الّذي قرّره الشّارع، فإنّ حصل العلم بذلك الطّريق و أدّاه كذلك فلا كلام، و كذا إن أدّاه على وجه يقطع معه بأداء الواقع فإنّ العلم طريق إليه قطعا، و أمّا إذا انسدّ سبيل العلم بالأمرين تعين الأخذ بالظّن بالطّريق دون الظّن بالواقع لأداء التّكليف المتعلّق بالطّريق بذلك و أداء الواقع به على حسب الطريق، و أما الأخذ بمطلق الظن بالواقع فليس فيه أداء التكليف المتعلق بالطريق لا علما و لا ظنّا و كون أداء الواقع على سبيل القطع أداء لما هو الواقع عن طريقه قطعا لا يستلزم أن يكون الظّن طريقا ظنيّا، إذ قد لا يكون أصلا، فليس في أدائه كذلك علم بأداء ما هو الواقع و لا بأدائه على الوجه المقرّر و إنما هو ظنّ بأداء الواقع لا غير، فلا يؤدّى به التّكليف المتعلّق بالطّريق مطلقا و يبقى الخروج عن عهدة التّكليف المتعلّق بالطّريق في محلّ الشّك، إذ لا يعلم و لا يظنّ بأداء التّكليف
........
الشرح
المتعلّق بالطّريق، فلا علم و لا ظنّ بأداء الفعل على الوجه الّذي قرّره الشّارع، و لا يمكن معه الحكم بالبراءة.
فإن قلت: إنّه كما قام الظّن بالطّريق مقام العلم به من جهة الانسداد، فأيّ مانع من قيام الظّن بالواقع مقام العلم بالواقع حينئذ، فإذا قام مقامه كان بمنزلة العلم بأداء الواقع، كما أنّ الظّن بالطّريق بمنزلة العلم به، فكما يحصل البراءة بالعلم مع انفتاح سبيله يحصل بالظّن أيضا مع انسداد سبيله.
قلت: لو كان أداء التّكليف المعلّق بكلّ من الفعل و الطّريق المقرّر مستقلا صحّ ذلك لقيام الظّن بكلّ من التّكليفين مقام العلم به مع قطع النّظر عن الآخر، و أمّا إذا كان أحد التّكليفين منوطا بالآخر مقيّدا له، فمجرّد حصول الظّن بأحدهما من دون حصول الظّن بالآخر الّذي قيّد به لا يقتضي الحكم بالبراءة إلى أخر ما نقله عنه شيخنا قدس سره في الكتاب و ظاهر أنّ مراده تقييد الحكم الواقعي و التّكليف النّفس الأمري بالطّرق المقرّرة المعتبرة شرعا من غير فرق بين العلم و غيره حسبما زعمه من كون العلم أيضا مجعولا شرعا و عقلا مع بقاء الإطلاق للتّكليف بالطّريق، فالمكلف به من الواقع الّذي قام به الطّريق و من الطّريق ما قضى بحكم سواء طابق التّكليف الواقعي أو خالف، فلا يكون كلّ منهما مستقلا حتّى يحكم بحجيّة الظّن المتعلّق به و إن انفكّ عن الظّن بالآخر بل التّكليف بالطّريق مستقلّ، فيقوم الظّن به مع انسداد باب العلم به مقام العلم به و التّكليف بالواقع غير مستقلّ، فلا يقوم الظّن به مقام العلم به، ثمّ إنّه لمّا كان غير العلم من الطّرق الشّرعيّة لها واقعيّة و وجود نفس أمريّ فيمكن تعلّق كلّ من العلم و الظّن به، و أمّا العلم بالواقع فلمّا لم يكن له وجود واقعيّ، بل تابع للوجدان و إن كان العالم قد يغفل عن علمه، فلا يمكن تعلّق الظّن به، فلا يقال إنّه إذا أسلم طريقيّة العلم بالواقع، فيمكن تعلّق الظّن به.
و يرد عليه:
........
الشرح
أوّلا: أنّ مرجع ما أفاده قدس سره كما ترى إلى حصر تكليف المكلّفين قاطبة في الطرق ليس إلاّ، فإنّه بعد اعتبار الإطلاق من جانب التّكليف بالطّريق و التّقييد من جانب التّكليف بالواقع لا محصّل له، إلاّ ذلك إذ التّقييد من جانب الطّريق أيضا يوجب ارتفاع الجعل بالنّسبة إلى الطّريق كما هو ظاهر مضافا إلى صراحة كلامه بخلافه، و لا أظنّ أحدا يلتزم بذلك حتّى المصوّبة.
و ثانيا: أنّ تقييد الواقع بالطّريق و وجود المحكي عنه في نفس الأمر لقيام الحاكي عليه سواء كان علما أو ظنّا مستلزم للدور لا محالة كما هو واضح، فلو كان العلم معتبرا شرعا كالطّرق الظّنيّة و الأمارات، فلا بدّ أن يلتزم في مورده كمواردها بقضيّتين شرعيّتين إحداهما واقعيّة ثابتة في نفس الأمر من غير أخذ أحد من الإدراكات فيها، و الثّانية ظاهريّة قد أخذ العلم بالواقع الأوّلي أو الظّن به في موضوعها، حتّى لا يلزم هناك دور كما أسمعناك في البحث عن مسألة العلم، و بالجملة لا بدّ من أن يعتبر هناك متعلّق للعلم و الظّن غير القضيّة التي أخذ أحدهما في موضوعها، و من هنا ذكرنا في أوّل التّعليقة أنّه يمكن أخذ العلم في القضيّة الشّرعيّة بالنّسبة إلى الموضوعات دون الأحكام، إلاّ أن يكون هناك قضيّة اعتبر تعلّق العلم بها بالنّسبة إلى قضيّة أخرى.
فإن قلت: إنّ مراده من المقيّد بالطّريق هو التّكليف الفعلي الّذي هو مدار الإطاعة و المعصية و لوازمها من استحقاق الثّواب و العقاب و غيرهما على ما يفصح عنه كلماته قدس سره، كما عرفت عن أخيه قدس سره في الوجه الأوّل، فيعتبر تعلّق العلم أو الظّن بالحكم النّفس الأمري المطلق المعرى عن جميع القيود و الاعتبارات الإدراكيّة موضوعا للحكم الفعلي، فيكون هنا قضيّتان، فلا يلزم دور، فيندفع الإيراد الثّاني بل الأوّل عند التّأمل، لأنّ الالتزام بانحصار التّكليف الفعلي بما قام به الطّريق المعتبر بقول مطلق من غير فرق بين العلم و غيره ممّا لا ضير فيه
........
الشرح
أصلا، بل لا بدّ من الالتزام به و لا تعلّق لهذا بمسألة التّصويب و لا يقول المصوّبة به كيف و هم ينكرون الأحكام الواقعيّة و ثبوت القضيّتين بالمعنى الّذي عرفت.
قلت: ما ذكر في دفع الإيراد توهّم فاسد و تحمّل بارد و إن تكرّر في كلمات القائلين بحجيّة الظّن بالطّريق، بل في كلام شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره فإنّ المجعول الشرعي إنّما هو الأحكام الواقعيّة و الظّاهريّة و فعليّة الأحكام الواقعيّة و تنجّزها يتعلّق العلم بها أو الظّن المعتبر أو الشّك، بل مجرّد الاحتمال و لو كان موهوما في مقام ليست من المجعولات الشّرعيّة، بل إنّما هي من شئونها و مراتبها بحكم العقل الحاكم في مسألة استحقاق العقاب، فليس هنا قضيّتان شرعيّتان اعتبر العلم بإحداهما في موضوع الأخرى، هذا و قد مضى شطر من الكلام في ذلك في أوائل التّعليقة، مع أنّ كلام المحقّق المحشّي قدس سره يأبى عن الحمل على ذلك في المقام.
فإن قلت: إنّ المراد من التّكليف الآخر المقيّد هو التّكليف بوجوب الامتثال و الإطاعة الّذي لا يمكن إنكار ثبوته في الشّرعيّات، كيف و قد قضت به الأدلّة الثّلاثة و إن حكم به العقل أيضا.
قلت: ما دلّ من الأدلة الشّرعيّة على وجوب الامتثال بالوجوب الإرشادي إنّما هو إمضاء و تأكيد لما حكم به العقل المستقلّ، و إلاّ فليس الامتثال و إطاعة المولى أمرا يقبل تعلّق التّكليف الشّرعي به فلو قيّد بشيء، فلا بدّ أن يقيده العقل، و قد عرفت أنّ العقل قد يحكم بوجوب الامتثال مع الشّك، بل الاحتمال أيضا فليس هنا تكليف شرعيّ قيّد بالطّريق، فإن شئت قلت إنّ وجوب الامتثال غير مقيّد بشيء من الأشياء، نعم نفس الامتثال لا يتحقّق إلاّ بجعل الدّاعي على الفعل الأمر الشّرعي الواقعي سواء علم أو ظنّ أو احتمل من غير فرق بين هذه الحالات و من غير فرق بين التّعبديّات و التوصّليات، غاية ما هناك سقوط الأمر في التّوصليات بإتيان
........
الشرح
الواجب من دون أن يأتي بالدّاعي المذكور و لو مع الغفلة أو في ضمن الحرام، و لكن الامتثال لا يتحقّق إلاّ بما ذكر فالأمر بالطّريق بما هو أمر به لا يقتضي امتثالا و لا إطاعة، لأنّه غيري دائما، و إنّما الاقتضاء للأمر الواقعي كما هو ظاهر هذا و سيأتي مزيد بيان لذلك إن شاء اللّه تعالى.
فإن قلت: إذا لم يكن التّكليف بالعمل بالطّريق مقيّدا لشيء من التّكاليف و الأحكام، و المفروض أنّه ليس تكليفا مستقلا في قبال التّكليف بالواقع على ما ذكرت فما معناه و حقيقته.
قلت: التّكليف بالعمل بالطّريق مرجعه إلى جعل حكم ظاهري في نفس الأمر في موضوعة الّذي اعتبر فيه الجهل بحكمه المجعول له أوّلا و بالذّات، و إن كان إرشاديّا فهو من سنخ الحكم الواقعي و إن لم يكن في مرتبة و لا يترتّب عليه جميع ما يترتّب عليه من اللوازم و الآثار، نعم يلزم اكتفاء الشّارع به عن الواقع في حكم العقل بمعنى البناء عليه في حكمه ما دامت الأمارة قائمة و معذوريّة المكلّف في مخالفة الواقع في حكمه ما لم ينكشف مخالفته للواقع، فهو حكم واقعي بمعنى و ظاهري بمعنى و مرجعه إلى ترخيص الشّارع بسلوكه في امتثال الواقع و إن جاز مع وجوده امتثال نفس الواقع من غير التفات إليه، هذا و قد مضى شطر من الكلام في ذلك و سيأتي تمامه فانتظر.
و ثالثا: أنّه لم يعلم المراد من كون العلم كالظّن المعتبر طريقا في الشّرع و العقل على ما هو المكرّر في كلامه و كلام أخيه قدّس سرهما في الفصول، فإنّه إن أراد كشفه الذّاتي عن المعلوم فهو أمر ثابت له بحسب ذاته، كما أنّ الكشف الظّني للظّن أيضا ثابت له بحسب ذاته و إن لم يكن معتبرا من دون جعل من غير دخل للشّرع و العقل فيه أصلا، نعم لمّا كان هذا الأمر ثابتا، فلا محالة يدركه الشّرع و العقل و إن أراد اعتباره كما هو الظّاهر من كلامه ففيه ما عرفت مرارا أنّ اعتبار
بها مصلحة الواقع، لكن ليس مفاد نصبها تقييد الواقع بها و اعتبار مساعدتها في إرادة الواقع، بل مؤدى وجوب العمل بها جعلها عين الواقع و لو بحكم الشارع، لا قيدا له، و الحاصل أنّه فرق بين أن يكون مرجع نصب هذه الطرق إلى قول الشارع، لا أزيد من الواقع، إلاّ ما ساعد عليه ذلك الطريق، فينحصر التكليف الفعلي حينئذ في مؤديات الطرق و لازمه إهمال ما لم يؤد إليه الطريق من الواقع سواء انفتح باب العلم بالطريق أم انسد، و بين أن يكون التكليف الفعلي بالواقع باقيا على حاله، إلاّ أن الشارع حكم بوجوب البناء على كون مؤدى الطريق هو ذلك الواقع، فمؤدى هذه الطرق واقع جعلي، فإذا انسد طريق العلم إليه و دار الأمر بين الظن بالواقع الحقيقي و بين الظن بما جعله الشارع واقعا، فلا ترجيح، إذ الترجيح مبني على إغماض الشارع عن الواقع.
و بذلك ظهر ما في قول بعضهم: «من أن التسوية بين الظن بالواقع و الظن بالطريق إنّما تحسن لو كان أداء التكليف المتعلق بكل من الفعل و الطريق المقرر مستقلا لقيام الظن بكل من التكليفين حينئذ مقام العلم به مع قطع النظر عن الآخر، و أمّا لو كان أحد التكليفين منوطا بالآخر مقيدا له، فمجرد حصول الظن بأحدهما دون حصول الظن بالآخر المقيد له، لا يقتضي الحكم بالبراءة، و حصول البراءة في صورة العلم بأداء الواقع إنّما هو لحصول
الشرح
العلم فيما كان الحكم ثابتا لذات المعلوم ككشفه ذاتي لا يمكن تعلّق الجعل به و إنّما يدركه الشّرع و العقل ككشفه الذّاتي، و هذا بخلاف الظّنّ و لو سلّم إمكانه فيصير كالظّن، فيكون الحكم بوجوب العمل به غير الحكم المعلوم المجعول في نفس الأمر، فيكون ثابتا و إن تخلّف عن الواقع، كما أنّه ثابت و إن لم يتعلّق به العلم على ما عرفت سابقا.
الأمرين به نظرا إلى أداء الواقع و كونه من الوجه المقرر لكون العلم طريقا إلى الواقع في العقل و الشرع، فلو كان الظن بالواقع ظنا بالطريق جرى ذلك فيه أيضا، لكنه ليس كذلك، فلذا لا يحكم بالبراءة معه»(1)انتهى.
الوجه الثاني: «ما ذكره بعض المحققين من المعاصرين مع الوجه الأول و بعض الوجوه الآخر، قال: لا ريب في كوننا مكلفين بالأحكام الشرعية و لم يسقط عنا التكليف بالأحكام الشرعية في الجملة و أن الواجب علينا أولا هو تحصيل العلم بتفريغ الذمة في حكم المكلف بأنّ يقطع معه بحكمه بتفريغ ذمتنا عمّا كلّفنا به و سقوط التكليف عنّا سواء حصل العلم منه بأداء الواقع أو لا، حسب ما مرّ تفصيل القول فيه.
و حينئذ فنقول إن صحّ لنا تحصيل العلم بتفريغ الذمة في حكم الشارع، فلا إشكال في وجوبه و حصول البراءة به و إن انسدّ علينا سبيل العلم به كان الواجب علينا تحصيل الظن بالبراءة في حكمه، إذ هو الأقرب إلى العلم به، فتعين الأخذ به عند التنزل من العلم في حكم العقل بعد انسداد سبيل العلم به و القطع ببقاء التكليف دون ما يحصل معه الظن بأداء الواقع، كما يدعيه القائل بأصالة حجية الظن.
و بينهما بون بعيد، إذ المعتبر في الوجه الأول هو الأخذ بما يظن كونه حجة بقيام دليل ظني على حجيته سواء حصل منه الظن بالواقع أو لا، و في الوجه الثاني لا يلزم حصول الظن بالبراءة في حكم الشارع، إذ لا يستلزم مجرد الظن بالواقع الظن باكتفاء المكلف بذلك الظن في العمل سيما بعد النهي عن اتباع الظن، فإذا تعين تحصيل ذلك بمقتضى حكم العقل حسب ما عرفت يلزم اعتبار أمر آخر يظن معه رضا المكلف بالعمل به، و ليس
1) هداية المسترشدين: ص 393.
ذلك إلاّ الدليل الظني الدال على حجيته، فكل طريق قام دليل ظني على حجيته و اعتباره عند الشارع يكون حجة دون ما لم يقم عليه ذلك»(1)انتهى بألفاظه (1) و أشار بقوله حسب ما مرّ تفصيل القول فيه إلى ما ذكره سابقا في
الشرح
(1) الأولى نقل باقي كلامه قدس سره ممّا يتعلّق بهذا الوجه لما يترتّب عليه من الفوائد المقصودة قال قدس سره عقيب ما في الكتاب بلا فصل: «فإن قلت: إن قام أوّلا طريق من الشّرع في الوصول إلى الحكم و الحكم معه بتفريغ الذّمة عن التّكليف، فلا كلام و إن لم يقم، فالواجب أوّلا تحصيل العلم بالواقع فمع تعذّره ينوب منابه الظّن بالواقع أو يقال إن لم يقم طريق مقرّر من الشّرع للوصول إلى الواقع كان العلم هو الطّريق إلى الواقع و إن قام اكتفي بما جعله طريقا، فإن لم يثبت عندنا ذلك أو ثبت و انسدّ سبيل العلم به كان المرجع هو العلم بالواقع إذ القدر المسلّم من التّكليف بالرّجوع إلى الطّريق إنّما هو مع العلم به و بعد انسداد سبيل العلم به يرجع إلى الظّن بالواقع حسب ما قرروه.
قلت: لا ترتيب بين تحصيل العلم بالواقع و العلم بالطّريق المقرّر من الشّرع، و ليس تعيّن الرّجوع إلى العلم مع عدم الطّريق المقرّر أو عدم العلم به قاضيا بترتّب العلم بالواقع عليه بل الجميع في مرتبة واحدة، و إنّما تعيّن الرّجوع إلى العلم مع انتفاء الطّريق المقرّر أو عدم العلم به لانحصار العلم بالخروج عن عهدة التّكليف في ذلك، و لذا يجوز الرّجوع إلى العلم مع وجود الطّريق المقرّر أيضا و يتخيّر المكلّف في الرّجوع إلى أيّهما شاء.
و الحاصل أنّ القدر اللاّزم أداء الفعل و حصول البراءة بحسب حكم الشّرع و هو حاصل بكلّ من الوجهين، و تعيّن تحصيل العلم بالواقع مع فرض انتفاء العلم بالطّريق المقرّر، إذ انتفاؤه واقعا ليس لكونه متعيّنا في نفسه، بل لحصول
1) هداية المسترشدين: ص 391.
........
الشرح
البراءة به على النّحو الّذي ذكرناه و فرق بين كون الشّيء مطلوبا بذاته و كون المطلوب حاصلا به فهو إذا أحد الوجهين في تفريغ الذّمة، فإذا انسدّ باب العلم بتفريغ الذّمة على الوجه المفروض بكلّ من الوجهين المذكورين بأن لم يحصل هناك طريق قطعيّ من الشّرع يحكم معه بتفريغ الذّمة و انسدّ سبيل العلم بالواقع القاضي بالقطع بتفريغ الذّمة رجع الأمر بعد القطع ببقاء التّكليف إلى الظّن بتفريغ الذّمّة في حكم الشّارع حسبما عرفت، و هو يحصل بقيام الأدلّة الظّنيّة على حجيّة الطّرق المخصوصة حسبما قام الدّليل عليها في محالّها من غير أن يكتفى في حجيّتها بمجرّد كونها مفيدة للظّن بالواقع، كما هو قضيّة الوجه الآخر.
فإن قلت: إنّ الظّن بأداء الواقع يستلزم الظّن بتفريغ الذّمّة على الوجه المذكور لو لا قيام الدّليل على خلافه، كما في القياس و نحوه إذ أداء المكلّف به واقعا يستلزم تفريغ الذّمّة بحسب الواقع قطعا القضاء الأمر بالإجزاء على الوجه المذكور و الظّن بالملزوم قاض بالظّن باللاّزم، فكلّما يفيد الظّن بالواقع يفيد الظّن بتفريغ الذّمة في حكم الشّرع لو لا قيام الدّليل على خلافه، إذ ليس مقصود الشّارع حقيقة إلاّ الواقع و إذا قام الدّليل على خلافه، فإن كان قطعيّا، فلا إشكال في عدم جواز الرّجوع إليه لعدم مقاومة الظّن المفروض للقطع و إن كان ظنيّا وقعت المعارضة بين الظّنين المفروضين، حيث إنّ الظّن بالواقع يستلزم الظّن بتفريغ الذّمة على الوجه المذكور حسبما عرفت و الدّليل القاضي بعدم حجيّة ذلك الظّن قاض بالظّن بعدم تفريغ الذّمة كذلك، فيراعى حينئذ أقوى الظّنّين كما هو الشّأن في سائر المتعارضين، بل القوي حينئذ هو الظّن و الآخر و هو في مقابله و لا يتحاشى عند القائل بأصالة حجيّة الظّن، بل ذلك مصرّح به في كلام جماعة منهم نعم غاية ما يلزم من التّقرير المذكور أن يقال بحجيّة ما لا يفيد ظنّا بالواقع كالاستصحاب في بعض الموارد إذا قام دليل ظنّي على كونه
........
الشرح
طريقا شرعيّا إلى الواقع لحصول الظّن منه حينئذ بتفريغ الذّمة في حكم الشّرع و إن لم يحصل منه الظّن بأداء الواقع، و الظّاهر أنّه لا يأبى منه القائل بحجيّة مطلق الظّن، فغاية الأمر أن يقول حينئذ بحجيّة كل ظنّ بالواقع و يضيف إليه حجية ما يظن كونه طريقا إلى الواقع شرعا و إن لم يفد ظنا بالواقع، و الحاصل أنّ القول بحجيّة ذلك لا ينافي مقصود القائل بحجيّة مطلق الظّن سواء التزم به في المقام أو لم يلتزم لبعض الشّبهات.
قلت: قد عرفت ممّا مرّ أنّ الظّن بما هو ظنّ ليس طريقا إلى الحكم بتفريغ الذّمّة، فمجرّد الظّن بالواقع ليس قاضيا بالظنّ بتفريغ الذّمة في حكم الشرع مع قطع النّظر عن قيام دليل على حجيّة ذلك الظّن لوضوح عدم حصول التّفريغ به كذلك، و إنّما يحتمل حصوله به من جهة احتمال قيام الدّليل على حجيّته و من البيّن تساوي احتمال قيام الدّليل المذكور و عدمه في نظر العقل، فتتساوى نسبة الحجيّة و عدمها إليه فدعوى الاستلزام المذكور فاسدة جدّا، كيف و من الواضح عدم استلزام الظّن بالواقع الظّن بحجيّة ذلك الظّن و لا اقتضائه له، فكيف يعقل حصول الظّن به من جهته، نعم إنّما يستلزم الظّن بالواقع الظّن بتفريغ الذّمة بالنّظر إلى الواقع لا في حكم المكلّف، الّذي هو مناط الحجيّة، و المقصود في المقام حصول الظّن به في حكمه، إذ قضيّة الدّليل المذكور حجيّة ما يظنّ من جهته بتفريغ الذّمة في حكم الشرع بعد انسداد سبيل العلم به، و هو إنّما يتبع الدّليل الظّني القائم على حجيّة الطّرق الخاصّة، و لا يحصل من مجرّد تحصيل موضوع الظّن بالواقع، لما عرفت من وضوح كون الظّن بالواقع شيئا و الظّن بحجيّة ذلك الظّن شيئا آخر و لا ربط له بذلك الظّن، و قد عرفت أن ما يتراءى من استلزام الظّنّ بالواقع الظّن بتفريغ الذّمّة نظرا إلى أن المكلّف به هو الواقع إنّما يصح بالنّسبة إلى الواقع، حيث أنّه يساوق الظّن بالواقع الظّن بتفريغ الذّمة بالنّسبة إليه
........
الشرح
عند أدائه كذلك و ذلك غير الظّن بتفريغ الذّمة في حكم المكلّف، كيف و الظّن المذكور حاصل في القياس أيضا بعد قيام الدّليل على عدم حجيّته فإنّه إذا حصل منه الظّن بالواقع، فقد حصل منه الظّن بفراغ الذّمة بالنّظر إلى الواقع عند أداء الفعل كذلك، إلاّ أنّ الظّن المفروض كالظّن المتعلّق بنفس الحكم ممّا لا اعتبار له بنفسه، و قد قام الدّليل الشّرعي هناك أيضا على عدم اعتباره، فظهر ممّا قررناه أنّ الإيراد المذكور إنّما جاء من جهة الخلط بين الوجهين و عدم التّميز بين الاعتبارين، و ممّا يوضح ما قلناه أنّ الظّن بالملزوم لا يمكن أن يفارق الظّن باللاّزم، فبعد دعوى الملازمة بين الأمرين، كيف يعقل استثناء ما قام الدّليل على خلافه و القول بأنّه بعد قيام الدّليل القطعي يعلم الانفكاك، و مع قيام الدّليل الظّني يظنّ ذلك فيه، هل ذلك إلاّ الانفكاك بين اللاّزم و الملزوم، فظهر مما قررناه أنّ اللاّزم أوّلا في حكم العقل هو تحصيل العلم بالتّفريغ في حكم الشرع و بعد انسداد سبيله ينزل إلى الظّن بالتّفريغ في حكمه، لا مجرّد الظّن بالواقع و قد عرفت عدم الملازمة بين الأمرين و حصول الانفكاك من الجانبين، نعم لو كان الحاصل بعد انسداد سبيل العلم بحصول التّفريغ في حكم أمور مفيدة للظّن بالواقع من غير أن يكون هنا دليل قطعي أو ظنّي على حجيّة شيء منها، و تساوت تلك الظّنون في ذلك كان الجميع حينئذ حجّة في حكم العقل و إن لم يحصل من شيء منها ظنّ بالتّفريغ، و ذلك لعدم إمكان تحصيل الظّن بالتّفريغ من شيء منها على ما هو المفروض، فينتقل الحال إلى مجرّد تحصيل الظّن بالواقع و يحكم العقل من جهة الجهل المذكور و تساوي الظّنون في نظره بالنّسبة إلى الحجيّة و عدمها حيث لم يقم دليل على ترجيح بعضها على بعض بحجيّة الجميع و الأخذ بأقواها عند التّعارض من غير فرق بينها، فصار المحصّل أن اللاّزم أوّلا تحصيل العلم بالتّفريغ في حكم الشّرع كما مرّ القول فيه و بعد انسداد سبيله
........
الشرح
يتعيّن تحصيل الظّن بالتّفريغ في حكمه تنزّلا من العلم به إلى الظّن فينزل الظّن به بمنزلة العلم و إذا انسدّ سبيله أيضا تعيّن الأخذ بمطلق ما يظنّ معه بأداء الواقع حسبما ذكر في المقام، فهناك مراتب متدرّجة و درجات مترتّبة و لا يتدرّج إلى الوجه الثّالث، إلاّ بعد انسداد سبيل الأوّلين و المختار عندنا حصول الدّرجة الأولى و عدم انسداد سبيل العلم بالتّفريغ من أوّل الأمر كما سيأتي الإشارة في الوجه الأخير لكنّا نقول: إنّه بعد انسداد سبيله إنّما ينزّل إلى الوجه الثّاني دون الثّالث، و إنّما ينزّل إليه بعد انسداد سبيل الثّاني أيضا و تساوي الظّنون من كلّ وجه و أنّى لهم بإثبات ذلك، بل من البيّن خلافه، إذ لا أقلّ من قيام الأدلّة الظّنيّة على حجيّة ظنون مخصوصة كافية في استنباط الأحكام الشّرعيّة و هي كافية في وجوب الأخذ بها و عدم جواز الاتّكال على غيرها نظرا إلى قيام الدّليل القطعي المذكور فليس ذلك من الاتّكال على الظّن في إثبات الظّن ليدور كما ظنّ» انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
و هو كما ترى مع أنّه مشتبه المراد كما ستقف عليه في طيّ الإيرادات لا يخلو عن أبحاث و أنظار:
أمّا أوّلا: فلأنّ ما أفاده قدس سره من الواجب أوّلا بقوله: (و أنّ الواجب علينا أوّلا هو تحصيل العلم بتفريغ الذّمة في حكم المكلّف بأن يقطع معه بحكمه بتفريغ ذمّتنا عمّا كلّفنا به) إلخ، لم يعلم المراد منه، فإنّه إن كان المراد هو الواجب السّمعي كما ربما يوهمه قوله: (بأن يقطع معه بحكمه)، ففيه أنّه ليس في الشّرع ما يدلّ على ذلك أصلا، لأنّ لزوم تحصيل العلم بتفريغ الذّمة في مقام و كفاية الظّن به في مقام و الاحتمال في مقام ممّا لا تعلّق له بالشّرع و لم يبيّن في الشّرعيّات و إن كان المراد هو الواجب العقلي كما لا بدّ من حمل كلامه عليه و إن لم يكن ظاهرا منه في النّظر الأوّل، حيث إنّه بعد العلم بالتّكليف من جانب الشّارع إنّما يلزم
........
الشرح
المكلّفين بما يوجب فعله رفع المؤاخذة و العقاب عنهم، و بعبارة أخرى إنّما يوجب العقل الإتيان بالواجبات من حيث إنّ فعلها رافع للمؤاخذة و تركها موجب لاستحقاق العقاب، لا أنّ فعلها يوجب إدراك المصالح النّفس الأمريّة و تكميل النّفس و الفوز إلى الثّواب و الدّرجات الأخرويّة أو التّقريب إلى المولى أو كونه مستحقّا للإطاعة من غير ملاحظة شيء من الغايات، فإنّه و إن كان بكلّ واحد من العناوين و الاعتبارات المذكورة مطلوبا عقليّا، إلاّ أنّه ليس واجبا في حكم العقل، و لذا يجوز العقل في التّوصّليات الإتيان بنفس الفعل من غير أن يلاحظ المكلّف رفع العقاب المترتب عليه قهرا، و لمّا كانت نسبة هذا الواجب العقلي بإتيان نفس ما أوجبه الشّارع مع إمكان تحصيل العلم به و سلوك ما جعله الشارع طريقا إليه عند التّمكن من تحصيل العلم به في مرتبة واحدة و إن تخلّف سلوكه عن الواقع، حيث إنّ إذن الشّارع في سلوك الطّريق في حكم العقل لا يجامع المؤاخذة عند مخالفته، فلا محالة يحكم العقل بتجويز كلّ منهما في باب الإطاعة، و لا يلزم خصوص الأوّل، حيث إنّ المطلوب العقلي يحصل بكلّ منهما من غير فرق.
و من هنا قال قدس سره فيما عرفت و فرق بين كون الشّيء مطلوبا بذاته و كون المطلوب حاصلا به، حيث إنّ الواجب العقلي حاصل في إتيان الواجب الواقعي مع العلم به، لا أن يكون هو الواجب العقلي من حيث هو ففيه أنّ هذا و إن كان مسلّما عندنا، إلاّ أنّه لا تعلّق له بحكم الشرع و ليس من جهة سلوك الطّريق من حيث ذاته، بل من حيث البناء على كون مؤدّاه هو الواجب الواقعي بجعل الشّارع فسلوكه بالجعل هو عين الواقع، لا أن يكون مغايرا له بهذه الملاحظة و إن كان غيره بملاحظة أخرى، و بالجملة لا إشكال في أنّ سلوك الأمارة، بل الأصل التّعبّدي ما لم ينكشف خلافهما موجب لسقوط العقاب في حكم العقل لكنّه لا ينتج في كون الطّريق مطلوبا من حيث هو في قبال الواقع أو قيدا للواقع كما صرح به في آخر كلامه، الذي
........
الشرح
عرفت في الجواب عن السّؤال.
و أمّا ثانيا: فلأنّ ما أفاده بعد انسداد سبيل العلم بالواقع و الطّريق و تعيّن تحصيل الظّن بالبراءة في حكم العقل و عدم حصوله، إلاّ من الظّن بالطّريق نظرا إلى أنّ مجرّد الظّن بالواقع، لا يوجب الظّن برضا المكلّف به سيّما بعد نهيه عن العمل بالظّن بخلاف الظّن بالطّريق، فإنّه في معنى الظّن برضا المكلّف في امتثال التّكليف الواقعي بسلوكه، لا محصّل له أصلا، فإنّ الواجب العقلي بعد مقدّمات الانسداد و عدم وجوب الاحتياط رأسا بعد العلم الإجمالي بالتّكاليف الإلزاميّة الواقعيّة الموجبة لدوران الأمر في موافقتها بين الموافقة الظنية و الشكيّة و الوهميّة وجوب الموافقة الظّنية للتّكاليف الإلزاميّة الواقعيّة و لو بسلوك ما ظنّ كون مؤدّاه هو الواقع الأوّلي بجعل الشّارع من حيث إيجابه لسقوط التّكليف الواقعي ظنّا في حكم العقل و إن خالف الواقع ما لم ينكشف الخلاف، و تعيّن ذلك في حكم العقل و عدم جواز العدول عنها إلى الموافقة الشّكيّة و الوهميّة ما دامت ممكنة كما هو المفروض، و هذا معنى حكم العقل بحجيّة الظّن عند انسداد باب العلم الّذي يلزمه حكمه على وجه القطع و اليقين بقبح المؤاخذة على مخالفة الواقع على تقدير خطاء الظّنّ و عدم إصابته من غير فرق بين الظّن بالواقع و الظّن بالطّريق، فالمظنون أوّلا و بالذّات أمر يترتّب على فعله القطع بالبراءة من الواقع الأوّلي ما دامت الأمارة قائمة بالنّظر إلى حكم العقل في سلوك الطّريق المظنون أيضا، لا مع قطع النّظر عن حكمه، فإنّ العمل على طبق الطّريق المظنون من غير استناد إليه و لو كان في الواقع حجّة و طريقا ليس عملا به و سلوكا له و العمل به و الاستناد إليه مع قطع النّظر عن حكم العقل بحجيّته و إن كان سلوكا له لكنّه محرّم بالأدلّة الأربعة و إن كان طريقا في نفس الأمر، و لا يمكن أن يترتّب عليه سقوط الخطاب الواقعي حينئذ، كما لا يمكن أن يترتّب على مجرّد الموافقة الاتفاقيّة للطّريق، كما في القسم الأوّل و الظّن
........
الشرح
بالواقع و إن جرى فيه أيضا القسمان المذكوران، مع قطع النّظر عن حكم العقل، إلاّ أنّ في كلّ منهما يسقط الخطاب الواقعي عن المكلّف على تقدير المصادفة في نفس الأمر لو كان توصليا و إن لم يحكم بذلك، إلاّ على سبيل الظّن قبل انكشاف الخلاف و من هنا توهّم أن الظّن بالواقع أولى بالحجيّة بل جزم به فريق، و أمّا الاستشهاد بعدم الملازمة بين الظّن بالواقع و الظّن برضا الشّارع بما دلّ على النّهي عن العمل بالظّن ففي غاية الغرابة، كيف و نسبة النّواهي الواردة عن العمل بغير العلم إلى الظّن بالواقع و الظّن بالطّريق على حدّ سواء، و من هنا ذكرنا الحكم بحرمة كلّ من القسمين واقعا مع قطع النّظر عن حكم العقل بحجيّة الظّن هذا.
فإن شئت توضيح ما ذكرنا فاستمع لما يتلى عليك تمام السّماع فنقول: إنّ التّكليف الإلزامي سواء كان إيجابا أو تحريما لا يخلو عن قسمين:
أحدهما: تعبّدي يعتبر في سقوطه قصد الامتثال و الإطاعة.
ثانيهما: توصّلي يسقط عن المكلّف بإيجاد متعلّقه كيفما اتّفق و لو في ضمن الحرام، بل ربما يسقط بوجود متعلّقه كذلك، و الأمارة القائمة على الأحكام سواء كانت مفيدة للظّن و إن لم يظنّ حجيّته أو ظنّ حجيّته و إن لم يكن مفيدة للظّن قد تقوم على الحكم الإلزامي في الشّبهات الحكميّة التّكليفيّة، و قد تقوم على الحكم الغير الإلزامي في تلك الشّبهات، و قد تقوم على تعيين المكلّف به في موارد الشّك في المكلّف به.
فإنّ قام على الحكم الإلزامي في الشّبهات التّكليفيّة فالاستناد إليه و جعله حجّة مع قطع النّظر عن حكم العقل حرام مطلقا، و إن كان موجبا لسقوط الخطاب الواقعي على تقدير مصادفته له في نفس الأمر لو كان توصّليا كما أنّ الأخذ به بعنوان الاحتياط في تحصيل الواقع حسن مطلقا، بل واجب بهذا العنوان مع قطع النّظر عن حكم العقل بحجيّة الظّن بالنّظر إلى العلم الإجمالي بالتّكاليف الإلزاميّة
........
الشرح
و موجب لسقوط الخطاب الواقعي على تقدير المصادفة في نفس الأمر و لو كان التّكليف تعبّديّا و إن لم يترتّب عليه آثار الواقع ظاهرا من حيث إنّ الإتيان به كان بعنوان الاحتياط لا بعنوان الواقع كما يؤتى به بهذا العنوان على تقدير حجيّة الظّن و يترتب عليه جميع آثار الواقع ظاهرا و إن قام على الحكم الغير الإلزامي فيما يحتمل الحكم الإلزامي، فالتّدين به و ترتيب الآثار عليه حرام أيضا مع قطع النّظر عن حكم العقل بحجيّة الظّن، بل العمل عليه حرام مطلقا بالحرمة الإرشادّية و إن لم يكن بعنوان التّديّن نظرا إلى حكم العقل بوجوب الاحتياط في مورده من جهة العلم الإجمالي الكلّي و إن كان جائزا لولاه، و ممّا ذكرنا كلّه يعلم حكم ما لو قام على تعيين المكلّف به، فإنّه مع قطع النّظر عن حكم العقل بحجيّة الظّن لا يجوز الأخذ بمفاده و البناء على التعيين و الاستناد إليه مطلقا، و إن كان موجبا لسقوط الخطاب الواقعي على تقدير كونه توصّليا فيما لو صادف الواقع، كما أنّ الاحتياط في مورده بالبناء على الجمع بين ما قام عليه و الطّرف الآخر حسن، بل واجب بالملاحظة الّتي عرفتها و موجب لسقوط الخطاب الواقعي و لو في التعبّديّات، إلاّ أنّه في المعنى إلقاء للظّن حقيقة كما لا يخفى.
هذا كلّه مع قطع النّظر عن حكم العقل بحجيّة الظّن، و أمّا إذا لوحظ حكمه فالاستناد إليه جائز في جميع الصّور، كما أن العمل به موجب لسقوط الخطاب الواقعي على تقدير المصادفة و لو كان تعبديّا و غير موجب لسقوطه مطلقا على تقدير عدم المصادفة في نفس الأمر و إن كان الحكم البناء على السقوط مطلقا في مرحلة الظّن من حيث البناء على كونه حجّة و موافقا للواقع في مرحلة الظّاهر، كما أنّ العقاب على مخالفته قبيح عند عدم المصادفة بعد حكم العقل بحجيّته أو كشفه عن كونه حجّة بحكم الشارع، فإنّه بناء على الحكومة يستكشف عن حكم الشارع بحجيّته و لو من باب الإمضاء على ما قرّر في محلّه من ثبوت الملازمة حسبما
........
الشرح
ستقف عليه فيما سيتلى عليك في التّنبيه الثّاني، و كيفما كان يحكم العقل بمعذوريّة المكلّف في مخالفة الواقع المرتّبة على سلوكه، كما أنّه يحكم قطعا بعدم معذوريّته على تقدير المخالفة على تقدير عدم حجيّته كما هو واضح، فالظّن بالحكم الإلزامي يلازم الظّن بسقوط الخطاب الإلزامي في التّوصّليّات مطلقا، و في التّعبديّات إذا أتي بالفعل ببعض العنوانات الّذي عرفته لا مطلقا، و أمّا الظّن بالطّريق الّذي لا يفيد الظّن بالواقع، فلا يظنّ منه سقوط الخطاب الواقعي مطلقا و لو في التّوصّليات، حيث إنّ المفروض عدم إيجابه للظّن بالواقع، و أمّا الخطاب المتعلّق بالطّريق المفروض كونه مظنونا و إن كان المظنون سقوطه مطلقا بسلوك الطّريق نظرا إلى تعلّق الظّن به، إلاّ أنّه خطاب تبعيّ غيريّ توصّلي ليس مطلوبا بالذّات حتّى يترتّب عليه أثر و فائدة.
هذا مع أنّك قد عرفت أنّ الخطاب المتعلّق بالطريق إنّما يقتضي الاستناد إليه و هو محرم قطعا فيما لو يعلم به، فسلوك الطّريق الّذي كانت حجيّته في نفس الأمر محرّمة بالأدلّة الأربعة عند عدم العلم به و لو كان مصادفا للواقع فكيف يمكن أن يجعل الظّن به ظنّا بالبراءة عن الواقع مطلقا، نعم الظّن به ظنّ بسقوط الخطاب المتعلّق بالطّريق، حيث إنّه توصّلي مطلقا فهو إنّما يفيد فيما لو كان التّكليف بالطّريق في عرض التّكليف بالواقع، و ليس الأمر كذلك، حيث إنّه عينه بناء و غيره حقيقة مع كونه غيريّا توصّليا فتدبّر، فما أفاده من أنّ الظّن بالطّريق ظنّ بالبراءة دون الظّن بالواقع لم يعلم له معنى محصّل.
و أمّا الاستشهاد لذلك بأنّه قد يحصل الظّن بالواقع ممّا يقطع بحرمة سلوكه فكيف يكون موجبا للظّن بالبراءة ففيه:
أوّلا: أنّه قد يحصل الظّن بالطّريق أيضا ممّا يقطع بحرمة سلوكه كالقياس و أشباهه.
........
الشرح
و ثانيا: أنّ ذلك إنّما يمنع من الظّن بالبراءة لو كان المراد منها رضا الشّارع بالعمل به لا سقوط الخطاب الواقعي، فإنّه يظنّ منه ذلك فيما لو كان توصّليا و إن كان العمل بالظّن المفروض حراما.
هذا فإن شئت قلت: الظّن بالحكم الشّرعي الفرعي و بما يكون طريقا إليه بعد تماميّة مقدّمات دليل الانسداد في حكم العقل بمنزلة العلم بهما سواء كان الحكم المذكور تعبّديّا أو توصّليا من غير فرق بينهما، إلاّ في كون اعتبار العلم ذاتيا نفسيّا و اعتبار الظّن بحكم العقل الكاشف عن حكم الشّرع، فإنّ الموافقة الظنيّة في حكمه بمنزلة الموافقة العلميّة بعد الملاحظة المذكورة و البراءة بمعنى سقوط العقاب يحصل يقينا بملاحظة حكم العقل المذكور و لو خالف الظّن الواقع من غير فرق بين الظّن بالواقع و الظن بما جعل طريقا إليه ما دامت الأمارة قائمة من غير فرق بين التّوصّلي و التّعبدي، و لا يلزم حصوله بمعنى آخر.
و أمّا ثالثا: فلأنّ ما أفاده من تسليم كون الظّن بالواقع ملازما للظّن بالبراءة عن الواقع من حيث أنّه واقع، لا للظّن بالبراءة عنه في حكم المكلّف لا محصّل له أيضا إلاّ بدعوى تقييد الواقع بالطّريق كما هو صريح كلامه في الوجه الثّاني من الوجوه الّتي ذكرها لإثبات مرامه، و سيجيء نقله و ليس مبنى هذا الوجه عليه، مع أنّك قد عرفت فساده بما لا مزيد عليه، مع أنّك قد عرفت أنّ جعل الطّريق ليس معناه حصول البراءة بسلوكه كيفما اتّفق، بل معناه حسبما عرفت مرارا تنزيل مؤدّى الطّريق منزلة الواقع فهو عين الواقع بالجعل الظّاهري و غيره حقيقة و إن كان الملحوظ في الأمر المتعلّق به كونه غالب الإيصال إلى الواقع و كاشفا عنه و مرآة له، فليس إلاّ أمرا تبعيّا غيريّا مقدّميّا، فلا يكون سلوك الطّريق مطلوبا بالذّات فضلا من أن يكون أولى من الواقع أو قيدا له، مع أنّ هذا الوجه ليس مبناه على العلم الإجمالي بجعل الطّريق كما هو مبنى الوجه السّابق في الكتاب المذكور و في
........
الشرح
الفصول أيضا، فكيف يمكن تقييد الخطابات الواقعيّة بمساعدة الطّريق عليها.
و أمّا رابعا: فلأنّ ما أفاده من تسليم حجيّة الظّن بالواقع مع فرض انسداد باب الظّن بالطّريق، فجعل هناك ثلاث مراتب متدرّجة مترتّبة لم يعلم له محصّل أيضا مع فرض البناء على تقييد الواقع بمؤدّى الطّريق، إذ غاية ما يمكن أن يوجّه به على ما فرضوه أن يقال إنّ العقل مستقلّ بلزوم تحصيل العلم بالبراءة أوّلا في حكم الشّارع بتحصيل العلم بالطّريق أو العلم بالواقع، الّذي هو طريق إليه بحكم الشارع، و مع انسداد بابه يحكم بلزوم تحصيل الظّن بالبراءة الّذي لا يحصل إلاّ من الظّن بالطّريق و مع انسداده يحكم بلزوم تحصيل احتمال البراءة، الّذي هو آخر مراتب الإطاعة في حكم العقل و هو حاصل في الظّن بالواقع، الّذي لم يعلم عدم حجيّته، كما هو المفروض عند كلا الفريقين، فهو إنّما يحكم بحجيّة الظّن بالواقع في الموضوع الّذي عرفته من حيث حصول احتمال البراءة به من حيث احتمال كونه طريقا و حجّة في حكم الشارع، لا من حيث إنّه ظنّ بالواقع حتّى يتوجّه عليه أنّه بعد تقييد الواقع بالطّريق لا معنى للحكم بحجيّة الظّن المتعلّق بالواقع أصلا، حتّى مع فرض انسداد باب الظّن بالطّريق، لكن يتوجّه عليه بعد تسليم المقدّمات المذكورة أنّ اللاّزم عليه على ما ذكر الفرق في الظّنون القائمة على المسائل الفرعيّة بين مشكوك الاعتبار منها و الموهوم، بل اللاّزم عليه بعد فرض عدم كفاية مشكوك الاعتبار الفرق بين مراتب الوهم، كما أنّ اللاّزم عليه التّعميم حينئذ بالنّسبة إلى الظّن بالواقع و الطّريق المشكوك الاعتبار أو موهومه مع عدم إفادته للظّن بالواقع كما هو ظاهر، و ما يقال في التفصّي عمّا ذكر من أنّ المفروض في كلام المستدلّ تسوية الظّنون القائمة على الحكم الفرعي الواقعي، فلا يتوجه عليه الإيراد المذكور فاسد جدّا، لأنّ المفروض في كلامه الّذي عرفته كما هو صريحة التسوية من جهة عدم قيام الظن باعتبار بعضها، لا التسوية من جميع الجهات فلا
مقدمات هذا المطلب حيث قال في المقدمة الرابعة من تلك المقدمات: «أن المناط في وجوب الأخذ بالعلم و تحصيل اليقين من الدليل هل هو اليقين بمصادفة الأحكام الواقعية الأولية، إلاّ أنّ يقوم دليل على الاكتفاء بغيره، أو أن الواجب أولا هو تحصيل اليقين بتحصيل الأحكام و أداء الأعمال على وجه إرادة الشارع منا في الظاهر و حكم معه قطعا بتفريغ ذمتنا بملاحظة الطرق المقررة لمعرفتها، ممّا جعلها وسيلة للوصول إليها سواء علم مطابقته للواقع، أو ظن ذلك، أو لم يحصل به شيء منهما وجهان: الذي يقتضيه التحقيق هو الثاني، فإنّه القدر الذي يحكم العقل بوجوبه و دلت الأدلة المتقدمة على اعتباره، و لو حصل العلم بها على الوجه المذكور لم يحكم
الشرح
مناص عن الإيراد المذكور، اللّهم إلاّ أن يتشبث للتّعميم بين الظّنون القائمة على الأحكام الواقعيّة من غير فرق بين المشكوك اعتباره و موهومه بذيل الإجماع بسيطا أو مركبا و هو كما ترى بمكان من الضّعف و السّقوط.
ثمّ إنّ مراده قدس سره من لزوم الأخذ بأقوى الظّنون القائمة على الأحكام الواقعيّة في حكم العقل عند انسداد باب الظّن بالطّريق إذا تعارضت ليس التّعارض الحقيقي، كيف و لا يمكن اجتماع الظّنين الشّخصيّين في مسألة على طرفي النّقيض، بل المراد التّعارض الصّوري بين الأمارتين المقتضيتين للظّن، فيكون مفاد الأقوى ظنّا و الضّعيف و هما فيئول إلى اجتماع الظّن و الوهم حقيقة على ما عرفت الإشارة إليه من كلامه فيما قام ظنّ على عدم حجيّة الظنّ الّذي يدخل في مسألة المانع و الممنوع، الّتي يأتي البحث عنها في الكتاب.
ثمّ إنّ هنا مناقشات أخر قد طوينا عن التّعرض لها خوفا من إطالة الكلام، مضافا إلى أنّه بعد التّأمّل فيما تعرّضنا له يمكن الإحاطة بها و الالتفات إليها، فلا فائدة في ذكرها.
العقل قطعا بوجوب تحصيل العلم بما في الواقع و لم يقض شيء من الأدلة الشرعية بوجوب تحصيل شيء آخر وراء ذلك، بل الأدلة الشرعية قائمة على خلاف ذلك، إذ لم بين الشريعة من أول الأمر على وجوب تحصيل كل من الأحكام الواقعية على سبيل القطع و اليقين و لم يقع التكليف به حين انفتاح سبيل العلم بالواقع و في ملاحظة طريقة السلف من زمن النبي صلى اللّه عليه و آله و الأئمة عليهم السلام كفاية في ذلك إذ لم يوجب النبي صلى اللّه عليه و آله على جميع من في بلده من الرجال و النسوان السماع منه في تبليغ الأحكام، أو حصول التواتر لآحادهم بالنسبة إلى آحاد الأحكام أو قيام القرينة القاطعة على عدم تعمد الكذب، أو الغلط في الفهم، أو في سماع اللفظ بالنظر إلى الجميع، بل لو سمعوه من الثقة اكتفوا به» انتهى.
ثمّ شرع في إبطال دعوى حصول العلم (1) بقول الثقة مطلقا إلى أن قال:
الشرح
(1) الأولى نقل كلامه قدس سره في هذا المقام لترتّب بعض الفوائد عليه قال قدس سره: «و القول بإفادة قول الثّقة القطع بالنّسبة إلى السّامع منه بطريق المشافهة نظرا إلى أنّ العلم بعدالته و الوقوف على أحواله يوجب العلم العادي بعدم اجترائه على الكذب كما هو معلوم عندنا بالنّسبة إلى كثير من الأخبار العاديّة سيّما مع انضمام بعض القرائن القائمة مجازفة بيّنة، إذ بعد فرض المعرفة بالعدالة بطريق اليقين مع عدم اعتبارها في الشّرع المبين، كيف يمكن دعوى القطع مع انفتاح أبواب السّهو و النّسيان و سوء الفهم سيّما بالنّسبة إلى الأحكام البعيدة عن الأذهان، كما نشاهد ذلك في أفهام العلماء فضلا عن العوام، مضافا إلى قيام احتمال النّسخ في زمن النّبي صلى اللّه عليه و آله في كلّ آن، و مع ذلك لم يوجب على جميع أهل بلده التجسّس بما يفيد العلم بعدمه في كلّ زمان، بل
........
الشرح
كانوا يبنون على الحكم الوارد إلى أن يصل إليهم نسخة، هذا كلّه بالنّسبة إلى البلدة الّتي فيها الرّسول صلى اللّه عليه و آله و الإمام عليه السلام، فكيف بالنّسبة إلى سائر الأماكن و البلدان سيّما الأقطار البعيدة و البلاد النائية، و من الواضح أنّه صلى اللّه عليه و آله كان يكتفي منهم بالأخذ بالأخبار الواردة عليهم بتوسّط الثّقات كما يدلّ عليه آية النّفر و الطّريقة الجارية المستمرّة المقطوعة و لم يوجب صلى اللّه عليه و آله يوما على كلّ من لم يتمكّن من العلم المهاجرة و نحوها أو أخذ الأحكام على سبيل التّواتر و نحوه، و كذا الحال في الأئمّة عليهم السلام و ذلك أمر معلوم من ملاحظة أحوال السّلف و الرّجوع إلى كتب الرّجال و إنكاره يشبه إنكار الضّروريات، و ليس ذلك إلاّ للاكتفاء بالأخذ بطرق ظنيّة و دعوى حصول العلم بالواقع من الأمور البعيدة خصوصا بالنّسبة إلى البلاد النّائية سيّما بعد ما كثرت الكذّابة على النّبي صلى اللّه عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام، حتّى قام خطيبا في ذلك و نادى به الأئمّة عليهم السلام كما يظهر من ملاحظة الأخبار، و ما يتراءى من دعوى السيّد و غيره إمكان حصول القطع بالأحكام في تلك الأعصار ممّا يقطع بخلافه و يشهد له شهادة الشّيخ رحمه اللّه و غيره بامتناعه، و الظّاهر أنّ تلك الكلمات مؤوّلة بما لا يخالف ما قلناه لبعد تلك الدّعوى من أضرابه، و ممّا ينادى بعدم بناء الأمر على تحصيل القطع ملاحظة حال العوام مع المجتهدين، فإنّ من البيّن عدم وجوب تحصيل القطع عليهم بفتاوى المجتهد على حسب المكنة، بل يجوز لهم الأخذ عن الواسطة العادلة مع التّمكن من العلم بلا ريبة، و عليه جرت طريقة الشّيعة في سائر الأزمنة، بل الظّاهر أنّه ممّا أطبقت عليه سائر الفرق أيضا و هل كان الحال في الرّجوع إلى النّبي صلى اللّه عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام في ذلك العصر، إلاّ كحال العوام في هذه الأعصار في الرّجوع إلى المجتهدين فبملاحظة جميع ما ذكرناه يحصل القطع
«فتحصل مما قررناه أن العلم الذي هو مناط التكليف أولا هو العلم بالأحكام من الوجه المقرر لمعرفتها و الوصول إليها، و الواجب بالنسبة إلى العمل هو أداؤه على وجه يقطع معه بتفريغ الذمة في حكم الشرع سواء حصل العلم
الشرح
بتجويز الشّارع العمل بغير العلم في الجملة مع انفتاح طريق العلم سيّما مع ملاحظة ما في التّكليف بالعلم في خصوصيات الأحكام من الجرح التّام بالنّسبة إلى الخواص و العوام، و هو ممّا لا يناسب هذه الشّريعة السّمحة السّهلة، الّتي رفع عنها الحرج و المشقّة و وضعت على كمال التّيسر و السّهولة، و يشهد بذلك أيضا ملاحظة الحال في موضوعات الأحكام، فإنّه اكتفى الشّارع في إثباتها بطرق مخصوصة من غير التزام بتحصيل العلم بها بالخصوص لما فيه من الحرج و المشقّة في كثير من الصّور، فإذا كان الحال في الموضوعات على الوجه المذكور، مع أنّ تحصيل العلم بها أسهل فذلك بالنّسبة إلى الأحكام أولى، و أيضا من الواضح كون المقصود من الفقه هو العمل و تحصيل العلم به إنّما هو من جهة العلم بصحّة العمل و أدائه مطابقا للواقع، و من البيّن أنّ صحّة العمل كما يتوقّف على العلم بالحكم كذلك يتوقّف على العلم بالموضوع، فالاقتصار على خصوص العلم بالنّسبة إلى الحكم لا يثمر العلم بصحّة العمل بالنّظر إلى الواقع مع الاكتفاء بغيره في تحصيل الموضوع، و ليس المحصّل للمكلّف حينئذ بالنّسبة إلى العمل، إلاّ العلم بمطابقة العمل لظاهر الشّريعة و القطع بالخروج عن العهدة في حكم الشارع، فينبغي أن يكون ذلك هو المناط بالنّسبة إلى العلمين» انتهى كلامه رفع مقامه.
و قد عرفت ممّا قدّمنا في مسألة حجيّة الأخبار من حيث الخصوص أنّا لا نضايق من القول بحجيّة خبر الثّقة في الأحكام الشّرعيّة من حيث الخصوص، لكن بالعنوان الّذي عرفت شرحه عن قريب، لا أن يكون هو المناط و المدار في التّكليف.
العلم بأدائه على طبق الواقع، أو على طبق الطريق المقرر من الشارع و إن لم يعلم أو لم يظن بمطابقتها للواقع.
و بعبارة أخرى لا بدّ من المعرفة بالتكليف و أداء المكلّف به على وجه اليقين أو على وجه منته إلى اليقين من غير فرق بين الوجهين و لا ترتيب بينهما، نعم لو لم يظهر طريق مقرر من الشارع لمعرفتها تعيّن الأخذ بالعلم بالواقع على حسب إمكانه، إذ هو طريق إلى الواقع بحكم العقل من غير توقف لإيصاله إلى الواقع على بيان الشرع بخلاف غيره من الطرق المقررة»(1)انتهى كلامه رفع مقامه.
أقول: ما ذكره في مقدمات مطلبه من عدم الفرق بين علم المكلف بأداء الواقع على ما هو عليه، و بين العلم بأدائه من الطريق المقرر ممّا لا إشكال فيه، نعم ما جزم به من أن المناط في تحصيل العلم أولا هو العلم بتفريغ الذمة دون أداء الواقع على ما هو عليه فيه أن تفريغ الذمة عمّا اشتغلت به إما بفعل نفس ما أراده الشارع في ضمن الأوامر الواقعية، و إمّا بفعل ما حكم حكما جعليا بأنه نفس المراد و هو مضمون الطرق المجعولة، فتفريغ الذمة بهذا على مذهب المخطئة من حيث إنه نفس المراد الواقعي بجعل الشارع، لا من حيث إنّه شيء مستقل في مقابل المراد الواقعي، فضلا عن أن يكون هو المناط في لزوم تحصيل العلم و اليقين.
و الحاصل أن مضمون الأوامر الواقعية المتعلقة بأفعال المكلفين مراد واقعي حقيقي، و مضمون الأوامر الظاهرية المتعلقة بالعمل بالطرق المقررة ذلك المراد الواقعي، لكن على سبيل الجعل لا الحقيقة.
و قد اعترف المحقق المذكور حيث عبر عنه بأداء الواقع من الطريق
1) هداية المسترشدين: ص 384.
المجعول، فأداء كل من الواقع الحقيقي و الواقع الجعلي، لا يكون بنفسه امتثالا و إطاعة للأمر المتعلق به ما لم يحصل العلم به، نعم لو كان كل من الأمرين المتعلقين بالأداءين ممّا لا يعتبر في سقوطه قصد الإطاعة و الامتثال كان مجرد كل منهما مسقطا للأمرين من دون امتثال، و أما الامتثال للأمر بهما فلا يحصل إلاّ مع العلم.
ثمّ إن هذين الأمرين مع التمكن من امتثالهما يكون المكلف مخيرا في امتثال أيهما بمعنى أن المكلف مخير بين تحصيل العلم بالواقع، فيتعين عليه و ينتفي موضوع الأمر الآخر، إذ المفروض كونه ظاهريا قد أخذ في موضوعه عدم العلم بالواقع و بين ترك تحصيل الواقع و امتثال الأمر الظاهري هذا مع التمكن من امتثالهما.
و أمّا لو تعذر عليه امتثال أحدهما تعين عليه امتثال الآخر كما لو عجز عن تحصيل العلم
بالواقع و تمكن من سلوك الطريق المقرر لكونه معلوما له، أو انعكس الأمر بأن تمكن من العلم و انسد عليه باب سلوك الطريق المقرر لعدم العلم به و لو عجز عنهما معا قام الظن بهما مقام العلم بهما بحكم العقل.
فترجيح الظن بسلوك الطريق المقرر على الظن بسلوك الواقع لم يعلم وجهه، بل الظن بالواقع أولى في مقام الامتثال لما أشرنا إليه سابقا من حكم العقل و النقل بأولوية إحراز الواقع هذا في الطريق المجعول في عرض العلم بأن أذن في سلوكه مع التمكن من العلم.
و أمّا إذا نصبه بشرط العجز عن تحصيل العلم فهو أيضا كذلك، ضرورة أن القائم مقام تحصيل العلم الموجب للإطاعة الواقعية عند تعذره هي الإطاعة الظاهرية المتوقفة على العلم بسلوك الطريق المجعول، لا على مجرد
سلوكه.
و الحاصل أن سلوك الطريق المجعول مطلقا، أو عند تعذر العلم (1) في
الشرح
(1) قد عرفت شرح القول في ذلك و أنّ الأمر بسلوك الطّريق من حيث هو أمر تبعيّ غيريّ لا يؤثر موافقة الاتّفاقيّة في سقوط الخطابات الواقعيّة أصلا عند المخالفة، بل امتثاله مع العلم به لا يجدي شيئا في سقوط الخطاب الواقعي نعم يحكم العقل بكون المكلّف معذورا في مخالفة الواقع المسبّبة عن سلوك الطّريق فيما لو أسند إليه مع ثبوته بالعلم أو الظّن المعتبر، فمجرّد موافقته من دون استناد إليه لا يؤثر أصلا حتّى في سقوط الخطاب المتعلّق به، فضلا عن الخطاب المتعلّق بالواقع، فليس العمل بالطّريق من استناد إليه مثل العمل بالواقع حتّى بالنّسبة إلى الخطاب المتعلّق بالطّريق على ما عرفت تفصيل القول فيه فما أفاده شيخنا قدس سره في شرح المقام لا يخلو عن بعض المناقشات الواضح لمن أحاط خبرا بما قدّمنا في توضيح ذلك عن قريب عند الاعتراض على المحقّق المحشّي قدس سره فراجع.
ثمّ إنّ فيما أفاده شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره في الكتاب في ردّ الوجهين، و ذكرنا في توضيحه و إن كان غنى و كفاية في تبيّن حال سائر الوجوه الّتي استند إليها المحقّق المحشّي في إثبات حجيّة الظّن في خصوص الطّريق في قبال القول بحجيّة الظّنّ على الإطلاق، أو في خصوص الواقع، إلاّ أنّ الأولى التعرض لها و بيان حالها إجمالا حسبما يساعدنا التّوفيق، و لكن لا بدّ من التّعرّض للوجه الأوّل المذكور في الكتاب الّذي ذكره المحقّق المحشّي ثاني الوجوه أوّلا مع التّعرض لما يرد عليه، ثمّ نتعرّض لباقي الوجوه، فإنّ بينه و بين ما حكاه شيخنا قدس سره عن أخيه في الفصول فرقا، فإنّه قال في عداد الوجوه ما هذا لفظه: «الثاني أنّه كما قرّر الشّارع أحكاما واقعيّة، كذا قرر طريقا للوصول إليها، أمّا العلم بالواقع أو
........
الشرح
مطلق الظّن أو غيرهما قبل انسداد باب العلم و بعده و حينئذ، فإن كان سبيل العلم بذلك مفتوحا فالواجب الأخذ به و الجري على مقتضاه و لا يجوز الأخذ بغيره ممّا لا يقطع بالوصول إلى الواقع من غير خلاف فيه بين الفريقين و إن انسدّ سبيل العلم به تعيّن الرّجوع إلى الظّن به، فيكون ما ظنّ أنّه طريق مقرّر من الشارع طريقا قطعيّا حينئذ إلى الواقع نظرا إلى أنّ القطع ببقاء التّكليف بالرّجوع إلى الطّريق، و قطع العقل بقيام الظّن في مقام العلم حسبما عرفت، و يأتي فالحجّة، إذن ما يظنّ كونه حجّة و طريقا إلى الوصول إلى الأحكام، و ذلك إنّما يكون لقيام الأدلّة الظنيّة على كونه كذلك، و ليس ذلك إثباتا للظّن بالظّن حسبما قد يتوهّم، بل تنزّلا من العلم بما جعله الشّارع طريقا إلى ما يظنّ كونه كذلك بمقتضى حكم العقل حسبما مرّت الإشارة إلى نظيره في الوجه المتقدّم، ثمّ ساق الكلام فيما يورد على هذا الوجه و الجواب عنه إلى أن قال: ثالثها أنّ الانتقال إلى الظّن بما جعله طريقا إنّما يكون مع العلم ببقاء التّكليف بالأخذ بالطّريق المقرّر بعد انسداد باب العلم به و هو ممنوع، إذ لا ضرورة قاضية ببقاء التّكليف في تلك الخصوصيّة لو سلّم انسداد باب العلم بها بخلاف الأحكام الواقعيّة، فإنّ بعد انسداد باب العلم بها قد قامت الضّرورة ببقاء التّكليف، و إلاّ لزم الخروج عن الدّين و هو أيضا في الوهن نظير سابقته، إذ من الواضح أنّ للشّارع حكما في شأن من انسدّ عليه سبيل العلم من وجوب عمله بمقتضى الظّن أو الظّن الخاصّ، فلا نعني نحن بالطّريق المقرّر، إلاّ ذلك و حينئذ كيف يمكن منعه، مع أنّ الضّرورة القاضية به بعد القطع ببقاء التّكليف أوضح من الضّرورة القاضية ببقاء التّكليف، إذ مع البناء عليه لا مجال، لأنّ يستريب ذو مسكة فيه مع قطع النّظر عن ضرورة الدّين القاضية ببقاء الأحكام، فإذا علم ثبوت طريق للشّارع في شأنه حينئذ من الأخذ بمطلق الظّن أو غيره تعيّن تحصيل العلم به أو لا، فإنّ قام عليه
........
الشرح
دليل قطعيّ من قبله كما يدّعيه القائل بالظّنون الخاصّة فلا كلام، و إلاّ تعيّن الأخذ بما يظنّ كونه طريقا و لا يصحّ القول بالرّجوع إلى مطلق الظّن بالواقع من جهة الجهل المفروض، بل قضيّة علمه بتعيين طريق عند الشّارع في شأنه و جهله من جهة انسداد سبيل العلم به هو الرّجوع إلى الظّن به أعني الأخذ بمقتضى الدّليل الظّني الدّال عليه حتّى يحصل له القطع من ذلك بكونه الحجّة عليه بضميمة الدّليل المذكور، و ذلك حاصل في جهة الظّنون الخاصّة دون مطلق الظّن، نعم لو لم يكن هناك طريق خاصّ يظنّ حجيّته ممّا يكتفى به في استنباط القدر اللاّزم من الأحكام و تساوت الظّنون بالنّسبة إلى ذلك مع القطع بوجوب الرّجوع إلى الظّن في الجملة كان الجميع حجّة حسبما مرّ و نحن نسلّمه، إلاّ أنّه ليس الحال، كذلك في المقام رابعها أنّه إن أريد بذلك حصول العلم الإجماليّ بأنّ الشّارع قد قرّر طريقا لإدراك الأحكام الواقعيّة و الوصول إليها، فكلّفنا في واقعة بالبناء على شيء كما هو مقتضى الإجماع و الضّرورة فمسلّم، و لكن نقول هو ظنّ المجتهد مطلقا من أيّ سبب كان من الأسباب التي لم يعلم عدم الاعتداد بها، و إن كان المراد القطع بأنّ الشّارع قد وضع طريقا تعبّديّا كالبيّنة للوصول إلى الأحكام فممنوع، فأين القطع به بل خلافه من المسلّمات لقيام الإجماع و الضّرورة على توقّف التّكليف على الإدراك و الفهم و أقلّه الظّن بالواقع، و هذا أوضح فسادا من الوجوه المتقدّمة.
أمّا أوّلا: فلأنّ ما سلّمه من تعيين طريق من الشّارع للوصول إلى الأحكام مدّعيا قضاء الضّرورة به هو عين ما أنكره أوّلا، و حينئذ فقوله: (إنّا نقول إنّ ذلك الطّريق هو مطلق الظّن بيّن الفساد)، فإنّه إن كان ذلك من جهة اقتضاء انسداد سبيل العلم و بقاء التّكليف له فهو خلاف الواقع، فإنّ مقتضاه بعد التّأمّل فيما قرّرناه هو ما ذكرناه دون ما توهّموه و إن كان لقيام دليل آخر عليه فلا كلام، لكن
........
الشرح
أنّى له بذلك.
و أمّا ثانيا: فإنّه لا مانع من تقرير الشّارع طرقا تعبّديّة للوصول إلى الأحكام كما قرّر طرقا بالنّسبة إلى الموضوعات، بل نقول إنّ الأدلّة الفقهائية كلّها من هذا القبيل، بل و كذا كثير من أدلّة الاجتهاديّة حسبما فصّلنا القول فيها في محلّ آخر.
و أمّا ثالثا: فبأنّ ما ذكره من التّرديد ممّا لا وجه له أصلا، فإنّ المقصود من المقدّمة المذكورة تعيّن طريق إلى ذلك عند الشّارع في الجملة من غير حاجة إلى بيان الخصوصيّة فما ذكره من التّرديد خارج عن قانون المناظرة، و يمكن الإيراد في المقام بأنّه كما انسدّ سبيل العلم بالطّريق المقرّر كذا انسدّ سبيل العلم بالأحكام المقرّرة في الشّريعة و كما ينتقل من العلم بالطريق المقرّر بعد انسداد سبيله إلى الظّن به فكذا ينتقل من العلم بالأحكام الشّرعيّة إلى ظنّها تنزّلا من العلم إلى الظّن في المقامين، لكون العلم طريقا قطعيّا إلى الأمرين، فبعد انسداد طريقه يؤخذ بالظّن بهما، فغاية ما يستفاد إذا من الوجه المذكور كون الظّن بالطّريق أيضا حجّة كالظّنّ بالواقع و لا يستفاد منه حجيّة الظّنون الخاصّة دون مطلق الظّن، بل قضيّة ما ذكر حجيّة الأمرين، و لا يأبى منه القائل بحجيّة مطلق الظّن و إن أضيف إليه شيء آخر أيضا، و يدفعه أنّه لمّا كان المطلوب أداء ما هو الواقع لكن من الطّريق الّذي قرّره الشّارع، فإن حصل العلم بذلك الطّريق و أدّاه كذلك، فلا كلام، و كذا إن أدّاه على وجه يقطع معه بأداء الواقع فإنّ العلم طريق إليه قطعا سواء اعتبره الشّارع بخصوصه في المقام أولا و سواء حصل له العلم بالطّريق الّذي قرّره الشّارع أولا للاكتفاء بأداء الواقع أيضا، بل يتعيّن الأخذ به على تقدير انسداد سبيل العلم بالطّريق المقرّر و انفتاح سبيل العلم بالواقع، و أمّا إذا انسدّ سبيل العلم بالأمرين تعيّن الأخذ بالظّن بالطريق دون الظّن بالواقع لأداء التّكليف المتعلّق بالطّريق بذلك و أداء الواقع على حسب الطّريق، و أمّا الأخذ
........
الشرح
بمطلق الظّن بالواقع فليس فيه أداء التّكليف المتعلّق بالطّريق، لا علما و لا ظنّا، و كون أداء الواقع على سبيل القطع أداء لما هو الواقع من طريقه قطعا لا يستلزم أن يكون الظّن بأداء الواقع أداء للواقع على سبيل الظّن مع الظن بكونه من طريقه لوضوح أنّ كون العلم طريقا قطعيّا لا يستلزم أن يكون الظّن طريقا ظنيّا، إذ قد لا يكون طريقا أصلا، فليس في أدائه كذلك علم بأداء ما هو الواقع و لا بأدائه على الوجه المقرّر و لا ظنّ بأدائه على الوجه المقرّر، و إنّما هو ظنّ بأداء الواقع لا غير، إلى أن قال:
فإن قلت: إنّه كما قام الظّن بالطّريق مقام العلم به من جهة الانسداد فأيّ مانع من قيام الظّن بالواقع مقام العلم به حينئذ، و إذا قام مقامه كان بمنزلة العلم بأداء الواقع كما أن الظّن بالطّريق بمنزلة العلم به، فكما يحصل البراءة بالعلم مع انفتاح سبيل يحصل أيضا بالظّن مع انسداد سبيله.
قلت: لو كان أداء التّكليف المتعلّق بكلّ من الفعل و الطّريق المقرّر مستقلا صحّ ذلك لقيام الظّن في كلّ من التّكليفين مقام العلم به مع قطع النّظر عن الآخر، و أمّا إذا كان أحد التّكليفين منوطا بالآخر مقيّدا له، فمجرّد حصول الظّن بأحدهما من دون حصول الظّن بالآخر الّذي قيّد به لا يقتضي الحكم بالبراءة، و حصول البراءة في صورة العلم بأداء الواقع إنّما هو لحصول الأمرين به نظرا إلى أداء الواقع، و كونه من الوجه المقرّر لكون العلم طريقا إلى الواقع في حكم العقل و الشّرع، فلو كان الظّن بالواقع ظنّا بالطّريق أيضا جرى الكلام المذكور في صورة الظّن أيضا لكنّه ليس كذلك، و لذا لا يحكم بالبراءة حسبما قلنا» انتهى كلامه رفع مقامه.
و ممّا ذكره أخيرا يظهر أنّ مراده من حكمه باكتفاء أداء الواقع أيضا في طيّ كلماته ليس من جهة كفاية نفس أداء الواقع من حيث هو، بل من جهة كونه
........
الشرح
حاصلا من الطّريق و هو العلم.
و يرد عليه: مضافا إلى ما عرفت في مطاوي ما أفاده شيخنا قدس سره في الإيراد على الوجه الأوّل:
أوّلا: بأنّ التّرديد الّذي ذكره في عنوان هذا الوجه بين العلم و مطلق الظّن و غيرهما قبل الانسداد و بعده ممّا لا معنى له، فإنّه و إن كان محمولا على ما زعمه قدس سره من كون العلم مجعولا شرعا لكنّه جزم بكونه معتبرا دائما في حكم العقل و الشّرع، بل عرفت حكمه بكونه معتبرا في نفسه و إن لم يرد الشّرع به المراد به جمعا بين كلماته اعتباره عقلا، فإذا كان كذلك، فلا يجعل من أطراف المعلوم بالإجمال حتّى يحصل العلم به من الخارج كما هو واضح، بل هو معتبر مطلقا سواء اعتبر غيره معه أم لا، هذا مضافا إلى أنّ احتمال اعتبار الظّن المطلق مع التّمكن من تحصيل العلم ممّا يقطع بفساده عنده، فكيف يجعل أحد طرفي التّرديد، اللّهم إلاّ أن يحمل ما أفاده على المهملة بمعنى العلم إجمالا بجعل طريق من الشارع، أمّا خصوص العلم أو هو مع غيره من الظنون الخاصّة في زمان الانفتاح، أو خصوص الظّنون الخاصّة أو الظّن المطلق في زمان الانسداد كلّ على مذهب، فلا بدّ من الفحص حتّى يعلم بالمجعول في كلّ من الزّمانين و الوقتين فتأمّل.
و ثانيا: أنّ ما أفاده بقوله جوابا عن الاعتراض الثّالث و هو أيضا في الوهن نظير سابقته، إذ من الواضح أنّ للشّارع حكما إلى آخره غير محصّل المراد، لأنّ دوران الأمر بين الظّن الخاصّ الّذي هو مجعول شرعيّ و الظّن المطلق الّذي هو مجعول عقليّ لا معنى له، لأنّ هذا الأمر المردّد بين المجعول و غيره لا يمكن دعوى تعلّق الجعل الشّرعي به و كونه معلوما إجماليّا، لأنّ المجعول العقلي مضافا إلى عدم كونه أمرا واقعيّا يتعلّق الجهل به، بل هو أمر وجداني كما هو واضح ليس في مرتبة
........
الشرح
المجعول الشّرعيّ حتّى يتردّد الأمر بينهما، بل هو بالنّسبة إليه من قبيل الأصل بالنّسبة إلى الدّليل فإن علم باعتبار ظنون خاصّة من جانب الشارع، فلا يحكم العقل بحجيّة الظّن قطعا و إن لم يعلم به سواء ظنّ بالظّن الغير المعتبر أو شكّ فيه حكم قطعا بحجيّة الظّن المطلق فالتّرديد و الدّوران لا معنى له على كلّ تقدير، و هذا بناء على تقرير الحكومة ظاهر، و أمّا بناء على تقرير الكشف فالأمر كذلك، فإنّ المانع من استكشاف العقل حجيّة مطلق الظّن عند الشّارع علمه بحجيّة الظّنون الخاصّة، لا مجرّد احتماله و لو كان ظنّا إذا لم يكن معتبرا فتأمّل.
نعم الفرق بينهما كما ستقف على تفصيل القول فيه في الأمر الثّاني أنّه بناء على الحكومة يحكم بعدم الفرق بين الظّن في المسألة الفقهيّة و الظن في المسألة الأصوليّة، و بناء على الكشف لا يحكم بالتّعميم، إلاّ بعد إجراء مقدّمات الانسداد في تعيين المهملة، و هي المسألة الأصوليّة المستكشفة عن المقدّمات الجارية في الفروع على ما ستعرفه هذا كلّه، مضافا إلى أنّه إذا كان حجيّة مطلق الظّن في المسائل الفقهيّة أحد شقي الترديد و لم يقم بالفرض دليل معتبر على حجيّة بعض الظّنون بخصوصه و إن ظنّ بظنّ لم يعلم اعتباره فلم لا يحكم بتعيّنه و يعدل عنه إلى خصوص المظنون الاعتبار الغير المفيد للظّن بالواقع فتدبّر.
ثمّ إنّك إذا عرفت بعض الكلام في هذا الوجه، فاستمع لما يتلى عليك ممّا وعدناك من نقل كلامه المتعلّق بذكر سائر الوجوه فقال قدس سره: «الثّالث أنّ قضيّة بقاء التّكليف و انسداد سبيل العلم به مع كون قضيّة العقل أوّلا هو تحصيل العلم به هو الرّجوع إلى الظّن قطعا على سبيل القضيّة المهملة، و حينئذ فإن قام دليل قاطع على حجيّة بعض الظّنون ممّا فيه الكفاية في استعلام الأحكام انصرف إليه تلك القضيّة المهملة من غير إشكال، فلا يفيد حجيّة ما زاد عليه و لو تساوت الظّنون من كلّ وجه قضى ذلك بحجيّة الجميع نظرا إلى انتفاء التّرجيح في نظر
........
الشرح
العقل و عدم إمكان رفع اليد عن الجميع و إلى العمل بالبعض دون بعض لبطلان التّرجيح بلا مرجّح، فيجب الأخذ بالكلّ حسبما يدّعيه القائل بحجيّة مطلق الظّن و أمّا إذا قام الدّليل الظّني على حجيّة بعض الظّنون ممّا فيه الكفاية دون البعض فاللاّزم البناء على ترجيح ذلك البعض، إذ لا يصحّ القول بانتفاء المرجّح بين الظّنون و توضيح المقام أنّ الدّليل الظّني القائم على بعض الظّنون، إمّا أن يكون مثبتا لحجيّة عدّة كافية في استنباط الأحكام من غير أن يقوم هناك دليل ظنّي على نفي الحجيّة من غيرها و لا إثباتها، و إمّا أن يكون نافيا لحجيّة عدّة منها من غير أن يكون مثبتا لحجيّة ما عداها و لا نافيا لحجيّتها و إمّا أن يكون مثبتا لحجيّة عدّة منها كذلك نافيا لحجيّة الباقي، و إمّا أن يكون مثبتا لحجيّة البعض على الوجه المذكور نافيا لحجيّة عدّة أخرى مع خلوّ الباقي عن الأمرين، و يجب في حكم العقل الأخذ بمقتضى الظن في الجميع في مقام الترجيح و إن اختلف الحال فيها بالقوّة و الضّعف غير أنّه في القسم الثّاني لا بدّ من الحكم بحجيّة ما قضى الظّن بعدم حجيّته نظرا إلى انتفاء المرجّح بينها.
فإن قلت: إن أقيم الدّليل على حجيّة الظّن مطلقا فقد ثبت ما يدّعيه الخصم و إن لم يقم عليه دليل، فلا وجه للحكم بمقتضى الدّليل الظّني من البناء على الحجيّة أو نفيها، فإنّها رجوع إلى الظّن و اتكال عليه و إن كان في مقام التّرجيح و الاتكال عليه ممّا لا وجه له قبل قيام القاطع عليه، بل نقول إن لم يكن الدّليل الظني القائم في المقام من الظّنون الخاصّة لم يعقل الاتّكال عليه من المستدل، إذ المختار عنده عدم حجيّته و أنّ وجوده كعدمه و إن كان من الظّنون المخصوصة كان الاتّكال عليه في المقام دوريّا.
قلت: ليس المقصود في المقام إثبات حجيّة تلك الظّنون بالأدلّة الظّنية القائمة عليها ليكون الاتّكال في الحكم بحجيّتها على مجرّد الظن، بل المثبت
........
الشرح
لحجيّتها هو الدّليل العقلي المذكور و الحاصل من تلك الأدلّة الظّنية هو ترجيح بعض تلك الظّنون على البعض، فيمنع ذلك من إرجاع القضيّة المهملة إلى الكليّة، بل يقتصر في مقام المهملة على تلك الجملة، فالظّن المفروض إنّما ينبعث على صرف مفاد الدّليل المذكور إلى ذلك و عدم صرفه إلى سائر الظّنون نظرا إلى حصول القوّة بالنّسبة إليها لانضمام الظّن بحجيّتها إلى الظّن الحاصل منها بالواقع بخلاف غيرها، حيث لا ظنّ بحجيّتها في نفسها، فإذا قطع العقل بحجيّة الظن بالقضيّة المهملة، ثمّ وجد الحجيّة متساوية النّسبة بالنّظر إلى الجميع، فلا محالة يحكم بحجيّة الكلّ حسبما مرّ، و أمّا إن وجدها مختلفة و كان جملة منها أقرب إلى الحجيّة من الباقي نظرا إلى الظّن بحجيّتها مثلا دون الباقي، فلا محالة يقدّم المظنون على المشكوك و الموهوم و المشكوك على الموهوم في مقام الحيرة و الجهالة، فليس الدّليل الظّني المفروض مثبتا لحجيّة تلك الظّنون حتّى يكون ذلك اتّكالا على الظّن في ثبوت مظنونه، و إنّما هو قاض بقوّة جانب الحجيّة في تلك الظّنون، فيصرف به ما قضى به الدّليل المذكور من حجيّة الظن في الجملة.
فإن قلت إنّ صرف مفاد الدّليل المذكور إلى ذلك إن كان على سبيل اليقين، ثمّ ما ذكر و إن كان ذلك أيضا على سيبل الظّن كان ذلك أيضا اتّكالا على الظّن، فإنّ النتيجة تتبع أخسّ المقدّمات و الظّاهر أنّه من قبيل الثّاني لتقوّم الظّنّ باحتمال الخلاف، فإذا فرض تحقّق ذلك الاحتمال كان الظّن المذكور كعدمه فيتساوى الظّنون المفروضة بحسب الواقع، فلا يتحقّق ترجيح بينها حتّى ينصرف الدّليل المذكور إلى الرّاجح منها، و الحاصل أنّه لا قطع حينئذ بصرف الدّليل إلى خصوص تلك الظّنون من جهة ترجيحها على غيرها لاحتمال مخالفة الظن المفروض للواقع و مساواتها لغيرها من الظّنون بحسب الواقع، بل احتمال عدم
........
الشرح
حجيّتها بخصوصها، فلا قطع لحجيّتها بالخصوص بوجه من الوجوه حتّى يكون الاتّكال هنا على التّعيين، و غاية الأمر حصول الظّن بذلك، فالمحذور على حاله.
قلت: الاتكال على حجيّة تلك الظّنون ليس على الظّن الدّالّ على حجيّتها بحسب الواقع، و لا على الظن بترجيح تلك الظّنون على غيرها بعد إثبات حجيّة الظّنّ في الجملة، بل التّعويل فيها على القطع بترجيح تلك الظنون على غيرها عند دوران الحجيّة بينها و بين غيرها و توضيح ذلك أنّ قضيّة الدّليل القاطع المذكور هو حجيّة الظّن على سبيل الإهمال، فيدور الأمر بين القول بحجيّة الجميع و البعض، ثمّ الأمر في البعض يدور بين المظنون و غيره و التّفصيل و قضيّة حكم العقل في الدّوران بين حجيّة الكلّ و البعض هو الاقتصار على البعض أخذا بالمتيقّن، و لذا قال علماء الميزان: (إنّ القضيّة المهملة في قوّة الجزئيّة)، و اعترف الجماعة بأنّه لو قام الدّليل القاطع على حجيّة ظنون خاصّة كافية لم يصحّ التّعدي عنها إلى غيرها من الظّنون و لو لم يتعيّن البعض الخاصّ في المقام و دارت الحجيّة بين الأبعاض من غير تفاوت بينها في نظر العقل لزم الحكم بحجيّة الكلّ لبطلان ترجيح البعض من غير مرجّح إلى آخر ما مرّ.
و أمّا لو كان حجيّة البعض ممّا فيه الكفاية مظنونة بخصوصه بخلاف الباقي كان ذلك أقرب إلى الحجيّة من غيره ممّا لم يقم على حجيّة ذلك دليل، فيتعيّن عند العقل الأخذ به دون غيره، فإنّ الرّجحان حينئذ قطعيّ وجدانيّ و التّرجيح من جهة ليس ترجيحا بمرجّح ظنّي، بل قطعيّ و إن كان ظنّا بحجيّة تلك الظنون، فإنّ كون المرجّح ظنّا لا يقتضي كون التّرجيح ظنّيا و هو ظاهر، و الحاصل أنّ العقل بعد حكمه بحجيّة الظّنّ في الجملة و دوران الأمر عنده بين حجيّة خصوص ما قام الدّليل الظّني على حجيّته من الظّنون أو البناء على حجيّة ذلك و غيره ممّا لم يقم دليل على حجيّته من سائر الظّنون لا يحكم إلاّ بحجيّة الأوّل لترجيحه على
........
الشرح
غيره في نظر العقل قطعا، فلا يحكم بحجيّة الجميع من غير قيام دليل على العموم» انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
و هذا الوجه كما ترى مبنيّ على كون نتيجة المقدّمات قضيّة مهملة و ستعرف في الأمر الثّاني أنّ الحقّ في التقرير لما كان تقرير الحكومة و مقتضاها الإطلاق و العموم بالنّسبة إلى الأسباب، كما ستقف على تفصيل القول فيه فما أفاده غير مستقيم، هذا مضافا إلى ما ستقف عليه أنّه بناء على تقرير الكشف المقتضي لإهمال النّتيجة بالمعنى الّذي ستقف عليه، لا معنى للقول بكون مطلق الظّن بالحجيّة و الاعتبار معيّنا للمهملة، بل إنّما يصحّ التّعيين به في الجملة، و أنّ ما ذكر في وجهه غير تامّ مضافا إلى أنّ ما أفاده بعد فرض الإهمال من أنّه قد يقوم هناك دليل قاطع على حجيّة بعض الظّنون ممّا فيه الكفاية فيجب الاقتصار عليه خارج عن مفروض المقام، لأنّ تماميّة دليل الانسداد المنتج لحجيّة الظن على سبيل الإطلاق أو الإهمال موقوف على انسداد باب الظّن الخاصّ الكافي في الأحكام، و أنّه من إحدى مقدّمات هذا الدّليل فكيف يفرض وجوده بعد جريان المقدّمات و إنتاجها لحجيّة الظن، اللّهم إلاّ أن يكون مراده من الدّليل القاطع كونه متيقّن الاعتبار من بين الظنون أو قيام المتيقّن الاعتبار على اعتباره حسبما ستقف على تفصيل القول فيه و إن كانت إرادة هذا المعنى بعيدا من كلامه كما لا يخفى.
ثمّ قال قدس سره: «الرّابع: أنّه بعد قضاء المقدّمات الثّلاث بحجيّة الظّن على سبيل الإهمال إن اكتفينا بالمرجح الظّني كما مرّ في الوجه السّابق كان ما دلّ على حجيّة الدّليل الظّني هو المتبع دون غيره حسبما قرّر في الوجه المتقدّم، و إن سلّمنا عدم العبرة به و تساوى الظّنون حينئذ بالملاحظة المذكورة بالنّسبة إلى الحجّية و عدمها، فاللاّزم حينئذ حجّية الجميع، إلاّ ما قام الدّليل المعتبر على عدمه و من الدّليل المعتبر حينئذ هو الدّليل الظّني لقيامه مقام العلم، فإذا قضى
........
الشرح
الدّليل الظّني بكون الحجّة هي الظّنون الخاصّة دون غيرها تعيّن الأخذ بها دون ما سواها فإنّه بمنزلة الدّليل القاطع الدّال عليه كذلك.
فإن قلت: إذا قام الدّليل القاطع على حجيّة بعض الظنون ممّا فيه الكفاية كانت القضيّة المهملة الثّابتة بالدّليل المذكور منطبقة عليه، فلا يتسرّى الحكم منها إلى غيرها حسب ما مرّ، و أمّا إذا قام الدّليل الظّني على حجيّته، كذلك لم يكن الحال فيها كما ذكر و إن قلنا بقيام الظّن مقام العلم و تنزيله منزلته، فلا وجه إذا للاقتصار عليه، إذ الدّليل الدّال على حجيّته هو الدّال على حجيّة الباقي، غاية الأمر أن يكون الدّال على حجيّته أمران الدّليل القاطع العام و الدّال على حجيّة غيره هو الأوّل خاصّة.
قلت: الحال حينئذ على ما ذكرت و ليس المقصود في المقام تنزيل الدّليل الظّني القائم على خصوص بعض الظّنون منزلة الدّليل القاطع الدّال عليه في تطبيق القضيّة المهملة المذكورة عليه لوضوح الفرق بين الأمرين، بل المقصود أنّ قيام الدّليل الظّني على عدم حجيّة غير الظّنون الخاصّة قاض بسقوطها عن الحجيّة، فإنّ تنزيل ذلك الدّليل الظّني منزلة القطع قاض بعدم حجيّة غيرها من الظّنون.
فإن قلت: إنّه يقع المعارضة حينئذ بين الظّن المتعلّق بالحكم و الظّن المتعلّق بعدم حجيّة ذلك الظّن لقضاء الأوّل بالظّن بأداء المكلّف به القاضي بحصول الفراغ، و قضاء الثّاني بالظّن ببقاء الاشتغال و يتدافعان، و لا بدّ حينئذ من الرّجوع إلى أقوى الظّنين المذكورين لا القول بسقوط الأوّل رأسا.
قلت: لا مصادمة بين الظنين المفروضين أصلا نظرا إلى اختلاف متعلقيهما مع انتفاء الملازمة بينهما أيضا لوضوح إمكان حصول الظّن بالواقع مع الظن بعدم حصول البراءة به في الشّريعة أو العلم به كما هو الحال في القياس
........
الشرح
و نظائره و ساق الكلام إلى أن قال:
فإن قلت: على هذا يقع المعارضة بين الدّليل الظّني المفروض و الدّليل القاطع المذكور الدّال على حجيّة مطلق الظّنون لقضاء ذلك بعدم حجيّة الظّن المفروض فهو دليل ظنّي معارض لما يقتضيه القاعدة القطعيّة إلى أن قال:
قلت: لا معارضة في المقام بين الدّليلين حتّى يكون ظنّيّة أحدهما قاضية بسقوطه في المقام، بل نقول إنّ ما يقتضيه الدّليل القاطع مقيّد بعدم قيام الدّليل على خلافه على حسبما مر بيانه، فإذا قام الدّليل عليه لم يعارض ذلك ما يقتضيه الدّليل المذكور إلى أن قال:
فإن قلت: إن قام هناك دليل على عدم حجيّة بعض الظّنون كان الحال فيه على ما ذكرت، و أمّا مع قيام الدّليل الظّني عليه، فإنّما يصح كونه مخرجا عن موضوع القاعدة المقرّرة إذا كانت حجيّته معلومة و هي إنّما تبتنى على القاعدة المذكورة و هي غير صالحة لتخصيص نفسها إلى أن قال:
قلت: الحجّة عندنا هي كلّ واحد من الظّنون الحاصلة و إن كان المستند في حجيّتها شيئا واحد و حينئذ، فالحكم بحجيّة كلّ واحد منها مقيّد بعدم قيام دليل على خلافه و من البيّن حينئذ كون الظّن المتعلّق بعدم حجيّة الظّن المفروض دليلا قائما على عدم حجيّة ذلك الظّنّ فلا بدّ من ترك العمل به إلى أن قال:
فإن قلت: إنّ العقل كما يحكم بحجيّة الأوّل إلى أن يقوم دليل على خلافه كذا يحكم بحجيّة الأخير كذلك و كما يجعل الثّاني باعتبار كونه حجة دليلا على عدم حجيّة الأوّل، فليجعل الأوّل باعتبار حجيّته دليلا على عدم حجيّة الثّاني، إذ لا يمكن الجمع بينهما في الحجيّة، فأيّ مرجّح للحكم بتقديم الثّاني على الأوّل.
قلت: نسبة الدّليل المذكور إلى الظّنين على حدّ سواء لكنّ الظّن الأوّل متعلّق بحكم المسألة بالنّظر إلى الواقع، و الثّاني متعلّق بعدم حجيّة الأوّل، فإن
........
الشرح
كان مؤدّى الدّليل حجيّة الظّن مطلقا لزم ترك أحد الظّنين و لا ريب إذن في لزوم ترك الثّاني، فإنّه في الحقيقة معارض للدّليل القاطع القائم على حجيّة الظّن مطلقا، لا الظّن المفروض و حينئذ فلا ظنّ بحسب الحقيقة بعد ملاحظة الدّليل القطعيّ المفروض، و أمّا إن كان مؤدّاه حجيّة الظّن، إلاّ ما دلّ الدّليل على عدم حجيّته، فلا مناص من الحكم بترك الظّن الأوّل، إذ قضيّة الدّليل المفروض حجيّة الظّن الثّاني، فيكون دليلا على عدم حجيّة الأوّل و لا معارضة فيه للدّليل القاضي بحجيّة الظّن و ساق الكلام في بيان عدم المعارضة إلى أن قال:
قلت: إنّ مقتضى الدّليل المذكور حجيّة الظّن المتعلّق بالفروع، و الظّن المذكور إنّما يتعلق بالأصول، حيث إنّ عدم حجيّة الظّنون المفروضة من مسائل أصول الفقه، فلا دلالة فيه إذن على عدم حجيّتها، فيندرج تلك الظّنون حينئذ تحت القاعدة المذكورة و يكون الدّليل المذكور حجّة قاطعة على حجيّتها.
قلت: أوّلا إنّ مفاد الدّليل المذكور حجيّة الظن فيما انسدّ فيه سبيل العلم مع العلم ببقاء التّكليف فيه، و لا اختصاص له بالفروع و إن كان عقد البحث لها و المفروض انسداد سبيل العلم في هذه المسألة، و عدم المناص عنه في العمل.
و ثانيا: إنّ مرجع الظّن المذكور إلى الظّن في الفروع، إذ مفاده عدم جواز العمل بمقتضى الظّنون المفروضة و الإفتاء الّذي هو من جملة أعمال المكلّف فتأمّل» انتهى كلامه المتعلّق بهذا الوجه.
و يتوجّه عليه أوّلا: أنّ الظّن بحجيّة جملة من الأمارات الكافية في الفقه لا يلازم الظن بعدم حجيّة غيرها من الأمارات ضرورة أنّ ما في أيدينا من الأمارات القائمة في المسألة الأصوليّة ليست ناطقة بذلك، و المهملة المردّدة بين الكلّ و البعض تجامع كلاّ منهما، فكيف يكون الظن بحجيّة بعض الأمارات نافية لحجيّة غيرها حتّى يكون محلا للوجه المذكور.
........
الشرح
و ثانيا: أنّه على تقدير تسليم ذلك أو فرض هناك أمارة دالّة على قضيّتين موجبة و سالبة يدخل المسألة لا محالة في مسألة المانع و الممنوع، كما هو صريح كلامه في المقام، و سيجيء أنّه على تقرير الحكومة و حجيّة الظن في الأصول، كما في الفروع يلزم الأخذ بأقوى الأمارتين و التّقييد الّذي ذكره في مقتضى الدّليل سيجيء ما فيه.
و ثالثا: أنّه لا مناص عن توجّه السّؤال الأخير فإنّك ستسمع أنّ نتيجة المقدّمات على الكشف و الإهمال هي حجيّة الظن في خصوص الفروع على ما عرفت الإشارة إليه سابقا، نعم قد ذكرنا أنّه يمكن إثبات حجيّة الظّن في الأصول بتقرير مقدّمات في تعيين هذه المهملة لو لم يكن هناك معيّن لها بالنّسبة إلى الفروع لكن على سبيل الإهمال لا الإطلاق كما ذكره، لكن كلامه ليس مبنيّا على ذلك كما لا يخفى.
هذا و أمّا ما أفاده من الجواب الثّاني عن السؤال الأخير فلو لا أمره بالتّأمل الكاشف عن عدم تماميّته عنده لذكرنا بعض ما فيه من أنّ الرّجوع الّذي ذكره إنّما هو بالنّسبة إلى الحكم الفرعيّ الظّاهري لا الواقعي، الّذي هو محلّ الكلام و البحث، فأين هذا منه، ثمّ ساق الكلام بعد ذكر الوجه الخامس الّذي أقامه في قبال القول بحجيّة مطلق الظّن في الفروع المبنيّ على إهمال النّتيجة و وجوب الاقتصار على القدر المتيقّن من الظّنون و الكلام في إثبات صغراه كما سيجيء تفصيل القول فيه في الأمر الثّاني إلى أن قال: «السّادس: أنّه قد دلّت الأخبار القطعيّة و الإجماع المعلوم على وجوب الرّجوع إلى الكتاب و السّنة، بل ذلك ممّا اتفقت عليه الأمّة و إن وقع الخلاف بين الخاصّة و العامّة في موضوع السّنة، و ذلك ممّا لا ربط له بالمقام، و حينئذ فنقول: إن أمكن حصول العلم بالحكم الواقعي من الرّجوع إليهما في الغالب تعيّن الرّجوع إليهما على الوجه المذكور
........
الشرح
حملا لما دلّ على الرّجوع إليهما على ذلك و إن لم يحصل ذلك بحسب الغالب و كان هناك طريق في كيفيّة الرّجوع إليهما تعيّن الأخذ به، و كان بمنزلة الوجه الأوّل و إن انسدّ سبيل العلم به أيضا و كان هناك طريق ظنّي في كيفيّة الرّجوع إليهما لزوم الانتقال إليه و الأخذ بمقتضاه و إن لم يفد الظن بالواقع تنزّلا من العلم إلى الظّن مع عدم المناص عن العمل، و إلاّ لزم الأخذ بهما و الرّجوع إليهما على وجه يظنّ منهما بالحكم على أيّ وجه كان لما عرفت من وجوب الرّجوع إليهما حينئذ، فينزّل إلى الظّن و حيث لا يظهر ترجيح لبعض الظنون المتعلّقة بذلك على بعض يكون مطلق الظّن المتعلّق بهما حجّة، فيكون المتّبع حينئذ هو الرّجوع إليهما على وجه يحصل الظّن منهما، و قد أطال الكلام في النّقض و الإبرام على ما ذكره و حاصله إجراء المقدّمات في خصوص العمل بالكتاب و السّنة دون الواقع بما هو واقع، و قد سلك هذا المسلك الشيخ المحقّق التّستري قدس سره فيما تقدّم من كلامه في مسألة حجيّة نقل الإجماع و اقتصر عليه في إثبات حجيّة الظّن في خصوص الطّريق، و لما كان غرض المحقّق المحشي قدس سره و المهم في نظره منع حجيّة مطلق الظّن بالواقع كما يقوله جماعة، و يتأتّى ذلك بعدم التّعدّي عن الظّن الحاصل من الكتاب و السّنة بالنّظر إلى الواقع و لم يتعرّض لوجه تقديم الظّن الأوّل على الثّاني، فلا بدّ أن يكون الوجه فيه أحد الوجوه السّابقة في كلامه فلا يعدّ هذا وجها مستقلا في إثبات المقام و إن كان وجها مستقلا في إثبات مرامه الّذي عرفته، فيظهر الجواب عن التّرتيب الّذي زعمه بين الظّنين بملاحظة الجواب عن سائر الوجوه، كما أنّه يظهر الجواب عن هذا الوجه بملاحظة ما تقدّم في مسألة حجيّة الأخبار من حيث الخصوص فراجع هذا، مع أنّ ما أفاده قدس سره مضافا إلى ما فيه من وجوه غير مخفيّة قد تقدّمت غير محصّل المراد، فإنّ غرضه من ذلك إثبات حجيّة الأخبار الحاكية عن السّنة قولا
........
الشرح
أو فعلا أو تقريرا عند التّأمّل و الأدلّة القطعيّة القاضية بالرّجوع إلى الكتاب و السّنة لا تعرض لها بالنّسبة إلى ما يحكى عنهما قطعا بل لا تعرّض لها بالنّسبة إلى حجيّة ظواهرهما عند التّحقيق و إن كانت حجّة من حيث الخصوص عندنا كما تقدّم تفصيل القول فيه في مسألة حجيّة ظواهر الكتاب فراجع.
و قال قدس سره: «السّابع: أنّه لا شكّ في كون المجتهد بعد انسداد باب العلم مكلّفا بالإفتاء و أنّه لا يسقط عنه التّكليف المذكور من جهة انسداد سبيل العلم، و من البيّن أنّ الإفتاء فعل كسائر الأفعال يجب بحكم الشّرع على بعض الوجوه و يحرم على آخر فحينئذ إن قام عندنا دليل علميّ على تميز الواجب منه عن الحرام، فلا كلام في تعيّن الأخذ به و وجوب الإفتاء بذلك الطّريق المعلوم و حرمة الإفتاء على الوجه الآخر و إن انسدّ سبيل العلم بذلك أيضا تعيّن الرّجوع في التّميز إلى الظّن ضرورة بقاء التّكليف المذكور و كون الظّن هو الأقرب إلى الواقع، فإذا دار أمره بين الإفتاء بمطلق الظّن أو بمقتضى الظّنيّات الخاصّة دون مطلق الظّن لم يجز له ترك الفتوى مع حصول الأوّل و الإقدام عليه بمجرّد قيام الثّاني، إذ هو ترك للظّن و تنزّل إلى الوهم من دون باعث عليه.
فإن قلت: إن الظن بثبوت الحكم في الواقع في معنى الظّن بثبوت الحكم في حقّنا و هو مفاد الظّن بتعليق التّكليف بنا في الظّاهر، فكيف يقال بالانفكاك بين الظّن بالحكم و الظّن بتعلّق التّكليف في الظّاهر المرجّح للحكم و الإفتاء.
قلت: إن أقصى ما يفيده الظّن بالحكم هو الظّن بثبوت الحكم في نفس الأمر و هو لا يستلزم الظن بجواز الإفتاء أو وجوبه بمجرّد ذلك ضرورة جواز الانفكاك بين الأمرين حسبما مرّ بيانه في الوجوه السّابقة أ لا ترى أنّه يجوز قيام الدّليل القاطع أو المفيد للظّن على عدم جواز الإفتاء حينئذ من دون أن يعارض ذلك الظن المتعلّق بنفس الحكم، و لذا يبقى الظّن بالواقع مع حصول القطع أو الظّن
........
الشرح
بعدم جواز الإفتاء بمقتضاه و دعوى أنّ قضيّة الظّن بثبوت الحكم في الواقع هو حصول الظن بتعلّق التّكليف ينافي الظّاهر و الظّن بجواز الإفتاء بمقتضاه، إلاّ أن يقوم دليل قاطع أو مفيد للظّن بخلافه عريّة عن البيان، كيف و ضرورة الوجدان قاضية بانتفاء الملازمة بين الأمرين و لو مع انتفاء الدّليل المفروض نظرا إلى احتمال أن يكون الشّارع قد منع من الأخذ به، نعم لو لم يقم هذا الاحتمال كان الظّن بالحكم مستلزما للظّن بتعلّق التّكليف في الظّاهر.
فإن قلت: إنّ مجرّد قيام الاحتمال لا ينافي حصول الظّن سيّما بعد انسداد سبيل العلم بالواقع و حكم العقل حينئذ بالرّجوع إلى الظّن.
قلت: الكلام حينئذ في مقتضى حكم العقل، فإنّ ما يقتضيه العقل توقّف الإفتاء على قيام الدّليل القاطع على جوازه و بعد انسداد سبيله ينتقل إلى الظّن به و مجرّد الظّن بالواقع لا يقتضيه مع قيام الدّليل الظّني على جواز الإفتاء بظنيّات مخصوصة، نعم إن لم يقم دليل ظنّي على الرّجوع إلى بعض الطّرق ممّا يكتفى به في استنباط القدر اللاّزم من الأحكام، و كانت الظّنون متساوية من حيث المدرك في نظر العقل كان مقتضى الدّليل المذكور القطع بوجوب العمل بالجميع و جواز الإفتاء بكلّ منها لوجوب الإفتاء حينئذ و انتفاء المرجّح بينها، و أمّا مع قيام الدّليل الظّني، فلا ريب في عدم جواز الرّجوع إلى مطلق الظّن بالواقع، و الحاصل أنّ الواجب أوّلا بعد انسداد سبيل العلم بالطّريق المجوّز للإفتاء هو الأخذ بمقتضى الدّليل القاضي بالظّن بجواز الإفتاء سواء أفاد الظّن بالواقع أو لا، و مع انسداد سبيل الظّن به يؤخذ بمقتضى الظّنّ بالواقع و يتساوى الظّنون حينئذ في الحجيّة و يكون ما قرّرنا دليلا قاطعا على جواز الإفتاء بمقتضاها» انتهى ما أردنا نقله من كلامه قدس سره.
و أنت خبير بأنّ المدّعى الواحد لا يختلف باختلاف التعبيرات، ضرورة أنّ
مقابل العمل بالواقع، فكما أن العمل بالواقع مع قطع النظر عن العلم لا يوجب امتثالا و إنما يوجب فراغ الذمة من المأمور به واقعا لو لم يأخذ فيه تحققه على وجه الامتثال فكذلك سلوك الطريق المجعول مطلقا، فكل منهما موجب لبراءة الذمة واقعا و إن لم يعلم بحصوله، بل و لو اعتقد عدم حصوله.
و أمّا العلم بالفراغ المعتبر في الإطاعة، فلا يتحقق في شيء منهما إلاّ بعد العلم أو الظن القائم مقامه.
الشرح
الواجب على المفتي في كلّ زمان الإفتاء بالأحكام الواقعيّة، أو الظّاهرية من الطّرق المقرّرة لها، و هذا ممّا لم يختلف فيه أحد و إنّما الاختلاف في الطّرق و القائل بحجيّة مطلق الظن يقول إنّ الطّريق للأحكام مطلق الظّن المتعلّق بها بحسب الواقع فقط، أو هو مع الظّن المتعلّق بها بحسب الظّاهر على الاختلاف و إنّ نتيجة مقدّمات الانسداد بحكم العقل ذلك لا خصوص الثّاني على ما تقدّم تفصيل القول فيه، و دعوى كون الطّريق خصوصه محتاجة إلى الإثبات، فلا بدّ من أن يتمسّك له ببعض الوجوه السّابقة فلا يكون هذا الوجه دليل مستقلاّ على المدّعى، هذا مع أنّ ما أفاده في بيان تسليم الملازمة بين الظّن بالحكم و الظّن بجواز الإفتاء بقوله نعم لو لم يقم هذا الاحتمال إلخ غير محصّل المراد، إذ مع انتفاء احتمال المنع يقطع بحجيّة الظّن بالخصوص، فيحصل القطع بجواز الإفتاء فيخرج عن مفروض البحث، لا أنّه يظنّ بجواز الإفتاء مع انتفاء هذا الاحتمال، فلعلّه سهو من قلمه الشّريف أو غلط من النّاسخ فلا تغفل.
ثمّ إنّه لو بني في المسألة على الاستدلال بهذا الوجه أمكن الاستدلال بنظيره بالنّسبة إلى ما دلّ على وجوب على الحاكم في الأحكام الكليّة الإلهيّة، لا في الشّبهات الموضوعيّة، فإنّ وجوب القضاء على المجتهد في الشّبهات الحكميّة نظير وجوب الإفتاء عليه ثابت بالأدلّة القطعيّة حرفا بحرف.
فالحكم بأن الظن بسلوك الطريق المجعول يوجب الظن بفراغ الذمة بخلاف الظن بأداء الواقع، فإنّه لا يوجب الظن بفراغ الذمة إلاّ إذا ثبت حجية ذلك الظن، و إلاّ فربما يظن بأداء الواقع من طريق يعلم بعدم حجيته تحكم صرف.
و منشأ ما ذكره قدس سره تخيل أن نفس سلوك الطريق الشرعي المجعول في مقابل سلوك الطريق العقلي الغير المجعول و هو العلم بالواقع، الذي هو سبب تام لبراءة الذمة، فيكون هو أيضا كذلك، فيكون الظن، بالسلوك ظنا بالبراءة بخلاف الظن بالواقع، لأنّ نفس أداء الواقع ليس سببا تاما للبراءة حتى يحصل من الظن به الظن بالبراءة، فقد قاس الطريق الشرعي بالطريق العقلي.
و أنت خبير بأنّ الطريق الشرعي لا يتصف بالطريقية فعلا، إلاّ بعد العلم به تفصيلا، و إلاّ فسلوكه أعني مجرد تطبيق الأعمال عليه، مع قطع النظر عن حكم الشارع لغو صرف، و لذلك أطلنا الكلام في أن سلوك الطريق المجعول في مقابل العمل بالواقع، لا في مقابل العلم بالعمل بالواقع.
و يلزم من ذلك كون كل من العلم و الظن المتعلق بأحدهما في مقابل المتعلق بالآخر، فدعوى أن الظن بسلوك الطريق يستلزم الظن بالفراغ بخلاف الظن بإتيان الواقع فاسدة.
هذا كلّه مع ما علمت سابقا في رد الوجه الأول من إمكان منع جعل الشارع طريقا إلى الأحكام و إنما اقتصر على الطرق المنجعلة عند العقلاء و هو العلم، ثمّ على الظن الاطمئناني.
ثمّ إنك حيث عرفت أن مآل هذا القول إلى أخذ نتيجة دليل الانسداد بالنسبة إلى المسائل الأصولية و هي حجية الأمارات المحتملة للحجية، لا
بالنسبة إلى نفس الفروع،
فاعلم أن في مقابله قولا آخر لغير واحد من مشايخنا المعاصرين قدست أسرارهم و هو عدم جريان دليل الانسداد على وجه يشمل مثل هذه المسألة الأصولية أعني حجية الأمارات المحتملة، و هذا هو القول الذي ذكرنا في أول التنبيه أنّه ذهب إليه فريق، و سيأتي الكلام فيه عند التكلم في حجية الظن المتعلق بالمسائل الأصولية إن شاء اللّه تعالى.
ثمّ اعلم أن بعض من لا خبرة له لما لم يفهم من دليل الانسداد، إلاّ ما تلقن من لسان بعض مشايخه و ظاهر عبارة كتاب القوانين ردّ القول الذي ذكرناه أولا عن بعض المعاصرين من حجية الظن في الطريق لا في نفس الأحكام بمخالفته لإجماع العلماء حيث زعم أنهم بين من يعمم دليل الانسداد لجميع المسائل العلمية أصولية أو فقهية كصاحب القوانين و بين من يخصصه بالمسائل الفرعية، فالقول بعكس هذا خرق للإجماع المركب.
و يدفعه أن المسألة ليست من التوقيفيات التي يدخلها الإجماع المركب، مع أن دعواه في مثل هذه المسائل المستحدثة (1) بشيعة جدا، بل المسألة عقلية، فإذا فرض استقلال العقل بلزوم العمل بالظن في مسألة تعيين الطرق، فلا
الشرح
(1) مراده ممّا أفاده أنّه لو كان الكلام في المسألة في أنّ المجعول الشّرعي في حقّ المكلّفين في زمان الانسداد ما إذا أمكن دعوى الإجماع فيها مركّبا أو بسيطا في وجه مع قطع النّظر عن الجواب الثّاني الرّاجع إلى عدم إمكان الاطّلاع على أقوال العلماء مع عدم عنوان المسألة في كلماتهم، إلاّ على وجه الاجتهاد و الحدس الّذي لا يفيد في شيء، و أمّا لو كان البحث في المسألة فيما يحكم به العقل في طريق إطاعة الأحكام الشّرعيّة المنسدّ فيها باب العلم، و أنّه هل يحكم بحجيّة الظّن في خصوص الواقع أو الطّريق أو هما معا، فلا معنى لدعوى الإجماع فيها بسيطا أو مركّبا فتدبّر.
معنى لرده بالإجماع المركب، فلا سبيل إلى رده إلاّ بمنع جريان حكم العقل و جريان مقدمات الانسداد في خصوصها كما عرفته منا أو فيها في ضمن مطلق الأحكام الشرعية كما فعله غير واحد من مشايخنا
و هو أهم الأمور في هذا الباب أنّ نتيجة دليل الانسداد هل هي قضية مهملة (1) من حيث أسباب الظن، فلا يعمّ الحكم لجميع الأمارات الموجبة
الشرح
(1) عنوان المسألة في الإهمال و الكليّة من حيث خصوص الأسباب، مع أنّه يتكلّم قدس سره بعد ذلك فيهما من حيث الموارد و المراتب أيضا لعلّه من جهة كون البحث في المسألة من حيث الأسباب هو المقصود الأهمّ المذكور في كلمات أكثر المتعرّضين للمسألة، و إلاّ فلا خصوصيّة للأسباب قطعا، نعم هنا كلام آخر في عموم النّتيجة لغير الأحكام الإلزاميّة لم أر التّعرض له في كلماتهم، لكنّك قد عرفت سابقا أنّ تقرير الدّليل على ما في كتب القوم المتداول في ألسنتهم بوجوه و عبارات مختلفة لا يقتضي حجيّة الظّن بالنّسبة إلى غير الأحكام الإلزاميّة قطعا من غير فرق بين تقرير الحكومة و الكشف، لأنّ العلم بالواجبات و المحرّمات و بناء التّكليف بالنّسبة إليهما و عدم جواز الرّجوع إلى الأصول النّافية و عدم وجوب الاحتياط أو ما يوافقه من الأصول من جهة لزوم الحرج لا يقتضي حجيّة الظّن بالنّسبة إلى الاستحباب و الكراهة فضلا عن الإباحة، بل لو دار الأمر في جزئية شيء للعبادة مع العلم برجحانه و قامت الأمارة على استحبابه، لا يمكن الحكم بمقتضاها و ترتيب آثار المستحب على الفعل المفروض، اللّهم إلاّ أن يتشبّث بذيل الإجماع المركّب و عدم القول بالفصل كما قيل، أو الأولويّة كما زعم، و هما كما ترى، أو يقرّر الدّليل بوجه آخر قد عرفته في طيّ كلماتنا السّابقة و هو إجراؤه في جميع الأحكام من حيث
........
الشرح
تعلّق غرض الشّارع بحفظها و إبقائها ببقاء الشّريعة، و هذا لا فرق فيه بين الأحكام الإلزاميّة و غيرها من الأحكام، فإن تمّ فهو و إلاّ أشكل الأمر على القائلين بحجيّة الظّن من جهة دليل الانسداد المعروف أو لزوم دفع الضّرر و نحوهما ممّا أقاموه لحجيّة الظّن المطلق، فليكن هذا في ذكر منك لعلّه ينفعك فيما بعد.
ثمّ إنّ المراد من الإهمال في المقام من أيّ جهة يبحث عنها من حيث الإهمال ليس ما يتوهّم من عدم العلم بالعنوان الّذي يحكم به العقل، بل المراد منه العنوان المعيّن الّذي يجامع العموم و الخصوص في قبال العنوان الّذي ينطبق على العموم يقينا أو الخصوص كذلك كيف و حكم العقل و لو كان بمعنى الإدراك، لا يجامع المهملة بالمعنى المعروف، أ لا ترى أنّه على الكشف يحكم بإهمال النّتيجة كما ستقف عليه، و المراد به أنّه يحكم العقل بأنّه يجب على الشّارع جعل ما به الكفاية في الاستنباط من الأمارات الظّنية، فإن كان ما به الكفاية متعدّدا لا يحكم بوجوب جعل الجميع و إن كان محتملا كما لا يحكم بوجوب جعل بعض الخصوصيات ليس إلاّ، و إن كان البعض متيقّنا فالمقابل للمهملة أعمّ من القضيّة العامّة الحقيقيّة الّتي هي معيّنة في ضمن الجميع و الخاصّة المنطبقة على بعض معيّن، نعم لو كان عقد المسألة من حيث عموم النّتيجة و عدمها دخل القسم الثّاني في الثّاني، و من هنا قد عبّر قدس سره عن مقابل المهملة بالمطلقة تارة و بالكليّة أخرى و بالمعيّنة ثالثة، كما ستقف عليه و ليكن هذا في ذكر منك، فإنّ كلام شيخنا قدس سره في هذا الأمر لا يخلو عن تشويش و اضطراب على ما في الكتاب مع كثير اهتمامه بشأنه و إن كان المراد واضحا سيّما بعد ما نسمعك من البيانات الّتي سمعناها منه قدس سره مرارا في مجلس البحث و غيره، و قد كان بانيا على تغيير عبارة الكتاب في الأمر الثّاني في كثير من مواضعه، و قد دعي فأجاب قبله جزاه اللّه عن الدّين و أهله و عنّا خير الجزاء و أسكنه بحبوحات جنانه و حشره اللّه مع محمّد و آله الطيّبين الطّاهرين صلوات اللّه و سلامه عليه و عليهم أجمعين.
للظن، إلاّ بعد ثبوت معمم من لزوم ترجيح بلا مرجح، أو إجماع مركب، أو غير ذلك أو قضية كلية لا تحتاج في التعميم إلى شيء، و على التقدير الأول فهل يثبت المرجح لبعض الأسباب على بعض أم لم يثبت، و على التقدير الثاني أعني كون القضية كلية فكيف توجبه خروج القياس، مع أن الدليل العقلي لا يقبل التخصيص فهنا مقامات.
و التحقيق أنّه لا إشكال (1) في أن المقدمات السابقة التي حاصلها بقاء
الشرح
(1) قد يجري دليل الانسداد في كلّ مسألة يحتمل فيها الحكم الإلزامي في نفسها من دون ملاحظة انضمامها بسائر المسائل التي فرض فيها العلم الإجمالي بأحكام إلزاميّة كثيرة تبلغ حدّ الشّبهة المحصورة سواء كان الشّك فيها في التّكليف أو المكلّف به، مع إمكان الاحتياط في كلّ واحد منهما أو لا معه، مع وجود الحالة السّابقة في كلّ واحد بحيث يلاحظ في حكمه أو لا معه، و قد يجري في مجموع المسائل، الّتي علم بوجود الأحكام الإلزاميّة فيها و إن لم يكن كلّ مسألة من دون ملاحظة الانضمام موردا للعلم الإجمالي بالتّكليف الإلزامي، فإن جرى على الوجه الأوّل، فلا إشكال في عدم الفرق و عموم النتيجة بحسب كلّ خصوصيّة تفرض، أمّا بحسب المورد و خصوصيّة المسائل فواضح لا يحتاج إلى البيان، لأنّ المفروض جريان الدّليل في كلّ مورد و مسألة، و أمّا بحسب الأسباب فلأنّه و إن أمكن اجتماع أسباب متعدّدة للظّن في مسألة، إلاّ أنّه لمّا كانت نتيجة المقدّمات على ما أسمعناك مرارا و ستسمعه حجيّة الظّن الشّخصي، و لا يعدل عنه إلى الظّن النّوعي، إلاّ بعد فرض انسداد بابه و لا يمكن تأثير كلّ واحد في حدوث ظنّ بالنّسبة إلى مسألة شخصيّة، ضرورة استحالة اجتماع الأمثال كالأضداد و إن حدثت من اجتماعها المرتبة القويّة من
........
الشرح
الظن التي هي شخص واحد حقيقة و إن كانت واجدة للمرتبة الضّعيفة بمعنى وجدانها لذاتها، لا وجدانها لها بحدّها، و إلاّ لرجع إلى اجتماع المثلين، و هذا معنى وجدان القويّ للضّعيف، لا ما يتوهّم من كون الضّعيف موجودا في ضمن القويّ و معه بوصفه كما هو واضح فلا محالة لا يتحقّق اجتماعهما بوصف السّبب الفعلي للظّن فلم يتعدّد السّبب حقيقة و إنّما تعدّد المقتضيات و العلل النّاقصة.
فإن شئت قلت: الحجّة الظّن الشخصي و الفعلي الموجود في المسائل و لا يمكن تعدّده في المسألة الشخصيّة، فإذا لم يتعدّد كان الدّليل على تقرير الكشف أيضا قاضيا بحجيّته كتقرير الحكومة على ما يقتضيه قضيّة الانحصار، فالمستكشف على تقرير الكشف و إن كان جعل ما به الكفاية، إلاّ أنّه إذا فرض الانحصار، فلا محالة ينطبق على ما هو الموجود فكلّ سبب وجد في المسألة و أثر في وجود الظّن فهو حجّة لا محالة، و من هنا يعلم أنّه على هذا التّقدير لا مناص من لزوم إشكال خروج القياس إذا فرض استناد حصول الظّن به مستقلا، بل فرض دخله في السّبب بمعنى كونه جزءا له و لا يأبى كلام شيخنا قدس سره فيما أفاده بقوله و على التّقدير الثّاني أعني كون القضيّة كليّة فكيف توجيه خروج القياس إلى آخره لهذا الفرض، فإن النّتيجة كليّة عامّة فيه أيضا، فإنّ المفروض الحكم بحجيّة كلّ ظنّ من أيّ سبب حصل في المسألة، فإذا حصل من القياس فكيف يمكن الحكم بعدم حجيّته، مع أنّ الفرض حصول الظّن منه و القول بانفتاح باب العلم في المسألة بملاحظة الدّليل القطعيّ القائم على عدم حجيّته يرجع إلى ما ذكروه في التّفصّي عن الإشكال من جهة خروجه فافهم.
و أمّا بحسب المرتبة و عدم الفرق بين القويّ و الضّعيف، فلما عرفت من استحالة اجتماعهما، نعم يمكن أن يقال بناء على الفرق بينهما، فيما سيجيء من القسم الثّاني أنّه لا بدّ أوّلا فيما أمكن تحصيل القويّ و إن لم يمكن تحصيله
........
الشرح
فالضّعيف حجّة، و هذا كما ترى لا يرجع إلى الفرق بينهما بقول مطلق بمعنى عدم حجيّة الضّعيف رأسا و إن رجع إلى الفرق بينهما في الجملة، و عدم حجيّة الضّعيف عند التّمكن من تحصيل القويّ في المسألة فافهم و اغتنم.
ثمّ إنّه قدس سره استظهر هذا الوجه ممّا أفاده المحقّق القميّ قدس سره في القوانين في بعض كلماته، فإنّها و إن كانت مختلفة مضطربة في بيان هذا المرام لكن بعضها ظاهر فيما أسنده إليه كما ستقف عليه، و لا يأبى من القول بذلك، فإنّه ممّن شيّد أساس حجيّة الظّن المطلق في الأزمنة المتأخّرة و أحكمه و إن سبقه إلى ذلك شيخه و أستاذه الفريد المحقّق الأستاذ البهبهاني المؤسّس لهذا القانون حقيقة وفاقا لشريكه في التّلمذ السيّد السّند المير سيّد علي صاحب الرّياض، فإنّه قد أفرد رسالة في هذه المسألة و أشرح القول فيه، و تبعهم جماعة ممّن تأخّر من تلامذتهم و غيرهم، إلا أنّي لم أر مثل المحقّق القميّ قدس سره و قدّس اللّه أسرارهم في الإصرار و تكثير القول فيها، بل قد لا يأبى بعض كلماته من القول بحجّية مطلق الظّن في زمان انفتاح باب العلم، حيث إنّه ذكر في مطاوي كلماته أنّه لمّا كان دفع الضّرر المظنون واجبا و دفع المحتمل منه غير واجب بحكم العقل قلنا بحجّية مطلق الظّن من أوّل الأمر أيضا إلى في زمان انفتاح باب العلم، فإنّه زعم أنّ مبنى وجوب تحصيل العلم في المسألة عند التّمكن هو خصوص حكم العقل من جهة حكمه بوجوب دفع الضّرر المحتمل الّذي منعه، و إن ذكرنا في مطاوي كلماتنا السّابقة أنّ لزوم دفع الضّرر المحتمل الأخروي ممّا يحكم به ضرورة العقل و هو مبنى وجوب النّظر في المعجزة، بل مبنى وجوب شكر المنعم المبتنى عليه وجوب معرفته في وجه، مضافا إلى عدم انحصار دليل وجوب تحصيل العلم في القاعدة المذكورة، بل هو ممّا قضت به الأدلّة الثّلاثة على وجه الارتياب في دلالتها بل الكتاب و السّنة مشحونان منه، كما هو ظاهر لمن راجع إليهما، إلاّ أنّي لا أظنّ أنّ
........
الشرح
هذا الكلام ممّا يعتقد به قدس سره، بل ذكره وجها في المسألة، فإنّ القول بذلك خلاف الإجماع يقينا و هو أجلّ شأنا من أن يخفى عليه الإجماع، بل قد عرفت كون الكتاب و السّنة مشحونين به و هما بمنظر و مسمع منه قدس سره و تنزيل تمام ما ورد في ذلك على الأصول، مع أنّ جملة منها صريحة في الفروع كما ترى، بل سيجيء أنّ ما استظهره شيخنا قدس سره في المقام و إن ساعده بعض كلماته، إلاّ أنّ اعتقاده بذلك و مصيره إليه محلّ تأمّل، فإنّه و إن أبطل الرّجوع إلى البراءة لعدم الدّليل عليه بعد قيام الظّن بخلافه فالرجوع إليها مشروط بعدم قيام الظن فهو مانع عنها، كما أبطل وجوب الاحتياط أيضا بعدم المقتضي، فإنّ العلم الإجمالي و إن بلغ حدّ الشّبهة المحصورة لا يؤثر في وجوب الاحتياط عنده فهما كما ترى ظاهران فيما استظهره منه قدس سره، إلاّ أنّ لازم هذا القول أنّه لو فرض انفتاح باب العلم في جميع المسائل، إلاّ في مسألة شخصيّة لحكم بحجيّة الظن المطلق فيها و إن لم تكن ثمرة غيره بين هذا الوجه و الوجه الثّاني بناء على الحكومة، إلاّ بالملاحظة عند التّحقيق في زمان الانسداد، إلاّ فيما عرفت من التّعميم من حيث المرتبة على الوجه، الّذي عرفته على هذا الوجه و عدم التّعميم على الوجه المذكور على الوجه الثّاني، و أمّا التّعميم من جهتي الأسباب و الموارد فثابت على تقرير الحكومة أيضا كما ستقف عليه، و لا أظن التزامه بهذا اللاّزم و إن لم يكن بعيدا كلّ البعد من طريقته.
ثمّ إنّ ظهور الوجه من صاحبي الزّبدة و المعالم من جهة استنادهما في إبطال البراءة بعدم حصول الظن منها في مقابل خبر العادل، و هذا كما ترى لا فرق فيه بين ملاحظة الانضمام و الانفراد، فيلزمهما القول بحجيّة الخبر لو فرض انفتاح باب العلم في غالب المسائل أيضا و إن لم يظنّ التزامهما به إذا كان استندا في الحجيّة إلى دليل الانسداد و إن كانا قائلين به من جهة سائر ما أقاموه على حجيّة الخبر، بل
........
الشرح
يلزمهما القول بحجيّة مطلق الظن كذلك نظرا إلى اقتضاه دليل الانسداد، الّذي أقاموه لإثبات حجيّة الخبر بخصوصه لحجيّة مطلق الظّن من غير خصوصيّة للخبر و إن لم يعتقدا هذا الاقتضاء فذهبا إلى حجيّة الخبر بخصوصه مستندين إلى هذا الدّليل المقتضي لحجيّة غيره، هذا لكنك قد عرفت أنّ استظهار هذا الوجه منهما ليس مبنيّا على اقتضاء دليلهما لحجيّة مطلق الظّن، بل على تقدير قصر الاقتضاء في الخبر صحّ الاستظهار المذكور أيضا.
هذا ثمّ إنّ ما أفاده قدس سره للتّعميم من جميع الجهات و الخصوصيّات على هذا الوجه بقوله: (و هذا ثابت بالإجماع و العقل) قد يناقش فيه من حيث التمسّك بالإجماع في المسألة، مع أنّه شنّع على المتمسّك به في ردّ القول بتخصيص نتيجة الدّليل بالظّن في الطّريق بكون المسألة عقليّة مستحدثة، فكيف يدّعي الإجماع فيها و قد يدفع المناقشة بأنّ الغرض من الإجماع في كلامه ليس الإجماع الاصطلاحي، بل معناه اللّغوي و هو الاتفاق فيكون المراد اتّفاق العقلاء لا خصوص المتشرّعة، بل يمكن أن يقال إنّه ليس في مقام الاستدلال، بل غرضه كون التّعميم أمرا مسلّما فتأمل.
ثمّ المراد ليس الاطلاع الحسّي على حصول الاتّفاق، حتّى يتوجّه عليه بأنّ المسألة من المستحدثات، كيف و أكثرهم ذهبوا إلى حجيّة الظّنون الخاصّة في الأحكام، بل المراد الحدس بأنّ المسألة كذلك عندهم قطعا على تقدير ذهابهم إلى حجيّة الظّن المطلق و إجرائهم له في كلّ مسألة فتأمل.
ثمّ إنّ لازم إجراء الدّليل في كلّ مسألة و إن كان ما ذكر، إلاّ أنّه لا ريب في بطلانه فإنّ اعتبار الأصول حسبما عرفت و تعرفه ليس مشروطا بحصول الظّن منها أو قيام الظن الغير المعتبر على خلافها من غير فرق بين الخبر و غيره، كما أنّه لا إشكال في وجوب الاحتياط في مفروض البحث بالنّظر إلى قاعدة وجوب دفع
........
الشرح
الضّرر المحتمل الّتي هي مبني وجوب الاحتياط في جميع موارد وجوبه، فيجب البناء عليه لو لا ما عرفت ممّا أقاموه على عدم وجوبه في خصوص المقام و القول بأنّ المفروض ملاحظة كلّ مسألة مستقلّة من دون أن يلاحظ انضمامها بغيرها من المسائل، فلا مقتضي لوجوب الاحتياط على هذه الملاحظة، فإنّ العلم الإجمالي بالتّكاليف الإلزاميّة إنّما هو في مجموع الوقائع لا في كلّ واقعة فاسد جدّا، ضرورة أنّ عدم الملاحظة لا يوجب تغيير الواقع، ضرورة وجود العلم الإجمالي فيما بأيدينا من الوقائع و ملاحظة كلّ واقعة مستقلا، لا يوجب الحكم بالبراءة، و إلاّ أمكن سلوكه في جميع موارد وجوب الاحتياط فالثّمرة إنّما تظهر فيما لو فرض انفتاح باب العلم في الغالب، لا في مفروض المقام.
هذا كلّه فيما لو أجري الدّليل على الوجه الأوّل و إن أجري على الوجه الثّاني فالحكم باقتضائه للتّعميم من جميع الجهات و الخصوصيات أو التّعيين كذلك، و إثبات الحجيّة معيّنا في ضمن بعض الأشخاص و النّفي عن غيره بالنّسبة إلى كلّ خصوصيّة أو التّعميم من بعض الجهات و التّعيين من آخر أو الإهمال كذلك، لا يستقيم بمجرّده، بل لا بدّ من أن يلاحظ أنّه يقرّر على وجه الكشف أو الحكومة، و إلاّ فالنّتيجة من دون أن يلاحظ أحد الأمرين هي حجيّة الظن في الجملة فتأمّل.
و عليه يحمل قوله و هذا المقدار لا يثبت، إلاّ وجوب العمل بالظّن في الجملة من دون تعميم بحسب الأسباب، و لا بحسب الموارد، و لا بحسب مرتبة الظن فالمراد بقوله في الجملة أعمّ من المهملة، حتّى لا ينافي حكمه بالتّعميم من بعض الجهات المذكورة على التّقريرين كالموارد، فإنّه و إن استند في ذلك إلى الإجماع على تقرير الكشف فلا يكون النّتيجة عامّة مع قطع النّظر عنه، إلاّ أنّه لا بدّ من أن يحمل العبارة على ما ذكرنا و مع ذلك كلّه لا يخلو عن مناقشة ظاهرة، و على كلّ تقدير إذا أجري الدّليل في مجموع الوقائع و المسائل، فلا يخلو الأمر إمّا أن يقرّر
........
الشرح
على وجه الكشف أو الحكومة، و المراد بالأوّل أن يستكشف العقل بملاحظة بقاء التّكليف بالمشتبهات و انسداد باب العلم و الظّن الخاصّ و عدم جواز الرّجوع إلى الأصول و عدم وجوب الاحتياط فيها بانضمام الحكم بأنّ التكليف بلا طريق لا معنى له و إن جعل غير الظن في الفرض نقض للغرض من حيث كونه أقرب إلى الواقع من غيره و غالب الإيصال بالنّسبة إليه، بل لا قرب في غيره من الشّك و الوهم عن كون الظن حجّة عند الشّارع و أنّه أمر بسلوكه و بالثّاني أن يحكم العقل حكما إنشائيّا بوجوب سلوك الظن الشخصي بالحيثيّة المذكورة بعد فرض دوران الأمر بينه و بين غيره بملاحظة المقدّمات الّتي عرفتها عند تقرير دليل الانسداد من غير أن يوجب شيئا على الشّارع أوّلا فالعنوان و الموضوع الأوّلي في حكم العقل و إن كان واحدا إدراكا و إنشاء و هو كون الظن أقرب إلى الواقع، إلاّ أنّ الفرق بالإدراك و الإنشاء و لا يتوهّم أنّه بناء على قاعدة التّلازم يستكشف عن حكم الشارع بحجيّة الظّن على تقدير الحكومة أيضا فيتحد التقريران، ضرورة ثبوت الفرق بين كون المدرك أولا حكم الشارع بحجيّة الظن و كونه مستكشفا عن الحكم الإنشائي للعقل، و إلاّ ارتفع الفرق بينهما في جميع الموارد، إذ بناء على الملازمة يكون حكم العقل في جميع موارد حكمه كاشفا عن حكم الشارع على طبقه، و من هنا وقع الخلاف في كون الحكم الإنشائي للعقل كاشفا عن حكم الشارع كما ذكر في محلّه، و لم يخالف أحد حتّى الشاعرة في إدراك العقل لحكم الشارع في كثير من الموارد، كما في المفاهيم و الاستلزامات العقلية كوجوب المقدّمة و حرمة الضّد و نحوهما.
و بالجملة لا إشكال في التّوهّم المذكور كما لا إشكال في فساد توهّم كون حكم الشارع بحجيّة الظّن على الكشف ملازم لحكم العقل بها من جهة عكس قاعدة التّلازم، فيتّحد التّقريران أيضا، ضرورة أنّ محلّه في غير الإدراكات العقليّة، فإنّ حكم العقل بمعنى تصديقه للشّارع لا يعقل استكشافه عن حكم الشارع بعد
........
الشرح
فرض كون المدرك له ابتداء العقل كما هو ظاهر فافهم.
ثمّ إنّ قبح عقاب الشارع عند مخالفة الظّن للواقع في حكم العقل كحسن عقابه على مخالفة الواقع عند مصادفته له في حكم العقل مشترك بين التّقريرين، فإنّهما من اللّوازم العقليّة لحجيّة الظن من غير فرق بين الإدراك و الإنشاء و بمثل ما ذكرنا ينبغي تحرير المراد من التّقريرين و بيان الفرق بينهما لا بما أفاده قدس سره في الكتاب، فإنّه من جهة خفاء دلالته على المراد ربما يرد عليه بعض المناقشات، فإنّ المراد من قوله في بيان تقرير الكشف، و أنّه لا يعاقب على ترك واجب إذا ظنّ بعدم وجوبه بيان له بذكر اللاّزم العقلي الأعمّ حقيقة على ما عرفته فربما يناقش فيه من هذه الجهة، كما أنّ المراد من قوله في بيان هذا التّقرير، فحجيّة الظن على هذا التّقرير تعبّد شرعيّ كشف عنه العقل ليس التعبّد بمعنى عدم ملاحظة الطّريقيّة فيه، كيف و قد عرفت كونها عنوانا للحكم في المقام على التّقريرين، بل بالمعنى المراد منه في تعبّد الشارع بغير العلم المذكور في محلّه فالمراد منه أمر الشّارع بالعمل بالظّن ابتداء بحيث كان الاستناد إلى أمره و إن كان مستكشفا من حكم العقل بمعنى الإدراك في قبال أمر العقل بالعمل به ابتداء و إن كان موردا لإمضاء الشارع كما أنّ المراد من قوله في بيان تقرير الحكومة بمعنى حسن المعاقبة على تركه حسن العقاب على مخالفته الواقع المترتّبة على ترك العمل بالظن عند مصادفته للواقع، فيرجع إلى بيانه بذكر اللازم الأعمّ حقيقة كيف و إرادة ظاهره ممّا لا معنى له، و خلاف صريح ما أفاده بعد ذلك عن قريب من كون الحكم العقلي المذكور إرشاديّا، لا يترتّب على موافقته و مخالفته من حيث موافقته و مخالفته شيء، كما أنّ المراد من قوله بعد القضيّة المذكورة و قبح المطالبة بأزيد منه بيان اللاّزم حقيقة من جهة عدم وجود الأزيد بعد فرض بطلان وجوب الاحتياط كما هو ظاهر.
ثمّ إنّك قد عرفت من مطاوي ما ذكرنا أنّ حكم العقل على تقرير الحكومة
........
الشرح
و إن كان كاشفا عن حكم الشّارع، إلاّ أنّه لا تعلّق له بتقرير الكشف حتّى يتّجه التّقريران و ترتفع الثّمرة المقصودة المترتبة عليهما في المقام، فإنّ حكم الشّارع المنكشف من إنشاء العقل بقاعدة التّلازم تابع لحكم العقل من حيث العموم و الخصوص بخلاف حكمه الابتدائي و إن أدركه العقل، فإنّه تابع لما هو المناط و الموضوع له في نظر الشّارع، كما أنّه تابع له من حيث المناط و الكيفيّة، فإذا كان حكم العقل بوجوب العمل بالظّن من حيث كونه كاشفا عن الواقع و مرادة له، فلا محالة يكون حكم الشارع المنكشف عن حكم العقل بوجوب العمل بالظّن بعنوان الطّريقيّة و المرآتيّة، فيكون إيجاب الشارع له كإيجاب العقل حكما غيريّا إرشاديّا إذا العنوان الّذي أوجب حكم العقل به تابع للواقع، فلا يصحّ إلاّ للطّلب الغيري و هذا بخلاف حكمه الناشئ من المفسدة في الفعل أو المصلحة فيه، فإنّه و إن كان إرشاديّا دائما لعدم تصوّر الطّلب المولويّ من العقل، إلاّ أنّه مستتبع لطلب مولويّ من الشارع و كاشف عنه لقاعدة التّلازم بين الحكمين في المورد القابل للطّلب المولويّ، فليس في المقام انفكاك لحكم الشارع عن العقل بل حكم الشّارع موجود على نحو حكم العقل إلاّ أن المورد لمّا لم يكن قابلا للطّلب المولوي من الشارع، فلا محالة يكون حكم الشارع أيضا إرشاديّا غيريّا بل الحكم الشّرعي المستكشف على تقرير الكشف أيضا، لا يكون إلاّ غيريّا.
و من هنا حكمنا سابقا باتّحاد عنوان وجوب العمل بالظّن على التّقريرين و هذا بخلاف حكمه المستكشف عن التّحسين و التقبيح العقليّين، ثمّ لو أريد من القاعدة كون حكم العقل الإنشائي كاشفا عن حكم شرعيّ مولويّ لصحّ الحكم بالانفكاك في المقام، فالمقام نظير حكم العقل بوجوب الإطاعة و حرمة المعصية الكاشف عن حكم الشارع بهما، فإنّ عنوان الإطاعة و إن كان حسنا ذاتا في حكم العقل و ليس حسنه من جهة وجود مصلحة في فعل الواجب الّذي ينطبق عليه الإطاعة إذا أتي به
........
الشرح
بداعي امتثال أمر الشّارع، بل ربما يكون وجود المصلحة في الفعل متقوّمة بالعنوان المذكور كما في التّعبديّات، إلاّ أنّه ليس قابلا لتعلّق الإرادة المولويّة به من الشّارع في قبال الإرادة المولويّة المتعلّقة بالفعل من الشّارع بحيث يكون للشّارع مثلا في الواجبات إرادتان حتميّتان مولويّتان إحداهما تعلّقت بذات الواجب، و الثّانية تعلّقت بفعل المأمور به من حيث كونه مأمورا به إذا أتي به بداعي امتثال أمر الشّارع الذي هو معنى الإطاعة المتأخّرة عن الأمر، و من هنا لا يمكن إرادتها من الأوامر المتعلّقة بالأفعال، ضرورة لزوم التّسلسل على تقدير كون الأمر المتعلّق بإطاعة الأوامر المولويّة الشّرعيّة الصّادرة من الشّارع أمرا مولويّا فالإطاعة و إن كانت حسنا ذاتا، إلاّ أنّها غير قابلة لتعلّق الأمر المولويّ بها للزوم التسلسل و من هنا قيدنا التلازم بين حسن الفعل و وجوبه شرعا بالوجوب المولوي بما إذا كان المورد قابلا فانفكاك الطلب المولوي قد يكون من جهة كون الشّيء مطلوبا للغير في حكم العقل، و قد يكون من جهة عدم قابليّة المحكوم به في الحكم العقليّ الإرشاديّ لتعلّق الخطاب المولوي به و إن كان حسنا ذاتا كما في الإطاعة، فالإطاعة و إن كانت واجبة بإرادة مستقلّة غير الإرادة المتعلّقة بفعل الواجبات، إلاّ أنّها ليست مرادة بإرادة مولويّة في قبال الإرادة المتعلّقة بفعل الواجب، فالإرادة المنفيّة بالنّسبة إلى الإطاعة في كلام شيخنا قدس سره هي الإرادة المولويّة التّشريعيّة، لا مطلق الإرادة ضرورة عدم كون الأمر الإرشادي منسلخا عن معنى الطّلب و الوجوب، فيكون إخبارا كما توهّمه جمع من أفاضل معاصرينا أو قارب عصرنا.
فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ إيجاب الشّارع للعمل بالظّن في زمان الانسداد المستكشف من حكم العقل إنشاء أو إدراكا و إن كان غيريّا تبعيّا بنحو من الغيريّة لا يترتّب على موافقته من حيث إنها موافقة أثر من الثّواب زائدا على ما يترتّب
........
الشرح
على إطاعة الأوامر الواقعيّة عند مصادفة الظّن للواقع، و لا على مخالفته من حيث إنّها مخالفة عقاب غير العقاب المترتّب على مخالفة الحكم الإلزامي على تقدير المصادفة نظير إيجاب الشّارع للإطاعة في الشّرعيّات، حيث إنّه لا يترتّب على موافقته من حيث إنّها موافقته و لا على مخالفته بالحيثيّة المذكورة شيء من الثّواب و العقاب، حيث إنّه ممحّض في الإرشاد من غير فرق بينه من حيث استكشافه من حكم العقل بوجوبها و بينه من حيث وروده في الشّرع كتابا و سنّة و نظير حكم العقل و الشّرع بوجوب التّوبة على العاصي، إلاّ أنّه ليس من مراتب الإطاعة و أنحائها و شئونها و كيفيّاتها كما هو المصرّح به في كلام شيخنا قدس سره في هذا المقام بقوله: (فكذلك كيفيّة الإطاعة و أنّه يكفي فيها تحصيل الظّن بمراد الشّارع في مقام) إلى آخر، ما أفاده ضرورة أنّه لو كان الأمر كما أفاده قدس سره لزم الحكم بترتّب الثّواب و العقاب على نفس العمل بالظّن و تركه و إن لم يترتّب على موافقة الأمر المتعلّق به، و لا على مخالفته شيء من الثّواب و العقاب، كما يلتزم به بالنّسبة إلى الإطاعة و المعصية.
اللّهم إلاّ أن يكون مراده قدس سره أنّ سلوك الظن و العمل به عند مصادفته للواقع يترتّب عليه آثار إطاعة الأوامر الواقعيّة من غير أن يترتّب على موافقة نفس الأمر المتعلّق به بعنوان الطّريقيّة شيء، فالعنوان الّذي يترتّب عليه الآثار إطاعة الأوامر الواقعيّة المستكشفة بالظّن فالعمل بالظّن بهذا العنوان له آثار، و أمّا الأمر المتعلّق به، فلا أثر له من حيث هو فسلوك الظن إطاعة للأوامر الواقعيّة في الجملة، فإذن يصحّ أن يقال إنّ إطاعة الأوامر الواقعيّة قد تكون مع العلم بها، و قد تكون مع الظّن بها فهي مع الظن بها نحو من الإطاعة فليس الغرض جعل سلوك الظّن بقول مطلق من مراتب الإطاعة حتّى يتوجّه عليه المناقشة المذكورة، نعم لا بدّ أن يلاحظ الشّارع في أمره بسلوك الطّريق الظّني مع التمكن من تحصيل العلم بالواقع ما يتدارك به ما يفوت من
........
الشرح
الواقع من العمل به لا أن يحدث في الفعل الّذي قام على وجوبه مثلا مصلحة، حتّى يرجع إلى التّصويب أو أن يكون في العمل به و سلوكه مصلحة، حتّى يشكل الفرق بينه و بين التّصويب عند التّأمّل على ما عرفت شرح القول فيه في مطاوي كلماتنا السّابقة، و من هنا أبطلنا القول باختصاص حجيّة الظّن بالطّريق بعد تسليم العلم الإجمالي بجعله فيما علّقناه على الأمر المتقدّم كما أبطلنا القول باقتضاء الأمر الظّاهري للإجزاء في مسألة الإجزاء، هذا غاية ما يقال في شرح كلماته قدس سره في هذا المقام و عليك بالتّأمّل فيه لعلّك تجده حقيقا بالقبول و الإذعان.
قوله قدس سره: (ثمّ إنّ هذين التّقريرين مشتركان في الدّلالة) إلخ.
أقول: لمّا كان من الخصوصيات الّتي يتكلّم فيها من حيث عموم النّتيجة لها الموارد و المسائل الفقهيّة الّتي يحتمل فيها الحكم الإلزامي من أوّل الفقه إلى آخره أراد بما أفاده قدس سره بيان كون النّتيجة عامّة بالنّسبة إليها على التّقريرين، فينحصر التّكلم فيها من حيث العموم و عدمه على الأسباب و المراتب من حيث كون العموم من جهة الموارد أمرا مفروغا عنه على كلّ تقرير و إن كان الدّال عليه على تقرير الكشف الإجماع و على تقرير الحكومة العقل من حيث وجود مناط حكمه بالنّسبة إلى كلّ مورد و كلّ مسألة من غير فرق بينهما و إن كان لازم هذا البيان كما ترى كون النّتيجة على الكشف غير عامّة بالنّسبة إلى الموارد بالنّظر إلى نفس التّقرير من غير ضمّ الإجماع إليه، و ظاهر العبارة عند إثبات الدّلالة على العموم أوّلا، كون الدّلالة على العموم مستندة إلى نفس المقدّمات من غير ضمّ شيء آخر إليها فربما يحكم بالتّدافع بين العبارتين بهذه الملاحظة، إلا أنّه لا ينظر إلى هذه المناقشات بعد وضوح المراد و قيام القرينة الظّاهرة عليه، نعم هنا شيء ينبغي التّنبيه عليه و الإشارة إليه و هو أنّ الّذي يقتضيه التّحقيق و التّأمّل التّام في المقام استناد عموم النّتيجة على الكشف إلى نفس المقدّمات أيضا، و حكم العقل
التكليف، و عدم التمكن من العلم، و عدم وجوب الاحتياط و عدم جواز الرجوع إلى القاعدة التي يقتضيها المقام إذا جرت في مسألة تعين وجوب العمل بأي ظن حصل في تلك المسألة من أي سبب، و هذا الظن كالعلم في عدم الفرق في اعتباره بين الأسباب و الموارد و الأشخاص، و هذا ثابت بالإجماع و بالعقل.
و قد سلك هذا المسلك صاحب القوانين، حيث إنه أبطل البراءة في كل مسألة من غير ملاحظة لزوم الخروج عن الدين و أبطل لزوم الاحتياط كذلك، مع قطع النظر عن لزوم الحرج، و يظهر أيضا من صاحبي المعالم و الزبدة بناء على اقتضاء ما ذكراه لإثبات حجية خبر الواحد للعمل بمطلق الظن فلاحظ.
لكنك قد عرفت مما سبق أنّه لا دليل على بطلان جريان أصالة البراءة و أصالة الاحتياط و الاستصحاب المطابق لأحدهما في كل مورد مورد من مواردها بالخصوص إنّما الممنوع جريانها في جميع المسائل للزوم المخالفة القطعية الكثيرة و لزوم الحرج عن الاحتياط، و هذا المقدار لا يثبت إلاّ وجوب العمل بالظن في الجملة من دون تعميم بحسب الأسباب، و لا بحسب الموارد، و لا بحسب مرتبة الظن.
الشرح
به من غير ملاحظة الإجماع أصلا، حيث أنّ مناط إدراك العقل لجعل الشّارع الظن طريقا للتكاليف الواقعيّة و الأحكام الإلزاميّة بملاحظة ما مرّت الإشارة إليه من المقدّمات عند بيان تقرير الكشف موجود بالنّسبة إلى جميع أطراف الشّبهة من أوّل الفقه إلى آخره من غير خصوصيّة لبعض المشتبهات في حكم العقل على سبيل القطع و اليقين، فلا حاجة إلى التمسّك بالإجماع في المقام جزما مضافا إلى ما في التّمسك به من الإشكال الّذي عرفته، فلو أبدل التّمسك بالإجماع بالتّمسك بنفس حكم العقل لم يرد إشكال التّدافع بين العبارتين أيضا كما هو ظاهر.
و حينئذ فنقول إنه إما أن يقرر دليل الانسداد على وجه يكون كاشفا عن حكم الشارع بلزوم العمل بالظن بأن يقال: إن بقاء التكاليف مع العلم بأن الشارع لم يعذرنا في ترك التعرض لها و إهمالها مع عدم إيجاب الاحتياط علينا، و عدم بيان طريق مجعول فيها يكشف عن أن الظن جائز العمل، و أن العمل به ماض عند الشارع و أنّه لا يعاقبنا على ترك واجب إذا ظن بعدم وجوبه و لا بفعل محرم إذا ظن بعدم تحريمه.
فحجيّة الظن على هذا التقرير تعبد شرعي كشف عنه العقل من جهة دوران الأمر بين أمور كلها باطلة سواه، فالاستدلال عليه من باب الاستدلال على تعيين أحد طرفي المنفصلة أو أطرافها بنفي الباقي، فيقال: إن الشارع إمّا أن أعرض عن هذه التكاليف المعلومة إجمالا، أو أراد الامتثال بها على العلم أو أراد الامتثال المعلوم إجمالا أو أراد امتثالها من طريق خاص تعبدي أو أراد امتثالها الظني، و ما عدا الأخير باطل فتعين هو.
و إمّا أن يقرر على وجه يكون العقل منشأ للحكم بوجوب الامتثال الظني بمعنى حسن المعاقبة على تركه، و قبح المطالبة بأزيد منه كما يحكم بوجوب تحصيل العلم، و عدم كفاية الظن عند التمكن من تحصيل العلم، فهذا الحكم العقلي ليس من مجعولات الشارع إذ كما أن نفس وجوب الإطاعة و حرمة المعصية بعد تحقق الأمر و النهي من الشارع ليس من الأحكام المجعولة للشارع، بل شيء يستقل به العقل، لا على وجه الكشف، فكذلك كيفية الإطاعة، و أنّه يكفي فيها الظن بتحصيل مراد الشارع في مقام و يعتبر فيها العلم بتحصيل المراد في مقام آخر إما تفصيلا أو إجمالا.
و توهم أنّه يلزم على هذا انفكاك حكم العقل عن حكم الشرع مدفوع بما قررنا في محله من أن التلازم بين الحكمين إنما هو مع قابلية المورد لهما أمّا
لو كان قابلا لحكم العقل دون الشرع، فلا كما في الإطاعة و المعصية، فإنّهما لا يقبلان لورود حكم الشارع عليهما بالوجوب و التحريم الشرعيين بأن يريد فعل الأولى و ترك الثانية بإرادة مستقلة غير إرادة فعل المأمور به و ترك المنهي عنه الحاصلة بالأمر و النهي، حتى أنّه لو صرح بوجوب الإطاعة و تحريم المعصية كان الأمر و النهي للإرشاد لا للتكليف، إذ لا يترتب على مخالفة هذا الأمر و النهي، إلاّ ما يترتب على ذات المأمور به و المنهي عنه أعني نفس الإطاعة و المعصية، و هذا نفس دليل الإرشاد كما في أوامر الطبيب، و لذا لا يحسن من الحكيم عقاب آخر أو ثواب آخر غير ما يترتب على نفس المأمور به و المنهي عنه فعلا أو تركا من الثواب و العقاب.
ثمّ إنّ هذين التقريرين مشتركان في الدلالة على التعميم من حيث الموارد يعني المسائل، إذ على الأول يدعى الإجماع القطعي على أن العمل بالظن، لا يفرق فيه بين أبواب الفقه و على الثاني يقال: إن العقل مستقل بعدم الفرق في باب الإطاعة و المعصية بين واجبات الفروع من أول الفقه إلى آخره، و لا بين محرماتها كذلك، فيبقى التعميم من جهتي الأسباب و مرتبة الظن، فنقول: أمّا التقرير الثاني فهو يقتضي التعميم و الكلية من حيث الأسباب (1)، إذ العقل لا يفرق في باب الإطاعة الظنية بين أسباب الظن، بل هو
الشرح
(1) بعد الحكم بعموم النّتيجة بالنّسبة إلى الموارد على التّقريرين أراد التكلّم في عمومها بالنّسبة إلى الأسباب و المراتب على كلّ من التّقريرين على سبيل الفهرست و الإجمال، ثمّ بيان الحقّ من التّقريرين حتّى يشرح القول فيه بعد ذلك و لمّا كان عنوان حكم العقل على تقرير الحكومة على ما عرفت الكلام فيه مرادا في الحكم بوجوب العمل بالظن أمرا راجعا إلى نفس صفة الظن و قائما به من غير دخل للسّبب فيه أصلا و هو القرب إلى الواقع و الكشف الظّني عنه الّذي هو ذاتيّ
........
الشرح
للظّن في قبال الشّك و الوهم، اللّذين لا قرب فيهما و لا كشف لهما أصلا، فلا محالة يحكم بعدم الفرق بين الأسباب و هو معنى عموم النّتيجة بالنّسبة إليها، و من هنا ذكرنا المناقشة فيما سيجيء فيما أفاده المحقّق القمّي قدس سره عند التّخلص عن إشكال خروج القياس من أنّ العقل يحكم بحجيّة الأدلّة الظّنية دون مطلق الظّن النّفس الأمري و إن أمكن توجيهه بتنزيله على الكشف كما ستعرف الإشارة إليه، و لما كان القرب إلى الواقع الّذي عرفت كونه مناطا في حكم العقل على هذا التّقرير مقولا بالتّشكيك و مختلفا غاية الاختلاف، و له مراتب كثيرة و درجات عديدة حتّى أنّ بعض مراتبه يشتبه بالشّك من جهة خفائه و بعض مراتبه يشتبه بالعلم من جهة وضوحه و ظهوره و هو الظّن القويّ الاطمئناني المتاخم بالعلم، حتّى قيل: إنّه علم مسامحة كما عرفته من كلام شيخنا قدس سره في الكتاب، بل حقيقة كما عرفته من كلام شيخنا طيّب اللّه رمسه في الجواهر، فلا محالة يحكم العقل بحجيّة القويّ منه على تقدير كفايته و عدم جواز الأخذ بغيره من المراتب، كما أنّه يحكم بحجيّة مطلق الظن على تقدير عدم كفايته و عدم جواز الأخذ بالظّنون النّوعيّة، إلاّ على تقدير انسداد بابه و عدم وجود مقدار كاف منه في الفقه و لمّا لم يكن له مراتب مضبوطة بعد انتفاء القوي حكمنا بحجيّة مطلق الظّن على هذا التّقدير، و هذا معنى عموم النّتيجة و كلّيتها بالنّسبة إلى الأسباب على تقرير الحكومة و اختصاصها بالظّن القوي الاطمئناني على هذا التّقرير و عدم شمولها لدونه من الظّن الضّعيف، فلا إهمال في النّتيجة على هذا التّقرير بالنّسبة إلى جميع الخصوصيّات غاية الأمر أنّها عامّة كليّة بالنّسبة إلى الموارد و الأسباب و خاصّة جزئيّة مقيّدة بالنّسبة إلى المراتب.
و من هنا ذكر في المعالم في مقام تخصيص النّتيجة بخبر العادل أنّه إذا كان للظّن جهات متفاوتة في القوّة و الضّعف، فالعقل يحكم بأنّ العدول من القويّ إلى الضّعيف قبيح و الظن الحاصل من خبر العادل أقوى الظنون فيجب الاقتصار عليه،
........
الشرح
فإنّ هذا الكلام كما ترى ينطبق على ما ذكرنا و إن زعم بعض محشّيه أنّه منزّل على الكشف، و بمثل ما عرفت ينبغي تحرير بيان عدم العموم بالنّسبة إلى المراتب على هذا التّقرير لا بمثل ما أفاده شيخنا قدس سره في الكتاب بقوله: (إذ لا يلزم من بطلان كليّة العمل بالأصول التي هي طرق شرعيّة الخروج عنها بالكليّة) إلى آخر، ما أفاده إذ يرد عليه بعد حمل الأصول في كلامه على خصوص أصالة الاحتياط من حيث تعدّدها بحسب أفرادها و مواردها لبطلان الرّجوع إلى غيرها رأسا حسبما صرّح به فيما تقدّم عند الكلام في ذكر مقدّمات الانسداد، و إنّما استشكل سابقا هناك في بطلان خصوص الاحتياط رأسا من جهة عدم اقتضاء دليل نفي الحرج الذي تمسكوا به لبطلان وجوب الاحتياط، إلاّ بطلانه في الجملة لا أصلا و رأسا أنّ ما أفاده قدس سره كما ترى أرجع إلى المناقشة في تماميّة المقدّمات المنتجة لحجيّة الظّن، و لا تعلّق له أصلا بالكلام في عموم النّتيجة و عدمه بعد الفراغ عن تماميّتها، و كيف يجامع هذا الإشكال مع تقرير الحكومة بما عرفته من كلامه، و كيف يستقلّ العقل في الحكم بقبح إرادة الشّارع ما زاد على الإطاعة الظّنيّة مع عدم بطلان الاحتياط رأسا، مع أنّ الإطاعة الإجماليّة مقدّمة في نظر العقل على الإطاعة الظّنيّة فما أفاده قدس سره لا مساس له بالمقام أصلا حسبما اعترف به في مجلس البحث و غيره هذا كلّه على تقرير الحكومة.
و أمّا على تقرير الكشف، فلا إشكال في إهمال النّتيجة و إجمالها بالمعنى الّذي عرفته بالنّسبة إلى كلّ من الجهتين بذاتها و بالنّظر إلى نفس المقدّمات من غير ضمّ شيء آخر إليها من الخارج و لو بحسب اللّحاظ، فإنّ العنوان المدرك في حكم العقل على الكشف و إن كان قرب الظّن أيضا بالنّسبة إلى الشّك و الوهم، إلاّ أنّه يجوز العقل وجود خصوصيّة لبعض أسباب الظن عند الشّارع يخصّص به اعتبار القرب الحاصل منه في نظر الشّارع، و من هنا حكم الشّارع باعتبار بعض الظّنون من حيث الخصوص
من هذه الجهة نظير العلم لا يقصد منه، إلاّ الانكشاف، و أما من حيث مرتبة الانكشاف قوة و ضعفا، فلا تعميم في النتيجة، إذ لا يلزم من بطلان كلية العمل بالأصول التي هي طرق شرعية الخروج عنها بالكلية، بل يمكن الفرق في مواردها بين الظن القوي البالغ حدّ سكون النفس في مقابلها، فيؤخذ به و بين ما دونه فيؤخذ بها.
و أمّا التقرير الأول فالإهمال فيه ثابت من جهة الأسباب و من جهة المرتبة.
إذا عرفت ذلك، فنقول: الحق في تقرير دليل الانسداد هو التقرير الثاني و أن التقرير على وجه الكشف فاسد.
أمّا أولا: فلأنّ المقدمات المذكورة (1) لا تستلزم جعل الشارع الظن مطلقا
الشرح
في زمان الانفتاح و ليس ذلك، إلاّ من جهة خصوصيّة له في نظر الشّارع أوجب ترجيحه و ليس الملحوظ مجرّد طريقيّته، و إلاّ لما أمكن ترجيحه، مع أنّه موجب لتفويت الواقع من دون تدارك و هو قبيح على ما عرفت شرح القول فيه عند التكلّم على قول ابن قبة، كما أنّه يجوز اعتباره للظّن الضّعيف و طرح القوي من جهة الملاحظة المذكورة.
و من ثمّ حكم في ذلك الزّمان باعتبار ما لا يكون أقوى من غيره نوعا، بل أضعف فإذا جوّز الأمران، فلا محالة لا يحكم بعموم النّتيجة من الجهتين، بل يكون مهملة مردّدة بين الكلّ و البعض، كما أنّها مردّدة بين القويّ و الضّعيف، و ممّا ذكرنا يظهر فساد لما توهّمه بعض المعاصرين من عموم النّتيجة على الكشف بالنّظر إلى الأسباب كما هو الحال على تقرير الحكومة نظرا إلى اتحاد مناط الحجيّة على التّقريرين مناقشا فيما أفاده شيخنا قدس سره من الفرق في النّتيجة بين التّقريرين من الجهتين و إهمالها على الكشف منهما.
(1) قد عرفت أنّ الحكم الإدراكي للعقل بحجيّة الظّن عند الشارع الّذي يرجع
........
الشرح
إليه تقرير الكشف مبنيّ على ضمّ مقدّمة أخرى إلى مقدّمات دليل الانسداد المعروفة المذكورة في كلماتهم، و هي قبح التّكليف من جانب الشّارع من دون نصب طريق له مع فرض انسداد باب العلم بالأحكام الإلزاميّة الإلهيّة في الوقائع المشتبهة، و إلاّ فنفس المقدّمات المذكورة لا تنتج في حكم نصب الشّارع للظّن فإذن يتوجّه عليه:
أوّلا: أنّ لزوم النّصب على الشّارع في حكم العقل بعد فرض بقاء التكليف، إنّما هو فيما لم يكن هناك طريق يسلكه العقلاء في باب مطلق الأحكام الصّادرة من الموالي بالنّسبة إلى العبيد شارعا كان أو غيره و يحكم به العقل المستقلّ بعد القطع بعدم نصب طريق من جانب المولى و المفروض استقلال العقل في الحكم بحجيّة الظّن في الموضوع الّذي دار الأمر بينه و بين غيره من الشّك و الوهم كما فرض وجوده بالنّظر إلى مقدّمات دليل الانسداد المتقدّمة.
و ثانيا: أنّ غاية ما يحكم به العقل بالنّظر إلى المقدّمة المفروضة بعد الإغماض عمّا ذكر أوّلا هو وجوب نصب الطّريق على الشّارع من غير فرق بين الظّن و غيره، و إيجابه نصب خصوص الظّن على الشّارع إنّما هو موقوف و متفرّع على علمه بانتفاء ما يصلح للطّريقيّة في نظر الشّارع ممّا لا يدخل في عنوان الظن، و جزمه بذلك حتّى يحكم بوجوب نصب خصوص الظّن على الشّارع من جهة الانحصار، و أنّى له بذلك بعد تجويز نصب الشارع لما لا يفيد الظن أصلا من باب التّعبّد لما يرى فيه من المصلحة، كما هو المشاهد بالنّسبة إلى الأصول العمليّة الظّاهريّة، أو نصبه لما يفيد الظّن شأنا لخصوصيّة فيه و إلقائه الظّن الشّخصي رأسا، و ليس ذلك ممّا يستحيله العقل بعد المشاهدة و الوقوع في الشّرعيّات مع التّمكن من تحصيل العلم بالواقع الّذي يكون أولى بالمراعاة من زمان عجز تحصيل العلم بالواقع، و القول بأنّ نصب غير الظّن الشّخصي في زمان الانسداد، بل في زمان الانفتاح و إن
........
الشرح
كان مجوّزا عند العقل، إلاّ أنّ المانع من حكمه بوجوب نصب الظّن على الشارع علمه بنصب غير الظن في الشّرعيات، لا مجرّد احتماله حتّى يكون حكمه بالوجوب مشروطا بعلمه بعدم النّصب، الّذي لا سبب له في الشّرعيّات بعد إمكانه عقلا، إذ كما أنّ المانع من حكمه الإنشائي على تقرير الحكومة علمه بنصب غير الظّن، لا مجرّد احتماله، و إلاّ توجّه المنع الّذي أورده بعض المحقّقين على دليل الانسداد بأنّ انسداد باب العلم و بطلان الرّجوع إلى الأصول جوازا في بعض و وجوبا في آخر، لا ينتج جعل الظّن و حجيّته لاحتمال نصب الشّارع غيره، كذلك المانع من حكمه الإدراكي على تقرير الكشف علمه بالنّصب، لا مجرّد احتماله، إذ الدّليل واحد و المقدّمات متّحدة، لا يختلف الحال فيها بحسب الاختلاف التّقرير فاسد جدّا، لوضوح الفرق و فساد قياس الإدراك بالإنشاء ضرورة عدم إمكان دخل الأمر الواقعي النّفس الأمري في إنشاء العقل الّذي يرجع إلى وجدانه المترتّب على الموضوع الوجداني و العنوان التّحقيقي، و هذا بخلاف الإدراك فإنّ المدرك و إن كان العقل، إلاّ أنّ الحاكم المنشي الشارع فيعتبر وجود المانع في علمه و لا يعتبر وجوده في وجدان العقل و علمه كما هو الحال على تقرير الحكومة، فكلّما احتمل نصب غير الظّن، فيحتمل وجود المانع في وجدان الشّارع فلا يستقلّ بإدراك نصب الظّن، لا يقال: إنّ المانع احتمال النّصب على التّقريرين على زعم من يجعله مانعا و هو أمر وجدانيّ لا النّصب الواقعي حتّى يحكم بالفرق بين التّقريرين بما ذكر، فالأمر بالأخرة يرجع إلى الوجدان على كلا التّقريرين، لأنّا نقول صلاحيّة الاحتمال للمنع إنّما هو من جهة كون المحتمل صالحا له، فإذا حكم بعدم صلاحيّته على تقرير الحكومة، فلا يعقل جعل نفس الاحتمال مانعا فتدبّر.
و ممّا ذكرنا كلّه يظهر فساد ما أورده بعض على ما أفاده شيخنا الأستاذ العلاّمة
أو بشرط حصوله من أسباب خاصة حجة لجواز أن لا يجعل الشارع طريقا للامتثال بعد تعذر العلم أصلا، بل عرفت في الوجه الأول من الإيراد على القول باعتبار الظن في الطريق أن ذلك غير بعيد و هو أيضا طريق العقلاء في
الشرح
قدس سره في الإيراد الثّاني على الكشف بأنّ حكم العقل بحجيّة الظن، لا يختلف الحال فيه بحسب التّقريرين، فإنّ كان حاكما به في زمان الانسداد، فيحكم به على التّقريرين و إن لم يكن حاكما به من جهة تجويز نصب غير الظّن الشّخصي في حكم العقل للشّارع و كون مجرّده مانعا عن حكمه، فلا يحكم به على التّقريرين و الّذي يظهر منه أنّه لم يفرق بين التّقريرين و لم يفهم حقيقتهما، فتخيل رجوعهما إلى الإنشاء أو لم يفرق في صلاحيّة منع الاحتمال بين الإنشاء و الإدراك في وجه، و بالجملة هذا الإيراد لا واقع له أصلا، إلاّ أن يتشبّث بذيل الإجماع و ادّعى قيامه على عدم نصب غير الظنّ في الشرعيّات في زمان الانسداد، فيتوجّه عليه مضافا إلى منعه على وجه ينفع أنّ مرجع الإجماع المذكور عند التّأمّل بعد تسليمه إلى قيامه على حجيّة الظن عند الانسداد كما هو أحد الأدلّة عند جمع ممّن ذهب إلى حجيّة الظن المطلق منهم المحقّق القمي قدس سره على ما صرّح به في بعض كلماته، و لا تعلّق له بدليل الانسداد و لا بالكشف و الحكومة، و الكلام كلّه إنّما هو في نتيجة دليل الانسداد، الّذي أقاموه لإثبات حجيّة الظن المطلق، فلا مناسبة لذكر الإجماع في المقام، و من هنا أمر شيخنا قدس سره بالتّأمّل عقيب الاستدراك بقوله:
(إلاّ أن يدّعى الإجماع على عدم نصب شيء آخر) إلى آخره.
و ثالثا: بأنّه لا يفيد في إثبات المدّعى للمستدلّ به و هو حجيّة مطلق الظّن، إلاّ بعد عدم تماميّة المعيّنات الّتي ذكروها للمهملة، و سيجيء تماميّة بعضها فتدبّر.
اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ الكلام في صحّة تقرير الكشف و عدمها، لا في إنتاجه لحجيّة مطلق الظّن، فهذا الاعتراض لا توجّه له أصلا فتأمّل.
التكاليف العرفية حيث يعملون بالظن في تكاليفهم العرفية مع القطع بعدم جعل طريق لها من جانب الموالي، و لا يجب على الموالي نصب الطريق عند تعذر العلم، نعم يجب عليهم الرضا بحكم العقل و يقبح عليهم المؤاخذة على مخالفة الواقع الذي يؤدي إليه الامتثال الظني، إلاّ أن يقال: إن مجرد إمكان ذلك ما لم يحصل العلم به، لا يقدح في إهمال النتيجة و إجمالها فتأمل.
و أما ثانيا: فلأنّه إذا بنى على كشف المقدمات المذكورة عن جعل الظن على وجه الإهمال و الإجمال صح المنع الذي أورده بعض المتعرضين لردّ هذا الدليل، و قد أشرنا إليه سابقا، و حاصله أنّه كما يحتمل أن يكون الشارع قد جعل لنا مطلق الظن أو الظن في الجملة المتردد بين الكل و البعض المردد بين الأبعاض، كذلك يحتمل أن يكون قد جعل لنا شيئا آخر حجة من دون اعتبار إفادته الظن، لأنّه أمر ممكن غير مستحيل و المفروض عدم استقلال العقل بحكم في هذا المقام، فمن أين يثبت جعل الشارع الظن في الجملة دون شيء آخر و لم يكن لهذا المنع دفع أصلا، إلاّ أن يدعى الإجماع على عدم نصب شيء آخر غير الظن في الجملة فتأمل.
و أمّا ثالثا: فلأنّه لو صح كون النتيجة مهملة (1) مجملة لم ينفع أصلا إن بقيت
الشرح
(1) قد يناقش فيما أفاده قدس سره بأنّ المصرّح به في كلامه فيما سيجيء استقامة تعيين المهملة بأمور كتيقّن الاعتبار و نحوه، لا دخل للإجماع في تعيينها، بل صحّة التّعميم بما لا دخل للإجماع فيه بحيث يرجع الأمر إلى التّمسّك بالإجماع على حجيّة الظّن في المقام حتّى يتوجّه عليه مضافا إلى منعه بأنّه لا تعلّق له بالدّليل العقلي أصلا و لو أبدل الوجه الثّالث بما ذكرنا ثالثا لكان أبعد من المناقشة و إن توجّه عليه أيضا ما عرفت الإشارة إليه من عدم رجوعه إلى إبطال تقرير الكشف كالأوّلين الرّاجعين إليه حقيقة.
على إجمالها و إن عينت، فإمّا أن تعين في ضمن كل الأسباب، و إمّا أن تعين في ضمن بعضها المعين، و سيجيء عدم تمامية شيء من هذين، إلاّ بضميمة الإجماع، فيرجع الأمر بالأخرة إلى دعوى الإجماع على حجية مطلق الظن بعد الانسداد، فتسميته دليلا عقليا، لا يظهر له وجه عدا كون الملازمة بين تلك المقدمات الشرعية و نتيجتها عقلية و هذا جار في جميع الأدلة السمعية كما لا يخفى.
فنقول: أمّا على تقدير كون العقل كاشفا عن حكم الشارع بحجية الظن في الجملة، فقد عرفت أن الإهمال بحسب الأسباب، و بحسب المرتبة، و يذكر للتعميم من جهتهما وجوه.
الأول: من طرق التعميم عدم المرجح لبعضها على بعض (1):
الشرح
(1) هذه عمدة المعمّمات الّتي ذكروها في المقام بل الصّحيح منها لما ستقف عليه من بطلان غيرها لكنّه موقوف على ثبوت أمرين:
أحدهما: عدم المرجّح لبعض الظّنون على بعض فيتوقّف على استقصاء ما ذكروه مرجّحا و معيّنا و إثبات عدم صلاحيّتها للتّعيين، و أمّا مجرّد وجود احتمال المرجّح لبعضها بحسب الواقع في نظر الشّارع و إن لم نعلمه فيكفي ذلك مانعا عن التّعميم بما ذكر من الوجه و إن أبطلنا ما ذكروه معيّنا، فلا إشكال في عدم صلاحيّته للمنع، فإنّ هذا الاحتمال لو كان في بعض معيّن دون غيره، فيدخل في بعض المعيّنات المذكورة لا محالة، فإنّه يصير بهذه الملاحظة أولى بالاعتبار من غيره و لو كان في كلّ بعض أو
........
الشرح
في بعض معيّن واقعا غير معيّن عندنا بمعنى احتمال الخصوصيّة في بعض الأبعاض في الواقع مع كونه غير معيّن عندنا، فلا يصلح مانعا للتّعميم بالمعمّم المذكور، ضرورة مساواة هذا الاحتمال بالنّسبة إلى كلّ بعض فيئول إلى عدم المرجّح و المعيّن حقيقة.
ثانيهما: بطلان التّخيير بمعنى كون الحجّة بجعل الشّارع كلّ واحد من الظّنون و الأمارات الكافية على سبيل التّخيير، فيكون كلّ واحد حجّة على سبيل التّخيير و البدليّة إمّا تخييرا استمراريّا أو ابتدائيّا و الثّمرة بينهما ظاهرة إذا العقل الحاكم بوجوب نصب ما به الكفاية على الشّارع في الشّرعيّات، لا يعيّن النّصب على الشّارع على سبيل التّعيين بعد حصول المقصود بالنّصب على سبيل التّخيير فيئول الأمر بالأخرة إلى الإهمال حقيقة من هذه الجهة و ليس مرجع التّخيير إلى التّرجيح حتّى يطالب المرجّح، بل هو في مقابل التّرجيح كما هو ظاهر و إن كان اختيار المكلّف يستند إلى مرجّح لا محالة، ضرورة استحالة تعلّق الإرادة بأحد المتساويين، إلاّ أنّه لا يتوقّف على مرجّح شرعيّ، بل يكفي له المرجّح النّفساني كما هو الشّأن في جميع موارد التّخيير في الأصول و الفروع و مرجع التّخيير كما عرفت و إن كان إلى حجيّة جميع الظّنون أيضا، إلاّ أن المدّعى حجيّة كلّ واحد تعيينا فما لم يبطل لم يثبت المدّعى و لم يتمّ المعمّم المذكور لكن يمكن إن يقال: إنّ احتمال التّخيير إنّما هو فيما فرض كفاية كلّ واحد من الظّنون على ما عرفت، و إلاّ لم يحتمل، لأنّ العقل إنّما حكم بوجوب نصب ما به الكفاية و فرض الكفاية بالنّسبة إلى كلّ واحد إنّما هو لوجود الجميع في غالب المسائل الفقهيّة بحيث يكون كلّ واحد سببا تامّا لحصول الظن منه على تقدير الاستناد إليه، إذ لولاه يكون المحذور من الرّجوع إلى الأصول في مجاريها و هو لزوم مخالفة العلم الإجمالي الّذي أوجب حجيّة الظن فرارا عنه باقيا و هو، مع أنّه مجرّد فرض غير واقع في الشّرعيّات كما هو ظاهر لمن كان له اطلاع بالمسائل و موارد الأمارات
........
الشرح
مضافا إلى أنّ الحجّة الظّن الشّخصي، و لا يمكن تعدّده حتّى يحكم بالتّخيير فتأمّل، متّحد بحسب الفائدة و الثّمرة مع الحكم بحجيّة كل واحد جمعا، إذ التّعارض لا يتصوّر على القول باختصاص النّتيجة بالظّن في المسألة الفرعيّة حتّى يقال بأنّه يظهر الثّمرة بينهما في باب التّعارض، فإنّ الأمارتين المتعاضدتين راجحتان على الأمارة الواحدة و ليس مفروض البحث في مسألة تعارض الأمارات على تقدير الإغماض عمّا ذكرنا حتّى يظهر الفرق بين التّخيير و التّعيين، إذ المفروض موافقة الأمارات و جعل التّخيير بين كلّ مقدار من الأمارات الكافية، فلا يلزم وجود كلّ واحد من الأمارات في الفقه كما ترى فتأمّل، مع أنّ التّخيير في المقام على القول به نظير التّخيير الواقعي في المسألة الفرعيّة كما في الخصال و القصر و التّمام في مواطن الأربع و ليس كالتّخيير بين المتزاحمين أو التّخيير العذري الظّاهري بين الدّليلين المتعارضين أو الاحتمالين المتعارضين كدوران الأمر بين الوجوب و التّحريم، فلا بدّ أن يكون كلّ واحد مشتملا على مصلحة تحصل به ما هو الغرض من التّكليف بغيره بحيث يكون غيره بعد إيجاده خاليا عن المصلحة و أين يعلم به في الظّنون القائمة في المسائل الفقهيّة فتأمّل.
ثمّ إنّ مرجع ادّعاء الإجماع على بطلان التّخيير أنّ التّخيير على الوجه المرقوم بين الأمارات ممّا لا يقول به أحد من علمائنا القائلين بحجيّة الظّنون الخاصّة أو المطلقة، بل لم يقل به أحد من علماء العامّة و لم يعهد من الشّارع في مورد من الموارد، فيعلم من ذلك أنّ حكم الشّارع في المقام و المجعول عنده ليس كلّ واحد من الظّنون تخييرا، و بعد بطلانه و عدم المرجّح بالفرض يعلم أنّ المهملة عندنا منطبقة على القضيّة الكليّة العامّة عند الشّارع، فيعلم بذلك أنّ المجعول عند الشّارع جميع الأمارات، و هذا معنى تعميم النّتيجة.
فيثبت التعميم لبطلان الترجيح بلا مرجح و الإجماع على بطلان التخيير و التعميم بهذا الوجه يحتاج إلى ذكر ما يصلح أن يكون مرجحا و إبطاله.
و ليعلم أنّه لا بدّ أنّ يكون المعين و المرجح معينا لبعض كاف بحيث لا يلزم من الرجوع بعد الالتزام به إلى الأصول محذور، و إلاّ فوجوده لا يجدي.
إذا تمهد هذا فنقول ما يصلح أن يكون معينا أو مرجحا أحد أمور ثلاث:
الأول: من هذه الأمور كون بعض الظنون متيقنا بالنسبة إلى الباقي (1)
الشرح
(1) الكلام في هذا المعيّن قد يقع في مفهومه و قد يقع في مصداقه، و قد يقع في وجه كونه معينا للمهملة و صارفا لها في ضمن ما تحقّق كونه من مصاديقه أمّا الكلام فيه من الجهة الأولى، فملخّصه أنّ المراد به هو الأولى بالاعتبار بالنّسبة إلى غيره من الأمارات سواء اعتبر أولويّته بالنّسبة إلى جميع الأمارات و هو المسمّى عندهم بالمتيقّن الحقيقي و المتيقّن بقول مطلق، أو بعض الأمارات ممّا هو دونه و هو المسمّى عندهم بالمتيقّن الإضافي، فالمتيقّن بقول مطلق و إن كان أمرا إضافيّا يعتبر في تصوّر مفهومه ملاحظة الغير و لو في القسم الأوّل، إلاّ أنّه من جهة الامتياز بين القسمين منه سمّي الأوّل بالحقيقي و الثّاني بالإضافي، فالمتيقّن بحسب المفهوم كما ترى يرجع إلى قضيّة شرطيّة و ثبوت الملازمة بين اعتبار غير ما فرض متيقّنا و اعتبار ما فرض متيقّنا من دون عكس، فكما يجامع و يتحقّق مع العلم باعتبار شيء من الأمارات في الشّرع و يصدق معه كذلك يصدق مع العلم بعدم اعتبار شيء من الأمارات في الشّرع على نهج واحد، فإنّ نسبة الشّرطيّة إلى وجود الشّرط و عدمه على حدّ سواء فكما تصدق مع صدق الشّرط، كذلك تصدق مع كذب الشّرط من غير فرق بين الأمرين، فمعنى كون الشّيء أولى بالاعتبار من غيره أنّه لو كان غيره معتبرا لزم اعتباره، و أمّا لو كان هو معتبرا لم يلزم اعتبار غيره من غير فرق بين ثبوت اعتبار غيره و عدمه، فليس المراد من متيقّن الاعتبار معلوم الاعتبار بأن يقوم
........
الشرح
هناك دليل قطعيّ على اعتباره إذ قد عرفت صدقه مع العلم بعدم اعتباره و عدم اعتبار غيره، و بالجملة وجود خصوصيّة في بعض الأمارات بحيث توجب الأولويّة بالاعتبار من غيره لا يلازم العلم بحجيّة غيره و لا بحجيّته في الشّرعيّات، فما يخيّله بعض في المقام مناقشا فيما أفاده شيخنا قدس سره من رجوع المتيقّن الاعتبار إلى معلوم الاعتبار، إذ لا يصير الظّن متيقن الاعتبار إلاّ بعد قيام الدّليل القطعي على اعتباره فيدخل في الظّن الخاص، و لا تعلّق له بالظّن المطلق و دليل الانسداد و قضيّة الإطلاق و الإهمال حتّى يجعل معينا للمهملة، إذ الظّن الخاصّ على تقدير وجوده و كفايته كما هو المفروض في المقام مانع عن دليل الانسداد، فكيف يجعل من مقتضياته و معيّنا للمهملة الثّابتة به فاسد جدّا، و هو كما ترى ناش عن الجهل بحقيقة كلماتهم و مرادهم من هذا اللّفظ، مع أنّه ظاهر في ابتداء النّظر فيما ذكرنا مضافا إلى صراحة كلمات شيخنا قدس سره في غير موضع فيه، و ما أدري ما أجهله بما ذكره شيخه المحقّق المحشّي قدس سره في هذا المقام، فكأنّه لم يرجع إليه أصلا و قد أطال قدس سره الكلام في بيان هذا المرام و أوضحه غاية الإيضاح حيث قال قدس سره في عداد الوجوه الّتي ذكرها في قبال القائلين بحجيّة مطلق الظّن في الأحكام نظرا إلى أن نتيجة دليل الانسداد بنفسها أو بضميمة بطلان التّرجيح من غير مرجّح إطلاق حجيّة الظّن ما هذا لفظه: «الخامس أنّه بعد البناء على حجيّة الظّن في الجملة على سبيل القضيّة المهملة، كما قضت به المقدّمات الثّلاث المذكورة إذا دار الأمر فيه بين حجيّة جميع الظّنون أو الظّنون الخاصّة من دون مرجّح لأحد الوجهين لزم البناء على حجيّة الجميع لتساوي الظّنون إذا في نظر العقل و بطلان التّرجيح من غير مرجّح قاض بالتّعميم، و أمّا إذا كان البعض من تلك الظّنون مقطوعا بحجيّته على فرض حجيّة الظّن في الجملة دون البعض الآخر تعيّن ذلك البعض للحكم بالحجيّة دون الباقي، فإنّه القدر اللاّزم
........
الشرح
من المقدّمات المذكورة دون ما عداه إذ حكم العقل بحجيّة الكلّ على ما ذكر ليس من جهة انتفاء المرجّح بينها بحسب الواقع حتّى يجب الحكم بحجيّة الجميع، بل إنّما هو من جهة عدم علمه بالمرجّح فلا يصح له تعيين البعض للحكم بالحجّية دون البعض من دون ظهور مرجّح عنده، فيتعيّن عليه الحكم بحجيّة الكلّ بعد القطع بعدم المناص عن الرّجوع إليه في الجملة فعموم الحكم إنّما يجيء حينئذ من جهة الجهل بالواقع و لا يجري ذلك عند دوران الأمر بين الأخصّ و الأعمّ على نحو ما هو المفروض في المقام لثبوت حجيّة الأخصّ حينئذ على التّقديرين فبعد ثبوت حجّية الظن في الجملة لا كلام إذن في حجيّة الأخصّ، و إنّما التّأمّل في حجيّة الباقي حينئذ فكيف يسوغ للعقل أن يحكم بجواز الرّجوع إلى الباقي مع الاكتفاء بتلك الظّنون في استعلام الأحكام، إذ المفروض كون حجيّة الأخصّ حينئذ مقطوعا بها عند العقل و حجيّة الباقي مشكوكة، بل الضّرورة العقليّة قاضية بترجيح الأخصّ و الاقتصار عليه في مقام الجهل حتّى يتبيّن له حجيّة غيره من الظّنون.
فإن قلت: إنّ الظّنون الخاصّة لا معيار لها حتّى تؤخذ بها على مقتضى التّعيين المفروض لحصول الخلاف في خصوصيّاتها و دوران الأمر بين الأخذ بالكلّ و البعض المبهم لا ينفع في المقام لوضوح عدم إمكان الرّجوع إلى المبهم، و المفروض أنّه لا دليل على شيء من خصوص الظّنون ليكون مرجعا بالخصوص فيلزم الحكم بحجيّة الجميع لانتفاء المرجّح عندنا قلت لا بدّ في حكم العقل حينئذ من الأخذ بأخصّ الوجوه ممّا اتّفق عليه أهل الظنون الخاصّة بأن لا يحتمل الاقتصار على ما دونه بناء على القول المذكور إن اكتفي به في دفع الضّرورة و يترك الباقي ممّا وقع الخلاف فيه، فلا يثبت بالقضيّة المهملة حينئذ ما يزيد على ذلك و إن لم يكتف بالقدر المعلوم لاستنباط الأحكام أخذ
........
الشرح
بالأخصّ بعده أخذا بمقتضى المقدّمات المذكورة، و جريا على مفاد الدّليل المذكور بعينه بالنّسبة إلى ما بعده فإن لم يكشف أيضا أخذ بالأخصّ بعده لعين ما ذكر إلى أن يدفع به الضّرورة و يترك الباقي بعد ذلك، هذا إذا كانت الظّنون متداخلة، و أمّا إذا كانت متباينة بأن يكون أرباب الخاصّة مختلفين من غير أن يكون هناك ظنّ متّفق عليه بينهم أو كان و لم يكن وافيا بالأحكام كان اللاّزم الحكم بحجيّة جميع تلك الظّنون لدوران البعض المحكوم بحجيّته قطعا بين تلك الظّنون و لا ترجيح بينها فيجب الأخذ بجميعها من غير أن يسري إلى غيرها إلى أن قال:
فإن قلت: إنّ المرجّح للأخذ بالبعض إنّما هو الأخذ بالمتيقّن بعد إثبات حجيّة الظّن في الجملة، و إذا دار ذلك البعض بين ظنون عديدة انتفى المرجّح المذكور، فلا قاض إذن بترجيح البعض، بل يساوي تلك الأبعاض و غيرها من الظّنون لوقوع الخلاف في الجميع.
قلت: إنّ هناك درجتين لتسرية الحجيّة إلى الظّنون إحداهما أن يحكم بحجيّة تلك الأبعاض الخاصّة بعد العلم بحجيّة الظّن في الجملة و دوران الحجّة بين جميع تلك الأبعاض و بعضها نظرا إلى انتفاء التّرجيح بين تلك الأبعاض و عدم المناص عن العمل الثّانية أن يتسرّى إلى جميع الظّنون منها و من غيرها، و من البيّن أنّ العقل حين جهالته و دوران الأمر عنده بين الوجهين إنّما يأخذ بالأخصّ، فإنّ المهملة إنّما يكون كليّة على قدر ما قام الدّليل القاطع عليه دون ما يزيد عليه و ساق الكلام إلى أن قال:
فإن قلت: إن تمّ ما ذكر من البيان فإنّما يتمّ لو لم يعارض الظّن الخاصّ غيره من الظّنون، و أمّا مع المعارضة و رجحان الظّن الآخر، فلا يتمّ ذلك لدوران الأمر حينئذ بين الأخذ بأحد الظّنين، فيتوقّف الرّجحان على ثبوت المرجّح بالدّليل و لا
........
الشرح
يجري فيه الأخذ بالأخصّ و لا اتّفاق على الأخذ بالظّن الخاصّ حينئذ ليتمّ الوجه المذكور، فيتساوى الجميع حينئذ في الحجيّة و قضيّة بطلان التّرجيح بلا مرجّح هو حجيّة الكلّ حسبما قرّروه، و لا بدّ حينئذ من الأخذ بالأقوى على ما يقتضيه قاعدة التّعارض قلت لم يكن تلك الظّنون حجّة مع الخلوّ عن المعارض حسبما ذكر فمع وجوده، لا يكون حجّة بالأولى فلا يعقل إذا معارضة لما هو حجّة عندنا إلى أن قال: إذا تقرّر ذلك فنقول: إنّه على ما قرّرنا يكون بين القول بحجيّة الظّنون الخاصّة و مطلق الظّن عموم مطلق كما هو أحد الوجهين المتقدّمتين في أوّل المسألة فكلّ ظنّ يقول بحجيّته من يقول بحجيّة الظّنون الخاصّة يقول بحجيّة القائل بحجيّة مطلق الظّن، إلاّ أن يقوم عنده دليل على خلافه دون العكس، و بذلك يتم المطلوب، إذ بعد تسليم حجيّة الخبر في الصّورة المفروضة لا دليل على حجيّة الشّهرة حتّى يعارض بها تلك الحجّة المسلّمة فضلا عن ترجيحها عليها، فإنّ الحكم بالتّرجيح فرع الحجيّة، فإذا كانت منتفية لعدم قيام الدّليل عليها لم يعقل التّرجيح و يتمّ ما قرّرناه، فإنّ الفريقين متّفقان حينئذ على حجيّة الخبر و جواز العمل به في نفسه لو لا المعارض الأقوى، إلاّ أنّ القائل بحجيّة مطلق الظّن يقول حينئذ بوجود المعارض، فلا يجوز عنده العمل بالخبر من تلك الجهة، و إنّما يتمّ له تلك الدّعوى على فرض إثباته، و قد عرفت أنّه لا دليل عليه حينئذ فتعيّن العمل بالخبر، هذا غاية ما يمكن تقريره في تصحيح هذا الوجه و لا يخلو عن تأمّل» انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
و ما أفاده في بيان الصّغرى و تشخيص مصداق المتيقن اعتباره من الظّنون سيّما ما أفاده في جعل مطلق أفراد الظّنون الخاصّة مع اختلاف أهله فيها من أفراده و كون النّسبة بين القولين عموم مطلق مع أنّ القائلين بالظّنون الخاصّة لا يعتبرون في اعتبارها حصول الظّن الفعلي منها في خصوصيّات مسائل الفقه، و كذا ما أفاده
........
الشرح
في مسألة التّعارض و إن كان محلّ المناقشة و النّظر، و لذا حكم بعدم خلوّه عن التّأمّل إلاّ أنّ ما أفاده من انصراف المهملة الثّابت حجيّتها بدليل الانسداد إلى خصوص ما كان أولى بالاعتبار من الظّنون على تقدير الكفاية في استعلام الأحكام المعلومة بالإجمال، و الرّجوع إلى أصالة الحرمة بالنّسبة إلى غيره من الظّنون في كمال الاستقامة و الجودة كما ستقف عليه، بل هو من القضايا الّتي قياساتها معها عند التّحقيق و قد عرفت الفرق بين كون الشّيء أولى بالاعتبار و القدر المتيقّن من بين الظّنون، و كونه معلوم الحجيّة في نفسه مع قطع النّظر عن ملاحظة غيره فيكون من الظّنون الخاصّة المعتبر انسداد باب العلم بها في الحكم بحجيّة الظّن على الإهمال، أو الإطلاق من جهة دليل الانسداد المقصود بالبحث في المقام، و أظنّ أنّه لا يختلط عليك الأمر بعد هذا البيان أصلا و لا تقع في شبهة من اشتبه عليه أمر هذا المعيّن بالظّن الخاصّ.
هذا بعض الكلام فيما يتعلّق بالجهة الأولى، و أمّا الجهة الثّانية و هو بيان مصداق هذا المفهوم و تشخيصه و تميزه من بين الظّنون التي علم بوجود المهملة فيها فهو في غاية الإشكال، و قد عرفت التّأمّل فيما أفاده الشّيخ المحقّق المحشّي قدس سره من جعل مطلق ما قيل باعتباره من باب الظّن الخاصّ من مصاديقه و الميزان في مصداق المتيقّن بقول مطلق و بالنّسبة إلى جميع الأمارات الظّنية الّذي توصف بالحقيق في لسان شيخنا قدس سره أن يكون هناك ظنّ لم يحتمل أحد عدم اعتباره على تقدير حجيّة ظنّ عند الشّارع بخلاف غيره من الظّنون، و لا يبعد أن يكون الخبر الصّحيح الجامع للشّروط الّتي ذكرها شيخنا قدس سره من مصاديقه، إذ لم يقل أحد ممّن قال بحجيّة الظّن في الشّرعيّات في قبال من قال بحرمة العمل بالظّن مطلقا و انفتاح باب العلم بالأحكام الشّرعيّة، بل قبح جعله على الشّارع كما عرفته عن ابن قبة بعدم حجيّة و حجيّة غيره و إن كان القائل بالتعدّي عنه و تعميم الحجيّة بالنّسبة إليه و غيره كثيرا و لو
........
الشرح
سئل عن حاله عن كلّ فريق منهم لقال بحجيّته و يعتبر في جعله مصداقا أن لا يكون هناك إجماع بسيط على حجيّته و لا دليلا قطعيّا آخر أو منهيا إلى لقطع يقتضي بحجيّته، و إلاّ دخل في الظّن الخاصّ و خرج عن مفروض البحث كما هو ظاهر و أشكل منه تحصيل المتيقّن بالإضافة بحيث يرجع إليه على تقدير عدم وجود المتيقّن الحقيقي و هو الخبر الجامع للشّروط الخمسة فيما بأيدينا من الأخبار، أو عدم كفايته في استعلام الأحكام بالمعنى المتقدّم على تقدير وجوده، لأنّه كلّما انتفى أحد الشّرائط احتمل كون غيره حجة دون الفاقد، و من هنا يظهر النّظر فيما قد يقال من أنّ المتيقّن بالإضافة بالنّسبة إلى غير الخبر الجامع للشّروط الخمسة الخبر الجامع للشّروط الأربعة و المتيقّن بعده بالنّسبة إلى تمام غيره الخبر الجامع للشّروط الثّلاثة، و هكذا و بالجملة تطبيق هذين المفهومين على الجزئيّات الخارجيّة و الأمارات الظّنية لا يخلو عن إشكال و ليكن هذا في ذكر منك، و أمّا الجهة الثّالثة و هو كون المتيقّن بقسميه كلّ في محلّه و معيّنا للمهملة على تقدير وجوده و كفايته بمعنى لزوم الاقتصار عليه و عدم جواز الأخذ بغيره لأصالة الحرمة، فقد عرفت أنّه لا إشكال فيه أصلا بل لا ينبغي التّكلم فيه، لأنّه من القضايا الّتي قياساتها معها، ضرورة انصراف المهملة إليه بالمعنى الّذي عرفته على تقدير وجوده، فلا يحتاج إذا إلى النّقض و الإبرام و الأسئلة و الأجوبة المذكورة في كلام المحقّق المحشّي المتقدّم ذكره و إن كان كثير منها متعلّقا بالتّكلم في الصّغرى حقيقة دون الكبرى.
هذا كلّه بالنّسبة إلى الأسباب، و أمّا بالنّسبة إلى المراتب، فالظّاهر عدم وجود هذا المعيّن بالنّسبة إليها، لأنّ جعل الضّعيف لخصوصيّة يراها الشّارع فيه أمر ممكن واقع عند أهل الظّنون الخاصّة، فإنّ الأمارات الّتي ذهبوا إلى حجيّتها ليست أقوى ظنّا ممّا حكموا بعدم حجيّته، أ لا ترى أن الشّهرة العظيمة أقوى ظنّا من غالب الأمارات الّتي حكموا بحجيّتها من باب الظّن الخاصّ، مع أنّها غير معتبرة عند المشهور.
بمعنى كونه واجب العمل قطعا على كل تقدير فيؤخذ به و يطرح الباقي للشك في حجيته، و بعبارة أخرى يقتصر في القضية المهملة المخالفة للأصل على المتيقن و إهمال النتيجة حينئذ من حيث الكم فقط، لتردده بين الأقل المعين و الأكثر.
و لا يتوهم أن هذا المقدار المتيقن حينئذ من الظنون الخاصة (1) للقطع
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ هنا توهّمين:
أحدهما: ما عرفت الإشارة إليه مع فساده من كون المراد من هذا المعيّن ما علم حجيّته بالخصوص، و بالنّظر إلى نفسه من غير دخل لدليل الانسداد فيه و هو يرجع على ما عرفت إلى اشتباه هذا المتيقّن بما علم اعتباره بنفسه.
ثانيهما: ما أشار إليه قدس سره من كون المراد من الظّن الخاصّ أعمّ ممّا علم اعتباره بنفسه لقيام دليل ناظر إليه ابتداء بعنوانه الخاص، و ممّا يرجع أمر الاعتبار بالأخرة إليه و لو كان من جهة كونه أولى بالاعتبار من محتملات مدلول الدّليل و قدرا متيقّنا منها و هذا ليس في الوهن كالأوّل، إذ معنى تردّد المهملة بين المطلقة الكليّة و الجزئيّة المعيّنة المقيّدة إلى دوران الأمر بين كون الحجّة في حكم الشارع مطلق الظّن أو الظّن الخاصّ و لو كان مقيّدا بزمان الانسداد، لأنّه لو لا احتمال مدخليّة السّبب الخاصّ في مدلول دليل الانسداد لم يكن معنى للإهمال، فالإهمال إنّما هو من جهة احتمال اعتبار الشّارع الظّن الحاصل من السّبب الخاصّ و ليس الغرض من المعيّن، إلاّ إثبات هذا المعنى فإذا عيّن فيصير الحاصل من دليل الانسداد بغميمة المعيّن حجيّة الظّنّ الحاصل من السّبب الخاص في زمان الانسداد، و منه يعلم أنّ هذا التّوهم جار بالنّسبة إلى جميع المعيّنات، و لا اختصاص له بتيقّن الاعتبار كما هو واضح، و من هنا تمسّك في المعالم لحجيّة الخبر بدليل الانسداد، مع أنّه من أهل الظّنون الخاصّة نظرا إلى صرف نتيجة دليل الانسداد إلى
........
الشرح
الظّن القوي المنحصر في زعمه في خبر العادل الّذي ذكره، و لكن يرد عليه أنّ المراد من الظّن الخاصّ في كلماتهم و ألسنتهم ما كان نظر الدّليل المثبت له أوّلا إلى السّبب من غير فرق بين اعتبار الظّن الشّخصي منه في الموارد الجزئية و عدمه كما هو المشاهد الواقع في الظّنون الخاصّة، فإنّ اعتبارها عند التّحقيق و أكثر المحقّقين على هذا الوجه، لا ما انصرف الدّليل إليه و لو بضميمة مقدّمة خارجيّة و الدّليل الانسداد كما عرفت تحقيقه و اعترف به المتوهّم، إذ لا يثبت أوّلا اعتبار المتيقّن اعتباره على تقرير الكشف إلاّ بملاحظة كونه متيقّنا من المهملة فاعتباره إنّما هو بالنّظر الثّانوي، و عدّ صاحب المعالم و أضرابه من أهل الظّنون الخاصّة خبر العادل منها ليس من جهة تمسّكهم بدليل الانسداد، بل لتمسّكهم في مسألة حجيّة الخبر بوجوه أخر اقتضت حجيّة الخبر بعنوانه الخاصّ ابتداء، فإذا كان نظر الدّليل المثبت لحجيّة الظّن إلى وصف الظّن و إن انصرف إلى نوع منه بالملاحظة الثّانويّة هو الظّن المطلق من غير فرق بين أن يكون الدّال عليه الكتاب أو السّنة أو الإجماع أو العقل سواء كان على الأخير دليل الانسداد أو غيره كوجوب دفع الضّرر المظنون و نحوه.
و من هنا تمسّك المحقّق القمّي قدس سره لحجيّة الظّن المطلق بآية النّبإ و أمثالها و إن كان نظره إلى السّبب الخاصّ من غير أن يستفاد منه اعتبار إطلاق اعتبار الظّن فهو ظنّ خاص فعلى ما ذكرنا القائل باختصاص نتيجة دليل الانسداد بالظّن القوي الاطمئناني، أو ما ظنّ اعتباره من الأمارات من أهل الظّنون المطلقة، لا الظّنون الخاصّة و إن كانوا من أهل الظّنون الخاصّة بالمعنى اللّغوي و العرفي بالنّسبة إلى القائل بحجيّة الظّن بالمعنى الأعمّ ممّا قالوا به، فإنّ الإطلاق و الخصوصيّة أمران إضافيّان، و من هنا عدّ بعض من قال باختصاص النّتيجة بخصوص الظّن في المسألة الأصوليّة في عداد أهل الظّنون الخاصّة في قبال القول بحجيّة الظّن مطلقا من غير فرق بين تعلّقه بالمسألة الأصوليّة أو الفرعيّة فقد تقرّر
التفصيلي بحجيته لاندفاعه بأنّ المراد من الظن الخاص ما علم حجيته بغير دليل الانسداد فتأمل.
الثاني: كون بعض الظنون أقوى من بعض، فتعين العمل عليه للزوم الاقتصار في مخالفة الاحتياط اللازم في كل واحد (1) من محتملات التكاليف
الشرح
ممّا ذكرنا أنّ هنا وجهين:
أحدهما: إناطة الاختصاص و الإطلاق بالسّبب الخاص و عدمه مطلقا من غير فرق بين أن يكون الاختصاص ذاتيّا أوّليّا أو عرضيّا ثانويّا، و هذا هو الّذي بنى عليه المتوهّم و يساعده العرف العامّ و اللّغة.
ثانيهما: إناطة الاختصاص و الإطلاق بالاختصاص الذّاتي و عدمه و هو الّذي بنى عليه شيخنا قدس سره في الكتاب و هذا هو المراد من كلامه المتقدّم لا ما يتوهّمه المتوهّم و إن كانت العبارة قاصرة في إفادة المراد في ابتداء النّظر فالمراد أنّ الظّن الخاصّ ما ثبت اعتباره بغير دليل الانسداد ممّا كان نظره إلى السّبب الخاصّ ابتداء، لا الأعمّ منه، و ممّا انصرف إليه الدّليل بملاحظة خارجيّة كما هو المفروض في المقام، فليس المراد أنّ كلّما ثبت اعتباره بغير دليل الانسداد فهو ظنّ خاصّ و إن كان مقتضاه حجيّة الظّن على الإطلاق، و ممّا ذكرنا يظهر الوجه في أمره قدس سره بالتّأمّل عقيب ما عرفت من الكلام، فإنّ الوجه فيه عدم الجزم بإناطة الاختصاص و الإطلاق في كلماتهم بالوجه الثّاني و احتمال كون المراد الوجه الأوّل، و ليكن ما ذكرنا في حفظ منك حتى لا تسلك من غير الطّريق في فهم عبارة الكتاب و هو الحافظ عن الخطاء، و نسأله أن يحفظنا عن الخطاء في القول و العمل.
(1) لا يخفى عليك أنّ ما أفاده قدس سره من التّعليل لكون القوّة معيّنة مبنيّ على ما تقدّم المناقشة فيه من عدم بطلان الاحتياط بعدم العلم الإجمالي
........
الشرح
بالتكاليف، إلاّ في الجملة بقدر ما يندفع به الحرج و العسر الشّديد، فيتعيّن بحكم العقل مخالفته فيما كان الاحتمال الموافق للاحتياط فيه يعني احتمال الوجوب و التّحريم في كمال البعد من جهة قيام الظّن القوي الاطمئناني على عدم الوجوب و التّحريم، فيقتص عليه في مخالفة الاحتياط، و يراعى مقتضى العلم الإجمالي في باقي المحتملات ممّا ظنّ فيه بالتّكليف مطلقا أو شكّ فيه أو ظنّ عدمه إذا لم يبلغ مرتبة الاطمئنان.
و قد عرفت أنّ الكلام في إطلاق النّتيجة و إهمالها بعد الفراغ عن ثبوت أصلها، و الكلام المذكور مبنيّ على ما عرفت مرارا على عدم ثبوتها.
فالأولى بل المتعيّن أن يعلّل ذلك بأنّ حكم العقل الإدراكي على تقدير تسليمه كما هو مبنى البحث عن المعيّنات بالنّسبة إلى الظّن، و كونه حجّة عند الشّارع إنّما هو من جهة كونه أقرب إلى الواقع من الشّك و الوهم فإذا كان المدرك مردّدا بين المطلقة و الجزئيّة بحسب المرتبة و كان هذا المناط العقلي موجودا في الأقوى على الوجه الأتمّ و الأكمل، و المفروض كفايته في الفقه فلا محالة يستكشف حجيّته و يحكم بوجوب الاقتصار عليه بضميمة أصالة حرمة العمل بغير العلم، و إلى هذا الوجه يشير كلامه قدس سره فيما سيجيء عند الاعتراض على هذا المعيّن.
ثمّ إنّه لا يخفى عليك أنّ هذا المعيّن ناظر إلى التّعيين بحسب المرتبة، و لا دخل له بالأسباب أصلا، ضرورة أن الظّن الأقوى لا يستند دائما إلى أمارة معيّنة، لأنّ ما يحصل الظّن الأقوى منه بالنّسبة إلى مورد لا يلزم حصول هذه المرتبة منه بالنّسبة إلى مورد آخر و المفروض عدم إناطة الحجيّة بالظّن النّوعي، حتّى يقال إنّ في الأمارات ما يكون أقوى نوعا من غيرها كالخبر الصّحيح الأعلائي، و الشّهرة المحقّقة العظيمة مثلا.
الواقعية من الواجبات و المحرمات على القدر المتيقن، و هو ما كان الاحتمال الموافق للاحتياط فيه في غاية البعد، فإنّه كلما ضعف الاحتمال الموافق للاحتياط كان ارتكابه أهون.
الثالث: كون بعض الظنون مظنون الحجية فإنه في مقام دوران الأمر بينه و بين غيره يكون أولى من غيره إمّا لكونه أقرب إلى الحجية من غيره، و معلوم أن القضية المهملة المجملة تحمل بعد صرفها إلى البعض بحكم العقل على ما هو أقرب محتملاتها إلى الواقع، و إمّا لكونه أقرب إلى إحراز مصلحة الواقع، لأنّ المفروض رجحان مطابقته للواقع، لأن المفروض كونه من الأمارات المفيدة للظن بالواقع و رجحان كونه بدلا عن الواقع (1)، لأن
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ رجحان البدليّة عن الواقع بمعنى تدارك ما فات عن الواقع من المصلحة بسلوك الأمارة أعني ظنّ اعتبارها إنّما هو فيما تعلّق الظّن باعتبارها على وجه يلزم تدارك الواقع في حكم العقل من سلوك المؤدّي إلى خلاف الواقع، كما إذا ظنّ بحجيّتها حتّى في زمان انفتاح باب العلم بالواقع و قلنا بأنّ جعلها في هذا الزّمان يكشف عن وجود المصلحة المتداركة بقول مطلق، حتّى بالنّسبة إلى زمان الانسداد، و أمّا إذا لم يتعلّق الظّن باعتبارها على الوجه المزبور بأن تعلّق باعتبارها في خصوص زمان الانسداد، أو تعلّق باعتبارها على وجه الإطلاق، و قلنا بأنّه لا يلزم في حكم العقل وجود المصلحة المتداركة، إلاّ بالنّسبة إلى زمان الانفتاح لعدم استناد فوت الواقع إلى الأمارة المفروضة بالنّسبة إلى زمان الانسداد، فإنّه يكفي في التّرجيح بالنّسبة إلى زمان الانسداد كونه أغلب مطابقة في نظر الشّارع من سائر الأمارات، فلا يلزم من الظّن بالاعتبار رجحان البدليّة و لو من جهة احتمال ما ذكرنا، فإنّه يكفي في نفي الملازمة و لو جعل الوجه في الترجيح أقربيّة احتمال التدارك فيما ظنّ اعتباره بالنّسبة إلى ما شكّ اعتباره أو
المفروض الظن بكونه طريقا قائما مقام الواقع بحيث يتدارك مصلحة الواقع على تقدير مخالفته له، فاحتمال مخالفة هذه الأمارة للواقع و لبدله موهوم في موهوم بخلاف احتمال مخالفة سائر الأمارات للواقع، لأنّها على تقدير مخالفتها للواقع لا يظن كونها بدلا عن الواقع.
و نظير ذلك ما لو تعلق غرض المريض بدواء (1) تعذر الاطلاع العلمي عليه فدار الأمر بين دواءين: أحدهما يظنّ كونه ذلك الدواء و على تقدير كونه غيره يظنّ كونه بدلا عنه في جميع الخواص، و الآخر يظنّ أنّه ذلك الدواء، لكن لا يظنّ أنّه على تقدير المخالفة بدل عنه، و معلوم بالضرورة أن العمل بالأول أولى.
الشرح
ظنّ عدمه نظرا إلى أنّ ما ظنّ اعتباره بالخصوص إنّما هو من القسم الأوّل، لأنّ اعتبار الأمارة من حيث الخصوص في خصوص زمان الانسداد مجرّد فرض غير واقع.
كما أنّ التّفكيك في المرجّح لجعل الأمارة الواحدة بالنّسبة إلى الزّمانين في كمال البعد أو جعل الوجه أنّ مظنون الاعتبار من حيث كونه مشتملا على المصلحة المتداركة ظنّا أو أغلب مطابقة من سائر الأمارات كذلك، حيث إنّ المرجّح لتخصيصها لا يخلو من أحد الأمرين لكان أوفق فتأمّل.
(1) لا يخفى عليك أنّه لا بدّ أن يكون الدّواء المتعلّق بالغرض، ذا أصناف و أقسام كالمسهل، ضرورة أنّه إذا لم يكن كذلك لم يمكن تعلّق الظّنين بالنّسبة إلى موضوعين، فإذا فرض تعلّق الغرض بالأيارج مثلا، فظنّ كونه المعجون الفلاني، فلا محالة يظنّ بعدم كون غيره الأيارج و إن أمكن الظّن بكونه بدلا في الخواصّ و الآثار، و هذا أمر واضح لا سترة فيه تعلّق الغرض بالتّنبيه عليه، و إلاّ فليس ممّا يعتنى بشأنه.
ثمّ إنّ البعض المظنون الحجية قد يعلم بالتفصيل (1)، كما إذا ظن حجية
الشرح
(1) ما أفاده قدس سره من كون متعلّق الظّن قد يكون أمرا مفصّلا ممتازا في الخارج، و قد يكون مجملا مردّدا بين أمرين أو أمور، فيتّصف الظّن بالتّفصيل و الإجمال بالاعتبارين كالعلم أمر واضح لا سترة فيه أصلا كوضوح ما أفاده في بيان مصداق الظّن الإجمالي، حيث إنّه بعد العلم الإجمالي بجعل الظّن نظرا إلى دليل الانسداد، حيث إنّه فرض إهمال نتيجته و الظّن التّفصيلي بعدم اعتبار جملة من الأمارات حتّى في زمان الانسداد و كونها ملحقة بالقياس حكما أو موضوعا يظن بأنّ الحجّة في غيرها كلا أو بعضا فيكون البعض اللاّبشرط مظنون الاعتبار، لا محالة.
هذا و قد عرفت من كلام المحقّق المحشّي قدس سره فرض القسمين أي الإجمال و التّفصيل بالنّسبة إلى المعيّن الأوّل أيضا كما فرضهما بالنّسبة إلى هذا المعيّن، حيث إنّه يمكن أن يقال بعد فرض عدم العلم التّفصيلي بما تيقّن اعتباره من الأمارات إنّا نعلم إجمالا بأنّ فيما قيل باعتباره من حيث الخصوص على اختلاف أنواعه و أقسامه و اختلاف الأصحاب فيه ما يكون أولى بالاعتبار بالنّسبة إلى غيره، فيكون الأخذ بتمام أطراف هذا المتيقّن المعلوم بالإجمال و هو جميع ما قيل باعتباره من حيث الخصوص متعيّنا في نظر العقل بالنّسبة إلى ما يكون خارجا من أطرافه.
هذا و لكنّك خبير بأنّ تصوير ما أفاده في غاية الإشكال، حيث إن اختلافهم إن كان راجعا إلى الظّنون المتداخلة بأن كان ممّا اتّفق عليه الكلّ كالخبر الجامع للشّروط الخمسة الّذي تعرّض له شيخنا قدس سره في الكتاب فهو معلوم تفصيلا فيما لم يبلغ اتّفاقهم مبلغ الإجماع، و إلاّ كان من الظّنون الخاصّة على ما أسمعناك سابقا و إن رجع إلى الظّنون المتباينة بأن ذهب كلّ فريق إلى حجيّة ما ينكره الفريق الآخر، فليس متيقّن معلوم بالإجمال، ضرورة أنّ اختلافهم ليس راجعا إلى
الخبر المزكى رواته بعدل واحد أو حجية الإجماع المنقول، و قد يعلم إجمالا وجوده بين أمارات، فالعمل بهذه الأمارات أرجح من غيرها الخارج من محتملات ذلك المظنون الاعتبار، و هذا كما لو ظن عدم حجية بعض الأمارات كالأولوية و الشهرة و الاستقراء، و فتوى الجماعة الموجبة للظن فإنّا إذا فرضنا نتيجة دليل الانسداد مجملة مرددة بين هذه الأمور و غيرها و فرضنا الظن بعدم حجية هذه لزم من ذلك الظن بأن الحجة في غيرها و إن كان مرددا بين أبعاض ذلك الغير، فكان الأخذ بالغير أولى من الأخذ بها لعين ما تقدم و إن لم يكن بين أبعاض ذلك الغير مرجح فافهم.
هذه غاية ما يمكن أن يقال في ترجيح بعض الظنون على بعض لكن نقول إن المسلم من هذه في الترجيح لا ينفع، و الذي ينفع غير مسلم (1) كونه مرجحا.
توضيح ذلك هو أن المرجح الأول و هو تيقن البعض بالنسبة إلى الباقي
الشرح
الاختلاف في تشخيص المتيقّن، حتّى يقال بأنّه راجع إلى الاختلاف في الخصوصيّة بعد الاتّفاق على القدر المشترك، فيستكشف وجوده بين الخصوصيّات المختلفة، بل راجع إلى ما اجتهدوا في حجيّته من حيث الخصوص، فإن كان راجعا إلى الاختلاف في تعين القدر المشترك بعد كونه مسلّما بينهم، فيستكشف من حجيّته بالخصوص، فيخرج عن محلّ الفرض إن بلغ مبلغ الإجماع و إلاّ فلا فائدة فيه أصلا، إلاّ أن يحمل كلامه على مجرّد الفرض و إن كان متعلّقا بأمر محال، حيث إنّ فرض المحال ليس محالا.
(1) المراد نفي التّسليم بالنّظر إليه على سبيل الإطلاق كالظّن بالاعتبار لا نفيه بالنّظر إليه في الجملة، فإنّه يسلّم كونه مرجّحا كذلك كما ستقف على تفصيل القول فيه.
و إن كان من المرجحات بل لا يقال له المرجح لكونه معلوم الحجية تفصيلا (1) و غيره مشكوك الحجية، فيبقى تحت الأصل، لكنّه لا ينفع لقلته و عدم كفايته، لأنّ القدر المتيقن من هذه الأمارات هو الخبر الذي زكي جميع رواته بعدلين و لم يعمل في تصحيح رجاله و لا في تمييز مشتركاته بظن أضعف نوعا من سائر الأمارات الأخر و لم يوهن لمعارضته شيء منها و كان معمولا به عند الأصحاب كلا أو جلا و مفيدا للظن الاطمئناني بالصدور، إذ لا ريب أنه كلما انتفى أحد هذه الأمور الخمسة في خبر احتمل كون غيره حجة دونه، فلا يكون متيقن الحجية على كل تقدير.
و أمّا عدم كفاية هذا الخبر لندرته فهو واضح، مع أنّه لو كان بنفسه كثيرا (2)
الشرح
(1) المراد كونه كذلك بعد انضمام العلم بحجيّة الظّن في الجملة الّذي حصل من دليل الانسداد على تقرير الكشف لا كونه كذلك بالذّات، و إلاّ خرج عن محلّ الفرض و هو ظاهر، و من هنا قد يقال إنّ إطلاق المرجّح بمعنى المعيّن عليه لا ضير فيه فتدبّر.
(2) قد يناقش فيما أفاده قدس سره تارة بأنّه إذا فرض كفاية المتيقّن اعتباره من جهة كثرته، فلا يسلّم العلم بطرو خلاف الظّواهر فيها إجمالا حتّى تكون من قبيل ظواهر الكتاب المعلوم عدم إرادة الظاهر منها فضلا عن تسليم العلم بأنّ صارفه في غيره لم لا يكون فيه، نعم لو كان فرض كفايته من جهة اشتماله على عمومات و إطلاقات شاملة لغالب المسائل الفقهيّة و كان هناك مخصّصات و مقيّدات كثيرة في غيره ممّا لم يبلغ تلك المرتبة أمكن دعوى العلم الإجمالي بطروّ خلاف الظّاهر فيه، و كون الصّارف من غير جنسه، و المفروض في كلامه قدس سره غير المفروض، و أخرى بأنّ فرض العلم الإجمالي المذكور، لا يجامع كثيرة ما فرضه متيقّنا من بين الأمارات، لأنّه كما صرّح به الخبر الجامع للشّروط
........
الشرح
الخمسة مع فرض حصول الظّن الفعلي منه بالحكم، لأنّ النتيجة سواء فرضت مهملة أو كلية حجيّة الظّن الشّخصي لا النّوعي، فالمتيقّن اعتباره من الظّنون الشّخصيّة الخبر الجامع للشّروط الخمسة و من المعلوم عدم إمكان حصول الظّن الفعلي منها مع فرض وجود العلم الإجمالي بوجود الصّارف له.
و منه يعلم أنّ اعتبار عدم الوهن بمعارضة شيء من الأمارات مستغني عنه، إذ الكلام في الظّن الفعلي و مع الوهن من جهة المعارضة، لا يحصل الظّن من الخبر فتأمل.
نعم لو كان المستكشف من دليل الانسداد حجيّة الظّنون النّوعية أمكن دعوى بقاء الخبر الجامع للشّروط الخمسة على إفادة الظّن النّوعي مع العلم الإجمالي المذكور، ضرورة أنّه يجامع القطع بالصّدور فضلا عن الاطمئنان به كما في ظواهر الكتاب، فلا يتوجّه إذا المناقشة الثّانية و إن كانت هذه الدّعوى فاسدة عندنا و عند شيخنا قدس سره نظرا إلى إيجاب العلم الإجمالي بإرادة خلاف الظّاهر من العمومات و الإطلاقات إجمالها إذا بلغ حدّ الشّبهة المحصورة كما هو المفروض فلا يبقى ظهور أصلا، فكيف يدّعي حصول الظّن منها و لو نوعا.
اللّهم إلاّ أن يكون مراده قدس سره ممّا أفاده أنّ مجرّد كثرة الخبر الجامع للشّروط الخمسة، لا يوجب الحكم بوجود المتيقّن الكافي نظرا إلى عدم بقائه على شرائط الحجيّة من جهة العلم الإجمالي الموجب للإجمال، فالمنع يرجع حقيقة إلى وجود المتيقّن وصفا و إن كان ذاته موجودة كما هو ظاهر فتدبّر، فلا بدّ إذا أن يتسرّى إلى المتيقّن بالإضافة على تقدير وجوده و كفايته.
اللّهم إلاّ أن يمنع وجوده نظرا إلى عدم ميزان يميّز به المتيقّن بالإضافة إلى غير المتيقّن الحقيقي من الأمارات الأخر و لأجله أمر قدس سره بالتّأمّل بعد الحكم بالتّسرية أو لما ستعرفه بعد ذلك من كلامه قدس سره.
كافيا، لكن يعلم إجمالا بوجود مخصصات كثيرة و مقيدات له في الأمارات الأخر، فيكون نظير ظواهر الكتاب في عدم جواز التمسك بها مع قطع النظر عن غيرها، إلاّ أن يؤخذ بعد الحاجة إلى التعدي منها بما هو متيقن بالإضافة إلى ما بقي فتأمل.
و أمّا المرجح الثاني و هو كون بعضها أقوى ظنا من الباقي ففيه أن ضبط مرتبة خاصة له متعسر (1) أو متعذر، لأن القوة و الضعف إضافيان و ليس تعارض
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ ما أفاده قدس سره مبنيّ على كون المراد من هذا المرجّح إناطة التّرجيح بمطلق القوّة و الضّعف الإضافيّين، إذ كما أنّ أصل تشخيص مراتب الظّن في نفسها من جهة كثرتها و غموضها بالشّدّة و الضّعف في غاية الإشكال، كذلك تشخيص مرتبة الظّنين الموجودين في المسألتين، بل الإشكال في الثّاني ناش عن الإشكال في الأوّل عند التّحقيق، و أمّا لو كان المراد إناطته بالقوّة البالغة حدّ الاطمئنان، فلا يتوجّه عليه المناقشة المذكورة الرّاجعة إلى المنع الصّغروي كما اعترف به قدس سره فأورد عليه:
أوّلا: بندرته بعد الحكم بكونه ملحقا بالعلم حكما، بل موضوعا الّذي لم يعلم المراد منه، فإنّ الإلحاق بالعلم الطّريقي حكما لم يعلم له وجه و بالموضوعي، كذلك و الإلحاق الموضوعي لا وجه له أصلا و إن قال به بعض مشايخنا قدس سره في جواهر الكلام، اللّهم إلاّ أن يراد الإلحاق الموضوعي بالمسامحة كما ذكره سابقا عند الكلام في حجيّة أخبار الآحاد بالخصوص و كيفما كان لا إشكال في انضباط هذه المرتبة، و أمّا الإيراد عليه بالنّدرة فقد يناقش فيه أيضا بمنع النّدرة لكثرة الظّنون الاطمئنانيّة في الفقه، فينحصر الإيراد الوارد فيما أفاده.
ثانيا: بقوله: (مع أنّ كون القوّة معيّنة للقضيّة المهملة محلّ منع) إلخ، لأنّك قد عرفت سابقا أنّ العقل لا يستكشف بالنّظر إلى مقدّمات الانسداد جعل خصوص
القوي مع الضعيف هنا في متعلق واحد حتى يذهب الظن من الأضعف و يبقى في الأمارة الأخرى، نعم يوجد مرتبة خاصة و هو الظن الاطمئناني الملحق بالعلم حكما، بل موضوعا لكنّه نادر التحقق، مع أن كون القوة معينة للقضية المجملة محل منع، إذ لا يستحيل أن يعتبر الشارع في حال الانسداد ظنا يكون أضعف من غيره كما هو المشاهد في الظنون الخاصة فإنها ليست على الإطلاق أقوى من غيرها بالبديهة، و ما تقدم في تقريب مرجحية القوة إنما هو مع كون إيجاب العمل بالظن عند انسداد باب العلم من منشئات العقل و أحكامه.
و أمّا على تقدير كشف مقدمات الانسداد عن أن الشارع جعل الظن حجة في الجملة و تردد أمره في أنظارنا بين الكل و الأبعاض، فلا يلزم من كون بعضها أقوى كونه هو المجعول حجة، لأنّا قد وجدنا تعبد الشارع بالظن الأضعف و طرح الأقوى في موارد كثيرة.
و أمّا المرجح الثالث و هو الظن باعتبار بعض، فيؤخذ به لأحد الوجهين المتقدمين ففيه مع أن الوجه الثاني لا يفيد لزوم التقديم (1)، بل أولويته أن
الشرح
الظّن الاطمئناني كما يحكم به على تقدير الحكومة كيف و لو كان كذلك لم يكن معنى للإهمال بالنّسبة إلى المرتبة بل النّتيجة كشفا أو حكومة مختصّة بالظّن الاطمئناني، و بالجملة لا مناص عن الإيراد الثّاني أصلا على ما عرفت الكلام فيه.
(1) لا يخفى عليك أنّ ما أفاده قدس سره مبنيّ على جعل الوجه الثّاني في قبال الوجه الأوّل بمعنى أنّه على تقدير الإغماض عن كفاية مطلق الظّن في التّرجيح من حيث كونه أقرب إلى الحجيّة يحكم بلزوم التّرجيح به من حيث كونه أقرب إلى إدراك مصلحة الواقع، و بالجملة هذه الحيثيّة غير حيثية مجرّد الأقربيّة إلى الحجيّة و إن كانتا متلازمتين في زعم المستدلّ.
الترجيح على هذا الوجه يشبه الترجيح بالقوة و الضعف في أن مداره على الأقرب إلى الواقع، و حينئذ فإذا فرضنا كون الظن الذي لم يظن بحجيته أقوى ظنا بمراتب من الظن الذي ظن حجيته، فليس بناء العقلاء على ترجيح الثاني، فيرجع الأمر إلى لزوم ملاحظة الموارد الخاصة و عدم وجود ضابطة كلية
الشرح
ثمّ إنّ الوجه في عدم إفادته لزوم التّقديم، بل أولويّته هو ما عرفت الكلام فيه مرارا من أنّ العقل لا يحكم بلزوم إدراك المصالح الواقعيّة في باب الإطاعة، و أنّ العنوان الملزم عنده لإطاعة مطلق أوامر الموالي على العبيد دفع الضّرر و العقوبة و المؤاخذة و إن حكم بإدراكها على وجه الرّجحان و الأولويّة نظرا إلى إيجابه تكميل النّفس الموجب للوصول إلى الدّرجات العالية و التّهيؤ للإفاضات القدسيّة، و أمّا الوجه في مشابهته للتّرجيح بالقوّة و الضّعف بعد الإغماض عمّا ذكره أوّلا، فهو ظاهر، حيث إنّ مناطه على الأقربيّة بملاحظة الاعتبارين، فلا بدّ أن يلاحظ مرتبة ما ظنّ اعتباره مع مرتبة ما شكّ في اعتباره مثلا فربما يكون الظّن الحاصل من مشكوك الاعتبار في المسائل الّتي قام عليها أقوى و أقرب من الظّن الحاصل من مظنون الاعتبار في المسائل الّتي قام عليها بعد الملاحظتين، فيتوجّه عليه مضافا إلى ما ذكر ما توجّه على التّرجيح بالوجه الثّاني.
ثمّ إنّ المراد من استبعاد فرض التّسوية بالنّسبة إلى جميع الظّنون الموجودة في المسائل الفقهيّة و استحالة بحسب العادة بعد الاختلاف التّام بين الأسباب و الموارد بالنّسبة إلى المفروض، و إلاّ فلم يتوهّم أحد أنّ فرض المحال محال، فلا تغفل هذا مضافا إلى ما أفاده قدس سره في الاعتراض بقوله: (مع أنّ اللاّزم على هذا) إلى آخر ما أفاده، ضرورة لزومه بعد البناء على ملاحظة الأقربيّة من جهة التّدارك على تقدير الخطاء بعد اختلاف الظّنون القائمة من الجهة الّتي ذكرها قدس، بل اختلافها من جهة أخرى غير مذكور في كلامه و هي القوّة و الضّعف فافهم.
بحيث يؤخذ بها في ترجيح الظن المظنون الاعتبار، نعم لو فرض تساوي أبعاض الظنون دائما من حيث القوة و الضعف كان ذلك المرجح بنفسه منضبطا و لكن الفرض مستبعد، بل مستحيل مع أن اللازم على هذا أن لا يعمل بكل مظنون الحجية، بل بما ظن حجيته بظن قد ظن حجيته، لأنّه أبعد عن مخالفة الواقع و بدله بناء على التقرير المتقدم.
و أمّا الوجه الأول المذكور في تقريب ترجيح (1) مظنون الاعتبار على غيره ففيه:
الشرح
(1) العمدة في الاعتراض على هذا الوجه ما أفاده ثانيا، لأنّ ما أفاده أوّلا مضافا إلى رجوعه إلى منع الاطّراد كما هو واضح غير نقيّ عن الإشكال لإمكان أن يقول الخصم بأنّا لا نقول بأنّ كلّما ظنّ اعتباره لا بدّ أن يكون مظنون الاعتبار مطلقا، فكلّما تحقّق هذا العنوان في ضمن مطلق أو مقيّد نقول بكونه متعيّنا من المهملة مضافا إلى إمكان دعوى كون الخبر الجامع للشّروط الخمسة ممّا يظنّ اعتباره مطلقا، اللّهم إلاّ أن يكون مراده قدس سره ممّا أفاده عدم كفاية ما ظنّ اعتباره من الأمارات فتدبّر، فإذا لا بدّ من صرف العنان إلى بيان ما أفاده من الاعتراض الثّاني، فنقول: في توضيح عدم الدّليل على كون مطلق الظّن معيّنا للمهملة و مرجّحا لما قام عليه على غيره من الظّنون إنّ الدّليل على اعتبار الظّن على سبيل الإطلاق، أو الإهمال منحصر في المقام على ما هو مقتضى الفرض بدليل الانسداد و لا يخلو الأمر فيه إمّا أن يجري في خصوص الفروع و يحكم بعد إهمال النّتيجة فيها بحجيّة مطلق الظّن في تعيينها كما هو المفروض في محلّ البحث أو يجري في خصوص الأصول، و إمّا أن يجري في مطلق الأحكام الشّرعيّة بالمعنى الأعمّ من الفرعيّة و الأصوليّة و الواقعيّة و الظّاهريّة، و إمّا أن يجري في كلّ منهما مستقلا فيجري تارة في الفروع و أخرى في الأصول، ثمّ على تقدير
........
الشرح
إجرائه في الأصول مستقلا على هذا الفرض قد يجري في الأحكام الأصوليّة بقول مطلق، و قد يجري في الحكم الأصوليّ الثّابت بإجراء دليل الانسداد في الفروع.
أمّا الوجه الأوّل و هو إجراؤه في خصوص الفروع و الحكم بعد إهمال النّتيجة فيها بكون مطلق الظّن مرجّحا و معيّنا للمهملة ففيه أنّ قضيّة المقدّمات الجارية في الفروع على تقدير الكشف حجيّة الظّن في خصوص الأحكام الفرعيّة، ضرورة أنّ بقاء التّكليف بها مع فرض عدم الطّريق لها لا يقتضي في حكم العقل بوجوب نصب الشّارع طريقا إلى غيرهما ممّا لم يفرض تعلّق التّكليف بها كما هو المفروض، نعم مقتضى حكم العقل على تقرير الحكومة حسبما عرفت مرارا عدم الفرق بين الظّن في المسألة الفرعيّة و الأصوليّة لعموم مناط الحكم في نظره بين المسألتين.
هذا مع أنّه على فرض التّعميم لا يعقل الحكم بإهمال النّتيجة في الفروع و إطلاقها في الأصول كما هو واضح، و قد اعترف غير واحد ممّن زعم كون مطلق الظّن معيّنا بما ذكرنا من كون نتيجة المقدّمات الجارية في الفروع حجيّة الظّن على سبيل الإهمال في خصوص الفروع من دون اقتضاء لها لحجيّة الظّن في الأصول أصلا، لا على سبيل الإهمال، و لا الإطلاق على ما عرفت بيانه، إلاّ أنّهم ذكروا أنّا لا نحتاج إلى إثبات اعتبار الظّن و حجيّته في المقام حتّى نطالب بدليله منهم المحقّق المحشّي قدس سره فيما تقدّم من كلامه بشرحه في الأمر الأوّل، و قد نقله شيخنا قدس سره في المقام ملخّصا بإسقاط بعض ما لا يخلّ بمرامه و توضيحه على وجه الاختصاص أنّه إذا فرض إهمال النّتيجة في الفروع و أريد تعميمها بقضيّة بطلان التّرجيح بلا مرجّح كما هو المفروض الّذي يحكم به العقل كليّة، فلا محالة لا يحكم العقل بالتّعميم إلاّ بعد عدم وجدان المرجّح، فكما أنّه يحكم بالتّعميم بعد عدم وجدان الرّجحان كذلك يحكم بلزوم التّرجيح بعد
........
الشرح
وجدانه، لا أنّه لا يحكم بالتّعميم بعد وجدانه و يسكت عن لزوم الأخذ بالرّاجح و تبقى النّتيجة على حالها من الإهمال، و إلاّ لم يحكم بحجيّة الظّن أصلا لما عرفت من ابتنائه على لزوم الأخذ بالرّاجح.
فإن قلت: إنّ مظنون الاعتبار من الأمارات القائمة في المسائل الفقهيّة ليس براجح فقد كابرت الوجدان، و إن قلت: إنّه راجح، إلاّ أنّ العقل لا يرجّح المشكوك و الموهوم عليه حتّى يلزم ترجيح المرجوح على الرّاجح، بل إنّما يحكم بالتّسوية بينهما فهو مخالف لحكم العقل الضّروري بقبح التّسوية بين الرّاجح و المرجوح، و إلاّ لم يكن ثمّة حاجة في التشبّث بذيل القاعدة المذكورة في التّعميم، و إن قلت: إنّه راجح و لا يحكم العقل بترجيح غيره عليه و لا بالتّسوية بينه و بين غيره، و لكنّه لا يحكم بترجيحه على غيره، بل هو واقف عن الحكم رأسا و إنّما يستكشف بملاحظة المقدّمات عن حجيّة الظّن في الجملة على سبيل الإهمال و لا يحكم بشيء آخر أصلا فهو مناف لقضيّة صريح العقل بلزوم ترجيح الرّاجح على المرجوح الّذي كان عليه المدار في حكمه بحجيّة الظّن بعد ملاحظة مقدّمات دليل الانسداد فلم يبق إلاّ حكمه بلزوم تقديم المظنون على المشكوك في مقام الحيرة و الجهالة، كما أنّه يحكم بلزوم تقديم المشكوك على الموهوم على تقدير وجوب التّعدي عن المظنون من جهة عدم كفايته، و هذا معنى ما أفاده الشّيخ المحقّق المتقدّم ذكره بعد الاعتراف بلزوم إقامة الدّليل على التّرجيح بمطلق الظّن من أنّ الدّليل عليه هو الدّليل العقلي المذكور، حيث إنّه بعد استكشافه عن حجيّة الظّن على سبيل الإهمال إن وجد الحجيّة متساوية بالنّظر إلى الظّنون فيحكم بحجيّة الكلّ من جهة بطلان التّرجيح بلا مرجّح، و أمّا إذا وجدها مختلفة، فلا محالة يقدّم المظنون على المشكوك و الموهوم، كما أنّه يقدّم المشكوك على الموهوم.
........
الشرح
فإن قلت: إنّك ارتكبت التّرجيح بلا مرجّح في تقديم المظنون، فقد غلطت غلطا ظاهرا، فالنّتيجة و إن كانت مهملة مردّدة بالنظر الأولي، إلاّ أنّها متعيّنة في المظنون بالنّظرة الثّانية.
هذا ملخّص ما يقال في توضيح المقام و لكنّك خبير بأنّه قياس مغالطيّ خال عن التّحقيق، فإنّه راجع عند التّأمّل إلى الالتزام بلزوم إقامة البرهان على التّرجيح بمطلق الظّن على ما عرفت من الشّيخ المتقدّم من الاستدلال عليه بحكم العقل القاضي بحجيّة الظّن فهو راجع عند التّأمّل إلى إجراء دليل الانسداد في تعيين المهملة الّتي هي مسألة أصوليّة، ضرورة أنّه لو لم يرجع إليه فلنا أن نختار الشّق الأخير، فإنّك قد عرفت عند الاستدلال على حجيّة مطلق الظّن بقاعدتي قبح ترجيح المرجوح على الرّاجح و لزوم ترجيح الرّاجح على المرجوح أنّ العقل إنّما يحكم باللّزوم فيما دار الأمر بعد ثبوت لزوم التّرجيح بمقدّمات الانسداد بين ترجيح الراجح أو المرجوح و إلاّ فلا يحكم بشيء منهما، بل يقف عن الحكم و من هنا حكمنا بأنّه لا بدّ من إرجاع هذا الدّليل إلى دليل الانسداد، لا أن يكون دليلا مستقلا بحجيّة الظّن في قباله كما هو مبنى استدلالهم به فيرد عليه ما ستعرفه من عدم تماميّة المقدّمات في المسألة الأصوليّة أوّلا، و كون النّتيجة مهملة على تقدير تسليم التّماميّة ثانيا، ضرورة عدم اختلاف نتيجة المقدّمات بحسب اختلاف المسائل.
فإن شئت قلت: إنّ النّتيجة إن كانت مهملة، فلا معنى لجعل مطلق الظّن معيّنا و مرجّحا و إن كانت مطلقة فكذلك ضرورة حصول العلم القطعي بحجيّة مطلق الظّن في الفروع، فلا ترديد حتّى يكون موردا للتّرجيح، فالتّرجيح بمطلق الظّن ساقط على كلّ من تقديري الإهمال و الإطلاق، و منه يظهر فساد توهّم أنّه على الإطلاق لا معنى لمنع التّرجيح بمطلق الظّن، و ممّا ذكرنا كلّه يظهر فساد ما توهّمه
........
الشرح
غير واحد بعد تسليم ما من أنّ المقام مقام التّرجيح لا الحجيّة، فإنّا لا نعني من كون الشّيء حجّة، إلاّ الاعتماد عليه و الاتّكال إليه في تشخيص الحكم الإلهي المشتبه عندنا من غير فرق بين الحكم الفرعي و الأصولي المشتبه، فكما إذا علم إجمالا بحكم فرعيّ في بعض الوقائع فظن أنّه الحكم الإلزامي مثلا، لا يمكن البناء على الحكم الإلزامي من جهة الظّن به، إلاّ بعد قيام الدّليل على حجّيته كذلك إذا علم إجمالا بحكم أصولي، فتردّد عندنا أمره أنّه خصوص المظنون أو المشكوك أو الموهوم أو الأعمّ، لا يمكن البناء على أنّه خصوص المظنون، إلاّ بعد إقامة البرهان على حجيّة الظّن، فلا معنى لجعل المقام من موارد التّرجيح و بالجملة تعيين الحكم الإلهي المشتبه بالظّن عين جعله حجّة من غير فرق بين الحكم الفرعي و الأصولي، و أمّا التّرجيح فالمراد به في كلماتهم تقديم أحد الدّليلين على الآخر لرجحان له عليه، و أين هذا من المقام و إن أطلق التّرجيح و أريد به المعنى الأعمّ من تعيين أحد الاحتمالين بالظّن، أو تقديم أحد الدّليلين المتعارضين على الآخر لمزيّة له عليه و إن لم يكن خصوص الظّن بالنّظر إلى المعنى اللّغوي، أو العرفي أو المسامحيّ، فلا يمنع منه لكنّه لا يوجب شيئا أصلا، هذا مع أنّ التّرجيح بمعناه المعروف من دون قيام دليل عليه محرّم بالأدلّة الأربعة، لأنّه موجب لاستناد الحكم التّعييني إلى الشارع من دون دليل.
هذا و إن شئت قلت: إنّ رجحان الظّن على الشّكّ و الوهم و إن كان وجدانيّا، إلاّ أنّ رجحان المظنون على المشكوك في نظر الشارع مطلقا حتّى يوجب عليه جعله دون مشكوك الاعتبار فليس معلوما، و إلاّ لم يكن اعتباره مشكوكا و المدار إنّما هو في الرّجحان بالمعنى المذكور عند الشارع لا في وجداننا، فإنّ المفروض تقرير المقدّمات على وجه الكشف لا الحكومة و لو حكم العقل و لو بالملاحظة الثّانويّة بكون الظّن بما هو ظنّ موجب للرجحان و التّقديم في نظر الشارع، فلا
........
الشرح
محالة يحكم بإطلاق الحجيّة على تقرير الكشف أيضا و هو مع كونه خلاف الفرض موجب لسقوط التّرجيح بالظّن رأسا، كما أنّه على تقرير الحكومة المقتضي للحكم بحجيّة مطلق الظّن على ما عرفت لا مورد للتّرجيح، إذ هو فرع الإهمال الغير المجامع مع الإطلاق، فلا تغتر إذا بما ذكروه من أنّ المورد مورد التّرجيح و الغرض إنّما هو متعلّق به و الدليل عليه هو الدّليل العقلي المذكور.
ثمّ إنّ مفروض البحث على ما عرفت إنّما هو على تقرير الكشف، و أمّا على الحكومة فقد عرفت أنّه لا فرق بين مظنون الاعتبار و مشكوكه و موهومه بالنّظر إلى هذه العنوانات و لا أثر لها في حكمه أصلا، نعم يمكن فرض حكمه بلزوم تقديم المظنون على تقرير الحكومة لو فرض تساوي الظّنون القائمة في المسائل الفقهيّة دائما بالقوّة و الضّعف و فرض إيجاب الظّن بالاعتبار لصيرورة الإطاعة من جهة سلوكه أقوى و أتمّ في نظر العقل، فإنّك قد عرفت أنّ الحجّة في حكم العقل هو الظّن الأقوى البالغ حدّ الاطمئنان ليس إلاّ على تقدير كفايته، لكنّه مجرّد فرض قد عرفت الكلام عليه و كيف كان الكلام إنّما هو على تقرير الكشف و إهمال النّتيجة، و أما على تقرير الحكومة فقد عرفت أنّ العقل قاض بحجيّة الظّن الأقوى من أي سبب حصل، فإذا فرض كون مشكوك الاعتبار أقوى ظنّا من مظنون الاعتبار فيحكم العقل بتقديمه، فتقديم مظنون الاعتبار على إطلاقه كما يزعمه القائل به لا معنى له على كلّ تقرير من غير فرق بين تقرير الكشف كما يظهر ممّا ذكره المحقّق المحشّي بقوله: (كان ذلك أقرب إلى الحجيّة) حيث أنّه ظاهر في وجود حجيّة شرعيّة واقعيّة، إذ على تقرير الحكومة لا معنى لما ذكره إلاّ على تأويل أو تقرير الحكومة كما يظهر من قوله: (نظرا إلى حصول القوّة لتلك الجملة) حيث إنّ مرجحيّة القوة إنّما هي على تقرير الحكومة على ما عرفت، و أمّا ما أفاده شيخنا قدس سره من الاعتراض الثّالث بقوله: (مع أن الظّن المفروض إنّما قام على
........
الشرح
حجيّة بعض الظّنون في الواقع) إلى آخره، فهو يشبه الاعتراض الأوّل في توجّه المناقشة إليه، حيث إنّ قيام الظّن على حجيّة بعض الظّنون بقول مطلق من غير فرق بين زماني الانفتاح و الانسداد في معنى قيام الظّن على تعيين المهملة، لأنّه يظنّ منه أنّ الشارع اعتبر الظّن المظنون في زمان الانسداد فهو مثل قيام ظنّ على اعتبار بعض الظّنون في خصوص زمان الانسداد، فيظنّ أنّ المظنون مراد من المهملة فإن أريد من قيام الظّن على تعيين المهملة هذا المعنى فهو حاصل و إن أريد الزّائد عليه فلا دليل عليه أصلا، فإنّ مقتضى ما ذكروه على تقدير تسليمه كون الظّن بالاعتبار معيّنا لا يكون الظّن القائم على عنوان تعيين المهملة معيّنا كما هو واضح، و من هنا أمر بالتّأمّل فيما أفاده قدس سره.
ثمّ إنّه ظهر ممّا ذكرنا كلّه فساد ما أورده جمع ممّن قال بحجيّة الظّنون الخاصّة على القائل بحجيّة الظّن المطلق مثل المحقّق القمّي قدس سره من باب الإلزام من أنّه على تقدير تسليم تماميّة المقدّمات و اقتضائها لحجيّة الظّن على الإطلاق يتعيّن العمل بخصوص المظنون من الأمارات القائمة على المسائل الفقهيّة دون المشكوك و الموهوم، حيث إنّه إذا كان مقتضاها حجيّة الظّن على الإطلاق كان مقتضاها العمل بالظّن في تعيين الحجّة على الإطلاق أيضا، إذ لا يعقل الانفكاك في اقتضاء الدّليل إطلاقا و تقييدا بحسب المسائل قال الفاضل النّراقي في المناهج في عداد الإيرادات على التمسّك بدليل الانسداد لإثبات حجيّة مطلق الظّن في الفروع من غير فرق بين مظنون الاعتبار و غيره: «ثانيها: أنّه لو تم لما دلّ إلاّ على حجيّة المظنون حجيّته، لأنّه جعل سدّ باب العلم مع بقاء التّكليف موجبا للعمل بالظّن و تعيين المناط في الأحكام أيضا مسألة فيجب العمل فيها بالظّن فيكون الحجّة الظّن الّذي دلّ دليل ظنّي على حجيّته لا كلّ ظنّ، و جعل انسداد باب العلم في سائر المسائل موجبا للميل بالظّن فيها دون هذه المسألة تهافت» انتهى
........
الشرح
كلامه رفع مقامه، و هو كما ترى و إن كان ظاهرا في إجراء دليل الانسداد في تعيين الظّن الثّابت حجيّته مستقلا أو في ضمن إجرائه في الفروع، إلاّ أنّه في كمال الغرابة فإنّه بعد تسليم اقتضاء المقدّمات لحجيّة مطلق الظّن في الفروع كما هو مبنى الاعتراض يحصل العلم بمناط الأحكام فأين انسداد باب العلم به و على تقدير اقتضائها لحجيّة الظّن في الجملة لا بدّ أن يقول بأنّ مقتضاها في تعيين المناط العمل بالظّن في الجملة نظرا إلى ما ذكره من عدم اختلاف اقتضاء الدّليل بحسب المسائل نعم على تقرير الحكومة نقول باقتضائها لحجيّة مطلق الظّن المتعلّق بالمسائل الأصوليّة و الفقهيّة على ما عرفت تحقيقه مرارا، و لكنّه لا تعلّق له بالمقام أصلا، ضرورة اقتضائه لحجيّة الظّن في المسألة الأصوليّة و لو لم يحصل بما ظنّ حجيّة ظنّ في الفروع أصلا، و أين هذا من تعيين المهملة بالظّن، و كيف كان لا ينبغي الإشكال في أنّ التّرجيح بمطلق الظّن لا معنى له من غير فرق بين القول بالإطلاق و الإهمال و إن خالف فيه جمع منهم الفاضل النّراقي فيما عرفت من كلامه و في غيره، فإنّه قال أيضا في موضع آخر ما هذا لفظه: «و رابعا: أنّه لم يعلم ما قصده بقوله فيجب العمل بالظّن إن أراد أنّه يجب العمل بكلّ ظنّ فهو ممنوع و إن أراد أنّه يجب العمل بالظّن في الجملة فهو مسلّم و لا يفيد له، فإن قيل:
يثبت حجيّة الجميع بضمّ بطلان التّرجيح بلا مرجّح، قلنا: لا شكّ أنّ للظّن عرضا عريضا فيتّصل أحد طرفيه بالعلم و الآخر بالشّك و في البين ظنون متفاوتة بعضها أقوى من بعض، فكيف يكون ترجيح الأقوى ترجيحا بلا مرجّح، أ لا ترى أنّ بعض أفراد الخبر المفيد للظّن أرجح من بعض كالصّحيح من غيره و الحسن من الضّعيف و أيضا الظّنون مختلفة، حيث إنّ بعضها ممّا اشتهر القول بحجيّته و بعضها ممّا لم يقل بحجيّته، إلاّ نادر و لا شكّ أنّ الأوّل أرجح و أيضا المرجّح موجود في طائفة من الأدلّة لوجود الأدلّة على لزوم العمل بها المذكورة في
........
الشرح
مظانّها و القول بأنّ أدلّتها لا تفيد، إلاّ الظّن فهي مرجّحات ظنيّة صارت مرجّحة لهذه الظّنون مسلّم و لكن لا يلزم منه كون ترجيحها ظنيّا، فإنّه لا تنافي بين كون الشّيء مفيدا للظّن بشيء و لم يكن منه و كان مرجّحا قطعيّا لآخر، فإنّ كون الشّيء مرجّحا غير كونه واجب العمل مع أنّ الثّابت من بطلان التّرجيح بلا مرجّح إنّما هو إذا لم يكن مرجّح أصلا لا قطعيّ و لا ظنّي و إن أريد أنّ ترجيحها ظنّ فهو فاسد، فإنّ الطّرف الّذي فيه الأدلّة الظّنيّة أرجح قطعا على الطّرف الفاقد لها، هذا كلّه مع أنّ اللاّزم من عدم المرجّح هو التّخيير دون الحكم بحجيّة الجميع» انتهى ما أردنا نقله و أنت بعد الإحاطة بما ذكرنا تعرف وجوه النّظر فيه، فإنّك قد عرفت أنّ رجحان المظنون على غيره في وجداننا، و كذا اختلاف الظّنون من الحيثيّات التي ذكرها في وجداننا لا يوجب الرجحان في نظر الشارع و في حكمه بحجيّة الظّن المستكشف من دليل الانسداد بحيث يحكم العقل به، فإنّ مناط التّرجيح و التّعميم على تقرير الكشف إنّما هو في حكم الشارع، كما أنّ ما ذكره من أنّ اللاّزم من عدم المرجّح هو التّخيير لم يعلم له معنى محصّل، فإنّ لازم عدم التّرجيح بين الدّليلين المتعارضين هو التّخيير عند المجتهدين، لا أنّ لازم كلّ الاحتمالين و لو لم يكونا متنافيين التّخيير.
نعم قد عرفت احتمال التّخيير و إمكانه و أين هذا من كونه لازما لعدم التّرجيح هذا مع منافاة ما أفاده في المقام لما ذكره في معنى القاعدة عند الاستدلال بها على حجيّة الظّن مطلقا من جانب القائل بها، فإنّه بعد نقل كلام بعض المحقّقين الموردين على التمسّك بقاعدة قبح ترجيح المرجوح على الرّاجح و إثبات حجيّة الظّن و أنّ غاية ما يستفاد منه لزوم العمل بالرّاجح عند الدّوران في الجملة قال:
«و يرد على الدّليل أيضا:
أمّا أوّلا: فبأنّه إن أريد أنّه يقبح ترجيح المرجوح و يجب ترجيح الرّاجح
........
الشرح
مطلقا فهو ممنوع و إن أريد أنّ ترجيح بعض المرجوحات قبيح فهو مسلّم و من أين علم أنّ محلّ النّزاع منه.
و أمّا ثانيا: فبأنّ غاية ما دلّ عليه الدّليل أنّ ما ظنّ وجوب فعله مثلا لكون فعله ذا صفة راجحة هي كونه مظنون الوجوب يجب ترجيح فعله، فنقول: إنّه يجب لو لم يشتمل تركه على صفة راجحة أخرى و إلاّ فلا يثبت إلاّ ترجيح الفعل إذا لم يكن في التّرك رجحان من جهة أخرى، و أمّا إذا كان له مرجّح كأن يكون موافقا لمدلول خبر و إن لم يفد الظّن فلا شكّ أنّه حينئذ ذو صفة زائدة ليست في طرف الفعل فلا يقبح ترجيح التّرك إلى أن قال:
و أمّا ثالثا: فبأنّ ما اتّفق عليه العقلاء و يعاضده الدّليل هو قبح ترجيح ما علم مرجوحيّته في الواقع و الكلام فيما نحن فيه فيما كان راجحا أو مرجوحا في نظر الظّان و لا يحكم العقل بقبح ترجيح ما كان مرجوحا في نظر شخص لجواز رجحانه في الواقع، و التّوضيح أنّ الكلام في أنّ الشارع هل أوجب علينا الأخذ بالطّرف الرّاجح عندنا أم لا فإنّه معنى حجيّة الظّن فنقول إذا كان شيء عندنا راجحا و لم يحتمل أن يكون مرجوحا في الواقع قبح من الشارع الأمر بأخذ المرجوح و إن احتملنا أن يكون مرجوحا بحسب الواقع، فلا يقبح من العالم بالواقع الأمر بأخذ المرجوح عندنا، فترجيح الشارع ما هو مرجوح عندنا ليس بقبح على الإطلاق، و لذا ترى أنّه أمر بالأخذ بخلاف الرّاجح عندنا في كثير من الموارد فمن أين يعلم أنّ ما نحن فيه من الأوّل» انتهى كلامه رفع مقامه، و أنت خبير بأنّ ما أفاده قدس سره لا يجامع مع ما ذكره في المقام، و ممّا ذكرنا كلّه يظهر جودة ما أفاده شيخنا قدس سره في ردّ الفاضل المتقدّم ذكره المورد على القائل بحجيّة مطلق الظّن إلزاما المعترض على نفسه بقوله: (و فيه أنّه إذا التزم باقتضاء مقدّمات الانسداد مع فرض عدم المرجّح العمل بمطلق الظّنّ في الفروع) إلى
........
الشرح
آخره، و كذا ما أفاده قدّس سرّه في فساد القلب بقوله: (و ليس للمعترض القلب) إلى آخره.
و أمّا ما أفاده في رد هذا المعترض بقوله: (أقول: لا يخفى أنّه ليس المراد من أصل دليل الانسداد إلاّ وجوب العمل بالظّن) إلى آخر ما أفاده قدس سره فهو من أوضح الواضحات، ضرورة أنّ الكلام في المقام في تعيين الحكم الشّرعي الأصولي المستكشف من مقدّمات الانسداد المتعلّق بالظّن على سبيل الإهمال و الإجمال بالظّن و أنّ واجب العمل في حكم الشّارع خصوص مظنون الاعتبار أو الأعمّ منه و من غيره، و أمّا الكلام في أنّ الظّن بالاعتبار على فرض التّسوية بين الظّنون في حكم الشارع هل يصلح أن يكون داعيا مرجّحا لاختيار المكلّف و ميله و تعلّق إرادته بالمظنون الاعتبار أم لا، فهو ليس كلاما في مسألة شرعيّة صالحة، لأنّ يعنون في كلمات العلماء و يذكر في الكتب بل ليست صالحة لتكلّم العالم فيه، بل هو كلام في أمر عاديّ خارج عن فنّ العلم و الّذي أوقعه في هذا الخطاء و دعاه إلى حمل كلمات من ذهب إلى كون الظّنّ بالاعتبار مرجّحا للمهملة على ما ذكره ما رآه في كلام غير واحد منهم حسبما عرفت من أنّ البحث في المقام في ترجيح مظنون الاعتبار من جهة قيام الظّنّ على اعتباره و أنّ الرّجحان به أمر وجدانيّ، لا في جعله دليلا و حجّة على اعتبار مظنون الاعتبار حقّ يطالب بدليله، فزعم أنّهم يريدون أن يجعلوا الظّن بالاعتبار داعيا و مرجّحا لاختيار المكلّف، لا سببا و مرجّحا لإيجاب الشّارع العمل بخصوص مظنون الاعتبار سيّما بملاحظة قولهم في مقام ثبت هذا المطلب أنّ كون المرجّح ظنّا لا يلزم كون التّرجيح ظنّا، فوقع في هذا الوهم و إن كان منشأ اشتباه الأمر عليهم في المقام على ما عرفت تفصيل القول فيه أمر آخر و هو اشتباه المرجّح الوجداني بالمرجّح الشّرعي، و أنّ العقل إذا رأى اختلاف مراتب الظّنون القائمة على المسائل الفرعيّة من حيث الظّن بالاعتبار و عدمه، فلا يحكم بالتّعميم من جهة قاعدة بطلان التّرجيح بلا
........
الشرح
مرجّح فافهم.
و الأولى نقل عين عبارته بتمامها قال قدس سره في العوائد: «و لا يخفى أنّ هذا القائل خلط بين ترجيح الشّيء و تغليبه و لم يفهم الفرق بينهما و نحن لبيان المطلب نقدّم أوّلا مقدّمة، ثمّ نجيب عن كلامه و هي أنّه لا ريب في بطلان التّرجيح بلا مرجّح، فإنّه ممّا يحكم بقبحه العقل و العرف و العادة بل يقولون بامتناعه الذّاتي كالتّرجح بلا مرجّح و المراد بالتّرجيح بلا مرجّح هو الكون مع أحد الطّرفين و الميل إليه و الأخذ به من غير مرجّح و إن لم يحكم بتعيينه وجوبا، و أمّا الحكم بذلك فهو أمر آخر وراء ذلك و لنوضح ذلك بأمثلة، فنقول إذا أرسل سلطان مثلا عبدا إلى بلد و قرّر له أحكاما و طلبها منه و لم يعلم ذلك العبد تلك الأحكام و لكن أخبره عادل بأنّه طلب منه إكرام زيد و عمرو و بكر و خالد من غير نفي أحكام أخر، و آخر بأنه طلب منه بناء دار و مسجد و قنطرة و رباط من دون نفي الغير، و ثالث بأنّه طلب منه استكتاب مصحف و كتاب و ديوان كذلك و لم يكن له بدّ من العمل بأقوال هؤلاء كلا أو بعضا، و لكن لم يعلم أنّ أحكامه هل هي ما أخبر به الجميع أو واحدا أو اثنان، فإن كان الجميع متساويين من جميع الوجوه فلو عمل بقول واحد معيّن منهم من حيث هو قوله كان ترجيحا بلا مرجّح و موردا للقبح، و لكن لو كان الظّن الحاصل من قول أحدهم أقوى أو ضمّ معه مكتوب متضمّن للأخذ بقوله من السّلطان أو الوزير من غير أن يفيد العلم، و لا أن يكون دليل على حجيّة ذلك المكتوب فلو أخذ بقوله و عمل به لم يلزم ترجيح بلا مرجّح و لا قبح فيه عقلا و لا عرفا، نعم لا يجوز له الحكم بأنّ الواجب أخذه، إلاّ مع حجّة عليه و من هذا القبيل لو حضر طعامان عند أحد أحدهما ألذّ من الآخر، فلو أكل هذا الشخص الألذ لم يرتكب ترجيحا بلا مرجّح و إن لم يلزم أكل الألذّ، و لكن لو حكم بلزوم أكله لا بدّ من تحقّق دليل عليه و لا يكفي
........
الشرح
مجرّد الألذّية، نعم لو كان أحدهما مضرّا يصحّ الحكم له باللّزوم و من ذلك القبيل أيضا من أراد المسافرة إلى بلد كان له طريقان متساويان من جميع الوجوه، و لكن سافر بعض أحبّائه من أحدهما فلو اختار هو أيضا المسافرة من ذلك الطّريق لم يرتكب ترجيحا بلا مرجّح و لكن لو حكم بتعيين هذا الطّريق للسّلوك احتاج إلى دليل، و بالجملة جميع الموارد كذلك و الحكم بلا دليل غير التّرجيح بلا مرجّح و شتان ما بينهما، فالمرجّح غير الدّليل و الأوّل يكون في مقام الميل و العمل و الثّاني في مقام التّصديق و الحكم، و إذ عرفت تلك المقدّمة، فنقول: ليس مراد المورد أنّه يجب العمل بالظّن المظنون حجيّته و أنّه الظّن الّذي يجب العمل به بعد سدّ باب العلم، بل غرضه أنّ بعد ما يلزم على المكلّف ببقاء التّكليف و انسداد باب العلم بالظّن في الجملة و لا يعلم أنّه أي ظنّ لو عمل بالظّن المظنون حجيّته، كما أنّ المسافر يسلك السّبيل الّذي سلكه رفقاؤه ما الضّرر فيه و أي نقص يلزم عليه، فإن قلت: هو ترجيح بلا مرجّح فغلطت غلطا ظاهرا و إن كان غيره فبيّنه حتّى ننظر، و ثالثا نقول: إنّه يجب العمل بالظّن المظنون الحجيّة، لأنّه كما أنّك تقول يجب علينا في كلّ واقعة البناء على حكم و لعدم كونه معلوما يجب في تعيينه العمل بالظّن و لا يلزم ترجيح بلا مرجّح، مع أنّ تعيينك ليس إلاّ بالظّن، فكذا نقول: إنّه بعد ما وجب علينا العمل بظنّ و لم نعلم تعيينه يجب علينا في تعيين هذا الظّن العمل بالظّن كيف لا يلزم في الأوّل ترجيح بلا مرجّح، و يقبح التّرجيح بالظّن و يلزم في الثّاني و لا يصحّ، و لعمري إنّ هذا لشيء عجاب، و بتقرير آخر أن تقول: إنّ سدّ باب العلم و بقاء الأحكام و بطلان سائر الاحتمالات المذكورة بنفسها موجبة للعمل بكلّ ظنّ و أصالة حجيّته فبيّن لنا الملازمة حتّى نستفيد منك، و أن تقول: إنّها موجبة للعمل بالظّن في الجملة، و لكنّه غير متعيّن لنا بالطّريق العلمي، فإن لم يكن سدّ باب العلم
........
الشرح
مستلزما للعمل بالظّن فلم أخذته في أصول دليلك و إن كان ففي هذا المقام أيضا كلّفنا بالعمل بظنّ من الظّنون، و باب العلم به منسدّ فاعمل فيه أيضا بالظّن و احكم بحجيّة كلّ ظنّ كان دليل ظنّي على حجيّته و هو الأخبار الواردة في الكتب المعتبرة من أصحابنا الّتي دلّت الشّهرة و الإجماع المنقول، و مفهوم الكتاب و منطوق الأحاديث الغير المحصورة و القرائن المتكثّرة على حجيّتها كما بيّناه مفصّلا في شرح تجريد الأصول و المناهج و أساس الأحكام و مفتاح الأحكام فإن قلت الدّليل الظّني على حجيّة الأخبار لا ينفي حجيّة ظنّ آخر قلنا، نعم و لكن لا يكون حينئذ دليل على حجيّة ظن آخر، إذ بعد ثبوت وجوب العمل بظنّ مظنون الحجيّة ينفتح باب الأحكام، و لا يجري دليلك في ظنّ آخر، و يبقى في تحت أصالة عدم الحجيّة» انتهى كلامه رفع مقامه.
و أمّا التّفريع الّذي أفاده بقوله و ممّا ذكرنا يظهر في آخر كلام البعض المتقدّم ذكره إلى آخره فهو و إن كان مستقيما بالمعنى الّذي عرفته، فيقال: إنّ كون المرجّح أمرا وجدانيّا قطعيّا لا يقتضي كون التّرجيح من جهته عند الشارع قطعيّا، بل قطعيّة التّرجيح من جهته عند الشارع تابع لقيام الدّليل القطعي عليه، و إلاّ فوجوده كعدمه عند العقل و إن أوجب الظّن باعتباره الظّن برجحانه عند الشّارع إذا لم يحصل ممّا قطع بعدم اعتباره، فإنّه إذا لم ينته إلى القطع كما هو المفروض لا يترتّب عليه أثر و يبالي إنّ غلط النّسخة الّتي كانت عند شيخنا قدس سره ألجأه إلى هذا المعنى، فإنّ الموجود في النّسخة الصحيحة أنّ كون المرجّح ظنّا لا ظنيّا، فقال قدس سره: «فإنّا نقول إنّ كون المرجّح قطعيّا لا يقتضي ذلك أي كون المرجّح أمرا قطعيّا وجدانيّا» و هو عين مطلب البعض المتقدّم ذكره، نعم ما أفاده بقوله:
(و إلاّ فليس ظنيّا) أيضا لا يخلو عن مناقشة يظهر بملاحظة ما ذكرناه، اللّهم إلاّ أن يحمل على نفي الاقتضاء و الملازمة إذ ربما يحصل ممّا يقطع بعدم اعتباره عند
........
الشرح
الشارع كالقياس و أشباهه فتأمل.
و أمّا ما أفاده قدس سره من استظهار الخلط من المعترض بين التّرجيح بلا مرجّح في مقام الإيجاد و التّكوين و بينه في مقام الإلزام و التّشريع بقوله: (ثمّ إنّ ما ذكره الأخير في مقدّمته من أنّ التّرجيح بلا مرجّح قبيح، بل محال يظهر منه خلط) إلى آخر ما أفاده فهو في كمال الجودة و الاستقامة، ضرورة أنّ المتّصف بالحسن و القبح بمعناهما الّذي وقع النّزاع فيه بين العدليّة و الأشاعرة في مسألة التّحسين و التّقبيح العقليّين هو الأفعال الاختيارية للمكلّفين، كما أن مفروض الأحكام الشّرعيّة أيضا الأفعال الاختياريّة ليس إلاّ فما يوجد من الممكنات من الفاعل المختار إن لم يكن له مرجّح لوجوده و لو كان مرجّحا نفسانيّا جزافيّا لا عقلانيّا و لو كان هو الإرادة بزعم الأشعري لم يمكن إيجاده و وجوده و إلاّ خرج عن كونه ممكنا، لأنّ نسبته إلى طرفي الوجود و العدم على السواء لا اقتضاء له بحسب ذاته لأحد الأمرين أصلا، و من هنا ذكر المتكلّمون أنّ التّرجيح بلا مرجّح يئول إلى التّرجيح بلا مرجّح، ضرورة أنّه إذا فرض عدم استناد وجوده إلى المرجّح، فلا محالة يوجد بلا موجد و هو ممّا اتّفقت كلمتهم على استحالته من جهة ضرورة حكم العقل بها بعد فرض الإمكان و الإلزام و الحكم سواء كان من الشارع أو غيره من جهة كونه فعلا و إيجادا اختياريّا من الحاكم لا بدّ له من مرجّح و إلاّ استحال وجوده من غير فرق بين الشارع و غيره، إلاّ أنّ الشارع لا يختار بالنّظر إلى الحكمة و العصمة، إلاّ المرجّحات العقلائية، لا أنّه يمتنع اختيار غيره ذاتا، لأنّ الحكمة و العصمة لا يوجب سلب الاختيار كما هو بديهيّ و غيره قد يختار ما لا يكون مرجّحا عقلانيا و بعد وجود المرجّح بهذا المعنى للفعل من أيّ فاعل كان سواء في الأفعال أو الأحكام لو رجّح الفاعل المختار على التّرك، أو العكس من غير مرجّح عقلائي فعل فعلا قبيحا عند العقلاء يوجب ذمّ فاعله عندهم، فالمورد القبح
........
الشرح
غير المورد للاستحالة، فإذا لم يكن للفعل الممكن مرجّح أصلا فهو محال لا قبيح و إذا كان له مرجّح لا يجوّز العقلاء اختيار الفعل لأجله فهو قبيح لا محال فمراده قدس سره من أنّ الأوّل محال لا قبيح و الثّاني قبيح لا محال إنّما هو فيما إذا فرض عدم المرجّح للأوّل أصلا و رأسا و فرض عدم المرجّح العقلائي مع فرض وجود المرجّح في الجملة للثّاني و هو أمر واضح لمن له أدنى تأمّل في كلامه قدس سره، فالاعتراض عليه كما عن بعض أهل العصر ناش عن القصور.
ثمّ إنّ شرح القول فيما يتعلّق بالمقام و إن كان موكولا إلى الفنّ الأعلى و هو فنّ التكلّم، مع أنّه لا يحسن ممّن هو مثلي في عدم الإحاطة بالفنّ المذكور، إلاّ أنّه لا بأس بصرف الكلام إليه و ذكر بعض ما يوجب البصيرة لمن كان عاريا عن الفنّ فنقول اختلف المتكلّمون بعد اتّفاقهم على استحالة التّرجيح بلا مرجّح بالمعنى الّذي عرفته من ترجيح أحد المتساويين من طرفي الممكن على الآخر بلا سبب من الخارج، فيلزم أن يوجد بلا سبب أو يعدم كذلك الّذي قضت ضرورة العقول على استحالته في الممكنات، و إلاّ خرجت عن الإمكان إلى الوجوب أو الامتناع و هو خلف في استحالة التّرجيح بلا مرجّح بمعنى اختيار الفاعل المؤثّر المختار أحد طرفي ما يقدر عليه من الفعل و التّرك من دون داع و مرجّح له و عدمها، فذهب الأشاعرة إلى الثّاني زعما منهم أنّ الفاعل إذا كان مختارا، فيرجّح بإرادته و ميله أيّ مقدور شاء و استدلّوا عليه بالوجدان، حيث إنّ العطشان و الجائع و الهارب من السّبع يختار أحد القدحين و الرّغيفين و الطّريقين مع فرض المساواة من جميع الجهات الّتي لها دخل في التّرجيح، فيعلم من ذلك أنّ اختيار أحد طرفي الممكن لا يتوقّف على مرجّح خارجيّ و العدليّة من الإماميّة و المعتزلة إلى الثّاني لما عرفت من قضاء ضرورة العقل بعدم تعلّق الاختيار بأحد طرفي الممكن من دون داع و سبب فلو وجد لوجد بلا سبب، و هذا معنى رجوع التّرجيح بلا مرجّح إلى
........
الشرح
التّرجّح بلا مرجح.
و أمّا ما زعمه الأشاعرة ففاسد جدّا.
أمّا أوّلا: فلمنع تحقّق التّساوي من جميع الجهات فيما مثّلوا به و أمثاله و مجرّد الفرض لا يوجب تحقّق المفروض في الخارج و المدار عليه لا على فرضه كما هو ظاهر.
و أمّا ثانيا: فلأنّا نختار بعد التّسليم عدم اختيار أحدهما و مجرّد دعواه لا يفيد في شيء.
و أمّا ثالثا: فلأنّه يرجع إلى الإذعان بلزوم المرجّح و إن كان هو الإرادة فليتوجّه عليه أنّ نسبة الإرادة إلى المقدورين إذا كانت على نهج واحد و متساوية بالنّظر إلى ذات المؤثّر و الفاعل فاتّصافه بإحداهما دون الأخرى إن استند إلى إرادة أخرى بأن يريد أن يريد الفعل أو التّرك فهو مع كونه ظاهر البطلان بالوجدان، حيث إنّا نرى بالوجدان أنّا نرتكب الفعل بإرادته من دون إرادة هذه الإرادة بالبداهة مستلزم للتّسلسل، لأنّا ننقل الكلام إلى الإرادة الأخرى التي صارت علّة للإرادة المقارنة للفعل، و هكذا فإن التزموا بالتّوقف على إرادة أخرى، و هكذا فيلزم ما ذكرنا من التّسلسل في الأمور المجتمعة المترتّبة و إن لم يلتزموا به، فأيّ فرق بين الإرادتين و إن لم يستند إلى إرادة أخرى و مرجّح خارجيّ كما هو المفروض، فيلزم ترجيح أحد المتساويين بالنّسبة إلى الإرادة على الآخر بلا سبب و داع، و هذا ما يقوله العدلية: (من رجوع التّرجيح بلا مرجح إلى التّرجّح بلا مرجّح)، و قد عرفت أنّه لا فرق في ذلك بين كون الممكن المقدور إيجاد جسم أو فعل أو حكم من غير فرق بين الإلزام و غيره، فالموجب إذا لم يكن هناك سبب و مرجّح لإيجابه يستحيل صدوره منه كما في سائر الأفعال، فالتّشريعيّات من الحيثيّة الّتي ذكرنا كالتكوينيّات، بل منها بهذا اللحاظ و الاعتبار كما هو ظاهر
........
الشرح
و هكذا الكلام بالنّسبة إلى ترجيح المرجوح على الرّاجح أو التّسوية بينهما، فإنّه إذا كان بلا داع و سبب أصلا استحال قطعا، و إذا فرض وجود الدّاعي و السّبب و لم يكن ممّا يجعله العقلاء داعيا و سببا، فيحكم بالقبح في كلّ من الثّلاثة، و قد خرجنا عمّا يقتضيه وضع التّعليقة، بل الفنّ هذا بعض الكلام فيما يتعلّق بالوجه الأوّل و هو إجراء دليل الانسداد في خصوص الفروع ليس إلاّ.
و أمّا الكلام فيما يتعلّق بالوجه الثّاني و هو إجراء دليل الانسداد في خصوص المسائل الأصوليّة فقد عرفت شرحه في الأمر الأوّل و أنّه فاسد من وجوه عرفتها و على تقديره لا تعلّق له بالمقام أصلا، لأنّ النّتيجة على تقدير الإجراء في خصوص الأصول اعتبار الظّن المتعلّق بحجيّة شيء و إن لم يكن مفيدا للظّن أصلا مضافا إلى أنّه يتوجّه عليه أنّه على تقدير الكشف و إهمال النّتيجة كما هو المفروض، لا معنى للحكم بحجيّة مظنون الاعتبار مطلقا أيضا، بل اللاّزم الحكم بحجيّة ما ظنّ اعتباره في الجملة نظرا إلى ما عرفت من عدم إمكان الفرق في النّتيجة من حيث الإهمال و الإطلاق بحسب الأصول و الفروع، فالمستكشف من المقدّمات إيجاب الشارع للعمل بالظّن في المسألة الأصوليّة في الجملة لا مطلقا، لكنّك قد عرفت أنّ هذا لا تعلّق له بالمقام و هو ترجيح المهملة في الفروع بمطلق الظّن بالاعتبار.
و أمّا الكلام في الوجه الثّالث و هو إجراء دليل الانسداد في مطلق الأحكام الشّرعيّة من الأصوليّة و الفرعيّة فهو و إن كان فاسدا أيضا بالنّظر إلى ما أسمعناك في الأمر الأوّل، حيث أنّ العلم الإجمالي المتعلّق بالأصول على تقدير تسليمه سواء كان في ضمن العلم الإجمالي بالفروع أم لا، لا يقتضي حجيّة الظّن المتعلّق بها أصلا نظرا إلى عدم قيام الدّليل على بطلان الاحتياط فيها أصلا، إلاّ أنّ النتيجة على تقدير الكشف أيضا حجيّة الظّن على سبيل الإجمال و الإهمال في المسألتين،
........
الشرح
فلا معنى إذا للحكم باعتبار مطلق الظن المتعلّق بالمسألة الأصوليّة، مضافا إلى أنّ مقتضى دليل الانسداد الجاري في الأصول في ضمن مطلق الأحكام الشّرعيّة هو اعتبار خصوص ما لا يفيد الظّن بالواقع، لأنّ اعتبار ما يفيد الظّن بالواقع قد علم من حيث تعلّق الدّليل بالفروع كما هو ظاهر، و أين هذا من تعيين المهملة بالظّن، هذا بعض الكلام في الوجه الثّالث.
و أمّا الكلام في الوجه الرّابع و هو إجراء دليل الانسداد في كلّ من الأصول و الفروع مستقلا، فقد عرفت أنّه يقع في موضعين:
أحدهما: فيما جرى في الحكم الأصولي بقول مطلق.
ثانيهما: فيما جرى في الحكم الأصولي الثّابت بإجراء دليل الانسداد في الحكم الفرعي.
أمّا الموضع الأوّل: فقد علم حكمه ممّا ذكرنا من الكلام على الوجوه المتقدّمة و أنّه لا يثبت به على تقدير الإغماض عمّا يرد عليه، إلاّ خصوص الظّنّ المتعلّق باعتبار ما لا يفيد الظّن بالواقع، و أين هذا من حجيّة الظّن المتعلّق بالمسألة الأصوليّة على الإطلاق و من تعيين المهملة في الفروع بالظّن، حيث إنّك قد عرفت مرارا أنّ نتيجة المقدّمات حجيّة الظّن الشخصي ليس إلاّ.
و أمّا الموضع الثّاني: فيتوجّه عليه مضافا إلى عدم تماميّة المقدّمات بالنّسبة إلى الحكم الأصلي و لو في مفروض المقام حيث إنّه لا دليل على بطلان الاحتياط بالجمع بين جميع محتملات الشبهة من لزوم الحرج و غيره، و دعوى قيام الإجماع عليه، كما ترى كدعوى دوران الأمر في كلّ ظنّ بين الوجوب و التّحريم نظرا إلى حرمة العمل به على تقدير عدم حجيّته في حكم الشارع لما أسمعناك مرارا من أنّ الحرمة التّشريعيّة، لا يمنع من الاحتياط لارتفاع موضوعها بالاحتياط، كما هو ظاهر فلا يجتمعان موضوعا حتّى يمنع من جريان الاحتياط إنّ النّتيجة هو اعتبار
........
الشرح
الظّن بتعيين المهملة في الفروع على سبيل الإجمال و الإهمال، لا اعتبارها على الوجه الكلّي و الإطلاق كما اعتقده الجماعة، نظرا إلى ما عرفت من عدم الفرق في نتيجة المقدّمات من حيث الإطلاق بين ما يجري فيه من الحكم الفرعي و الأصلي.
نعم سيأتي في كلام شيخنا قدس سره بعد البناء على ما ذكرنا من عدم استقامة تعيين المهملة بمطلق الظّن صحّة تعيينها بالظّن في مواضع، و ستسمع منّا ما يتعلّق به إن شاء اللّه تعالى فقد تلخّص ممّا ذكرنا كلّه بطلان تعيين المهملة بمطلق الظّن الّذي هو أحد المعيّنات عندهم.
هذا و قد رأينا في كلام بعض التمسّك في المسألة إلى تعيين المهملة بمطلق الظّن بكون مظنون الاعتبار متيقّن الاعتبار بالنّسبة إلى غيره و هو كما ترى، مضافا إلى منافاته لما ذكروه من عدّه في قبال متيقّن الاعتبار لا محصّل له أصلا، فإنّه إن أريد أنّ جميع أفراده متيقّن الاعتبار حقيقة مع اختلافها اختلافا فاحشا فهو كما ترى و إن أريد أنّ فيما ظنّ اعتباره من الأمارات يوجد ما هو المتيقّن حقيقة، فإن كان معلوما بالتّفصيل، فلا تعلّق له باعتبار مطلق الظّن في تعيين المهملة و إن كان معلوما بالإجمال بحيث كان جميع ما ظنّ اعتباره من أطرافه، لا أن يكون مردّدا بين خصوص الأخبار أو طوائف منها، مع أنّه في حيّز المنع فيتوجّه عليه ما أسمعناك في ردّ ما يتعلّق بالفرض من كلام الشّيخ المحقّق المحشّي قدس سره، فراجع و إن أريد أنّه متيقّن الاعتبار بالنّسبة إلى غيره، و بالإضافة إليه فهو مبنيّ على تساوي جميع أفراد المظنون الاعتبار من حيث المرتبة أو عدم كفاية ما تيقن اعتباره حقيقة أو بالإضافة منها كبعض الأخبار أو طائفة منها و دون إثباتهما خرط القتاد، ثمّ إنّه لا إشكال على القول بجواز تعيين المهملة بمطلق الظّن سواء تعلّق بالحجيّة إثباتا أو نفيا في لزوم إلقاء ما ظنّ عدم اعتباره من الظّنون القائمة في المسائل الفقهيّة و إنّ الكلام فيه ليس مبنيّا على مسألة المانع و الممنوع، نعم لا بدّ
أولا: أنه لا أمارة تفيد الظن بحجية أمارة على الإطلاق فإن أكثر ما أقيم على حجية الأدلة من الأمارات الظنية المبحوث عنها الخبر الصحيح، و معلوم عند المنصف أن شيئا مما ذكروه لحجيته، لا يوجب الظن بها على الإطلاق.
و ثانيا: أنه لا دليل على اعتبار مطلق الظن في مسألة تعيين هذا الظن المجمل.
ثم إنه قد توهم غير واحد أنه ليس المراد اعتبار مطلق الظن و حجيته في مسألة تعيين القضية المهملة، و إنما المقصود ترجيح بعضها على بعض.
فقال بعضهم في توضيح لزوم الأخذ بمظنون الاعتبار بعد الاعتراف بأنه ليس المقصود هنا إثبات حجية الظنون المظنونة الاعتبار بالأمارات الظنية القائمة عليها ليكون الاتكال في حجيتها على مجرد الظن: «إن الدليل العقلي المثبت لحجيتها هو الدليل العقلي المذكور، و الحاصل من تلك الأمارات الظنية هو ترجيح بعض الظنون على البعض، فيمنع ذلك من إرجاع القضية المهملة إلى الكلية، بل يقتصر في مفاد القضية المهملة على تلك الجملة،
الشرح
على هذا من التمسّك فيما شكّ في اعتباره من الظّنون بالأصل على ما عرفت من عدم نفي الظّن بحجيّة أمارة حجيّة غيرها، نعم لو بني على عدم اعتبار الظّن في المسألة الأصوليّة رأسا لم يكن فرق بين الموهوم و غيره، فلو كان معيّن آخر، فيرجع فيه و في المشكوك بل في بعض المظنون إلى الأصل، كما أنّه على القول بجواز تعيين المهملة بالظّن في الجملة يرجع في غير ما عيّن بالظّن إلى الأصل أيضا من غير فرق، فالكلام في مسألة المانع و الممنوع مبنيّ على تقرير الحكومة و تعميم النّتيجة بالنّسبة إلى الأصل و الفرع على ما بنينا عليه كما نبّه عليه شيخنا قدس سره في أوّل هذا الأمر الثّاني و سننبّه عليه في مسألة المانع و الممنوع فافهم و لا تغفل.
فالظن المفروض إنما يبعث على صرف مفاد الدليل المذكور إلى ذلك و عدم صرفه إلى سائر الظنون نظرا إلى حصول القوة بالنسبة إليها لانضمام الظن بحجيتها إلى الظن بالواقع، فإذا قطع العقل بحجية الظن بالقضية المهملة ثم وجد الحجية متساوية بالنظر إلى الجميع حكم بحجية الكل، و أمّا إذا وجدها مختلفة و كان جملة منها أقرب إلى الحجية من الباقي نظرا إلى الظن بحجيتها دون الباقي، فلا محالة يقدم المظنون على المشكوك و المشكوك على الموهوم في مقام الحيرة و الجهالة، فليس الظن مثبتا لحجية ذلك الظن و إنما هو قاض بتقديم جانب الحجية في تلك الظنون، فينصرف إليه ما قضي به الدليل المذكور.
ثم اعترض على نفسه بأنّ صرف الدليل إليها إن كان على وجه اليقين تمّ ما ذكر و إلاّ كان اتكالا على الظن، و الحاصل أنّه لا قطع لصرف الدليل إلى تلك الظنون».
ثم أجاب: «بأن الاتكال ليس على الظن بحجيتها و لا على الظن بترجيح تلك الظنون على غيرها، بل التعويل على القطع بالترجيح.
و توضيحه أن قضية دليل الانسداد حجية الظن على سبيل الإهمال فيدور الأمر بين القول بحجية الجميع و البعض، ثم الأمر في البعض يدور بين المظنون و غيره و قضية العقل في الدوران بين الكل و البعض هو الاقتصار على البعض أخذا بالمتيقن، و لذا قال علماء الميزان إن المهملة في قوة الجزئية و لو لم يتعين البعض في المقام و دارت الحجية بينه و بين سائر الأبعاض من غير تفاوت في نظر العقل لزم الحكم بحجية الكل لبطلان الترجيح من غير مرجح، و أمّا لو كانت حجية البعض مما فيه الكفاية مظنونة بخصوصه بخلاف الباقي كان ذلك أقرب إلى الحجية من غيره مما
لم يقم على حجيته دليل، فيتعين عند العقل الأخذ به دون غيره، فإنّ الرجحان حينئذ قطعي وجداني و الترجيح من جهته ليس ترجيحا بمرجح ظني و إن كان ظنا بحجية تلك الظنون، فإنّ كون المرجح ظنيا لا يقتضي كون الترجيح ظنيا و هو ظاهر»(1)انتهى كلامه رفع مقامه.
أقول: قد عرفت سابقا أن مقدمات دليل الانسداد، إمّا أن تجعل كاشفة عن كون الظن في الجملة حجة علينا بحكم الشارع كما يشعر به قوله: (كان بعض الظنون أقرب إلى الحجية من الباقي)، و إما أن تجعل منشأ لحكم العقل بتعيين إطاعة اللّه سبحانه حين الانسداد على وجه الظن كما يشعر به قوله:
(نظرا إلى حصول القوة لتلك الجملة) لانضمام الظن بحجيتها إلى الظن بالواقع.
فعلى الأول إذا كان الظن المذكور مرددا بين الكل و البعض اقتصر على البعض كما ذكره، لأنّه القدر المتيقن، و أمّا إذا تردد ذلك البعض بين الأبعاض فالمعين لأحد المحتملين أو المحتملات لا يكون، إلاّ بما يقطع بحجيته، كما أنه إذا احتمل في الواقعة الوجوب و الحرمة لا يمكن ترجيح أحدهما بمجرد الظن به إلاّ بعد إثبات حجية ذلك الظن.
بل التحقيق أن المرجح لأحد الدليلين عند التعارض كالمعين لأحد الاحتمالين يتوقف على القطع باعتباره عقلا أو نقلا، و إلاّ فأصالة عدم اعتبار الظن لا فرق في مجراها بين جعله دليلا و جعله مرجحا، هذا مع أن الظن المفروض إنما قام على حجية بعض الظنون في الواقع من حيث الخصوص لا على تعيين الثابت حجيته بدليل الانسداد فتأمل.
و أمّا على الثاني فالعقل إنّما يحكم بوجوب الإطاعة على الوجوب
1) هداية المسترشدين: ص 394.
الأقرب إلى الواقع، فإذا فرضنا أن مشكوك الاعتبار يحصل منه ظن بالواقع أقوى مما يحصل من الظن المظنون الاعتبار كان الأول أولى بالحجية في نظر العقل.
و لذا قال صاحب المعالم: «إن العقل قاض بأن الظن إذا كان له جهات متعددة متفاوتة بالقوة و الضعف فالعدول عن القوي منها إلى الضعيف قبيح»(1)انتهى.
نعم لو كان قيام الظن على حجية بعضها مما يوجب قوتها في نظر العقل، لأنّها جامعة لإدراك الواقع أو بدله على سبيل الظن بخلافه رجع الترجيح به إلى ما ذكرنا سابقا و ذكرنا ما فيه.
و حاصل الكلام يرجع إلى أن الظن بالاعتبار إنما يكون صارفا للقضية إلى ما قام عليه من الظنون إذا حصل القطع بحجيته في تعيين الاحتمالات أو صار موجبا لكون الإطاعة بمقتضاها أتم لجمعها بين الظن بالواقع و الظن بالبدل و الأول موقوف على حجية مطلق الظن و الثاني لا اطراد له، لأنّه قد يعارضها قوة المشكوك الاعتبار.
و ربّما التزم بالأول بعض من أنكر حجية مطلق الظن و أورده إلزاما على القائلين بمطلق الظن فقال كما يقولون: «يجب علينا في كل واقعة البناء على حكم و لعدم كونه معلوما لنا يجب في تعيينه العمل بالظن، فكذا نقول بعد ما وجب علينا العمل بالظن و لم نعلم تعيينه يجب علينا في تعيين هذا الظن العمل بالظن.
ثمّ اعترض على نفسه بما حاصله أن وجوب العمل بمظنون الحجية لا ينفي غيره فقال: قلنا: نعم و لكن لا يكون حينئذ دليل على حجية ظن آخر،
1) معالم الدين: ص 193.
إذ بعد ثبوت حجية الظن المظنون الحجية ينفتح باب الأحكام، و لا يجري دليلك فيه و يبقى تحت أصالة عدم الحجية»(1).
و فيه أنّه إذا التزم باقتضاء مقدمات الانسداد مع فرض عدم المرجح العمل بمطلق الظن في الفروع دخل الظن المشكوك الاعتبار و موهومه، فلا مورد للترجيح و التعيين حتى يعين بمطلق الظن لأنّ الحاجة إلى التعيين بمطلق الظن فرع عدم العمل بمطلق الظن و بعبارة أخرى إما أن يكون مطلق الظن حجة، و إمّا لا فعلى الأول لا مورد للتعيين و الترجيح، و على الثاني لا يجوز الترجيح بمطلق الظن، فالترجيح بمطلق الظن ساقط على كل تقدير و ليس للمتعرض القلب بأنّه إن ثبت حجية مطلق الظن تعين ترجيح مظنون الاعتبار به، إذ على تقدير ثبوت حجية مطلق الظن لا يتعقل ترجيح حتى يتعين الترجيح بمطلق الظن.
ثمّ إن لهذا المعترض كلاما في ترجيح مظنون الاعتبار بمطلق الظن لا من حيث حجية مطلق الظن حتى يقال: إنّ بعد ثبوتها لا مورد للترجيح لا بأس بالإشارة إليه و إلى ما وقع من الخلط و الغفلة منه في المراد بالترجيح هنا، فقال معترضا على القائل بما قدمنا من أن ترجيح أحد المحتملين عين تعيينه بالاستدلال: «إن هذا القائل خلط بين ترجيح الشيء و تعيينه و لم يعرف الفرق بينهما و لبيان هذا المطلب نقدم مقدمة، ثمّ نجيب عن كلامه و هي أنّه لا ريب في بطلان الترجيح بلا مرجح، فإنه مما يحكم بقبحه العقل و العرف و العادة، بل يقولون بامتناعه الذاتي كالترجيح بلا مرجح و المراد بالترجيح بلا مرجح هو سكون النفس إلى أحد الطرفين و الميل إليه من غير مرجح و إن لم يحكم بتعيينه وجوبا، و أمّا الحكم بذلك فهو أمر آخر وراء ذلك.
1) عوائد الأيام: ص 139.
ثمّ أوضح ذلك بأمثلة منها أنه لو دار أمر العبد في أحكام السلطان المرسلة إليه بين أمور، و كان بعضها مظنونا بظن لم يعلم حجيته من طرف السلطان صح له ترجيح المظنون، و لا يجوز له الحكم بلزوم ذلك، و منها أنه لو أقدم على أحد طعامان أحدهما ألذ من الآخر فاختاره عليه لم يرتكب ترجيحا بلا مرجح و إن لم يلزم أكل الألذ، و لكن لو حكم بلزوم الأكل لا بدّ من تحقق دليل عليه، و لا يكفي مجرد الألذية، نعم لو كان أحدهما مضرا صح الحكم باللزوم.
ثمّ قال: و بالجملة فالحكم بلا دليل غير الترجيح بلا مرجح، فالمرجح غير الدليل و الأول يكون في مقام الميل و العمل و الثاني يكون في مقام التصديق و الحكم.
ثمّ قال: أن ليس المراد أنه يجب العمل بالظن المظنون حجيته، و أنه الذي يجب العمل به بعد انسداد باب العلم، بل مراده أنّه بعد ما وجب على المكلف
لانسداد باب العلم و بقاء التكليف العمل بالظن، و لا يعلم أي ظن لو عمل بالظن المظنون حجيته أي نقض يلزم عليه، فإن قلت: ترجيح بلا مرجح، فقد غلطت غلطا ظاهرا و إن كان غيره فبينه حتى ننظر»(1)انتهى كلامه.
أقول: لا يخفى أنّه ليس المراد من أصل دليل الانسداد، إلاّ وجوب العمل بالظن فإذا فرض أن هذا الواجب تردد بين ظنون، فلا غرض إلا في تعيينه بحيث يحكم بأن هذا هو الذي يجب العمل به شرعا حتى يبني المجتهد عليه في مقام العمل و يلتزم بمؤداه على أنه حكم شرعي عزمي من الشارع، و أمّا
1) عوائد الأيام: ص 139.
دواعي ارتكاب بعض الظنون دون بعض فهي مختلفة غير منضبطة فقد يكون الداعي إلى الاختيار موجودا في موهوم الاعتبار لغرض من الأغراض و قد يكون في مظنون الاعتبار، فليس الكلام إلا في أن الظن بحجية بعض الظنون هل يوجب الأخذ بتلك الظنون شرعا بحيث يكون الآخذ بغيره لداع من الدواعي معاقبا عند اللّه في ترك ما هو وظيفته من سلوك الطريق، و بعبارة أخرى هل يجوز شرعا أن يعمل المجتهد بغير مظنون الاعتبار أم لا يجوز.
إن قلت: لا يجوز شرعا قلنا فما الدليل الشرعي بعد جواز العمل بالظن في الجملة على أن تلك المهملة غير هذه الجزئية، و إن قلت: يجوز لكن بدلا عن مظنون الاعتبار لا جمعا بينهما فهذا هو التخيير الذي التزم المعمم ببطلانه، و إن قلت: يجوز جمعا بينهما فهذا هو مطلب المعمم.
فليس المراد بالمرجح ما يكون داعيا إلى إرادة أحد الطرفين، بل المراد ما يكون دليلا على حكم الشارع، و من المعلوم أن هذا الحكم الوجوبي لا يكون، إلاّ عن حجة شرعية فلو كان هي مجرد الظن بوجوب العمل بذلك البعض، فقد لزم العمل بمطلق الظن عند اشتباه الحكم الشرعي، فإذا جاز ذلك في هذا المقام لم لا يجوز في سائر المقامات، فلم قلتم إن نتيجة دليل الانسداد حجية الظن في الجملة.
و بعبارة أخرى لو اقتضى انسداد باب العلم في الأحكام تعيين الأحكام المجهولة بمطلق الظن فلم منعتم إفادة ذلك الدليل، إلاّ لإثبات حجية الظن في الجملة و إن اقتضى تعيين الأحكام بالظن في الجملة لم يوجب انسداد باب العلم في تعيين الظن في الجملة، الذي وجب العمل به بمقتضى الانسداد العمل في تعيينه بمطلق الظن.
و حاصل الكلام أن المراد من المرجح هنا هو المعين و الدليل الملزم من
جانب الشارع ليس إلاّ، فإنّ كان في المقام شيء غير الظن، فليذكر و إن كان مجرد الظن، فلم تثبت حجية مطلق الظن.
فثبت من جميع ذلك أن الكلام ليس في المرجح للفعل، بل المطلوب المرجح للحكم بأن الشارع أوجب بعد الانسداد العمل بهذا دون ذاك.
و مما ذكرنا يظهر ما في آخر كلام البعض المتقدم ذكره في توضيح مطلبه من أن كون المرجح ظنيا، لا يقتضي كون الترجيح ظنيا، فإنا نقول إن كون المرجح قطعيا لا يقتضي ذلك، بل إن قام دليل على اعتبار ذلك المرجح شرعا كان الترجيح به قطعيا، و إلا فليس ظنيا أيضا.
ثمّ إنّ ما ذكره الأخير في مقدمته من أن الترجيح بلا مرجح قبيح، بل محال يظهر منه خلط بين الترجيح بلا مرجح في الإيجاد و التكوين و بينة في مقام الإلزام و التكليف، فإنّ الأول محال لا قبيح و الثاني قبيح لا محال، فالإضراب في كلامه عن القبيح إلى الاستحالة لا مورد له فافهم، فثبت مما ذكرنا أن تعيين الظن في الجملة من بين الظنون بالظن غير مستقيم و في حكمه ما لو عين بعض الظنون لأجل الظن بعدم حجية ما سواه (1) كالأولوية
الشرح
(1) ما أفاده قدس سره من الإلحاق الحكمي ممّا لا إشكال فيه، و قد عرفت بعض الكلام فيه إنّما البحث في المقام في بيان صغرى هذا القسم، فنقول: أمّا الأولويّة الاعتباريّة المذكورة في كلماتهم في عداد أقسام القياس المراد بها في كلماتهم كون المناط المستنبط في الأصل ظنّا غير مستند إلى ظهور لفظ الشارع فيه أقوى و آكد في الفرع و الاستقراء النّاقص المراد به في كلماتهم إلحاق بعض جزئيّات الكلّي بأكثرها و أغلبها ممّا علم حالها من الخارج من حيث اشتمالها على الحكم المقصود و الصّفة المطلوبة في الجزئي المردّد حاله من جهة الظّن بكون الحكم و الصّفة المذكورين من عوارض نفس الكلّي الجامع المشترك بين
........
الشرح
الجزئيات، فقد قيل: بكونهما ممّا ظنّ بعدم اعتبارهما بالخصوص نظرا إلى وجود حرمة مناط القياس المنهيّ عنه في الشّريعة بالأدلّة القطعيّة فيهما لأنّ المناط في تحريمه استنباط مناط الحكم في الأصل ظنّا و إلحاق الفرع به من حيث وجود المناط الظّني فيه من غير فرق بين كونه في الفرع أقوى و آكد أو أضعف أو مساويا مع وجوده في الأصل كعدم الفرق بين استخراج المناط المذكور من ملاحظة جزئيّ أو جزئيّات و من هنا استشكل المحقّق القميّ قدس سره مع قوله بحجيّة الظّن على الإطلاق فيهما من حيث الإشكال في خروجهما سيّما الأولويّة عن القياس المحرّم موضوعا نظرا إلى ما عرفت و نفي شيخنا قدس سره البعد عن دخولهما تحت القياس المنهيّ عنه، و قال في مقام التّرقي، بل النّهي عن العمل بالأولى منهما وارد في قضيّة أبان المتضمّنة لحكم دية أصابع المرأة، و أمّا الشّهرة المراد بها في كلماتهم ذهاب المعظم إلى فتوى من غير أن يعلم الخلاف و الوفاق من غيرهم أو علم الخلاف، فقد قيل: إنّها ممّا ظنّ عدم اعتبارها نظرا إلى قيام الشّهرة على عدم اعتبارها حيث إنّ المشهور عدم حجيّة الشّهرة، هذا و قد ذكر شيخنا قدس سره في مجلس البحث بعد تضعيف هذا الوجه بما في الكتاب أنّ الموجب للظّن بعدم اعتبارها الظّن بشمول الإجماع المحقّق و المنقول في مسألة حرمة عمل المجتهد بفتوى الغير و تقليده له للعمل بالشّهرة، حيث إنّه يظهر منه أنّه لا فرق في معقد هذا الإجماع بين أن يجعل المرجع فتوى واحد من العلماء أو اثنين أو ثلاث أو أكثر ما لم يبلغ مبلغ الإجماع المحقّق المفيد للقطع بالسّنّة، كما أنّا نلتزم بذلك فيما نحكم بجوازه من تقليد العامي للمجتهد في الفروع النّظريّة، فإنّه لا عليه تقليد مجتهد واحد بل يجوز له الاستناد إلى فتوى غير واحد في المسألة إذا توافقت آراؤهم كما يجوز للمجتهد الاستناد في الفتوى إلى أدلّة متوافقة من حيث المضمون، هذا و قد ضعف قدس سره أمر الشّهرة بما عرفت شرح القول فيه في مسألة حجيّة الشّهرة من حيث
........
الشرح
الخصوص و هو في كمال الجودة و الاستقامة هذا بالنّسبة إلى ما أفاده في وجه التّوهم في الكتاب، و أمّا ما أفاده في وجهه في مجلس البحث فقد ضعفه بمنع حصول الظّن من الإجماع المذكور في باب التّقليد بذهاب غير واحد من المجمعين إلى حجيّتها من حيث الخصوص كالشّهيد قدس سره و أضرابه، بل لم ير من تمسّك في المنع عن العمل بها إلى الإجماع المذكور، فيحتمل قويّا أن يكون حكمها غير حكم فتوى المجتهد و لا أقلّ من الشّك في ذلك، فيكون ممّا شكّ في اعتباره من حيث الخصوص فتدبّر.
و بالجملة لا استبعاد في أن يكون حكم الشّهرة من حيث كونها كاشفة عن الواقع و أمارة عليه، غير حكم فتوى المجتهد، فيكون الرّجوع إليها نحوا من الاجتهاد فافهم.
و أمّا الأولويّة و الاستقراء فقد ضعف القول بكونهما ملحقين بالقياس المحرّم موضوعا أو حكما و إن كانت الأولويّة داخلة في القياس موضوعا من دون شبهة بعمل غير واحد من الأصحاب بهما، حيث إنّ عمدة الدّليل على حرمة العمل بالقياس كما ستقف عليه في وجه خروجه عن تحت دليل الانسداد الإجماع، بل الأولويّة قد عمل بها غير واحد من أهل الظّنون الخاصّة كثاني الشّهيدين في مسألة ثبوت ولاية القاضي المنصوب بالشّياع من حيث كون الظّن الحاصل منه أقوى من البيّنة و سبطه صاحب لم في مسألة استحالة المتنجّسات، فإنّه استدلّ على كونها مطهّرة بكونها أولى بحصول الطّهارة منها من استحالة النّجاسات و بعض المتأخّرين في مسألة حجيّة الشّهرة من حيث الخصوص من جهة كون الظّن الحاصل منها أقوى من الظّن الحاصل من خبر العادل غالبا، و قد تقدّم تفصيله في مسألة الشّهرة إلى غير ذلك و إن كان عنوان الأولويّة عند بعضهم فيما عرفت الفحوى، بل الاستقراء قد تمسّك به أيضا غير واحد من أهل الظّنون الخاصّة، فإنّا رأينا من
........
الشرح
جماعة منهم التمسّك في مسألة حجيّة البيّنة على الإطلاق في الموضوعات بالاستقراء و كذا تمسّكوا في مسألة حجيّة الاستصحاب في الشّك في الرّافع بقسميه بالاستقراء كما ستعرفه من شيخنا قدس سره في باب الاستصحاب إلى غير ذلك ممّا يقف عليه المتتبّع في كلماتهم و منه يظهر الوهن في دلالة رواية أبان على حرمة العمل بالأولويّة من حيث الخصوص، مضافا إلى ما فيها من ضعف السّند، حيث أنّه بعد عمل أهل الظّنون الخاصّة بل المطلقة بها لا يبقى ظنّ من الرّواية على حرمة العمل بها، فلا تكون ممّا ظنّ بعدم اعتبارها هذا و لكن ما يستفاد منه المنع من العمل بالأولويّة من جهة كونها قياسا لا ينحصر في رواية أبان، فإنّه ممّا دلّ عليه غير واحد من الأخبار كالوارد في باب البول و المني في ردّ من زعم جواز العمل بالقياس بأنّ البول أقذر من المني فيكون أولى بإيجاب الغسل و غيره فتدبّر.
و أمّا ما أفاده قدس سره في الجواب بعد تسليم حصول الظّن من رواية أبان بقوله: (و لو فرض ذلك دخل الأولويّة فيما قام الدّليل على عدم اعتباره) إلى آخر ما أفاده، فيتوجّه عليه وجوه من الإشكالات منها منع كون مطلق الخبر و لو كان من الضّعاف متيقّن الاعتبار بالنّسبة إلى الأولويّة، و منها منع حجيّة متيقّن الاعتبار مطلقا في المسألة الأصوليّة على تقرير الكشف بإجراء المقدّمات في المسألة الفرعيّة، حيث إنّ النّتيجة على التّقدير المذكور على ما عرفت مرارا حجيّة الظّن في المسألة الفقهيّة، و منها عدم كفاية تيقن اعتبار الرّواية بالنّسبة إلى الأولويّة، حيث إنّ اعتبار المتيقّن بالإضافة مبنيّ على عدم وجود المتيقّن الحقيقي و لا الإضافي في المرتبة الأعلى أو عدم كفايتهما و أنّى له بإثبات ذلك، اللّهم إلاّ أن يكون المراد وجود المانع من شمول دليل الانسداد للأولويّة من حيث إنّ دخولها تحت الدّليل موجب لخروجها عنه، فلا بدّ أن يتشبّث بذيل أحد الوجهين الأوّلين، و من هنا أمر قدس سره بالتّأمّل فيما أفاده، فإنّ الوجه فيه تمام ما ذكرناه أو بعضه فافهم.
و الاستقراء، بل الشهرة، حيث إن المشهور على عدم اعتبارها، بل لا يبعد دخول الأولين تحت القياس المنهي عنه بل النهي عن العمل بالأولى منهما وارد في قضية أبان المتضمنة لحكم دية أصابع المرأة، فإنّه يظن بذلك أن الظن المعتبر بحكم الانسداد في ما عدا هذه، و قد ظهر ضعف ذلك مما ذكرنا من عدم استقامة تعيين القضية المهملة بالظن.
و نزيد هنا أن دعوى حصول الظن على عدم اعتبار هذه الأمور ممنوعة، لأنّ مستند الشهرة على عدم اعتبارها ليس إلا عدم الدليل عند المشهور على اعتبارها فيبقى تحت الأصل، لا لكونها منهيا عنها بالخصوص كالقياس و مثل هذه الشهرة المستندة إلى الأصل لا يوجب الظن بالواقع.
و أمّا دعوى كون الأولين قياسا فنكذبه بعمل غير واحد من أصحابنا عليهما، بل الأولوية قد عمل بها غير واحد من أهل الظنون الخاصة في بعض الموارد.
و منه يظهر الوهن في دلالة قضية أبان على حرمة العمل عليها بالخصوص، فلا يبقى ظن من الرواية بحرمة العمل عليها بالخصوص.
و لو فرض ذلك دخل الأولوية في ما قام الدليل على عدم اعتباره، لأنّ الظن الحاصل من رواية أبان متيقن الاعتبار بالنسبة إلى الأولوية، فحجيتها مع عدم حجية الخبر الدال على المنع عنها غير محتملة فتأمل.
ثمّ بعد ما عرفت من عدم استقامة تعيين القضية المهملة بمطلق الظن، فاعلم أنّه قد يصح تعيينها بالظن في مواضع (1):
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ ما أفاده قدس سره في صحّة تعيين المهملة بالظّن في الجملة لا يخلو عن تشويش و اضطراب في أوّل النّظر فلا بدّ من شرح القول في
........
الشرح
المقام حسبما يساعدنا التّوفيق و الزّمان أوّلا ثمّ نشير إلى ما يتطرّق المناقشة إليه من كلامه و دفعها بقدر الإمكان فنقول إذا فرض عدم وجود القدر المتيقّن بقسميه في الظّنون القائمة على المسائل الفرعيّة أو عدم كفايته على تقدير وجوده فلا بدّ في الحكم بحجيّة الظّن في تعيين المهملة الثّابتة بجريان دليل الانسداد في الأحكام الفرعيّة من إجراء دليل انسداد آخر في تعيين المهملة على تقرير الكشف نظرا إلى ما عرفت من فساد القول بعدم الحاجة إلى إثبات حجيّة الظّن في تعيين المهملة و حصر الدّليل بالفرض في دليل الانسداد و تماميّة مقدّماته لما كانت ممنوعة عندنا على ما عرفت في مطاوي كلماتنا السّابقة من عدم قيام دليل على بطلان الاحتياط في المسائل الأصوليّة حتّى الإجماع إلاّ على بيان ستعرفه من شيخنا قدس سره في ردّ المعمّم الثّالث مع ما يتوجّه عليه فلا محالة لا بدّ أن يكون التكلم في هذه المسألة بإجراء دليل الانسداد مبنيّا على الإغماض عمّا ذكرنا و فرض تماميّة مقدّماته في المقام
فنقول إذا فرض إجراء الدّليل في تعيين المهملة في الفروع فلا محالة يكون النّتيجة الحاصلة منه حجية الظّن على سبيل الإجمال في تعيينها لأنّك قد عرفت مرارا عدم الفرق في نتيجة دليل الانسداد على تقرير الكشف بين المسائل الجارية فيها الدّليل المذكور من الفروع و الأصول فإن كان الظّن القائم في هذه المسألة الأصوليّة واحدا و إن قام على الزّائد بقدر الكفاية فلا محالة يكون حجّة و مرجعا في تعيين المهملة لفرض الانحصار و إن كان متعدّدا فإن كان هناك قدس سره متيقّن حقيقيّ بين الأمارات القائمة في المسألة الأصوليّة مع قيامه على ما يكفي في استعلام الأحكام الفرعيّة المشتبهة بالمعنى الّذي عرفته مرارا فيجب الاقتصار على مورده و يرجع في مورد غيره إلى أصالة الحرمة على ما عرفت شرحه بالنّسبة إلى سلسلة الأمارات القائمة على المسائل الفرعيّة و إن لم يكن متيقن حقيقي بينهما
........
الشرح
أو كان و لم يقم على تعيين ما يكفي في استعلام الأحكام فلا محالة يتعدّى إلى ما يكون متيقّنا بعده فإن وجد و كان ما قام عليه كافيا فيقتصر عليه، و إلاّ يتعدّى إلى ما دونه ممّا يكون متيقّنا بالنّسبة إلى غيره.
و هكذا فإن لم يكن هناك قدر متيقن أصلا أو كان و لم يكن ما قام عليه بقدر الكفاية و المفروض تعدّد الظّنون القائمة فإن لم يقم كلّ على طائفة كافية بل فرض الحاجة إلى جميع ما قامت عليه في استعلام الأحكام فلا إشكال في الحكم بحجيّة الكلّ لفرض الانحصار حقيقة لأنّ العقل إنّما يستكشف من المقدّمات في كلّ مسألة وجوب جعل ما به الكفاية على الشارع على ما عرفت سابقا و إن قام كلّ على طائفة كافية و فرض تمامها متساوية من حيث الظّن بالاعتبار مع اتحاد الظّنون من جميع الجهات أو الشّك فيه أو الوهم به فلا إشكال أيضا في الحكم بحجيّة الكلّ بضميمة بطلان التّرجيح بلا مرجّح فيستكشف من جعل الشارع جميع الظّنون القائمة في تعيين المهملة و إن لم تكن متساوية بأن كان بعضها مظنون الاعتبار و بعضها مشكوكه و بعضها موهومه فإن كان الظّن القائم على حجيّة بعض الظّنون القائمة واحدا فيؤخذ به مطلقا و يحكم بحجيّة ما قام عليه في تعيين المتّبع و إن كان متعدّدا و قام كلّ على طائفة غير كافية فيحكم بحجيّة الكلّ و إن قام كلّ على طائفة كافية مع اختلاف الظّنون القائمة في هذه المرتبة من حيث تيقّن الاعتبار مطلقا أو بالإضافة مع فرض قيام مورده على حجيّة ما به الكفاية فيقتصر عليه و إن فرض عدم الاختلاف
من الجهة المذكورة فإن فرض التّسوية من حيث الظّن بالاعتبار على ما عرفت في هذه المرتبة أيضا فيحكم بحجيّة الكلّ نظرا إلى ما عرفت و إلاّ فلا بدّ من أن يسلك هذا المسلك إلى أن ينتهي إلى أحد المعيّنات أو المعمّمات المذكورة في الدّرجة الرّابعة أو الخامسة أو فوقهما من الدّرجات فافهم و اغتنم، و ليكن هذا في
........
الشرح
ذكر منك، فليته قدس سره حرّر المقام بما عرفت حتّى لا يتوجّه عليه شيء فإنّ ما حرّره كما ترى غير نقيّ عن المناقشات فلا بدّ أن يتكلّف لدفعها بعض التّكلّفات في توجيه العبارة و يلتزم بإرادة خلاف الظّواهر منها لينطبق على ما عرفت في تحرير المقام مع عدم وفاء التّوجيه بتطبيق تمام العبارات فإنّ ما أفاده قدس سره بقوله في ذيل الموضع الأوّل لكن هذا مبنيّ على عدم الفرق في حجيّة الظّن بين كونه في المسائل الفرعيّة و كونه في المسائل الأصوليّة إلى آخره مبنيّ على عدم إجراء دليل الانسداد في تعيين المهملة الثّابتة بجريانه في الأحكام الفرعيّة و إرادة إثبات حجيّة الظّن في هذه المسألة الأصوليّة بنفس إجرائه في الفروع ليس إلاّ فالمراد من قوله حينئذ في جواب الشّرط فالقدر المتيقّن إنّما هو متيقّن بالنّسبة إلى الفروع لا غير عدم وجود نفع و فائدة للمتيقّن من الأمارات القائمة على المسألة الأصوليّة بعد فرض قصر نتيجة دليل الانسداد الجاري في الفروع بإثبات حجيّة الظّن في خصوص المسائل الفرعيّة و عدم إجراء دليل انسداد آخر في تعيين المهملة لأنّ وجود القدر المتيقن بين الأمارات القائمة في مسألة على ما عرفت إنّما ينفع فيما لو علم بحجيّة الظّن في تلك المسألة، و إلاّ فوجوده كعدمه فالنّفي المتعلّق في كلامه بالمتيقّن في الأصول إنّما هو بالملاحظة المذكورة لا بالمتيقّن ذاتا، و يشهد لما ذكرنا من ابتناء ما أفاده على ملاحظة دليل الانسداد الجاري في الفروع ليس إلاّ قوله بعد الفراغ عن حكم المواضع و هل يلحق به كل ما قام المتيقّن على اعتباره إلخ، فإنّه صريح فيما ذكرنا و ما أفاده في الموضعين الآخرين من الجزم بحجيّة الظّن فيما على إجراء دليل الانسداد أخرى في هذه المسألة الأصوليّة إلى تعيين المهملة، و هذا و إن كان تفكيكا في بيان حكم المواضع لكنّه لا مناص عنه بعد صراحة العبارة غاية ما هناك عدم تعرّضه لحكم متيقّن الاعتبار من الأمارات القائمة على المسألة الأصوليّة لكنّه لمكان وضوحه لم يكن محتاجا
........
الشرح
إلى الذّكر و التّعرض، لا يقال كما أنّ التعرّض لحكم المتيقّن مستغن عنه على التّقدير المذكور كذلك التّعرض لحكمه على التّقدير الّذي ذكره مستغن عنه فإنّه على تقرير الكشف الّذي يكون البحث فيه لا إشكال في اختصاص نتيجة الدّليل الجاري في الفروع بالمسائل الفرعيّة، لأنّا نقول الحقّ و إن كان ما ذكر من الاختصاص إلاّ أنّه ليس بمكان من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى التّعرض بل مع التّعرض مرارا و التّأكيد فيه لا نرجو وضوح الأمر على أهل العصر فضلا عمّا إذ أهمل ذكره.
نعم ربما ينافي ما ذكرنا قوله قدس سره في مقام الاستدراك، إلاّ أن يدّعى أنّ القدر المتيقّن في الفروع متيقّن في المسائل الأصوليّة أيضا فإنّه لا بدّ أن يحمل على إجراء دليل الانسداد في الأصول أيضا، اللّهم إلا أن يقال إنّه لا حاجة إلى الحمل المذكور بل نحمل على المعنى المذكور للقضيّة المنفيّة فيستدرك وجود النّفع له بالنّظر إلى وجه آخر يكون في المسألة، و قد ذهب إليه جمع ممّن تعرّضنا لمقالتهم فيما سبق، بل أتوا بأمر أعجب من ذلك فإنّهم التزموا بحجيّة مطلق الظّن في تعيين المهملة من جهة دليل الانسداد الجاري في الفروع مع ذهابهم إلى إهمال النّتيجة في الفروع.
و يشهد لما ذكرنا من البيان ذكره قدس سره الوجهين في المسألة بقوله و هل يلحق به كلّ ما قام المتيقّن على اعتباره وجهان أقواهما العدم كما تقدّم إلخ و منه يظهر أنّ ما أفاده بقوله و أمّا بالإضافة إلى ما قام على اعتباره إذا ثبت حجيّة ذلك الظّن القائم إلخ لا بدّ أن يكون مبنيّا على ما ذكر من إجراء الدّليل في خصوص الفروع بالنّظر إلى الوجه الضّعيف في المسألة من كفايته في إثبات حجيّة الظّن في المسألة الأصوليّة أيضا فإنّ المتيقّن بالإضافة ليس أولى من المتيقّن الحقيقي، نعم تخصيص تيقّنه بالنّسبة إلى ما قام على اعتباره مستدرك جدّا كما هو واضح و حقّ
........
الشرح
التّعبير أن يقال: و أمّا بالإضافة إلى جميع ما دون المتيقّن الحقيقي إذا فرض عدم قيامه أو عدم كفاية ما قام عليه في استعلام الأحكام و هو المراد بقوله إذا ثبت حجيّة ذلك الظّن القائم فإنّ فرض حجيّته على ما عرفت إنّما هو بتحقّق أحد الأمرين و هو المراد ببعض الوجوه في التّمثيل بالإجماع المنقول.
نعم ما أفاده بقوله و يلحق به ما هو متيقّن بالنّسبة إليه في كمال الوضوح و الاستقامة فإنّه من القضايا الّتي قياساتها معها.
نعم ما أفاده بقوله قدس سره في بيان حكم الموضع الثّالث و تعسّر ضبط البعض الّذي لا يلزم العسر من الاحتياط فيه ملتبس المراد فإنّ الظّاهر منه في ابتداء النّظر كون عنوان الأخذ بالظّن بالتّكليف في كلّ مسألة الاحتياط و إن بدل قوله من الاحتياط فيه بقول من الاحتياط في موارد فقده بناء على ما تقدّم منه قدس سره و يتعرّض له بعد ذلك من عدم بطلان الاحتياط كليّة و في الزّائد على ما يندفع به الحرج لكان أولى و إن كان هذا ملازما لكون عنوان الأخذ بالظّنون الموافقة للاحتياط في مواردها الاحتياط، لا الطّريقيّة و الحجيّة على ما عرفت و ستعرفه و إن كان التّبديل بما عرفت، لا يدفع ما سمعت مرارا و ستسمعه من المناقشة في هذا المطلب، و إنّ الكلام في تقرير الكشف و الحكومة بعد البناء على كون نتيجة المقدّمات حجيّة الظّن لا التّبعيض في الاحتياط، و أمّا ما أفاده قدس سره بقوله و إن تفاوتت فما قام متيقّن الاعتبار أو مظنون الاعتبار على اعتباره يصير معيّنا إلخ، فيحمل بالنّسبة إلى ما جزم به من معينة المتيقّن على ما ضعّفه من الوجه، أو على ما ذكرنا من إجراء دليل الانسداد في تعيين المهملة في كلّ مرتبة من المراتب، و بالنّسبة إلى ما أطلقه من الرّجوع إلى الظّن على ما فرضه من إجراء دليل الانسداد في تعيين المهملة مع عدم قدر متيقّن كاف بين الأمارات القائمة و تساويهما مع فرض تعدّدها و هو المراد بالظّن المتّبع في قوله: (بظنّ متّبع) في قوله:
بظنّ متّبع فافهم و تأمّل في المقام لعلّك تجزم بعد التّأمّل أنّه لا معنى لما أفاده
أحدها: أن يكون الظن القائم على حجية بعض الظنون من المتيقن اعتباره بعد الانسداد إمّا مطلقا، كما إذا قام فرد من الخبر الصحيح المتيقن اعتباره من بين سائر الأخبار و سائر الأمارات على حجية بعض ما دونه، فإنّه يصير حينئذ متيقن الاعتبار لأجل قيام الظن المتيقن الاعتبار على اعتباره، و إمّا بالإضافة إلى ما قام على اعتباره إذا ثبت حجية ذلك الظن القائم، كما لو قام الإجماع المنقول على حجية الاستقراء مثلا، فإنّه يصير بعد إثبات حجية الإجماع المنقول على بعض الوجوه ظنا معتبرا، و يلحق به ما هو متيقن بالنسبة إليه كالشهرة إذا كانت متيقنة الاعتبار بالنسبة إلى الاستقراء بحيث لا يحتمل اعتباره دونها.
لكن هذا مبني على عدم الفرق في حجية الظن بين كونه في المسائل الفروعية و كونه في المسائل الأصولية، و إلاّ فلو قلنا إن الظن في الجملة الذي قضى به مقدمات دليل الانسداد إنّما هو المتعلق بالمسائل الفرعية دون غيرها، فالقدر المتيقن إنما هو متيقن بالنسبة إلى الفروع لا غير.
و ما ذكرنا سابقا من عدم الفرق بين تعلق الظن بنفس الحكم الفرعي و بين تعلقه بما جعل طريقا إليه إنّما هو بناء على ما هو التحقيق من تقرير مقدمات الانسداد على وجه يوجب حكومة العقل دون كشفه عن جعل الشارع،
الشرح
قدس سره في المواضع الثّلاثة لتعيين المهملة بالظّن تخصيصا و تعميما، إلاّ ما ذكرنا، فإذا لا بدّ من حمل قوله قدس سره: (فاعلم أنّه قد يصح تعيينها بالظّن في مواضع على الأعمّ) ممّا بني عليه الأمر أو غيره من اقتضاء المقدّمات الجارية في الفروع لحجيّة الظّن في الأصول أيضا و إن كان ضعيفا عنده على ما عرفت و إن كان هذا الحمل في غاية البعد و لو حرّر المقام بما عرفت لم يكن الحاجة إلى هذه التّكلّفات أصلا، كما لا يخفى.
و القدر المتيقن مبني على الكشف كما سيجيء، إلاّ أن يدعى أن القدر المتيقن في الفروع هو متيقن في المسائل الأصولية أيضا.
الثاني: أن يكون الظن القائم على حجية ظن متحدا لا تعدد فيه، كما إذا كان مظنون الاعتبار منحصرا فيما قام أمارة واحدة على حجيته، فإنّه يعمل به في تعيين المتبع و إن كان أضعف الظنون، لأنّه إذا انسد باب العلم في مسألة تعيين ما هو المتبع بعد الانسداد و لم يجز الرجوع فيها إلى الأصول حتى الاحتياط، كما سيجيء تعين الرجوع إلى الظن الموجود في المسألة فيؤخذ به لما عرفت من أن كل مسألة انسد فيها باب العلم، و فرض عدم صحة الرجوع فيها إلى مقتضى الأصول تعين بحكم العقل العمل بأي ظن وجد في تلك المسألة.
الثالث: أن يتعدد الظنون في مسألة تعيين المتبع بعد الانسداد بحيث يقوم كل واحد منها على اعتبار طائفة من الأمارات كافية في الفقه، لكن يكون هذه الظنون القائمة كلها في مرتبة لا يكون اعتبار بعضها مظنونا، فحينئذ إذا وجب بحكم مقدمات الانسداد في مسألة تعيين المتبع الرجوع فيها إلى الظن في الجملة، و المفروض تساوي الظنون الموجودة في تلك المسألة و عدم المرجح لبعضها وجب الأخذ بالكل بعد بطلان التخيير بالإجماع، و تعسر ضبط البعض، الذي لا يلزم العسر من الاحتياط فيه.
ثمّ على تقدير صحة تقرير دليل الانسداد على وجه الكشف، فالذي ينبغي أن يقال إن اللازم على هذا أولا هو الاقتصار على المتيقن من الظنون و هل يلحق به كل ما قام المتيقن على اعتباره وجهان أقواهما العدم كما تقدم، إذ بناء على هذا التقرير لا نسلم كشف العقل بواسطة مقدمات الانسداد، إلاّ عن اعتبار الظن في الجملة في الفروع دون الأصول، و الظن بحجية الأمارة الفلانية ظن بالمسألة الأصولية.
نعم مقتضى تقرير الدليل على وجه حكومة العقل أنّه لا فرق بين تعلق الظن بالحكم الفرعي أو بحجية طريق.
ثمّ إنّ كان القدر المتيقن كافيا في الفقه بمعنى أنّه لا يلزم من العمل بالأصول في مجاريها المحذور اللازم على تقدير الاقتصار على المعلومات فهو، و إلاّ فالواجب الأخذ بما هو المتيقن من الأمارات الباقية الثابتة بالنسبة إلى غيرها، فإنّ كفى في الفقه بالمعنى الذي ذكرنا فهو، و إلاّ فيؤخذ بما هو المتيقن بالنسبة و هكذا.
ثمّ لو فرضنا عدم القدر المتيقن بين الأمارات أو عدم كفاية ما هو القدر المتيقن مطلقا أو بالنسبة فإن لم يكن على شيء منها أمارة، فاللازم الأخذ بالكل لبطلان التخيير بالإجماع و بطلان طرح الكل بالفرض، و فقد المرجح فتعين الجمع.
و إن قام على بعضها أمارة، فإن كانت أمارة واحدة، كما إذا قامت الشهرة على حجية جملة من الأمارات كان اللازم الأخذ بها لتعين الرجوع إلى الشهرة في تعيين المتبع من بين الظنون، و إن كانت أمارات متعددة قامت كل واحدة منها على حجية ظن مع الحاجة إلى جميع تلك الظنون في الفقه و عدم كفاية بعضها عمل بها، و لا فرق حينئذ بين تساوي تلك الأمارات القائمة من حيث الظن بالاعتبار و العدم و بين تفاوتها في ذلك.
و أمّا لو قامت كل واحدة منها على مقدار من الأمارات كاف في الفقه، فإنّ لم تتفاوت الأمارات القائمة في الظن بالاعتبار وجب الأخذ بالكل كالأمارة الواحدة لفقد المرجح، و إن تفاوتت فما قام متيقن أو مظنون الاعتبار على اعتباره يصير معينا لغيره كما إذا قام الإجماع المنقول بناء على كونه مظنون الاعتبار على حجية أمارة غير مظنون الاعتبار و قامت تلك الأمارة فإنها تتعين بذلك.
هذا كلّه على تقدير كون دليل الانسداد كاشفا، و أمّا على ما هو المختار من كونه حاكما، فسيجيء الكلام فيه بعد الفراغ عن المعممات التي ذكروها لتعميم النتيجة إن شاء اللّه تعالى.
إذا عرفت ذلك فاللازم على المجتهد أن يتأمل في الأمارات حتى يعرف المتيقن منها حقيقة أو بالإضافة إلى غيرها، و يحصل ما يمكن تحصيله من الأمارات القائمة على حجية تلك الأمارات، و يميز بين تلك الأمارات القائمة من حيث التساوي و التفاوت من حيث الظن بحجية بعضها من أمارة أخرى و يعرف كفاية ما أحرز اعتباره من تلك الأمارات و عدم كفايته في الفقه.
و هذا يحتاج إلى سير مسائل الفقه إجمالا حتى يعرف أن القدر المتيقن من الأخبار مثلا، لا يكفي في الفقه بحيث يرجع في موارد خلت عن هذا الخبر إلى الأصول التي يقتضيها الجهل بالحكم في ذلك المورد، فإنّه إذا انضم إليه قسم آخر من الخبر لكونه متيقنا إضافيا، أو لكونه مظنون الاعتبار بظن متبع هل يكفي أم لا، فليس له الفتوى على وجه يوجب طرح سائر الظنون حتى يعرف كفاية ما أحرزه من جهة اليقين أو الظن المتبع وفقنا اللّه للاجتهاد الذي هو أشدّ من طول الجهاد بحق محمد و آله الأمجاد
الثاني من طرق التعميم: ما سلكه غير واحد من المعاصرين من عدم الكفاية (1)
حيث اعترفوا بعد تقسيم الظنون إلى مظنون الاعتبار و مشكوكه
الشرح
(1) الوجه فيما أفاده من التّرتيب بين المظنون و المشكوك و الموهوم إنّما هو من جهة التّرتيب الّذي يحكم به العقل في باب الإطاعة بين المراتب المذكورة، كما أنّها بأسرها مترتّبة في حكمه على الإطاعة العلميّة، و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه
........
الشرح
لكن كان اللاّزم أن يضمّوا إلى ذلك الإجماع المركّب، حيث إنّ له مدخلا في التّعميم المذكور بمقتضى تصريحاتهم.
ثمّ إنّ ما أفاده في المقام لبيان المعمّم المذكور غير محصّل المراد، إذ بعد فرض الكفاية و الكثرة لمظنون الاعتبار من أين يعلم بطرو خلاف الظّاهر فيها، ثمّ من أين يعلم حصر الصّارف في مشكوك الاعتبار بحيث يكون مظنون الاعتبار و موهومه خارجين عنه حتّى يحتاج في التّعدي إلى موهوم الاعتبار إلى العلم بكونه صارفا لظواهر مشكوك الاعتبار حتّى يحتاج إلى جعل مشكوك الاعتبار من الأخبار المشتملة على الظّواهر، اللّهم إلاّ أن يحمل قولهم و وجود ما يظنّ منه ذلك في الظّنون المشكوك الاعتبار على كون تلك الظّنون طرفا للعلم الإجمالي لا حصره فيها، فإنّ المعنى الثّاني و إن كان متعيّنا بالنّظر إلى ما ذكره بعده من وجه التّسري إلى موهوم الاعتبار، إلاّ أنّ استفادته من القول المذكور في غاية الإشكال، فإنّه لا بدّ أن يحمل على كون الصّوارف الكاشفة ظنّا عن إرادة خلاف الظّواهر موجودة قطعا في مشكوك الاعتبار و هو كما ترى بل العبارة لا يخلو عن شيء على كلّ معنى، مع أنّ ما أفاده في المقام غير نقيّ عن الإشكال من جهة أخرى قد عرفت الإشارة إليها في مطاوي كلماتنا السّابقة نظرا إلى أنّ نتيجة دليل الانسداد على تقرير الكشف على ما عرفت مرارا هو حجيّة الظّن الشّخصي في المسألة الفقهيّة سواء على القول بتخصيص النّتيجة بمظنون الاعتبار من الأمارات القائمة في المسائل الفقهيّة أو تعميمها بالنّسبة إلى مشكوك الاعتبار و موهومه، و لازم هذا دوران اعتبار الظّواهر مدار حصول الظّن الشّخصي بالمرادات منها، فإذا فرض العلم الإجمالي بطروّ خلاف الظّاهر فيها، فلا محالة يرتفع الظّن الشّخصي بالمراد منها فيسقط عن الاعتبار، بل قد عرفت أنّه على القول بإناطة اعتبارها بالظّهور العرفي لظن النّوعي يسقط عن الاعتبار من جهة العلم الإجمالي المذكور، و لأجل ما ذكر ذكرنا في باب التّعارض
........
الشرح
أنّه لا يمكن التّعارض بين الأمارات القائمة في المسائل الفقهيّة على القول بإناطة اعتبارها بالظّن الشّخصي، نعم على تقرير الحكومة و تعميم النّتيجة بالنّسبة إلى المسائل الفرعيّة و الأصوليّة يمكن وقوع التّعارض بين الأمارات إذا ظنّ اعتبارها، حيث إنّها ليست منوطة بحصول الظّن الشّخصي منها في المسائل الفقهية، لكن بشرط عدم كونها من الظّواهر الّتي علم إجمالا بطرد خلاف الظّاهر فيها، اللّهمّ إلاّ أن يتفصّى عن الإشكال المذكور بأنّ العلم الإجمالي و إن أوجب رفع الظّن الشّخصي من الظّواهر فيوجب إجمالها قبل ملاحظة المشكوك الاعتبار الصّارف لها، إلاّ أنّه بعد ملاحظة و تعيين المراد بمعونته و إخراج ما خرج منها لأجله يحصل الظّن الشّخصي بالمراد منها، فالمدار عليه و إن حصل بعد ملاحظة المشكوكات فتدبّر، و لا دخل لهذا كما ترى و لا تعلّق له بمسألة حجيّة الظّواهر، و إنّما هو من جزئيات الظّن الشّخصي بالحكم الفرعيّ الواقعي الثّابت حجيّته بدليل الانسداد فافهم.
ثمّ إنّ ما أفاده قدس سره في الجواب الأوّل من كثرة ما ظنّ اعتباره لا يخفى استقامته بعد ملاحظة ما ذكره من الشّواهد و القرائن و الأمارات القائمة على اعتبار الأقسام المذكورة من الأخبار سيّما إذا انضمّ إليها الحسن و الضعيف المنجبرين بالشّهرة من حيث العمل سيّما عمل القدماء من أصحابنا مثل استقامة ما أفاده في الجواب الثّاني من ضعف دعوى الإجماع المركّب في المقام فضلا عن الأولويّة القطعيّة من جهة العلم بانتفاء مناط الحكم الّذي قضى به العقل فيما لم يكن صارفا لظواهر المظنون الاعتبار من المشكوك اعتباره، فلا يحتمل استناد الحكم إلى الجامع بين المسألتين، حتّى يدّعى الإجماع المركّب الراجع إلى الإجماع البسيط حقيقة، و إلاّ لم يكن حجّة لأنّ الخلاف لا يكون إجماعا، فلا يكون حجّة، إلاّ إذا رجع إلى الإجماع البسيط، و ليس هذا إلاّ من جهة كون الحاكم في المسألة العقل، الّذي لا يقبل التّرديد و الالتباس في مناط حكمه، كما هو واضح لا يخفى.
و موهمة بأن مقتضى القاعدة بعد إهمال النتيجة الاقتصار على مظنون الاعتبار، ثمّ على المشكوك ثمّ يتسرى إلى الموهوم.
لكن الظنون المظنونة الاعتبار غير كافية إمّا بأنفسها بناء على انحصارها في الأخبار الصحيحة بتزكية عدلين، و إمّا لأجل العلم الإجمالي بمخالفة كثير من ظواهرها للمعاني الظاهرة منها و وجود ما يظن منه ذلك في الظنون المشكوكة الاعتبار.
فلا يجوز التمسك بتلك الظواهر للعلم الإجمالي المذكور، فيكون حالها حال ظاهر الكتاب و السنة المتواترة في عدم الوفاء بمعظم الأحكام.
فلا بدّ من التسري بمقتضى قاعدة الانسداد و لزوم المحذور من الرجوع إلى الأصول إلى الظنون المشكوكة الاعتبار التي دلّت على إرادة خلاف الظاهر في ظواهر مظنون الاعتبار، فيعمل بما هو من مشكوك الاعتبار مخصص لعمومات مظنون الاعتبار و مقيد لإطلاقاته و قرائن لمجازاته.
فإذا وجب العمل بهذه الطائفة من مشكوك الاعتبار ثبت وجوب العمل لغيرها مما ليس فيها معارضة لظواهر الأمارات المظنونة الاعتبار بالإجماع على عدم الفرق بين أفراد مشكوك
الاعتبار فإنّ أحدا لم يفرق بين الخبر الحسن المعارض لإطلاق الصحيح و بين خبر حسن آخر غير معارض لخبر صحيح، بل بالأولوية القطعية، لأنّه إذا وجب العمل بمشكوك الاعتبار الذي له معارضة لظاهر مظنون الاعتبار فالعمل بما ليس له معارض أولى.
ثمّ نقول إن في ظواهر مشكوك الاعتبار موارد كثيرة نعلم إجمالا بعدم إرادة المعاني الظاهرة و الكاشف عن ذلك ظنا هي الأمارات الموهومة الاعتبار، فنعمل بتلك الأمارات، ثمّ نعمل بباقي أفراد الموهوم الاعتبار
بالإجماع المركب، حيث إنّ أحدا لم يفرق بين الشهرة المعارضة للخبر الحسن بالعموم و الخصوص و بين غير المعارض له، بل بالأولوية كما عرفت.
أقول الإنصاف أن التعميم بهذا الطريق أضعف من التخصيص بمظنون الاعتبار، لأنّ هذا المعمم قد جمع ضعف القولين حيث اعترف بأن مقتضى القاعدة لو لا عدم الكفاية الاقتصار على مظنون الاعتبار، و قد عرفت أنّه لا دليل على اعتبار مطلق الظن بالاعتبار، إلاّ إذا ثبت جواز العمل بمطلق الظن عند انسداد باب العلم.
و أمّا ما ذكره من التعميم لعدم الكفاية ففيه أولا أنه مبني على زعم كون مظنون الاعتبار منحصرا في الخبر الصحيح بتزكية عدلين و ليس كذلك، بل الأمارات الظنية من الشهرة و ما دلّ على اعتبار قول الثقة مضافا إلى ما استفيد من سيرة القدماء في العمل بما يوجب سكون النفس من الروايات و في تشخيص أحوال الرواة توجب الظن القوي بحجية الخبر الصحيح بتزكية عدل واحد و الخبر الموثق و الضعيف المنجبر بالشهرة من حيث الرواية، و من المعلوم كفاية ذلك، و عدم لزوم محذور من الرجوع في موارد فقد تلك الأمارات إلى الأصول.
و ثانيا: أن العلم الإجمالي الذي ادعاه يرجع حاصله إلى العلم بمطابقة بعض مشكوكات الاعتبار للواقع من جهة كشفها عن المرادات في مظنونات الاعتبار، و من المعلوم أن العمل بها لأجل ذلك لا يوجب التعدي إلى ما ليس فيه هذه العلة أعني مشكوكات الاعتبار الغير الكاشفة عن مرادات مظنونات الاعتبار، فإنّ العلم الإجمالي بوجود شهرات متعددة مقيدة لإطلاقات الأخبار أو مخصصة لعموماتها لا يوجب التعدي إلى الشهرات الغير المزاحمة للأخبار بتقييد أو تخصيص فضلا عن التسري إلى الاستقراء و الأولوية.
و دعوى الإجماع لا يخفى ما فيها، لأنّ الحكم بالحجية في القسم الأول
لعله غير مطردة في القسم الثاني حكم عقلي، فعلم بعدم تعرض الإمام عليه السلام له قولا و لا فعلا إلاّ من باب تقرير حكم العقل، و المفروض عدم جريان حكم العقل في غير مورد العلة و هي وجود العلم الإجمالي.
و من ذلك يعرف الكلام في دعوى الأولوية، فإنّ المناط في العمل بالقسم الأول إذا كان هو العلم الإجمالي، فكيف يتعدى إلى ما لا يوجد فيه المناط فضلا عن كونه أولى.
و كأن متوهم الإجماع رأى أن أحدا من العلماء لم يفرق بين أفراد الخبر الحسن أو أفراد الشهرة و لم يعلم أن الوجه عندهم ثبوت الدليل عليهما مطلقا أو نفيه كذلك، لأنّهم أهل الظنون الخاصة بل لو ادعي الإجماع على أن كل من عمل بجملة من الأخبار الحسان أو الشهرات، لأجل العلم الإجمالي بمطابقة بعضها للواقع لم يعمل بالباقي الخالي عن هذا العلم الإجمالي كان في محله.
الثالث من طرق التعميم: ما ذكره بعض مشايخنا (1) طاب ثراه من قاعدة الاشتغال
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ هذا المعمّم الّذي ذكره أستاذه الشّريف طاب ثراه و إن اقتضى وجوب العمل بالظّن احتياطا بالنّسبة إلى جميع الظّنون القائمة على المسألة الفرعيّة من غير فرق بين المظنون الاعتبار و غيره و يكون سالما عمّا يرد على المعمّم الثّاني، إلاّ أنّه يتوجّه عليه أمران لا محيص عنهما و لا مدفع لهما:
أحدهما: أنّ قاعدة الاشتغال بالنّسبة إلى المسألة الأصوليّة أعني المهملة الثّابتة بجريان دليل الانسداد في الفروع إنّما هي فيما إذا لم يكن هناك قدس سره متيقّن كاف بين الظّنون الموجودة في المسائل الفرعيّة من غير فرق بين المتيقّن الحقيقي و الإضافي، ضرورة أنّ المستكشف بدليل الانسداد جعل مقدار الكفاية من الظّنون، فإذا كان مردّدا بين المتيقّن و غيره كان الشّك بالنّسبة إلى جعل غيره شكّا في أصل
........
الشرح
الجعل حقيقة، لأنّ جعل المتيقّن بعد العلم بالجعل في الجملة يقينيّ فيئول الشّك بالنّسبة إلى غيره إلى الشّك في أصل الجعل و التّكليف، فلا أثر للعلم الإجمالي بالنّسبة إليه، كما هو الشّأن فيما دار الأمر فيه بين الأقلّ و الأكثر سيّما فيما إذا كانا استقلاليّين، كما في المقام من غير فرق بين كون الدّوران المذكور في الأصول أو الفروع، فلا يكون العلم الإجمالي مؤثرا في المقام و المفروض كفاية ما تيقّن اعتباره فيقتصر عليه و يرجع في غيره إلى أصالة الحرمة، و لا يتوهّم أنّه بناء على ما ذكر يجب الاقتصار على المظنون الاعتبار من الأمارات نظرا إلى كون الدّوران بينه و بين غيره من الدّوران بين الأقلّ و الأكثر لابتنائه على كون ما ظنّ اعتباره متيقّنا بالنّسبة إلى غيره مطلقا و قد عرفت فساده بما لا مزيد عليه و إن هو، إلاّ نظير دوران المكلّف به في القضيّة الجزئيّة مثل موارد دوران الأمر بين القصر و التّمام من جهة بعض الأسباب بين ما ظنّ وجوبه بالظّن الّذي لم يثبت اعتباره، و ما احتمل وجوبه موهوما، فإنّه لا مجال لتوهّم رجوع الشّك إلى الشّك بين الأقلّ و الأكثر و هو أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا.
ثانيهما: أنّ مقتضى جريان قاعدة الاشتغال في الأصول على تقدير الإغماض عمّا ذكرنا، أو فرض عدم وجود القدر المتيقّن مطلقا، أو عدم كفايته هو وجوب العمل بكلّ ظنّ بعنوان الاحتياط و هذا لا تعلّق له
بتعميم النّتيجة و تسرية الحجيّة بالنّسبة إلى كلّ ظنّ حتّى يترتّب على ما قام عليه الآثار الواقعيّة في مرحلة الظّاهر على ما هو قضيّة حجيّة الظّن فهو نظير الاحتياط اللاّزم في الفروع كدوران الأمر في المكلّف به بين المتباينين، حيث إنّ مقتضى الاحتياط هو وجوب البناء على فعل كلّ واحد من المشتبهين لاحتمال أن يكون واجبا، و هذا لا يقتضي ترتيب آثار الواجب الواقعي عليه، و هذا كما ترى ليس من تعميم الحجيّة في شيء، هذا و أمّا ما أفاده شيخنا قدس سره من الإيراد
........
الشرح
عليه بقوله و لكن فيه أنّ قاعدة الاشتغال في مسألة العمل بالظّن معارضة في بعض الموارد بقاعدة الاشتغال في المسألة الفرعيّة إلى آخره فقد يناقش فيه بما عرفت شرح القول فيه مرارا من أنّ مبنى جريان دليل الانسداد على تقريري الكشف و الحكومة على بطلان الرّجوع إلى الأصول في مجاريها جوازا في بعض و وجوبا في بعض آخر و لولاه لما تمّ الدّليل المذكور و إنّما يرجع إليها في موارد الشّك إذا خلت عن الأمارات القائمة على خلاف الأصول، فإذا لا معنى للزوم الأخذ بمقتضى الاشتغال في المسألة الفرعيّة إذا قامت الأمارة على تعيين المكلّف به.
نعم يجب الأخذ بمقتضاه إذا لم يقم هناك أمارة أصلا، نعم هنا إشكال على القائلين بحجيّة مطلق الظّن من غير فرق بين التّقريرين قد عرفت الإشارة إليه في طيّ ما قدّمنا لك و هو أنّ قضيّة ما أقاموه لإثبات حجيّة الظّن المطلق و وجوب الامتثال الظّني للواجبات و المحرّمات المشتبهة هو العمل بالظّن المتعلّق بالتّكليف الإلزامي، و أمّا الظّن القائم على غيره من الأحكام فلا مقتضي لحجيّته فيبقى تحت الأصل الأولي، فيجب الرّجوع إلى الأصل المثبت للتّكليف مطلقا من غير فرق بين أصالة الاشتغال و غيرها إذا قام الظّن على خلافه، لكن بناء القائلين بحجيّة مطلق الظّن و لو من جهة لزوم دفع الضّرر المظنون فضلا عن غيره على الأخذ بالظّن مطلقا من غير فرق بين موارده كالقائلين بحجيّة الظّنون الخاصّة.
نعم لو قرّر الدّليل على وجه يقتضي الرّجوع إلى الظّن في استعلام الأحكام المشتبهة في زمان الانسداد من غير فرق بين الأحكام الإلزاميّة و غيرها على ما أسمعناك عند تقرير دليل الانسداد، فإنّه أحد وجوه تقريره لم يتوجّه الإشكال المذكور أصلا، إلاّ أنّه لا يفيد في المقام قطعا ضرورة عدم اقتضائه جريان الاشتغال عند اشتباه الحجّة الشّرعيّة على تقرير الكشف، فإنّ البناء على كون حكم الواقعة ما أدى إليه الظّن ينافي الأخذ به باحتمال أن يكون طريقا و حجّة الّذي هو
........
الشرح
مفاد الاحتياط في المسألة الأصوليّة.
فإن شئت قلت: إنّ الأخذ بالظّن من باب الاحتياط و احتمال كونه حجّة لا يجامع جعله طريقا في استعلام الأحكام الشّرعيّة، حتّى إذا قام على الأحكام الإلزاميّة بل التّحقيق أنّ الاحتياط في المسألة الأصوليّة على سائر وجوه تقرير الدّليل، لا يقتضي الأخذ بالظّنون النّافية للتّكليف الإلزامي حتّى يعارض الأصل المثبت للتّكليف، أو لا يعارضه كيف و إن اقتضاه لم يكن بدّ من الالتزام بعدم وجوب الاحتياط في مورده و إن كان راجحا حسنا، حتّى في موارد لم يكن هناك أصل يقتضي وجوب الاحتياط كموارد الشّك في التّكليف الإلزامي وجوبا، أو تحريما، فإنّ حسن الاحتياط لا رافع له حتّى في مورد وجود الظّن الخاصّ فضلا عن الظّن المطلق كما عرفته و ستعرفه في محلّه، لا يقال إنّه بناء على ما ذكر يجب القول باختصاص دليل حجيّة الأمارات بقول مطلق حتّى على القول بحجيّتها من حيث الخصوص بما إذا اقتضت الإلزام على المكلّفين، فإنّ الحكم الأصولي و هو وجوب تصديق الأمارة و العمل عليها لا يجامع مع كون مفادها الإباحة مثلا و هو ممّا لم يقل به أحد، لأنّا نقول مرجع جعل الأمارات بالنّظر إلى أدلّتها عند التّأمّل من جانب الشارع إلى جعل مفادها في مرحلة الظّاهر من غير فرق بين إفادتها الإلزام و غيره، و هذا أمر معقول نلتزم به مطلقا من غير فرق بين مفادها و إليه يرجع أخذ معالم الدّين من الثّقات المتوسّطة بين الأئمّة عليهم السلام و الرّعيّة الّذي دلّ عليه غير واحد من الأخبار المتقدّمة في مسألة حجيّة الأخبار من حيث الخصوص، و أمّا وجوب التّصديق بمعنى ترتيب الآثار و وجوب العمل بمقتضى الأمارة، الّذي استفيد من أدلّة حجيّة الطّرق، فإنّما يتصوّر فيما فرض هناك آثار شرعيّة مترتّبة على مدلول الأمارة بحسب الواقع و لو بوسائط عديدة قابلة لتعلّق التّكليف عليه و لو بالنّسبة إلى غير الإلزاميّات، لأنّه أمر معقول بل واقع في الشّرعيّات.
بناء على أن الثابت من دليل الانسداد وجوب العمل بالظن في الجملة، فإذا لم يكن قدر متيقن كاف في الفقه وجب العمل بكل ظن، و منع جريان قاعدة الاشتغال هنا، لكون ما عدا واجب العمل من الظنون محرم العمل، فقد عرفت الجواب عنه في بعض أجوبة الدليل الأول من أدلة اعتبار الظن بالطريق.
الشرح
و أمّا إرجاعه إلى وجوب تطبيق العمل بالنّسبة إلى غير الإلزام الغير المنافي للإباحة مثلا، لا وجوب إيجاد العمل حتّى ينافيه كما في الكتاب، فلا يخلو عن مناقشة، فإنّ المراد من وجوب التّطبيق أنّ الواجب في جميع الموارد عنوان ينطبق على الإباحة إذا أفادتها الأمارة كما ينطبق على الإلزام من غير فرق بين الأمرين و تحقّق العنوان المذكور بالنّسبة إلى غير الإلزاميّات بإيجادها بعنوان لا ينافي الإباحة مثلا إذا تعلّقت إرادتها بالفعل، كما أنّ تحقّقها بالنّسبة إلى الإلزاميّات إنّما هو بإيجادها بعنوان يجامع الإلزام و إن لم يقصده عند الفعل، فإنّ دليل حجيّة الأمارات ساكت عن قصد مدلولها عند الإيجاد، كما أنّ الدّليل القطعي الدّال على الحكم الواقعي و جعله ساكت عن قصده و إرجاع هذا المعنى إلى أمر عملي يتعلّق به دليل وجوب العمل بالأمارة، لا يخلو عن إشكال و أمّا وجوب التّدين و الالتزام بالأحكام الثّابتة من الشارع فهو حكم أصولي اعتقاديّ يتفرّع على تصديق الرّسول من غير فرق بين الأحكام الواقعيّة و الظّاهريّة و الإلزاميّة و غيرها، فلا تعلّق له بمدلول الأمارات و أدلّتها و ليس غرضه قدس سره من التّعرض له إلاّ التّنبيه على ما ذكرنا، كما أنّ غرضه من قوله قدس سره: (كما أنّه لو فرضنا ظنّا معتبرا معلوما بالتّفصيل كظاهر الكتاب) إلى آخره، بيان عدم منافات الاحتياط لاحتمال الوجوب الواقعي للاستحباب في مرحلة الظّاهر، و ليس مراده وجوب الاحتياط مع فرض ثبوت الاستحباب في مرحلة الظّاهر كيف و هو ممّا لا يقول به جاهل بل لا يتوهّمه.
و لكن فيه أن قاعدة الاشتغال في مسألة العمل بالظن معارضة في بعض الموارد بقاعدة الاشتغال في المسألة الفرعية، كما إذا اقتضى الاحتياط في الفروع وجوب السورة، و كان ظن مشكوك الاعتبار على عدم وجوبها، فإنه يجب مراعاة قاعدة الاحتياط في الفروع و قراءة السورة لاحتمال وجوبها و لا ينافيه الاحتياط في المسألة الأصولية، لأنّ الحكم الأصولي المعلوم بالإجمال و هو وجوب العمل بالظن القائم على عدم الوجوب معناه وجوب العمل على وجه ينطبق مع عدم الوجوب، و يكفي فيه أن يقع الفعل لا على وجه الوجوب و لا تنافي بين الاحتياط بفعل السورة لاحتمال الوجوب، و كونه لا على وجه الوجوب الواقعي.
و توضيح ذلك أن معنى وجوب العمل بالظن وجوب تطبيق عمله عليه، فإذا فرضنا أنه يدل على عدم وجوب شيء، فليس معنى وجوب العمل به، إلاّ أنّه لا يتعين عليه ذلك الفعل.
فإذا اختار فعل ذلك فيجب أن يقع الفعل لا على وجه الوجوب كما لو لم يكن هذا الظن و كان غير واجب بمقتضى الأصل، لا أنّه يجب أن يقع على وجه عدم الوجوب، إذ لا يعتبر في الأفعال الغير الواجبة قصد عدم الوجوب، نعم يجب التشرع و التدين بعدم الوجوب سواء فعله أو تركه من باب وجوب التدين بجميع ما علم من الشرع.
و حينئذ فإذا تردد الظن الواجب العمل المذكور بين ظنون تعلقت بعدم وجوب أمور، فمعنى وجوب ملاحظة ذلك الظن المجمل المعلوم إجمالا وجوبه أن لا يكون فعله لهذه الأمور على وجه الوجوب، كما لو لم يكن هذه الظنون و كانت هذه الأمور مباحة بحكم الأصل، و لذا يستحب الاحتياط و إتيان الفعل لاحتمال أنّه واجب.
ثمّ إذا فرض العلم الإجمالي من الخارج بوجوب أحد هذه الأشياء على وجه يجب الاحتياط و الجمع بين تلك الأمور، فيجب على المكلف الالتزام بفعل كل واحد منها لاحتمال أن يكون هو الواجب، و ما اقتضاه الظن القائم على عدم وجوبه من وجوب أن يكون فعله، لا على وجه الوجوب باق بحاله، لأنّ الاحتياط في الجميع، لا يقتضي إتيان كل منها بعنوان الوجوب الواقعي بل بعنوان أنه محتمل الوجوب و الظن القائم على عدم وجوبه لا يمنع من لزوم إتيانه على هذا الوجه، كما أنه لو فرضنا ظنا معتبرا معلوما بالتفصيل كظاهر الكتاب دل على عدم وجوب شيء لم يناف مؤداه لاستحباب الإتيان بهذا الشيء لاحتمال الوجوب هذا.
و أمّا ما قرع سمعك من تقديم قاعدة الاحتياط في المسألة الأصولية على الاحتياط في المسألة الفرعية، أو تعارضهما فليس في مثل المقام.
بل مثال الأول منهما ما إذا كان العمل بالاحتياط في المسألة الأصولية مزيلا للشك الموجب للاحتياط في المسألة الفرعية، كما إذا تردد الواجب بين القصر و الإتمام و دلّ على أحدهما أمارة من الأمارات التي يعلم إجمالا بوجوب العمل ببعضها، فإنّه إذا قلنا بوجوب العمل بهذه الأمارات يصير حجة معينة لإحدى الصلاتين، إلاّ أن يقال إن الاحتياط في المسألة الأصولية إنّما يقتضي إتيانها لا نفي غيرها، فالصلاة الأخرى حكمها حكم السورة في عدم جواز إتيانها على وجه الوجوب، فلا تنافي وجوب إتيانها لاحتمال الوجوب فيصير نظير ما نحن فيه.
و أما الثاني: و هو مورد المعارضة فهو، كما إذا علمنا إجمالا بحرمة شيء من بين أشياء، و دلت على وجوب كل منها أمارات نعلم إجمالا بحجية إحداها، فإنّ مقتضى هذا وجوب الإتيان بالجميع و مقتضى ذلك ترك الجميع
فافهم.
و أمّا دعوى أنه إذا ثبت وجوب العمل بكل ظن في مقابل غير الاحتياط من الأصول وجب العمل به في مقابل الاحتياط للإجماع المركب، فقد عرفت شناعته.
فإن قلت: إذا عملنا في مقابل الاحتياط بكل ظن يقتضي التكليف و عملنا في مورد الاحتياط بالاحتياط لزم العسر و الحرج، إذ يجمع حينئذ بين كل مظنون الوجوب و كل مشكوك الوجوب أو موهوم الوجوب مع كونه مطابقا للاحتياط اللازم، فإذا فرض لزوم العسر من مراعاة الاحتياطين معا في الفقه تعين دفعه بعدم وجوب الاحتياط في مقابل الظن، فإذا فرض هذا الظن مجملا لزم العمل بكل ظن مما يقتضي الظن بالتكليف احتياطا، و أما الظنون المخالفة للاحتياط اللازم، فيعمل بها فرارا عن لزوم العسر.
قلت: دفع العسر يمكن بالعمل ببعضها (1) فما المعمم، فيرجع الأمر إلى أن قاعدة الاشتغال، لا ينفع و لا يثمر في الظنون المخالفة للاحتياط، لأنك عرفت أنه لا يثبت وجوب التسري إليها فضلا عن التعميم فيها، لأنّ التسري إليها كان للزوم العسر فافهم.
هذا كلّه على تقدير تقرير مقدمات دليل الانسداد على وجه يكشف عن حكم الشارع بوجوب العمل بالظن في الجملة، و قد عرفت أن التحقيق
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّ ما أفاده من إمكان دفع العسر بالعمل ببعض الظّنون المخالفة للاحتياط و إن كان في كمال الاستقامة، إلاّ أنّه مبنيّ على ما عرفت من كون النّتيجة هو التّبعيض في الاحتياط لا حجيّة الظّن، و الكلام في المقام مبنيّ على تماميّة المقدّمات في إنتاج الحجيّة و الإغماض عمّا أفاده قدس سره من الإشكال في ذلك على ما عرفت مفصّلا.
خلاف هذا التقرير و عرفت أيضا ما ينبغي سلوكه على تقدير تماميته من وجوب اعتبار المتيقن حقيقة أو بالإضافة، ثمّ ملاحظة مظنون الاعتبار بالتفصيل الذي تقدم في آخر المعمم الأول من المعممات الثلاثة.
و أمّا على تقدير تقريرها على وجه يوجب حكومة العقل (1) بوجوب
الشرح
(1) قد عرفت ما ينبغي تحرير المراد به من تقرير الحكومة، و أنّه لا يجامع بطلان وجوب الاحتياط في سلسلة المشتبهات في الجملة فضلا، عمّا أفاده قدس سره في بيان المراد منه، بل القول بحجيّة الظّن على التّقريرين مبنيّ على بطلان وجوب الاحتياط رأسا، و أمّا الرّجوع إلى الأصول المنافية للاحتياط، فقد عرفت بطلانه من جهة العلم الإجمالي بالأحكام الإلزاميّة في الوقائع المشتبهة من غير فرق بين جعل نتيجة المقدّمات حجيّة الظّن أو التّبعيض في الاحتياط، فإن أريد من الأصل و الأصول في كلامه خصوص التخيير كما ربما يظهر منه فلم يقتض العلم الإجمالي بطلانه أصلا، و الأولى إسقاطه من الكتاب كما عرفته في طيّ ما قدّمنا لك سابقا عند الكلام فيما يتعلّق بالمقام، فالّذي ينبغي أن يجعل الوجه في اختصاص حكم العقل على تقرير الحكومة بالظّن الاطمئناني ما عرفت الإشارة إليه فيما ذكرنا سابقا من أنّ حكم العقل بحجيّة الظّن عند انسداد باب العلم، و الظّن الخاصّ في أكثر الأحكام و بطلان الرّجوع إلى الأصول رأسا جوازا في بعض و وجوبا في آخر إنّما هو من حيث غلبة مطابقته للواقع و قربه إليه، فإذا كان هذا العنوان الّذي هو مناط الحكم في نظر العقل آكد و أقوى في بعض مراتب الظّن، و المفروض وفاؤه بأكثر الأحكام الشّرعيّة المثبتة و إن ناقشه شيخنا قدس سره فيما عرفت من كلامه قدس سره سابقا، فلا محالة يحكم بوجوب سلوك الطّريق الأقرب و الأقوى فيرجع في غيره إلى أصالة الحرمة و الأصول العمليّة الّتي يرجع إليها عند الشّك، و من هنا حكم في المعالم فيما عرفته سابقا بوجوب الأخذ بالظّن
........
الشرح
القويّ في حكم العقل و عدم جواز الأخذ بالظّن الضّعيف، فيسلك في موارد الظّن الضّعيف ما يجب سلوكه في موارد الشّك من غير فرق بين تعلّقه بإثبات التّكليف الإلزامي و نفيه، كما أنّه يجب الأخذ بمقتضى الظّن القوي الاطمئناني من غير فرق بين تعلّقه بإثبات التّكليف و نفيه، و هذا معنى حجيّة الظّن الاطمئناني بدليل الانسداد لا ما أفاده قدس سره فإنّه ليس من حجيّة الظّن الاطمئناني في شيء، بل هو تبعيض في الاحتياط و طرح له في مورد الظّن الاطمئناني بغير الأحكام الإلزاميّة و أخذ به في موارد الظّن بالتّكليف الإلزامي مطلقا و الشّك فيه و الظّن الغير الاطمئناني به، و من هنا لا يثبت الحكم الاستحبابي بالظّن الاطمئناني القائم عليه و إن حكم بعدم وجوب الاحتياط في مورده كما اعترف به قدس سره في غير موضع من كلامه، و من هنا قال في المقام: (و لكنّك خبير بأنّ هذا ليس من حجيّة مطلق الظّن و لا الظّن الاطمئناني في شيء، لأنّ معنى حجيّته أن يكون دليلا في الفقه بحيث يرجع في موارد وجوده إليه لا إلى غيره، و في موارد الخلوّ عنه إلى مقتضى الأصل، الّذي يقتضيه و الظّن هنا ليس كذلك إذ العمل في موارد وجوده ففيما طابق منه الاحتياط) إلى آخر ما أفاده قدس سره، و هذا الّذي أفاده قدس سره و إن كان صحيحا يحكم به العقل المستقل كما ذكره فيما ساغ مخالفة الاحتياط اللاّزم في سلسلة المشتبهات بقدر ما يندفع به العسر و الحرج، فإنّ العقل يعين اختيار المخالفة فيما ظنّ بعدم الحكم الإلزامي بالظّن القوي إلاّ أنّه كما عرفت لا تعلّق له بمسألة حجيّة الظّنّ في شيء، و الكلام في تقرير الحكومة كتقرير الكشف بعد البناء على كون النّتيجة حجيّة الظّن، فلا محيص إذا عن جعل الوجه في اختصاص النّتيجة بالظّن القوي في حكم العقل ما ذكرنا كما عرفته عن المعالم و يقتضيه قوله قدس سره في تقريب الاستدلال على ذلك.
ثمّ إنّ العقل حاكم بأن الظّن القوي الاطمئناني أقرب إلى العلم عند تعذّره
........
الشرح
إلى آخر ما أفاده، فإنّه و إن ذكره لتقريب الاستدلال على التّبعيض في الاحتياط إلاّ أنّ نتيجته عند التّأمّل ما ذكرنا كما لا يخفى و عليه ينطبق ما أفاده قدس سره بقوله: (و إن شئت قلت إنّ العمل في الفقه في موارد الانسداد على الظّن الاطمئناني و مطلق الظّن و التّخيير كلّ في مورد خاصّ) إلى آخره، فإنّه و إن كان المراد به ما أفاده من التّبعيض في الاحتياط، إلاّ أنّ العبارة قاصرة عن إفادته، فالحقّ في التّعبير عنه أن يقول بدل ما ذكره إنّ العمل في الفقه على الاحتياط و الظّن الاطمئناني بالمعنى الّذي ذكره من مخالفة الاحتياط في مورده إذا خالف التّكليف لا جعله طريقا إلى إثبات مدلوله كما يعمل به كذلك في موارد التّخيير، و مطلق الظّن بمعنى جعله حجّة، و التّخيير كلّ في مورد، فقد ظهر ممّا أفاده قدس سره أنّ القائل بكون نتيجة المقدّمات التّبعيض في الاحتياط يلزمه القول بحجيّة مطلق الظّن في موارد التّخيير العقلي، و دوران الأمر بين المحظورين، و عدم إمكان الاحتياط من غير فرق بين الاطمئناني و غيره و إن نوقش فيه بأنّ الرّجوع إلى الظّن الضّعيف في قبال التّخيير و إن كان متيقّنا في حكم العقل، إلاّ أنّه فيما لم يتمكّن من تحصيل الاطمئنان، فالظّن الضّعيف حجّة في قبال التّخيير، و ليس بحجّة في قبال الاطمئنان و الظّن القوي و إن كان هذا قولا بحجيّة مطلق الظّن في الجملة، إلاّ أن يحمل كلامه قدس سره على المهملة، فلا ينافي عدم حجيّة الظّن الضّعيف إذا تمكّن من تحصيل القوي فتدبّر.
فقد تبيّن ممّا ذكرنا أنّ النّتيجة بحسب الموارد و الأسباب و إن كانت كليّة على تقرير الحكومة، إلاّ أنّها بحسب المرتبة متعيّنة في الظّن القوي الاطمئناني و توهّم أنّ التّخصيص بحسب المرتبة ينافي التّعميم من الجهتين بعد بناء مدار الحجيّة على الظّن الشخصي نظرا إلى عدم إمكان تعدّد الظّن في القضايا الشخصيّة بحسب الأسباب و المراتب، فإذا حكم بالعموم من حيث السّبب و الموارد فلازمه الحكم
........
الشرح
بالعموم من حيث المرتبة، كما أنّ لازم التّخصيص من حيث المرتبة التّخصيص من الجهتين أيضا، فإنّه إذا فرض في مورد لم يحصل الاطمئنان من أمارة خاصّة لم يحكم بحجيّتها في هذا المورد، فيلزم التّخصيص بحسب المورد و السّبب فاسد جدّا لا ينبغي صدوره ممّن له بضاعة في العلم، ضرورة عدم التّلازم المتوهّم بينهما، فإنّا نقول الحجّة في كلّ مسألة و مورد الظّن القويّ من أيّ سبب حصل دون الظّن الضّعيف، و هذا لا ينافي كون الحجّة الظّن الشّخصي، كما أنّه لا خصوصيّة للمورد و السّبب، و هذا و إن كان أمرا لا سترة فيه أصلا، إلاّ أن الدّاعي للتّعرض له أنّا رأينا في كلام بعض أهل العصر الاعتراض على ما أفاده شيخنا قدس سره من المواضع للتّكلّم في الكليّة و التّخصيص و الإهمال في النّتيجة من حيث القصور و الغفلة عن مرامه، بل عن المطلب الواضح فتأمّل، حتّى لا تقع في الاشتباه فيما ذكرنا من عدم التّلازم في حكم المواضع.
ثمّ إنّه لما كان مبنى ما أفاده قدس سره من عدم التّعميم بحسب المرتبة و لزوم الاقتصار في مخالفة الاحتياط الكلّي على الظّن القوي بخلاف الحكم الإلزامي على اندفاع الجرح بمخالفة الاحتياط فيما لو اقتصر عليه، فيوجّه عليه سؤال بيّنه بقوله قدّس سرّه: (فإن ثبت أنّ العمل بالاحتياط) إلخ، فإنّه يتعيّن في حكم العقل فيما فرضه التّبعيض في الاحتياط بما ذكره، فإنّه أبعد عن مخالفة الواقع المعلوم بالإجمال بخلاف ما لو عكس الأمر و خالف الاحتياط في مظنونات التّكليف فيرجع الأمر بالأخرة إلى العمل بالظّن في موارد وجوده مطلقا سواء قام على التّكليف أو على خلافه و إلى الأصول في المشكوكات، و هذا يساوق في المعنى و بحسب النّتيجة للعمل بالظّن و جعله حجّة و إن كان في الحقيقة تبعيضا في الاحتياط الكلّي، لكنّه لا يقدح بعد عدم الفرق في العمل، هذا و لكن يتوجّه عليه مضافا إلى ما أفاده في الجواب عنه بمنع لزوم العسر من الاقتصار في مخالفة
........
الشرح
الاحتياط الكلّي على خصوص الظّن القوي بنفي الإلزام نظرا إلى كثرة الظّنون الاطمئنانيّة من الأخبار و غيرها بأنّ مساواة ما ذكره لحجيّة الظّن على ما صرّح به في حيّز المنع، فإنّه إذا كان عنوان العمل بالظّن كونه طريقا مجعولا شرعيّا أو عقليّا قد أمضاه الشارع يترتّب عليه جميع ما له من الآثار و لو بوسائط عديدة، و هذا بخلاف ما لو جعل عنوانه الاحتياط و دفع الحرج، فإنّه لا يثبت مدلوله و لو في مرحلة الظّاهر و لا يترتّب عليه الآثار المترتّبة على مدلوله شرعا على ما صرّح به قدس سره من الفرق بين العنوانين بما عرفت، نعم لو جعل لزوم العسر على الوجه المذكور في السّؤال دليلا على عدم مطلوبيّة الامتثال الإجمالي عند الشارع رأسا لزمه الحكم بحجيّة الظّن فهو العنوان للعمل به، لا الاحتياط و اندفاع الحرج، لكنّه ينافي قوله: (و إن كان حقيقة تبعيضا في الاحتياط الكلّي) إلى آخر ما ذكره.
و أمّا ما أفاده في الجواب فهو و إن كان مستقيما، إلاّ أنّ الشّرح الّذي ذكره لإثبات كثرة الظّنون الاطمئنانيّة النّافية للتّكليف في الفقه بالنّسبة إلى الأخبار بقوله:
(و أمّا الأخبار فلأنّ الظّن المبحوث عنه في هذا المقام) إلى آخره قد يناقش فيه بأنّ الكلام في حجيّة الأخبار من حيث الخصوص و إن كان ناظرا إلى جعلها دليلا على الصّدور من حيث إفادتها الاطمئناني بالصّدور أو الظّن به شخصا أو نوعا إلى غير ذلك من الوجوه و الأقوال في المسألة، إلاّ أنّ الكلام في حجيّتها من حيث الظّن المطلق أو التّبعيض في الاحتياط مبنيّ على إفادتها للظّن الشّخصي بالحكم الفرعي الواقعي كسائر الأمارات بناء على ما عرفت من كون نتيجة المقدّمات اعتبار الظّن الشّخصي، نعم لو قيل بتعميم الحجيّة بالنّسبة إلى الظّن في المسألة الأصوليّة، أو إلحاق الظّن بها بالظّن في الفروع على القول بالتّبعيض في الاحتياط، كما يصرّح به بعد ذلك و كان الخبر الّذي ظنّ بصدوره بالظّن الاطمئناني ممّا يظنّ بحجيّته كان لما ذكره وجه لكنّه كلام يتكلّم فيه بعد ذلك، فلا يجوز ابتناء ما أفاده
الإطاعة الظنية و الفرار عن المخالفة الظنية، و أنه يقبح من الشارع تعالى إرادة أزيد من ذلك كما يقبح من المكلف الاكتفاء بما دون ذلك، فالتعميم و عدمه لا يتصور بالنسبة إلى الأسباب لاستقلال العقل بعدم الفرق فيما إذا كان المقصود الانكشاف الظني بين الأسباب المحصلة له، كما لا فرق فيما إذا كان المقصود الانكشاف الجزمي بين أسبابه، و إنّما يتصور من حيث مرتبة الظن و وجوب الاقتصار على الظن القوي الذي يرتفع معه التحير بيان ذلك أن الثابت من مقدمتي بقاء التكليف، و عدم التمكن من العلم التفصيلي هو وجوب الامتثال الإجمالي بالاحتياط في إتيان كل ما يحتمل الوجوب و ترك كل ما يحتمل الحرمة، لكن المقدمة الثالثة النافية للاحتياط إنّما أبطلت وجوبه على وجه الموجبة الكلية بأن يحتاط في كل واقعة قابلة للاحتياط، أو يرجع إلى الأصل كذلك، و من المعلوم أن إبطال الموجبة الكلية لا يستلزم صدق السالبة الكلية، و حينئذ فلا يثبت من ذلك إلا وجوب العمل بالظن على خلاف الاحتياط و الأصول في الجملة.
ثمّ إنّ العقل حاكم بأن الظن القوي الاطمئناني أقرب إلى العلم عند تعذره، و أنّه إذا لم يمكن القطع بإطاعة مراد الشارع و ترك ما يكرهه وجب تحصيل ذلك بالظن الأقرب إلى العلم.
الشرح
في المقام عليه فتأمل.
ثمّ إنّ دلالة عدم أقليّة الظّنون الاطمئنانيّة من الأخبار المصحّحة بعدلين على المدّعى و شهادته على وفائها بأغلب الأحكام إنّما هي بالنّظر إلى مذهب جمع من أهل الظّنون الخاصّة في الأخبار من قصر الحجيّة على الأخبار المصحّحة بعدلين كثاني الشّهيدين و سبطيه صاحبي المعالم و المدارك، و من يحذو حذوهم، مع زعمهم وفاءها بالفقه، و عدم الحاجة إلى غيرها في الاستنباط و استعلام الأحكام.
و حينئذ فكل واقعة تقتضي الاحتياط الخاص بنفس المسألة، أو الاحتياط العام من جهة كونها إحدى المسائل التي يقطع بتحقق التكليف فيها إن قام على خلاف مقتضى الاحتياط أمارة ظنية توجب الاطمئنان بمطابقة الواقع تركنا الاحتياط و أخذنا بها.
و كل واقعة ليست فيها أمارة كذلك نعمل فيها بالاحتياط سواء لم يوجد أمارة أصلا كالوقائع المشكوكة، أو كانت و لم تبلغ مرتبة الاطمئنان.
و كل واقعة لم يمكن فيها الاحتياط تعين التخيير في الأول و العمل بالظن في الثاني و إن كان في غاية الضعف، لأنّ الموافقة الظنية أولى من غيرها و المفروض عدم جريان البراءة و الاستصحاب لانتقاضهما بالعلم الإجمالي فلم يبق من الأصول، إلاّ التخيير، و محله عدم رجحان أحد الاحتمالين، و إلاّ فيؤخذ بالراجح، و نتيجة هذا هو الاحتياط في المشكوكات و المظنونات بالظن الغير الاطمئناني إن أمكن، و إلاّ فبالأصول و العمل بالظن في الوقائع المظنونة بالظن الاطمئناني، فإذا عمل المكلف قطع بأنّه لم يترك القطع بالموافقة الغير الواجب على المكلف من جهة العسر إلاّ إلى الموافقة الاطمئنانية، فيكون مدار العلم على العلم بالبراءة و الظن الاطمئناني بها.
و أمّا مورد التخيير فالعمل فيه على الظن الموجود في المسألة و إن كان ضعيفا فهو خارج عن الكلام، لأنّ العقل لا يحكم فيه بالاحتياط، حتى يكون التنزل منه إلى شيء آخر، بل التخيير أو العمل بالظن الموجود تنزل من العلم التفصيلي إليهما بلا واسطة.
و إن شئت قلت: إن العمل في الفقه في مورد الانسداد على الظن الاطمئناني و مطلق الظن و التخيير كل في مورد خاص، و هذا هو الذي يحكم به العقل المستقل.
و قد سبق لذلك مثال في الخارج و هو ما إذا علمنا بوجود شياه محرمة في قطيع و كان أقسام القطيع بحسب احتمال كونها مصداقا للمحرمات خمسة قسم منها يظن كونها محرمة بالظن القوي الاطمئناني، لا أن المحرم منحصر فيه، و قسم منها يظن ذلك فيها بظن قريب من الشك و التحير، و ثالث يشك في كونها محرمة و قسم منها في مقابل الظن الأول، و قسم منها موهوما في مقابل الظن الثاني ثم فرضنا في المشكوكات، و هذا القسم من الموهومات ما يحتمل أن يكون واجب الارتكاب، و حينئذ فمقتضى الاحتياط وجوب اجتناب الجميع مما لا يحتمل الوجوب، فإذا انتفى وجوب الاحتياط لأجل العسر و احتيج إلى ارتكاب موهوم الحرمة كان ارتكاب الموهوم في مقابل الظن الاطمئناني أولى من الكل، فيبني على العمل به و يتخير في المشكوك الذي يحتمل الوجوب و يعمل بمطلق الظن في المظنون منه.
لكنك خبير بأن هذا ليس من حجية مطلق الظن و لا الظن الاطمئناني في شيء، لأنّ معنى حجيته أن يكون دليلا في الفقه بحيث يرجع في موارد وجوده إليه، لا إلى غيره و في موارد عدمه إلى مقتضى الأصل الذي يقتضيه.
و الظن هنا ليس كذلك، إذ العمل إمّا في موارد وجوده ففيما طابق منه الاحتياط، فالعمل على الاحتياط لا عليه إذ لم يدل على ذلك مقدمات الانسداد و فيما خالف الاحتياط، لا يعول عليه، إلاّ بمقدار مخالفة الاحتياط لدفع العسر، و إلاّ فلو فرض فيه جهة أخرى لم يكن معتبرا من تلك الجهة كما لو دار الأمر بين شرطية شيء و إباحته و استحبابه فظن باستحبابه، فإنّه لا يدل مقدمات دليل الانسداد، إلاّ على عدم وجوب الاحتياط في ذلك الشيء و الأخذ بالظن في عدم وجوبه، لا في إثبات استحبابه.
و إمّا في موارد عدمه و هو الشك فلا يجوز العمل، إلاّ بالاحتياط الكلي
الحاصل من احتمال كون الواقعة من موارد التكليف المعلومة إجمالا و إن كان لا يقتضيه نفس المسألة، كما إذا شك في حرمة عصير التمر أو وجوب الاستقبال بالمحتضر، بل العمل على هذا الوجه تبعيض في الاحتياط و طرحه في بعض الموارد دفعا للحرج، ثمّ يعين العقل للطرح البض الذي يكون وجود التكليف فيها احتمالا ضعيفا في الغاية.
فإن قلت: إن العمل بالاحتياط في المشكوكات منضمة إلى المظنونات يوجب العسر فضلا عن انضمام العمل به في الموهومات المقابلة للظن الغير القوي، فيثبت وجوب العمل بمطلق الظن و وجوب الرجوع في المشكوكات إلى مقتضى الأصل، و هذا مساو في المعنى لحجية الظن المطلق و إن كان حقيقة تبعيضا في الاحتياط الكلي، لكنّه لا يقدح بعد عدم الفرق في العمل.
قلت: لا نسلم لزوم الحرج من مراعاة الاحتياط في المظنونات بالظن الغير القوي في نفي التكليف فضلا عن لزومه من الاحتياط في المشكوكات فقط بعد الموهومات.
و ذلك لأن حصول الظن الاطمئناني في الأخبار و غيرها غير عزيز أمّا في غيرها، فلأنه كثيرا ما يحصل الاطمئنان من الشهرة و الإجماع المنقول و الاستقراء و الأولوية، و أما الأخبار فلأنّ الظن المبحوث عنه في هذا المقام هو الظن بصدور المتن و هو يحصل غالبا من خبر من يوثق بصدقه و لو في خصوص الرواية و إن لم يكن إماميا أو ثقة على الإطلاق، إذ ربما يتسامح في غير الروايات بما لا يتسامح فيها.
و أمّا احتمال الإرسال، فمخالف لظاهر كلام الراوي و هو داخل في ظواهر الألفاظ، فلا يعتبر فيها إفادة الظن، فضلا عن الاطمئناني منه، فلو فرض عدم حصول الظن بالصدور لأجل عدم الظن بالإسناد لم يقدح في اعتبار ذلك
الخبر، لأنّ الجهة التي يعتبر فيها إفادة الظن الاطمئناني هو جهة صدق الراوي في إخباره عمن يروي عنه، و إمّا أن إخباره بلا واسطة فهو ظهور لفظي لا بأس بعدم إفادته للظن، فيكون صدور المتن غير مظنون أصلا، لأنّ النتيجة تابعة لأخس المقدمتين.
و بالجملة فدعوى كثرة الظنون الاطمئنانية في الأخبار و غيرها من الأمارات بحيث لا يحتاج إلى ما دونها، و لا يلزم من الرجوع في الموارد الخالية عنها إلى الاحتياط محذور و إن كان هناك ظنون لا تبلغ مرتبة الاطمئنان قريبة جدا، إلاّ أنّه يحتاج إلى مزيد تتبع في الروايات و أحوال الرواة و فتاوى العلماء.
و كيف كان فلا أرى الظن الاطمئناني الحاصل من الأخبار و غيرها من الأمارات أقل عددا من الأخبار المصححة بعدلين، بل لعل هذا أكثر.
ثمّ إنّ الظن الاطمئناني من أمارة أو أمارات (1) إذا تعلقت بحجية أمارة
الشرح
(1) قد تقدّم تفصيل القول في ذلك في الأمر الأوّل، و أنّه لا فرق في الظّن الثّابت اعتباره بدليل الانسداد بين الظّن في الفروع و الظّن في الأصول و الغرض من التّعرض له في المقام على سبيل الإجمال التّنبيه على عدم الفرق بين المسألتين فيما لو بني على الأخذ بالظّن المخالف للاحتياط من حيث دفع الحرج به، و أن الظّن الاطمئناني القائم بحجيّة أمارة قامت على نفي الحكم إلزامي في المسألة الفرعيّة مع عدم إفادتها الاطمئنان في مرتبة الظّن الاطمئناني بعدم الحكم الإلزامي فيها، فإنّ العقل المعيّن لاختيار الظّن الاطمئناني على مخالفة الاحتياط لدفع الحرج يحكم بعدم الفرق بينهما، حيث إن الاطمئنان بإيجاب الشارع العمل بما قام على عدم الوجوب أو التّحريم بمنزلة الاطمئنان بعدم الوجوب و التّحريم في البعد عن مخالفة الواقع سيّما إذا كان مبنى اعتباره عند الشارع على البدليّة و تدارك فوت
........
الشرح
الواقع.
فإن شئت قلت: إنّ إدراك الواقع من حيث إنّه واقع ليس ممّا يحكم به العقل على وجه اللّزوم و ليس مطلوبا ذاتيّا نفسيّا في حكمه و إنّما هو مطلوب من حيث كونه موجبا لسقوط المؤاخذة المترتّبة على مخالفته، و المفروض أنّ سلوك ما حكم الشارع بطريقيّته و اعتباره واجد لهذا العنوان من حيث استقلال العقل في الحكم بمعذوريّة سالكه إذا خالف الواقع، فالعنوان الأوّلي المطلوب في حكم العقل بوجوب إطاعة الشارع بالنّسبة إلى الأحكام الفرعيّة الفقهيّة منطبق على سلوك الطّريق المجعول أيضا، فالاطمئنان باعتبار ما قام على عدم وجوب شيء يوجب الاطمئنان بمعذوريّة المكلّف على ترك الواجب الّذي يتفق على تقدير خطاء الأمارة القائمة على عدم الوجوب، فالمقتضي لإلحاق الظّن بالمسألة الأصوليّة بالظّن بالمسألة الفرعيّة موجود على تقدير كون عنوان العمل بالظّن من حيث كونه رافعا للحرج اللاّزم من الاحتياط الكلّي، و بعد ضمّ مخالفة الاحتياط في هذا القسم من الأمارة القائمة على خلاف الاحتياط بمخالفته في الظّن القوي بعدم الحكم الإلزامي، لا يلزم الحرج من الاحتياط في سائر موارد احتمال التّكليف الإلزامي جدّا و لو فرض عدم اندفاع الحرج بقصر مخالفة الاحتياط فيما فرض من الاطمئنان أصولا و فروعا ضمّ إليه مطلق مخالفة الاحتياط في الظّن القائم على خلاف الاحتياط شخصا أو نوعا إذا ظنّ اعتباره على ما عرفت من التّعميم، فيؤخذ بالاحتياط في المشكوكات كما يؤخذ به في مظنونات التّكليف الإلزامي مطلقا، و لا يلزم من ضمّ الاحتياط فيها إلى الاحتياط في مظنونات التّكليف حرج قطعا لقلّتها نظرا إلى حصول الظّن في أغلب الوقائع بالتّكليف أو بعدمه مضافا إلى ما أفاده في الكتاب في عدم لزوم الحرج بقوله: (مع كون مقتضى الاحتياط في شبهة التّحريم التّرك و هو غير موجب للعسر) و إن كان ربّما يناقش فيه بأنّ لزوم
........
الشرح
العسر إنّما هو من جهة الابتلاء و الحاجة، فإذا تعلّقت الحاجة بالفعل كثيرا، فيكون التّرك حرجيّا، أ لا ترى استدلالهم على عدم وجوب الاحتياط في الشّبهة الغير المحصورة بلزوم الحرج منه، مع أنّ الاحتياط فيها إنّما هو بالتّرك، نعم ما أفاده قدس سره لبيان تضعيف احتمال لزوم الحرج من ضمّ المشكوكات بقوله: (مع أنّ الفرق بين الاحتياط في جميعها، و العمل بالأصول الجارية في خصوص مواردها) إلخ في كمال الاستقامة، حيث إنّه بناء على الرّجوع إلى الأصول في المشكوكات إنّما يبنى على خلاف التّكليف الإلزامي فيما كان مقتضى الأصل نفي الإلزام كموارد البراءة، لا فيما كان مقتضاه إثباته كموارد الاشتغال و الاستصحابات المثبتة للتّكليف و بعد وضعه لا يبقى مورد الثّمرة، إلاّ القسم الأوّل و لا يرتاب في قلّته، فلا يلزم من انضمام الاحتياط فيه حرج قطعا فإذن لا يثبت بحكم العقل حجيّة الظّن بحيث يعين به الواجبات و المحرّمات المشتبهة المعلومة بالإجمال، حتّى يدور الحكم مداره وجودا و عدما، فيرجع إلى ما يقتضيه الأصل في المشكوكات نظرا إلى خروجها عن أطراف العلم الإجمالي الكلّي بناء على ما بنى عليه الأمر قدس سره من اقتضاء الظّن إذا كان حجّة لذلك، فإنّ حجيّته مبنيّة على بطلان الاحتياط رأسا في الشّرعيّات و لم يثبت نظرا إلى عدم اقتضاء دليل نفي الحرج، إلاّ بطلانه في الجملة.
نعم لو قام هناك دليل آخر على عدم وجوب الاحتياط رأسا و عدم تعلّق إرادة الشّارع بالامتثال الإجمالي مطلقا، فيكون لزوم الحرج من الاحتياط حكمه في إلقاء الشارع للاحتياط لا علّة حتّى يدور الحكم مداره تعيّن في حكم العقل العدول إلى الامتثال الظّني، فيكون الظّن حجّة في حكم العقل و أنّى لهم بإثبات ذلك.
هذا و أمّا ما استدركه قدس سره بقوله: (نعم لو ثبت أنّ الاحتياط في المشكوكات يوجب العسر) تثبت النّتيجة، فربّما يناقش فيه بما عرفت سابقا، بل
........
الشرح
اعترف به من أنّ مجرّد بطلان وجوب الاحتياط في موهومات التّكليف و مشكوكه للزوم الحرج لا يقتضي ترتيب جميع آثار الحجيّة على الظّن، غاية ما هناك وجوب الاحتياط في مظنونات التّكليف مطلقا و عدم وجوبه في غيرها من جهة لزوم الحرج، و أين هذا من حجيّة الظّن، اللّهم إلاّ أن يكون غرضه إثبات الرّجوع إلى الأصل في مشكوكات التّكليف و ترتيب هذا الأمر الخاصّ عليه، فيحكم بحجيّته من هذه الجهة أو يكون الغرض الحكم بالحجيّة مطلقا من حيث كشف تجويز الرّجوع إلى الأصل في مجاريها بمعونة أدلّة نفي الجرح عن حجيّة الظّن، إذ لولاها كانت المشكوكات من أطراف العلم الإجمالي الكلّي و لم يكن هناك ما يخرجها عنها، فتجويز الرّجوع إلى الأصل ملازم لخروجها عن أطرافها و هو ملازم لحجيّة الظّن الموجبة لتعيّن المعلومات الإجمالية و تخصيصها بموارده بحكم الشارع فتأمّل.
اللّهم إلاّ أن يقال إنّ تجويز الرّجوع إلى الأصول في المشكوكات إنّما هو معلول لعدم وجوب رعاية العلم الإجمالي الكلّي و هو لا يلزم حجيّة الظّن، إلاّ إذا فرض انحصار الطّريق في الامتثال الظّني، و المفروض أنّ الامتثال الإجمالي في الجملة و في بعض أطراف الشّبهة أيضا من طرق الامتثال المقدّم على الامتثال الظّني، إلاّ أن يقال إنّ التّبعيض في الاحتياط إنّما يقدّم على الامتثال الظّني في حكم العقل فيما كان أقرب إلى إدراك الواقع و لا يوجد هذا العنوان فيما لو انحصر مورد الاحتياط في مظنونات التّكليف كما هو المفروض، حيث إنّ الكلام بعد بطلان وجوب الاحتياط في مشكوكات التّكليف مضافا إلى بطلانه في موهومات التّكليف، و هذا بخلاف بطلانه في موهومات التّكليف فقط، فإنّه يبقى معه الاحتياط في مظنونات التّكليف و مشكوكاته و من هنا لم يستكشف من بطلانه في خصوص الموهومات عن حجيّة الظّن فتدبّر.
ظنية كانت في حكم الاطمئنان، و إن لم تفده بناء على ما تقدم من عدم الفرق بين الظن بالحكم و الظن بالطريق، إلاّ أنّ يدعي مدع قلتها بالنسبة إلى نفسه لعدم الاطمئنان له غالبا من الأمارات القوية و عدم ثبوت حجية أمارة بها أيضا، و حينئذ فيتعين في حقه التعدي منه إلى مطلق الظن.
و أمّا العمل في المشكوكات بما يقتضيه الأصل في المورد، فلم يثبت بل اللازم بقاؤه على الاحتياط نظرا إلى كون المشكوكات من المحتملات التي يعلم إجمالا بتحقق التكليف فيها وجوبا و تحريما و لا عسر في الاحتياط فيها نظرا إلى قلة المشكوكات، لأنّ أغلب المسائل يحصل فيها الظن بأحد الطرفين كما لا، مع أن الفرق بين الاحتياط في جميعها و العمل بالأصول
الشرح
ثمّ إنّ مثل دعوى لزوم الحرج من الاحتياط في المشكوكات في الضّعيف دعوى اختصاص العلم الإجمالي بالتّكاليف الإلزاميّة بموارد الأمارات القائمة على الإلزام، فيخرج المشكوكات و موهومات التّكليف عن أطراف العلم الإجمالي الكلّي، فيرجع فيهما إلى الأصول الجارية فيهما بالنّظر إلى الشّك الحاصل فيهما، لأنّ العلم الإجمالي المذكور لم يحصل بملاحظة الأمارات حتّى يدّعى اختصاصها بمواردها، بل إنّما حصل قبل الاطّلاع عليها فكيف يمكن ادّعاء الاختصاص و لا ينافي ذلك العلم بمطابقة جملة من الأمارات القائمة على التّكليف كالأخبار للواقع على سبيل الإجمال و إلاّ أمكن ادّعاء اختصاص العلم الإجمالي بموارد الأخبار المثبتة للتّكليف و إخراج غيرها منها و هو كما ترى، هذا و قد تقدّم بعض الكلام في ذلك نقضا و إبراما عند الكلام في حجيّة الأخبار من حيث الخصوص، و هذه الدّعوى و إن لم يكن في الضّعف بمثابة دعوى لزوم الحرج من الاحتياط في المشكوكات، إلاّ أنّها أيضا ضعيفة فاسدة، و عليه يحمل ما أفاده قدس سره في وجه الأمر بالتّأمل في المقام بقوله: (فإنّ ادّعاء ذلك ليس كلّ البعيد).
في خصوص مواردها إنّما يظهر في الأصول المخالفة للاحتياط، و لا ريب أن العسر لا يحدث بالاحتياط فيها خصوصا مع كون مقتضى الاحتياط في شبهة التحريم الترك و هو غير موجب للعسر، و حينئذ فلا يثبت المدعى من حجية الظن، و كونه دليلا، حيث يرجع في موارد عدمه إلى الأصل، بل يثبت عدم وجوب الاحتياط في المظنونات.
و الحاصل أن العمل بالظن من باب الاحتياط لا يخرج المشكوكات عن حكم الاحتياط الكلي الثابت بمقتضى العلم الإجمالي في الوقائع.
نعم لو ثبت بحكم العقل أنّ الظن عند انسداد باب العلم مرجع في الأحكام الشرعية نفيا و إثباتا كالعلم انقلب التكليف إلى الظن، و حكمنا بأن الشارع لا يريد، إلاّ الامتثال الظني، و حيث لا ظن كما في المشكوكات، فالمرجع إلى الأصول الموجودة في خصوصيات المقام، فيكون كما لو انفتح باب العلم أو الظن الخاص، فيصير لزوم العسر حكمه في عدم ملاحظة الشارع العلم الإجمالي في الامتثال بعد تعذر التفصيلي لا علة حتى يدور الحكم مدارها.
و لكن الإنصاف أن المقدمات المذكورة لا تنتج هذه النتيجة كما يظهر لمن راجعها و تأملها، نعم لو ثبت أن الاحتياط في المشكوكات يوجب العسر ثبتت النتيجة المذكورة، لكن عرفت فساد دعواه في الغاية كدعوى أن العلم الإجمالي المقتضي للاحتياط الكلي إنّما هو في موارد الأمارات دون المشكوكات، فلا مقتضى فيها للعدول عما يقتضيه الأصول الخاصة في مواردها، فإنّ هذه الدعوة يكذبها ثبوت العلم الإجمالي بالتكليف الإلزامي قبل استقصاء الأمارات، بل قبل الاطلاع عليها و قد مر تضعيفه سابقا فتأمل فيه فإنّ ادعاء ذلك ليس كل البعيد.
ثمّ إنّ نظير هذا الإشكال الوارد في المشكوكات (1) من حيث الرجوع فيها
الشرح
(1) قد عرفت بعض الكلام في الإشكال الوارد في الرّجوع إلى الأصول اللفظيّة على تقدير كون نتيجة المقدّمات هو التّبعيض في الاحتياط في طيّ المقدّمات، و لكنّك خبير بأنّ توجّه الإشكال على التّقدير المذكور ممّا لا محيص عنه، إلاّ أنّ الكلام في المقام حسبما عرفت مرارا بعد الفراغ عن تماميّة المقدّمات و الإشكال المذكور راجع إلى منع تماميّة المقدّمات المذكورة، فالأولى عدم التّعرض للإشكال المذكور في المقام كالإشكال الأوّل و إن كان لزومه على تقدير عدم بطلان الاحتياط رأسا من أوضح الواضحات، ضرورة عدم التّلازم بين عدم وجوب الاحتياط في خصوص الموهومات دفعا للحرج و خروج المشكوكات عن أطراف العلم الإجمالي الكلّي، فلا يجوز الرّجوع فيها إلى الأصول اللّفظيّة كما لا يجوز الرّجوع فيها إلى الأصول العمليّة، و إلاّ جاز الرّجوع إليهما مع العلم الإجمالي مطلقا و هو خلف، كما أنّ الأولى في تحرير الإشكال أن يقال: إنّه بعد فرض تسليم انسداد باب العلم أو الظّن الخاصّ في أغلب الأحكام لا بدّ من الحكم بسقوط الظّواهر المذكورة عن الظّهور من جهة العلم الإجمالي بإرادة خلاف الظّاهر في كثير منها، و الفرق بينه و بين ما في الكتاب لا يكاد أن يخفى.
ثمّ إنّ توجّه الإشكال المذكور كالإشكال الأوّل مبنيّ على بقاء المشكوكات على حكم الإجمالي الكلّي، و كونها من أطرافها من جهة اندفاع الحرج المانع عن الاحتياط الكلّي بعدم وجوبه في موهومات التّكليف مطلقا أو في قسم منها إذ لو فرض عدم اندفاع الحرج إلاّ بمخالفة الاحتياط الكلّي فيها أيضا، فلا يتوجّه هذا الإشكال كالإشكال الأوّل، إذ لا فرق في الرّجوع إلى الأصول العمليّة و اللّفظيّة في المشكوكات بين خروجها عن أطراف العلم الإجمالي الكلّي من أوّل الأمر و بين دخولها فيها و حكم الشارع بعدم لزوم رعاية حكم العلم الإجمالي فيها للزوم الحرج من مراعاته، إذ المانع من الرّجوع إلى الأصل بقول مطلق سواء كان أصلا
........
الشرح
عمليّا أو لفظيّا ليس في المقام بالفرض، إلاّ العلم الإجمالي، فإذا كان في حكم الشارع بمنزلة عدمه بالنّسبة إلى بعض أطرافه و محتملاته فيترتّب عليه ما كان من أحكامه في نفسه من غير تعلّق علم إجمالي، فكما يرجع إلى الأصل العملي في الفرض المزبور، فكذلك يرجع إلى الأصل اللّفظي، فالإشكال المذكور إنّما يتوجّه على تقدير تسليم اندفاع الحرج بمخالفة الاحتياط في خصوص موهومات التكليف و هي المراد من المظنونات في قوله قدس سره: (فإذا فرضنا رجوع الأمر إلى ترك الاحتياط في المظنونات)، و منه يظهر أنّ عطف قوله: (أو في المشكوكات أيضا على المظنونات) سهو من قلمه الشّريف أو من النّاسخ كما تنادي كلماته المتأخّرة و المتقدّمة، فإنّه قد صرّح قبل ذلك بأنّ توجّه الإشكال الأوّل مبنيّ على اندفاع الحرج بمخالفة الاحتياط في الموهومات فقط، و أنّه لا يتوجّه إذا فرض لزوم الحرج من الاحتياط في المشكوكات، و كذا قرّر الإشكال الثّاني بعد العبارة المذكورة فيما لو فرض اندفاع الحرج بمخالفة الاحتياط في خصوص موارد الأمارات القائمة على نفي التّكليف الإلزامي.
ثمّ إنّ الإشكال الّذي قرّره قدس سره في المقام ينافي ما أفاده قدس سره في هذا المقام عند الكلام في مقدّمات الانسداد، فإنّه صرّح هناك بعدم طروّ الإجمال في ظواهر الكتاب و السّنة القطعيّة و المظنونة بالظّن الخاصّ بعد تسليم انسداد باب العلم، و الظّن الخاصّ في أكثر الأحكام و أنّ إجمالها ليس من مقدّمات دليل الانسداد، و ذكر في بيان الإشكال الثّاني وجها آخر لا تعلّق له بالإشكال الثّاني المذكور في المقام، بل ينافيه جدّا، فإنّه قال هناك ما هذا لفظه: «و تحصل ممّا ذكرنا إشكال آخر أيضا من جهة أنّ نفي الاحتياط بلزوم العسر لا يوجب كون الظّن حجّة ناهضة لتخصيص العمومات الثّابتة و مخالفة سائر الظّواهر الموجودة فيها، و دعوى أنّ باب العلم و الظّن الخاصّ إذا فرض انسداده سقط عمومات
........
الشرح
الكتاب، و السّنة المتواترة، و خبر الواحد الثّابت حجيّته بالخصوص عن الاعتبار للعلم الإجمالي بمخالفة ظواهر أكثرها لمراد المتكلّم، فلا يبقى ظاهر منها على حاله حتّى يكون الظّن الموجود على خلافه من باب المخصّص و المقيّد مجازفة» إلى آخر ما أفاده، فإنّه كما ترى مناف صريح لما أفاده في المقام و إن كان هو الحقّ بالنّسبة إلى ما ذكره هناك، لما عرفت من أنّ منع طروّ الإجمال بالنّسبة إلى الظّواهر لا وجه له بعد فرض تسليم الانسداد مضافا إلى أنّ الظّن الثّابت حجيّته بدليل الانسداد على تقدير تسليم بقاء الظّواهر على حالها ليس في مرتبة الظّواهر، حيث إنّها من الظّنون الخاصيّة، فلا معنى لجعله قرينة لها إلى غير ذلك من المناقشات التي عرفتها ثمّة.
ثمّ إنّ توجه هذا الإشكال الأخير المذكور في المقام على ما صرّح به في قوله و دفع هذا كالإشكال السّابق إلى آخره مبنيّ على ما ذكره من الإشكال في طيّ المقدّمات، و أمّا على تسليم تماميّتها و إنتاجها لحجيّة الظّن بتسليم لزوم الحرج من الاحتياط في المشكوكات، فلا يتوجّه قطعا نظرا إلى ما بني عليه الأمر سابقا من لزوم ترتيب جميع ما يترتّب على الظّن الخاصّ على الظّن المطلق على تقدير حجيّته بناء على كون تعيين المعلومات الإجماليّة، و دفع الإجمال عن الألفاظ الجملة من آثار حجيّة الظّن، فيعود الظّواهر كالعمومات و المطلقات مثلا على حالها قبل العلم الإجمالي بعد قيام الظّن خروج جملة من الأفراد يحتمل انحصار الخارج فيها، فيعمل بها في المشكوكات، بل في قسم ممّا ظنّ بخروجه بناء على الاقتصار في حجيّة الظّن على الظّن القوي من باب الظّن الخاصّ، لا من باب الظّن المطلق و إن كان رفع المانع عن ظهورها الفعلي مستندا إلى الظّن المطلق، و من هنا يعمل بها في موارد الشّك بل مع الظّن بالخلاف على ما عرفت مع كون نتيجة المقدّمات هو اعتبار الظّن الشّخصي حسبما أسمعناك مرارا، كما أنّه مبنيّ على
بعد العمل بالظن إلى الأصول العملية وارد فيها من حيث الرجوع فيها بعد العمل بالظن إلى الأصول اللفظية الجارية في ظواهر الكتاب، و السنة المتواترة، و الأخبار المتيقن، كونها ظنونا خاصة.
توضيحه أن مقدمات دليل الانسداد تقتضي إثبات عدم جواز العمل بأكثر تلك الظواهر للعلم الإجمالي بمخالفة ظواهرها في كثير من الموارد فتصير مجملة لا تصلح للاستدلال.
فإذا فرضنا رجوع الأمر إلى ترك الاحتياط في المظنونات، أو في المشكوكات أيضا و جواز العمل بالظن المخالف للاحتياط و بالأصل المخالف للاحتياط، فما الذي أخرج تلك الظواهر عن الإجمال حتى يصح بها الاستدلال في المشكوكات، إذ لم يثبت كون الظن مرجعا كالعلم بحيث يكفي في الرجوع إلى الظواهر عدم الظن بالمخالفة.
مثلا إذا أردنا التمسك ب أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1)لإثبات صحة عقد انعقدت أمارة كالشهرة أو الإجماع المنقول على فساده، قيل لا يجوز التمسك بعمومه للعلم الإجمالي بخروج كثير من العقود من هذا العموم، لا نعلم تفصيلها.
ثمّ إذا ثبت وجوب العمل بالظن من جهة عدم إمكان الاحتياط في بعض
الشرح
عدم اختصاص الصّوارف للظّواهر المعلومة إجمالا بموارد الأمارات و خروج موارد الشّك عن أطراف العلم الإجمالي الكلّي العامّ الشّامل لموارد الأمارات و غيرها و إن فرض هناك علم إجماليّ في خصوص موارد الأمارات كما يظهر من قوله قدس سره في الجواب عن دعوى الاختصاص: (بأنّ هذا العلم حاصل بملاحظة الأمارات و مواردها) إلى آخر ما أفاده.
1) سورة المائدة: الآية 2.
الموارد، و كون الاحتياط في جميع موارد إمكانه مستلزما للحرج، فإذا شك في صحة عقد لم يقم على حكمه أمارة ظنية، قيل: إن الواجب الرجوع إلى عموم الآية، و لا يخفى أن إجمالها لا يرتفع بمجرد حكم العقل بعدم وجوب الاحتياط فيما ظن فيه بعدم التكليف.
و دفع هذا كالإشكال السابق منحصر في أن يكون نتيجة دليل الانسداد حجية الظن كالعلم، ليرتفع الإجمال في الظواهر لقيامه في كثير من مواردها من جهة ارتفاع العلم الإجمالي، كما لو علم تفصيلا بعض تلك الموارد بحيث لا يبقى علم إجمالا في الباقي، أو يدعى أن العلم الإجمالي الحاصل في تلك الظواهر إنّما هو بملاحظة موارد الأمارات، فلا يقدح في المشكوكات سواء ثبت حجية الظن أم لا.
و أنت خبير بأن دعوى النتيجة على الوجه المذكور يكذبها مقدمات دليل الانسداد و دعوى اختصاص المعلوم إجمالا من مخالفة الظواهر بموارد الأمارات مضعفة بأن هذا العلم حاصل من دون ملاحظة الأمارات و مواردها، و قد تقدم سابقا أن المعيار في دخول طائفة من المحتملات في أطراف العلم الإجمالي لنراعي فيها حكمه، و عدم دخولها هو تبديل طائفة من محتملات المعلوم لها دخل في العلم الإجمالي بهذه الطائفة المشكوك دخولها فإن حصل العلم الإجمالي كانت في أطراف العلم و إلاّ فلا.
و قد يدفع الإشكالان بدعوى (1) قيام الإجماع، بل الضرورة على أن المرجع
الشرح
(1) لا يخفى عليك أنّه قد أجاب قدس سره عن دعوى الإجماع على بطلان الاحتياط في المشكوكات، و الرّجوع إلى الأصول فيما تقدّم من كلامه في طيّ الإشكال على مقدّمات الانسداد بعد الاعتراف بكون وجوده مظنونا بالظّن القوي
في المشكوكات إلى العمل بالأصول اللفظية إن كانت، و إلاّ فإلى الأصول العملية.
و فيه أن هذا الإجماع مع ملاحظة الأصول في أنفسها، و أمّا مع طرو العلم الإجمالي بمخالفتها في كثير من الموارد غاية الكثرة، فالإجماع على سقوط
الشرح
الاطمئناني، كما يظهر من كلماتهم في وجه عدم جواز الرّجوع إلى البراءة عند التمسّك لحجيّة خبر الواحد بالحاجة إليه بأنّ مرجع الإجماع قطعيّا كان أو ظنيّا على الرّجوع إلى الأصول في المشكوكات إلى الإجماع على وجود الحجّة الكافية في الفقه، حتّى يعين بمعونتها المعلومات الإجماليّة شرعا، فيصير المشكوكات مجاري للأصول، فتئول هذه الدّعوى إلى دعوى الإجماع على حجيّة الظّن، فلا تعلّق لهذا بالدّليل العقلي، و هذا كما ترى يغاير ما أفاده في المقام و يمكن جعل كلّ منهما جوابا مستقلاّ فتأمل.
ثمّ إنّ ما أفاده قدس سره بعد الجواب عن الإجماع في مقام تحقّق الفرق و تثبيته بين القول بحجيّة الظّنون الخاصّة بقدر الكفاية و المقام بقوله: (ثمّ إنّ هذا العلم الإجمالي و إن كان حاصلا لكلّ أحد) إلى آخر ما أفاده يراد به كون موارد الظّنون الخاصّة بمنزلة المعلوم بالتفصيل بحكم الشارع نظرا إلى الدّليل القطعيّ القاضي بحجيّتها و جعلها معيّنة للأحكام الواقعيّة، و ترتيب آثار الواقع على مواردها، لا كونها معلومة بالتّفصيل حقيقة، كما ربّما يظهر منه في بادي النّظر فالعمل بمقتضى الظّنون الخاصّة امتثال للأحكام المعلومة بحكم الشارع، و الزّائد على القدر المتيقّن غير معلوم من أوّل الأمر، فلا يمنع احتماله من الرّجوع إلى الأصول في المشكوكات، كما فيما ذكره من المثال في المسألة القطيع.
هذا و قد مضى شطر من الكلام فيما يتعلّق بالمقام في طيّ كلماتنا، فراجع إليه حتّى تقف على حقيقة الأمر.
العمل بالأصول مطلقا لا على ثبوته.
ثمّ إنّ هذا العلم الإجمالي و إن كان حاصلا، لكن أحد قبل تمييز الأدلة عن غيرها، إلاّ أن من تعينت له الأدلة، و قام الدليل القطعي عنده على بعض الظنون عمل بمؤداها، و صار المعلوم بالإجمال عنده معلوما بالتفصيل، كما إذا نصب أمارة طريقا لتعيين المحرمات في القطيع الذي علم بحرمة كثير من شياهها، فإنّه يعمل بمقتضى الأمارة، ثم يرجع في مورد فقدها إلى أصالة الحل لأنّ المعلوم إجمالا صار معلوما بالتفصيل و الحرام الزائد عليه غير معلوم التحقق في أول الأمر.
و أمّا من لم يقم عنده الدليل على أمارة، إلاّ أنّه ثبت له عدم وجوب الاحتياط و العمل بالأمارات، لا من حيث إنّها أدلة، بل من حيث إنها مخالفة للاحتياط، و ترك الاحتياط فيها موجب لاندفاع العسر، فلا دافع لذلك العلم الإجمالي لهذا الشخص بالنسبة إلى المشكوكات.
فعلم ممّا ذكرنا أن مقدمات دليل الانسداد على تقرير الحكومة (1) و إن
الشرح
(1) قد علم ممّا ذكرنا أنّ ما أفاده في تحقيق المقام من كون المقدّمات منتجة على تقرير الحكومة للتّبعيض في الاحتياط، و وجوب الاقتصار في مخالفته على الظّن القوي القائم على نفي التّكليف و هو المراد بتماميّتها في الإنتاج، و عدم كون النّتيجة حجيّة الظّن بخلاف تقرير الكشف المنتج للحجيّة و إن كان فاسدا، لا تعلّق له بتقرير الحكومة أصلا على ما عرفت شرحه من كلماته، فإنّ نتيجة المقدّمات على هذا الإشكال هو التّبعيض في الاحتياط لا حجيّة الظّن.
اللّهم إلاّ أن يريد من تقرير الحكومة في المقام تعيين العقل لموارد طرح الاحتياط في ضمن موهومات التّكليف مطلقا أو قسم خاص منها، فإنّك قد عرفت أنّ المعيّن لموارد الطّرح في ضمن الموهومات ليس إلاّ العقل، فإذا كان له دخل
كانت تامة في الإنتاج، إلاّ أن نتيجتها لا تفي بالمقصود من حجية الظن و جعله كالعلم أو كالظن الخاص.
و أمّا على تقرير الكشف فالمستنتج منها و إن كان عين المقصود، إلاّ أن الإشكال و النظر، بل المنع في استنتاج تلك النتيجة.
فإنّ كنت تقدر على إثبات حجية قسم من الخبر لا يلزم من الاقتصار عليه محذور كان أحسن و إلاّ فلا تتعد على تقرير الكشف عمّا ذكرناه من المسلك في آخره و على تقدير الحكومة ما بينا هنا أيضا من الاقتصار في مقابل الاحتياط على الظن الاطمئناني بالحكم أو بطريقية أمارة دلّت على الحكم و إن لم تفد اطمئنانا، بل و لا ظنا بناء على ما عرفت من مسلكنا المتقدم من عدم الفرق بين الظن بالحكم و الظن بالطريق.
و أمّا في ما لا يمكن الاحتياط، فالمتبع فيه بناء على ما تقدم في المقدمات من سقوط الأصول عن الاعتبار للعلم الإجمالي بمخالفة الواقع فيها هو مطلق
الشرح
فالمرجع إلى حكمه في متابعة الظّن بعدم التّكليف في مخالفة الاحتياط اللاّزم بمقتضى العلم الإجمالي فهو الحاكم في هذه المسألة فتدبّر.
ثمّ إنّ ما ذكرنا من أوّل هذا الأمر إلى آخره في الشّبهات الحكميّة على ما يقتضيه التّحقيق من وجوب الاقتصار في مخالفة الاحتياط اللاّزم على قدر ما يندفع به الضّرورة فيما كانت هناك ضرورة قاضية بمخالفته و تعيّن اختيار الموهوم من محتملات العلم الإجمالي إذا لم يكن هناك دليل على بطلان الاحتياط رأسا و وجوب الأخذ بالظّن القوي إذا كان هناك دليل عليه جار في الشّبهات الموضوعيّة أيضا، مع العلم الإجمالي حرفا بحرف و يساعده كلماتهم في جملة من جزئيّات هذا الكلّي، كما يظهر للمتصفّح فيها و سنشير إلى بعضها، و ليكن هذا في ذكر منك عسى ينفعك فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.
الظن إن وجد، و إلاّ فالتخيير، و حاصل الأمر عدم رفع اليد عن الاحتياط في الدين مهما أمكن إلا مع الاطمئنان بخلافه.
و عليك بمراجعة ما قدمنا من الأمارات على حجية الأخبار عساك تظفر فيها بأمارات توجب الاطمئنان بوجوب العمل بخبر الثقة عرفا إذا أفاد الظن و إن لم يفد الاطمئنان، بل لعلك تظفر فيها بخبر مصحح بعدلين مطابق لعمل المشهور مفيد للاطمئنان يدلّ على حجية المصحح بواحد عدل نظرا إلى حجية قول الثقة المعدل في تعديله فيصير بمنزلة المعدل بعدلين، حتى يكون المصحح بعدل واحد متبعا بناء على دليل الانسداد بكلا تقريريه، لأنّ المفروض حصول الاطمئنان من الخبر القائم على حجية قول الثقة المعدل المستلزم لحجية المصحح بعدل واحد بناء على شمول دليل اعتبار خبر الثقة للتعديلات، فيقضي به تقرير الحكومة، و كون مثله متيقن الاعتبار من بين الأمارات فيقضي به تقرير الكشف.
أمّا العقل 7
في بيان دعوى العلم الإجمالي بصدور أكثر ما بأيدينا من الأخبار 7
في أن متعلق العلم الإجمالي ما لم يعلم بصدوره من الأخبار 12
في أن تعيين العمل بخصوص مظنون الصدور مبني على زعمه غير واحد 14
في أن إطاعة النبي و الوصي إنما تجب من حيث إنها إطاعة اللّه سبحانه 15
في أن العلم الإجمالي مختص بموارد الأخبار أم لا 17
بعض الكلام في الجواب الثاني و الثالث 21
في أن لازم حجية الخبر على الوجه المذكور عدم معارضته للدليل الموجود في المسألة 22
في أن معنى حجية الخبر إثبات مدلوله 24
نقل كلام الشيخ محمد تقي في الحاشية 25
في أن كلام المحقق المحشي مشتبه المراد 29
في الأدلة على حجية الظن من غير خصوصية للخبر 35
نقل كلام الشيخ في العدة في مسألة الضرر و ما يتوجه عليه 36
في بيان المراد من تحريم تعريض النفس للمهالك و المضار 38
في أن المراد من العقاب هنا ليس هو انحطاط المرتبة 40
في أن ما أفاده في تضعيف الوجه الثاني مبني على أن مفاد الدليل هو الاحتياط لا الحجية 41
في أن قصر الإطاعة و المعصية على العلم و الظن محل مناقشة 44
في أن موضوع حكم العقل بوجوب الدفع هو الضرر غير المتدارك 47
في أن النهي عن العمل بالظن قد يكون من باب الطريقية و قد يكون من باب الموضوعية 48
في نقل ما أفاده المصنف في الحاشية في مسألة الضرر و بسط القول فيه 51
فيما يتعلق بالحاشية من التحقيق الذي حققه الأستاذ العلام دام ظله العالي 54
بعض الكلام في الضرر الدنيوي 59
في أن حكم العقل في الضرر الدنيوي يكشف عن حكم شرعي مولوي 59
في أنه لو تعلق الظن بالضرر من جهة الظن بالحرمة 61
في بيان ما هو المراد من حجية الظن التي أريد إثباتها في المقام بقاعدة دفع الضرر 64
في أن مفاد القاعدة بعد الإغماض ليس إلا وجوب الاحتياط 66
في وجه أمره بالتأمل 66
في الدليل الثاني من أدلة حجية مطلق الظن 67
في الكلام في قاعدة ترجيح الراجح على المرجوح 70
في الدليل الثالث فيما حكاه عن أستاذه السيد الطباطبائي قدس سرهما 71
في أن الدليل المذكور راجع إلى دليل الانسداد 72
في الدليل الرابع المعروف بدليل الانسداد 73
في الإشارة الفرق بين الاحتياط و سائر الأصول 75
في أنه لا حاجة إلى إثبات انسداد باب العلم في أغلب الأحكام 77
في المقدمة الثانية من مقدمات الانسداد 80
في أنه يستحيل اجتماع العلم الإجمالي مع الظن الشخصي بالخلاف 87
فيما يتوجه على كلام المحقق القمي في المقام 90
في بيان ما هو مرجع دعوى الإجماع في المقام 92
في عدم جريان أصالة البراءة في الوضعيات 94
في أن أصل العدل ليس أصلا مستقلا في قبال الاستصحاب 95
في المقدمة الثالثة من مقدمات الانسداد 97
في أن بطلان الاحتياط أم مسلم عندهم 97
في أن كلام المورد مشتبه المراد 101
في أن قاعدة نفي الحرج في غير ما يوجب الاختلال قاعدة ظنية 102
في أنه لا يمكن الظن بما يوافق الاحتياط في جميع الوقائع 103
في أن ما ذكره في وجه الإمكان مبني على كون النتيجة حجية الظن بالمعنى الأعم 107
في الفرق بين حجية الظن و العمل به بعنوان الاحتياط 108
في بيان وضوح فساد التعارض المتوهم في المقام 110
في أن المنفي بأدلة نفي الحرج هو الحكم الشرعي لا العقلي 112
في بيان فساد الوجهين المذكورين 112
في بيان ما حققه المتكلمون في وجه اعتبار معرفة الوجه و قصده 116
في أن ما حققه المتكلمون لا ينتج تعين قصد الوجه 117
في التعرض لما أفاده المصنف قدس سره في مسألة معرفة الوجه و قصده 118
في المناقشة في السيرة التي تمسك بها المصنف 120
في أن الحكم بوجوب المعرفة ظاهرا مبني على جريان الاشتغال في خصوص المسألة 121
في توضيح الجواب الرابع الذي أفاده قدس سره 125
في الإشكال الذي تفرد به المصنف من أن نتيجة الدليل على تقدير التمامية ليست إلا التبعيض في الاحتياط 127
في الفرق بين حجية الظن و التبعيض في الاحتياط 128
في أن لازم الظن ببطلان الاحتياط الظن بأن المرجع هي الأصول بمقتضى شك نفس المسألة 132
في أن مرجع الإجماع على الرجوع إلى الأصول إلى الإجماع على حجية مطلق الظن 133
في الإعضال الذي لا محيص عنه و هو أن النتيجة ليست إلا التبعيض في الاحتياط دون الحجية 134
في بيان ما يوجب إجمال الخطابات من الوجوه و الاحتمالات 138
في أن ما أفاده في مجاري الأصول لا يخلو عن الاضطراب 141
في بيان عدم جواز الرجوع إلى الأصول النافية للمقام 142
في بيان عدم شمول أدلة التقليد للمقام 144
في بيان المقدمة الرابعة من مقدمات الانسداد 146
في دفع ما رامه بعض من الاعتراض على كل واحد من المقدمات 148
في أنه لا تنافي بين ثبوت التكليف بالواقع و كفاية الظن 150
في بيان الجواب الحلي عن الإشكال المذكور 151
الكلام في تنبيهات باب الانسداد 153
في شرح القول في التنبيه الأول من تنبيهات دليل الانسداد 154
في أن تعميم النتيجة كما يستفاد من كلام جماعة مما يحكم به ضرورة العقل 154
في نقل كلام صاحب الفصول في مسألة الظن في الطريق 156
في توضيح مرام صاحب الفصول من كلامه المذكور 158
في أن لازم الاستدلال المذكور الالتزام بأمور و إثباتها 161
فيما يرد على الاستدلال بحجية خصوص الظن في الطريق من الاعتراضات 164
في بقية الجواب عن الاستدلال المتقدم 168
في أن قول المصنف و كذا لو كان مخالفا للاستصحاب محتمل للأمرين 171
في بيان وجه أمره بالتأمل 172
في الجواب الخامس من أجوبة استدلال صاحب الفصول 173
في بيان الفرق بين الحرج البالغ حد الاختلال و دونه 175
في بيان أن الفرق بين المثالين المذكورين في المتن و بين المقام من وجهين 178
في أن الحق جواز عمل القاضي يعلمه 181
في أن مجرد أغلبية الظنون الخاصة لا يوجب مطلقا حتى في زمان الانفتاح 183
في أنه لا ريب في عدم يعلق السؤال المذكور بكلام المستدل 185
في أن مجرد ملاحظة المصلحة في الأمر بالطريق لا يوجب رفع اليد عن الواقع 187
نقل كلام المحقق المحشي فيما يتعلق بالظن في الطريق 189
في الجواب عن كلام المحقق المذكور 190
في بقية الجواب الثاني عن دليل المحقق المحشي قدس سره 192
في الجواب الثالث عن ذلك 193
نقل بقية كلام المحقق المحشي مما لم المصنف قدس سره 196
فيما يرد على ما أفاده المحقق المحشي من الأبحاث و الإيرادات 200
أمّا أولا 200
و أمّا ثانيا 202
في توضيح ما أفاده دام ظله في الجواب عن كلام المحقق المحشي 203
في أنه لا محصل لما أفاده من أن الظن بالطريق ظن بالبراءة دون الظن بالواقع 206
و أمّا رابعا 207
نقل كلام بعض الأفاضل في أن خبر الثقة لا يفيد العلم بالواقع 209
في أن سلوك الطريق لا يوجب رفع الواقع عند المخالفة 214
في الوجوه الأخير التي تمسك بها المحقق المحشي قدس سره 214
في بيان فساد الوجه المذكور 216
في نقل بقية كلام المحقق المحشي في الحاشية 218
فيما يرد على كلامه المذكور 219
في نقل سائر الوجوه التي قد استند إليها المحقق المحشي في الحاشية 220
في شرح القول في التنبيه من تنبيهات دليل الانسداد 235
في أنه كيف يمكن الحكم بحجية مطلق الظن في غير الأحكام الإلزامية 236
في أنه قد يقرر دليل الانسداد في كل مسألة و قد يقرر في مجموع المسائل 237
في أن استظهار الوجه المذكور إنما كان من بعض كلمات المحقق القمي قدس سره 239
في الإشارة إلى بطلان إجراء دليل الانسداد في كل مسألة 241
في بيان المراد من تقرير الكشف و تقرير الحكومة 242
في أن ما أفاده المصنف قدس سره في التقريرين لا يخلو عن مناقشة و نظر 244
في أن حكم العقل في المقام له نظير حكمه في الإطاعة و المعصية إرشادي لا مولوية 244
في أن عموم النتيجة من حيث الموارد مشترك بين التقريرين 248
في التعميم من حيث الأسباب و المراتب 251
في التعميم من حيث الأسباب و المراتب 256
في ذكر ما هو عمدة المعممات على تقرير الكشف و أنه يتوقف على ثبوت الدين 259
في أن تيقن الاعتبار هل يصلح لرفع الإهمال و تعيين النتيجة أم لا 262
نقل كلام المحقق المحشي مما يتعلق بالمقام 263
في أنه بعض كلمات المحقق المذكور لا يخلو عن مناقشة و نظر 266
في الإشارة إلى ما توهم هنا من الوهمين و الجواب عنهما 269
في أن كون القوة معينة مبني على ما لا يخلو عن مناقشة كما تقدم 271
في أن تدارك ما فات عن الواقع بسلوك الأمارة إنما هو في بعض الموارد 273
في أن الظن كالعلم قد يكون تفصيليا و قد يكون إجماليا 275
في أنه إذا فرض كفاية المتيقن اعتباره فلا يسلم العلم الإجمالي بمصروفيته عن ظاهره 277
في الاعتراض على المناقشة التي ذكرها المصنف قدس سره 279
في أن العقل لا يحكم إلا بلزوم دفع العقاب و الضرر 280
في أن مطلق الظن لا يصلح للترجيح و تعيين النتيجة المهملة 283
في أن ما ذكر قياس مغالطي خال عن التحقيق 285
في أنه على تقرير الحكومة لا فرق بين مظنون الاعتبار و غيره 287
نقل كلام الفاضل النراقي 288
نقل كلام آخر للمحقق النراقي ثم الاعتراض عليه 289
نقل كلام الفاضل النراقي في العوائد على طوله و بسطه 293
في الإشارة إلى بعض ما يتوجه على كلام الفاضل المذكور 295
في الفرق بين الترجيح بلا مرجح في مقام الإيجاد و بينه في مقام التشريع 297
في وجوه رد ما زعمه الأشعري من جواز الترجيح بلا مرجح 298
فيما يتعلق بسائر الوجوه غير الوجه الأول 299
في المناقشة على ما ذكره بعض من أن مرجع تعيين المهملة بمطلق الظن إلى كون مظنون الاعتبار متيقنا 301
في حكم الأولوية و الاستقرار الظنين 309
في تضعيف إلحاق الأولوية و الاستقراء الظنيين بالقياس المحرم 311
في شرح القول في تعيين المهملة بالظن في الجملة 313
في شقوق الظنون القائمة على المسألة الأصولية و بيان أحكامها 314
في أن ما حرّره المصنف قدس سره غير نقي عن المناقشات 315
في تطبيق عبارات المصنف على التحرير المختار 316
في شرح القول في الوجه الثاني من طرق التعميم الذي سلكه غير واحد من المعاصرين 322
في المعمم الثالث الذي ذكره شريف العلماء و أنه يتوجه عليه أمران لا مدفع لهما 327
في تقرير الإشكال الوارد على القائلين بحجية مطلق الظن من غير فرق بين تقريري الكشف و الحكومة 329
في أن ما أفاده المصنف قدس سره رجوع إلى الإشكال بالتبعيض في الاحتياط 334
في بيان ما ينبغي أن يجعل وجهها لاختصاص النتيجة بالظن الاطمئناني مع تقرير الحكومة 335
في أن كلماته قدس سره منطبقة على التحقيق المذكور 336
في ثبوت الفرق بين العمل بالظن بعنوان الحجية و بينه بعنوان التبعيض في الاحتياط 338
في أنه بناء على التبعيض في الاحتياط أيضا لا فرق بين المسألة الأصولية الفرعية 339
في توضيح ما تقدم من الفرق بين الرجوع إلى الظن بعنوان الحجية و الرجوع إليه بعنوان التبعيض في الاحتياط من حيث الآثار 346
في نظير الإشكال الوارد على الرجوع إلى الأصول العملية وارد على الرجوع إلى الأصول اللفظية 346
في أن تقرير المصنف قدس سره للإشكال المذكور هنا ينافي تقريره له سابقا 351
في أن مسألة التبعيض في الاحتياط لا ربط لها بتقرير الحكومة كما تقدم 356
في تعميم الظن على تقرير الكشف أو على تقرير الحكومة 357