ghaemiyeh.com
سرشناسه :طوسي، محمدبن حسن، ق460 - 385
عنوان و نام پديدآور :التبيان في تفسير القرآن/ تاليف ابي جعفر محمدبن الحسن الطوسي؛ قدم له آغا بزرگ الطهراني؛ تحقيق احمد حبيب قصير العاملي
مشخصات نشر :بيروت : احياآ التراث العربي ، [ 19م. = 14ق. = ]13.
مشخصات ظاهري :ج10
وضعيت فهرست نويسي : فهرستنويسي قبلي
يادداشت :كتابنامه
موضوع :تفاسير شيعه -- قرن ق5
شناسه افزوده :عاملي، احمد حبيب قصير، محقق
رده بندي كنگره : BP94/ط9ت2 ي الف1300
شماره كتابشناسي ملي : م81-24585
وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83)
آية بلا خلاف.
هذا وصف للذين آمنوا من هؤلاء النصارى الذين ذكرهم اللَّه أنهم أقرب مودة للمؤمنين بأنهم إذا سمعوا ما أنزل اللَّه من القرآن يتلى «تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ» يعني من آمن من هؤلاء النصارى. قال الزجاج و أبو علي: تقديره و منهم إذا سمعوا و لم يذكر (منهم) لدلالة الكلام عليه و ما وصفهم به فيما بعده. و فيض العين من الدمع امتلئوها منه سيلًا و منه فيض النهر من الماء و فيض الإناء، و هو سيلانه عن شدة امتلاء، و منه قول الشاعر:
ففاضت دموعي فظل الشؤو ن إما و كيفاً و إما انحدارا (1)
و خبر مستفيض أي شائع، و فاض صدر فلان بسره، و أفاض القوم من عرفات الى منى إذا دفعوا، و أفاض القوم في الحديث إذا اندفعوا فيه، و الدمع الماء الجاري من العين و يشبه به الصافي، فيقال دمعة. و المدامع مجاري الدمع و شجة دامعة تسيل دماً.
و قوله «مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ» أي مما علموه من صدق النبي و صحة ما أتى به «يَقُولُونَ رَبَّنا» في موضع الحال، و تقديره قائلين «ربنا آمنا» أي صدقنا بما أنزلت «فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ» قيل في معناه قولان:
أحدهما- فاجعلنا مع الشاهدين فيكون بمنزلة ما قد كتب و دون.
الثاني- فاكتبنا معهم في أم الكتاب و هو اللوح المحفوظ. و (الشاهدين) قال ابن عباس و ابن جريج: مع أمة محمد (ص) الذين يشهدون بالحق من
1) قائله الأعشى. ديوانه: 35.
قوله تعالى «وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ» (1)و قال الحسن: هم الذين يشهدون بالايمان. و قال أبو علي الذين يشهدون بتصديق نبيك و كتابك.
وَ ما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ ما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَ نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84)
آية بلا خلاف.
هذا إخبار عن هؤلاء الذين آمنوا من النصارى بأنهم قالوا: «و ما لنا» قال الزجاج: و هو جواب لمن قال لهم من قومهم معنفين لهم: لم آمنتم.
و قال غيره: قدروا في أنفسهم كأن سائلًا يسألهم عنه، فأجابوا بذلك. و قوله «لا نؤمن» في موضع نصب على الحال، و تقديره أي شيء لنا تاركين للايمان أي في حال تركنا للايمان. و الايمان هو التصديق عن ثقة، لأن الصدق راجع الى طمأنينة القلب بما صدق به. و الحق هو الشيء الذي من عمل عليه نجا، و من عمل على ضده من الباطل هلك. و معنى (من)- هاهنا- قيل في معناه قولان:
أحدهما- تبيين الاضافة التي تقوم مقام الصفة، كأنه قيل: و الجائي لنا الذي هو حق.
و قال آخرون: إنها للتبعيض لأنهم آمنوا بالذي جاءهم على التفصيل.
و وصف القرآن بأنه (جاء) مجاز، كما قيل: نزل، و معناه نزل به الملك، فكذلك جاء به الملك. و يقال: جاء بمعنى حدث نحو «جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ» (2)و جاء البرد و الحر.
و قوله «وَ نَطْمَعُ» فالطمع تعلق النفس بما يقوى أن يكون من معنى
المحبوب، و نظيره الأمل و الرجاء فالطمع يكون معه الخوف أو لا يكون.
«أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ» معناه أن يدخلنا معهم الجنة. و الصالح هو الذي يعمل الصلاح في نفسه و إذا عمله في غيره فهو مصلح، فلذلك لم يوصف اللَّه تعالى بأنه صالح و وصف بأنه مصلح.
فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (85)
آية بلا خلاف.
معنى «فَأَثابَهُمُ اللَّهُ» جازاهم اللَّه بالنعيم على العمل كما أن العقاب الجزاء بالعذاب على العمل و أصل الثواب الرجوع. و منه قوله «هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ» (1)أي هل رجع اليهم جزاء عملهم. و قوله «بِما قالُوا» يعني قولهم «رَبَّنا آمَنَّا» و قوله «جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» إنما ذكرها بلفظ الجمع و إن كانت هي جنة الخلد، لأنها جنة فيها جنات أي بساتين، و تذكر بالجمع لتبين عن اختلاف صورها و أحوال أشجارها و أنهارها و وجوه الاستمتاع بها، و وجه آخر: هو أن يكون جمعها مضافاً اليهم كما يقال لهم جنة الخلد إلا أنها مرة تذكر على طريق الجنس، و مرة على غير طريق الجنس. و قوله «وَ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ» (ذلك) إشارة الى الثواب.
و الإحسان هو إيصال النفع الحسن الى الغير، و ضده الاساءة، و هي إيصال الضرر القبيح اليه، و ليس كل من كان من جهته إحسان فهو محسن مطلقاً، فالمحسن فاعل الإحسان الخالي مما يبطله، كما أن المؤمن هو فاعل الايمان الخالص مما يحبطه، و عندنا لا يحتاج الى شرط خلوه مما يبطله، لأن الإحباط عندنا باطل، لكن يحتاج أن يشرط فيه أن يكون خالياً من وجوه
1) سورة 83 المطففين آية 36.
القبح. و قوله «وَ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ» و إن كان مطلقاً فهو مقيد في المعنى بالمحسنين الذين يجوز عليهم الوعد بالنفع، لأنه وعد به، ألا ترى أن اللَّه تعالى يفعل الإحسان و إن كان لا يصح عليه الثواب لأنه مضمن بمن يجوز عليه المنافع و المضار فجزاؤه هذه المنافع العظام دون المضار، لأنه خرج مخرج استدعاء العباد الى فعل الإحسان.
وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (86)
آية بلا خلاف.
لما كان أهل الكتاب فريقين أحدهما آمنوا، و الثاني كفروا، و ذكر الوعد للمؤمنين منهم اقتضى أن يذكر الوعيد لمن كفر منهم و أطلق اللفظ ليكون لهم و لكل من جرى مجراهم، و إنما شرط في الوعيد على الكفر بالتكذيب بالآيات و إن كان كل واحد، منهما يستحق به العقاب، لأن صفة الكفار من أهل الكتاب أنهم يكذبون بالآيات، فلم يصلح- هاهنا- لو كذبوا لأنهم قد جمعوا الأمرين، و لأن دعوة الرسول (ص) بوعيد الكفار ظاهرة مع مجيء القرآن به في نحو قوله «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ» (1)فلم يقع فيه اشكال لهذا. و قوله «أُولئِكَ» يعني هؤلاء الكفار.
و «أَصْحابُ الْجَحِيمِ» يعني الملازمون لها، كقولك أصحاب الصحراء و ليس كمثل أصحاب الأموال، لأن معنى ذلك ملاك الأموال. و ليس من شرط المكذب أن يكون عالماً أن ما كذب به صحيح بل إذا اعتقد أن الخبر كذب سمي مكذباً، و إن لم يعلم أنه كذب، و إنما يستحق الذم، لأنه جعل
1) سورة 4 النساء آية 47، 116.
له طريق الى أن يعلم صحة ما كذب به. و «الجحيم» النار الشديدة الإيقاد و هو اسم من أسماء جهنم و يقال: جحم فلان النار إذا شدد إيقادها، و يقال أيضاً لعين الأسد: جحمة لشدة إيقادها، و يقال ذلك للحرب أيضاً قال الشاعر:
و الحرب لا تبقى لجا حمها التخيل و المراح
إلَّا الفتى الصبار في النج دات و الفرس الوقاح (1)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87)
آية بلا خلاف.
هذا خطاب للمؤمنين خاصة نهاهم اللَّه أن يحرموا طيبات ما أحل اللَّه لهم.
و التحريم هو العقد على ما لا يجوز فعله للعبد، و التحليل حل ذلك العقد، و ذلك كتحريم السبت بالعقد على أهله، فلا يجوز لهم العمل فيه، و تحليله تحليل ذلك العقد بأنه يجوز لهم الآن العمل فيه. و الطيبات اللذيذات التي تشتهيها النفوس و تميل اليها القلوب. و يقال: طيب بمعنى حلال. و تقول:
يطيب له كذا أي يحل له، و لا يليق ذلك بهذا الموضوع، لأنه لا يقال:
لا تحرموا حلال ما أحل اللَّه لكم.
و الذي اقتضى ذكر النهي عن تحريم الطيبات- على ما قال ابن عباس و مجاهد و أبو مالك و قتادة و ابراهيم- حال الرهبان الذين حرموا على أنفسهم المطاعم الطيبة و المشارب اللذيذة و حبسوا أنفسهم في الصوامع و ساحوا في الأرض، و حرموا النساء، فهمَّ قوم من الصحابة أن يفعلوا مثل ذلك، فنهاهم اللَّه عن ذلك. و قال أبو علي: نهوا أن يحرموا الحلال من الرزق بما يخلطه من الغصب. و اختار الرماني الوجه الأول، لأن أكثر المفسرين عليه.
1) انظر 2: 438 من هذا الكتاب.
و قال السدي: نهاهم اللَّه عما همَّ به عثمان بن مظعون من جب نفسه.
و قال عكرمة: هو ما همَّت به الجماعة: من تحريم النساء و الطعام و اللباس و النوم.
و قال الحسن: لا تعتدوا الى ما حرم عليكم و هو أعم فائدة. و الاعتداء مجاوزة حد الحكمة الى ما نهى عنه الحكيم، و زجر عنه إما بالعقل أو السمع، و هو تجاوز المرء ماله الى ما ليس له. و قوله «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» معناه يبغضهم و يريد الانتقام منهم و انما ذكره على وجه النفي لدلالة هذا النفي على معنى الإثبات إذ ذكر في صفة المعتدين، و كأنه قيل يكفيهم في الهلاك ألا يحبهم اللَّه.
وَ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)
آية اجماعاً.
سبب نزول هذه الآية و التي قبلها على ما
قال عكرمة و أبو قلابة و أبو مالك و ابراهيم و قتادة و السدي و ابن عباس و الضحاك: إن جماعة من الصحابة منهم علي (ع) و عثمان بن مظعون و ابن مسعود و عبد اللَّه بن عمر، همَّوا بصيام الدهر و قيام الليل، و اعتزال الناس وجب أنفسهم و تحريم الطيبات عليهم. فروي أن عثمان بن مظعون قال أتيت النبي (ص) فقلت: يا رسول اللَّه ائذن لي في الترهب فقال: (لا إنما رهبانية أمتي الجلوس في المسجد و انتظار الصلاة بعد الصلاة) فقلت: يا رسول اللَّه أ تأذن لي في السياحة قال: (سياحة أمتي الجهاد في سبيل اللَّه) فقلت: يا رسول اللَّه أ تأذن لي في الاختصاء فقال:
(ليس منا من خصا و اختصا إنما اختصاء أمتي الصوم).
و قوله «و كلوا» لفظه لفظ الأمر و المراد به الاباحة أباح اللَّه تعالى
للمؤمنين أن يأكلوا مما رزقهم حلالًا طيباً، فالرزق هو ما للحي الانتفاع به و ليس لغيره منعه منه. و قال الرماني: الرزق هو العطاء الجاري في الحكم و من ذلك قيل: رزق السلطان الجند إذا جعل لهم عطاء جارياً في حكمه في كل شهر أو في كل سنة. قال الرماني: و كلما خلقه اللَّه في الأرض مما يملك، فهو رزق العباد في الجملة بدلالة قوله «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» (1)و لولا ذلك لجوزنا أن يكون منه ما ليس للانس إلا أنه و إن كان رزقاً لهم في الجملة فتفصيل قسمته على ما يصح و يجوز من الأملاك، و لا يجوز أن يكون الرزق حراماً، لأن اللَّه منع منه بالنهي، فاما البغاة فيرزقون حراماً إذا حكموا بأن المال للعبد، و هو مغصوب لا يحل، قال و ما افترسه السبع رزق له بشرط غلبته عليه كما أن غنيمة المشركين رزق لنا بشرط غلبتنا عليها، لأن المشرك يملك ما في يده، فإذا غلبنا عليه بطل ملكه، و صار رزقاً لنا في هذه الحال، قال: و قد أمرنا بأن نمنعه من الإنسان مع الإمكان، و أذن لنا أن نمنعه من غيره من نحو الميتة و الوحش إن شئنا و يسقط جميع ذلك في حال التعذر علينا.
و عندي أنه لا يجب أن يطلق أن ما يغلب عليه السبع رزق له بل إنما نقول: إن رزقه ما ليس لنا منعه منه فأما مالنا منعه منه إما بأن يكون ملكاً لنا أو أذن لنا فيه، فلا يكون رزقاً له بالإطلاق، و قد يسلط اللَّه السبع على بعض المشركين فيكون رزقاً له و عقاباً للمشرك، و الأصل فيه قوله تعالى «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها» (2)فمفهوم هذا أنه رزقه بشرط الغلبة عليه.
فان قيل: إذا كان الرزق لا يكون إلا حلالًا فلم قال: (حلالًا)؟
قيل: ذكر ذلك على وجه التأكيد كما قال «وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً» (3)
و قد أطلق في موضع آخر على جهة المدح «وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ» (1).
و قوله: «وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ» استدعاء الى التقوى بألطف الاستدعاء، و تقديره أيها المؤمنون باللَّه لا تضيعوا ايمانكم بالتقصير في التقوى فيكون عليكم الحسرة العظمى و اتقوا تحريم ما أحله اللَّه لكم في جميع معاصيه من أنتم به تؤمنون و هو اللَّه تعالى.
و أصل الصفة التعريف ثم يخرج الى غير ذلك من المدح و الذم و غير ذلك من المعاني التي تحسن في مخرج الصفة، فلذلك قال الذي «أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ» و في هاتين الآيتين دلالة على كراهة التخلي و التفرد و التوحش و الخروج عما عليه الجمهور في التأهل و طلب الولد و عمارة الأرض.
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَ احْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89)
آية بلا خلاف.
قرأ «عاقدتم» بالألف ابن عامر، و «عقدتم» بلا ألف مع تخفيف القاف حمزة و الكسائي و أبو بكر عن عاصم. و الباقون بالتشديد. و منع من القراءة بالتشديد الطبري، قال: لأنه لا يكون إلَّا مع تكرير اليمين و المؤاخذة تلزم من غير تكرير بلا خلاف. و هذا ليس بصحيح لان تعقيد
1) سورة 2 البقرة آية 3. [.....]
اليمين إن يعقدها بقلبه و لفظه و لو عقد عليها في أحدهما دون الآخر لم يكن تعقيداً، و هو كالتعظيم الذي يكون تارة بالمضاعفة و تارة بعظم المنزلة. و قال أبو علي الفارسي من شدد احتمل أمرين:
أحدهما- أن يكون لتكثير الفعل لقوله «وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ» مخاطباً الكثرة، فهو مثل «وَ غَلَّقَتِ الْأَبْوابَ» (1).
و الآخر أن يكون (عقد) مثل (ضعف) لا يراد به التكثير، كما أن (ضاعف) لا يراد به فعل من اثنين. و قال الحسين بن علي المغربي: في التشديد فائدة، و هو أنه إذا كرر اليمين على محلوف واحد فإذا حنث لم يلزمه إلا كفارة واحدة. و في ذلك خلاف بين الفقهاء. و الذي ذكره قوي.
و من قرأ بالتخفيف جاز أن يريد به الكثير من الفعل و القليل إلا ان فعَّل يختص بالكثير كما أن الركبة تختص بالحال التي يكون عليها الركوب، و قالوا: عقدت الحبل و العهد و اليمين عقداً ألا ترى أنها تتلقى بما يتلقى به القسم، قال الشاعر:
قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم (2)
و يقال: أعقدت العسل فهو معقد و عقيد. و حكى أبو إسحاق عقدت العسل. و الأول أكثر.
فأما قراءة ابن عامر فيحتمل أمرين:
أحدهما- ان يكون عاقدتم يراد به عقدتم كما أن (عافاه اللَّه) و (عاقبت اللص) و (طارقت النعل) بمنزلة فعلت. و يحتمل أن يكون أراد فاعلت الذي يقتضي فاعلين فصاعداً، كأنه قال يؤاخذكم بما عاقدتم عليه اليمين، و لما كان عاقد في المعنى قريباً من عاهد عدَّاه ب (على) كما يعدى عاهد بها. قال اللَّه تعالى «وَ مَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ» (3)و التقدير يؤاخذكم بالذي عاقدتم
عليه، ثم قال: عاقدتموه الايمان فحذف الراجع. و يجوز أن يجعل (ما) مع الفعل بمنزلة المصدر فيمن قرأ عقدتم بالتخفيف و التشديد، فلا يقتضي راجعاً كما لا يقتضيه في قوله «وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ» (1).
و قيل في سبب نزول هذه الآية قولان:
أحدهما- قال ابن عباس: إن القوم لما حرموا الطيبات من المآكل و المناكح و الملابس حلفوا على ذلك فنزلت الآية.
و
قال ابن زيد نزلت في عبد اللَّه بن رواحة كان عنده ضيف فأخرت زوجته عشاه فحلف لا يأكل من الطعام، و حلفت المرأة لا تأكل إن لم يأكل، و حلف الضيف لا يأكل ان لم يأكلا، فأكل عبد اللَّه بن رواحة و اكلا معه، و أخبر النبي (ص) بذلك فقال له: أحسنت. و نزلت هذه الآية.
و اللغو في اللغة هو ما لا يعتد به قال الشاعر:
أو مائة تجعل أولادها لغواً و عرض المائة الجلمد (2)
أي الذي يعارضها في قوة الجلمد يعني بالمائة نوقاً أي لا يعتد به بأولادها.
و لغو اليمين هو الحلف على وجه الغلط من غير قصد مثل قول القائل: لا و اللَّه و بلى و اللَّه على سبق اللسان، هذا هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه (ع)
و هو قول أبي علي الجبائي. و قال الحسن و أبو مالك:
هو اليمين على ما يرى صاحبها أنه على ما حلف و لا كفارة في يمين اللغو عند أكثر المفسرين و الفقهاء. و روي عن ابراهيم أن فيها الكفارة بخلاف عنه.
بين اللَّه تعالى بهذه الآية أنه لا يؤاخذ على لغو الأيمان و أنه يؤاخذ بما عقد عليه قلبه و نواه.
و قوله «فَكَفَّارَتُهُ» (الهاء) يحتمل رجوعها الى أحد ثلاثة أشياء.
أحدها- الى (ما) من قوله بما عقدتم الايمان. الثاني- على اللغو.
الثالث- على حنث اليمين لأنه مدلول عليه. و الأول هو الصحيح، و به قال
الحسن و الشعبي و أبو مالك و عائشة. و قوله «إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ» إنما ذكر بلفظ المذكر تغليباً للتذكير في كلامهم لأنه لا خلاف أنه لو أطعم الإناث لأجزاه، و يحتاج أن يعطي قدر ما يكفيهم. و قد حده أصحابنا أن يعطي كل واحد مدِّين أو مدَّاً، و قدره رطلان و ربع منفرداً، أو يجمعهم على ما هذا قدره ليأكلوه. و لا يجوز أن يعطي خمسة ما يكفي عشرة، و هو قول أبي علي، و فيه خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف.
و هل يجوز إعطاء القيمة؟ فيه خلاف، و الظاهر يقتضي أنه لا يجزى و الروايات تدل على إجزائه، و هو قول أبي علي و أهل العراق. و انما ذكر الكفارة في الآية و لم يذكر التوبة، لان المعنى فكفارته الشرعية كذا. و اما العقاب فلأنه يجوز أن تكون المعصية صغيرة أو كبيرة فلأجل ذلك لم يبين.
و عندنا أن حكم التوبة معلوم من الشرع، فلذلك لم يذكر.
و قوله «مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ» قيل فيه قولان:
أحدهما- الخبز و الأدم دون اللحم، لأن أفضله الخبز و اللحم و التمر، و أوسطه الخبز و الزيت أو السمن، و أدونه الخبز و الملح. و به قال ابن عمر و الأسود و عبيدة و شريح.
الثاني- قيل: أوسطه في المقدار إن كنت تشبع أهلك أو لا تشبعهم، بحسب العسر و اليسر، فبقدر ذلك- هذا قول ابن عباس و الضحاك- و عندنا
يلزمه أن يطعم كل مسكين مدين، و به قال علي (ع)
و عمر و ابراهيم و سعيد بن جبير و الشعبي و مجاهد. و قال قوم:
يكفيه مد- ذهب اليه زيد ابن ثابت و الشافعي و الطبري و غيرهم- و روي ذلك في أخبارنا.
و قوله «أَوْ كِسْوَتُهُمْ» فالذي رواه أصحابنا أنه ثوبان لكل واحد مئزر و قميص، و عند الضرورة قميص، و قال الحسن و مجاهد و عطاء و طاوس و ابراهيم: ثوب. و قوله «أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» فالرقبة التي تجزي في الكفارة
كل رقبة كانت سليمة من العاهة صغيرة كانت أو كبيرة مؤمنة كانت أو كافرة و المؤمنة أفضل، لأن الآية مطلقة مبهمة. و فيه خلاف ذكرناه في الخلاف.
و ما قلناه قول أكثر المفسرين: الحسن و غيره، و معنى فتحرير رقبة عتق رقبة.
و قيل: تحرير من الحرية أي جعلها حرة قال الفرزدق:
ابني عدانة انني حررتكم فوهبتكم لعطية بن جعال (1)
أي أعتقتكم من ذل الهجاء و لزوم العار. و هذه الثلاثة أشياء مخير فيها بلا خلاف و عندنا أنها واجبة على التخيير. و قال قوم إن الواجب منها واحد لا بعينه. و الكفارة قبل الحنث لا تجزي و فيه خلاف.
و قوله «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ» يحتمل رفعه أن يكون بالابتداء و خبره فكفارته، و يجوز أن يكون رفعاً بالخبر، و يكون تقديره فكفارته صيام. و حد من ليس بواجد هو (من ليس عنده ما يفضل عن قوته و قوت عياله يومه و ليلته) و هو قول قتادة و الشافعي. و صوم الثلاثة أيام متتابعة، و به قال ابن كعب و ابن عباس و مجاهد و ابراهيم و قتادة و سفيان و أكثر الفقهاء. و يقويه أنه في قراءة ابن مسعود و أبي «صيام ثلاثة أيام متتابعات».
و قال مالك و الحسن: التتابع أفضل و التفريق يجوز. فاما إذا قال القائل:
إن فعلت كذا فللَّه علي أن أتصدق بمائة دينار، فان هذا نذر عندنا، و عند أكثر الفقهاء،- يلزمه به مائة دينار. و قال أبو علي عليه كفارة يمين- لقوله «ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ» و هو عام في جميع الأيمان. و هذا ليس بيمين عندنا بل هو نذر يلزمه الوفاء به لقوله «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (2)و اليمين على ثلاثة أقسام:
أحدها- عقدها طاعة و حلها معصية، فهذه يتعلق بحنثها كفارة بلا خلاف كقوله: و اللَّه لا شربت خمراً، و لا قتلت نفساً.
الثاني- عقدها معصية و حلها طاعة كقوله: و اللَّه لا صليت و لا صمت، فإذا جاء بالصلاة و الصوم، فلا كفارة عليه- عندنا- و خالف جميع الفقهاء
في ذلك و أوجبوا عليها عليه الكفارة.
الثالث- أن يكون عقدها مباحاً كقوله: و اللَّه لا لبست هذا الثوب فمتى حنث تعلق به الكفارة بلا خلاف. و قوله «ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ» معناه حنثتم.
و قوله «وَ احْفَظُوا أَيْمانَكُمْ» قيل في معناه قولان:
أحدهما- احفظوها أن تحلفوا بها، و معناه لا تحلفوا.
الثاني- احفظوها من الحنث، و هو الأقوى، لأن الحلف مباح إلا في معصية بلا خلاف- و انما الواجب ترك الحنث، و ذلك يدل على أن اليمين في المعصية غير منعقدة، لأنها لو انعقدت للزم حفظها، و إذا لم تنعقد لم تلزمه كفارة على ما بيناه.
و قوله «كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» معناه إن اللَّه يبين لكم آياته و فرائضه كما بين لكم أمر الكفارة لتشكروه على تبيينه لكم أموركم و نعمه عليكم و تسهيله عليكم المخرج من الإثم بالكفارة. فأما إقسام الأيمان و ما ينعقد منها و ما لا ينعقد و شرائطها، فقد بيناها في كتب الفقه مشروحة لا نطول بذكرها الكتاب.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)
آية بلا خلاف.
هذا خطاب للمؤمنين أخبرهم اللَّه تعالى أن الخمر و الميسر و الانصاب و الازلام رجس، فالخمر عصير العنب المشتد، و هو العصير الذي يسكر كثيره و قليله. و الخمر حرام و تسمى خمراً لأنها بالسكر تغطي على العقل،
و الأصل في الباب التغطية من قول أهل اللغة خمرت الأناء إذا غطيته، و منه دخل في خمار الناس إذا خفي فيما بينهم بسترهم له و الخمير العجين الذي يغطى حتى يختمر، و خمار المرأة، لأنها تغطي رأسها به. و خامره الحزن إذا خالطه منتشراً في قلبه و استخمرت فلاناً أي استعبدته. و الأصل فيه أمرته أن يتخذ الخمر، ثم كثر حتى جرى في كل شيء يأمر به. و على هذا الاشتقاق يجب أن يسمى النبيذ و كل مسكر على اختلاف أنواعه خمراً، لاشتراكها في المعنى و ان يجري عليها أجمع جميع أحكام الخمر.
و «الميسر» القمار كله مأخوذ من تيسير أمر الجزور بالاجتماع على القمار فيه و الذي يدخل فيه يسير و الذي لا يدخل فيه برم.
قال أبو جعفر (ع) و يدخل فيه الشطرنج و النرد و غير ذلك حتى اللعب بالجوز.
و الأصل فيه اليسر خلاف العسر و سميت اليد اليسرى تفاؤلًا بتيسير العمل بها. و قيل:
بل لأنها تعين اليمنى فيكون العمل أيسر، و ذهب يسرة خلاف يمنة.
«و الأنصاب» الأصنام واحدها نصب. و قيل لها أنصاب، لأنها كانت تنصب للعبادة و أصله الانتصاب: القيام، نصب ينصب نصباً. و منه النصب التعب عن العمل الذي ينتصب له، و نصاب السكين، لأنها تنصب فيه، و مناصبة العدو: الانتصاب لعداوته قال الأعشى:
و ذا النصب المنصوب لا تنسكنه و لا تعبد الشيطان و اللَّه فاعبدا (1)
و «الأزلام» القداح، و هي سهام كانوا يجيلونها و يجعلون عليها علامات (افعل، و لا تفعل) و نحو ذلك على ما يخرج من ذلك في سفر أو إقامة أو غير ذلك من الأمور المهمة، و كانوا يجيلونها للقمار، واحدها زلم، و زلم.
و قال الاصمعي: كان الجزور يقسمونه على ثمانية و عشرين جزءاً. و قال أبو عمرو: كان عددها على عشرة. و قال أبو عبيدة: لا علم لي بمقدار عدتها، و قد ذكرت أسماؤها مفصلًا، و هي عشرة: ذوات الحظوظ منها سبعة
1) ديوانه 46 و روايته (الأوثان) بدل (الشيطان).
و أسماؤها: الفذ، و التوءم، و الرقيب، و الحلس، و النافس، و المسبل، و المعلى. و الاغفال التي لا حظوظ لها ثلاثة اسماؤها: السفيح، و المنيح، و الوغد. ذكر القتيبي ذلك.
و قوله «رِجْسٌ» أي نجس «وَ الرُّجْزَ» العذاب. و منه قوله «لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ» (1)أي العذاب و قوله «وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ» (2)يعني الأوثان. و معناه الرجس فاهجر، و أصل الرجز تتابع الحركات يقال ناقة رجزاء إذا كانت ترتعد قوائمها في ناحية. و قال الزجاج: يقال: رجس يرجس إذا عمل عملا قبيحاً. و الرجس بفتح الراء شدة الصوت، و سحاب الرجاس، و رعد رجاس إذا كان شديد الصوت قال الشاعر:
و كل رجاس يسوق الرجسا (3)
و قوله «مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ» إنما نسبها الى عمل الشيطان و هي أجسام لما يأمر به فيها من الفساد فيأمر بالسكر ليزيل العقل، و يأمر بالقمار لاستعمال الأخلاق الدنيئة و يأمر بعبادة الأوثان لما فيها من الكفر باللَّه العظيم، و يأمر بالأزلام لما فيها من ضعف الرأي و الاتكال على الاتفاق. و قوله «فَاجْتَنِبُوا» أمر بالاجتناب أي كونوا جانبا منه في ناحية «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» و معناه لكي تفوزوا بالثواب.
و في الآية دلالة على تحريم الخمر، و هذه الأشياء الأربعة من أربعة أوجه:
أحدها- أنه وصفها بأنها رجس و هي النجس و النجس محرم بلا خلاف.
الثاني- نسبها الى عمل الشيطان و ذلك لا يكون الا محرماً.
و الثالث- أنه أمرنا باجتنابه. و الامر يقتضي الإيجاب.
الرابع- أنه جعل الفوز و الفلاح باجتنابه.
و الهاء في قوله «فاجتنبوه» راجعة الى عمل الشيطان، و تقديره اجتنبوا عمل الشيطان. قال ابن عباس: الرجس- هاهنا- معناه السخط. و قال ابن زيد: هو الشر.
إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)
آية بلا خلاف.
قيل في سبب نزول هذه الآية قولان:
أحدهما- أنه لاحق سعد بن أبي وقاص رجلا من الأنصار، و قد كانا شربا الخمر فضربه بلحي جمل ففزر أنف سعد بن أبي وقاص، فنزلت هذه الآية.
الثاني- أنه لما نزل قوله «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى (1)قال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت هذه الآية.
و الشيطان انما يريد إيقاع العداوة و البغضاء بينهم بالإغراء المزين لهم ذلك حتى إذا سكروا زالت عقولهم و أقدموا من المكاره و القبائح على ما كانت تمنعه منه عقولهم. و قال قتادة: كان الرجل يقامر في ماله و أهله فيقمر، و يبقى حزيناً سليباً فيكسبه ذلك العداوة و البغضاء.
و قوله «وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ» أي يمنعكم من الذكر للَّه بالتعظيم له و الشكر له على آلائه، لما في ذلك من الدعاء الى الصلاح و استقامة الحال في الدين و الدنيا بالرغبة فيما عنده، و التوسل اليه بالاجتهاد في طاعته التي تجمع محاسن الافعال و مكارم الأخلاق.
و قوله «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ»؟ صيغته صيغة الاستفهام و معناه النهي، و انما جاز ذلك، لأنه إذا ظهر قبح الفعل للمخاطب صار في منزلة من نهي عنه،
1) سورة 4 النساء آية 42.
فإذا قيل له: أ تفعله؟ بعد ما قد ظهر من أمره و صار في محل من عقد عليه بإقراره.
فان قيل: ما الفرق بين انتهوا عن شرب الخمر، و بين لا تشربوا الخمر، قلنا: لأنه إذا قال: انتهوا دل ذلك على أنه مريد لأمر ينافي شرب الخمر.
و صيغة النهي إنما تدل على كراهة الشرب، لأنه قد ينصرف عن الشرب الى أخذ أشياء مباحة، و ليس كذلك المأمور به، لأنه لا ينصرف عنه إلا في محذور.
و المنهي عنه قد ينصرف عنه الى غير مفروض.
وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ احْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92)
آية بلا خلاف.
لما أمر اللَّه تعالى باجتناب الخمر و الميسر و الانصاب و الازلام أمر في هذه الآية بطاعته في ذلك و غيره من أوامر اللَّه تعالى. و الطاعة هي امتثال الأمر، و الانتهاء عن المنهي عنه، و لذلك يصح أن تكون الطاعة طاعة لاثنين بأن يوافق أمرهما و إرادتهما.
و قوله «وَ احْذَرُوا» أمر منه تعالى بالحذر، و هو امتناع القادر من الشيء لما فيه من الضرر. و الخوف هو توقع الضرر الذي لا يؤمن كونه.
و الجزع مفاجأة الضرر الذي يزعج النفس مثله. و الفزع و الرعب مثل الجزع.
و قوله «فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ» معناه الوعيد و التهديد كأنه قال: فاعلموا أنكم قد حق لكم العقاب لتوليكم عما أدى رسولنا من البلاغ المبين، يعني الأداء الظاهر الواضح، فوضع كلام موضع كلام للإيجاز و لو كان على صيغته من غير هذا التقدير لم يصح، لأن عليهم أن يعلموا ذلك تولوا أو لم يتولوا. و «ما» في قوله: «أنما» كافة
ل «أن» عن عملها، و ذلك أنها لما كانت من عوامل الأسماء خاصة ثم احتيج الى إدخالها على غيرها زيد عليها (ما) ليعلم تغيرها عن حالها فصارت كافة لها.
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَ آمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَ أَحْسَنُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)
آية.
قال ابن عباس و ابن مالك و البراء بن عازب و مجاهد، و قتادة و الضحاك:
إنه لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة كيف بمن مات من إخواننا و هو يشربها، فأنزل اللَّه الآية و بين أنه ليس عليهم في ذلك شيء إذا كانوا مؤمنين عاملين للصالحات، ثم يتقون المعاصي و جميع ما حرم اللَّه عليهم.
فان قيل لم كرر الاتقاء ثلاث مرات في الآية؟
قيل: الأول المراد به اتقاء المعاصي. الثاني- الاستمرار على الاتقاء.
و الثالث- اتقاء مظالم العباد، و ضم الإحسان الى الاتقاء على وجه الندب و اعتبر أبو علي في الثالث الأمرين.
و قوله «وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» أي يريد ثوابهم و إجلالهم و إكرامهم.
و الإحسان النفع الحسن الواصل الى الغير، و لا يقال لكل حسن إحسان، لأنه لا يقال في العذاب بالنار أنه إحسان و ان كان حسناً. و الصلاح استقامة الحال و هو مما يفعله العبد، و قد يفعل اللَّه تعالى له الصلاح في دينه باللطف فيه. و الايمان هو الاطمئنان الى الصواب بفعله مع الثقة به و هو من أفعال العباد. و على هذا يحمل قوله «وَ آمَنُوا» و الاول على الايمان باللَّه الذي هو التصديق. و
روي أن قدامة بن مظعون شرب الخمر في أيام عمر، فأراد
عمر أن يقيم عليه الحد فقال «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا» فأراد عمر أن يدرأ عنه الحد حين لم يعلم تحريمها. فقال أمير المؤمنين (ع) أديروه على الصحابة، فان لم يسمع أحداً منهم قرأ عليه آية التحريم، فأدرؤا عنه، و ان كان قد سمع فاستتيبوه، و أقيموا عليه الحد، فان لم يتب وجب عليه القتل.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (94)
آية واحدة بلا خلاف.
هذا خطاب من اللَّه تعالى للمؤمنين و قسم منه أنه يبلوهم بشيء من الصيد، لأن اللام في قوله: «لَيَبْلُوَنَّكُمُ» لام القسم و الواو مفتوحة لالتقاء الساكنين في قول بعضهم مثل (واو) اغزون. و أما واو «ليبلونكم» قال سيبويه هي مبنية على الفتح. و قال الزجاج: فتحت واو «ليبلونكم» لأنها حرف الاعراب الذي تتعاقب عليه الحركات و ضمت واو «لتبلون» لأنها واو الجمع، فصح لالتقاء الساكنين نحو قوله «فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَ اخْشَوْنِ» (1)و معنى «لَيَبْلُوَنَّكُمُ» ليختبرن طاعتكم من معصيتكم «بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ» و أصله اظهار باطن الحال و منه البلاء للنعمة لأنه يظهر به باطن حال المنعم عليه في الشكر، و الكفر. و البلاء النقمة، لأنه يظهر به ما يوجبه كفر النعمة. و البلى الخلوقة لظهور تقادم العهد فيه.
و قوله «بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ» قيل في معنى (من) ثلاثة أوجه:
أحدها- صيد البر، دون البحر. و الآخر صيد الإحرام دون الإحلال.
1) سورة 5 المائدة آية 47.
الثالث- للتجنيس نحو اجتنبوا الرجس من الأوثان- في قول الزجاج- و قوله «تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِماحُكُمْ» يعني به فراخ الطيور و صغار الوحش في قول ابن عباس و مجاهد، و زاد مجاهد: و البيض. و الذي تناله الرماح الكبار من الصيد. قال أبو علي: معنى «تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِماحُكُمْ» إن صيد الحرم يقرب من الناس و لا ينفر منهم فيه كما ينفر في الحل، و ذلك آية من آيات اللَّه. و قال الحسن و مجاهد: حرم اللَّه بهذه الآية صيد البرِّ كله. و قال أبو علي:
صيد الحرم هو المحرم بهذه الآية. و قال الزجاج: بين النبي (ص) تحريم صيد الحرم على المحرم و غيره بهذه الآية، و هذا صحيح. و صيد غير المحرم إنما يحرم على المحرم دون المحل.
و قوله «لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ» معناه لعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم، مظاهرة في العدل. و وجه آخر- ليظهر المعلوم، و الأول أحسن.
و اختار البلخي الوجه الثاني، قال و اللَّه تعالى و ان كان عالماً بما يفعلونه فيما لم يزل، فانه لا يجوز أن يثيبهم و لا يعاقبهم على ما يعلم منهم، و انما يستحقون ذلك إذا علمه واقعاً منهم على وجه كلفهم، فإذاً لا بد من التكليف و الابتلاء.
و قوله «مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ» يعني من يخشى عقابه إذا توارى بحيث لا يقع عليه الحس- في قول الحسن- تقول: غاب يغيب غياباً فهو غائب عن الحس، و منه الغيبة و هي الذكر بظهر الغيب بالقبيح. و قال قوم: معناه من يخاف صيد الحرم في السر كما يخافه في العلانية، فلا يعرضون له على حال.
و قوله «فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ» يعني من تجاوز حد اللَّه بمخالفة أمره و ارتكاب نهيه بالصيد في الحرم، و في حال الإحرام «فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ» أي مؤلم. قال البلخي: يجوز أن يكون ذلك في النار، و يجوز أن يكون غير ذلك من صنوف الآلام و العقوبات، قال سليمان «لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً» (1)يعني الهدهد و لم يرد عذاب النار.
1) سورة 27 النحل آية 21. [.....]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَ مَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (95)
آية بلا خلاف.
قرأ أهل الكوفة و يعقوب «فجزاء» منونا «مثل» رفع. الباقون بالاضافة. و قرأ ابن عامر و أهل المدينة «أو كفارة» بغير تنوين «طعام» بالخفض. الباقون بالتنوين و أجمعوا على جمع مساكين. و قرأ بعضهم (أو عدل ذلك بالكسر) قال الأخفش: و هو الوجه، لأن العدل هو المثل. و العدل مصدر عدلت هذا بهذا عدلا حسناً. و العدل أيضا المثل «وَ لا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ» (1)أي مثل. قال الفراء: العدل- بفتح العين- ما عدل الشيء من غير جنسه- و بكسر العين- المثل، تقول: عندي غلام عدل غلامك- بالكسر- لأنه من جنسه و ان أردت قيمته دراهم، قلت: عندي عدل غلامك، لأنها من غير جنسه. قال أبو علي الفارسي: حجة من رفع المثل أنه صفة للجزاء و المعنى فعليه جزاء من النعم مماثل المقتول. و التقدير فعليه جزاء أي فاللازم له أو فالواجب عليه جزاء من النعم مماثل ما قتل من الصيد. و قوله «من النعم» على هذه القراءة صفة للنكرة التي هي (جزاء) و فيه ذكر، و يكون مثل صفة للجزاء لان المعنى عليه جزاء مماثل للمقتول من الصيد من النعم. و المماثلة في القيمة أو الخلقة على اختلاف الفقهاء في ذلك. و لا ينبغي
1) سورة 2 البقرة آية 123.
إضافة (جزاء) الى المثل ألا ترى انه ليس عليه جزاء مثل ما قتل في الحقيقة، و انما عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله، و لا جزاء عليه لمثل المقتول الذي لم يقتله. و إذا كان كذلك علمت ان الجزاء لا ينبغي أن يضاف الى (مثل) و لا يجوز أن يكون قوله «من النعم» على هذه القراءة متعلقا بالمصدر كما جاز أن يكون الجار متعلقا به في قوله «وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها» (1)ب (مثلها) لأنك قد وصفت الموصول، و إذا وصفته لم يجز أن تعلق به بعد الوصف شيئا كما انك إذا عطفت عليه أو أكدته لم يجز أن تعلق به شيئا بعد العطف عليه و التأكيد له. فأما في قراءة من أضاف الجزاء الى المثل، فان قوله «من النعم» يكون صفة للجزاء كما كان في قول من نوَّن، و لم يضف صفة له.
و يجوز فيه وجه آخر لا يجوز في قول من نون و وصف: و هو أن يقدره متعلقا بالمصدر. و لا يجوز على هذا القول أن يكون فيه ذكر كما تضمن الذكر لما كان صفة. و انما جاز تعلقه بالمصدر على قول من أضاف، لأنك لم تصف الموصول كما وصفته في قول من نون، فيمتنع تعلقه به.
و أما من أضاف الجزاء الى (مثل) فانه و إن كان جزاء المقتول لا جزاء مثله فإنهم قد يقولون: أنا أكرم مثلك. يريدون أنا أكرمك، و كذلك إذا قال (فجزاء مثل) فالمراد جزاء ما قتل، فإذا كان كذلك كانت الاضافة في المعنى كغير الاضافة لان المعنى فعليه جزاء ما قتل. و لو قدرت الجزاء تقدير المصدر و أضفته الى المثل كما تضيف المصدر الى المفعول به لكان في قول من جر (مثلا) على الاتساع الذي وصفناه ألا ترى أن المعنى «فجزاء مثل» أي يجازى مثل ما قتل، و الواجب عليه في الحقيقة جزاء المقتول لا جزاء مثل المقتول.
خاطب اللَّه بهذه الآية المؤمنين و نهاهم عن قتل الصيد و هم حرم و قوله «وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ» قيل فيه ثلاثة أوجه:
أحدها- و أنتم محرمون لحج أو عمرة.
1) سورة 42 الشورى آية 40.
الثاني- و أنتم في الحرم. يقال: أحرمنا أي دخلنا في الحرم كما يقال أنجدنا و اتهمنا.
الثالث- و أنتم في الشهر الحرام. يقال أحرم إذا دخل في الشهر الحرام.
قال أبو علي: الآية تدل على تحريم قتل الصيد في حال الإحرام بالحج، و العمرة و حين الكون في الحرم. و قال الرماني: يدل على الإحرام بالحج أو العمرة فقط. و الذي قاله أبو علي أعم فائدة، و أما القسم الثالث فلا خلاف أنه غير مراد.
و قاتل الصيد إذا كان محرما لزمه الجزاء عامداً كان في القتل أو أخطأ أو ناسيا لإحرامه أو ذاكراً. و به قال مجاهد، و الحسن- بخلاف عنه- و ابن جريج، و ابراهيم، و ابن زيد، و أكثر الفقهاء، و اختاره البلخي و الجبائي.
و قال ابن عباس و عطاء و الزهري و اختاره الرماني: انه يلزمه إذا كان متعمداً لقتله ذاكراً لإحرامه، و هو أشبه بالظاهر. و الأول يشهد به روايات أصحابنا.
و اختلفوا في مثل المقتول فقال الحسن و ابن عباس و السدي و مجاهد و عطاء و الضحاك: هو أشبه الأشياء به من النعم:
إن قتل نعامة فعليه بدنة، حكم النبي (ص) بذلك في البدنة. و ان قتل أروى (1)فبقرة. و ان قتل غزالا أو أرنبا، فشاة. و هذا هو الذي تدل عليه روايات أصحابنا.
و قال قوم: يقوم الصيد بقيمة عادلة ثم يشترى بثمنه مثله من النعم ثم يهدى الى الكعبة، فان لم يبلغ ثمن هدي كفَّر أو صام، و فيه خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف و اختلف من قال بذلك في المكان الذي يقوم فيه الصيد، فقال ابراهيم، و النخعي و حماد، و أبو حنيفة، و أبو يوسف، و محمد: يقوم بالمكان الذي أصاب فيه إن كان بخراسان أو غيره. و قال ابن عامر و الشعبي:
يقوم بمكة أو منى.
1) «الاروى» إناث الوعل، و هو اسم جمعها و واحدها (أريَّة) بضم الهمزة و سكون الراء و كسر الواو و فتح الياء المشددة.
و قوله: «يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ» يعني شاهدين عدلين فقيهين يحكمان بأنه جزاء مثل ما قتل من الصيد.
و قوله: «هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ» ف (هدياً) نصب على المصدر. و يحتمل ان يكون نصبا على الحال، و (بالغ الكعبة) صفة له و تقديره يهديه هديا يبلغ الكعبة و قوله «بالغ الكعبة» فهو و ان كان مضافا الى المعرفة فالنية فيه الانفصال، كما نقول هذا ضارب زيد، فيمن حذف النون و لم يكن قد فعل، فانه يكون نكرة، و الهدي يجب أن يكون صحيحا بالصفة التي تجزي في الاضحية، و هو قول أبي علي.
و قال الشافعي يجوز في الهدي ما لا يجوز في الاضحية. و ان قتل طائراً أو نحوه قال أبو علي عليه دم شاة. و عندنا فيه دم. و قال قوم يجوز ان يهدي سخلة أو جديا. و النعم هي الإبل و البقر و الغنم. و قوله «أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ» فمن رفع (طعام مساكين) جعله عطفا على الكفارة عطف بيان لان الطعام هو الكفارة، و لم يضف الكفارة الى الطعام، لأنها ليست للطعام و انما هي لقتل الصيد، فلذلك لم يضف الكفارة الى الطعام. و من أضافها الى الطعام، فلانه لما خير المكفر بين ثلاثة أشياء: الهدى، و الطعام، و الصيام أجاز الاضافة لذلك، فكأنه قال: كفارة طعام لا كفارة هدي، و لا كفارة صيام، فاستقامت الاضافة لكون الكفارة من هذه الأشياء و قيل في معناه قولان:
أحدهما- يقوَّم عدله من النعم ثم يجعل قيمته طعاما في قول عطا.
و هو مذهبنا.
و قال قتادة: يقوم نفس الصيد المقتول حيا ثم يجعل طعاما.
و قوله: «أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً» نصب صياما على التمييز و في معناه قولان:
أحدهما- لكل مد يقوم من الطعام يوم في قول عطاء. و قال غيره:
عن كل مدين يوم و هو مذهبنا. و قال سعيد بن جبير: يصوم ثلاثة أيام الى عشرة أيام.
و قوله «لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ» يعني عقوبة ما فعله و نكاله. و قال المغربي:
الوبال من الطعام الوبيل الذي لا يستمرى، أو لا يوافق، و هو قول الازهري قال كثير:
فقد أصبح الراضون إذ أنتم بها مشوم البلاد يشتكون وبالها
و قوله: «عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ» قيل في معناه قولان:
أحدهما- قال الحسن: عفا اللَّه عما سلف من امر الجاهلية.
و قال آخرون: عما سلف من الدفعة الاولى في الإسلام.
و قوله: «وَ مَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ» اختلفوا في لزوم الجزاء بالمعاودة على قولين:
أحدهما- قال عطاء و ابراهيم و سعيد بن جبير و مجاهد: يلزمه الجزاء بالمعاودة و هو قول بعض أصحابنا.
الثاني- قال ابن عباس، و شريح، و الحسن، و ابراهيم، بخلاف عنه:
لا جزاء عليه و ينتقم اللَّه منه، و هو الظاهر من مذهب أصحابنا، و اختار الرماني الاول. و به قال أكثر الفقهاء، قال: لأنه لا ينافي الانتقام منه. و اختلفوا في (أو) في الآية هل هي على جهة التخيير أم لا؟ على قولين:
أحدهما- قال ابن عباس، و الشعبي، و ابراهيم، و السدي و هو الظاهر
في رواياتنا انه ليس على التخيير لكن على الترتيب.
و انما دخلت (أو) لأنه لا يخرج حكمه على أحد الثلاثة، على انه إن لم يجد الجزاء فالاطعام و ان لم يجد الإطعام فالصيام. و في رواية أخرى عن ابن عباس، و عطاء و الحسن و ابراهيم- على خلاف عنه- و اختاره الجبائي، و هو قول بعض أصحابنا انه على التخيير.
و قوله «وَ اللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ» معناه قادر لا يغالب «ذُو انْتِقامٍ» معناه
ينتقم ممن يتعدا أمره و يرتكب نهيه. و ليس في الآية دليل على العمل بالقياس، لان الرجوع الى ذوي عدل في تقويم الجزاء مثل الرجوع الى المقومين في قيم المتلفات، و لا تعلق لذلك بالقياس.
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيَّارَةِ وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)
آية بلا خلاف.
قال ابن عباس، و زيد بن ثابت، و سعيد بن جبير، و سعيد بن المسيب، و قتادة، و السدي، و مجاهد: الذي أحل من هذه الآية من صيد البحر الطري منه و أما العتيق فلا خلاف في كونه حلالا، و إذا حل صيد البحر حل صيد الأنهار، لأن العرب تسمى النهر بحراً. و منه قوله «ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ» (1)و الأغلب على البحر هو الذي يكون ماؤه ملحا لكن إذا اطلق دخل فيه الأنهار بلا خلاف.
و قوله «وَ طَعامُهُ» يعني طعام البحر و قيل في معناه قولان:
أحدهما- قال أبو بكر و عمر، و ابن عباس و ابن عمر، و قتادة هو ما قذف به ميتا.
الثاني- في رواية أخرى عن ابن عباس و سعيد بن المسيب و سعيد بن جبير و قتادة و مجاهد و ابراهيم بخلاف عنه انه المملوح، و اختار الرماني الاول.
و قال لأنه بمنزلة ما صيد منه و ما لم يصد منه فعلى هذا تصح الفائدة في الكلام و الذي يقتضيه و يليق بمذهبنا القول الثاني، فيكون قوله «صَيْدُ الْبَحْرِ» المراد به ما أخذ طرياً.
1) سورة 30 الروم آية 41.
و قوله «و طعامه» ما كان منه مملوحا، لأن ما يقذف به البحر ميتاً لا يجوز عندنا أكله لغير المحرم و لا للمحرم. و قال قوم معنى «و طعامه» ما نبت بمائة من الزرع و الثمار حكاه الزجاج.
و قوله «مَتاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيَّارَةِ» نصب متاعا على المصدر لان قوله «أُحِلَّ لَكُمْ» يدل على انه قد متعهم متاعا و قال ابن عباس و الحسن و قتادة معناه منفعة للمقيم و المسافر.
و
قوله «وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً» يقتضي ظاهره تحريم الصيد في حال الإحرام و أكل ما صاده غيره، و به قال علي (ع)
و ابن عباس و ابن عمر و سعيد بن جبير، و قال عمر و عثمان و الحسن، لحم الصيد لا يحرم على المحرم إذا صاده غيره، و منهم من فرق بين ما صيد و هو محرم و بين ما صيد قبل إحرامه. و عندنا لا فرق بينهما و الكل محرم، و الصيد يعبر به عن الاصطياد فيكون مصدراً و يعبر به عن المصيد، فيكون اسماً. و يجب أن تحمل الآية على تحريم الجميع. و قوله «وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» أمر منه تعالى بان يتقي جميع معاصيه و يجتنب جميع محارمه من الصيد في الإحرام و غيره، لأن اليه الرجوع في الوقت الذي لا يملك أحد فيه الضرر و النفع سواه، و هو يوم القيامة فيجازي كلًا بعمله: المحسن على إحسانه و المسيء على إساءته.
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَ الشَّهْرَ الْحَرامَ وَ الْهَدْيَ وَ الْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97)
آية بلا خلاف.
قرأ ابن عامر وحده «قيماً للناس» بلا الف. الباقون قياما بالألف.
قال أبو علي الفارسي: قوله «جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ» تقديره جعل اللَّه حج الكعبة أو نصب الكعبة قياما لمعايش الناس أو مكاسب الناس، لأنه مصدر (قام) كأن المعنى قام بنصبه ذلك لهم، فاستتبت بذلك معايشهم، و استقامت أحوالهم به فالقيام كالعياذ و العيال. و على هذا لحقته تاء التأنيث في هذه المصادر فجاءت (فعالة) كالزيادة و السياسة و الحياكة، فكما جاءت هذه المصادر على (فعال) أو (فعالة) كذلك حكم القيام أن يكون على (فعال).
و وجه قراءة ابن عامر أحد أمرين: إما أن يكون جعله مصدراً كالشبع أو حذف الالف و هو يريدها كما يقصر الممدود، و هذا الوجه انما يجوز في الشعر دون الكلام. و انما أعلوا الواو فقلبوها ياءً لاعتلال الفعل، و لم يصححوها كما صحت في الحول و العوض، ألا ترى أنهم قالوا ديمة و ديم، و حيلة و حيل فأعلوها في المجموع لاعتلال آحادها، فاعلال المصدر لاعتلال الفعل أولى.
و القوام هو العماد تقول: هو قوام الامر و ملاكه، و هو ما يستقيم به أمره و قلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها في مصدر (فعل، يفعل) و هو قام بالأمر قياما كقولك صام صياما. فأما صحة الواو فمن قاومه قواما مثل حاوره حواراً قال الراجز:
قوام دنياً و قوام دين (1)
و تقدير الآية جعل اللَّه حج الكعبة أو نصب الكعبة قياما لمعاش الناس و مصالحهم.
و قوله «وَ الشَّهْرَ الْحَرامَ» معطوف على المفعول الأول ل (جعل) كما تقول ظننت زيداً منطلقاً و عمراً أي فعل ذلك ليعلموا أن اللَّه يعلم مصالح ما في السماوات و الأرض، و ما يجري عليه شأنهم في معاشهم و غير ذلك مما يصلحهم
1) مجاز القرآن 1/ 177.
«وَ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» بما يقيمهم، و يصلحهم عليه.
و قيل في قوله «قِياماً لِلنَّاسِ» ان معناه أمناً لهم. و قيل انه مما ينبغي أن يقيموا به. و الاول أقوى. و قال قوم لما كان في المناسك زجراً عن القبيح و دعا الى الحق كان بمنزلة الرئيس الذي يقوم به أمر أتباعه. و قال سعيد بن جبير «قياماً للناس» صلاحاً لهم. و قيل: يقوم به أبدانهم. و قيل «قياماً» يقومون به في متعبداتهم قال مجاهد و عكرمة: سميت الكعبة كعبة لتربيعها.
و قال أهل اللغة و انما قيل كعبة البيت و أضيف لأن كعبة تربع أعلاه و الكعوبة: النتوء، فقيل للتربيع كعبة لنتوء زوايا المربع. و منه كعب ثدي الجارية إذا نتأ و منه كعب الإنسان لنتوئه. و سميت الكعبة حراما لتحريم اللَّه إياها ان يصاد صيدها أو يخلى خلاءها أو يعضد شجرها. و قوله «وَ الشَّهْرَ الْحَرامَ» قال الحسن: هي الأشهر الحرام الاربعة، فهذا على مخرج الواحد مذهب الجنس. و هي واحد فرد، و ثلاثة سرد، فالفرد رجب، و السرد ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم.
و (القلائد) قيل فيه ثلاثة أقوال:
أحدها- ان الرجل من العرب كان ينتهي به الحال من الضرر و الجوع الى ان يأكل العصب فيلقى الهدي مقلداً فلا يعرض له.
الثاني- أن من أراد الإحرام تقلد قلادة من شعر أو لحي الشجرة، فتمنعه من الناس حتى يأتي أهله.
الثالث- قال الحسن: القلائد ان يقلد الإبل و البقر النعال أو الخفاف، تقور تقويراً، على ذلك مضت السنة، فهذا على صلاح التعبد بها، و هذا هو المعتمد عليه عندنا.
فان قيل: ما معنى قوله «ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ» بعد قوله «جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ» و أي تعلق لها بذلك؟ و ما في ذلك مما يدل على أنه بكل شيء عليم؟ قيل عن
ذلك ثلاثة أجوبة:
أحدها- أنه تعالى لما اخبر بما في هذه السورة من قصة موسى و عيسى و قومهما و بالتوراة و الإنجيل، و ما فيهما من الأحكام و اخبار الأمم و فصله، و ذلك كله مما لم يشاهده محمد (ص) و لا قومه و لا أحد في عصره و لا وقفوا على شيء من ذلك، قال ذلك لتعلموا أن اللَّه تعالى لولا أنه بكل شيء عليم لما جاز أن يخبركم عنهم، فاخباره بذلك يدل على أنه بكل شيء عليم. و أيضا فان ما جعله اللَّه من البلد الحرام و الشهر الحرام من الآيات و الأعاجيب دالًا على أنه تعالى لا يخفى عليه شيء، لأنه جعل البيت الحرام و الحرم أمنا، يأمن فيه كل شيء و يسكن قلبه، فالظبي يأنس بالسبع و الذئب ما دام في الحرم، فإذا خرج عن الحرم خاف و طلبه السبع و هرب منه الظبي حتى يرجع الى الحرم، فإذا رجع اليه كف عنه السبع، و هذا من عظيم آيات اللَّه و عجيب دلائله، و كذلك الطير و الحمامة تأنس بالإنسان، فإذا خرج من الحرم خافه و لم يدن من أحد حتى يعود الى الحرم، و الطير يستشفي بالبيت الحرام إذا مرض يسقط على سطح البيت استشفاء به، فإذا زال عنه المرض لم ير على سطح البيت و لا محاذيه في الهواء إجلالًا له و تعظيماً، مع أمور كثيرة يطول ذكرها، فيكون ما دبره اللَّه من ذلك دالًا على أنه عالم بمصالح الخلق و بكل شيء. و أيضا فانه أخبرهم بأنه قد علم قبل أن يخلقهم ما هم صائرون اليه من القتال و الغارة و السبي و السلب فجعل من سنن ابراهيم و إسماعيل ان من دخل الحرم لم يقتل. و كذلك من عاذ بالبيت. و أن أشهر الحرم لا يجوز فيها قتال و أن من أهدى أو قلد أمن على نفسه، و كل ذلك يدل على أن من دبره عالم بالعواقب و لا يخفى عليه شيء من الأشياء على وجه من الوجوه.
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98)
أمر اللَّه تعالى أن يعلم المكلف أنه شديد العقاب، فالعلم ما اقتضى سكون النفس، و ان شئت قلت هو اعتقاد الشيء على ما هو به مع سكون النفس الى ما اعتقده، و الأول أخص، و لا يجوز أن يحد العلم بأنه المعرفة، لأن المعرفة هي العلم، و لا يحد الشيء بنفسه. و العلم يتناول الشيء على ما هو به و كذلك الرؤية. و الفرق بينهما ان العلم يتعلق بالمعلوم على وجوه، و الرؤية لا تتعلق إلا على وجه واحد. و العلم محله القلب. و الرؤية ليست معنى على الحقيقة و انما تثبت للرائي بكونه رائيا صفة. و من قال هو معنى قال محلها العين.
و في الآية دلالة على أن المعرفة باللَّه و بصفاته ليست ضرورية، لأنها لو كانت ضرورية لما أمرنا بها. و ليس لاحد أن يقول انما أمر على جهة التذكير، و التنبيه، لان ذلك ترك للظاهر.
و العقاب هو الضرر المستحق على جهة الاهانة و المقارن بالاستخفاف، و لو اقتصرت على ان تقول هو الضرر المستحق أو الضرر الذي يقارنه استخفاف و اهانة لكان كافيا لان ما ليس بعقاب ليس بمستحق و لا يقارنه استخفاف و إهانة و إنما سمي عقابا لأنه يستحق عقيب الذنب الواقع من صاحبه.
و قوله «وَ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» منصوب ب (اعلموا) و تقديره و اعلموا ان اللَّه غفور رحيم، و المغفرة هي ستر الخطيئة برفع عقابها. و أصلها الستر و منه المغفرة و ضم ذكر الرحمة الى المغفرة لبيان سبوغ نعم اللَّه تعالى، و انه إذا أزال العقوبة بالتوبة أوجب الرحمة التي هي المغفرة. و ذلك يدل على أن الغفران عند التوبة غير واجب و أنه تفضل و إلا لم يكن كذلك.
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما تَكْتُمُونَ (99)
آية بلا خلاف.
لما أنذر تعالى في الآية الأولى شدة العقاب و بشَّر بالعفو و الغفران ذكر في هذه أنه ليس على الرسول إلا البلاغ. و أما القبول و الامتثال فانه متعلق بالمكلفين المبعوث اليهم.
و أصل الرسول الإطلاق من قولهم أرسل الطير إرسالا إذا أطلقه و منه قولهم: ترسَّل في القراءة ترسلًا إذا تثبت. و استرسل الشيء إذا تسلل و انطلق. و رسله مراسلة، و تراسلوا تراسلًا. و الرسل اللبن لاسترساله من الضرع. و في الحديث (اعطي من رسلها) و قوله: «وَ الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً» (1)قيل: هي الخيل. و قيل هي الرياح. و الفرق بين الرسول و النبي أن النبي لا يكون الا صاحب المعجز الذي ينبئ عن اللَّه أي يخبر، و الرسول إذا كان رسول اللَّه فهو بهذه الصفة، و قد يكون الرسول رسولا لغير اللَّه، فلا يكون بهذه الصفة. و الانباء عن الشيء قد يكون من غير تحميل النبأ. و الإرسال لا يكون الا بتحميل الرسالة. و البلاغ وصول المعنى الى غيره، و هو هاهنا وصول الانذار الى نفوس المكلفين. و أصل البلاغ البلوغ تقول: بلغ يبلغ بلوغاً و أبلغه ابلاغاً و تبلغ تبلغاً و بالغ مبالغة و بلغه تبليغاً، و منه البلاغة لأنها إيصال المعنى الى النفس في حسن صورة من اللفظ. و تبالغ الرجل إذا تعاطى البلاغة و ليس ببليغ، و في هذا بلاغ أي كفاية لأنه يبلغ مقدار الحاجة.
«وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما تَكْتُمُونَ» معناه أنه لا يخفى عليه شيء من أحوالكم التي تظهرونها أو تخفونها و تكتمونها و في ذلك غاية التهديد و الزجر.
قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَ الطَّيِّبُ وَ لَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100)
آية.
معنى قوله «لا يستوي» لا يتساوى. و الاستواء على أربعة اقسام:
1) سورة 77 المرسلات آية 1.
استواء في المقدار. و استواء في المكان. و استواء في الذهاب. و استواء في الإنفاق. و الاستواء بمعنى الاستيلاء راجع الى الاستواء في المكان، لأنه تمكن و اقتدار و قوله «الْخَبِيثُ وَ الطَّيِّبُ» قيل في معناهما قولان:
أحدهما- الحرام، و الحلال في قول الحسن و أبي علي.
الثاني- قال السدي الكافر، و المؤمن. و الخبيث الردي بالعاجلة و يسوى بالآجلة. و منه خبث الحديد، و هو رديئه بعد ما يخلص بالنار جيدة ففي الخبيث امتزاج جيد برديء و لذلك قال «وَ لَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ» و الاعجاب سرور بما يتعجب منه. و العجب و الاعجاب و التعجب من أصل واحد. و عجب يعجب عجباً و العجب مذموم، لأنه كبر يدخل النفس بحال يتعجب منها.
و عجب الذنب أصله عجوب الرمل أو آخره لانفراده عن جملته كانفراد ما يتعجب منه.
و معنى الآية أنه لا يتساوى الحرام و الحلال و ان أعجبك يا محمد كثرة ما تراه من الحرام و المراد به أمته. و قوله «فَاتَّقُوا اللَّهَ» معناه اجتنبوا ما حرمه عليكم «يا أُولِي الْأَلْبابِ» يعني يا اولي العقول «لعلكم تفلحون» معناه لتفلحوا و تفوزوا بالثواب العظيم الدائم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَ إِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَ اللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (102)
آيتان بلا خلاف.
قيل في سبب نزول هذه الآية قولان:
أحدهما- قال ابن عباس و أنس و ابو هريرة و الحسن و قتادة و طاوس
و السدي: أنه سأل رسول اللَّه (ص) رجل يقال له عبد اللَّه و كان يطعن في نسبه فقال: يا رسول اللَّه من أبي، فقال له حذافة. فنزلت الآية. و قال أبو هريرة و مجاهد: نزلت حين سألوا عن أمر الحج لما انزل «وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ» فقالوا: في كل عام؟ قال: لا و لو قلت نعم لوجب. و قال قوم وقع السؤال الاول و الثاني في مجلس واحد، فخاطب اللَّه تعالى بهذه الآية المؤمنين و نهاهم عن مسألة الأشياء التي إذا أبديت و أظهرت ساءت و احزنت من أظهرت له.
يقال بدا يبدو بدوَّاً. و أبداه إبداء إذا أظهره و بدا له في الامر بدواً و بداً و بداء إذا تغير رأيه، لأنه ظهر له. و البادية خلاف الحاضرة. و البدو خلاف الحضر من الظهور. و قيل في وزن (أشياء) ثلاثة أقوال:
قال الكسائي: هو أفعال إلا انه لم يصرف، لأنهم شبهوه بحمراء فالزمه الزجاج ألا يصرف اسماء و لا انباء.
الثاني- قال الأخفش و الفراء هي (فعلاء) كقولك هين و أهوناء فالزمه المازني و قال: سله كيف يصغرها؟ فقال الأخفش (أشياء) فقال يجب ان يصغرها شيئات كما يصغر أصدقاء في المؤنث صديقات في المذكر صديقون. قال الزجاج إنما قيل في هين: أهوناء لأن هين أصله (هيين) على وزن فعيل فجمع على أفعلاء كنصب و أنصباء.
الثالث- قال الخليل و سيبويه: (افعاء) مقلوبة كما قلبوا (أنيق) عن انوق، و قسي عن قؤوس.
و قوله «تسؤكم» معناه تحزنكم. و قوله «عَفَا اللَّهُ عَنْها وَ اللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ» قيل فيما يعود الضمير اليه في (عنها) قولان:
أحدهما- قال قوم على المسألة، لان قوله «لا تسألوا» دليل عليها فيكون العفو عن مسألتهم التي سلفت منهم.
الثاني- على الأشياء التي سألوا عنها من أمور الجاهلية، و ما جرى مجراها مما يسؤهم تشديد المحنة فيها.
و قوله «قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ» قال ابن عباس: سأل قوم عيسى (ع) إنزال المائدة ثم كفروا بها. و قال غيره: هم قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها و كفروا بها. و قال السدي هذا حين سألوا أن يحول لهم الصفا ذهباً. و قال أبو علي: انما كانوا سألوا نبيهم عن مثل هذه الأشياء يعني من آيات و نحوها فلما أخبرهم النبي (ص) قالوا: ليس الامر كذلك، فكفروا به.
و قال الرماني: السؤال هو طلب الشيء اما بإيجاده و اما بإحضاره و اما بالبيان عنه، و الذي يجوز السؤال عنه هو ما يجوز العمل عليه من أمر دين أو دنيا. و ما لا يجوز العمل عليه من أمر دين أو دنيا لا يجوز السؤال عنه و لا يجوز أن يسأل اللَّه تعالى شيئاً إلا بشرط انتفاء وجود القبح عن الاجابة، فعلى هذا لا يجوز أن يسأل الإنسان: من أبي لان المصلحة اقتضت ان من ولد على فراش انسان حكم بأنه ولده. و إن لم يكن مخلوقاً من مائه، فالمسألة بخلافه سفه لا يجوز.
ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَ لا سائِبَةٍ وَ لا وَصِيلَةٍ وَ لا حامٍ وَ لكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (103)
آية بلا خلاف.
هذه الآية من الادلة الواضحة على بطلان مذهب المجبرة من قولهم: من أن اللَّه تعالى هو الخالق للكفر و المعاصي و عبادة الأصنام و غيرها من القبائح، لأنه تعالى نفى أن يكون هو الذي جعل البحيرة أو السائبة أو الوصيلة أو الحام، و عندهم ان اللَّه تعالى هو الجاعل له و الخالق، تكذيباً للَّه تعالى و جرأة عليه. ثم بين تعالى أن هؤلاء بهذا القول قد كفروا باللَّه و افتروا عليه بأن أضافوا اليه ما ليس بفعل له، و ذلك واضح لا إشكال فيه.
و معني «ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ» أي ما حرمها على ما حرمها أهل الجاهلية، و لا أمر بها. و (البحيرة) هي الناقة التي تشق أذنها يقال بحرت الناقة أبحرها بحراً، و الناقة مبحورة، و بحيرة: إذا شققتها شقاً واسعاً، و منه البحر لسعته.
و كانوا في الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن و كان آخرها ذكراً بحروا أذنها أي شقوها، و امتنعوا من ركوبها و ذبحها، و لم تطرد عن ماء، و لم تمنع من رعي. و إذا لقيها المعيي لم يركبها.
و (السائبة) المخلاة و هي المسيبة. و كانوا في الجاهلية إذا نذر إنسان نذراً لقدوم من سفر أو برء من مرض أو ما أشبه ذلك قال: ناقتي سائبة، فكانت كالبحيرة في التخلية، و كان إذا أعتق الإنسان عبداً، فقال: هو سائبة لم يكن بينهما عقل، و لا ولاء، و لا ميراث.
و (الوصيلة) الأنثى من الغنم إذا ولدت أنثى مع الذكر قالوا: أوصلت أخاها فلم يذبحوه. و قال أهل اللغة: كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم، و إذا ولدت ذكراً ذبحوه لآلهتهم في زعمهم، و إذا ولدت ذكراً و أنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوه لآلهتهم.
و (الحام) الفحل من الإبل الذي قد حمى ظهره من أن يركب بتتابع أولاد تكون من صلبه. و كانت العرب إذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: حمى ظهره فلا يحمل عليه شيء و لا يمنع من ماء و لا مرعى. و قال محمد ابن إسحاق: البحيرة بنت السائبة و (السائبة) هي الناقة إذا تابعت بين عشر أناث ليس فيهن ذكر سيبت فلم يركبوها و لم يجزوا و برها و لم يشرب لبنها إلا ضيف. فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ثم يخلى سبيلها مع أمها فلم يركب ظهرها و لم يجز و برها، و لم يشرب لبنها إلا ضيف كما فعل بأمها.
و (الوصيلة) هي الشاة إذا أتأمت عشر أناث متتابعات في خمسة أبطن ليس فيها ذكر جعلت وصيلة، و قالوا قد وصلت و كان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون الإناث.
و قوله «وَ لكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ» إخبار منه تعالى بأن هؤلاء الذين كفروا يكذبون على اللَّه بادعائهم أن هذه الأشياء من فعل اللَّه أو بأمره. و قوله «وَ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» خص الأكثر بأنهم لا يعقلون لأنهم أتباع، فهم لا يعقلون أن ذلك كذب و افتراء كما يفعله الرؤساء- في قول قتادة و الشعبي- و قال ابو علي «أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» ما أحل لهم و ما حرم عليهم، يعني أن المعاند هو الأقل منهم.
وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ (104)
آية بلا خلاف.
أخبر اللَّه تعالى عن الكفار الذين أخبر عنهم أنهم لا يعقلون، و الذين جعلوا البحيرة، و السائبة، و الوصيلة، و الحام، و «الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ» من كفار قريش و غيرهم من العرب بأنه «إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا» أي هلموا «إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ» من القرآن و اتباع ما فيه، و الإقرار بصحته «و الى الرسول» و تصديقه، و الاقتداء به و بأفعاله «قالوا» في الجواب عن ذلك «حسبنا» أي كفانا «ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا» يعني مذاهب آبائنا. ثم اخبر تعالى منكراً عليهم فقال «أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ» أي إنهم يتبعون آباءهم في ما كانوا عليه من الشرك و عبادة الأوثان و إن كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً من الدين و لا يهتدون اليه. و قيل في معنى (لا يهتدون) قولان أحدهما- الذم بأنهم ضلال. و الثاني- أنهم لا يهتدون الى طريق العلم بمنزلة العمي عن الطريق.
و في الآية دلالة على فساد التقليد، لأن اللَّه تعالى أنكر عليهم تقليد الآباء فدل
ذلك على أنه لا يجوز لأحد أن يعمل على شيء من أمر الدين إلا بحجة.
و فيها دلالة على وجوب المعرفة و أنها ليست ضرورية، لأن اللَّه تعالى بين الحجاج عليهم في هذه الآية ليعرفوا صحة ما دعا الرسول اليه، و لو كانوا يعرفون الحق ضرورة لم يكونوا مقلدين لآبائهم و كان يجب أن يكون آباؤهم أيضاً عارفين ضرورة، و لو كانوا كذلك لما صح الاخبار عنهم بأنهم لا يعلمون شيئاً و لا يهتدون. و انما نفى عنهم الاهتداء و العلم معاً لان بينهما فرقاً، و ذلك أن الاهتداء لا يكون إلا عن بيان و حجة. و العلم مطلق و قد يكون الاهتداء ضرورة.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)
آية واحدة بلا خلاف.
لما بين اللَّه تعالى حكم الكفار الذين قلدوا آباءهم و أسلافهم و ركنوا اليهم في أديانهم، ذكر في هذه الآية أن المكلف انما يلزمه حكم نفسه و أنه لا يضره ضلال من ضل إذا كان هو مهتدياً، حتى يعلم بذلك أنه لا يلزمهم من ضلال آبائهم شيء من الذم و العقاب.
و «أنفسكم» نصب على الإغراء كأنه قال: احفظوا أنفسكم أن تزلوا كما زل غيركم. و العرب تغري ب (عليك، و اليك، و دونك، و عندك) فينصبون الأسماء بها، و لم يغروا ب (منك) كما أغروا ب (اليك)، لأن (اليك) أحق بالتنبيه من (منك). و الإغراء تنبيه على ما يجب أن يحذر، و لذلك لم يغروا ب (فيك) و نحوها من حروف الاضافة. و حكى المغربي: أنه سمع من يغري ب (وراءك) و (قدامك).
و ليس في الآية ما يدل على سقوط انكار المنكر. و إنما يجوز الاقتصار على الاهتداء بأتباع أمر اللَّه في حال التقية، هذا قول ابن مسعود، على أن الإنسان إنما يكون مهتدياً إذا اتبع أمر اللَّه في نفسه و في غيره بالإنكار عليه. و
روي عن النبي (ص) أنه قال (إذا رأوا الناس منكراً فلم يغيروه عمهم اللَّه بالعقاب)
و في الآية دلالة على فساد مذهب المجبرة في تعذيب الأطفال، لأنه لو كان الامر على ما قالوه لم يأمن المؤمنون أن يؤخذوا بذنوب آبائهم، و قد بين اللَّه تعالى أن الامر بخلافه مؤكداً لما في العقل.
و قوله «إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً» معناه اليه تعالى مآلكم في الوقت الذي لا يملك أحد الضرر و النفع سواه بخلاف دار الدنيا التي مكن اللَّه تعالى الخلق من الضرر و النفع فيها. و قوله «فَيُنَبِّئُكُمْ» معناه يخبركم بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا من الطاعات و المعاصي، و يجازيكم بحسبها، و في ذلك غاية الزجر و التهديد.
و قوله «لا يَضُرُّكُمْ» يحتمل أن يكون جزماً لأنه جواب الامر، و حرك الراء لأنها ثقيلة و أولها ساكن، فلا يستقيم إسكان آخرها، فيلتقي ساكنان. قال الأخفش: و الأجود أن يكون رفعاً على الابتداء، لأنه ليس بعلة لقوله «عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ» و إنما أخبر أنه لا يضرهم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى وَ لا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (106)
آية بلا خلاف.
ذكر الواقدي و ابو جعفر (ع) أن سبب نزول هذه الآية ما قال أسامة بن زيد عن أبيه قال: كان تميم الداري و أخوه عدي نصرانيين و كان متجرهما الى مكة، فلما هاجر رسول اللَّه (ع) الى المدينة قدم ابن أبي مارية مولى عمرو بن العاص المدينة و هو يريد الشام تاجراً فخرج هو و تميم الداري و أخوه عدي حتى إذا كانوا ببعض الطريق مرض ابن أبي مارية فكتب وصية بيده و دسها في متاعه و أوصى اليهما و دفع المال اليهما و قال أبلغا هذا أهلي، فلما مات فتحا المتاع و أخذا ما أعجبهما منه ثم رجعا بالمال الى الورثة، فلما فتش القوم المال فقدوا بعض ما كان خرج به صاحبهم، و نظروا الى الوصية فوجدوا المال فيها تاماً و كلموا تميماً و صاحبه، فقالا: لا علم لنا به و ما دفعه إلينا أبلغناه كما هو، فرفعوا أمرهم الى النبي (ص) فنزلة هذه الآية.
قوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ» قيل في معنى الشهادة- هاهنا- ثلاثة أقوال:
أحدها- الشهادة التي تقام بها الحقوق عند الحكام.
الثاني- شهادة الحضور لوصيين.
الثالث- شهادة أيمان باللَّه إذا ارتاب بالوصيين من قول القائل: أشهد باللَّه اني لمن الصادقين. و الأول أقوى و أليق بالقصة. و في كيفية الشهادة قيل قولان:
أحدهما- أن يقول صحيحاً كان أو مريضاً: إذا حضرني الموت فافعلوا كذا و كذا. ذكره الزجاج.
الثاني- إذا حضرت أسباب الموت من المرض.
و قيل في رفع «شهادة» ثلاثة أقوال:
أحدها- أن يكون رفعاً بالابتداء و تقديره شهادة بينكم: شهادة اثنين، و يرتفع (اثنان) بأنه خبر الابتداء ثم حذف المضاف و أقيم المضاف اليه مقامه.
قال أبو علي الفارسي: و اتسع في (بين) و أضيف اليه المصدر، و ذلك يدل على قول من يقول: ان الظرف الذي يستعمل يجوز أن يستعمل اسماً في غير الشعر، كما قال تعالى «لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ» (1)فيمن رفع. و جاء في الشعر:
فصادف بين عينيه الجبوبا (2)
فلاقته ببلقعة براح يصف عقابا. و الجبوب- بفتح الجيم- وجه الأرض. و البلقع المكان الخالي، و براح صفة له. و الشاهد ضم النون في (بين).
الثاني- على تقدير محذوف و هو عليكم شهادة بينكم أو مما فرض عليكم شهادة بينكم، و يرتفع اثنان بالمصدر ارتفاع الفاعل بفعله.
و الثالث- ان يكون الخبر «إِذا حَضَرَ» فعلى هذا لا يجوز أن يرتفع (اثنان) بالمصدر، لأنه خارج عن الصلة بكونه بعد الخبر، لكن على تقدير ليشهد اثنان، و لا يجوز أن يتعلق إذا حضر بالوصية لأمرين:
أحدهما- ان المضاف اليه لا يعمل فيما قبل المضاف، لأنه لو عمل فيما قبله للزم أن يقدر وقوعه في موضعه فإذا قدِّر ذلك لزم تقديم المضاف عليه على المضاف، و من ثم لم يجز (القتال زيداً) حين يأتي.
و الآخر ان الوصية مصدر، فلا يتعلق به ما يتقدم عليه.
و قوله «إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ» يعني قرب أحدكم من الموت كما قال «حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ» (3)و قال «حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا»(4)
و قال
«حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ» (1)و كل ذلك يريد به المقاربة. و لولا ذلك لما أسند اليه القول بعد الموت.
و قوله «حِينَ الْوَصِيَّةِ» فلا يجوز أن يحمل على الشهادة، لأنها إذا عملت في ظرف من الزمان لم تعمل في ظرف آخر منه، و يمكن حمله على أحد ثلاثة أشياء:
أحدها- أن تعلقه بالموت كان الموت في ذلك الحين بمعنى قرب منه.
الثاني- على حضر أي إذا حضر: هذا الحين.
الثالث- أن يحمله على البدل من (إذا) لأن ذلك الزمان في المعنى هو ذلك الزمان، فيبدله منه، و يكون بدل الشيء من الشيء إذا كان إياه. و قوله «اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ» خبر المبتدإ الذي هو (شهادة) و تقديره شهادة بينكم شهادة اثنين على ما بيناه، لان الشهادة لا تكون إلا من اثنين و قوله «منكم» صفة لقوله «اثنان» كما ان (ذوا عدل) صفة لهما، و في الظرف ضمير. و في معنى (منكم) قولان:
أحدهما- قال سعيد بن المسيب و عبيدة و يحيى بن يعمر و مجاهد و قتادة و ابن عباس:
أي من المسلمين، و هو قول أبي جعفر و أبي عبد اللَّه (ع).
الثاني- قال سعيد بن المسيب و عبيدة- في رواية اخرى- و عكرمة:
إنهما من حي الموصي و الاول أظهر و أصح، و هو اختيار الرماني، لأنه لا حذف فيه. و قوله «أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» تقديره أو شهادة آخرين من غيركم، و حذف المضاف و أقام المضاف اليه مقامه. و (من غيركم) صفة للآخرين.
و قيل في معنى «من غيركم» قولان:
أحدهما قال ابن عباس و أبو موسى الاشعري و سعيد بن المسيب و سعيد ابن جبير و شريح و ابراهيم و ابن سيرين و مجاهد و ابن زيد و اختاره أبو علي الجبائي، و هو
قول أبي جعفر و أبي عبد اللَّه (ع) أنهما من غير أهل ملتكم.
1) سورة 23 المؤمنون آية 100.
الثاني- قال عكرمة و عبيدة- بخلاف عنه- و ابن شهاب و الحسن:
يعني من غير عشيرتكم. قال الحسن لأن عشيرة الموصي أعلم بأحواله من غيرهم، و هو اختيار الزجاج. قال: لأنه
لا يجوز قبول شهادة الكفار مع كفرهم و فسقهم و كذبهم على اللَّه. و معنى (أو)- هاهنا- للتفصيل لا للتخيير، لأن المعنى أو آخران من غيركم إن لم تجدوا منكم، و هو قول أبي عبيدة و شريح و يحيى بن يعمر و ابن عباس و ابراهيم و سعيد بن جبير و السدي، و هو قول أبي جعفر و أبي عبد اللَّه (ع).
و قال قوم: هو بمعنى التخيير فيمن ائتمنه الموصي من مؤمن أو كافر.
و قوله «إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ» يعني ان أنتم سافرتم كما قال «وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ» (1).
و قوله «فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ» فيه محذوف، و تقديره و قد اسنتم الوصية اليهما فارتاب الورثة بهما تحبسونهما.
و قوله «تَحْبِسُونَهُما» خطاب للورثة و الهاء في (به) تعود الى القسم باللَّه.
و الصلاة المذكورة في هذه الآية قيل فيها ثلاثة أقوال:
أولها- قال شريح و سعيد بن جبير و ابراهيم و قتادة، و هو
قول أبي جعفر (ع) أنها صلاة العصر.
الثاني- قال الحسن: هي الظهر أو العصر، و كل هذا لتعظيم حرمت وقت الصلاة على غيره من الأوقات. و قيل: لكثرة اجتماع الناس كان بعد صلاة العصر.
الثالث- قال: ابن عباس صلاة اهل دينهما يعني في الذميين لأنهم لا يعظمون أوقات صلاتنا.
و قوله «فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ» الفاء دخلت لعطف جملة (ان ارتبتم) في قول الآخرين الذين ليسا من أهل ملتنا أو من غير قبيلة الميت فغلب في ظنكم
1) سورة 4 النساء آية 100.
خيانتهم، و لا خلاف أن الشاهد لا يلزمه اليمين إلا أن يكونا شاهدين على وصية مستندة اليهما فيلزمهما اليمين لأنهما مدعيان. و قوله «لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً» لا نشتري جواب ما يقتضيه قوله «فيقسمان» لان (أقسم) و نحوه يتلقى بما تتلقى به الايمان. و معنى قوله «لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً» لا نشتري بتحريف شهادتنا ثمنا، فحذف المضاف و ذكر الشهادة، لأن الشهادة قول كما قال «وَ إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى ...» ثم قال «فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ» (1)لما كانت القسمة يراد بها المقسوم، ألا ترى ان القسمة التي هي افراد الأنصباء لا يرزق منه. و انما يرزق من التركة، و تقديره لا نشتري به ثمنا أي ذا ثمن، ألا ترى أن الثمن لا يشترى، و انما الذي يشترى المبيع دون ثمنه، و كذلك قوله «اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا» (2)أي ذا ثمن. و المعنى انهم آثروا الشيء القليل على الحق، فاعرضوا عنه و تركوه، و لا يكون (اشتروا) في الآية بمعنى (باعوا) لأن بيع الشيء إخراج و إنفاذ له من البائع، و ليس المعنى- هاهنا- على الإنفاذ و انما هو على التمسك به، و الإيثار له على الحق.
و قوله «وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى تقديره و لو كان المشهود له ذا قربى، و خصَّ ذو القربى لميل الناس الى قراباتهم، و من يناسبونه.
و قوله «وَ لا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ» معناه انَّا ان كتمناها لمن الآثمين. و قال (شهادة اللَّه) فأضاف الشهادة الى اللَّه لأمره بها و بإقامتها و النهي عن كتمانها في قوله «وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» (3)و قوله «وَ أَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ» (4).
فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَ مَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107)
آية بلا خلاف.
قرأ حفص و الأعشى الا النفار و الكسائي عن أبي بكر «استحق» بفتح التاء و الحاء. الباقون- بضم التاء و كسر الحاء- و الابتداء على الاول بكسر الهمزة. و قرأ حمزة و أبو بكر إلا الأعشى- في غير رواية النفار- و يعقوب، و خلف (الاوَّلين) بتشديد الواو، و كسر اللام و فتح النون على الجمع. و الباقون بسكون الواو، و فتح اللام و كسر النون على التثنية.
و قد ذكرنا سبب نزول الآية عمن رويناه عنه
فذكروا أنها نزلت في أمر رسول اللَّه (ص) ان يستحلفوهما (و اللَّه ما قبضنا له غير هذا و لا كتمناه) ثم ظهر على إناء من فضة منقوش مذهب معهما، فقالوا: هذا من متاعه، فقالا: اشتريناه منه، فارتفعوا الى رسول اللَّه فنزلت قوله تعالى: «فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ ..» فأمر رسول اللَّه رجلين من أهل البيت أن يحلفا على ما كتما و غيبا، فحلف عبد اللَّه ابن عمر (1)و المطلب بن أبي وداعة (2)فاستحقا. ثم ان تميما اسلم و تابع رسول اللَّه (ص) و كان يقول: صدق اللَّه، و بلغ رسول اللَّه، أنا أخذت الإناء.
و معنى (عثر) ظهر على، تقول: عثرت على خيانته و أعثرت غيري على خيانته أي أطلعته. و منه قوله «وَ كَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ» (3)أي أطلعنا عليهم و أصله الوقوع بالشيء من قولهم: عثر الرجل يعثر عثوراً إذا وقع إصبعه
بشيء صدمته، و عثر الفرس عثاراً قال الشاعر:
بذات لوث عفرناة إذا عثرت فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا (1)
و أعثر الرجل يعثر عثراً إذا أطلع على أمر كان خافياً عنه، لأنه وقع عليه بعد خفائه، و العثير الغبار الساطع، لأنه يقع على الوجه و غيره، و العثير الأثر الخفي، لأنه يوقع عليه من خفاء.
و قوله: «عَلى أَنَّهُمَا» يعني على أن الوصيين المذكورين أولا في قوله «اثنان» في قول سعيد بن جبير. و قال ابن عباس: على أن الشاهدين استحقا اثما يعني خانا و ظهر و علم منهما ذلك «فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما» يعني من الورثة- في قول سعيد بن جبير و غيره- و «من الذين استحق عليهم الاوليان» قيل في قوله «الاوليان» ثلاثة أقوال:
أحدها- قال سعيد بن جبير و ابن زيد: الاوليان بالميت. الثاني قال ابن عباس و شريح: الاوليان بالشهادة و هي شهادة الايمان. الثالث قال الزجاج: الاوليان أن يحلفا غيرهما و هما النصرانيان. و يقال هو الاولى بفلان ثم يحذف فلان فيقال: هو الاولى، و هذان الاوليان كما يقال هو الأكبر بمعنى الكبير و هذان الاكبران. و في رفع الاوليان ثلاثة أقوال:
أحدها- بانه اسم ما لم يسم فاعله و المعنى استحق عليهم اثم الأولين أي استحق منهم، فحذف المضاف و أقيم المضاف اليه مقامه.
الثاني- بانه بدل من الضمير «في يقومان» على معنى فليقم الاوليان من الذين استحق عليه الوصية و هو اختيار الزجاج.
الثالث- بدل من قوله «آخران». و زعم بعض الكوفيين انه لا يجوز إبداله من «آخرين» لتأخر العطف في (فيقسمان)، لأنه يصير بمنزلة
1) قائله الأعشى ديوانه: 83. (اللوث). القوة. و عفرناة- بفتح العين و الفاء- يصف بها الناس بأنها شبه المجنونة في السير. و (التعس) العثور. و (لعا) كلمة تقال للعاثر.
(مررت برجل قام زيد و قعد) قال الرماني: يجوز على العطف بالفاء جملة على جملة. و قال أبو علي الفارسي: و يجوز أن يكون رفعاً بالابتداء و قد أخر. و تقديره فالاوليان بأمر الميت آخران من أهله أو من أهل دينه يقومان مقام الخائنين اللذين عثر عليهما كقولك: تميمي أنا. و يجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف، و تقديره فآخران يقومان مقامهما هما الاوليان. و اختار أبو الحسن الأخفش أن يكون الاوليان صفة لقوله «فآخران» لأنه لما وصف اختص. فوصف لأجل الاختصاص بما توصف به المعارف. و اما الجمع فعلى اتباع «الذين» و موضعه الجر و تقديره من الأولين الذين استحق عليهم الإيصاء و الإثم. و انما قيل لهم الأولين من حيث كانوا أولين في الذكر ألا ترى أنه تقدم «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ» و كذلك «اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ» ذكرا في اللفظ، قيل قوله «أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» و حجتهم في ذلك أن قالوا: أ رأيت ان كان الاوليان صغيرين أراد انهما إذا كانا صغيرين لم يقوما مقام الكبيرين في الشهادة و لم يكونا لصغرهما اولى بالميت، و ان كانا لو كانا كبيرين كانا أولى به.
و انما قال «اسْتَحَقَّا إِثْماً» لان آخذه انما يأخذه آثم فسمي (اثماً) كما يسمى ما يؤخذ منك بغير حق مظلمة. قال سيبويه: المظلمة اسم ما أخذ منك قهراً، و كذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر. و قيل: معناه استحقا عذاب إثم و حذف المضاف و اقام المضاف اليه مقامه كما قال «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ» (1)أي بعقاب اثمي و عقاب اثمك. و قيل في معنى (عليهم) ثلاثة أقوال:
أحدها- ان تكون (على) بمعنى (من) كأنه. قال من الذين استحق منهم الإثم كما قال «إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ» (2)أي من الناس.
الثاني- ان يكون المعنى كما تقول: استحق على زيد مال بالشهادة أي
لزمه و وجب عليه الخروج منه، لان الشاهدين لما عثر على خيانتهما استحق عليهما ما ولياه من أمر الشهادة و القيام بها و وجب عليهما الخروج منها و ترك الولاية لها فصار إخراجهما منها مستحقا عليهما كما يستحق على المحكوم عليه الخروج مما وجب عليه.
الثالث- أن تكون (على) بمنزلة (في) كأنه استحق فيهم، و قام (على) مقام (في) كما قام (في) مقام (على) في قوله «وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ» (1)و المعنى من الذين استحق عليهم بشهادة الآخرين اللذين هما من غيرنا.
فان قيل: هل يجوز أن يسند (استحق فيه) الى الاوليان؟
قلنا لا يجوز ذلك لأن المستحق انما يكون الوصية أو شيء منها، و لا يجوز أن يستحق الاوليان و هما الاوليان بالميت، و الاوليان بالميت لا يجوز أن يستحقا فيسند (استحق) اليهما.
و قوله «فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ» أي يحلفان باللَّه. و قوله «لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما» جواب القسم في قوله «فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ» و قوله «وَ مَا اعْتَدَيْنا» يعني فيما قلنا من أن شهادتنا أحق من شهادتهما «إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ» تقديره إنا ان اعتدينا لمن الظالمين لنفوسنا.
قال الزجاج: هذه الآية أصعب آية في القرآن اعراباً.
فان قيل: كيف يجوز أن يقف أولياء الميت على كذب الشاهدين أو خيانتهما حتى حل لهما أن يحلفا؟
قيل: يجوز ذلك بوجوه: أحدها- أن يسمعا اقرارهما بالخيانة من حيث لا يعلمان أو يشهد عندهم شهود عدول بأنهم سمعوهما يقرَّ ان بأنهما كذبا أو خانا، أو تقوم البينة عندهما على أنه أوصى بغير ذلك أو على أن هذين لم يحضرا الوصية أو يعرفان بغير ذلك من الأسباب.
1) سورة 20 طه آية 71.
ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اسْمَعُوا وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (108)
آية بلا خلاف.
قوله «ذلِكَ أَدْنى معناه ذلك الاحلاف و الأقسام او ذلك الحكم أقرب الى ان يأتوا بالشهادة على وجهها أي حقها و صدقها، لان اليمين يردع عن أمور كثيرة لا يرتدع عنها مع عدم اليمين.
و اختلفوا في ان اليمين هل تجب على كل شاهدين أم لا؟
فقال ابن عباس: انما هي على الكافر خاصة و هو الصحيح.
و قال غيره: هي على كل شاهدين وصيين إذا ارتيب بهما.
و اختلفوا في نسخ حكم الآيتين المتقدمتين مع هذه على قولين:
فقال ابن عباس و ابراهيم و أبو علي الجبائي: هي منسوخة الحكم.
و قال الحسن و غيره: هي غير منسوخة. و هو الذي يقتضيه مذهبنا و اخبارنا. و قال البلخي: أكثر أهل العلم على أنه غير منسوخ، لأنه لم ينسخ من سورة المائدة شيء، لأنها آخر ما نزلت. و وجه قول من قال: هي منسوخة أن اليمين لا يجب اليوم على الشاهدين بالحقوق. و انما كان قبل الامر باشهاد العدول في قوله «وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» (1)فنسخت هذه الآية و دلت على أن شهادة الذمي لا تقبل إلا على الذمي إذا ارتفعا الى حكام المسلمين لان الذمي ليس بعدل و لا ممن يرضى من الشهداء، و هو قول أبي علي الجبائي. و من ذهب الى انها منسوخة جعلها بمعنى شهادة الايمان على الوصيين فإذا ظهروا على خيانة منهما مما وجد في أيديهما صارا مدعيين و صار
1) سورة 65 الطلاق آية 2.
الورثة في معنى المنكر فوجبت عليهما اليمين من حيث صارا مدعيين.
و قوله «أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ» يعني أهل الذمة يخافوا أن ترد أيمان على أولياء الميت فيحلفوا على خيانتهم فيفتضحوا و يغرموا و ينكشف بذلك للناس بطلان شهادتهم و يسترد منهم ما أخذوه بغير حق، حينئذ يؤدوا الشهادة على وجهها و يحذروا من الكذب.
و قوله «وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اسْمَعُوا» يعني اجتنبوا معاصيه و احذروا ان تحلفوا ايمانا كاذبة أو تخونوا أمانة و اسمعوا مواعظ اللَّه «وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» يعني لا يهدي الفاسقين- الذين خرجوا من طاعة اللَّه الى معصيته- الى الجنة. و قيل ان معنى «لا يَهْدِي» لا يحكم للفاسقين بأنهم مهتدين و لا يجري عليهم مثل هذه الصفة لأنها صفة مدح.
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (109)
آية واحدة.
في ما ينتصب به قوله «يوم»؟ قيل فيه ثلاثة أقوال:
أحدها- انه انتصب بمحذوف تقديره احذروا «يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ» الثاني- اذكروا يوم يجمع اللَّه.
الثالث- قال الزجاج: ينتصب بقوله «اتَّقُوا اللَّهَ». و قال المغربي:
يتعلق بقوله «لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» الى الجنة «يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ» و لا يجوز أن ينتصب على الظرف بهذا الفعل، لأنهم لم يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم، لكن انتصب على انه مفعول به. و اليوم لا يتقى و لا يحذر، و انما يتقى ما يكون فيه من العقاب و المحاسبة و المناقشة كأنه قال اتقوا عقاب يوم، و حذف المضاف و اقام المضاف اليه مقامه.
و قوله «ما ذا أُجِبْتُمْ» تقرير للرسل في صورة الاستفهام على وجه التوبيخ للمنافقين عند اظهار فضيحتهم و هتك أستارهم على رؤوس الاشهاد.
و قول الرسل «لا عِلْمَ لَنا» قيل فيه ثلاثة أقوال:
أولها- قال الحسن و السدي و مجاهد أنهم قالوا ذلك لذهولهم من هول ذلك المقام. فان قيل كيف يجوز ذهولهم مع انهم آمنون لا يخافون؟
كما قال «لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ» (1)و قال «لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ» (2)قيل ان الفزع الأكبر دخول جهنم. و قوله «وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ» هو كقولك للمريض لا خوف عليك، و لا بأس عليك، مما يدل على النجاة من تلك الحال، و خالف أبو علي في هذا و لم يجز الا ما نحكيه عنه.
الثاني- قال ابن عباس، و مجاهد- في رواية أخرى- ان معناه لا علم لنا إلا ما علمتنا فحذف لدلالة الكلام عليه.
الثالث- قال الحسن في رواية أخرى و ابو علي الجبائي: ان معناه لا علم لنا بباطن ما أجاب به أممنا لان ذلك هو الذي يقع عليه الجزاء.
و قال بعضهم معناه لا علم لنا مع علمك أي ليس عندنا شيء مما نعلمه الا و انت عالم به و بكل ما غاب و حضر بدلالة قوله «إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» و قيل في معنى قوله «إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» انه قال علام للبالغة ها هنا لا للتكثير المعلوم.
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَ عَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلاً وَ إِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَ تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَ إِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَ إِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (110)
آية بلا خلاف.
قرأ حمزة و الكسائي و خلف «ساحر» بألف هاهنا و في أول سورة يونس، و في هود، و في الصف. وافقهم ابن عامر و عاصم في يونس.
وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه من صفة يوم القيامة كما ان ما قبله من صفتها و من خطاب الرسل بالمسألة و التذكير بالنعمة لتوبيخ من يستحق التوبيخ من أممهم و تبشير من يستحق البشارة منهم.
العامل في (إذ) يحتمل أحد أمرين: أحدهما- الابتداء عطفاً على قوله «يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ» قال و ذلك «إذ قال» فيكون موضعه رفعاً كما يقول القائل كأنك بنا قد وردنا بلد كذا فصنعنا فيه و فعلنا إذ صاح بك صائح فأجبته و تركتني.
الثاني- اذكر إذ قال اللَّه. و قال بعضهم ان معناه ما ذا أجبتم على عهد عيسى. قال الرماني: هذا غلط، لأنه من صفة (يوم القيامة) و عندي لا يمتنع أن يكون المراد بذلك اخبار النبي (ص) إذ قال اللَّه لعيسى بن مريم اذكر، أي أخبر قومك ما أنعمت به عليك و على أمك، و اشكر ذلك إذ أيدتك بروح القدس. و روح القدس هو جبرائيل و حسن قوله «إذ قال» و لم يقل (يقول) لأنه عطف على ما قبله لأنه قدم ذكر الوقت. و تأييد اللَّه هو ما قواه به و أعانه على أمور دينه، و على رفع ظلم اليهود و الكافرين عنه. و وزن «أيدتك» فعلتك من الأيد على وزن قربتك. و قال الزجاج: يجوز أن يكون فاعلتك من الأيد. و قرأ مجاهد: أيدتك على وزن أفعلتك من الأيد. و روح القدس
جبرائيل قال الحسن و القدس هو اللَّه.
و قوله «تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ» أي انك تكلم الناس في حال ما كنت صبياً في المهد- و المهد حجر أمه، في قول الحسن- و في حال ما كنت كهلا.
قال أبو علي فكان كلم الناس في هذين الوقتين بتبليغه إياهم ما أرسله اللَّه به الى عباده، و ما يدعوهم اليه من طاعة اللَّه و تصديق رسله، لأنه كان بين لهم عند كلامه في المهد «إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وَ بَرًّا بِوالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا» (1)فبين لهم في هذا و في وقت ما صار كهلا ان اللَّه بعثه نبيا و لم يتكلم أحد من الأنبياء في المهد سواه و لم يبعث أحد عند ما ولد غيره، فذكره هذه النعمة التي خصه بها ليشكره على ذلك.
و نصب قوله «كهلا» يحتمل أمرين:
أحدهما- على ان يكون عطفا على موضع تكلم أي أيدتك صغيراً و كهلا.
الثاني- أن يكون عطفاً على موضع في المهد، أي و تكلمهم كهلا بالرسالة.
و قوله «وَ إِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ» يعني و اذكر «إذ». و قيل في معنى (الكتاب) قولان:
أحدهما- انه أراد الخط الكتابة.
الثاني- الكتب فيكون على طريق الجنس ثم فصله بذكر التوراة و الإنجيل.
و قوله «و الحكمة» يعني العلم بما في تلك الكتب.
و قوله «وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ» أي و اذكر ذلك أيضا كل ذلك تذكير له بنعمه عليه و الخلق هو الفعل المقدر على مقدار يعرفه الفاعل، فعلى هذا جميع أفعاله تعالى توصف بأنها مخلوقة، لأنه ليس فيها شيء على وجه السهو و الغفلة، و لا على سبيل المجازفة. و معنى ذلك أنه خلق من الطين كهيئة الطير أي تصور الطين بصورة الطير الذي تريد. و سماه خلقاً لأنه
1) سورة 19 مريم آية 30- 32.
كان يقدره.
و قوله «باذني» أي تفعل ذلك باذني و أمري.
و قوله «فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي» معناه انه نفخ فيها الروح، لأن الروح جسم و يجوز أن ينفخها المسيح بأمر اللَّه. و الطير يؤنث و يذكر فمن أنت أراد الجمع و من ذكر فعلى اللفظ. و الطير واحده طائر مثل ضائن و ضأن و راكب و ركب. و قد قالوا (أطيار) مثل صاحب و أصحاب و شاهد و أشهاد، و يمكن أن يكون (أطيار) جمع طير مثل ثبت و اثبات و بيت و أبيات.
قال أبو علي و قد ينفخها في الجسم على ما أخبر اللَّه به جبرائيل، و على ما
روي عن النبي (ص) أنه يبعث اليه ملكا عند تمام مائة و عشرين يوما فينفخ فيه الروح و يكتب أجله و رزقه و شقي هو أم سعيد.
و بين بقوله «فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي» أنه إذا نفخ المسيح (ع) فيها الروح قلبها اللَّه لحماً و دماً، و خلق فيها الحياة فصارت طائراً بإذن اللَّه و إرادته لا بفعل المسيح (ع) فلذلك قال «فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي».
و قوله «وَ تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ بِإِذْنِي» معناه إنك تدعوني حتى أبرئ الأكمه، و هو الذي خلق أعمى. و قال الخليل: يكون الذي عمي بعد ان كان بصيراً و الأصل الاول. و الأبرص معروف و نسب ذلك الى المسيح لما كان بدعائه و سؤاله.
و قوله «وَ إِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي» أي اذكر إذ تدعوني فأحيي الموتى عند دعائك و أخرجهم من القبور حتى يشادهم الناس أحياء. و انما نسبه الى عيسى لما بينا من أنه كان بدعائه.
و قوله «وَ إِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ» أي اذكر إذ كففت هؤلاء عن قتلك و إذ أيدتك حين جئتهم بالبينات مع كفرهم و عتوهم مع قولهم ان ما جئت به من الآيات سحر مبين. و يجوز أن يكون كفهم بألطافه التي لا يقدر عليها غيره، و يجوز أن يكون كفهم بالمنع و القهر كما منع من أراد
قتل نبينا (ص) و قيل لأنه ألقى شبهه على غيره حتى قتلوه و نجا.
و من قرأ (ساحر) أراد أن عيسى ساحر مبين أي ظاهر بين. و السحر هو الباطل المموه بالحق. و قوله في أول الآية «اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَ عَلى والِدَتِكَ» أي اخبر بها قومك الذين كذبوا عليك ليكون حجة عليهم، لأنهم ادعوا عليه أنه إله و أنه لم يكن عبداً منعما عليه، ثم عدد النعم نعمة نعمة على ما بينا. و قال الطبري: انما عدد اللَّه تعالى هذه النعم على عيسى (ع) حين رفعه اليه فلذلك قال «إِذْ قالَ اللَّهُ».
وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَ بِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَ اشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (111)
آية.
التقدير و اذكر إذ أوحيت الى الحواريين. و في معنى «أَوْحَيْتُ» قولان:
أحدهما- أن معناه ألهمتهم كما قال «وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ» (1)أي ألهمها.
و قيل أمرتهم.
الثاني- ألقيت اليهم بالآيات التي أريتهم إياها كما قال الشاعر:
الحمد للَّه الذي استقلت باذنه السماء و اطمأنت
أوحى لها القرار فاستقرت (2)
أي القى اليها و يروى وحى لها. و الفرق بين أوحى و وحى من وجهين:
أحدهما- أن أوحى بمعنى جعلها على صفة كقولك جعلها مستقرة، و وحى جعل فيها معنى الصفة، لأن أفعل أصله التعدية. و قال قوم: هما لغتان.
و قال البلخي معنى «أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ» أي أوحيت اليك أن تبلغهم أو الى رسول متقدم. و قوله (أوحيت اليهم) يعني أوحيت الى الرسول الذي جاءهم. و في معنى الآية قولان:
أحدهما- قال أبو علي اذكر نعمتي عليك إذ أوحيت الى الحواريين الذين هم أنصارك.
الثاني- اذكر نعمتي على الحواريين لما في ذلك من العلم بنعم اللَّه خاصة و عامة. و انما حسن الحذف في التذكير بالنعمة للشهرة و عظم المنزلة باجلال النعمة و لذلك يحسن الحذف في الافتخار كقول الأعشى:
إن محلا و ان مرتحلا و إن في السفر إذ مضوا مهلا (1)
أي لنا محلا. و (الحواريون) قال الحسن هم أنصار عيسى. و قيل:
هم وزراؤه على أمره. و قيل: هم خاصة الرجل و خلصائه. و منه
قول النبي صلى اللَّه عليه و آله للزبير أنه حواري
، و معناه خالصتي من الناس، و الرفيق الحواري، لأنه أخلص اليه من كل ما يشوبه، و أصله الخلوص، و منه حار يحور أي رجع الى حال الخلوص، ثم كثر حتى قيل صار لكل راجع و قيل:
انهم كانوا قصارين.
إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112)
آية بلا خلاف.
قرأ الكسائي و الأعشى إلا النفار «هل تستطيع» بالتاء «ربك» بنصب الباء. الباقون بالياء و ضم الباء. و أدغم الكسائي اللام في التاء.
قيل في العامل في (إذ) قولان: أحدهما- أوحيت. الثاني- اذكر إذ قال الحواريون. و كلاهما يحتمل.
و قيل في معنى قوله «هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ» ثلاثة أقوال:
1) ديوانه القصيدة: 35 صفحة 155.
أحدها- هل يقدر و كان هذا في ابتداء أمرهم قبل أن تستحكم معرفتهم باللَّه تعالى، و ما يجوز عليه و ما لا يجوز من الصفات، و لذلك أنكر عليهم نبيهم، فقال «اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ»، لأنه لم يستكمل ايمانهم في ذلك الوقت.
الثاني- هل يفعل ذلك قاله الحسن، كما يقول القائل: هل تستطيع أن تنهض أي هل تفعل، لأن المانع من جهة الحكمة أو الشهوة قد يجعل بمنزلة المنافي للاستطاعة.
الثالث- هل يستجيب لك ربك. قال السدي هل يطيعك ربك ان سألته، فهذا على معنى استطاع و أطاع كقولهم استجاب بمعنى أجاب، و انما حكى سيبويه استطاع بمعنى أطاع على زيادة السين. و معنى قراءة الكسائي «هل تستطيع» ان تستدعي اجابة ربك. و أصله هل تستدعي طاعته فيما قبله من هذا- هذا قول الزجاج و فيه وجه آخر و هو هل تقدر أن تسأل ربك.
و الفرق بين الاستطاعة و القدرة أن الاستطاعة انطياع الجوارح للفعل و القدرة هي ما أوجبت كون القادر قادراً و لذلك يوصف تعالى بأنه قادر، و لا يوصف بانه مستطيع. و المائدة الخوان لأنها تميد بما عليها أي تحركه.
قال أبو عبيدة: هي (مفعولة) في المعنى و لفظها (فاعلة) كقوله «عِيشَةٍ راضِيَةٍ» (1)أي مرضية و اصل المائدة الحركة من قولهم ماد يميد ميداً إذا تحرك، عن الزجاج. و منه المائد المدار به في البحر ماد يميد ميداً. و مادة إذا أعطاه و منه قول رؤبة:
نهدي رؤوس المترفين الأنداد الى أمير المؤمنين الممتاد (2)
أي المستعطي و مادهم يميدهم ميداً إذا أطعمهم على المائدة ثم كثر حتى
قيل لكم مطعم. و قوله «قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» معناه اتقوا معاصيه و كثرة سؤال الآيات، لأنكم ان كنتم مؤمنين باللَّه و بصحة نبوة عيسى، فقد أغناكم ما عرفتموه عن الآيات و اتقوا سؤال نزول المائدة، فإنكم لا تعلمون ما يفعل اللَّه بكم عند هذا السؤال.
قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَ نَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَ نَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)
آية.
قيل في معنى (الارادة) هاهنا قولان:
أحدهما- ان يكون بمعنى المحبة التي هي ميل الطباع.
الثاني- ان تكون الارادة التي هي من أفعال القلوب، و يكون التقدير فيه نريد بسؤالنا هذا، كأنهم قالوا: نريد السؤال من أجل هذا الذي ذكرنا، و هذه الارادة و ان تقدمت المراد بأوقات لا توصف بأنها عزم، لأنها متعلقة بفعل الغير و قوله «تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا» يجوز أن يكونوا قالوه و هم مستبصرون في دينهم مؤمنون كما قال ابراهيم (ع) «أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» (1)تحقيقه لنزداد طمأنانية الى ما نحن عليه من المعرفة، و ان كانت المعرفة لا تكون إلا مع الثقة التامة، فان الدلائل كلما كثرت مكنت في النفس المعرفة.
و قوله «وَ نَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَ نَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ» يعني الشاهدين للَّه بتوحيده بالدليل الذي نراه في المائدة و الشهادة لك بالنبوة من جهة ذلك الدليل. و الصدق هو الاخبار بالشيء على ما هو به و الكذب هو الاخبار بالشيء لا على ما هو به.
1) سورة 2 البقرة آية 260
قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَ آخِرِنا وَ آيَةً مِنْكَ وَ ارْزُقْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114)
آية بلا خلاف.
أخبر اللَّه تعالى عن عيسى (ع) أنه سأل ربه أن ينزل عليه مائدة من السماء تكون عيداً لهم لأولهم و آخرهم على ما يقترحه قومه. و رفع (تكون) لأنه صفة للمائدة كما قال «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي» (1)في قراءة من رفعه لأنه جعله صفة. و فيه محذوف، لأن تقديره عيداً لنا و لأولنا و آخرنا لتصح الفائدة في تكرير اللام في أولنا و آخرنا، و قيل في معناه قولان:
أحدهما- نتخذ اليوم الذي تنزل فيه عيداً نعظمه نحن و من يأتي بعدنا- في قول السدي و قتادة و ابن جريج- و هو قول أبي علي.
الثاني- يكون ذلك عائدة فضل من اللَّه و نعمة منه تعالى. و الاول هو وجه الكلام. و قيل: إنها نزلت يوم الأحد. و قوله «و آية منك» فالآية هي الدلالة العظيمة الشأن في إزعاج قلوب العباد الى الإقرار بمدلولها، و الاعتراف بالحق الذي يشهد به ظاهرها، فهي دلالة على توحيدك و صحة نبوة نبيك. و قيل في طعام المائدة ثلاثة أقوال:
أولها- قال ابن عباس و أبو عبد الرحمن:
هو خبز و سمك، و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه (ع)
قال عطية كانوا يجدون في السمك طيب كل طعام.
1) سورة 19 مريم آية 4- 5
الثاني- قال عمار بن ياسر: كان ثمراً من ثمار الجنة.
الثالث- قال زادان و ابو ميسرة: كان عليها من كل طعام إلا اللحم.
و قوله: «وَ ارْزُقْنا» قيل في معناه- هاهنا- قولان:
أحدهما- و اجعل ذلك رزقاً لنا.
الثاني- و ارزقنا الشكر عليها- ذكرهما الجبائي- و انما يكون الشكر رزقاً منه لنا لأنه لطف فيه و وفق له و إعانة عليه كما يكون المال رزقا لنا إذا ملكنا إياه لا بخلقه له.
و في الآية دلالة على أن العباد يرزق بعضهم بعضا بدلالة قوله «وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» لأنه لو لم يصح ذلك لم يجز (خير الرازقين) كما أنه لما لم يجز أن يكونوا آلهة لم يصح أن يقول أنت خير الآلهة، و صح «أرحم الراحمين» (1)و «أحكم الحاكمين» (2)و «أسرع الحاسبين» (3).
و «أحسن الخالقين» (4).
قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (115)
آية بلا خلاف.
قرأ «منزلها» بالتشديد أهل المدينة و ابن عامر، و عاصم. الباقون بالتخفيف.
من خفف طابق بينه و بين قوله «أنزل علينا» و من ثقل، فلأن نزل و أنزل بمعنى قال تعالى «تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ» (1). و قال «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ» (2)لما سئل اللَّه عيسى (ع) أن ينزل عليه المائدة تكون عيداً لأولهم و آخرهم، قال تعالى مجيبا له الى ما التمسه «إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ» يعني المائدة «فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ» يعني بعد إنزالها عليكم «فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ» و قيل في معناه ثلاثة أقوال:
أحدها- قال قتادة:
مسخوا قردة و خنازير، و هو المروي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام
و لم يمسخ أحد خنازير سواهم.
الثاني- أنه أراد به من عالمي زمانهم.
الثالث- أنه أراد به جنسا من العذاب لا يعذب به أحداً غيرهم. و انما استحقوا هذا النوع من العذاب بعد نزول المائدة (3)لأنهم كفروا بعد ما رأوا الآية التي هي من أزجر الآيات عن الكفر لم يرها غيرهم بعد سؤالهم لها و تعلق سببهم بها فاقتضت الحكمة اختصاصهم بضرب من العذاب عظيم الموقع.
كما اختصت آيتهم بضرب من الزجر في عظيم الموقع. و قال الحسن و مجاهد:
ان المائدة لم تنزل عليهم، لأنهم استعفوا من نزولها لما سمعوا الوعيد المقرون بها. و قال قوم: هذا غلط من قائله، لأنه تعالى وعد بانزالها و لا خلاف لقوله و أكثر أهل العلم على أنها أنزلت: منهم ابن عمر، و عمار بن ياسر و أبو عبد الرحمن السلمي، و قتادة و السدي، و هو ظاهر القرآن. و أيضا فلا يجوز أن يسأل نبي على رؤوس الملأ آية لإيجاب اليها، لان ذلك ينفر عنه. و قال
الحسن: انما كان الوعد من اللَّه بانزال المائدة بشرط أن يكون بتقدير اني منزلها عليكم ان تقبلتم الوعيد فيها «فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ ...» الآية، و هذا الشرط الذي ذكره لا دليل عليه. و المطلق لا يحمل على المقيد الا بقرينة و قال قوم: انها لو نزلت فكفروا لعذبوا و أنزل ذلك في القرآن و لو لم يكفروا لكانت المائدة قائمة للمسلمين الى يوم القيامة. و هذا ليس بصحيح لأنه يجوز أن يكون عنى بالعذاب ما يفعله بالآخرة. و يجوز أن يكون عنى عذاب الدنيا و لم يذكره، لأنه ليس بواجب أن يكون كل من اختصه بضرب من العذاب لا بد أن يخبرنا عنه في القرآن، لأنه يكون تجويز ذلك على منازل عظيمة في الجملة أهول و أملأ للصدر من ذكره بالتصريح على تفصيل أمره.
و أما بقاؤها الى يوم القيامة فلا يلزم لأن وجه السؤال أن يكون يوم نزولها عيداً لهم و لمن بعدهم ممن كان على شريعتهم.
وَ إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116)
آية بلا خلاف.
قوله «وَ إِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ» أي اذكر و يحتمل ثلاثة أوجه:
أولها- أن يكون معطوفاً على ما قبله، كأنه قال «يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ» ثم قال: و ذلك إذ يقول يا عيسى اذكر نعمتي و إذ يقول له أ أنت قلت للناس.
الثاني- قال البلخي: يمكن أن يكون لما رفع اللَّه عيسى اليه قال له ذلك، فيكون المقال ماضيا.
و الثالث- ذكره أيضا البلخي أن (إذ) استعملت بمعنى (إذا) فيصح حينئذ أن يكون القول من اللَّه يوم القيامة، و مثله «وَ لَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ»(1)
كأنه قال إذ يفزعون، و قال «وَ لَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ» (2)كأنه قال إذا وقفوا لان هذا لم يقع بعد، و قال أبو النجم:
ثم جزاه اللَّه عنا إذ جزا جنات عدن في العلاليِّ العلا (3)
و المعنى إذا جزى، و قال الأسود (أعشى بني نهشل)
فالآن إذ هازلتهن قائما يقلن ألا لم يذهب المرء مذهبا (4)
و قال أوس:
الحافظ الناس في تحوط إذا لم يرسلوا تحت مائذ ربعا
وهبت الشامل البليل و إذ بات كميع الفتاة ملتفعا (5)
يقال (إذا) و (إذ) بمعنى واحد، و قال بعض أهل اليمن:
و ندمان يزيد الكأس طيبا سقيت إذا تغورت النجوم (6)
فقال (إذا) و المعنى (إذ) لأنه انما يخبر عما مضى. و قال أبو عبيدة (إذ) صلة. و المعنى قال اللَّه: يا عيسى. و قد بينا فساد هذا القول فيما مضى فأما لفظ (قال) في معنى يقول فمستعمل كثيراً و ان كان مجازاً، قال اللَّه تعالى
«وَ نادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ» (1)و المراد ينادي. و قد استعمل المستقبل بمعنى الماضي، قال زياد الأعجم في المغيرة بن المهلب يرثيه بعد موته:
فإذا مررت بقبره فانحر به خوص الركاب و كل طرف سابح
و انضج جوانب قبره بدمائها فلقد يكون أخادم و ذبائح (2)
فإذا مررت بقبره فاعقر به كوم الهجان و كل طرف سابح
فقال (يكون) و معناه (كان) لدلالة الكلام عليه، لأنه في مرثية له بعد موته. و قوله «يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ» يحتمل عيسى أن يكون منصوبا مثل ما تقول: يا زيد بن عبد اللَّه، و هو الأكثر في كلام العرب. و انما يجوز ذلك إذا وقع الابن بين علمين، فأما إذا قلت يا زيد ابن الرجل لم يجز في زيد إلا الضم. و يحتمل أن يكون عيسى في موضع الضم و يكون نداء (ابن) كأنه قال يا عيسى يا ابن مريم.
و قوله «أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ» تقريع في صورة الاستفهام و المراد بذلك تقريع و تهديد من ادعى ذلك، لأنه تعالى كان عالما بذلك هل كان أو لم يكن. و يحتمل وجهاً آخر- ذكره البلخي- ان اللَّه تعالى أراد أن يعلم عيسى أن قومه اعتقدوا فيه و في أمه أنهما إلهان كما أن الواحد منا إذا أرسل رسولا الى قوم أن يفعلوا فعلا فأدى الرسالة و انصرف فخالفوا ذلك و علم المرسل و لم يعلم الرسول جاز أن يقول المرسل للرسول:
أ أنت أمرتهم بذلك؟ و غرضه أن يعلمه أنهم خالفوه. و انما قال (إلهين) تغليباً للذكر على الأنثى. و الغرض بالكلام أن النصارى يعتقدون في المسيح أنه صادق لا يكذب و أنه الذي أمرهم بأن يتخذوه و أمه إلهين، فإذا كذبهم الصادق عندهم الذي ينسبون الامر به اليه كان ذلك آكد في الحجة عليهم و أبلغ في التوبيخ لهم و التوبيخ ضرب من العقوبة. و قيل في قوله تعالى «الهين»
ثلاثة أوجه:
أحدها- أنهم لما عظموهما تعظيم الآلهة أطلق ذلك عليهما كما قال «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» (1)و انما أراد تقريعهم على معصيتهم.
و الثاني- انهم جعلوه إلها و جعلوا مريم والدة له ميزوها من جميع البشر تمييزاً شابهت الالهية و أطلق ذلك، لأنه مستخرج من قصدهم. و ان لم يكن صريح ألفاظهم، على طريقة الإلزام لهم.
الثالث- انهم لما سمُّوه إلها و عظموها هي، و كانا مجتمعين سماهما إلهين على طريقة العرب كقولهم: القمران للشمس و القمر، و العمران لابي بكر و عمر قال الشاعر:
جزاني الزهدمان جزاء سوء و كنت المرء يجزى بالكرامة (2)
يريد زهدماً و قيساً ابني حزن القيسين، و هذا كثير، و ذكر لي بعض النصارى الذي قرأ كتب النصارى عن جاثليق لهم لم يكن في زمانه مثله:
أنه سأله عن هذا فقال: كنت شاكا في ذلك الى أن قرأت في كتاب ذكره أن فيما مضى كان قوم يقال لهم المريمية كانوا يعتقدون في مريم أنها آلهة، فعلى هذا القول أقرب. و ورد كما قلناه في الحكاية عن اليهود أنهم قالوا: عزير ابن اللَّه. و قد ذكرناه في سورة التوبة.
و قوله «سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ» معناه أنزهك أن يكون معك آلهة و أن يكون للأشياء إليه غيرك، و اعترف بأنه لم يكن لي أن أقول هذا القول. و قوله «إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ» أي لم أقله لاني لو كنت قلته لما خفي عليك إذ كنت علام الغيوب. و قوله «تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ» أي تعلم غيبي و لا أعلم غيبك، لان ما في نفس عيسى و ما
في قلبه هو ما يغيبه عن الخلق، و انما يعلمه اللَّه، و سمي ما يختص اللَّه بعلمه بأنه في نفسه على طريق الازدواج في الكلام كما قال «وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ» (1)«اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ» (2)«يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ»
(3)«و جزاء سيئة سيئة مثلها» (4)«وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا» (5)و كل ذلك وجه ازدواج الكلام، و يقوى هذا التأويل قوله «إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» لأنه علل أنه انما يعلم ما في نفس عيسى، لأنه علام الغيوب، و عيسى ليس كذلك، فلذلك لم يعلم ما يختص اللَّه بعلمه. و النفس في اللغة على ضروب: أحدها- نفس الإنسان التي بها حياته، يقولون خرجت نفسه أي روحه و في نفسي أن افعل أي في روعي. و ثانيها أن نفس الشيء ذات الشيء يقولون: قتل فلان نفسه أي ذاته، و على هذا حمل قوله «وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» (6)أي ذاته و قيل عذابه. و النفس الهم بالشيء كما يحكى أن سائلا سأل الحسن فقال: ان لي نفسين إحداهما تقول لي حج، و الآخر تزوج، فقال الحسن: النفس واحدة و انما لك همان همُّ- بكذا و هم بكذا و النفس الأنفة كقولهم: ليس لفلان نفس أي لا أنفة له، و النفس الارادة يقولون نفس فلان في كذا أي ارادته قال الشاعر:
فنفساي نفس قالت ائت ابن بحدل تجد فرجا من كل غمى تهابها
و نفس تقول أجهد نجاءك و لا تكن كخاضبة لم يغن عنها خضابها (7)
و النفس أيضاً العين التي تصيب الإنسان يقال أصابت فلانا نفس أي عين و منه
قوله (ص) في رقيا (بسم اللَّه أرقيك و اللَّه يشفيك من كل عاهة فيك من كل عين عاين و نفس نافس و حسد حاسد)
و قال عبيد اللَّه بن قيس الرقيات:
تتقي نفسها النفوس عليها فعلى نحرها الرقى و التميم
و قال ابن الاعرابي: النفوس التي تصيب الناس بالنفس، و النفس أيضاً من الدباغ مقدار الدبغة.
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)
آية بلا خلاف.
هذا اخبار عن عيسى (ع) أنه يقول للَّه تعالى في جواب ما قرره عليه اني لم أقل للناس الا ما أمرتني به، من الإقرار لك بالعبودية و أنك ربي و ربهم و إلهي و إلههم، و أمرتهم بأن يعبدوك وحدك و لا يشركوا معك في العبادة.
و قال: اني كنت شهيداً أي شاهداً عليهم ما دمت فيهم بما شاهدته منهم و علمته و بما بلغتهم من رسالتك التي حملتنيها و أمرتني بأدائها اليهم ما دمت حياً بينهم «فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي» أي قبضتني اليك و أمتني «كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ» و الرقيب هو الذي يشاهد القوم و يرقب ما يعملون و يعرف ذلك، ثم اعترف بأنه تعالى «عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» لأنه عالم بجميع الأشياء لا يخفى عليه خافية و لا يغيب عنه شيء فهو يشهد على العباد بكل ما يعملونه. و في اخباره تعالى عن المسيح أنه نفى القول الذي أدعوه عليه تأكيد لتبكيت النصارى و تكذيب لهم و توبيخ على ما أدعوه من ذلك عليه. قال الجبائي و في الآية دلالة على انه تعالى أمات عيسى (ع) و توفاه عند ما رفعه، لأنه بيَّن انه كان شهيداً عليهم. و توفيه إياه بعد ان كان بينهم انما كان عند رفعه إياه الى السماء عند ما أرادوا قتله. و عندي أن الذي ذكره لا يدل على أنه أماته، لان التوفي هو القبض اليه و لا يستفاد منه الموت الا بشاهد الحال. و لذلك قال تعالى «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها»
(1)فبين انه يتوفى التي لم تمت فنفس التوفي لا يفيد الموت بحال. و قوله «أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ» يجوز أن تكون (أن) بمعنى (أي) مفسرة في قول سيبويه، كما قال «وَ انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا» (2)أي امشوا، لأنها مفسرة لما قبلها. و المعنى ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا اللَّه. و يجوز أن تكون (أن) في موضع خفض على البدل من الهاء و تكون (أن) موصولة ب (اعْبُدُوا اللَّهَ). و معناه الا ما أمرتني به بأن يعبدوا اللَّه، و يجوز أن تكون موضعها نصبا على البدل من (ما) و المعنى ما قلت لهم شيئا الا أن اعبدوا اللَّه، أي ما ذكرت لهم إلا عبادة اللَّه. و قوله «أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ» شاهد بلفظ الإنجيل فانه ذكر في الفصل الرابع من إنجيل لوقا، قال المسيح: مكتوب أن اسجد للَّه ربك و إياه وحده فأعبد، و هذا لفظه و هو صريح التوحيد.
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)
آية بلا خلاف.
ظاهر هذه الآية يدل على أن عيسى لم يكن أعلمه اللَّه أن الشرك لا يغفر على كل حال، فلذلك قال «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ» الذين كفروا بك و جحدوا إلهيتك و كذبوا رسلك «وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ».
و قال البلخي: ان عيسى (ع) أخبر أنه لا علم له بما صنعوا بعده من الكفر به حتى قيل له: ما ذا أجبت؟ قال لا علم لي، ثم قال: ان كانوا كفروا فعذبتهم فهم عبادك و ان كانوا ثبتوا على ما دعوتهم اليه أو تابوا من كفرهم
فغفرت لهم فأنت العزيز الحكيم.
و من ذهب الى أن قول اللَّه «يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ» إخبار عما مضى و أن اللَّه قال ذلك عند ما رفعه اليه، قال: انما عنى عيسى ان تعذبهم بمقامهم على معصيتك فإنهم عبادك و ان تغفر لهم بتوبة تكون منهم، لان القوم كانوا في الدنيا لان عيسى لم يشك في الآخرة أنهم مشركون. و قد انقطعت التوبة، و انما قال ذلك في الدنيا و جعل قول اللَّه تعالى «هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ» جوابا للرسل حين سألهم ما ذا أجبتم «قالوا لا علم لنا» فصدقهم اللَّه في ذلك. و مثل ذلك قال عمرو ابن عبيد و الجبائي و الزجاج و كلهم شرط التوبة. و هذا الذي ذكروه ترك للظاهر و زيادة شرط في ظاهرها ليس عليه دليل. و قوله «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ» (1)انما هو اخبار لامة نبينا بأن لا يغفر الشرك و لا نعلم ان مثل ذلك أخبر به الأمم الماضية فلا متعلق بذلك. و يمكن أن يكون الوجه في الآية مع تسليم ان كان عارفا بأن اللَّه لا يغفر أن يشرك به و انه أراد بذلك تفويض الامر الى مالكه و تسليمه الى مدبره و التبري من أن يكون له شيء من أمر قومه، كما يقول الواحد منا إذا تبرء من تدبير أمر من الأمور و يريد تفويضه الى غيره: هذا الامر لا مدخل لي فيه فان شئت أن تفعله و ان شئت ان تتركه مع علمه ان أحدهما لا يكون منه.
و قوله «فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» معناه انك القادر الذي لا يغالب و أنت حكيم في جميع أفعالك فيما تفعله بعبادك.
و قيل معناه «فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ» القدير الذي لا يفوتك مذنب و لا يمتنع من سطوتك مجرم «الحكيم» فلا تضع العقاب و العفو الا موضعهما. و لو قال: الغفور الرحيم كان فيه معنى الدعاء لهم و التذكير برحمته، على أن العذاب و العفو قد يكونان غير صواب و لا حكمة فالإطلاق لا يدل على الحكمة و الحسن. و الوصف بالعزيز الحكيم يشتمل على العذاب و الرحمة إذا كانا
1) سورة النساء آية 47، 151.
صوابين. و قال الحسين بن علي المغربي رأيت على باب بمصرفى موضع يقال له (بيطار بلال) معروف لوحا قديماً من ساج عليه هذا العشر و فيه (فإنك أنت الغفور الرحيم) و تأريخ الدار سنة سبعين من الهجرة أو نحوها و لعلها باقية الى اليوم.
فان قيل قول عيسى ان تعذبهم فأنهم عبادك يدل على ان اللَّه تعالى له أن يعاقب عبيده من غير جرم كان منهم لأنه علل حسن ذلك بكونهم عبيدا لا بكونهم عصاة، و ذلك خلاف ما تذهبون اليه؟ قلنا: لا يجوز ان يريد عيسى (ع) بكلامه ما يدل على أن الفعل على كونه غير جائز عليه تعالى. و لا يحسن منه تعالى أيضا أن يترك انكار ذلك فلما علمنا أن اللَّه تعالى لا يجوز ان يعاقب خلقه من غير معصية سبقت منهم من حيث كان ذلك ظلماً محضاً، علمنا ان عيسى أراد بقوله ذلك «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ» الجاحدون لك المتخذون معك إلهاً غيرك لان ما تقدم من الكلام دل عليه فلم يحتج ان يذكره في اللفظ فبطل ما توهموه.
قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما فِيهِنَّ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)
آيتان بلا خلاف.
قرأ «يوم ينفع» بفتح الميم نافع. الباقون بضمها.
من رفع (يوما) جعله خبر المبتدأ الذي هو (هذا) و أضاف (يوما) الى (ينفع). و الجملة التي هي من المبتدأ و الخبر في موضع نصب بأنه مفعول القول، كما تقول: قال زيد عمر أخوك. و من نصب احتمل أمرين:
أحدهما- ان يكون مفعول قال و تقديره قال اللَّه هذا القصص، و هذا الكلام «يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ» فيوم ظرف للقول (و هذا) اشارة الى ما تقدم ذكره من قوله: «إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ» و جاء على لفظ الماضي و ان كان المراد به المستقبل، كما قال «وَ نادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ» (1)و نحو ذلك على ما بيناه. و ليس ما بعد (قال) حكاية في هذا الوجه كما كان إياها في الوجه الآخر.
و يجوز ان يكون المعنى على الحكاية و تقديره قال اللَّه تعالى «هذا يَوْمُ يَنْفَعُ» أي هذا الذي اقتصصنا به يقع أو يحدث يوم ينفع، ف «يوم» خبر المبتدأ الذي هو (هذا) الامر إشارة الى حدث. و ظروف الزمان تكون اخبارا عن الأحداث. و الجملة في موضع نصب بأنها في موضع مفعول، قال الفراء: (يوم) منصوب لأنه مضاف الى الفعل و هو في موضع رفع بمنزلة (يومئذ) مبني على الفتح في كل حال، قال الشاعر:
على حين عاتبت المشيب على الصبا فقلت ألما تصح و الشيب وازع (2)
قال الزجاج هذا خطأ عند البصريين، لأنهم لا يجيزون هذا يوم آتيتك، يريدون هذا يوم إتيانك، لان (آتيتك) فعل مضارع فالاضافة اليه لا يزيل الاعراب عن جهته، و لكنهم يجيزون (ذلك يوم يقع زيد أصدقه) لان الفعل الماضي غير مضارع للمتمكن فهي اضافة الى غير متمكن و الى غير ما ضارع المتمكن و يجوز (هذا يوم) منونا (يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ) على إضمار هذا يوم ينفع
و ما الدهر الا تارتان فمنهما أموت و أخرى ابتغي العيش اكدح (1)
و المعنى فمنهما تارة أموت فيها.
و قوله «قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ» يعني يوم القيامة، و دل على أن قول اللَّه للمسيح «أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ» يكون يوم القيامة، ثم بين ان الصادقين ينفعهم صدقهم و هو ما صدقوا فيه في دار التكليف، لان يوم القيامة لا تكليف فيه على أحد، و لا يخبر أحد فيه الا بالصدق، و لا ينفع الكفار صدقهم الذي يقولونه يوم القيامة إذا أقروا على أنفسهم بسوء أعمالهم، ثم بين ان «لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ»، و أنهم «خالدون فيها أبدا» في نعيم مقيم لا يزول، و ان اللَّه قد «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا» هم عن اللَّه و بين ان ذلك «الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» و هو ما يحصلون فيه من الثواب و النجاة من النار، ثم قال تعالى: «لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما فِيهِنَّ» يعني ان ملك السماوات و الأرض و ما بينهما له بالقدرة على التصرف فيهما و فيما بينهما على وجه ليس لاحد منعه منه و لا معارضته فيه خاصة، ثم بين انه تعالى: «عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» مما كان و يكون مما يصح ان يكون مقدورا له.
1) قائله ابن مقبل. اللسان «كدح».
قال ابن عباس و مجاهد و قتادة و غيرهم: ان سورة الانعام مكية. و قال يزيد بن رومان بعضها مكي و بعضها مدني. و قال شهر بن خوشب: هي مكية إلا آيتين منها قوله تعالى: «قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ» و التي بعدها. و روى عن ابن عباس انه قال نزلت سورة الانعام جملة بمكة معها سبعون الف ملك محدقون حولها بالتسبيح و التهليل و التحميد و هي مائة و خمس و ستون آية كوفى و ست في البصري و سبع في المدنيين. و روي عن ابن عباس أيضا انه قال هي مكية غير ست آيات منها فإنها مدنيات. «قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ» و آيتان بعدها و قوله «وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ» الى آخرها و الآية التي بعدها «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ ...»
الى آخرها.
و روي عن أنس بن مالك انه قال: قال رسول اللَّه (ص): ما نزل علي سورة من القرآن جملة غير سورة الأنعام و ما جمعت الشياطين لسورة من القرآن جمعها لها و لقد بعث بها الي مع جبرائيل مع خمسين ملكا، أو قال خمسين الف ملك- شك الواقدي- نزل بها و تحفها حتى أقرَّها في صدري كما يقر الماء في الحوض و قد اعزني اللَّه و إياكم بها عزاً لا يذلنا بعده ابداً فيها دحض حجج المشركين و وعد من اللَّه لا يخلفه.
و روي عن كعب الأحبار انه قال: افتتحت التوراة بالحمد للَّه الذي خلق السماوات و الأرض و جعل الظلمات و النور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون. و ختمت بالحمد للَّه الذي لم يتخذ ولداً و لم يكن له شريك في الملك الى آخر الآية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)
آية في الكوفي و البصري، و آيتان في المدنيين، قوله «و النور» آخر آية أخبر اللَّه تعالى في هذه الآية أن المستحق للحمد من خلق السماوات و الأرض و جعل الظلمات و النور أي خلقهما لما اشتملا عليه من عجائب الخلق و متقن الصنع. ثم عجب ممن جعل له شركاء مع ما ترى في السماوات و الأرض من الدلالة على أنه الواحد الذي لا شريك له، و قد بينا فيما تقدم وجه دلالة ذلك على أنه واحد ليس باثنين. و قوله «بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ» أي يجعلون له مثلا يستحق العبادة مأخوذ من قولك: لا أعدل بفلان أحدا، أي لا نظير له عندي و لا أحد يستحق ما يستحقه. قال الكسائي: يقال عدلت الشيء بالشيء أعدله عدولا إذا ساويته، و عدل في الحكم يعدل عدلا. و قال الحسن و مجاهد:
معنى يعدلون يشركون.
و انما ابتدأ تعالى هذه السورة بالحمد احتجاجا على مشركي العرب، و على من كذب بالبعث و النشور فابتدأ، فقال «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ» فذكر أعظم الأشياء المخلوقة، لان السماء بغير عمد ترونها، و الأرض غير مائدة بنا. ثم ذكر الظلمات و النور، و ذكر الليل و النهار، و هما مما به قوام الخلق. فأعلم اللَّه تعالى أن هذه خلق له، و أن خالقها لا شيء مثله.
و روي عن أبي عبد اللَّه (ع) أنه قال: ان الانعام نزلت جملة، و شيعها سبعون الف ملك حين أنزلت على رسول اللَّه (ص) فعظموها، و بجلوها، فان اسم اللَّه تعالى فيها في سبعين موضعا. و لو يعلم الناس ما في قراءتها من الفضل ما تركوها.
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2)
آية بلا خلاف.
معنى قوله «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ» أي انشأكم، و اخترعكم «مِنْ طِينٍ» و معناه خلق أباكم- الذي هو آدم و أنتم من ذريته، و هو بمنزلة الأصل لنا- من طين، فلما كان أصلنا من الطين جاز ان يقول «خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ».
و قوله «ثُمَّ قَضى معناه حكم بذلك. و القضاء يكون حكما، و يكون أمرا و يكون الإتمام و الإكمال.
و قوله «أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ» قيل في معنام قولان:
أحدهما- قال ابو علي: كتب للمرء أجلا في الدنيا، و حكم بأنه أجل لنا، و هو الأجل الذي يحيى فيه أهل الدنيا الى أن يموتوا، و هو أوقات حياتهم، لان أجل الحياة، هو وقت الحياة، و أجل الموت هو وقت الموت «وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ» يعني آجالكم في الآخرة، و ذلك أجل دائم ممدود لا آخر له، و انما قال له «مسمى عنده»، لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، في السماء و هو الموضع الذي لا يملك فيه الحكم على الخلق سواه.
و قال الزجاج: أحد الأجلين أجل الحياة، و هو الوقت الذي تحدث فيه الحياة، و يحيون فيه «وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ» يعني أمر الساعة و البعث. و به قال الحسن، و سعيد بن جبير، و مجاهد، و عكرمة، و الضحاك. و قال بعضهم:
«قَضى أَجَلًا» يعني أجل من مضى من الخلق «وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ» أجل الباقين و الذي نقوله: ان الأجل هو الوقت الذي تحدث فيه الحياة أو الموت و لا يجوز ان يكون المقدر أجلا، كما لا يجوز أن يكون ملكا، فان سمي- ما يعلم اللَّه تعالى أنه لو لم يقتل فيه لعاش اليه- أجلا، كان ذلك مجازا، لان الحي لا يعيش اليه. و لا يمتنع أن يعلم اللَّه من حال المقتول أنه لو لم يقتله القاتل لعاش الى وقت آخر. و كذلك ما
روي: أن الصدقة و صلة الرحم تزيد في الأجل
، و ما روي في قصة قوم يونس و أن اللَّه صرف عنهم العذاب، و زاد
في آجالهم، لا يمنع منه مانع، و انما منع من التسمية لما قلناه.
و قوله: «ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ» خطاب للكفار الذين يشكُّون في البعث و النشور. احتج اللَّه بهذه الآية على الذين عدلوا به غيره، فأعلمهم انه خلقهم من طين، و نقلهم من حال الى حال، و قضى عليهم الموت، فهم يشاهدون ذلك، و يقرون بأنه لا محيص منه. ثم عجبهم من امترائهم أي من شكهم في انه الواحد القهار على ما يشاء، و في أنه لم يعبث بخلقهم و ابقائهم و اماتتهم بعد ذلك، و أنه لا بد من جزاء المسيء و المحسن، و مثله قوله: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ» (1)ان الذي قدر على ذلك قادر على أن يبعثكم بعد أن تكونوا ترابا.
و قوله «وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ» رفع على الابتداء و تم الكلام عند قوله:
«ثُمَّ قَضى أَجَلًا».
وَ هُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ فِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ وَ يَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (3)
آية إجماعاً.
قوله «وَ هُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ فِي الْأَرْضِ» يحتمل معنيين:
أحدهما- قال الزجاج و البلخي، و غيرهما: انه المعبود في السماوات و الأرض، و المتفرد بالتدبير في السماوات و في الأرض، لان حلوله فيهما أو شيء منهما لا يجوز عليه. و لا يجوز أن تقول هو زيد في البيت، و الدار، و أنت تريد أنه يدبرهما الا ان يكون في الكلام ما يدل على ان المراد به التدبير كقول القائل: فلان الخليفة في الشرق و الغرب، لان المعنى في ذلك أنه المدبر فيهما.
1) سورة 22 الحج آية 5.
و يجوز ان يكون خبرا بعد خبر، كأنه قال: انه هو اللَّه و هو في السماوات و في الأرض. و مثل ذلك قوله «وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ» (1)و الوجه الثاني- قال أبو علي: ان قوله «وَ هُوَ اللَّهُ» قد تم الكلام، و قوله «فِي السَّماواتِ وَ فِي الْأَرْضِ» يكون متعلقا بقوله «يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ» في السماوات و في الأرض لأن الخلق إما أن يكونوا ملائكة فهم في السماء أو البشر و الجن، فهم في الأرض، فهو تعالى عالم بجميع ذلك لا يخفى عليه خافية، و يقوِّيه قوله «وَ يَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ» أي يعلم جميع ما تعملون من الخير و الشر فيجازيكم على حسب أعمالكم، و لا يخفى عليه شيء منها، و في ذلك غاية الزجر و التهديد.
و في الآية دلالة على فساد قول من قال: إنه تعالى في مكان دون مكان تعالى اللَّه عن ذلك.
وَ ما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (4)
آية بلا خلاف.
في هذه الآية اخبار من اللَّه تعالى أنه لا يأتي هؤلاء الكفار- المذكورين في أول الآية- من آيات من ربهم، و هي المعجزات التي يظهرها على رسوله و آيات القرآن التي كان ينزلها على نبيه (ص) «إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ» لا يقبلونها، و لا يستدلون بها على ما دلهم اللَّه عليه من توحيده و صدق رسوله محمد (ص).
فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (5)
1) سوره 10 يونس آيه 22
آية بلا خلاف.
في هذه الآية اخبار منه تعالى أن الكفار قد كذَّبوا بالحق الذي أتاهم به محمد (ص) لما جاءهم بالقرآن، و سائر أمور الدين، و انه سوف يأتيهم خبر العذاب الذي ينزله بهم عقوبة على كفرهم، و هذا العذاب هو الذي كانوا به يستهزؤن: بأخبار رسول اللَّه إياهم به و بنزوله بهم.
فبين أن ذلك سيحل بهم و سيقفون على صحته. و دل ذلك على أنهم كانوا يستهزؤن، و ان كان لم يذكره هاهنا و ذكره في موضع آخر. و مثل ذلك قول القائل للجاني عليه: سيعلم عملك. و انما يريد ستجازى على عملك.
و قال الزجاج: معنى «أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» أي تأويله. و المعنى سيعلمون ما يؤل اليه استهزاؤهم.
أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَ أَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَ جَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (6)
آية بلا خلاف.
قوله «أَ لَمْ يَرَوْا» خطاب للغائب و تقديره ألم ير هؤلاء الكفار: ألم يعلموا كم أهلكنا من قبلهم من قرن. ثم قال «مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ» فخاطب خطاب المواجه، فكأنه اخبر النبي (ص) ثم خاطبه معهم، كما قال:
«حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ» (1)فذكر لفظ الغائب بعد
1) سورة 10 يونس آية 22
خطاب المواجه. و معنى «مِنْ قَرْنٍ» من أمة. قال الحسن: القرن عشرون سنة. و قال ابراهيم: أربعون سنة. و قال ابو ميسرة: هو عشر سنين. و حكى الزجاج و الفراء: أنه ثمانون سنة و قال قوم: هو سبعون سنة. و قال الزجاج:
عندي القرن هو أهل كل مدة كان فيها نبي أو كان فيها طبقة من أهل العلم، قلت السنون او كثرت، فيسمى ذلك قرنا، بدلالة
قوله (ع): (خيركم قرني) يعني أصحابي (ثم الذين يلونهم) يعني التابعين (ثم الذين يلونهم) يعني تابعي التابعين.
قال: و جائز أن يكون القرن جملة الامة، و هؤلاء قرن فيها.
و اشتقاق القرن من الاقتران. و كل طبقة مقترنين في وقت قرن، و الذين يأتوا بعدهم ذووا اقتران: قرن آخر.
و قوله «مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ» معناه جعلناهم ملوكا و أغنياء تقول مكنتك، و مكنت لك واحد.
و قوله «وَ أَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً» معناه أرسلنا عليهم مطرا كثيرا من السماء يقول القائل أصابتنا هذه السماء، و ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم، يعنون المطر. و قوله «مدراراً» يعني غزيرا دائماً كثيرا. و هو قول ابن عباس و أبي روق. و (مفعال) من ألفاظ المبالغة، يقال ديمة مدراراً إذا كان مطرها غزيراً حادا، كقولهم امرأة مذكار: إذا كانت كثيرة الولادة للذكور، و مئناث في الإناث. و مفعال لا يؤنث، يقال: امرأة معطار و مئناث و مذكار، بغير هاء.
بين اللَّه تعالى أن هؤلاء الذين آتاهم اللَّه هذه المنافع و أجرى من تحتهم الأنهار، و وسع عليهم، و مكنهم في الأرض، لما كفروا بنعم اللَّه و ارتكبوا معاصيه أهلكهم اللَّه بذنوبهم، و انه انشأ قوما آخرين بعدهم. يقال: انشأ فلان يفعل كذا أي ابتدأ فيه.
و موضع (كم) نصب ب (أهلكنا)، لان لفظ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، فلذلك لا يجوز أن يكون منصوبا ب (يروا).
فان قيل: كيف قال: «أَ لَمْ يَرَوْا» و القوم كانوا غير مقرين بما أخبروا
به من شأن الأمم قبلهم؟ قيل: كان الكثير منهم مقرا بذلك فأنه دعي بهذه الآية الى النظر و التدبر ليعرف بذلك ما عرفه غيره.
وَ لَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (7)
آية بلا خلاف.
أخبر اللَّه تعالى في هذه الآية أنه لو نزل على نبيه كتابا يعني صحيفة مكتوبة في قرطاس حتى يلمسوه بأيديهم و يدركوه بحواسهم، لأنهم سألوا النبي (ص) ان يأتيهم بكتاب يقرءونه من اللَّه الى فلان بن فلان أن آمن بمحمد، و انه لو أجابهم الى ذلك لما آمنوا، و نسبوه الى السحر لعظم عنادهم و قساوة قلوبهم و عزمهم على أن لا يؤمنون على كل حال. و عرفه أن التماسهم هذه الآيات ضرب من العنت و متى فعلوا ذلك اصطلمهم و استأصلهم، و ليس تقتضي المصلحة ذلك، لما علم في بقائهم من مصلحة للمؤمنين، و علمه بمن يخرج من أصلابهم من المؤمنين و أن فيهم من يؤمن فيما بعد، فلا يجوز احترام من هذه صفته- عند أبي علي و البلخي.
و قوله «إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» معناه ليس هذا الا سحر مبين. و احتج ابو علي بهذه الآية على أنه متى كان في معلوم اللَّه تعالى انه لو آتاهم الآيات التي طلبوها لآمنوا عندها وجب ان يفعلها بهم، قال: و لولا ذلك كذلك لم يحتج على العباد في منعه إياهم الآيات التي طلبوها أي انما منعتهم إياها لأنهم كانوا لا يؤمنون، و لو آتاهم إياها لكانوا يقولون انها سحر مبين. و بهذا تبين بطلان قول من قال اللطف ليس بواجب، و انه يجوز ان يمنعهم اللَّه ما طلبوا و ان كانوا يؤمنون لو آتاهم ذلك و يكفرون لو منعهم إياه.
وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَ لَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (8) وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (9)
آيتان بلا خلاف.
اخبر اللَّه تعالى في هذه الآية عن هؤلاء الكفار أنهم قالوا (لولا) و معناه:
هلا «أُنْزِلَ عَلَيْهِ» يعنون على محمد «ملك» يشاهدونه فيصدقه. ثم أخبر عن عظم عنادهم انه لو أنزل عليهم الملك على ما اقترحوه لما آمنوا به، و اقتضت الحكمة استئصالهم و ألا ينظرهم و لا يمهلهم. و ذلك بخلاف ما علم اللَّه تعالى من المصلحة على ما بيناه.
و معنى «لَقُضِيَ الْأَمْرُ» أي أتم إهلاكهم و قضي على ضروب كلها ترجع الى معنى تمام الشيء و انقطاعه في قول الزجاج. فمنه «قَضى أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ» (1)معناه ثم ختم بذلك و أتمه، و منه الامر كقوله «وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ» (2)الا أنه أمر قاطع و منه الاعلام نحو قوله «وَ قَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ» (3)أي أعلمناهم إعلاماً قاطعا. و منه الفصل في الحكم نحو قوله «وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» (4)أي لفصل الحكم بينهم. و منه قولهم قضى القاضي. و من ذلك قضى فلان دينه، أي قطع ما لغريمه عليه و أداه اليه و قطع ما بينه و بينه و كلما أحكم فقد قضي، تقول قضيت هذا الثوب و هذه الدار، أي عملتها و أحكمت عملها، قال أبو ذؤيب
و عليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع (5)
و قال مجاهد معنى «وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ» يريدون في صورته.
قال اللَّه تعالى «وَ لَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً» في صورته «لَقُضِيَ الْأَمْرُ» أي لقامت الساعة أو
وجب استئصالهم ثم قال «وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ» في صورة رجل، لان أبصار البشر لا تقدر على النظر الى صورة ملك على هيئته للطف الملك و قلة شعاع أبصارنا و كذلك كان جبرائيل (ع) يأتي النبي (ص) في صورة دحية الكلبي، و كذلك الملائكة الذين دخلوا على ابراهيم في صورة الأضياف حتى قدم اليهم عجلا جسدا، لأنه لم يعلم أنهم ملائكة، و كذلك لما تسور المحراب على داود الملكان كانا في صورة رجلين يختصمان اليه. و قال بعضهم: المعنى لو جعلنا مع النبي ملكا يشهد بتصديقه (لَجَعَلْناهُ رَجُلًا) و الاول أصح.
و قوله «وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ» يقال: لبست الامر على القوم ألبسه إذا شبهته عليه، و لبست الثوب البسه، و كان رؤساء الكفار يلبسون على ضعفائهم أمر النبي (ع)، فيقولون: هو بشر مثلكم، فقال اللَّه تعالى «وَ لَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً» فرأوا الملك رجلا و لم يعلمهم أنه ملك لكان يلحقهم من اللبس ما يلحق ضعفائهم منهم. و اللبوس ما يلبس من الثياب و اللباس الذي قد لبس و استعمل.
فان قيل: قوله: انه لو جعل الملك رجلا للبس عليهم يدل على أن له أن يلبس بالإضلال و التلبيس؟
قلنا: ليس ذلك في ظاهره، لأنه لم يخبر أنه لبس عليهم و انما قال لو جعلته ملكا للبست و لم يجعله ملكا فإذاً ما لبس، كما قال تعالى «لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ» (1)و ليس يجوز عليه اتخاذ الولد و لا الاصطفاء له بحال، فسقط ما قالوه.
وَ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (10)
آية بلا خلاف.
1) سورة 39 الزمر آية 4.
لما أخبر اللَّه تعالى أنه لو أنزل الآيات التي اقترحوها و امتنعوا عند ذلك من الإقرار باللَّه و تصديق نبيه اقتضت المصلحة استئصالهم كما اقتضت المصلحة استئصال من تقدم من الأمم الماضية عند نزول الآيات المقترحة، كما فعل بقوم صالح و غيرهم من أمم الأنبياء، قال ذلك تسلية لنبيه (ع) من استمرارهم على الكفر. و معنى (الحيق) ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله كما قال: «وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ» (1)أي لا ترجع عاقبة مكروهه الا عليهم. و المعنى فحاق بالساخرين منهم: «ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» من وعيد أنبيائهم بعاجل العقاب في الدنيا نحو ما نزل بقوم عاد و ثمود و غيرهم من الأمم.
و قال ابو علي: حاق و حق بمعنى واحد. و المعنى انه لما نزل بهم العذاب حق بذلك الخبر عندهم: الخبر الذي كان أخبرهم به النبي (ص).
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)
آية بلا خلاف.
أمر اللَّه تعالى في هذه الآية نبيه (ع) ان يأمر هؤلاء الكفار ان يسيروا في الأرض لينظروا الى آثار تلك الأمم فإنها مشهورة و متواتر خبرها معلوم مساكنها و أراد بذلك زجر هؤلاء الكفار عن تكذيب محمد (ع) و التحذير لهم من ان ينزل بهم من العذاب ما نزل بالمكذبين للرسل من قبلهم.
قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (12) وَ لَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)
1) سورة 35 فاطر آية 43.
آيتان بلا خلاف.
أمر اللَّه تعالى نبيه (ع) ان يقول لهؤلاء الكفار مقرعا لهم و موبخاً على كفرهم «لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» ثم أمره (ع) ان يقول لهم ان ذلك «لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ» و اللام لام القسم و تقديره و اللَّه ليجمعنكم و لذلك نصب (لام) ليجمعنكم، لان معنى كتب اليمين. و قال الزجاج يجوز أن يكون (ليجمعنكم) بدلا من الرحمة مفسرا لها، لأنه لما قال كتب على نفسه الرحمة، فسر رحمته بأنه يمهلهم الى يوم القيامة. و قال الفراء: يجوز ان يكون قوله «كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» غاية ثم استأنف قوله «لَيَجْمَعَنَّكُمْ ... لا رَيْبَ فِيهِ» تمام، و معنى «كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» أي كتب على نفسه ألا يستأصلكم و لا يعجل عقوبتكم بل يعذر و ينذر و يجمع آخركم الى أولكم قرناً بعد قرن الى يوم القيامة، و هو الذي لا ريب فيه.
و في قوله «لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ» احتجاج على من أنكر البعث و النشور فقال ليجمعنكم الى اليوم الذي أنكرتموه كما تقول: جمعت هؤلاء الى هؤلاء، أي ضممت بينهم في الجمع. و قوله «الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ» قال الأخفش (الذين) بدل من الكاف و الميم. و المعنى ليجمعن هؤلاء المشركين الذين خسروا أنفسهم الى هذا اليوم الذي يجحدونه و يكفرون به. و قال الزجاج: هو في موضع رفع على الابتداء و خبره «فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» لان (لَيَجْمَعَنَّكُمْ) مشتمل على سائر الخلق على الذين خسروا أنفسهم و غيرهم.
و قوله «وَ لَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَ النَّهارِ» أي ما اشتمل عليه الليل و النهار فجعل الليل و النهار كالمسكن لما اشتملا عليه، لأنه ليس يخرج منهما شيء فجمع
كل الأشياء بهذا اللفظ القليل الحروف، و هذا من أفصح ما يكون من الكلام.
و قال النابغة:
فإنك كالليل الذي هو مدركي و ان خلت ان المنتأي عنك واسع (1)
فجعل الليل مدركا إذ كان مشتملا عليه.
و في هذه الآية و في التي قبلها إحتجاج على الكفار الذين عبدوا من دون اللَّه تعالى، فقال تعالى: «قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ»؟ و كانوا لا يشركون باللَّه في خلق السماوات و الأرض و ما بينهما احداً و انما كانوا يشركون في العبادة، و يقولون: آلهتهم تقربهم الى اللَّه زلفى، لا أنها تخلق شيئاً، ثم قال: «قل للَّه» فإنهم لا ينكرون ذلك، و هو كقوله «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» (2)فذكرهم ما هم به مقرون ليتنبهوا و يشهدوا بالحق و يتركوا ما هم عليه، و معنى «خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ» أهلكوها باستحقاق المصير الى العذاب الأليم الدائم، الذي لا ينتفعون معه بنفوسهم إذ كانوا لا يؤمنون.
و من أهلك نفسه فقد خسرها. و انما قال «وَ لَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَ النَّهارِ» لان في الحيوان ما يسكن في الليل، و فيه ما يسكن بالنهار و خص السكون بالذكر، لان الساكن أكثر من المتحرك، و لان الآية العجيبة في قيام الساكن بلا عمد أعظم.
قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ يُطْعِمُ وَ لا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14)
آية بلا خلاف.
أجمع القراء على ضم الياء و فتح العين من قوله «و لا يطعم» و قرئ في الشواذ
بفتح الياء و العين معا. فمن ضم الياء أراد أن غيره لا يطعمه في مقابلة قوله:
«وَ هُوَ يُطْعِمُ». و من فتح الياء أراد أنه نفسه لا يطعم. و المعنى هو يرزق الخلق و لا يرزقه أحد. و الطعمة و الطعم و الإطعام الرزق، قال امرؤ القيس:
مطعم للصيد ليس له غيرها كسب على كبره (1)
و قال علقمة بن عدي:
و مطعم الغنم يوم الغنم مطعمة أنى توجه و المحروم محروم (2)
ألا ترى أنه وضع الحرمان في مقابلة الإطعام، كما يوضع أبداً مقابلا للرزق. و قيل: إنه ذكر الإطعام، لان حاجة العباد اليه أشد، و لان نفيه عن اللَّه أدل على نفي شبهه بالمخلوقين، لان الإطعام لا يجوز الا على الأجسام.
و الاختيار في «فاطر» الخفض لأنه من صفة (اللَّه). و الرفع، و النصب جائزان على المدح. فمن رفع فعلى إضمار (هو)، و تقديره: هو فاطر السماوات و الأرض، و هو يطعم و لا يطعم. و من نصب فعلى معنى: اذكروا عني.
و معني: «فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» خالقهما، كما قال: «وَ ما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» (3)أي خلقني. قال ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى (فاطر) حتى اختصم الي أعرابيان في بئر، فقال أحدهما:
أنا فطرتها أي ابتدأتها. و أصل الفطر الشق، و منه قوله تعالى: «إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ» (4)أي انشقت.
و معنى «فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ» خلقهما خلقا قاطعا. و الإنفطار، و الفطور تقطع و تشقق و في الآية دلالة و حجة على الكفار، لان من خلق السماوات و الأرض و أنشأ ما فيهما، و أحكم تدبيرهما، و اطعم من فيهما هو الذي ليس كمثله شيء
و ان الخلق فقراء اليه و هو الغني القادر القاهر، فلا يجوز لمن عرف ذلك أو جعل له السبيل الى معرفته ان يعبد غيره.
و قوله «أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ» معناه أن أكون أول من خضع، و آمن و عرف الحق من قومي، و أن اترك ما هم عليه من الشرك. و مثله قوله «قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ» (1)بأنه لم يكن للرحمن ولد، يعني من هذه الامة، لأنه قد عبد اللَّه النبيون و المؤمنون قبله، و مثله قوله «سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ» (2)ممن سألك أن تريه نفسك- بأنك لا ترى. و قول السحرة «إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ» (3)بأن هذا ليس بسحر، و أنه الحق، أي أول المؤمنين من السحرة، و معنى الولي- ها هنا- الإله الذي أعبده ليتولاني، و يحفظني.
و قوله: «أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» أي أمرت بالأمرين معاً: أن أكون أول من أسلم من هذه الامة، و ألا أكون من المشركين. و المعنى أمرت بذلك و نهيت عن الشرك، لان الامر لا يتناول ألا يكون الشيء، لأنه لا يكون أمرا إلا بارادة المأمور، و الارادة لا تتعلق بألا يكون الشيء. و انما المراد ما قلناه: أنه كره مني الشرك.
قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)
آية بلا خلاف.
أمر اللَّه تعالى نبيه (ص) بهذه الآية أن يقول لهؤلاء الكفار: إنه يخاف
و في الآية دلالة على ان من زعم أن من علم اللَّه أنه لا يعصى فلا يجوز أن يتوعده بالعذاب. و على من زعم أنه لا يجوز أن يقال فيما قد علم اللَّه أنه لا يكون أنه لو كان لوجب فيه كيت و كيت، لأنه كان المعلوم للَّه تعالى أن النبي (ص) لا يعصي معصية يستحق بها العقاب يوم القيامة، و مع هذا فقد توعده به.
مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَ ذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16)
آية بلا خلاف.
قرأ اهل الكوفة الا حفصاً، و يعقوب «من يصرف» بفتح الياء و كسر الراء. الباقون بضم الياء و فتح الراء.
و فاعل (يصرف) هو الضمير العائد الى «ربي» من قوله: «إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي». و يكون حذف الضمير العائد الى العذاب، و المعنى من يصرف اللَّه عنه، و كذلك هو في قراءة أبي. قال أبو علي: و ليس حذف الضمير بالسهل لأنه ليس بمنزلة الضمير الذي يحذف من الصلة إذا عاد الى الموصول، نحو «أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا» (1)و «سَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ» (2)أي بعثهم اللَّه و اصطفاهم، و لا يعود الضمير المحذوف- ها هنا- الى موصول و لا الى (من) التي الجزاء، و انما يرجع الى العذاب من قوله «إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ»، و ليس هذا بمنزلة قوله «وَ الْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ» (3)لان هذا فعل واحد قد تكرر وعدي الاول فيهما
الى المفعول، فعلم بتقدير الاول أن الثاني بمنزلته.
و الذي يحسن قراءة من قرأ «يصرف» بفتح الياء أن ما بعده من قوله «فقد رحمه» فعل مسند الى ضمير اسم اللَّه. فقد اتفق الفعلان في الاسناد الى هذا الضمير، فيمن قرأ «يصرف» بفتح الياء. و يقويه أيضا أن الهاء المحذوفة من (يصرفه) لما كان في حيز الجزاء، و كان ما في حيزه في أنه لا يتسلط على الموصول، حسن حذف الهاء منه كما حسن حذفها من الصلة.
و من ضم الياء فالمسند اليه الفعل المبني للمفعول ضمير العذاب المتقدم ذكره، و يقوي ذلك قوله «أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ» (1)ألا ترى أن الفعل بني للمفعول، و فيه ضمير العذاب. و قال الزجاج: التقدير من يصرف اللَّه عنه العذاب فيمن فتح الياء. و من ضم الياء، فتقديره من يصرف عنه العذاب.
وَ إِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَ إِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)
آيتان بلا خلاف.
معنى الآية الاولى أنه لا يملك النفع و الضرر الا اللَّه تعالى أو من يملكه اللَّه ذلك. فبين تعالى أنه مالك السوء من جهته «فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ» و لا يملك كشفه سواه مما يعبده المشركون و لا أحد سوى اللَّه، و أنه إن ناله بخير فهو على ذلك قادر. و قوله يمسسك بضر أو بخير، معناه يمسك ضره أو خيره. فجعل المس للَّه على وجه المجاز، و هو في الحقيقة الخير و الضر، و هو مجاز في الخير و الضر أيضاً، لأنهما عرضان لا تصح عليهما المماسة. و أراد
1) سورة 11 هود آية 8
تعالى بذلك الترغيب في عبادته وحده، و ترك عبادة سواه، لأنه المالك للضر و النفع دون غيره، و أنه القادر عليهما. و القاهر هو القادر على أن يقهر غيره.
فعلى هذا يصح وصفه فيما لم يزل بأنه قاهر. و في الناس من قال: لا يسمى قاهرا الا بعد أن يقهر غيره، فعلى هذا لا يوصف تعالى فيما لم يزل بذلك.
و مثل قوله «فَوْقَ عِبادِهِ» قوله «يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» (1)و المراد أنه أقوى منهم، و أنه مقتدر عليهم، لان الارتفاع في المكان لا يجوز عليه تعالى، لأنه من صفات الأجسام. فإذاً المراد بذلك أنه مستعل عليهم، مقتدر عليهم. و كل شيء قهر شيئاً فهو مستعل عليه، و لما كان العباد تحت تسخيره و تذليله و أمره و نهيه، وصف بأنه فوقهم. و قوله «وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ» معناه أنه مع قدرته عليهم لا يفعل الا ما تقتضيه الحكمة، و لا يفعل ما فيه مفسدة، أو وجه قبح لكونه عالماً بقبح الأشياء و بأنه غني عنها.
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَ إِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)
آية بلا خلاف.
اختلفوا في الهمزتين إذا كانت الاولى مفتوحة، و الثانية مكسورة من كلمة واحدة نحو (أ إنك) و (أ إذا) و (أ انا) و (أ إفكا) فقرأ ابن عامر و أهل الكوفة و روح بتحقيق الهمزتين حيث وقع إلا في قوله «أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ»
1) سورة 48 الفتح آية 10.
ها هنا. و في الاعراف «إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ» (1)و «قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً» (2)و (أ اما) حيث وقع. و «أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ» (3)و «أَ إِذا ما مِتُّ» (4)و في العنكبوت «إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ» (5)و «إِنَّا لَمُغْرَمُونَ» (6)في الواقعة.
و الاستفهامين في الرعد. و بني إسرائيل. و المؤمن. و النحل. و سجدة لقمان.
و الصافات. و الواقعة. و النازعات. و سنذكر الخلاف فيها في مواضعها.
الباقون بتحقيق: الاولى و تليين الثانية. و فصل بينهما بألف أهل المدينة.
الا ورشاً، و ابو عمرو، و الحلواني عن هشام، وافقهم الداجوني عن هشام على الفصل في قوله «أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا». و «أَ إِذا مِتْنا» في (ق). و أما قوله «أ إنكم». ها هنا فقرأه ابن عامر و أهل الكوفة الا الكسائي عن أبي بكر و روح بتحقيق الهمزتين إلا أن الحلواني عن هشام يفصل بينهما بألف الباقون بتحقيق الاولى و تليين الثانية. و فصل بينهما بألف أهل المدينة الا ورشاً و أبو عمرو و الكسائي عن أبي بكر. و قد روي عن الكسائي عن أبي بكر أنه لا يفصل.
أمر اللَّه تعالى نبيه (ص) أن يقول لهؤلاء الكفار «أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً» لأنهم كانوا مقرين بأنه لا شيء أكبر شهادة من اللَّه، و إذا أقروا بأنه اللَّه حينئذ أمره أن يقول لهم هو الشهيد بيني و بينكم على ما بلغتكم و نصحتكم و قررت عندكم من أن إلهكم إله واحد، و على براءتي من شرككم.
و الوقوف على قوله «قُلِ اللَّهُ» وقف تام.
و في الآية دلالة على من قال: لا يوصف تعالى بأنه شيء. لأنه لو كان كما قال لما كان للآية معنى كما أنه لا يجوز أن يقول القائل: أي الناس أصدق؟
فيجاب ب (جبرائيل) لما لم يكن من جملة الناس بل كان من الملائكة.
فان قيل قوله «أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً» تمام، و قوله «قُلِ اللَّهُ» ابتداء، و ليس بجواب، و لو كان جوابا كان ما بعده من قوله «شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ» لا ابتداء له و لا معنى له؟! قيل: لسنا ننكر ذلك- الا أن هذا و ان كان هكذا لولا أنه متقرراً عند السائل و المسئول- ان اللَّه شهيد- ما كان للكلام معنى، و لكان قوله: «قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً» لغوا و حشوا، و ذلك منزه عن كلامه تعالى.
و قوله: «لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ» وقف تام. أي من بلغه القرآن الذي أنذرتكم به، فقد أنذرته كما أنذرتكم، و هو
قول الحسن رواه عن النبي (ص): انه قال: (من بلغه أني أدعو الى لا إله الا اللَّه، فقد بلغه).
يعني بلغته الحجة، و قامت عليه. و قال مجاهد «لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ» يعني اهل مكة. «وَ مَنْ بَلَغَ» من أسلم من العجم و غيرهم.
و قوله «آلِهَةً أُخْرى و لم يقل اخر، لان الآلهة جمع و الجمع يقع على التأنيث، كما قال: «وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (1)و «قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (2)و لم يقل الاول. و الشاهد: هو المبين لدعوى المدعي. قال الحسن: قال المشركون لرسول اللَّه (ص): من يشهد لك؟ فنزلت هذه الآية. و هي قوله: «وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ» أي اني أخوفكم به، لان الانذار هو الاعلام على وجه التخويف. «وَ مَنْ بَلَغَ» يعني القرآن و (من) في موضع نصب بالإنذار. ثم قال موبخا «أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ثم قال لنبيه: قل أنت يا محمد: لا أشهد بمثل ذلك بل اشهد انه إله واحد «وَ إِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ» بعبادته مع اللَّه و اتخاذه إلهاً.
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20)
آية بلا خلاف.
«الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ» رفع بالابتداء. و قوله «يعرفونه» خبر.
و قوله «الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ» أيضا رفع، و يحتمل رفعه وجهين:
أحدهما- ان يكون نعتاً ل (الذين) الاولى. و يحتمل ان يكون رفعا على الابتداء و خبره «فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ». فان حملته على النعت كان المعني به أهل الكتاب و ان حملته على الابتداء يتناول جميع الكفار.
و قال بعض المفسرين: ما من كافر الا و له منزلة في الجنة و أزواج فان أسلم و سعد صار الى منزله و أزواجه، و ان كفر صار منزله و أزواجه الى من أسلم، فذلك قوله «الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ» (1)و قوله:
«الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ» و هذه الآية لا بد أن تكون مخصوصة بجماعة من أهل الكتاب، و هم الذين عرفوا التوراة و الإنجيل فعرفوا صحة نبوة محمد (ص) بما كانوا عرفوه من صفاته المذكورة، و دلائله الموجودة في هذين الكتابين كما عرفوا أبناءهم في أنها صحيحة لا مرية فيها و لم يرد أنهم عرفوا بنبوته اضطراراً، كما عرفوا أبناءهم ضرورة على أن أحدا لا يعرف أن من ولد على فراشه ابنه على الحقيقة، لأنه يجوز ان يكون من غيره، و ان حكم بأنه ولده لكونه مولوداً على فراشه، فصار معرفتهم بالنبي (ص) آكد من معرفتهم بابنائهم لهذا المعني. و لم يكن جميع أهل الكتاب كذلك، فلذلك خصصنا الآية.
فان قيل: كيف يصح- على مذهبكم في الموافاة- ان يكونوا عارفين باللَّه، و بنبيه ثم يموتون على الكفر؟! قلنا عنه جوابان:
أحدهما- ان لا يكونوا عارفين بذلك بل يكونوا معتقدين اعتقاد تقليد،
1) سورة 23 المؤمنون آية 11.
و يعتقدون مع ذلك انهم عالمون به، فقال اللَّه تعالى «يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ» في اعتقادهم، لا انهم يعرفونه على الحقيقة كما قال «ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ» (1)يعني عند نفسك، و قومك.
الثاني- ان يكونوا عرفوا ذلك على وجه لا يستحق به الثواب، لأنهم يكونون نظروا في الادلة لا لوجه وجوب ذلك عليهم، فولد ذلك المعرفة لكن لا يستحق بها الثواب. و قد بينا مثل ذلك في عدة مواضع فيما مضى (2)فسقط السؤال.
و قوله «الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ» يعني بكفرهم بمحمد (ص) على وجه المعاندة «فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» و خسرانهم أنفسهم إهلاكهم لها بهذا الكفر، و تصييرهم لها الى ان لا ينتفعون بها. و من جعل نفسه بحيث لا ينتفع بها فقد خسر نفسه.
وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)
آية.
أخبر اللَّه تعالى ان من أفترى على اللَّه الكذب فوصفه بخلاف صفاته، و اخبر عنه بخلاف ما أخبر به عن نفسه، و عن أفعاله أنه لا أحد أظلم لنفسه منه إذ كان بهذا الفعل قد أهلك نفسه و أوقعها في العذاب الدائم في النار. ثم أخبر أن الظالم لا يفلح أي لا يفوز برحمة اللَّه و ثوابه و رضوانه، و لا بالنجاة من النار، لان الظلم- ها هنا- هو الكفر بنبوة محمد (ص) و ذلك لا يغفر بلا خلاف.
وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22)
آية.
قرأ يعقوب «و يوم يحشرهم جميعا ثم يقول» بالياء فيهما. الباقون بالنون فيهما من قرأ بالياء رده الى اللَّه تعالى في قوله «عَلَى اللَّهِ كَذِباً» و تقديره:
يوم يحشرهم اللَّه فيقول. و من قرأ بالنون ابتدأ، و تقدير الآية اذكر يوم نحشرهم جميعا، يعني يوم القيامة، لأنهم يحشرون فيه جميعا من قبورهم الى موضع الحساب، و أنه يقول- للذين أشركوا باللَّه، و عبدوا معه إلهاً غيره- في هذا اليوم: أين الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي؟! و أين شركائي في زعمكم؟! و إنما يقول هذا توبيخا لهم و تبكيتا على ما كانوا يدعون أنهم يعبدونه من الأصنام و الأوثان، و يعتقدون أنها شركاء للَّه، و أنها تشفع لهم، يوم القيامة، فإذا لم يجدوا لما كانوا يدعونه صحة، و لم ينتفعوا بهذه الأوثان و لا بعبادتهم، فيعلمون أنهم كانوا كاذبين في أقوالهم.
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (24)
آيتان بلا خلاف.
قرأ حمزة و الكسائي و العليمي، و يعقوب «ثم لم يكن» بالياء. الباقون بالتاء. و قرأ ابن كثير، و ابن عامر، و حفص الا ابن شاهين «فتنتهم» بالرفع.
الباقون بالنصب. و قرأ حمزة و الكسائي و خلف «و اللَّه ربنا» بنصب الباء.
الباقون بكسرها.
من قرأ بالتاء و رفع الفتنة أثبت علامة التأنيث. و تكون (أن) في موضع نصب. و تقديره ثم لم تكن فتنتهم الا قولهم. و قد روى شبل عن ابن كثير «تكن» بالتاء «فتنتهم» نصباً مثل قراءة نافع و أبي عمرو عن عاصم. و وجهه
انه أنَّث «ان قالوا» لما كان الفتنة في المعنى، كما قال «فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها» (1)فأنَّث لما كانت الأمثال في المعنى الحسنات. و مثله كثير في الشعر، قال ابو علي و الاول أجود من حيث كان الكلام محمولا على اللفظ. و يقوي قراءة من قرأ: (فتنتهم) بالنصب أن قوله (ان قالوا) أن يكون الاسم دون الخبر أولى لان (أن) إذا وصلت لم توصف، فأشبهت بامتناع وصفها المضمر، فكما أن المضمر إذا كان مع المظهر كان (أن يكون) الا سم أحسن، كذلك إذا كانت (أن) مع اسم غيرها كانت (أن يكون) الاسم أولى.
و من قرأ (و اللَّه ربنا)- بكسر الباء- فعلى جعل الاسم المضاف وصفاً للمفرد، لان قوله (و اللَّه) جر بواو القسم. و لو أسقطت لقال: (اللَّه) بالنصب و مثله قولهم: رأيت زيداً صاحبنا و بكرا جارك، و يكون قوله «ما كُنَّا مُشْرِكِينَ» جواب القسم.
و من نصب الباء يحتمل أمرين:
أحدهما- أن ينصبه بفعل مقدر، و تقديره: اعني ربنا.
و الثاني- على النداء. و يكون قد فصل بالاسم المنادي بين القسم و المقسم عليه بالنداء، و ذلك غير ممتنع، لان النداء كثير في الكلام. و قد حال الفصل بين الفعل و مفعوله في قوله: «إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَأَهُ زِينَةً وَ أَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ» (2). و المعنى آتيتهم أموالا ليضلوا و لا يؤمنوا و قد جاء الفصل بين الصلة و الموصول، و هو أشدها قال الشاعر:
ذاك الذي و أبيك يعرف مالك و الحق يدفع ترهات الباطل (3)
و قال ابو عبيدة: من قرأ بالتاء المعجمة من فوقها و نصب «فتنتهم» أضمر في (يكن) اسما مؤنثاً ثم يجيئ بالتاء لذلك الاسم، و انما جعله مؤنثا لتأنيث (فتنة) قال لبيد:
فمضى و قدمها و كانت عادة منه إذا هي عودت أقدامها (1)
فأنث الاقدام لتأنيث (عادة). و قوله: «ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ» أي لم تكن بليتهم التي ألزمتهم الحجة و زادتهم لائمة الا قولهم.
و معنى الآية: أنه تعالى لما ذكر قصص هؤلاء المشركين الذين كانوا مفتنين بشركهم، أعلم النبي (ص) أن افتتانهم بشركهم، و إقامتهم عليه لم يكن الا أن تبرءوا منه، و قالوا انهم ما كانوا مشركين، كما يقول القائل إذا رأى إنسان إنساناً يحب غاوياً فإذا وقع في هلكة تبرأ منه فيقول له ما كانت محبتك لفلان الا أن انتفيت منه.
فان قيل: كيف قالوا و حلفوا أنهم ما كانوا مشركين- و قد كانوا مشركين- و هل هذا إلا كذب، و الكذب قبيح و لا يجوز من أهل الآخرة أن يفعلوا قبيحا، لأنهم ملجؤون الى ترك القبيح، لأنهم لو صح لم يكونوا ملجئين و كانوا مختارين، وجب أن يكونوا مزجورين عن فعل القبيح، و إلا أدى الى اغرائهم بالقبيح و ذلك لا يجوز، و لو زجروا بالوعيد عن القبائح لكانوا مكلفين و لوجب أن يتناولهم الوعد و الوعيد، و ذلك خلاف الإجماع، و قد وصفهم اللَّه تعالى أيضا بأنهم كذبوا على أنفسهم، فلا يمكن جحد أن يكونوا كاذبين، فكيف يمكن أن يرفع ذلك؟ و ما الوجه فيه؟
و الجواب عن ذلك من وجوه:
أحدها- ما قاله البلخي: إن القوم كذبوا على الحقيقة، لأنهم كانوا يعتقدون أنهم على الحق، و لا يرون أنهم مشركون، كالنصارى و من أشبههم، فقالوا في الموقف ذلك. و قيل: ان يقع بهم العذاب فيعلموا بوقوعه أنهم كانوا على باطل فيقولوا «وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ» و هم صادقون عند أنفسهم و كذبهم اللَّه في ذلك، لان الكذب هو الاخبار بالشيء لا على ما هو به، علم المخبر بذلك أو لم يعلم، فلما كان قولهم «وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ» كذباً في
1) اللسان (قدم) و روايته (عردت) بدل (عودت).
الحقيقة جاز أن يقال لهم «انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ». قال البلخي:
و يدل على ذلك قوله «وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ» أي ذهب عنهم و أغفلوه، لأنهم لم يكونوا نظروا نظراً صحيحا و لم يجاروا في نظرهم الالف و العادة، فيعلموا في هذا الوقت أن قولهم شرك، و لو صاروا الى العذاب لعلموا أنهم كانوا مشركين، و استغنوا بذلك، لكن هذا القول يكون عند الحشر. و قيل:
الجزاء بدلالة أول الآية. و قال مجاهد: قوله «انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ» تكذيب من اللَّه إياهم.
و قال الجبائي: قولهم «وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ» اخبار منهم أنهم لم يكونوا مشركين عند أنفسهم في دار الدنيا، لأنهم كانوا يظنون انهم على الحق، فقال اللَّه تعالى مكذبا لهم «أنظر» يا محمد «كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ» في دار الدنيا، لا أنهم كذبوا في الآخرة، لأنهم كانوا مشركين على الحقيقة، و ان اعتقدوا أنهم على الحق. و قوله: «وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ» أي ضلت عنهم أوثانهم التي كانوا يعبدونها و يفترون الكذب بقولهم: إنها شفعاؤنا عند اللَّه غدا، فذهبت عنهم في الآخرة فلم يجدوها، و لم ينتفعوا بها.
و قال قوم: انه يجوز أن يكذبوا يوم القيامة للذهول و الدهش، لأنهم يصيرون كالصبيان الذين لا تمييز لهم و لا تحصيل معهم- اختاره أحمد ابن علي بن الأخشاد. و أجاز النجار أن يكفروا في النار فضلا عن وقوعه قبل دخولهم فيها، و هذا بعيد. و الوجهان الأولان أقرب.
و قيل فيه وجه آخر، و هو أنهم أملوا أملا فخاب أملهم و لم يقع الامر على ما أرادوا، لان من عادة الناس أنهم إذا عوقبوا بعقوبة فتكلموا و استعانوا و صاحوا فان العذاب يسهل عليهم بعض السهولة، و ظنوا أن عذاب الآخرة كذلك، فقالوا: «وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ» و قالوا «رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا» (1)و قالوا «رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا» (2)و
«رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا» (1)فأملوا أن يخف عنهم العذاب بمثل هذا الكلام على عادة الدنيا، فلم يخف و لم يكن لهم فيه راحة، فقال اللَّه «انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ» أي خابوا فيما أملوا من سهولة العذاب و ذلك مشهور في كلام العرب، قال الشاعر:
كذبتم و بيت اللَّه لا تأخذونها مراغمة ما دام للسيف قائم (2)
و قال آخر:
كذبتم و بيت اللَّه لا تنكحونها بني شاب قرناها تصر و تحلب (3)
أي كذبكم أملكم. و قال ابو داود الازدي:
قلت لما نصلا من فتنة كذب العير و ان كان برح (4)
و المعنى أمل أنه يتخلص بشيء فكذبه أمله، لأنه ظن أنه إذا مرَّ بارحا و هو أن يأخذ في ناحية الشمال الى ناحية اليمين لم يتهيأ لي طعنه، فلما قلب رمحه و طعنه قال: كذب العير أي كذب أمله.
و (الفتنة) في الآية معناها المعذرة- في قول قتادة- لأنها اعتذار عن الفتنة، فسميت باسم الفتنة. و قال قوم: هي المحنة. و قال قوم: تقديره عاقبة فتنتهم. و فتنتهم يجوز أن تكون بمعنى اغترارهم أي اغتروا بهذا الكذب و ظنوا أنه سينجيهم، و كذبوا على أنفسهم لما رجعت مضرته اليهم صار عليهم و ان قصدوا أن يكون لهم.
و في الآية دلالة على بطلان قول من قال المعارف ضرورية، لان اللَّه تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا «وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ» فلا يخلو أن يكونوا صادقين أو كاذبين، فان كانوا صادقين لأنهم كانوا عارفين في دار الدنيا فقد كذبهم اللَّه في ذلك بقوله «انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا» و ان كانوا كاذبين لأنهم كانوا عارفين، فقد وقع منهم القبيح في الآخرة، و ذلك لا يجوز. و معنى الآية على ما بيناه
من أنهم أخبروا أنهم لم يكونوا مشركين عند أنفسهم في دار الدنيا و ان اللَّه كذبهم و أنهم كانوا كاذبين على الحقيقة و ان اعتقدوا خلافه في الدنيا. فأما معارفهم في الآخرة فضرورية عند البصريين، و عند البلخي و من وافقه، حاصلة على وجه هم ملجؤون اليها، فعلى الوجهين معا لا يجوز أن يقع منهم القبيح لا محالة.
وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25)
آية بلا خلاف.
قال مجاهد قوله «وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ» يعني قريشا. و قال البلخي:
أي من أهل الكتاب و المشركين من يجالسك و يريد الاستماع منك و الإصغاء اليك «وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً» لأنهم لا يفقهوه، لألفهم الكفر و شدة عداوتهم «حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ» أي حتى إذا صار الامر الى الجدال أظهروا الكذب و عاندوا، فقالوا «إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» أي ليس هذا إلا أساطير الأولين. و قال قوم: نزلت في النظر بن الحارث بن كلدة. و قال الضحاك: معنى أساطير الأولين أحاديث الأولين و كل شيء في القرآن أساطير، فهو أحاديث.
و (الاكنة) جمع كنان- بكسر الكاف- و هو كالغطاء و الاغطية «وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً» أي ثقلا، و الوقر- بكسر الواو- الحمل، يقال و قرت الاذن توقر قال الشاعر:
و كلام سيئ قد وقرت أذني منه و ما بي من صمم
و نخلة موقرة و موقر، و نخيل مواقير. قال يونس سألت رؤبة، فقال
وقرت أذنه- بضم الواو و كسر القاف- يوقر- بفتح الياء و القاف- إذا كان فيها الوقر. و قال أبو زيد: سمعت العرب تقول: أذن موقرة- بضم الميم و فتح القاف- و من الحمل يقال: أوقرت الدابة فهي موقرة. و من السمع وقرت سمعه- بتشديد القاف- فهو موقر، قال الشاعر:
ولي هامة قد وقر الضرب سمعها (1)
و أساطير واحدها أسطورة، و إسطارة، مأخوذ من سطر الكتاب، قال الراجز:
اني و أسطار سطرن سطرا لقائل يا نصر نصرا نصرا (2)
و أسطار جمع سطر. و من قال في واحده: سطر، قال في الجمع أسطر، و جمع الجمع أساطير، و معناها الترهات البسابس يعني ليس له نظام. و قال الأخفش: أساطير جمع لا واحد له، نحو (مذاكير و أبابيل) و قال بعضهم:
واحد الأبابيل إبيل- بتشديد الباء و كسر الالف-.
و معنى قوله: «وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ» قد مضى نظائره.
في قوله: «وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً» (3)أي منعناهم الالطاف التي تبسط المؤمنين و تبعثهم على الازدياد من الطاعة، لان اللَّه تعالى لما أزاح علتهم علله بالدعاء و البيان و الانذار و الترغيب و الترهيب فأبوا الا كفراً و عنادا و تمردا على اللَّه و إعراضا عنه و عما دعاهم اليه، فمنعهم الطافه عقوبة لهم حيث علم أنهم لا ينتفعون بذلك و لا ينتهون الى الحق، و ألفوا الكفر و أحبوه حتى صاروا كالصم عن الحق و صارت قلوبهم كأنها في أكنة فجاز أن يقال في اللغة جعل على قلوبهم أكنة و في آذانهم وقرا، كما يقول القائل لغيره أفسدت سيفك إذا ترك استعماله حتى يصدي، و جعلت أظافيرك سلاحاً إذا لم يقلمها. و يقال للرجل إذا آيس من عبده أو ولده بعد الاجتهاد في تأديبه فخلاه و أقصاه قد جعلته بحيث لا يفلح
أبدا و تركته أعمى أصما، و جعلته ثوراً و حماراً، و ان كان لم يفعل به شيئاً من ذلك و لم يرده بل هو مهموم به محب لخلافه، و لا يجوز أن يكون المراد بذلك أنه كلفهم ما لا يطيقونه، و ذلك لا يليق بحكمته تعالى، و لكانوا غير ملومين في ترك الايمان حيث لم يمكنوا منه، و كانوا ممنوعين منه، و كانت الحجة لهم على اللَّه تعالى دون أن تكون الحجة له، و ذلك باطل، بل للَّه الحجة البالغة.
قوله «وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها» أي كل علامة و معجزة تدلهم على نبوة النبي (ص) لا يؤمنون بها لعنادهم. قال الزجاج (أن يفقهوه) في موضع نصب لأنه مفعول له، و المعنى جعلنا على قلوبهم أكنة لكراهة أن يفقهوه فلما حذفت اللام نصب الكراهة، و لما حذفت الكراهة أنتقل نصبها الى (أن).
قال أبو علي: كانوا إذا سمعوا القرآن من النبي آذوه و رجموه و شغلوه عن صلاته، فحال اللَّه بينهم و بين استماع ذلك في تلك الحال التي كانوا عازمين فيها على ما ذكرناه بأن ألقى عليهم النوم إذا قعدوا يرصدونه فكانوا ينامون فلا يسمعون قراءته و لا يفقهون أنه قرآن، و لا يعرفون مكانه ليسلم النبي (ص) من شرهم و أذاهم فجعل منعه إياهم عن استماع القرآن، و عن التعرف لمكان النبي (ص) لئلا يرجموه و لا يؤذوه «أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ» أنه قرآن و أن محمدا هو الذي يقرأه. و بين أن كل آية يرددها عليهم النبي (ص) من قبل اللَّه لا يؤمنون بها، فلهذا منعهم اللَّه من استماع القرآن، لأنهم لم يكونوا يسمعونه ليستدلوا به على توحيد اللَّه و صحة نبوة محمد (ص) و انما كانوا يريدون بذلك تعرف مكانه ليؤذوه و يرجموه، فلهذا منعهم اللَّه من استماع القرآن و فهمه و لو كانوا ممن يؤمن و يقبل ما يردَّد عليه من الآيات من قبل اللَّه و يستدلوا بها على نبوة محمد (ص) ما كان اللَّه يمنعهم من سماع ذلك و فهمه.
و قوله «حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ» يعني أنهم إذا دخلوا اليه بالنهار انما يجيئون مجيئ مخاصمين مجادلين رادين مكذبين، و لم يكونوا يجيئون مجيئ من يريد الرشاد و النظر في الدلالة الدالة على توحيد اللَّه و نبوة نبيه (ص)
و كانوا يريدون ذلك بأن يقولوا هذا أساطير الأولين، يعنون إنه من كلام الأولين و حوادثهم. و في معنى هذه الآية قوله تعالى في بني إسرائيل: «وَ إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً. وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً» (1)فمعنى الآيتين واحد و سبب نزولهما واحد، و انما أنزلت هذه الآيات لئلا يمتنع النبي من قراءة القرآن خوفا من أذى الكفار فيفوت المؤمنين سماعه فيغتمون لذلك و تفوتهم مصلحته بل حثه اللَّه على قراءته و ضمن له المنع من أذاهم.
و قوله: «وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها» كالتعليل لجعله قلوبهم في أكنة، و الوقر في آذانهم، فقال: إنما فعلت هذا لعلمي بأنهم لا يؤمنون و أنه ليس في سماعهم ذلك الا تطرُّق الأذى به عليك منهم، و قولهم «إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ».
و تحتمل الآية وجهاً آخر و هو: أنه يعاقب الكفار الذين لا يؤمنون بعقوبات يجعلها في قلوبهم من نحو الضيق الذي ذكر أنه يخلقه فيها، و يجعل هذه العقوبات دلالة لمن شاهد قلوبهم و استماعهم من الملائكة، و شاهد منها هذه العقوبات، على أنهم لا يؤمنون من غير أن يكون ذلك حائلا بينهم و بين الايمان. ثم أخبر أنها بمنزلة الاكنة على قلوبهم عن فقه القرآن و بمنزلة الوقر في الآذان على وجه التمثيل له بذلك تجوزاً و استعارة. و وجه الشبه بينهما أن من كانت في نفسه هذه العقوبات معلوم أنه لا يؤمن كما أن من على قلبه أكنة لا يؤمن، و كما سمي الكفر عماً، سماه باسم العمى على وجه التشبيه.
و يحتمل أيضا أن يكون الكفر الذي في قلوبهم من جحد توحيد اللَّه و جحد نبوة نبيه، سماه كنا تشبيهاً و مجازاً، و إعراضهم عن تفهم القرآن و الإصغاء اليه على وجه الاستعارة وقراً توسعا، لان مع الكفر و الاعراض لا يحصل الايمان و الفهم كما أن مع الكنَّ و الوقر لا يحصلان، و نسب هذا
1) سورة 17 الاسراء آية 45- 46
الجعل الى نفسه، لأنه الذي شبه أحدهما بالآخر و ذلك سائغ في اللغة كما يقول القائل لغيره- إذا أثنى على إنسان و ذكر فضائله و مناقبه- جعلته فاضلا خيراً عدلا، و ان كان لم يفعل به ذلك. و بالعكس من ذلك إذا ذكر مقابحه و مخازيه و فسقه يحسن أن يقال له: جعلته فاسقاً شريراً، و ان لم يفعل في الحالين شيئاً من ذلك و كل ذلك مجاز. و منه قولهم: جعل القاضي فلانا عدلا و جعله ثقة و جعله ساقطا فاسقا، كل ذلك يراد به الحكم عليه بذلك و الابانة عن حاله كما قال الشاعر:
جعلتني باخلا كلاب و رب منى اني لأسمح كفا منك في اللزب (1)
أي سمتني باخلا. و قوله «وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ...» فكنى عنها بلفظ الواحد حملا له على اللفظ، فلما قال «وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً» رده الى المعنى فعامله معاملة الجمع، لان لفظة (من) تقع على الواحد و على الجمع حقيقة.
وَ هُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ وَ إِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ (26)
آية بلا خلاف.
و قوله «و هم» كناية عن الكفار الذين تقدم ذكرهم عند أكثر المفسرين:
الجبائي و البلخي و غيرهم. و قال قوم: نزلت في أبي لهب، لأنه كان يتبعه في المواسم فينهى الناس عن أذاه و ينأى عن اتباعه. و الاول أشبه بسياق الآية.
و قيل: نزلت في أبي طالب، و هذا باطل عندنا، لأنه دل الدليل على إيمانه بما ثبت عنه من شعره المعروف و أقاويله المشهورة الدالة على اعترافه بالنبي (ص).
و قال مجاهد: نزلت في قريش.
1) مجمع البيان 2: 286. و (كلاب) اسم قبيلة.
بين اللَّه تعالى أن هؤلاء الكفار الذين ذكرهم كانوا ينهون عن اتباع القرآن، و قبوله و التصديق بنبوة نبيه، و يبعدون عنه، لان معنى (ينأون) يبعدون الى حيث لا يسمعونه خوفاً من أن يسبق الى قلوبهم الايمان به و العلم بصحته.
و قوله «وَ إِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ» معناه ليس يهلكون إلا أنفسهم «وَ ما يَشْعُرُونَ» انهم ما يهلكون بنهيهم عن قبوله، و بعدهم عنه «الا أنفسهم» لأنهم لا يعلمون إهلاكهم إياها بذلك و إهلاكهم إياها هو ما يستحقون به الصيرورة الى العذاب الابدي في النار. و هل هناك هلاك أعظم من ذلك؟!. و النأي:
البعد «ينأون» أي يتباعدون عنه، تقول نأيت عن الشيء أنأى نأيا، إذا بعدت عنه. و النؤي حاجز يجعل حول البيت من الخوف لان لا يدخله الماء من خارج يحفر حفرة حول البيت فيجعل ترابها على شفير الحفيرة، فيمنع التراب الماء أن يدخل من خارج، و هو مأخوذ من النأي، أي تباعد الماء عن البيت.
و في الآية دلالة على بطلان قول من قال معرفة اللَّه ضرورة، و أن من لا يعرف اللَّه و لا يعرف نبيه لا حجة عليه، لان اللَّه بين أن هؤلاء الكفار قد أهلكوا أنفسهم بنهيهم عن قبول القرآن و تباعدهم عنه و انهم لا يشعرون و لا يعلمون بإهلاكهم أنفسهم بذلك، فلو كان من لا يعرف اللَّه و لا نبيه و لا دينه لا حجة عليه، لكانوا هؤلاء معذورين و لم يكونوا هالكين و ذلك خلاف ما نطق به القرآن.
وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27)
آية بلا خلاف.
قرأ حمزة و يعقوب و حفص «و لا نكذب ... و تكون» بالنصب فيهما،
وافقهم ابن عامر في «و نكون» الباقون بالرفع فيهما، فمن قرأ بالرفع احتملت قراءته أمرين:
أحدهما- ان يكون معطوفا على نرد، فيكون قوله: «نرد و لا نكذب ... و نكون» داخلا في التمني و يكون قد تمني الرد و ألا يكذب و أن يكون من المؤمنين، و هو اختيار البلخي و الجبائي و الزجاج.
و الثاني- أن يكون مقطوعا عن الاول، و يكون تقديره يا ليتنا نرد و لا نكذب كما يقول القائل: دعني و لا أعود، أي فأني ممن لا يعود، فإنما يسألك الترك، و قد أوجب على نفسه ألا يعود ترك أو لم يترك. و لم يقصد أن يسأل أن يجمع له الترك و أن لا يعود. و هذا الوجه الذي اختاره أبو عمرو في قراءة جميع ذلك بالرفع، فالأول الذي هو الرد داخل في التمني و ما بعده على نحو دعني، و لا أعود، فيكونون قد أخبروا على النيات أن لا يكذبوا و يكونوا من المؤمنين.
و استدل أبو عمرو على خروجه من المتمني بقوله «وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» فقال ذلك يدل على أنهم أخبروا بذلك عن أنفسهم، و لم يتمنوا، لان التمني لا يقع فيه الكذب و انما يقع في الخبر دون التمني.
و من نصب «نكذب ... و نكون» أدخلهما في التمني، لان التمني غير موجب، فهو كالاستفهام و الامر و النهي و العرض، في انتصاب ما بعد ذلك كله من الافعال إذا دخلت عليها الفاء أو الواو على تقدير ذكر المصدر من الفعل الاول، كأنه قال: يا ليتنا يكون لنا رد، و انتفاء للتكذيب و كون من المؤمنين.
و من نصب «و نكون» فحسب، و رفع «نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ» يحتمل أيضاً وجهين:
أحدهما- أن يكون داخلا في التمني، فيكون في المعنى كالنصب.
و الثاني- انه يخبر على النيات أن لا يكذب ردَّ أو لم يرد.
و من نصب «وَ لا نُكَذِّبَ و نَكُونَ» جعلهما جميعا داخلين في التمني كما أن من رفع و عطفه على التمني كان كذلك. فان قيل: كيف يجوز أن يتمنوا الرد الى الدنيا و قد علموا عند ذلك انهم لا يردون؟
قيل عن ذلك أجوبة:
أحدها- قال البلخي: إنا لا نعلم أن أهل الآخرة يعرفون جميع أحكام الآخرة، و انما نقول: انهم يعرفون اللَّه بصفاته معرفة لا يتخالجهم فيها الشك لما يشاهدونه من الآيات و العلامات الملجئة لهم الى المعارف. و أما التوجع و التأوه و التمني للخلاص و الدعاء بالفرج يجوز أن يقع منهم و أن تدعوهم أنفسهم اليه. و قال ابو علي الجبائي و الزجاج: يجوز أن يقع منهم التمني للرد، و لان يكونوا من المؤمنين، و لا مانع منه. و قال آخرون: التمني قد يجوز لما يعلم انه لا يكون ألا ترى أن المتمني يتمنى أن لا يكون فعل ما قد فعله و مضى وقته، و هذا لا حيلة فيه، فعلى هذا قوله في الآية الثانية «وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» يكون حكاية حال منهم في دار الدنيا، كما قال: «وَ كَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ» (1)و كما قال «وَ إِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ» (2)و انما هو حكاية للحالة الآتية.
و قوله «وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ» أمال في الموضعين ابو عمرو و غيره و هي حسنة في أمثال ذلك، لان الراء بعده الالف مكسورة و هو حرف كأنه مكرر في اللسان فصارت الكسرة فيه كالكسرتين، فحسن لذلك الامالة. و قوله «إذ وقفوا» يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها- أن يكون عاينوها و وردوها قبل أن يدخلوها. و يجوز أن يكونوا أقيموا عليها نفسها.
و الثاني- أن يكونوا عليها و هي تحتهم.
و ثالثها- أن يكون معناه دخلوها فعرفوا مقدار عذابها كما يقول القائل:
قد وقفت على ما عند فلان، أي فهمته و تبينته. قال الكسائي: يقال: وقفت الدابة و غيرها إذا حبستها- بغير ألف- و هي لغة القرآن، و هو الأفصح، و كذلك وقفت الأرض إذا جعلتها صدقة. و قال ابو عمرو ما سمعت احداً من العرب يقول: أوقفت الشيء بالألف الا أني لو رأيت رجلا بمكان، فقيل له ما أوقفك هاهنا لرأيته حسناً.
و أستدل أبو علي بهذه الآية على ان القدرة قبل الفعل خلافاً للمجبرة بأن قال تمنوا الرد الى دار الدنيا الى مثل الحالة التي كانوا عليها، و لا يجوز من عاقل أن يتمنى أن يرد الى الدنيا و يخلق فيه القدرة الموجبة للكفر، لان ذلك لا يخلصه من العذاب بل يؤديه الى حالته التي كان عليها. و هذا ضعيف، لان لقائل أن يقول: إنهم تمنوا الرد و رفع التكذيب و حصول الايمان بأن تحصل لهم قدرة الايمان، و لا تحصل لهم قدرة التكذيب، و ليس في الآية أنهم سألوا الرد الى الحالة التي كانوا عليها، فلا متعلق في ذلك. و استدل ايضاً على أنه إذا كان المعلوم من حال الكافر أنه يؤمن وجب تبقيته بأن قال: أخبر اللَّه أنه انما لم يردهم لأنهم «لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ» و ظاهر ذلك يقتضى أنه لو علم أنه لو ردهم لآمنوا، لوجب أن يردهم، و إذا وجب أن يردهم إذا علم أنهم يؤمنون بأن يجب تبقيتهم إذا علم أنهم يؤمنون أولى. و هذا أيضاً ضعيف، لان الظاهر أفاد أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، و ليس فيه أنهم لو ردوا لآمنوا أو ما حكمهم بل هو موقوف على الدلالة، لأنه دليل الخطاب على أن غاية ما فيه أنه يفيد أنه لو علم من حالهم أنه متى ردهم آمنوا يردهم، فمن أين أن ذلك واجب عليه؟! و هل هذا الا كقوله «وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» في أنه لا خلاف بين أهل العدل أنه كان يجوز له أن يعذب و ان لم يبعث رسولا بأن لا تقتضي المصلحة بعثته و يقتصر بهم على التكليف العقلي، فإنهم متى عصوا كان له أن يعذبهم فلا شبهة في الآية.
بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (28)
آية.
قوله «بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ» معناه من عقاب اللَّه فعرفوه معرفة من كانوا يسترونه عنه. و قال قوم: بداً لبعضهم من بعض ما كان علماؤهم يخفونه عن جهالهم و ضعفائهم مما في كتبهم فبدا للضعفاء عنادهم.
و قيل: معناه بل بدأ من أعمالهم ما كانوا يخفونه، فأظهره اللَّه و شهدت به جوارحهم. و قال الزجاج: ظهر للذين أتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفونه من أمر البعث و النشور، لان المتصل بهذا قوله «وَ قالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَ ما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ» لنجزى على المعاصي.
و قوله: «وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ» قال بعضهم: لو ردوا و لم يعاينوا العذاب لعادوا كأنه ذهب الى أنهم لم يشاهدوا ما يضطرهم الى الارتداع، و هذا ضعيف، لان هذا القول يكون منهم بعد أن يبعثوا و يعلموا أمر القيامة و يعاينوا النار بدلالة قوله: «وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ» و هذه الآيات كلها في المعاندين، لأنه قال في أولها «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ» ثم قال بعد ذلك «وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها» و قال ابو علي الجبائي: الآية مخصوصة بالمنافقين و ظهر لهم ما كانوا يخفونه من كفرهم الذي كانوا يضمرونه. قال و الآية الاولى و ان كان ظاهرها يقتضي جميع الكفار و المنافقون داخلون فيهم فيجوز أن يخبر عنهم بهذا الحكم. قال:
و يحتمل أن يكون أراد بها الكافرين الذين كان النبي يخوفهم بالعذاب على كفرهم فلم يؤمنوا بذلك لكن دخلهم الشك و الخوف و أخفوه عن ضعفائهم و عوامهم، فإذا كان يوم القيامة ظهر ذلك و ان أخفوه في الدنيا فيتمنون حينئذ الرد الى حال الدنيا. و قيل: «بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ» معنى «يخفون» يجدونه خافيا. و معنى «بل بدا» ليس تمنيهم الرجعة و اظهار الانابة حقاً للايمان الصحيح، بل لما شاهدوه من العذاب الأليم.
و قوله «وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ» معناه إنهم لو ردوا الى حال التكليف و الى مثل ما كانوا عليه في الدنيا من المهلة و التمكين من الايمان و التوبة و القدرة على ذلك، لعادوا لمثل ما كانوا عليه من الكفر الذي نهوا عنه.
و قوله تعالى «وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» قد بينا ان المراد به الحكاية عن حالهم في الدنيا و أنهم كانوا فيها كاذبين في كفرهم و تكذيبهم رسول اللَّه و القرآن. و قال البلخي هذا الكذب وقع منهم في الحال و ان لم يعلموه كذباً، لأنهم أخبروا عن عزمهم أنهم لو ردوا لكانوا مؤمنين. و قد علم اللَّه أنهم لو عادوا الى الدنيا لعادوا الى كفرهم، و كان إخبارهم بذلك كذبا، و ان لم يعلموه كذلك، لان مخبره على خلاف ما أخبروه و هذا الذي ذكروه ضعيف، لأنهم إذا أخبروا عن عزمهم على الايمان ان ردوا أو كانوا عازمين عليه لا يكونون كاذبين، لان مخبر خبرهم العزم، و هو على ما أخبروا فكيف يكذبون فيه، و الاول أقوى.
فأما الكذب مع العلم بأنه ليس كذلك، فلا خلاف بين أبي علي و أبي القاسم أنه لا يجوز أن يقع منهم في الآخرة، لان أهل الآخرة ملجؤون الى ترك القبيح، لأنهم لو لم يكونوا ملجئين لوجب أن يكونوا مزجورين من القبيح بالأمر و النهي و الثواب و العقاب، و ذلك يوجب أن يكون ذاك التكليف، و لا خلاف أنه ليس هناك تكليف. و إن لم يزجروا و لم يلجئوا الى تركه كانوا مغريين بالقبيح و ذلك فاسد. فإذاً لا يجوز أن يقع منهم القبيح بحال.
و
قال بعض المفسرين سئل النبي (ص) فقيل له: ما بال أهل النار عملوا في عمر قصير بعمل أهل النار فخلدوا في النار؟ و أهل الجنة عملوا في عمر قصير بعمل أهل الجنة فخلدوا في الجنة؟! فقال: (ان الفريقين كان كل واحد منهما عازماً على أنه لو عاش أبدا عمل بذلك).
وَ قالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَ ما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَ رَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30)
آيتان بلا خلاف.
اخبر اللَّه تعالى في هذه الآية عن الكفار الذين ذكرهم في الآية الاولى، و بين أنهم قالوا لما دعاهم النبي (ص) الى الايمان و الإقرار بالبعث و النشور و خوفهم من العقاب في خلافه، و حذرهم عذاب الآخرة و الحشر و الحساب على سبيل الإنكار لقوله و التكذيب له «ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا» و عنوا أنه لا حياة لنا في الآخرة على ما ذكرت، و انما هي هذه حياتنا التي حيينا بها في الدنيا و انا لسنا بمبعوثين الى الآخرة بعد الموت. ثم خاطب نبيه (ص) فقال «وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ» يعني على ما وعدهم ربهم من العذاب الذي يفعله بالكفار في الآخرة و الثواب الذي يفعله بالمؤمنين، و عرفوا صحة ما كان أخبرهم به من الحشر و الحساب. و قال لهم ربهم عند مشاهدتهم و وقوفهم عليه «أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ؟ قالُوا بَلى وَ رَبِّنا» مقرين بذلك مذعنين له و ان كانوا قبل ذلك في الدنيا ينكرونه، قال حينئذ «فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» بذلك.
و يحتمل أن يكون معنى «إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ» أنهم حبسوا ينتظر بهم ما يأمر كقول القائل: احبسه على أمره به. و قد ظن قوم من المشبهة أن قوله «إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ» أنهم يشاهدونه، و هذا فاسد، لان المشاهدة لا تجوز الا على الأجسام أو على ما هو حال في الأجسام، و قد ثبت حدوث ذلك أجمع، فلا يجوز أن يكون تعالى بصفة ما هو محدث. و قد بينا أن المراد بذلك:
وقوفهم على عذاب ربهم و ثوابه، و علمهم بصدق ما أخبرهم به في دار الدنيا دون أن يكون المراد به رؤيته تعالى و مشاهدته، فبطل ما ظنوه. و ايضا فلا خلاف أن الكفار لا يرون اللَّه، و الآية مختصة بالكافرين فكيف يجوز أن يكون
المراد بها الرؤية! فلا بد للجمع من التأويل الذي بيناه. و يجوز ان يكون المراد بذلك إذا عرفوا ربهم، لأنه سيعرفهم نفسه ضرورة في الآخرة، و تسمى المعرفة بالشيء وقوفا عليه يقول القائل: وقفت على معنى كلامك، و المعنى علمته، و إذا كان الكفار لا يعرفون اللَّه في الدنيا و ينكرونه، عرفهم اللَّه نفسه ضرورة، فذلك يكون وقوفهم عليه، فإذا عرفوه قال لهم «أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ» يعني ما وعدهم به، فيقولون «بلى» لأنهم شاهدوا العقاب و الثواب و لم يشكوا فيهما.
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَ هُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (31)
آية بلا خلاف.
اخبر اللَّه تعالى أنه خسر هؤلاء الكفار «الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ» يعني الذين كذبوا بما وعد اللَّه به من الثواب و العقاب و جعل لقاءهم لذلك لقاء له تعالى مجازا، كما يقول المسلمون لمن مات منهم: قد لقي اللَّه و صار اليه. و انما يعنون: لقي ما يستحقه من اللَّه و صار الى الموضع الذي لا يملك الامر فيه سواه، كما قال «وَ لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ» (1)و الموت لا يشاهد، و انما أراد انكم كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوا أسبابه، فقد رأيتم أسبابه و أنتم تنظرون، فجعل لقاء أسبابه لقاءه.
و قوله «حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً» كل شيء أتى فجأة، فقد بغت يقال: قد بغتة الامر يبغته بغتا و بغتة إذا أتاه فجأة قال الشاعر:
1) سورة 3 آل عمران آية 143
و لكنهم ماتوا و لم أخش بغتة و أفظع شيء حين يفجؤك البغت (1)
و قوله «قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها» قد علم أن الحسرة لا تدعى و انما دعاؤها تنبيه للمخاطبين. و (الحسرة) شدة الندم حتى يحسر النادم كما يحسر الذي تقوم به دابته في السفر البعيد. قال الزجاج: العرب إذا اجتهدت في المبالغة في الاخبار عن أمر عظيم يقع فيه جعلته نداء، فلفظه لفظ ما ينبه، و المنبه به غيره، كقوله «يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ» (2)و قوله «يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ» (3)و «يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ» (4)و «يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا» (5)، فهذا أبلغ من ان يقول: أنا اتحسر على العباد و ابلغ من ان يقول:
الحسرة علينا في تفريطنا. قال سيبويه: إذا قلت يا عجباه فكأنك قلت احضر و تعال يا عجب، فانه من أزمانك. و تأويل «يا حَسْرَتَنا» انتبهوا على أنا قد خسرنا. و قوله «عَلى ما فَرَّطْنا فِيها» يعني قدمنا العجز. و قيل معناه ما ضيعنا فيها يعني في الساعة. و انما يحسروا على تفريطهم في الايمان و التأهب لكونها بالأعمال الصالحة.
و قوله «وَ هُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ» يعني ثقل ذنوبهم، و هذا مثل جائز ان يكون جعل ما ينالهم من العذاب بمنزلة أثقل ما يتحمل، لان الثقل قد يستعمل في الوزن و قد يستعمل في الحال تقول في الحال: قد ثقل علي خطاب فلان، و معناه كرهت خطابه كراهة اشتدت علي. و يحتمل أن يكون المراد بالأوزار العقوبات التي استحقوها بالذنوب و العقوبات قد تسمى اوزاراً، فبين أنه لثقلها عليهم يحملونها على ظهورهم. و ذلك يدل على عظمها. و (الوزر) الثقل في اللغة و اشتقاقه من الوزر، و هو الجبل الذي يعتصم به. و منه قيل: وزير،
كأنه يعتصم الملك به، و منه قوله «وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي» (1)و قال «وَ جَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً» (2). و قوله «أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ» يعني بئس الشيء شيئا يزرونه أي يحملونه، و قد بينا عمل (بئس، و نعم) فيما مضى. و مثله «ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ» (3)و معناه ساء مثلا مثل القوم. و قال بعضهم: معنى «يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ» وصف افتضاحهم في الموقف بما يشاهدونه من حالهم و عجزهم عن عبور الصراط كما يعبره المخفون من المؤمنين. و معنى قوله «أَلا ساءَ» ما ينالهم جزاء لذنوبهم و أعمالهم الردية إذ كان ذلك عذابا و نكالا.
و قوله «يزرون» من وزر يزر وزراً إذا أثم. و قيل أيضا: وزر، فهو موزور إذا فعل به ذلك. و منه الحديث في النساء يتبعن جنازة قتيل لهن (أرجعن موزورات غير مأجورات) و العامة تقول مأزورات.
وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ لَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (32)
آية بلا خلاف.
قرأ ابن عامر «و لدار الآخرة» بلام واحدة مع تخفيف الدال. و خفض (الآخرة) على الاضافة. الباقون بلامين و تشديد الدال و ضم الآخرة. و قرأ اهل المدينة و ابن عامر و حفص و يعقوب «تعقلون» بالتاء هاهنا و في (الاعراف و يوسف) وافقهم يحيى و العليمي في (يوسف). و من قرأ بلامين و شدد الدال جعل (الآخرة) صفة ل (و للدار)، و أجراها في الاعراب مجراها. و استدل على كونها صفة (للدار) بقوله: «وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (4)فاقامتها مقامها يدل على أنها هي و ليس غيرها. فيجوز أن يضيف اليها، و قووا ذلك
بقوله «وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ» (1)و قوله «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ» (2)و من قرأ بلام واحدة و خفف الدال فانه لم يجعل «الآخرة» صفة (للدار) لان الشيء لا يضاف الى نفسه لكنه جعلها صفة للساعة، و كأنه قال:
و لدار الساعة الآخرة، و جاز وصف الساعة ب (الآخرة) كما وصف اليوم بالآخر في قوله: «و ارجوا اليوم الآخر» (3)و حسن اضافة (الدار) الى الآخرة و لم يقبح من حيث استقبح اقامة الصفة مقام الموصوف، لان الآخرة صارت كالابطح و الأبرق، ألا ترى أنه قد جاء «وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (4)و استعملت استعمال الأسماء و لم تكن مثل الصفات التي لم تستعمل استعمال الآخرة. و مثل (الآخرة) في انها استعملت استعمال الأسماء قولهم: الدنيا، لما استعملت استعمال الأسماء حسن أن لا تلحق لام التعريف في نحو قول الشاعر:
في سعي دنيا طال ما قد مدَّت و قال الفراء: جعلت (الدار) ها هنا اسما و (الآخرة) صفتها، و أضيفت في غير هذا الموضع. و مثله مما يضاف الى مثله قوله: «حق اليقين» (5)و الحق هو اليقين، و مثله قولهم بارحة الاولى، و يوم الخميس، فيضاف الشيء الى نفسه إذا اختلف اللفظ، و إذا اتفق لم يجز ذلك، لا يقولون حق الحق و لا يقين اليقين، لأنهم يتوهمون إذا اختلفا في اللفظ أنهما مختلفان في المعنى.
بين اللَّه تعالى في هذه الآية أن ما يتمتع به في الدنيا بمنزلة اللعب و اللهو، اللذين لا عاقبة لهما في المنفعة و يقتضي زوالهما عن أهلها في أدنى مدة و أسرع زمان، لأنه لاثبات لهما و لا بقاء، فأما الاعمال الصالحات، فهي من أعمال الآخرة و ليست بلهو و لا لعب. و بين ان الدار الآخرة و ما فيها من أنواع النعيم و الجنان خير للذين يتقون معاصى اللَّه، لأنها باقية دائمة لا يزول عنهم نعيمها
و لا يذهب عنهم سرورها.
و قوله «أَ فَلا تَعْقِلُونَ» أن ذلك كما وصفت لهم فيزهدوا في شهوات الدنيا و يرغبوا في نعيم الآخرة بفعل ما يؤديهم اليه من الاعمال الصالحة.
و من قرأ (يعقلون) بالياء، فلأنه قد تقدم ذكر الغيبة في قوله «لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ» و التقدير أفلا يعقل الذين يتقون ان الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار فيعملوا بما ينالون به من النعيم الدائم. و من قرأ بالتاء قصد خطاب جميع الخلق المواجهين به.
و العقل هو الإمساك عن القبيح و قصر النفس و حبسها على الحسن و الحجا أيضا احتباس و تمكث، قال الشاعر:
فهن يعكفن به إذا حجا (1)
و انشد الاصمعي
حيث يحجا مطرق بالفالق (2)
حجا أقام بالمكاره، و الحجا مصدر كالشبع، و منه الحجيا اللغز للتمكث الذي يلقى عليه حتى يستخرجها. قال ابو زيد: جمع حجى حجيات، فجاءت الحجيا مصغرة كالثريا و الجديا، و النهى يحتمل أن يكون جمعا بدلالة قوله «لِأُولِي النُّهى (3)لأنه اضافه الى الجمع. و يجوز ان يكون مفردا في موضع الجمع، و هو في معنى ثبات، و حسن. و منه النهي، و النهى و التنهية للمكان الذي ينتهي اليه الماء فينتقع فيه لتسفله و يمنعه ارتفاع ما حوله من أن يسيح فيذهب على وجه الأرض.
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَ لكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)
آية بلا خلاف.
قرأ نافع و الكسائي و الأعشى الا النفار «لا يكذبوك» بسكون الكاف و تخفيف الدال، و هو المروي عن علي (ع) و عن أبي عبد اللَّه (ع).
الباقون بفتح الكاف و تشديد الذال من التكذيب. و قرأ نافع «انه ليحزنك» بضم الياء و كسر الزاي. الباقون بفتحها و ضم الزاي. قال ابو علي الفارسي (فعل، و فعلته) جاء في حروف، و الاستعمال في (حزنته) أكثر من (أحزنته) فالى كثرة الاستعمال ذهب عامة القراء. و قال تعالى «إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ» (1)و يقال حزن يحزن حزنا و حزنا، قال تعالى «وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ» (2)ثم قال: «وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ» (3)قال سيبويه: قالوا (حزن الرجل، و حزنته) قال و زعم الخليل: أنك حيث قلت (حزنته) لم ترد ان تقول جعلته حزينا كما أنك حيث قلت أدخلته أردت جعلته داخلا، و لكنك أردت ان تقول جعلت فيه حزنا كما قلت كحلته أي جعلت فيه كحلا، و دهنته جعلت فيه دهنا، و لم يرد ب (فعلته) هذا تعدية قوله حزن، و لو أردت ذلك لقلت احزنته و مثل ذلك ستر الرجل و سترت عليه، فإذا أردت تغيير ستر الرجل قلت أسترت كما تقول فزع و أفزعته.
و حجة نافع أنه أراد تغيير (حزن) فنقله بالهمزة. و قال الخليل: إذا أردت تغيير (حزن) قلت (أحزنته) فدل ذلك على أن (أحزن) مستعمل و ان كان (حزَّنته) اكثر. و حكى أبو زيد: أحزنني الامر إحزانا، و هو يحزنني، ضموا الياء. و قال سيبويه: قال بعض العرب: أفنيت الرجل و أحزنته و ارجعته و اعورت عينه، أي جعلته حزينا و فانيا، فغيروا ذلك كما فعلوا بالباب الاول.
و قوله «قد نعلم انه» انما كسرت الهمزة، لان في خبرها لا ما للتأكيد.
لما علم اللَّه تعالى أن النبي (ص) يحزنه تكذيب الكفار له و جحدهم نبوته سلاه عن ذلك بأن قال «فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَ لكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» و من قرأ بالتخفيف قال: معناه لا يلفونك كاذبا، كما يقولون: سألته فما أبخلته، و قاتلته فما أجبنته أي ما وجدته بخيلا و لا جبانا. و
قال أبو عبد اللَّه (ع) معنى «لا يُكَذِّبُونَكَ» لا يأتون بحق يبطلون به حقك.
و قال الفراء: معنى التخفيف لا يجعلونك كذابا، و انما يريدون أن ما جئت به باطل، لأنهم لم يفتروا عليك كذبا، فيكذبوا لأنهم لم يعرفوه (ص) و انما قالوا: ان ما جئت به باطل لا نعرفه من النبوة، فأما التكذيب بأن يقال له كذبت، و قال بعض اهل اللغة: هذا المعنى لا يجوز، لأنه لا يجوز أن يصدقوه و يكذبوا ما جاء به، و هو ان اللَّه ارسلني إليكم و أنزل عليَّ هذا الكتاب و هو كلام ربي. و من قرأ بالتشديد احتمل وجوها:
أحدها- انهم لا يكذبونك بحجة يأتون بها أو برهان يدل على كذبك، لان النبي (ص) إذا كان صادقا فمحال أن يقوم على كذبه حجة، و لم يرد أنهم لا يكذبونه سفها و جهلا به.
و الثاني- أنه أراد فإنهم لا يكذبونك بل يكذبوني لان من كذب النبي (ص) فقد كذب اللَّه، لان اللَّه هو المصدق له كما يقول القائل لصاحبه:
فلان ليس يكذبك، و انما يكذبني دونك، يريد ان تكذيبه إياك راجع الى تكذيبي، لاني أنا المخبر لك و انت حاك عني.
و ثالثها- ان يكون أراد انهم لا ينسبونك الى الكذب لأنك كنت معروفا عندهم بالامانة و الصدق فانه (ص) كان يدعى فيهم الأمين قبل الوحي، و كان معروفا بينهم بذلك لكنهم لما أتيتهم بالآيات جحدوها بقصدهم التكذيب بآيات اللَّه و جحدها لا لتكذيبك، قال أبو طالب:
ان ابن آمنة الأمين محمدا
و رابعها- ان تكون الآية مخصوصة بقوم معاندين كانوا عارفين بصدقه و لكنهم يجحدونه عنادا و تمردا. و قال الحسن: معناه «نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ» انك ساحر و انك مجنون فإنهم لا يكذبونك، لان معرفة اللَّه في قلوبهم بانه واحد «وَ لكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ».
و خامسها- قال الزجاج: لا يكذبونك، لا يقدرون أن يقولوا لك فيما انبأت به بما في كتبهم كذبت. قال أبو علي: يجوز ان يكون المعنى- فيمن ثقل- قلت له كذبت، مثل زنَّيته و فسَّقته إذا نسبته الى الزنا و الفسق. و (فعلت) جاء على وجوه نحو خطأته أي نسبته الى الخطأ، و سقيته و رعيته، أي قلت له سقاك اللَّه و رعاك، و قد جاء في هذا المعنى أفعلته، قالوا: أسقيته، أي قلت له سقاك اللَّه، قال الشاعر:
و أسقيته حتى كاد مما أبثه تكلمني أحجاره و ملاعبه (1)
فيجوز على هذا أن يكون معنى القراءتين واحدا، و ان اختلف اللفظان، كما تقول: قللت و كثرت و أقللت و أكثرت بمعنى واحد حكاه سيبويه، و قال الكميت:
فطائفة قد اكفروني بحبكم و طائفة قالوا مسيئ و مذنب (2)
و حكى الكسائي عن العرب أكذبت الرجل إذا أخبرت انه جاء بكذب، و كذبته إذا أخبرت انه كذاب بقوله كذبته إذا أخبرت انه جاء بكذب، كقولهم:
اكفرته إذا نسبوه الى الكفر، و كذبته أخبرته أنه كذاب مثل فسقته إذا أخبرت انه فاسق.
و قوله «وَ لكِنَّ الظَّالِمِينَ» يعني هؤلاء الكفار «بِآياتِ اللَّهِ» يعني القرآن و المعجزات يجحدون ذلك بغير حجة، سفها و جهلا و عنادا.
وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَ لَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)
آية بلا خلاف.
صلى اللَّه تعالى بهذه الآية نبيه (ص) بان اخبر ان الكفار قد كذبوا رسلا من قبلك، و صبر الرسل على تكذيبهم و على ما نالهم من أذاهم، و تكذيب الكفار لهم، حتى إذا جاء نصر اللَّه إياهم على المكذبين، فمنهم من نصرهم عليهم بالحرب و مكنهم من الظفر بهم حتى قتلوهم، و منهم من نصرهم عليهم بان أهلكهم و استأصلهم كما أهلك عادا و ثمودا و قوم نوح و لوط، و غيرهم.
فأمر اللَّه نبيه (ص) بالصبر على كفار قومه و أذاهم الى ان يأتيه نصره كما صبرت الأنبياء. و قوله «لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ» معناه لا أحد يقدر على تكذيب خبر اللَّه على الحقيقة، و لا على إخلاف وعده فان ما أخبر اللَّه به ان يفعل بالكفار، فلا بد من كونه لا محالة، و ما وعدك به من نصره فلا بد من حصوله، لأنه لا يجوز الكذب في اخباره، و لا الخلف في وعده. و قيل:
معناه انه لا مبطل لحججه و براهينه و لا مفسد لادلته.
و قوله «وَ لَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ» معناه انه لا تبديل لخبر اللَّه و لا خلف لذلك و لا تكذيب، و ان ما أخبر اللَّه به ان ينزله بالكفار فانه سيفعل بهم كما فعل بأمم من تقدم من الأنبياء الذين أنزل اللَّه عليهم العذاب و استأصلهم بتكذيبهم أنبياءهم و عرفك أخبارهم على صحتها.
وَ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (35)
آية بلا خلاف خاطب اللَّه تعالى بهذه الآية نبيه (ص) فقال له «إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ» و عظم عندك «اعراضهم» أي اعراض هؤلاء الكفار عما أتيتهم به من القرآن و المعجزات و امتناعهم من اتباعك و التصديق لك و كنت حزينا لذلك «فَإِنِ اسْتَطَعْتَ» و قدرت أو تهيأ لك ان تبتغي نفقا ان تتخذ في جوف الأرض مسكنا و هو النفق «في الأرض» إذا كان له منفذ «أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ» أو ان تصعد الى السماء بسلم «فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ» يعني بآية تلجئهم الى الايمان و تجمعهم عليه و على ترك الكفر فافعل ذلك. و حذف فافعل لدلالة الكلام عليه، كما تقول: ان رأيت ان تقوم و معناه فقم، و ان أراد غير ذلك لم يجز ان يسكت الا بعد ان يأتي بالجواب، لأنه ان أراد ان أردت ان تقوم تصب خيرا فلا بد من الجواب، و لم يرد بذلك آية يؤمنون عندها مختارين، لأنه تعالى فعل بهم الآيات التي تزاح علتهم بها و يتمكنون معها من فعل الايمان لأنه لو علم تعالى أنه إذا فعل بهم آية من الآيات يؤمنون عندها مختارين وجب ان يفعلها بهم. و بيَّن انه فعل بهم جميع ما لا ينافي التكليف و هم لا يؤمنون كما قال «وَ لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ» (1)الآية، و كما قال «وَ لَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ» (2)و انما لم يفعل ما يلجئهم الى الايمان، لان ذلك ينافي التكليف و يسقط استحقاق الثواب الذي هو الغرض بالتكليف، و انما أراد اللَّه تعالى ان يبين لنبيه (ص) انه لا يستطيع هذا و لا يقدر عليه، فلا ينبغي ان يلزم نفسه الغم و الجزع لكفرهم و اعراضهم عن الايمان و التصديق به، و جعل ذلك عزاء لنبيه (ص) و تسلية له ثم اخبر انه لو شاء ان يجمعهم على الايمان على وجه الإلجاء لكان على ذلك قادرا لكنه ينافي ذلك الغرض بالتكليف، و جرى ذلك مجرى قوله
«إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ» (1)فانه أراد بذلك الاخبار عن قدرته و انه لو شاء ألجأهم الى الايمان لكان عليه قادرا. و لا يدل ذلك على أنه لم يشأ منهم الايمان على وجه الاختيار منهم أو لم يشأ ان يفعل ما يؤمنون عنده مختارين، لان اللَّه تعالى قد شاء منهم الايمان على هذا الوجه و انما أفاد نفي المشيئة لما يلجئهم الى الايمان، لأنه متى ألجأهم اليه لم يكن ذلك ايمانا يستحق عليه الثواب، و الغرض بالآية ان يبين تعالى ان الكفار لم يغلبوا اللَّه بكفرهم و لا قهروه بخلافه و انه لو أراد أن يحول بينهم و بينه لفعل، لكنه يريد ان يكون ايمانهم على وجه يستحقون به الثواب، و لا ينافي التكليف.
و قوله «فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ» انما هو نهي محض عن الجهل و لا يدل ذلك على ان الجهل كان جائزا منه (ص) بل يفيد كونه قادرا عليه، لأنه تعالى لا يأمر و لا ينهى الا بما يقدر المكلف عليه، و مثله قوله «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ» (2)و ان كان الشرك لا يجوز عليه لكن لما كان قادرا عليه جاز أن ينهاه عنه. و المراد ها هنا فلا تجزع و لا تحزن لكفرهم و اعراضهم عن الايمان، و انهم لم يجمعوا على التصديق بك فتكون في ذلك بمنزلة الجاهلين الذين لا يصبرون على المصائب، و يأثمون لشدة الجزع.
و النفق: الطريق النافذ في الأرض و النافقاء ممدودا و جر حجر اليربوع يحفره من باطن الأرض الى جلدة الأرض فإذا بلغ الجلدة أرقها فإذا رابه ريب وقع برأسه هذا المكان و خرج منه، و منه سمي المنافق منافقا لأنه أبطن غير ما أظهر، و السلُّم مشتق من السلامة لأنه يسلمك الى مصعدك.
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَ الْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)
آية بلا خلاف.
الوقف عند قوله «الَّذِينَ يَسْمَعُونَ» و معنى الآية انما يستجيب الى الايمان باللَّه و ما أنزل اليك من يسمع كلامك و يصغى اليك، و الى ما تقرأ عليه من القرآن و ما تبين له من الحجج و الآيات و يفكر في ذلك لأنه لا يتبين الحق من الباطل الا لمن تفكر فيه و استدل عليه بما يستمع أو يعرف من الآيات و الادلة على صحته، و جعل من لم يتفكر و لم ينتفع بالآيات بمنزلة من لم يستمع كما قال الشاعر:
لقد أسمعت لو ناديت حيا و لكن لا حياة لمن تنادي (1)
و كما جعله الشاعر بمنزلة الأصم في قوله:
أصم عما ساءه سميع (2)
و قوله «وَ الْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ» معناه ان الذين لا يصغون اليك من هؤلاء الكفار و لا يسمعون كلامك ان كلمتهم، و لا يسمعون ما تقرأه عليهم و تبينه لهم من حجج اللَّه و آياته، و ينفرون عنه إذا كلمتهم بمنزلة الموتى، فكما ان الموتى لا يستجيبون لمن يدعوهم الى الحق و الايمان، فكذلك هؤلاء الكفار لا يستجيبون لك إذا دعوتهم الى الايمان، فكما آيست ان يسمع الموتى كلامك الى ان يبعثهم اللَّه و الى ان يرجعوا اليه، فكذلك فآيس من هؤلاء أن يسمعوا كلامك و أن يستجيبوا لك. و بين أن الموتى إذا بعثهم اللَّه بمعنى أحياهم انهم يرجعون بعد الحشر و البعث الى الموضع الذي لا يملك الحكم فيه عليهم غير اللَّه تعالى، و لا يملك محاسبتهم و ضرهم و نفعهم غيره، فجعل رجوعهم الى ذلك الموضع رجوعا الى اللَّه و ذلك مستعمل في اللغة.
و قال مجاهد: «إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ» يعني المؤمنين يسمعون الذكر «وَ الْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ» يعني المشركين الصم يبعثهم اللَّه فيحييهم من شركهم حتى يؤمنوا «ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ» يوم القيامة.
وَ قالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (37)
قرأ ابن كثير «ينزل» بالتخفيف. الباقون بالتشديد.
و معنى «و قالوا» اخبار عما قاله الكفار من انهم قالوا «لولا» و معناه:
هلا «أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ» يعني الآية التي سألوها و اقترحوا أن يأتيهم بها من جنس ما شاءوا لما قالوا «فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ» (1)يعنون فلق البحر و احياء الموتى. و انما قالوا ذلك حين أيقنوا بالعجز عن معارضته فيما أتى به من القرآن، فاستراحوا الى أن يلتمسوا مثل آيات الأولين، فقال اللَّه تعالى «أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ» (2)و قال ها هنا قل يا محمد «إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» ما في إنزالها من وجوب الاستئصال لهم إذا لم يؤمنوا عند نزولها. و ما في الاقتصار بهم على ما أوتوا من المصلحة لهم. و بين في آية أخرى انه لو أنزل عليهم ما أنزل لم يؤمنوا، و هو قوله «وَ لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ» الى قوله: «ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» (3)ان يكرههم. و قال «وَ ما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ» (4)يعني الآيات التي اقترحوها انما لم نأتهم بها، لأنا لو أتيناهم بها و لم يؤمنوا وجب استئصالهم، كما وجب استئصال من تقدمهم ممن كذب بآيات اللَّه. و قال في سورة العنكبوت «وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَ إِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ» (5)الآية. فبين ان الآيات لا يقدر عليها الا اللَّه، و قد أتاهم بما فيه
كفاية و إزاحة لعلتهم و هو القرآن، و غيره مما شاهدوه من المعجزات و الآيات، و لا يلزم اظهار المعجزات بحسب اقتراح المقترحين، لأنه لو لزم ذلك لوجب إظهارها في كل حال و لكل مكلف و ذلك فاسد.
و قد طعن قوم من الملحدين، فقالوا: لو كان محمد قد أتى بآية لما قالوا له «لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ» و لما قال «إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً».
قيل: قد بينا أنهم التمسوا آية مخصوصة و تلك لم يؤتوها و ان كان اللَّه تعالى قادرا عليها، و انما لم يؤتوها لان المصلحة منعت من انزالها، و انما اتى بالآيات الاخر التي دلت على نبوته من القرآن و غيره على ما اقتضته المصلحة، و لذلك قال فيما تلوناه «أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ» فبين ان في انزال الكتاب كفاية و دلالة على صدقه و انه لا يحتاج معه الى أمر آخر فسقط ما قالوه.
وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)
آية بلا خلاف.
الوقف عند قوله «أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ» وقف تام.
ابتدأ اللَّه تعالى بهذه الآية فأخبر بشأن سائر الخلق. و بازاحة علة عباده المكلفين في البيان ليعجب عباده في الآية التي بينها من الكفار و ذهابهم عن اللَّه تعالى فقال: «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ» فجمع جميع الخلق بهذين اللفظين، لان جميع الحيوان لا يخلو من أن يكون مما يطير بجناحيه أو يدب «إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ» أي هم أجناس و اصناف كل صنف يشتمل على العدد الكثير و الأنواع المختلفة و ان اللَّه خالقها و رازقها، و انه يعدل عليها فيما يفعله، كما خلقكم و رزقكم و عدل عليكم، و ان جميعها دالة و شاهدة على مدبرها و خالقها و أنتم بعد ذلك تموتون و الى ربكم تحشرون. فبين بهذه العبارة أنه لا ينبغي
لهم ان يتعدوا في ظلم شيء منها، فان اللَّه خالقها و هو الناهي عن ظلمها و المنتصف لها.
و في قوله: «يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ» أقوال: أحدها- ان قوله بجناحيه تأكيد كما يقولون: رأيت بعيني، و سمعت باذني، و ربما قالوا: رأت عيني و سمعت اذني، كل ذلك تأكيد. و قال الفراء: معنى ذلك انه أراد ما يطير بجناحيه دون ما يطير بغير جناحين، لأنهم يقولون قد مر الفرس يطير طيرا و سارت السفينة تطير طيرا، فلو لم يقل (بجناحيه) لم يعلم انه قصد الى جنس ما يطير بجناحيه دون سائر ما يطير بغير جناحين. و قال قوم: انما قال «بجناحيه» لان السمك عند اهل الطبع طائر في الماء، و لا أجنحة لها، و انما خرج السمك عن الطائر، لأنه من دواب البحر، و انما أراد ما في الأرض و ما في الجو، و لا حيوان موجود غيرهما. و قال قوم: انما قال ذلك ليدل على الفرق بين طيران الطيور بأجنحتها و بين الطيران بالاسراع تقول: طرت في جناحين، إذا أسرعت، قال الشاعر:
فلو أنها تجري على الأرض أدركت و لكنها تهفو بتمثال طائر
و انشد سيبويه:
فطرت بمنصلي في يعملات دوام الأيد يحبطن السريحا (1)
و قال المغربي: أراد ان يفرق بين الطائر الذي هو الفائز الفالج في القسم، و قال مزاحم العقيلي:
و طير بمخراق أشم كأنه سليل جياد لم تنله الزعانف (2)
أي فوزي و اغنمي. و قوله: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ» قيل «ما فَرَّطْنا» معناه ما تركنا. و قيل: ما قصرنا. و في الكتاب قولان:
أحدهما- انه أراد الكتاب المحفوظ عنده من أجال الحيوان و أرزاقه و آثاره ليعلم ابن آدم ان عمله اولى بالإحصاء و الاستقصاء، ذكره الحسن.
الثاني- ما فرطنا في القرآن من شيء يحتاج اليه في أمور الدين و الدنيا).
الا و قد بيناه اما مجملا أو مفصلا، فما هو صريح يفيد لفظا، و ما هو مجمل بيَّنه على لسان نبيه و أمر باتباعه في قوله «وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (1)و دل بالقرآن على صدق نبوته و وجوب أتباعه، فإذاً لا يبقى أمر من امور الدين و الدنيا الا و هو في القرآن- و هذا الوجه اختاره الجبائي- و قال البلخي: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ» أي لم ندع الاحتجاج بما يوضح الحق و يدعو الى الطاعة و المعرفة و يزجر عن الجهل و المعصية، و تصريف الأمثال و ذكر أحوال الملائكة و بني آدم و سائر الخلق من أصناف الحيوان. و كل جنس من الحيوان أمة، لان الامة الجماعة و يقال للصبيان: أمة و ان لم يجب عليهم التكليف.
و قوله تعالى: «ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ» معناه يحشرون الى اللَّه بعد موتهم يوم القيامة كما يحشر العباد، فيعوض اللَّه تعالى ما يستحق العوض و ينتصف لبعضها من بعض، فإذا عوضهما، قال قوم: انها تصير ترابا فحينئذ يتمنى الكافر فيقولا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً»
(2)و قال قوم: يديم اللَّه أعواضها و يخلقها على أحسن ما يكون من الصور فيسر بها المثابون و يكون ذلك من جملة ما ينعمون به، ذكره البلخي. و قال قوم: «يُحْشَرُونَ» معناه يموتون و يفنون و هذا بعيد، لان الحشر في اللغة هو بعث من مكان الى غيره، و هاهنا لا معنى للحشر الذي هو الفناء و انما معناه انهم يصيرون الى ربهم و يبعثون اليه. و استدل قوم من التناسخية بهذه الآية على ان البهائم و الطيور مكلفة، لأنه قال «أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ» و هذا باطل، لأنا قد بينا من أي وجه قال: انها «أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ» و لو وجب حملها على العموم لوجب ان تكون أمثالنا في كونها ناسا و في مثل صورنا و أخلاقنا، فمتى قالوا لم يقل أمثالنا في كل شيء، قلنا: و كذلك الامتحان و التكليف، على انهم مقرون بان الأطفال غير مكلفين و لا ممتحنين، فما يحملون به امتحان الصبيان بعينه نحمل بمثله امتحان البهائم، و كيف يصح
تكليف البهائم و الطيور و هي غير عاقلة. و التكليف لا يصح الا لعاقل، على ان الصبيان أعقل من البهائم و مع هذا فليسوا مكلفين، فكيف يصح تكليف البهائم؟! و اما قوله: «وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ» (1)فانه مخصوص بالمكلفين العقلاء من البشر و الجن، و الملائكة بدلالة أن الأطفال أمم و ليس فيها نذيره و استدل ابو القاسم البلخي بهذه الآية على ان العوض دائم بان قال:
بيَّن اللَّه تعالى انه يحشر الحيوان كلها و يعوضها، فلو كان العوض منقطعا لكان إذا أماتها استحقت اعواضا أخر على الموت و ذلك يتسلسل، فدل على انه دائم و هذا ليس بشيء، لأنه يجوز ان يميت اللَّه الحيوان على وجه لا يدخل عليهم الألم، فلا يستحقون عوضا ثانيا، فالاولى ان يقول: ان دام دام تفضلا منه تعالى.
و قوله «وَ لا طائِرٍ» فانه جرَّ، عطف على دابة و تقديره و لا من طائر، و كان يجوز ان يقرأ بالرفع حملا على المعنى، كما تقول: ما جاءني من رجل و لا امرأة، و تقديره ما جاءني رجل و لا امرأة و مثله قوله «وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرَ» (2)في موضع بالنصب و في موضع آخر بالرفع على ما قلناه.
وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَ بُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَ مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (39)
آية بلا خلاف.
الوقف التام عند قوله «فِي الظُّلُماتِ». و قوله «صُمٌّ وَ بُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ» يحتمل أمرين:
أحدهما- ان يراد ان هؤلاء الكفار الذين كذبوا بآيات اللَّه صم و بكم في الظلمات في الآخرة على الحقيقة عقوبة لهم على كفرهم، لأنه ذكرهم عند ذكر الحشر.
و الثاني- ان يكون عنى انهم صم و بكم في الظلمات في الدنيا. فمتى أريد الاول كان ذلك حقيقة، لأنه تعالى لا يمتنع ان يجعلهم صما بكما في الظلمات، يضلهم بذلك عن الجنة و عن الصراط الذي يسلكه المؤمنون اليها و يصيرهم الى النار. و ان أريد به الوجه الثاني، فانه يكون مجازا و توسعا.
و انما شبههم بالصم و البكم الذين في الظلمات، لان المكذبين بآيات اللَّه لا يهتدون الى شيء مما ناله المؤمنون من منافع الدين و لا يصلون الى ذلك، كما أن الصم البكم الذين في الظلمات لا يهتدون الى شيء من منافع الدنيا و لا يصلون اليها، فتشبيههم من هذا الوجه بالصم البكم.
و قال البلخي «صُمٌّ وَ بُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ» معناه في الجهل و الشرك و الكفر و قوله «مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَ مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» لا يجوز ان يكون على عمومه، لأنا قد علمنا ان اللَّه تعالى لا يشاء ان يضل الأنبياء و المؤمنين و لا يهدي الكافرين، لكن قد بين تعالى في موضع آخر من الذي يشاء ان يضله، فقال «وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ» (1)و قال «وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ» (2)و قال «وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً» (3)و قال:
«يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ» (4)و قال «وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا» (5).
و قوله «مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ» ها هنا يحتمل أمرين:
أحدهما- «مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ» أي من يشأ يخذله بأن يمنعه ألطافه و فوائده، و ذلك إذا واتر عليه الادلة و أوضح له البراهين فأعرض عنها و لم يمعن النظر فيها، فصار كالأصم الأعمى، فحينئذ يشاء أن يضله بان يخذله.
و الثاني- من يشأ اللَّه إضلاله عن طريق الجنة، و نيل ثوابها يضلله على
وجه العقوبة «وَ مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» و معناه من يشأ ان يرحمه و يهديه الى الجنة و نيل الثواب يجعله على الصراط الذي يسلكه المؤمنون الى الجنة، و يعدل الكافرين عنه الى النار و لا يلحق الإضلال الا الكفار و الفساق المستحقين للعقاب و كذلك لا يفعل الثواب و الخلود في الجنة الا بالمؤمنين، لأنه ثواب لا يستحقه سواهم.
قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَ تَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (41)
آيتان بلا خلاف قرأ الكسائي وحده «أريتكم» و ما جاء منه إذا كان استفهاما بحذف الهمزة التي بعد الراء. و الباقون بإثباتها، و تخفيفها الا أهل المدينة، فإنهم جعلوها بين بين، فان كان غير استفهام اتفقوا على اثبات الهمزة و تخفيفها الا ما رواه و رش في تحقيقها في ستة مواضع ذكرت في باب الهمزة في القراءات.
من حقق الهمزة، فلانه (فعلت) من الرؤية، فالهمزة عين الفعل، و من خفف فانه جعلها بين بين، و هذا التخفيف على قياس التحقيق، و من حذف الهمزة فعلى غير مذهب التخفيف، لان التخفيف القياس فيها أن تجعل بين بين، كما فعل نافع، و هذا حذف، كما قالوا، و يلمه، و كما أنشد احمد بن يحيى:
ان لم أقاتل فالبسوني برقعا
و قال ابو الأسود:
يا با المغيرة رب أمر معضل
و ذكر أن عيسى كذلك كان يقرأها و يقوي ذلك قول الراجز:
أريت ان جاءت به أملودا مرجَّلا و يلبس البرودا
و قال الفراء: العرب لها في (أ رأيت) لغتان:
أحدهما- ان يسأل الرجل الرجل أ رأيت زيدا بعينك؟ فهذه مهموزة، فإذا أوقعتها على الرجل منه قلت: أ رأيتك على غير هذه الحال تريد هل رأيت نفسك على غير هذه الحال ثم يثنى و يجمع، فتقول للرجلين أ رأيتما كما، و للقوم أ رأيتموكم، و للنسوة أ رأيتنكن، و للمرأة أ رأيتك بخفض التاء و لا يجوز إلا ذلك.
و الآخر- ان تقول أ رأيتك. و انت تريد اخبرني، فتهمزها و تنصب التاء منها و تترك الهمز ان شئت، و هو اكثر كلام العرب، و تترك التاء مفتوحة للواحد، و الجمع مؤنثه و مذكره، تقول للمرأة: أ رأيتك زيدا، و للنساء أ رأيتكن زيدا ما فعل. و انما تركت العرب التاء واحدة لأنهم لم يريدوا أن يكون الفعل منها واقعا على نفسها، فاكتفوا بذكرها في الكاف و وجهوا التاء الى المذكر و التوحيد، إذا لم يكن الفعل واقعا على نفسها.
و اختلفوا في هذه الكاف، فقال الفراء: موضعها نصب و تأويلها رفع، مثل قولك: دونك زيدا، فموضع الكاف خفض، و معناه الرفع، لان المعنى خذ زيدا. قال الزجاج: هذا خطأ و لم يقله أحد قبله، قال: لان قولك أ رأيتك زيدا ما شأنه يصير أ رأيت قد تعدت الى الكاف و الى زيد، فنصب أ رأيت اسمين فيصير المعنى: أ رأيت نفسك زيدا ما حاله. و هذا محال. قال و الصحيح الذي عليه النحويون ان الكاف لا موضع لها و المعنى أ رأيت زيدا ما حاله، و الكاف زيادة في بيان الخطاب، و هو المعتمد عليه في الخطاب و لذلك تكون التاء مفتوحة في خطاب المذكر و المؤنث و الواحد و الجمع. فنقول للرجل أ رأيتك زيدا ما حاله بفتح التاء و الكاف و للمرأة أ رأيتك بفتح التاء و كسر الكاف، لأنها صارت آخر ما في الكلمة، و للاثنين أ رأيتكما، و للجمع أ رأيتكم، فتوحد التاء، فكما وجب ان توحدها في التثنية و الجمع، كذلك وجب ان تذكرها مع المؤنث، فان عديت الفاعل الى المفعول في هذا الباب صارت الكاف مفعوله تقول: رأيتني عالما بفلان، فإذا سألت علي هذا الشرط قلت للرجل: أريتك عالما؟ و للاثنين أرأيتما كما
و للجمع أ رأيتموكم، لان هذا في تأويل أرأيتم أنفسكم، و للمرأة أ رأيتك، و للثنتين أ رأيتما كما، و للجماعة أ رأيتكن، فعلى هذا قياس هذين البابين.
قال ابو علي الفارسي: لا يخلو ان يكون الكاف للخطاب مجردا، و معنى الاسم مخلوعا منه أو يكون دالا على الاسم مع دلالته على الخطاب، و الدليل على انه للخطاب مجردا من علامة الاسم أنه لو كان اسما وجب ان يكون الاسم الذي بعده في نحو قوله «أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ» (1)و قولهم: أريتك زيدا ما صنع هو الكاف في المعنى، ألا ترى ان (رأيت) يتعدى الى مفعولين يكون الاول منهما هو الثاني في المعنى و إذا لم يكن المفعول الذي بعده هو الكاف في المعنى، و إنما هو غيره وجب ان يدل ذلك على أنه ليس باسم، و إذ لم يكن اسما كان حرفا للخطاب مجردا من معنى الاسمية، كما أن الكاف في (ذلك و هنا لك) للخطاب و مثله التاء في (أنت) لأنه للخطاب معرى من معنى الاسم فإذا ثبت انه للخطاب معرى من معنى الأسماء ثبت ان التاء لا يجوز أن تكون بمعنى الخطاب ألا ترى أنه لا ينبغي ان يلحق الكلمة علامتان للخطاب، كما لا يلحقها علامتان للتأنيث، و لا علامتان للاستفهام، فلما لم يجز ذلك أفردت التاء في جميع الأحوال لما كان الفعل لا بد له من فاعل و جعل في جميع الأحوال على لفظ واحد، لان ما يلحق الكاف من معنى الخطاب يبين الفاعلين، لتخصيص التأنيث من التذكير و التثنية من الجمع، فلو لحق علامة التأنيث و الجمع التاء لاجتمع علامتان للخطاب بما كان يلحق التاء و ما يلحق الكاف و ذلك يؤدي الى ما لا نظير له فرفض لذلك.
أمر اللَّه تعالى نبيه (ص) بهذه الآية ان يقول لهؤلاء الكفار الذين يعبدون الأصنام «أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ» كما اتى الكافرين من قبلكم كعاد و ثمود، و غيرهم «أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ» و هي القيامة. قال الزجاج: الساعة اسم للوقت الذي يصعق فيه العباد و اسم للوقت الذي تبعث فيه، و المعنى أ رأيتكم
1) سورة 17 الإسراء آية 62.
الساعة التي وعدتم فيها بالبعث و الفناء، لان قبل البعث يموت الخلق كلهم، أ تدعون فيها- لكشف ذلك عنكم- هذه الأوثان التي تعلمون أنها لا تقدر أن تنفع أنفسها و لا غيرها؟! أو تدعون لكشف ذلك عنكم اللَّه تعالى الذي هو خالقكم و مالككم و من يملك ضركم و نفعكم؟ و دلهم بذلك على انه لا ينبغي لهم ان يعبدوا ما لا يملك لهم نفعا و لا يقدر أن يدفع عنهم ضرا و ان يعبدوا اللَّه وحده الذي هو خالقهم و مالكهم و القادر على نفعهم و ضرهم.
و قوله «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» يعني في ان هذه الأوثان آلهة لكم، فبين اللَّه لهم بذلك انها ليست آلهة و انهم في هذا القول غير صادقين.
و قوله «بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ» معنى (بل) استدراك و إيجاب بعد نفي تقول ما جاءني زيد بل عمرو. و أعلمهم اللَّه تعالى انهم لا يدعون في حال الشدائد الا إياه، لأنه إذا لحقهم الشدائد و الأهوال في البحار و البراري القفار، التجئوا فيه اليه و تضرعوا لديه، كما قال «وَ جاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ» (1)و في ذلك أعظم الحجج عليهم، لأنهم عبدوا الأصنام.
و قوله «فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ» معناه يكشف الضر الذي من اجله دعوتم، و هو مجاز كقوله «وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ» و معناه و اسأل اهل القرية.
و قوله «وَ تَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ» معنى تنسون يحتمل أمرين:
أحدهما- ان يكون بمعنى ما تشركون باللَّه.
الثاني- أنكم في ترككم دعاءهم بمنزلة من نسيهم، و هذا الذي أحتج اللَّه به على الكفار دلالة على صحة الاحتجاج في الدين على كل من خالف الحق، لأنه لو كان الاحتجاج لا يجوز و لا يفضي الى الحق لما احتج به على عباده في كتابه. و انما قال: «ان شاء» لأنه ليس كلما يدعون لكشفه يكشفه عنهم بل يكشف ما شاء من ذلك مما تقتضيه المصلحة و صواب التدبر، و توجبه الحكمة.
1) سورة 10 يونس آية 22.
و الاستثناء راجع الى العذاب دون الساعة، لأنها لا تكشف و لا محيص عنها.
وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَ لكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (43)
آيتان اعلم اللَّه تعالى نبيه (ص) بهذه الآية انه قد أرسل الرسل قبله الى أقوام بلغوا من القسوة الى ان أخذوا بالشدة في أنفسهم و أموالهم ليخضعوا و يذلوا لأمر اللَّه لان القلوب تخشع و النفوس تضرع عند ما يكون من أمر اللَّه البأساء و الضراء. و قال قوم: البأساء الجوع، و الضراء النقص في الأموال و الأنفس.
و البأساء: من البأس و الخوف و الضراء من الضر، و قد يكون البأساء من البؤس، فأعلمه اللَّه انه أرسل الى أمم و أخذها بالبأساء و الضراء، فلم تخشع و لم تضرع. و قال: «لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ» و معناه لكي يتضرعوا. و قيل: معناها الترجي للعباد، كما قال: «لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (1). قال سيبويه: المعنى اذهبا أنتما على رجائكما، و اللَّه عالم بما يكون من وراء ذلك.
و قوله «فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا» معناه هلا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا «وَ لكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ» أي أقاموا على كفرهم. قال الفراء كلما رأيت في الكلام (لولا) و لم تر بعدها أسماء، فهي بمعنى (هلا)، كقوله: «لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ» (2)و «فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ» (3)و إذا كان بعدها اسم، فهي بمعنى (لو) التي تكون في جوابها اللام، و (لوما) فيها ما في (لولا) من الاستفهام و الخبر.
و قد اخبر اللَّه في هذه الآية ان الشيطان هو الذي يزين الكفر للكافر بخلاف
ما يقول المجبرة من ان اللَّه هو المزين لهم ذلك، و فيها حجة على من قال: ان اللَّه لم يرد من الكافر الايمان، و انه أرسل الرسل بينة عليهم، و على من زعم ان أخذه الكافرين بالبأساء و الضراء في الدين ليس لما أراد من صلاحهم، لأنه بين اللَّه انما فعل بهم ذلك ليتضرعوا، و هذه لام الغرض، لان الشك لا يجوز عليه تعالى «يَتَضَرَّعُونَ» معناه يتذللون يقال ضرع فلان لفلان إذا بخع له و سأله أن يعطيه، و فلان ضارع أي نحيف.
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (45)
آيتان قرأ ابن عامر و ابو جعفر، و ورش «فتحنا» و في الاعراف «لفتحنا» و في الأنبياء «فتحت» و في القمر «ففتحنا أبواب السماء» بالتشديد فيهن، وافقهم روح في الأنبياء و القمر. و الباقون بالتخفيف فيهن.
و من ثقل أراد التكثير، و من خفف أراد الفعل مرة واحدة.
بين اللَّه تعالى بهذه الآية ان هؤلاء الكفار لما لم ينتفعوا بالبأساء و الضراء على ما اقتضت مصلحتهم، و نسوها أي تركوها فصارت في حكم المنسى ابتليناهم بالتوسعة في الرزق ليرغبوا بذلك في نعيم الآخرة، و ينبهوا عليه، فيطيعوا و يرجعوا عما هم عليه، فلما لم ينجع ذلك فيهم و لم يرتدعوا عن الفرح بما أوتوا، و لم يتَّعظوا و لم ينفعهم الزجر بالضراء و السراء، و لا الترغيب بالتوسعة و الرخاء أحللنا بهم العقوبة بغتة أي مفاجأة من حيث لا يشعرون «فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ».
قال الزجاج: (المبلس) الشديد الحسرة و (البائس) الحزين. و قال البلخي:
معنى مبلسون يعني: أذلة خاضعين. و قال الجبائي: معنى (مبلسون) آيسون، و قال الفراء المبلس: المنقطع الحجة، قال رؤبة:
و حضرت يوم خميس الأخماس و في الوجوه صفرة و إبلاس (1)
و قال مجاهد: الإبلاس السكوت مع اكتئاب.
و قوله «كل شيء» المراد به التكثير دون العموم، و هو مثل قوله «وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» (2)و كقول القائل: أكلنا عنده كل شيء و رأينا منه كل خير، و كما يقال هذا قول اهل العراق، و اهل الحجاز، و يراد به قول أكثرهم.
و قال تعالى: «وَ لَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها» (3)و كل ذلك يراد به الخصوص، و موضوعه التكثير، و التفخيم. و إذا علمنا في الجملة بالعقل ان هذه الآيات مخصوصة، فلا ينبغي ان يعتقد فيها تخصيص شيء بعينه، و ليس علينا اكثر من ان نعتقد أنهم أوتوا خيرا كثيرا، و فتح عليهم أبواب أشياء كثيرة كانت متعلقة عليهم، و ليس يلزمنا اكثر من ذلك.
فان قيل الذي يسبق الى القلوب غير ما تأولتم عليه و هو ان اللَّه انما فتح عليهم أبواب كل شيء ليفرحوا و يمرحوا ليستحقوا العقاب.
قلنا: الظاهر و ان كان كذلك انصرفنا عنه بدليل، كما انصرفنا عن قوله:
«الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (4)و عن قوله «وَ جاءَ رَبُّكَ» (5)و عن قوله:
«أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ» (6)فكما يجب ان تترك ظاهر هذه الآيات و ان كان ظاهرها التشبيه فكذلك ترك ما ظاهره يوجب اضافة القبيح اليه و ينافي عدله و يعدل الى ما يليق بحكمته و عدله.
و قوله «فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا» معناه أخذهم الذي يدبرهم و يدبرهم، لغتان- بضم الباء و كسرها- و هو الذي يكون في أعقابهم.
و
روي عن أبي عبد اللَّه (ع) انه قال: من الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبريا- بضم الدال- يعني في آخر الوقت
، هذا قول اصحاب الحديث. و قال
أبو زيد الا دبريا بفتح الدال و الباء. ثم حمد اللَّه تعالى نفسه بأن استأصل ساقتهم و قطع دابرهم بقوله «وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» لأنه تعالى أرسل اليهم و انظرهم بعد كفرهم و أخذهم بالبأساء و الضَّراء، و النعمة و الرخاء، فبالغ في الانذار و الامهال، فهو محمود على كل حال.
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَ أَبْصارَكُمْ وَ خَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46)
آية بلا خلاف.
روي عن ورش: «به انظر» بضم الهاء الباقون بكسرها.
قال ابو علي: من كسر الهاء حذف الياء التي تلحق الهاء في نحو به انظر، لالتقاء الساكنين و الالف من (انظر). و من قرأ بضم الهاء فهو على قول من قال: «فخسفنا بهو و بدار هو» (1)، فحذف الواو لالتقاء الساكنين، كما حذف الياء في (بهي) لذلك، فصار «به انظر» و مما يحسن هذا الوجه ان الضمة فيه مثل الضمة في (ان اقتلوا) أو (انقص) و نحو ذلك.
و قوله: «أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَ أَبْصارَكُمْ وَ خَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ» ثم قال: «يَأْتِيكُمْ بِهِ» قال ابو الحسن هو كناية عن السمع او على ما أخذ منكم و قال الفراء: الهاء كناية عن الهدى.
أمر اللَّه تعالى نبيه (ع) ان يقول لهؤلاء الكفار «أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ» أي أصمكم، «وَ أَبْصارَكُمْ» أي أعماكم، تقول العرب: أخذ اللَّه سمع فلان و بصره، أي أصَّمه و أعماه «وَ خَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ» بأن سلب ما فيها من العقول التي بها يتهيأ لكم ان تؤمنوا بربكم و تتوبوا من ذنوبكم و وسمها
1) سورة 28 القصص آية 81.
بسمة من يكون خاتمة أمره المصير الى عذاب النار، فلو فعل بكم، هل من اله غيره يأتيكم بهذا الذي سلبكم اللَّه إياه؟! و هل يقدر على ذلك اله غير اللَّه؟! فبين بهذا انه كما لا يقدر على ذلك غير اللَّه فكذلك يجب ان لا يعبدوا سواه:
القادر على جميع ذلك.
و قوله «انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ» تنبيه للعباد على هذه الآية و على أمثالها من الآيات التي بين فيها انه لا يستحق العبادة سواه تعالى.
ثم بين انهم مع ظهور هذه الآيات يصدفون أي يعرضون عن تأملها، و التفكر فيها. يقال: صدف عنه، إذا أعرض.
و في الآية دليل على ان اللَّه قد مكنهم من الإقبال على ما ورد عليهم من البيان و انه لم يخلق فيهم الاعراض عنه و لا حملهم عليه، و لا اراده منهم و لا زينه لهم، لأنه لو كان فعل شيئا من ذلك لم يكن لتعجيبه من ذلك معنى.
قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)
آية.
أمر اللَّه تعالى نبيه (ع) ان يخاطب كفار قومه، و يقول لهم أرأيتهم «إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً» و البغتة المفاجأة و هو ان يأتيهم العذاب، و هم غافلون غير متوقعين لذلك «او جهرة» أي و هم شاهدون له، و معاينون نزوله. و قال الحسن: (البغتة) ان يأتيهم ليلا و (جهرة) نهارا. ثم قال:
«هَلْ يُهْلَكُ» بهذا العذاب «إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ» الكافرون الذين يكفرون باللَّه و يفسدون في الأرض. و هل ينجو منه الا المؤمنون العابدون لربهم.
و متى هلك فيهم أطفال او قوم مؤمنون فإنما يهلكون امتحانا و يعوضهم اللَّه على ذلك أعواضا كثيرة، يصغر ذلك في جنبها، فجعل ذلك تحذيرا من المقام على الكفر و ترغيبا في الايمان و النجاة من العذاب.
وَ ما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَ أَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (49)
آيتان بلا خلاف.
بين اللَّه تعالى في هاتين الآيتين انه لا يبعث الرسل أربابا يقدرون على كل شيء يسألون عنه من الآيات او يخترعونه بل انما يرسلهم لما في ذلك من المصلحة لهم و منبهين على ما في عقولهم من توحيد اللَّه، و عدله و حكمته مبشرين بثواب اللَّه لمن آمن به و عرفه، و مخوفين لمن أنكره و جحده. ثم اخبر ان المرسل اليهم مختارون غير مجبرين و لا مضطرين و دل على انه غير محدث لشيء من أفعالهم فيهم، و ان الافعال لهم، هم يكتسبونها بما خلق اللَّه فيهم من القدرة، و انه قد هداهم، و بين لهم و بشرهم و أنذرهم فمن آمن أثابه و من عصاه عاقبه. و لو كانوا مجبورين على المعاصي مخلوقا فيهم الكفر و لم يجعل فيهم القدرة على الايمان لما كان للآية معنى.
قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَ لا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ (50)
آية بلا خلاف.
امر اللَّه تعالى نبيه محمدا (ص) ان يقول لعباده: «لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ» اغنيكم منها «وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ» الذي يختص بعلم اللَّه تعالى فاعرفكم مصالح دنياكم، و انما اعلم قدر ما يعلمني اللَّه من امر البعث و الجنة
و النار، و غير ذلك، و لا ادعي اني ملك، لاني انسان تعرفون نسبي، لا اقدر على ما يقدر عليه الملك، و ما أتبع الا ما يوحي اللَّه به إلي.
و بين لهم ان الملك من عند اللَّه، و الوحي هو البيان الذي ليس بإيضاح نحو الاشارة و الدلالة، لان كلام الملك كان له على هذا الوجه. و انما أمره بأن يقول ذلك لئلا يدعوا فيه ما ادعت النصارى في المسيح، و لئلا ينزلوه منزلة خلاف ما يستحقه. ثم أمره بأن يقول لهم: «هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ» أي هل يستوي العارف باللَّه تعالى و بدينه العالم به مع الجاهل به و بدينه، فجعل الأعمى مثلا للجاهل و البصير مثلا للعارف باللَّه و نبيه، هذا قول الحسن و الجبائي.
و قال البلخي: معناه هل يستوي من صدق على نفسه و اعترف بحاله التي هو عليها من الحاجة و العبودية لخالقه، و من ذهب عن البيان و عمي عن الحق «أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ» فتنصفوا من أنفسكم و تعملوا بالواجب عليكم من الإقرار بوحدانيته تعالى و نفي الشركاء و التشبيه عنه، و هذا و ان كان لفظه لفظ الاستفهام فالمراد به الاخبار أي انهما لا يستويان.
و قال مجاهد: الأعمى الضال و البصير المهتدي. ثم قال: «أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ» تنبيها لهم على الفكر في ما يدعوهم الى معرفته و يدلهم عليه من آياته و أمثاله التي بينها في كتابه، للفرق بين الحق و الباطل، و الكافر و المؤمن.
و قال الحسن: «لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ» يعني خزائن الغيب الذي فيه العذاب لقولهم: ائتنا بعذاب اللَّه، و لا اعلم الغيب متى يأتيكم العذاب «وَ لا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ» من ملائكة اللَّه. و انما أنا بشر تعرفون نسبي. و لكني رسول اللَّه يوحى الي، و لا أتبع الا ما يوحى الي و لا أؤدي الا ما يأمرني بأدائه و استدل الجبائي و البلخي و غيرهما بهذه الآية على ان الملائكة أفضل من الأنبياء لأنه قال «وَ لا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ» فلولا ان الملائكة أفضل و أعلى منزلة ما جاز ذلك. و هذا ليس بشيء لان الفضل الذي هو كثرة الثواب لا معنى له ها هنا، و انما المراد «وَ لا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ» فأشاهد من امر اللَّه و غيبته عن
العباد ما يشاهده الملائكة المقربون المختصون بملكوت السماوات و ان لم يكن في ذلك استحقاق ثواب زائد.
وَ أَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَ لا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51)
آية بلا خلاف.
امر اللَّه تعالى نبيه (ع) ان ينذر بهذه الآيات أي يخوف بها من هو مقر بالبعث و النشور من المؤمنين، و من يقر بذلك من الكفار و يعتقد انه لا معونة عند الشركاء يومئذ، لان الامر هناك له تعالى وحده. و قد كان خلق من مشركي العرب يعتقدون ذلك، فأمر اللَّه ان يخص هؤلاء بالإنذار، لان الحجة لهم ألزم و ان كانت لازمة للجميع.
و قوله: «يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ» أي يعلمون ذلك، فهم خائفون منه أي عاملون بما يؤديهم الى السلام عنده.
و قال الفراء: يخافون الحشر الى ربهم علما بأنه سيكون فلذلك فسَّره المفسرون يخافون بمعنى يعلمون.
و قال الجبائي: امر اللَّه ان يخوف بالعقاب من هو خائف، لأنه لما أعلمهم ان اللَّه يعذبهم بكفرهم إذا حشروا، كانوا يخافون الحشر لكونهم شاكين فيما أخبرهم به النبي (ص) من الحشر و العذاب. و كانوا يخافون ذلك لشكهم فيه، و ان كانوا غير مؤمنين. و الاول قول البلخي و الزجاج.
و قوله: «لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ» أو من يدفع عنهم ما يريد اللَّه إنزاله بهم من عذابه، و عقوباته، و لا شفيع يشفع يدفع بشفاعته عنهم ما يريد اللَّه انزاله بهم من ذلك على ما قالت النصارى انهم أبناء اللَّه و احباؤه.
و قوله: «لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» أي لكي يتقوا معاصيه. و الهاء في قوله «به» قال الزجاج: راجعة الى القرآن. و قال الجبائي: راجعة الى العذاب. و قال
البلخي: راجعة الى الانذار.
وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَ ما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)
آية بلا خلاف.
قرأ ابن عامر «بالغدوة» هنا و في الكهف- بضم الغين و اسكان الدال و اثبات واو بعدها. الباقون بفتح الغين و الدال و اثبات الف بعد الدال.
سبب نزول هذه الآية ما رواه ابن مسعود و غيره: ان ملأ من قريش- و قال الفراء: من الكفار، منهم عيينة بن حصين الفزاري- دخلوا على النبي (ص) و عنده بلال و سلمان و صهيب و عمار، و غيرهم، فقال عيينة بن حصين يا رسول اللَّه لو نحيت هؤلاء عنك، لاتاك أشراف قومك، و أسلموا، و كان ذلك خديعة منهم له و كان اللَّه تعالى عالما ببواطنهم.
فأمر اللَّه نبيه ان «لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ» يعني انه نهاه عن طردهم لأنهم يريدون بإسلامهم و دعائهم وجه اللَّه. قال الضحاك:
«يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ» يعني بذلك الصلاة المفروضة في هذين الوقتين و قال ابراهيم هم اهل الذكر. و قال قوم: الدعاء ها هنا هو التحميد و التسبيح و قوله: «يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» شهادة للمعنيين بالآية بالإخلاص و انهم يريدون بعبادتهم اللَّه خالصا.
و قال البلخي: قراءة ابن عامر غلط، لان العرب إذا ادخلت الالف و اللام قالوا: الغداة يقولون: رأيتك بالغداة، و لا يقولون بالغدوة، فإذا نزعوا الالف و اللام قالوا رأيتك غدوة. و انما كتبت واو في المصحف، كما كتبوا الصلاة و الزكاة و الحياة كذلك.
قال ابو علي الفارسي: الوجه الغداة، لأنها تستعمل نكرة و تتعرف باللام فأما غدوة فمعرفة أبدا، و هو علم صيغ له. قال سيبويه: غدوة و بكرة جعل كل واحد منهما اسما للجنس كما جعلوا أم حنين اسما لدابة معروفة، كذلك هذا و وجه قراءة ابن عامر أن سيبويه قال زعم الخليل أنه يجوز ان تقول أتيتك اليوم غدوة و بكرة، فجعلها بمنزلة ضحوة.
و قوله «فتطردهم» نصب الدال، لأنه جواب النفي في قوله: «ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ» و نصب فيكون لأنه جواب لقوله: «وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ ...
ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ... فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ» قال قوم يعني من حساب رزقهم في الدنيا ليس رزقهم في يدك و لا رزقك في أيديهم، بل اللَّه رازق الجميع.
و قال الجبائي و هو الأظهر: ما عليك من أعمالهم، و لا عليهم من أعمالك، بل كل واحد يؤاخذ بعمله، و يجازى على فعله، لا على فعل غيره. و قوله «فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ» اخبار منه تعالى انه لو طرد كل هؤلاء تقربا الى الكبراء منهم كان بذلك ظالما. و النبي (ص) و ان لم يقدم على القبيح جاز ان ينهى عنه، لأنه قادر عليه و ان كان النهي و الزجر يمتنع منه، كما قال تعالى «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ» و ان كان الشرك مأمونا منه.
وَ كَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)
آية بلا خلاف.
معنى الآية انه تعالى اخبر انه يمتحن (1)الفقراء بالأغنياء و الأغنياء بالفقراء فيختبر صبر الفقراء على ما يرون من حال الأغنياء، و اعراضهم عنهم الى طاعة الرسل و يختبر شكر الأغنياء و إقرارهم لمن يسبقهم من الفقراء، و الموالي و العبيد
1) في المخطوطة «ابتلى» بدل «يمتحن».
الى الايمان بالرئاسة في الدين و التقدم فيه.
و قوله: «لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا» فليس المراد باللام لام الغوص لان اللَّه لو قصد ذلك لكان قد قصد بما فعل ان يقولوا هذا القول فيكفروا به و يعصوا و يتعالى اللَّه عن ذلك فكيف يقصده؟! و قد عابه من قولهم و هو يعاقبهم عليه و عابهم به، و لكن اللام لام العاقبة.
و المعنى اني فعلت ذلك بهم ليصبروا و يشكروا، فكان عاقبة أمرهم ان قالوا «أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا» و مثله قوله: «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً» (1)و قال الشاعر:
و ام سماك فلا تجزعي فللشكل ما تلد الوالداه (2)
و الذي قال «أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا» هو عيينة بن حصين و أصحابه و قال الزجاج: أي ليقول الكبراء «أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا» أي ليكون ذلك آية بينة انهم اتبعوا الرسول و صبروا على الشدة في حال شديدة.
و قال الجبائي: معنى قوله «فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ» أي شددنا التكليف على أشراف العرب و كبرائهم بأن امرناهم بالايمان برسول اللَّه و بتقديم هؤلاء الضعفاء على نفوسهم لتقدمهم إياهم في الايمان، و كونهم أفضل عند اللَّه. و هذا أمر كان شاقاً عليهم، فلذلك سماه اللَّه فتنة.
و قوله «لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا» أي فعلنا هذا بهم ليقول بعضهم لبعض على وجه الاستفهام منه لا على وجه الإنكار «أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا» يعني بالايمان إذ رأوا النبي (ص) يقدم هؤلاء عليهم و يفضلهم و ليرضوا بذلك من فعل رسول اللَّه، و لم يجعل هذه الفتنة و الشدة في التكاليف ليقولوا ذلك على وجه الإنكار، لان إنكارهم ذلك كفر باللَّه و معصية له و اللَّه تعالى لا يريد ذلك و لا يرضاه، لأنه لو أراد ذلك منهم، و فعلوه كانوا مطيعين
له لا عاصين و قد ثبت خلافه.
و قوله: «أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ» معناه ان اللَّه تعالى أعلم بالشاكرين له و لنعمه من خلقه فيجازيهم على ذلك بما يستحقونه من الثواب و التعظيم و الإجلال.
و الشاكرون المعنيون بالآية هم هؤلاء الضعفاء و يدخل معهم في ذلك سائر المؤمنين.
فان قيل فعلى هذا الوجه الذي ذكرتموه قد وجد من الكفار القول على ما أراده فيجب ان يكونوا مطيعين.
قلنا: ليس في الآية ذلك و أنهم على أي وجه قالوه على وجه الإنكار أو على وجه الاستفهام؟ و انما بين انه فعل بهم ليقولوا ذلك على وجه الاستفهام لا على وجه الإنكار، فان كانوا قالوه على ما أراده اللَّه فهم مطيعون و ان قالوه منكرين فهم عصاة، فلما علمنا أن اللَّه تعالى ذمهم بهذا القول علمنا أنهم لم يقولوه على وجه المراد منهم انما قالوه على خلاف ما أريد منهم.
وَ إِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54)
آية.
قرأ ابن عامر و عاصم و يعقوب: «انه من عمل ... فانه غفور رحيم» بفتح الهمزة فيهما وافقهم اهل المدينة في الاولى منهما. الباقون بالكسر فيهما.
قال ابو علي الفارسي من كسر (أنه) الاولى جعلها تفسير للرحمة كما أن قوله «لهم مغفرة و اجر كريم» تفسير للوعد. و اما كسر (إن) في قوله «فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» فلأن ما بعد الفاء حكمه الابتداء، و من ثم حمل قوله «وَ مَنْ عادَ
فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ»
(1)على إرادة المبتدأ بعد الفاء و حذفه. و من فتح (أن) في قوله «انه» فانه جعل (ان) الاولى بدلا من الرحمة كأنه قال كتب ربكم على نفسه الرحمة انه من عمل منكم. و اما فتحها بعد الفاء فانه غفور رحيم، فعلى انه أضمر له خبرا تقديره، فله انه غفور رحيم أي فله غفرانه. أو أضمر مبتدأ تكون (أن) خبره، كأنه قال فأمره انه غفور رحيم و اما قراءة نافع: بفتح الاولى و كسر الثانية فالقول فيهما انه أبدل من الرحمة و استأنف ما بعد الفاء. قال سيبويه: بلغنا ان الأعرج قرأ «أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ ... فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ». و نظيره قول ابن مقبل:
و اني إذا ملت ركابي مناخها فاني على حظي من الامر جامح
يريد ان قوله: (و اني إذا ملت ركابي) محمول على ما قبله كما ان قوله «أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ» محمول على ما قبله. و قوله: فاني على حظي مستأنف مثل قوله «فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» مستأنف به منقطع عما قبله.
قال الفراء: و اختاره الزجاج و يجوز ان يحمل (فانه) على التكرار، قال: لان الكتاب يحتاج الى (ان) مرة واحدة و لكن الخبر هو موضعها فلما دخلت في ابتداء الكلام أعيدت الى موضعها، كما قال: «أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَ كُنْتُمْ تُراباً وَ عِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ» (2)فلما كان موضع (ان) أ يعدكم انكم مخرجون إذا متم دخلت في أول الكلام و آخره. و مثله «كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ» (3)و مثله «أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ» (4)قال و لك ان تكسر (ان) بعد الفاء في هذه الأحرف. قال ابو علي هذا غير صحيح، لان (من) لا يخلو من ان تكون للجزاء الجازم الذي بني اللفظ عليه او تكون موصولة، و لا يجوز ان يقدر التكرير مع الموصولة فلو كانت موصولة
لبقي المبتدأ بلا خبر، و لا يجوز ذلك في الجزء الجازم، لان الشرط يبقى بلا جزاء على اثبات الفاء في قوله: (فان له) و يمتنع من ان يكون بدلا لأنه لا يكون بين المبدل و المبدل منه الفاء العاطفة و لا التي للجزاء، فان قيل: هي زائدة بقي الشرط بلا جزاء، فإذا بطل الامر ان ثبت ما قدمناه.
و اما من كسرهما فعلى مذهب الحكاية كأنه لما قال «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» قال: «أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» بالكسر، و دخلت الفاء جوابا للجزاء.
هذه الآية متصلة بالأولى: نهى اللَّه تعالى نبيه (ع) في الاولى عن ان يطردهم. ثم أمره في هذه الآية ان يقول لمن ورد عليه منهم- اعني المؤمنين المصدقين بآيات اللَّه و حججه و براهينه عربيا كان او أعجميا ضعيفا كان أو قويا- «سَلامٌ عَلَيْكُمْ» فيبدأهم بالتحية، و يبشرهم بالرحمة و يقوي قلوبهم و يعرفهم أن من أذنب منهم ثم تاب، فتوبته مقبولة كل ذلك خلافا على الكافرين فيما أرادوه عليه من طردهم و الغلظة عليهم.
و قال محمد بن يزيد: السلام في اللغة أربعة أشياء: أحدها- سلمت سلاما مصدر. و ثانيها- السلام جمع سلامة. و ثالثها- السلام من أسماء اللَّه. و رابعها- السلام شجر.
و معنى السلام الذي هو مصدر سلمت دعاء للإنسان ان يسلم في دينه و نفسه، و معناه التخلص. و السلام الذي هو اسم اللَّه معناه ذو السلام أي الذي يملك السلام الذي هو تخليص من المكروه. و السلام الذي هو الشحر، فهو شجر عظيم سمي بذلك لسلامته من الآفات. و السلام حجار صلبة لسلامتها من الرخاوة و يسمى الصلح: السلام و السلم و السلم، لان معناه السلامة من الشر. و السلام دلولها مروة واحدة نحو دلو السقائين. و السلم السبب الى لشيء. و السلم الذي يرتقى عليه لأنه يسلمك الى حيث تريد و قوله «مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ» ليس المراد أنهم يجهلون أنه سوء، لأنه لو أتى
المسلم ما يجهل أنه سوء لكان كمن لم يتعمد سوءا. و تحتمل الآية أمرين:
أحدهما- انه عمله و هو جاهل بالمكروه فيه أي لم يعرف أن فيه مكروه.
و الآخر- انه أقدم مع علمه ان عاقبته مكروهة فآثر العاجل، فجعل جاهلا لأنه آثر القليل على الراحة الكثيرة و العاقبة الدائمة.
و يحتمل عندي أن يكون أراد «مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ» بمعنى أنه لا يعرفها سوءا، لكن لما كان له طريق الى معرفته وجب عليه التوبة منه، فإذا تاب قبل اللَّه توبته.
فان قيل: قوله «و أصلح» هل فعل الصلاح شرط في قبول التوبة أو لا؟
فان لم يكن شرطا فلم علق الغفران بمجموعهما.
قيل: لا خلاف أن التوبة متى حصلت على شرائطها التي قدمنا ذكرها في غير موضع، فانه يقبل التوبة و يسقط العقاب، و ان لم يعمل بعدها عملا صالحا غير أنه إذا تاب و بقي بعد التوبة، فان لم يعمل الصالح عاد الى الإصرار، لأنه لا يخلو في كل حال من واجب عليه أو ندب من تجديد معرفة اللَّه و معرفة نبيه، و غير ذلك من المعارف و كثير من أفعال الجوارح، فاما ان قدرنا اخترامه عقيب التوبة من غير فعل صلاح، فان الرحمة بإسقاط العقاب تلحقه بلا خلاف.
وَ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَ لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55)
آية بلا خلاف.
قرأ اهل الكوفة الا حفصا و «ليستبين» بالياء. الباقون بالتاء. و قرأ اهل المدينة «سبيل» بالنصب. الباقون بالرفع.
من قرأ بالتاء و رفع السبيل، فلأن السبيل يذكر و يؤنث، فالتذكير لغة تميم، و التأنيث لغة أهل الحجاز فأنَّث- ها هنا- كما قال
«قُلْ هذِهِ سَبِيلِي» (1).
و من قرأ بالياء فانه ذكَّر السبيل، لأنه الطريق. و هو يذكر، كما قال «وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا» (2).
و من قرأ بالتاء، و نصب (السبيل) أراد أن يكون خطابا للنبي (ص) كأنه قال: و لتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين. و النبي (ص) و ان كان مستبينا لطريق المجرمين عالما به فيجوز أن يكون ذلك على وجه التأكيد، و لان يستديم ذلك. و يحتمل أن يكون المراد به الامة، فكأنه قال ليزداد استبانة، و لم يحتج ان يقول: و لتستبين سبيل المؤمنين، لان سبيل المجرمين إذا بانت، فقد بان معها سبيل المؤمنين، لأنها خلافها. و يجوز ان يكون المراد، و لتستبين سبيل المجرمين و لتستبين سبيل المؤمنين، و حذف إحدى الجملتين لدلالة الكلام عليه، كما قال «سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ» (3)و لم يقل تقيكم البرد، لان الساتر يستر من الحر و البرد، لكن جرى ذكر الحر، لأنهم كانوا في مكانهم أكثر معاناة له من البرد، و كذلك سبيل المجرمين، خص بالذكر، لان الكلام في وصفهم، و ترك ذكر المؤمنين لدلالة الكلام عليه. و هذه الآية معطوفة على الآيات التي احتج اللَّه بها على مشركي العرب، و غيرهم فلذلك قال «و كذلك» أي كما قدمنا «نُفَصِّلُ الْآياتِ» أي نميزها و نبينها و نشرحها لتلزمهم الحجة و «لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ» من عاند بعد البيان أو ذهب عن فهم ذلك بالاعراض عنه لمن أراد التفهم منهم، و من المؤمنين ليجانبوها و يسلكوا غيرها.
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56)
روي عن يحيى بن وثاب أنه قرأ «ضللت» بكسر اللام. و القراء كلهم على فتحها، و هما لغتان. فمن كسر اللام فتح الضاد من «يضل». و من فتح اللام كسر الضاد. فقال «يضل» و قال أبو عبيدة اللغة الغالبة بالفتح.
و
روى ابو العالية أن النبي (ص) قرأ هذه الآية عند الكعبة و أظهر لهم المفارقة.
و هذه الآية فيها خطاب للنبي (ص) و أمر له بأن يقول للكافرين:
ان اللَّه قد نهاني أن اعبد هذه الأوثان التي تعبدونها من دون اللَّه و تدعونها آلهة و أنها تقربكم الى اللَّه زلفى، و أن يقول لهم اني لا أتبع أهواءكم في عبادة الأوثان، و اني لو فعلت ذلك لكنت قد ضللت عن الصواب، و بعدت عن الرشد و لم أكن من المهتدين الى الخير و الصلاح. و معناه معنى الشرط و تقديره قد ضللت ان عبدتها. و قال الزجاج: «وَ ما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ» أي و ما أنا من النبيين الذين سلكوا طريق الهدى.
قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ كَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (57)
آية بلا خلاف.
قرأ اهل الحجاز و عاصم «يَقُصُّ الْحَقَّ» من القصص و هو المروي عن ابن عباس و مجاهد. الباقون- بالضاد- المعجمة من فوقها من القضاء. و كان ابو عمرو يقوي القراءة بالضاد بقوله «وَ هُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ». و يقول الفصل في القضاء لا في القصص و يقوي ذلك بقوله «وَ اللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ».
و حجة من قرأ بالصاد قوله: «نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ» (1)و قوله:
«إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ» (2). و أما الفصل الذي قوى به أبو عمرو قراءته فقد
جاء الفصل في القول كما جاء في الحكم و القضاء في نحو قوله «إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ» (1)و قال: «أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ» (2)و قال «نُفَصِّلُ الْآياتِ» (3)و قال «لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ» (4)فذكر في القصص انه تفصيل. و الحق في قوله «يَقُصُّ الْحَقَّ» يحتمل أمرين:
أحدهما- أن يكون صفة لمصدر محذوف و تقديره يقضي القضاء الحق أو يقص القصص الحق.
و الثاني- أن يكون مفعولا به يعجل الحق كقول الهذلي:
و عليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع (5)
أي صنعهما داود.
و في هذه الآية أمر من اللَّه لنبيه ان يقول للكفار انه على بينة من ربه، أي على أمر بين من معرفة اللَّه و صحة نبوته، لا متبع للهوى.
و قوله «وَ كَذَّبْتُمْ بِهِ» الهاء راجعة الى البيان، لان البنية و البيان واحد، و تقديره و كذبتم بالبيان لذي هو القرآن. و قال قوم: بينة من ربي من نبوتي «وَ كَذَّبْتُمْ بِهِ» يعني باللَّه. و على الاول يكون تقديره كذبتم بما أتيتكم، لأنه هو البيان.
و قوله: «ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ» (ما) بمعنى ليس. و الذي استعجلوا به يحتمل أمرين:
أحدهما- العذاب، كما قال «وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ» (6).
و الثاني- أن يكونوا استعجلوا الآيات التي اقترحوها عليه فأعلمهم اللَّه أن ذلك عند اللَّه و أن الحكم له تعالى «يَقُصُّ الْحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ» و كتبت
يقضى بغير ياء، لأنها أسقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين، كما كتبوا «سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ» (1)بغير واو.
و من قرأ: بالصاد من القصص حمله على أن جميع ما أنبأ به و أمر به، فهو من أقاصيص الحق.
و قال الحسن: (البنية) النبوة و (كذبتم به) بالنبوة التي جاءت من عند اللَّه و «ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ» من العذاب جواب لقولهم: «أتنا بعذاب اللَّه» (2)و في قراءة ابن مسعود «يَقُصُّ الْحَقَّ» و لم يقرأ به احد.
و قوله «يَقْضِي بِالْحَقِّ» يدل على بطلان قول من يقول: ان الظلم و الجور بقضاء اللَّه، لان ذلك كله ليس بحق.
قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)
آية.
امر اللَّه تعالى نبيه ان يقول للكفار ما كان عندي ما تستعجلون به من كون العذاب و إنزاله بكم برأيي و ارادتي لفعلت ذلك بكم و لأنزلته عليكم و «لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ» بذلك و لا نفصل و لا نقطع، و لكن ليس ذلك إلي و انما هو الى اللَّه «وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ» و بمن ينبغي إمهاله منهم و من يجب معالجته بالعقوبة فهو يدبر ذلك بحسب ما يعلم من وجه الحكمة و الصواب
وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (59)
آية بلا خلاف و هي تمام السبع المثاني.
«مَفاتِحُ الْغَيْبِ» معناه الأمور التي بها يستدل على الغائب فتعلم حقيقته، يقال: فتحت على الرجل، أي عرفته أولا، و يستدل به على آخر، و جملة يعرف بها التفصيل. و منه قولهم أفتح عليَّ أي عرفني. قال الزجاج: معناه و عنده الوصلة الى علم الغيب و كل ما لا يعلم إذا استعلم.
و
روي عن ابن عمر أن رسول اللَّه (ص) قال: مفاتح الغيب خمس لا يعلمها الا اللَّه: ان اللَّه عنده علم الساعة، و ينزل الغيث، و يعلم ما في الأرحام، و ما تدري نفس ما ذا تكسب غدا و ما تدري نفس بأي أرض تموت.
و معنى الآية أن اللَّه تعالى عالم بكل شيء من مبتدءات الأمور و عواقبها فهو يعجل ما تعجيله أصلح و أصوب، و يأخر ما تأخيره أصلح و أصوب، و أنه الذي يفتح باب العلم لمن يريد إعلامه شيئا من ذلك من أنبيائه و عباده، لأنه لا يعلم الغيب سواه، فلا يتهيأ لاحد ان يعلِّم العباد ذلك، و لا أن يفتح لهم باب العلم به الا اللَّه، و بين أنه يعلم ما في البر و البحر من الحيوان و الجماد. و بين أنه ما تسقط من ورقة من شجرة الا يعلمها و لا حبة في جوف الأرض و في ظلماتها الا و يعلمها و لا رطب و لا يابس جميع أصناف الأجسام، لأنها أجمع لا تخلو من احدى هاتين الصفتين.
و قوله: «وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها» المعنى أنه يعلمها ساقطة و ثابتة كما تقول: ما يجيئك من أحد الا و أنا أعرفه، معناه الا و انا أعرفه في حال مجيئه. و قوله: «وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ» خبر على تقدير (من). و يجوز الرفع فيها على معنى و لا تسقط ورقة و لا حبة. و يجوز ان يرفعه على الابتداء و يقطعه عن الاول و يكون خبره «إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ».
و قوله: «فِي كِتابٍ مُبِينٍ» يحتمل أمرين:
أحدهما- ان يكون معناه في علم اللَّه مبين.
و ثانيهما- ان يكون «فِي كِتابٍ مُبِينٍ» ان يكون اللَّه تعالى أثبت ذلك في
كتاب قبل أن يخلقه، كما قال «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ، وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها» (1)و يكون الغرض بذلك اعلام الملائكة أنه علام الغيوب ليدل على أنه عالم بالأشياء قبل كونها. و يجوز ان يكون المراد بذلك أنه كتب جميع ما يكون ثم امتحن الملائكة بكتبه و تعبدهم باحصائه، كما تعبد سائر خلقه بما يشاء مما فيه صلاحهم. و قال البلخي: «فِي كِتابٍ مُبِينٍ» أي هو محفوظ غير منسي و لا مغفول كما يقول القائل لصاحبه: ما تصنعه عندي مسطر مكتوب. و انما يريد بذلك أنه حافظ له يريد مكافأته عليه، قال الشاعر:
ان لسلمى عندنا ديوانا
و يجوز أن يكون المراد بذكر الورقة و الحبة و الرطب و الياس التوكيد في الزجر عن المعاصي و الحث على البر و التخويف لخلقه بأنه إذا كانت هذه الأشياء التي لا ثواب فيها و لا عقاب عليها محصاة عنده محفوظة مكتوبة، فأعمالكم التي فيها الثواب و العقاب أولى، و هو قول الحسن. و قال مجاهد: البر القفار و البحار كل قرية فيها ماء. و عن أبي عبد اللَّه: الورقة السقط و الحبة الولد.
و ظلمات الأرض الأرحام و الرطب ما يبقى و يحيا و اليابس ما تغيض.
وَ هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَ يَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60)
آية بلا خلاف.
قوله: «و هو» كناية عن اللَّه تعالى. و «الذي» صفة له «يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ» قيل في معناه قولان:
أحدهما- قال الجبائي: يقبضكم، و قال الزجاج: ينيمكم بالليل فيقبضكم
1) سورة 57 الحديد آية 22.
اللَّه اليه، كما قال: «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها» (1).
و قال البلخي: و اختاره الحسين بن علي المغربي «يَتَوَفَّاكُمْ» بمعنى يحصيكم عند منامكم و استقراركم، قال الشاعر:
ان بني الادرم ليسوا من أحد ليسوا من قيس و ليسوا من أسد
و لا توفاهم قريش في العدد (2)
معناه لا تحصيهم في العدد.
و قوله: «وَ يَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ» أي كسبتم، تقول فلان جارحة أهله أي كاسبهم، و منه قوله: «وَ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ» (3)أي من الكواسب التي تكسب على أهلها، و هو قول مجاهد.
و قوله: «ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ» أي في النهار، فجعل انتباههم من النوم بعثا «لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى» ليستوفى الأجل المسمى للحياة الى حين الموت. ثم «إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ» يعني يوم القيامة فيحشرهم اللَّه الى حيث لا يملك فيه الامر سواه. «ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ» يعني يخبركم و يعلمكم «بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» في الدنيا فيجازيكم على أعمالكم، و فيها دلالة على خزيهم و حاجتهم، و احتجاج عليهم أنه لا يستحق العبادة سواه إذ هو الفاعل لجميع ما يستحق به العبادة مما عدده و القادر عليه دون من يعبدونه من الأوثان و الأصنام.
وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (62)
آيتان
كلهم قرأ «تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا» بالتاء الا حمزة فانه قرأ «توفاه». و حجة من قرأ بالتاء قوله «كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ» (1)و قوله «إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ» (2)و «جاءتهم رسلهم بالبينات» (3)و «قالَتْ رُسُلُهُمْ» (4)و حجة حمزة انه فعل متقدم مسند الى مؤنث غير حقيقي. و انما التأنيث للجمع، فهو مثل قوله «وَ قالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ» (5)و ما أشبه ذلك مما يأتيه تأنيث الجمع، قال و ليس ذلك خلافا للمصحف، لان الالف الممالة تكتب ياء.
و قوله «وَ هُوَ الْقاهِرُ» معناه و اللَّه المتقدر المستعلي على عباده الذين هو فوقهم لا على أنه في مكان مرتفع فوقهم و فوق مكانهم، لان ذلك لا يجوز عليه، لأنه صفة للأجسام. و مثله في اللغة أمر فلان فوق أمر فلان، يراد به أنه أعلى امرا، و انفذ قولا. و مثله قوله تعالى «يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» (6)و المراد أنه أقوى و اقدر منهم و انه القاهر لهم.
و قوله: «وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً» يعني يرسل عليكم ملائكة يحفظون أعمالكم و يحصونها عليكم و يكتبونها ليعلموا بذلك أن عليهم رقيبا من عند اللَّه و محصيا عليهم فينزجروا عن المعاصي. و بين ان هؤلاء الحفظة هم شهداء عليكم بهذه الاعمال يوم القيامة.
و قوله «حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ» يعني وقت الموت «تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا» يعني قبضت الملائكة روح المتوفى، و هم رسل اللَّه الذين عنا هم اللَّه بهذه الآية.
و قال الحسن: «تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا» قال هو ملك الموت و أعوانه و أنهم لا يعلمون آجال العباد حتى يأتيهم علم ذلك من قبل اللَّه بقبض أرواح العباد. و قوله:
«تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا» أي تقبضه، و التوفي هو القبض على ما بيناه. ثم إن هؤلاء الرسل «لا يُفَرِّطُونَ» أي لا يقصرون- في قول الزجاج- و لا يغفلون، و لا يتوانون. و قال الجبائي: لا يأخذون روحه قبل أجله و يبادرون الى ما أمروا به عن غير تقصير، و لا تفريط. و المعنى في التوفي ان يعلم العباد أنهم يحصون إذا ماتوا فلا يرون أنهم يهملون إذا ماتوا و أن احداً منهم لا يثبت ذكره ليجزي بعمله.
ثم بين ان هؤلاء الذين تتوفاهم رسلنا يردون بعد الوفاة الى اللَّه فيردهم الى الموضع الذي لا يملك الحكم عليهم فيه الا اللَّه و لا يملك نفعهم و لا ضرهم سواه فجعل ردهم الى ذلك الموضع ردا الى اللَّه، و بين أنه هو «مَوْلاهُمُ الْحَقِّ» لأنه خالقهم و مالكهم، و القاهر عليهم القادر على نفعهم و ضرهم، و لا يجوز ان يوصف بهذه الصفة سواه، فلذلك كان مولاهم الحق. و قال البلخي: (الحق) اسم من اسماء اللَّه و هو خفض، لأنه نعت للَّه، و يجوز الرفع على معنى اللَّه مولاهم الحق، و يجوز ان ينصب على معنى يعني مولاهم، و القراءة بالخفض.
و قوله: «أَلا لَهُ الْحُكْمُ» معناه ألا يعلمون أو ألا يقرون ان الحكم يوم القيامة هو له وحده؟، و لا يملك الحكم في ذلك اليوم سواه، كما قد يملك الحكم في الدنيا غيره بتمليك اللَّه إياه.
و قوله: «وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ»
روي أنه تعالى يحاسب عباده على مقدار حلب شاة
، و ذلك يدل على أنه لا يحتاج ان يكلفهم مشقة و آلة على ما يقوله المشبهة، لأنه لو كان كذلك لاحتاج ان يتطاول زمان محاسبته أو أنه يشغله محاسبته عن محاسبة غيره. و
روي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قيل له: كيف يحاسب اللَّه الخلق و هم لا يرونه؟ قال: كما يرزقهم و لا يرونه.
و المعنى في الآية أنه تعالى أحصى الحاسبين لما أحصى الملائكة و توفوا من الأنفس لا يخفى عليه من ذلك خافية و لا يحتاج في عده الى فكر و نظر.
قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَ مِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64)
آيتان بلا خلاف.
قرأ يعقوب «قل من ينجيكم» مخففا. الباقون بالتشديد. و قرأ ابو بكر «و خفية» بكسر الخاء- ها هنا-، و في الاعراف. و قرأ اهل الكوفة الا ابن شاهي «أنجانا» على لفظ الاخبار عن الواحد الغائب، و أماله حمزة و الكسائي و خلف. الباقون «أنجيتنا» على وجه الخطاب.
و قرأ اهل الكوفة الا العبسي و هشام و أبو جعفر «قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ» بالتشديد. الباقون بالتخفيف. يقال: نجا زيد ينجو، قال الشاعر:
نجا سالم و النفس منه لشدقه (1)
نجا عامر و النفس منه بشدقه و لم ينج الا جفن سيف و مئزرا
فإذا نقلت الفعل حسن أن تنقله بالهمزة فتقول أنجيته، و يجوز أن ننقله بتضعيف العين، فتقول نجيته، و مثله فرحته و أفرحته و عرضَّته و أعرضته، قال اللَّه تعالى «فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ» (2)«فَأَنْجَيْناهُ وَ الَّذِينَ مَعَهُ» (3)و قال «وَ نَجَّيْنَا الَّذِينَ» (4)فلما استوت اللغتان و جاء التنزيل بهما تساوت القراءتان.
و وجه قراءة من قرأ «لئن أنجانا» أنه حمله على الغيبة كقوله «تَدْعُونَهُ ... لَئِنْ أَنْجانا»، و كذلك ما بعده «قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ» «قُلْ هُوَ الْقادِرُ»، فهذا كله أسماء غيبة ف (أنجانا) أولى من (أنجيتنا) لكونه على ما قبله، و ما
بعده من لفظ الغيبة، و موضع (يدعونه) نصب على الحال، و تقديره قل من ينجيكم داعين و قائلين «لئن أنجيتنا». و من قرأ من الكوفيين «لئن أنجانا» طلب المشاكلة. و من قرأ بالتاء واجه بالخطاب و لم يراع المشاكلة. و يقوي ذلك قوله في أخرى «لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين. قل اللَّه ينجيكم» فجاء أنجيتنا على الخطاب و بعده اسم غيبة.
و أما إمالة حمزة و الكسائي فحسنة، لان هذا النحو من الفعل إذا كان على أربعة أحرف استمرت فيه الامالة، لانقلاب الالف ياء في المضارع.
و من قرأ «خفية» بكسر الخاء، فلأن أبا عبيدة قال «خفية» تخفون في أنفسكم و خفي غيره خفية، و خفية لغتان، و حكي خفوة و خفوة بالواو، كما قالوا حل حبوته و حبيته، و لا يقرأ بذلك. فأما قوله «تَضَرُّعاً وَ خِيفَةً» ففعلة من الخوف. و انقلبت الواو، للكسرة. و المعنى أدعوا خائفين خافيين، قال الشاعر:
فلا تقعدن على زخة و تضمر في القلب وجدا و خيفا (1)
الحقد و الغيظ.
يريد جمع خيفة.
أمر اللَّه تعالى نبيه ان يخاطب الخلق و يقول لهم على وجه التقريع لمن يعبد الأصنام منهم- «مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ» و معناه شدائد البر و البحر، تقول العرب لليوم الذي يلقى فيه الشدة: يوم مظلم حتى أنهم يقولون:
يوم ذو كواكب أي قد اشتدت ظلمته حتى صار كالليل، قال الشاعر:
ابني أسد هل تعلمون بلاءنا إذا كان يوم ذو كواكب أشهب
و قال آخر:
فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي إذا كان يوم ذو كواكب أشهب (2)
فمعنا ظلمات البر و البحر شدائدهما. و قوله: «تَدْعُونَهُ ... وَ خُفْيَةً» أي مظهرين الضراعة، و هي شدة الفقر الى الشيء و الحاجة و «تَدْعُونَهُ ...
خُفْيَةً» أي تدعونه في أنفسكم بما تضمرون من حاجاتكم اليه كما تظهرون.
و قوله «لئن أنجيتنا من هذه» أي في شدة وقعوا فيها، يقولون «لئن أنجيتنا من هذه» لنشكرنك، فأمر اللَّه ان يسألهم على وجه التوبيخ لهم و التقرير بأنه ينجيهم و أنه القادر على نفعهم و ضرهم. ثم أعلمهم ان اللَّه الذي أقروا بأنه ينجيهم هو ينجيهم ثم هم يشركون معه الأصنام التي قد علموا أنها من صنعهم و أنها لا تضر و لا تنفع و أنه تعالى على تعذيبهم قادر.
قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)
آية بلا خلاف.
هذا أمر من اللَّه تعالى لنبيه (ص) أن يقول لهؤلاء الكفار: ان اللَّه قادر على ان يبعث عليكم عذابا من فوقكم نحو الحجارة التي أمطرها على قوم لوط، و الطوفان الذي غرق به قوم نوح «أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ» نحو الخسف الذي نال قارون و من خسف به «أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً» معنى يلبسكم يخلط أمركم خلط اضطراب، لا خلط اتفاق يقال: لبست عليه الامر ألبسه إذا لم تبينه، و خلطت بعضه ببعض، و منه قوله «وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ» (1)و يقال لبست الثوب ألبسه. و معنى «شيعا» أي يجعلكم فرقا لا تكونون شيعة واحدة فإذا كنتم مختلفين قاتل بعضكم بعضا و هو معنى قوله «وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ» و انما يلبسهم اللَّه شيعا بأن يكلهم الى أنفسهم و لا يلطف لهم اللطف الذي يؤمنون عنده و يخليهم من ألطافه بذنوبهم السالفة، فيلبس عند ذلك عليهم أمرهم، فيختلفوا حتى يذوق بعضهم بأس بعض. ثم أكد الاحتجاج عليهم، فقال: «انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ» لتفقهوا.
1) سورة 6 الانعام آية 9
و قال الحسن: الآية متناولة، لأهل الكتابين في التهديد بالخسف، و انزال العذاب «أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً» يتناول أهل الصلاة. و
قال: قال رسول اللَّه (ص): (سألت ربي أن لا يظهر على أمتي أهل دين غيرهم فأعطاني، و سألته ألا يهلكم جوعا فأعطاني، و سألته أن لا يجمعهم على ضلالة، فأعطاني، و سألته أن لا يلبسهم شيعا، فمنعني ذلك).
و في الآية دلالة على أنه تعالى أراد من الكفار الايمان، لأنه قال: فعلت هذا بهم «لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ» و معناه لكي يفقهوا، لان معنى الشك لا يجوز عليه تعالى. و إذا ثبت أنها دخلت للغرض ثبت أنه أراد ان يؤمنوا به و يوحدوه، و يفقهوا أدلته و يعرفوها.
و
روي عن أبي عبد اللَّه (ع) أنه قال معنى «عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ» السلطان الجائر «و من تحت أرجلكم» السفلة، و من لا خير فيه «أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً» قال: العصبية «وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ» قال سوء الجوار
، و يكون معنى البعث على هذا الوجه التمكين و رفع الحيلولة دون أن يفعل ذلك أو يأمر به، يتعالى اللَّه عن ذلك.
وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَ هُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)
آية في المدنيين و البصري و آيتان في الكوفي، آخر الاولى «بوكيل».
قوله تعالى «وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ» أي بما صرف من الآيات التي ذكرها في الآية الاولى- في قول البلخي و الجبائي- و قال الازهري: الهاء راجعة الى القرآن. ثم أخبر تعالى، فقال «وَ هُوَ الْحَقُّ» و أمره أن يقول لقومه «لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ» أي لم أؤمر بمنعكم من التكذيب بآيات اللَّه و ان أحفظكم من ذلك و ان أحول بينكم و بينه، لان الوكيل على الشيء هو القائم بحفظه، و الذي يدفع الضرر عنه.
و قال البلخي: هذه نزلت بمكة قبل أن يؤمر بالقتال، ثم امر فيما بعد ذلك. و أمره ان يخبرهم ان «لكل نباء» يخبرهم به «مستقر» و هو وقته الذي يعلمون فيه صحة ما وعدهم به و حقيقته، و ذلك عند كون مخبره، اما في الدنيا، و اما في الآخرة «وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ» فيه تهديد لهم بكون ما أخبرهم به من العذاب النازل بهم في الدنيا و الآخرة، و وقت كون هذا العذاب هو مستقر الخبر. و قال بعضهم: أنبأه اللَّه بالوقت الذي يظفره فيه بهم. و قال الزجاج يجوز أن يكون أراد وقت الاذن في محاربتهم حتى يدخلوا في الإسلام أو يقبلوا الجزية ان كانوا أهل كتاب.
و قوله: «وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ» المراد به الخصوص، لان في قومه جماعة صدقوا به، و هو كما يقول القائل: هؤلاء عشيرتي، يشير الى جماعة و ان لم يكونوا جميع عشيرته.
وَ إِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَ إِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)
آية بلا خلاف قرأ ابن عامر «و اما ينسينك» بتشديد السين. الباقون بالتخفيف.
خاطب اللَّه تعالى نبيه (ص) بهذه الآية، فقال له «إذا رأيت» هؤلاء الكفار «الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا». قال الحسن، و سعيد بن جبير: معنى «يخوضون» يكذبون «بآياتنا» و ديننا و الخوض التخليط في المفاوضة على سبيل العبث و اللعب، و ترك التفهم و اليقين. و مثله قول القائل: تركت القوم يخوضون، أي ليسوا على سداد، فهم يذهبون و يجيئون من غير تحقيق و لا قصد للواجب- أمره حينئذ ان يعرض عنهم «حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ» لان من حاج من هذه حاله و أراد التبيين له فقد وضع الشيء في غير موضعه
و حط من قدر الدعاء، و البيان و الحجاج. ثم قال له (ص) ان أنساك الشيطان ذلك «فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى - و الذكرى و الذكر واحد- «مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» يعني هؤلاء الذين يخوضون في ذكر اللَّه و آياته. ثم رخص للمؤمنين بقوله: «وَ ما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ» (1)بأن يجالسوهم إذا كانوا مظهرين للتكبر عليهم غير خائفين منهم، و لكن ذكرى يذكرونهم أي ينبهونهم ان ذلك يسوءهم «لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» ثم نسخ ذلك بقوله «وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَ يُسْتَهْزَأُ بِها» الى قوله: «إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ» (2)و بهذا قال سعيد بن جبير و السدي و جعفر بن مبشر، و اختاره البلخي و
قال: في أول الإسلام كان ذلك يخص النبي (ص) و رخص المؤمنين فيه، ثم لما عزَّ الإسلام، و كثر المؤمنون نهوا عن مجالستهم و نسخت الآية.
و استدل الجبائي بهذه الآية على انه لا يجوز على الائمة المعصومين على مذهبنا التقية. (و قال: لأنهم إذا كانوا الحجة كانوا مثل النبي، و كما لا يجوز عليه التقية فكذا الامام- على مذهبكم-)! و هذا ليس بصحيح، لأنا لا نجوز على الامام التقية فيما لا يعرف الا من جهته، كالنبي و انما تجوز التقية عليه فيما يكون عليه دلالة قاطعة موصلة الى العلم، لان المكلف علته مزاحة في تكليفه، و كذلك يجوز في النبي (ص) أن لا يبين في الحال، لامته ما يقوم منه بيان منه أو من اللَّه أو عليه دلالة عقلية، و لذلك
قال النبي (ص) لعمر حين سأله عن الكلالة فقال (يكفيك آية الصيف) و أحال آخر في تعرف الوضوء على الآية
، فأما ما لا يعرف الا من جهته، فهو و الامام فيه سواء لا يجوز فيهما التقية في شيء من الأحكام.
و استدل الجبائي أيضا بالآية على ان الأنبياء يجوز عليهم السهو و النسيان قال بخلاف ما يقوله الرافضة بزعمهم من أنه لا يجوز عليهم شيء من ذلك. و هذا ليس بصحيح أيضا لأنا نقول انما لا يجوز عليهم السهو و النسيان فيما يؤدونه عن اللَّه، فأما غير ذلك فانه يجوز أن ينسوه أو يسهو عنه مما لم يؤد ذلك الى
الإخلال بكمال العقل، و كيف لا يجوز عليهم ذلك و هم ينامون و يمرضون و يغشى عليهم، و النوم سهو و ينسون كثيرا من متصرفاتهم أيضا و ما جرى لهم فيما مضى من الزمان، و الذي ظنه فاسد.
و قال أيضا في الآية دلالة على وجوب انكار المنكر لأنه تعالى أمره بالاعراض عنهم على وجه الإنكار و الازدراء لفعلهم و كل أحد يجب عليه ذلك اقتداء بالنبي.
وَ ما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَ لكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)
آية بلا خلاف.
لهذه الآية تأويلان:
أحدهما- قال الجبائي و الزجاج و اكثر المفسرين ان المراد ليس على المتقين من حساب الكافرين و ما يخوض فيه المشركون، و لا من مكروه عاقبته شيء «وَ لكِنْ ذِكْرى أي نهوا عن مجالستهم ليزدادوا تقى و أمروا ان يذكروهم و ينبهوهم على خطأهم لكي يتقي المشركون إذا رأوا أعراض هؤلاء المؤمنين عنهم، و تركهم مجالستهم فلا يعودون لذلك.
و الثاني- قال البلخي: ليس على المتقين من الحساب يوم القيامة مكروه و لا تبعة و لكنه أعلمهم بأنهم محاسبون و حكم بذلك عليهم لكي يعلموا أن اللَّه يحاسبهم، فيتقوا فعلى الاول الهاء و الميم كناية عن الكفار و على الثاني عن المؤمنين.
و (ذكرى) يحتمل ان يكون في موضع رفع و نصب، فالنصب على تقدير ذكرهم ذكرى و الرفع على وجهين: أحدهما- و لكن عليكم ان تذكروهم، كما قال: «إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ» (1)و الثاني- على تقدير و لكن الذي يأمرونهم
1) سورة 42 الشورى آية 48
به ذكرى ليتقوا عذاب اللَّه.
و
قال أبو جعفر (ع): لما نزلت «فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» قال المسلمون كيف نصنع ان كان كلما استهزء المشركون بالقرآن قمنا و تركناهم فلا ندخل إذا المسجد الحرام و لا نطوف بالبيت الحرام، فأنزل اللَّه تعالى «وَ ما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ» و أمرهم بتذكيرهم و تبصيرهم ما استطاعوا.
وَ ذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَ لَهْواً وَ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ ذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَ لا شَفِيعٌ وَ إِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (70)
آية عند الجميع معنى قوله «ذر» دع يقال: و ذر يذر مثل ودع يدع، فإذا أمرت منه قلت: ذر كما قال «ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا».
و قوله «الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَ لَهْواً» يعني هؤلاء الكفار الذين وصفهم انهم اتخذوا دين اللَّه لعبا و لهوا، لأنه لا معنى لمحاجة من كانت هذه سبيله، لأنه لاعب عابث، لا يصغي لما يقال له، فالمكلم له و المحتج عليه غير منتفع و لا نافع. و قد قطع اللَّه عذر هؤلاء الذين يذهبون مذهب اللعب بما أدركوه بعقولهم، و ما شاهدوه من آياته «وَ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا». ثم امر نبيه (ص) ان يذكر به، يعني القرآن. و قيل الحساب، لكي لا تبسل نفس بما كسبت أي تدفع الى الهلكة على وجه الغفلة و تسلم لعملها غير قادرة على
التخلص، قال الشاعر في الغريب المضيَّف:
و ابسالي بني بغير جرم بعوناه و لا بدم مراق (1)
أي اسلامي إياهم. بعوناه اجترمناه، و البعو الجناية. و قيل: معنى تبسل ترهن و يسلم لعمله. قال الأخفش: معنى «تبسل» تجازى من ابسل ابسالا، و منه قوله «أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا» (2)قال الكسائي: «تبسل» تجزى يعني في الكلام. و قال الفراء: معناه يسلم و يقال أعط الراقي بسلته أي أجرته على رقيته. و يقال أسد باسل، معناه ان معه من الاقدام ما يستبسل له قرنه، و يقال هذا بسل أي حرام، و هو بسل أي حلال. و هذا من الاضداد.
«شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ» قال الضحاك الحميم هو الماء الذي احمي حتى انتهى غليانه.
و قوله: «وَ إِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ» قال بعضهم ان يفد كل فدية يريد ان يجعلها عدلا لها من قوله «لا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ» (3)و قال غيره معناه و ان تقسط كل قسط لا يقبل منها في ذلك اليوم، لان التوبة انما هي في الحياة الدنيا. ثم أخبر تعالى انه ليس لهؤلاء الكفار «وَلِيٌّ وَ لا شَفِيعٌ» أي لا ناصر لهم، و لا من يسأل فيهم و اخبر أيضا أن هؤلاء في قوله «أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا» هم الذين يجازون بما كسبوا و ان لهم شرابا من حميم و عقابا أليما بما كانوا يكفرون، نعوذ باللَّه منها. و قيل: ما من أمة الا و لهم عيد يلعبون فيه و يلهون، الا أمة محمد فان أعيادهم صلاة و تكبير و دعاء و عبادة.
قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَ لا يَضُرُّنا وَ نُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَ أُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (71)
آية بلا خلاف.
قرأ حمزة «استهواه الشياطين» بألف ممالة، الباقون بالتاء المعجمة من فوق قال ابو عبيدة «كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ» أي استمالت به، ذهبت به، و منه «فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها» (1)و كذلك هوى و أهوى غيره، قال تعالى:
«وَ الْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (2)يقال أهويته و استهويته، كما قال «فأزلهما الشيطان» و «إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ» (3)، فكما أن أزله بمعنى استزله كذلك استهواه بمنزلة أهواه، و كما أن معنى استجابه أجابه في قول الشاعر:
فلم يستجبه عند ذاك مجيب (4)و قرأ حمزة ها هنا مثل قراءته «توفاه» و كلا المذهبين حسن.
و قوله: «استهواه» انما هو من قولهم: هوى من حالق إذا تردى منه.
و يشبه به الذي زل عن الطريق المستقيم، كما أن زل انما هو من العباد، و المكان أمر اللَّه نبيه (ص) و المؤمنين أن يقولوا لهؤلاء الذين يدعونهم الى عبادة الأوثان و الأصنام «أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا» ان عبدناه، و لا يضرنا ان تركنا عبادته «وَ نُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا» بعد الهدى و الرشاد و بعد معرفتنا باللَّه و تصديق رسله الى الضلال، و ذلك مثل يقال فيمن رجع عن خير الى شر: رجع على عقبيه، و كذلك إذا خاب من مطلبه، يقال رد على عقبيه، و يصير في الحيرة «كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ» لا يهتدي الى طريق، و لا معرفة «لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ» الى الطريق الواضح و هو الهدى و يقولون له «ائتنا» و لا يقبل منهم، و لا يصير اليهم غير انه لذهاب عقله من فعل اللَّه، فيستولي الشيطان حينئذ عليه، و لا يقبل من أحد لحيرته. شبه اللَّه به الكافر الذي يرجع
عن إيمانه و هداه الى الضلال. قال و لا يقدر أحد من الشياطين على اذهاب عقل أحد، لأنهم لو قدروا على ذلك لسلبوا عقول العلماء من حيث انهم أعداؤهم، فلما لم يقدروا على ذلك دلَّ على أنه لا يقدر على ذلك الا اللَّه.
ثم أمره اللَّه أن يقول لهؤلاء الكفار «إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى أي دلالة اللَّه لنا على توحيده و أمر دينه هو الهدى الذي يؤدي المستدل به الى الفلاح و الرشاد في دينه و هو الذي يجب أن يعمل عليه و يستدل به دون ما يدل عليه غيره من سوى أمور الدين. و قوله «وَ أُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» معناه أمرنا أن نسلم أمورنا للَّه رب العالمين و ان نفوضها اليه و نتوكل عليه لا على غيره مما يعبده المشركون.
و «حيران» نصب الحال، و تقديره كالذي استهوته الشياطين في حال حيرته. و قوله «لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى» قيل: نزلت في عبد الرحمن ابن أبي بكر، كان أبواه يدعو انه الى الايمان و يقولان له «ائتنا»، أي تابعنا في أيماننا «وَ أُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» تقول العرب: أمرتك ان تفعل و أمرتك لتفعل و أمرتك بأن تفعل، فمن قال: أمرتك بأن تفعل، فالباء للإلصاق. و المعنى وقع الامر بهذا الفعل. و من قال أمرتك أن تفعل حذف الباء، و من قال أمرتك لتفعل المعنى أمرنا للإسلام. قال الزجاج: يكون اللام لام التعليل و التقدير أمرنا كي نسلم قال الشاعر:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل (1)
أي كي أنسى. و قال الطبري: معناه و أمرنا لنخضع له بالذلة و الطاعة و نخلص ذلك له دون ما سواه من الأنداد و الآلهة.
وَ أَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ اتَّقُوهُ وَ هُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72)
آية بلا خلاف.
1) مر هذا البيت في 3/ 174 و هو في مجمع البيان 2/ 319
تحتمل هذه الآية وجهين:
أحدهما- أن يكون التقدير أمرنا لان نسلم، و لان نقيم الصلاة.
و الثاني- ان يكون محمولا على المعنى، لان معناه أمرنا بالإسلام، و اقامة الصلاة، و موضع (أن) نصب، لان الباء لما أسقطت أفضى الفعل، فنصب. و يحتمل أن يكون محمولا على قوله «يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا» و ان «أَقِيمُوا الصَّلاةَ» أي و يدعونه أن أقيموا الصلاة. و هذه الآية موصولة بالتي قبلها أي «أُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» و قيل لنا «أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ اتَّقُوهُ» اي اتقوا رب العالمين بأن تجتنبوا معاصيه و تتقوا عقابه. ثم بين أنه «هُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» أي تجمعون اليه يوم القيامة فيجازي كل عامل منكم بعمله، و توفى كل نفس بما كسبت.
وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَ لَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)
آيتان في البصري و المدنيين و آية في الكوفي.
أمر اللَّه تعالى نبيه (ص) أن يقول لهؤلاء الكفار الذين يعبدون الأصنام، و يدعون المؤمنين الى عبادتها «وَ أُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» الذي خلق السماوات و الأرض بالحق، و في معنى بالحق قولان:
أحدهما- قال الحسن و البلخي و الجبائي و الزجاج و الطبري: ان معناه خلقهما للحق لا للباطل. و معناه خلقهما حقا و صوابا لا باطلا و خطأ، كما قال تعالى: «وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا» (1)و ادخلت الباء
1) سورة 38 ص آية 27
و الالف و اللام كما أدخلت في نظائرها يقولون: فلان يقول بالحق، بمعنى أنه يقول الحق، لا أن الحق معنى غير القول بل التقدير ان خلق اللَّه السماوات و الأرض حكمة و صواب من حكم اللَّه، و هو موصوف بالحكمة في خلقهما و خلق ما سواهما من جميع خلقه لا أن هناك حقا سوى خلقهما خلقهما به، و ذلك يدل على بطلان ما يقوله المجبرة: ان هذا كله باطل و سفه، و ما يخالف الحكمة هو من فعل اللَّه، تعالى اللَّه عن ذلك.
و الثاني- قال قوم: معنى ذلك أنه خلق السماوات و الأرض بكلامه، و هو قوله «ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً» (1)قالوا: فالحق هو كلامه و استشهدوا على ذلك بقوله «وَ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ» (2)أن الحق هو قوله و كلامه. قالوا و اللَّه خالق الأشياء بكلامه، و ذلك يوجب أن يكون كلامه قديما غير مخلوق، و قد بينا فساد هذا الوجه فيما تقدم، و المعتمد الاول.
و قوله «وَ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ» نصب (يوم) على وجوه:
أحدها- على معنى و اتقوا «يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ» نسقا على الهاء كما قال: «وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً» (3).
و الثاني- أن يكون على معنى و اذكر يوم يقول كن فيكون لان بعده «وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ» و المعنى و اذكر «يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ» و اذكر «إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ» و هو الذي أختاره الزجاج.
و الثالث- أن يكون معطوفا على «السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ» و خلق «يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ». فان قيل: ان يوم القيامة لم يخلق بعد؟ قيل:
ما أخبر اللَّه بكونه فحقيقة واقع لا محالة و قال قول: التمام عند قوله «كن» و قوله «فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ» ابتداء أي ما وعدوا به من الثواب و حذروا به من العقاب كائن حق قوله بذلك.
و قوله «كُنْ فَيَكُونُ» قال قوم هو خطاب للصور. و المعنى و يوم يقول للصور كن فيكون. و قد بينا فيما مضى أن ذلك عبارة عن سرعة الفعل و تيسيره و انه لا يتعذر عليه شيء بمنزلة أن يقول كن فيكون، لا أن هناك أمر على الحقيقة و كيف يكون هناك أمر و الامر لا يتوجه الا الى الحي القادر؟! و المعدومات و الجمادات لا يحسن أمرها و لا خطابها. و الغرض بالآية الدلالة على سرعة أمر البعث و الساعة كأنه قال و يوم يقول للخلق: موتوا فيموتون و انتشروا فينتشرون اي لا يتعذر عليه و لا يتأخر عن وقت ارادته. و قيل «يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ» أي يأمر فيقع أمره. و الحق من صفة قوله. كما يقول القائل قد قلت، فكان قولك. و المعنى ليس انك قلت فكان الكلام.
و انما المعنى انه كان ما دل عليه القول. و على القول الاول يرفع (قوله) بالابتداء و (الحق) خبر الابتداء. و حكي عن قوم من السلف «فيكون» بالنصب بإضمار (ان). و تقديره كن فأن يكون، و هذا ضعيف.
و قوله «وَ لَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ» يحتمل نصب «يَوْمَ يُنْفَخُ» ثلاثة أوجه:
أحدها- ان يكون متعلقا ب (له الملك) و التقدير له الملك يوم ينفخ في الصور و انما خص ذلك اليوم بأن الملك له كما خصه في قوله «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ». و قرأ بعضهم «ينفخ» بفتح الياء. و «عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ» فاعل (ينفخ) و هو شاذ، روي عن ابن عباس ذلك، و الوجه أنه لا يبقى ملك من ملكه اللَّه في الدنيا او يغلب عليه بل ينفرد هو تعالى بالملك.
و الثاني- أن يكون يوم ينفخ بيانا على قوله «يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ» الثالث- ان يكون منصوبا ب (قَوْلُهُ الْحَقُّ). و المعنى و قوله الحق يوم ينفخ، الصور. و الوجه في اختصاص ذلك اليوم بالذكر ما بيناه في الوجه الاول، لان قوله حق في جميع الأوقات. و في معنى الصور قولان:
أحدهما- ما عليه اكثر المفسرين من انه اسم لقرن ينفخ فيه الملك
فيكون منه الصوت الذي يصعق له اهل السماوات و اهل الأرض، ثم ينفخ فيه نفخة أخرى للنشور، و هو الذي اختاره البلخي و الجبائي و الزجاج و الطبري و اكثر المفسرين.
و الثاني- أنه جمع صورة مثل قولهم سورة و سور اختاره ابو عبيدة.
و قرأ بعضهم في الشواذ في الصور بفتح الواو و ذلك يقوي ما قاله ابو عبيدة، و يكون تقديره يوم ينفخ في الأموات. و يقوي الاول قوله تعالى «وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ» ثم قال «ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى (1)و لم يقل فيها أخرى او فيهن و ذلك يدل على انه واحد. و
روى ابو سعيد الخدري قال قال رسول اللَّه (ص): كيف أنعم و قد التقم صاحب القرن و حنا جنبيه و أصغا سمعه ينتظر ان يؤمر، فينفخ؟! قالوا: فكيف نقول يا رسول اللَّه؟ قال قولوا: حسبنا اللَّه و نعم الوكيل.
و العرب تقول نفخ الصور و نفخ في الصور، قال الشاعر:
لولا ابن جعدة لم يفتح قهندركم و لا خراسان حتى ينفخ الصور
و روي عن ابن عباس ان الصور يعني به النفخة الاولى. ثم بين انه عالم الغيب و الشهادة اي ما يشاهده الخلق و ما لا يشاهدونه و ما يعلمونه و ما لا يعلمونه، و لا يخفى عليه شيء من ذلك. و بين انه الحكيم في أفعاله الخبير العالم بعباده و بأفعالهم، و رفع عالم الغيب لأنه نعت للذي في قوله «وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ ... عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ» و يحتمل ان يكون اسم ما لم يسم فاعله كما يقولون أكل طعامك عبد اللَّه، فيظهر اسم فاعل الاكل بعد ان قد جرى الخبر بما لم يسم فاعله، و الاول أجود، فأما من فتح الياء في ينفخ فانه جعل عالم الغيب فاعله مرتفعا به.
وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَ قَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (74)
1) سورة 39 الزمر آية 68.
آية بلا خلاف.
قرأ اكثر القراء (آزر) بنصب الراء. و قرأ ابو بريد المدني و الحسن البصري و يعقوب بالضم. فمن قرأ بالنصب جعل (آزر) في موضع خفض بدلا من أبيه. و من قرأ بالضم جعله منادى مفردا و تقديره يا آزر.
و قال الزجاج: لا خلاف بين اهل النسب ان اسم أبي ابراهيم تارخ و الذي في القرآن يدل على ان اسمه (آزر) و قيل (آزر) ذم في لغتهم كأنه قال:
و إذ قال ابراهيم لأبيه يا مخطئ أ تتخذ أصناما فعلى هذا قال الزجاج الاختيار الرفع. قال: و يجوز أن يكون وصفا له كأنه قال و إذ قال ابراهيم لأبيه المخطئ. قال الزجاج: و قيل (آزر) اسم صنم، فموضعه نصب على إضمار الفعل، كأنه قال: و إذ قال ابراهيم لأبيه أ تتخذ آزر، و جعل (أصناما) بدلا من آزر و أشباهه. فقال بعد أن قال أ تتخذ آزر إلها أ تتخذ أصناما آلهة.
و الذي قاله الزجاج يقوي ما قاله أصحابنا، ان آزر كان جده لامه أو كان عمه، لان أباه كان مؤمنا من حيث ثبت عندهم أن آباء النبي (ص) الى آدم كلهم كانوا موحدين لم يكن فيهم كافر، و حجتهم في ذلك اجماع الفرقة المحقة، و قد ثبت أن إجماعها حجة لدخول المعصوم فيها، و لا خلاف بينهم في هذه المسألة. و أيضا
روي عن النبي (ص) أنه قال: نقلني اللَّه من أصلاب الطاهرين الى أرحام الطاهرات لم يدنسني بدنس الجاهلية
، و هذا خبر لا خلاف في صحته، فبين النبي (ص) أن اللَّه نقله من أصلاب الطاهرين فلو كان فيهم كافر لما جاز وصفهم بأنهم طاهرون، لان اللَّه وصف المشركين بأنهم أنجاس، فقال «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ» (1)و لهم في ذلك أدلة لا نطول بذكرها الكتاب لئلا يخرج عن الغرض.
و اختلفوا في معنى (آزر) هل هو اسم أو صفة، فقال السدي و محمد
1) سورة 9 التوبة آية 29.
ابن إسحاق و سعيد بن عبد العزيز و الجبائي و البلخي: انه اسم أبي ابراهيم، و هو تارخ كما قيل ليعقوب: إسرائيل، قالوا: و يجوز ان يكون لقباً غلب عليه. و قال مجاهد: ليس آزر أبا ابراهيم و انما هو اسم صنم. و قال قوم هو سب و عبث بكلامهم، و معناه معوج. و (إذ) في الآية متعلقة بقوله و اذكر «إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً» و الالف الف انكار لا استفهام و ان كان قد خرج مخرج الاستفهام.
و قوله «إِنِّي أَراكَ وَ قَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» يعني في ضلال عن الصواب و قوله «مبين» يدل على انه قال ذلك منكرا، و المبين هو البين الظاهر، و الغرض بالآية حث النبي (ص) على محاجة قومه الذين يدعونه الى عبادة الأصنام و الازدراء على فعلهم و الاقتداء في ذلك بأبيه ابراهيم (ص) و صبره على محاجة قومه العابدين للأصنام ليتسلى بذلك و يقوي دواعيه الى ذلك.
و الأصنام جمع صنم و هو مثال من حجر او خشب او من غير ذلك في صورة انسان و هو الوثن. و قد يقال للصورة المصورة على صورة الإنسان في الحائط و غيره صنم و وثن.
وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)
آية بلا خلاف.
معنى قوله «وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ» أي مثل ما وصفنا من قصة ابراهيم من قوله لأبيه ما قال نريه «مَلَكُوتَ السَّماواتِ» أي انا كما أريناه أن قومه في عبادة الأصنام ضالون كذلك نريه ملكوت السماوات و الأرض و قيل في معنى الملكوت أقوال: قال الزجاج، و الفراء و البلخي و الجبائي و الطبري و هو قول عكرمة: ان الملكوت بمنزلة الملك غير أن هذه اللفظة ابلغ من الملك، لان الواو و التاء يزادان للمبالغة. و مثل الملكوت الرغبوت
و الرهبوت و وزنه (فعلوت) و في المثل (رهبوت خير من رغبوت) و من روى (رهبوتي خير من رحموتي) معناه أن يكون له هيبة يرهب بها خير من أن يرحم.
و قال مجاهد (مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ) ملكهما بالنبطية.
و قال الضحاك: يعني خلقهما، و به قال ابن عباس، و قتادة. و روي عن مجاهد أيضا أن معناه آيات السماوات و الأرض. و روي عن مجاهد و ابن عباس أيضا أنه أراد بذلك ما أخبر اللَّه عنه أنه أراه من النجوم و الشمس و القمر، حين خرج من المغارة، و به قال قتادة. و قال الجبائي: المعنى انا كنا نري ابراهيم ملكوت السماوات و الأرض و الحوادث الدالة على أن اللَّه مالك لها، و لكل شيء بنفسه، لا يملكه سواه، فأجرى الملكوت على المملوك الذي هو في السماوات و الأرض مجازا.
و قوله «وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ» أي أريناه ملكوت السماوات ليستدل به على اللَّه و ليكون من الموقنين أن اللَّه هو خالق ذلك و المالك له. و الموقن هو العالم الذي يتيقن الشيء بعد أن لم يكن مثبتا، و لهذا لا يوصف تعالى بأنه متيقن كما يوصف بأنه عالم، لأنه تعالى عالم بها فيما لم يزل. و
قال أبو جعفر (ع): كشط اللَّه له السموات و الأرض حتى رآهن و ما عليهن من الملائكة و حملة العرش، و ذلك قوله: «وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ».
فان قيل كيف يجوز أن يرى ما تحت الأرضين و الأرض حجاب لما تحتها و كذلك السماء فوقها؟
قلنا: لا يمتنع أن يجعل اللَّه تعالى منها خروقا و منافذ و يقوي شعاعه حتى ينفذ فيها فيرى ما فوقها و ما تحتها و لا يمنع من ذلك مانع، و مثل هذا روي عن مجاهد و السدي و سعيد بن جبير و سلمان.
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)
أربع آيات بلا خلاف.
قرأ ابن ذكوان، و حمزة و الكسائي و خلف، و يحيى و الكسائي عن أبي بكر (رأى) بكسر الراء و امالة الهمزة منه و من قوله «رَأى أَيْدِيَهُمْ» (1)في هود، و «رأى قمصه» و «رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ» في يوسف (2)و «رَأى ناراً» في طه (3)و «لَقَدْ رَأى في النجم (4)سبعة مواضع. و هو ما لم يقله ساكن و لم يتصل بمكنى، وافقهم العليمي في «رَأى كَوْكَباً» حسب.
و قرأ ابو عمرو- بفتح الراء- و إمالة الهمزة فيهن. الباقون بفتح الراء و الهمزة. فان لقي (رأى) ساكنا، و هو ستة مواضع هاهنا: «رَأَى الْقَمَرَ» و «رَأَى الشَّمْسَ» و في النحل «وَ إِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا» (5)و في الكهف «وَ رَأَى الْمُجْرِمُونَ» (6)و في الأحزاب «وَ لَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ» (7)بكسر الراء و كسر الهمزة فيهن حمزة و خلف و بصير و ابو بكر الا الأعشى. البرجمي.
الباقون بفتح الراء و الهمزة فان اتصل رأى بمكنى نحو (رآه و رآك و رآها) فكسر
الراء و امال الهمزة حيث وقع حمزة و الكسائي و خلف و يحيى و الكسائي عن أبي بكر.
و قرأ ابو عمرو و الداحوني عن ابن ذكوان- بفتح الراء و امالة الهمزة- الباقون بفتحهما. قال ابو علي الفارسي: وجه قراءة من لم يملها انه ترك الامالة كما تركوا الامالة في قولهم: دعا، و رمي. فلما لم يمل الالف لم يمل الالف التي قبلها، كما أمالها من يرى الامالة ليميل الالف نحو الياء.
و من قرأ بين الفتح و الكسر كما قرأ نافع، فلا يخلو أن يريد الفتحتين اللتين على الراء و الهمزة، او الفتحة التي على الهمزة وحدها، فان كان يريد فتحة الهمزة فإنما أمالها نحو الكسرة ليميل الالف التي في «رأى» نحو الياء كما أمال الفتحة التي على الدال من (هدى) و الميم من (رمى). و ان كان يريد أنه أمال الفتحتين جميعا التي على الراء و التي على الهمزة، فإمالة فتحة الهمزة على ما تقدم ذكره، و اما امالة الفتحة التي على الراء فإنما أمالها لاتباعه إياها امالة فتحة الهمزة، كأنه امال الفتحة كما أمال الالف في قولك: رأيت عمادا، إذ الفتحة الممالة بمنزلة الكسرة فكما أميلت الفتحة في قولك: من عامر، لكسرة الراء كذلك أميلت فتحة الراء من (رأى) لامالة الفتحة التي على الهمزة. و التقديم و التأخير في ذلك سواء.
و من كسر الراء و الهمزة فالوجه فيه أنه كسر الراء من (رأى) لان المضارع منه على (يفعل) و إذا كان المضارع منه على (يفعل) كان الماضي على (فعل) ألا ترى ان المضارع في الامر العام إذا كان على (يفعل) كان الماضي على فعل.
و على هذا قالوا: ايت بيتنا، فكسروا حرف المضارعة. كما كسروا في نحو يحيى، و يعلم، و يفهم. و كسروا الياء أيضا في هذه الحروف، فقالوا: ايتنا، و لم يكسروها في (يعلم و يفهم) إذا كان الماضي على فعل فيما يترك كسر الراء التي هي فاء، لان العين همزة. و حروف الحلق إذا جاءت في كلمة على زنة (فعل) كسرت فيها الفاء لكسر العين في الاسم و الفعل، نحو قولهم: غير قعر،
و رجل حبر، و فحل، و في الفعل نحو (شهد و لعب و نعم) فكسرة الياء على هذا كسرة مخلصة محضة، و ليست بفتحة ممالة، و اما كسرة الهمزة فأنه يراد به امالة فتحتها الى الكسرة، لتميل الالف نحو الياء.
و من ترك الامالة إذا لقيها ساكن، فإنهم كانوا يميلون الفتحة لميل الالف نحو الياء، فلما سقطت الالف بطلت إمالتها بسقوطها، و بطلت بذلك امالة الفتحة نحو الكسرة لسقوط الالف التي كانت الفتحة الممالة لميلها نحو الياء في مثل (رَأَى الشَّمْسَ) و (رَأَى الْقَمَرَ) و نحوهما في جميع القرآن. و من وافق في بعض ذلك دون بعض أحب الأخذ باللبس.
و وجه قراءة أبي بكر و حمزة في (رَأَى الشَّمْسَ) و (رَأَى الْقَمَرَ) بكسر الراء و فتح الهمزة في جميع القرآن، أن كسر الراء انما هو للتنزيل الذي ذكرناه، و هو معنى منفصل من إمالة فتحة الهمزة، ألا ترى انه يجوز ان يعمل هذا المعنى من لا يرى الامالة كما يجوز ان يعمله من يراها. و إذا كان كذلك كان انفصال أحدهما من الآخر سائغا غير ممتنع. فأما رواية يحيى عن أبي بكر- بكسر الراء و الهمزة معا- فإنما يريد بكسرة الهمزة إمالة فتحتها، فوجه كسر الراء قد ذكروا امالة فتحها مع زوال ما كان يوجب امالتها من حذف الالف، فلأن الالف محذوفة لالتقاء الساكنين. و ما يحذف لالتقاء الساكنين ينزل تنزيل المثبت. ألا ترى انهم أنشدوا:
و لا ذاكر اللَّه الا قليلا (1)فنصب الاسم بعد (ذاكر) و ان كانت النون محذوفة لما كان الحذف لالتقاء الساكنين. و الحذف لذلك في تقدير الإثبات، من حيث كان التقاؤهما غير لازم و لذلك لم تزد الالف في نحو (رمت المرأة) و يشهد لذلك أنهم قالوا:
شهد، فكسروا الفاء لكسر العين، ثم أسكنوا فقالوا- شهد، فأبقوا الكسرة في الفاء مع زوال ما كان أصلها و انشد قول الأخطل:
1) مر تخريجه في 2/ 72
إذا غاب عنا غاب عنا فرأتنا و ان شهد أجدى فضله و جداوله (1)
و قالوا: صعق، ثم نسبوا اليه فقالوا: صعقي، فأقرُّوا كسرة الفاء مع زوال كسرة العين التي لها كسرت الفاء. و زعم ابو الحسن ان ذلك لغة مع ما فيه من وجوه التلبيس و أنها قراءة.
يقال: جنَّ عليه الليل، و جنه الليل، و أجنه، و أجنَّ عليه، و مع حذف «على» فأجنه بالألف أفصح من جنه الليل. و كل ذلك مسموع، فلغة أسد جنه الليل، و لغة تميم أجنه، و المصدر من جن عليه جنا و جنونا و جنانا و أجن إجنانا. و يقال: أتانا فلان في جن الليل. و الجن مشتق من ذلك، لأنهم استجنوا عن أعين الناس، فلا يرون، و كلما توارى عن أبصار الناس، فان العرب تقول:
قد جن. و منه قول الهذلي:
و ماء وردت قبيل الكرى و قد جنه السدف الأدهم (2)
و قال عبيد:
و خرق تصيح الهام فيه مع الصدى مخوف إذا ما جنه الليل مرهوب (3)
و تقول: اجننت الميت إذا واريته في اللحد و جننته و هو مثل جنون الليل في معنى غطيته و سمي الترس مجنا لأنه يجن اي يغطي، و قال الشاعر:
فلما أجن الليل بتنا كأننا على كثرة الاعداء محترسان
قوله «فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ» أي أظلم. و قوله «فَلَمَّا أَفَلَ» معناه غاب يقال: أفل يأفل أفولا، و تقول اين أفلت عنا، و اين غبت عنا، قال ذو الرمة:
مصابيح ليست باللواتي تقودها نجوم و لا بالآفات الدوالك (4)
1) ديوانه 64
2) هكذا في المطبوعة و المخطوطتين و تفسير الطبري 11/ 479 و روي «و ماء وردت على خيفة» و «على جفنه» و «قبل الصباح». ديوان الهذليين 3: 56 و اللسان «سدف» «جنن».
3) ديوانه 38 و الطبري 11/ 479.
4) ديوانه: 245 و مجاز القرآن 1/ 199 و اللسان و التاج «دلك» و الطبري 11: 485 و الازمنة 2: 49 و كتاب القرطين 1: 26. يصف الإبل بأنها مصابيح اي تصبح في مبركها فلا تقف في الطريق. [.....]
و قوله «رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً» أي طالعا، يقال: بزغت الشمس بزوغا إذا طلعت، و كذلك القمر، و قوله للشمس «هذا رَبِّي» و هي مؤنثة معناه هذا الشيء الطالع ربي او على أنه حين ظهرت الشمس و قد كانوا يذكرون الرَّب في كلامهم، فقال لهم هذا ربي؟! و قيل في معنى هذه الآية وجوه أربعة:
الوجه الاول- ما قاله الجبائي: ان ما حكى اللَّه عن ابراهيم في هذه الآية كان قبل بلوغه، و قبل كمال عقله و لزوم التكليف له، غير انه لمقاربته كمال العقل خطرت له الخواطر و حركته الشبهات و الدواعي على الفكر فيما يشاهده من هذه الحوادث، فلما رأى الكوكب- و قيل: انه الزهرة- و بان نوره مع تنبيهه بالخواطر على الفكر فيه و في غيره ظن انه ربه، و أنه هو المحدث لما شاهده من الأجسام و غيرها «فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ» لأنه صار منتقلا من حال الى حال و ذلك مناف لصفات القديم «فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً» عند طلوعه رأى كبره و اشراق ما انبسط من نوره في الدنيا «قالَ هذا رَبِّي» فلما راعاه وجده يزول و يأفل، فصار عنده بحكم الكوكب الذي لا يجوز ان يكون بصفة الاله، لتغيره و انتقاله من حال الى حال، «فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً» أي طالعة قد ملأت الدنيا نورا و رأى عظمها و كبرها «قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ» و زالت و غابت، فكانت شبيهة بالكوكب و القمر قال حينئذ لقومه «إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ» فلما أكمل اللَّه عقله ضبط بفكره النظر في حدوث الأجسام بأن وجودها غير منفكة من المعاني المحدثة، و أنه لا بدَّ لها من محدث، قال حينئذ لقومه «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ ...» الى آخرها.
و الوجه الثاني- ما قاله البلخي و غيره: من أن هذا القول كان من ابراهيم في زمان مهلة النظر، لان مهلة النظر مدة، اللَّه العالم بمقدارها، و هي اكثر من
ساعة. و قال البلخي: و أقل من شهر، و لا يدري ما بينهما الا اللَّه، فلما أكمل اللَّه عقله و خطر بباله ما يوجب عليه النظر و حركته الدواعي على الفكر و التأمل له. قال ما حكاه اللَّه، لان ابراهيم (ع) لم يخلق عارفا باللَّه، و انما اكتسب المعرفة لما أكمل اللَّه عقله، و خوفه من ترك النظر بالخواطر، فلما رأى الكوكب- و قيل هو الزهرة- رأى عظمها و إشراقها و ما هي عليه من عجيب الخلق، و كان قومه يعبدون الكواكب، و يزعمون أنها آلهة- قال هذا ربي؟! على سبيل الفكر و التأمل لذلك، فلما غابت و أفلت، و علم ان الأفول لا يجوز على اللَّه علم انها محدثة متغيرة لتنقلها، و كذلك كانت حاله في رؤية القمر و الشمس، و أنه لما رأى افولهما قطع على حدوثهما و استحالة إلهيتهما، و قال في آخر كلامه «إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» و كان هذا القول منه عقيب معرفته باللَّه و علمه بأن صفات المحدثين لا تجوز عليه.
فان قيل: كيف يجوز ان يقول: هذا ربي مخبرا، و هو يجوز أن يكون مخبره لا على ما اخبر، لأنه غير عالم بذلك، و ذلك قبيح في العقول، و مع كمال عقله لا بد أن يلزمه التحرز من الكذب؟! قلنا عن ذلك جوابان:
أحدهما- انه قال ذلك فارضا مقدرا، لا مخبرا بل على سبيل الفكر و التأمل، كما يقول الواحد منا لغيره إذا كان ناظرا في شيء و محتملا بين كونه على إحدى صفتين: انا نفرضه على إحداهما لننظر فيما يؤدي ذلك الفرض اليه من صحة او فساد، و لا يكون بذلك مخبرا، و لهذا يصح من أحدنا إذا نظر في حدوث الأجسام و قدمها ان يفرض كونها قديمة ليتبين ما يؤدي اليه ذلك الفرض من الفساد.
و الثاني- انه اخبر عن ظنه و قد يجوز ان يكون المفكر المتأمل ظانا في حال نظره و فكره ما لا اصل له ثم يرجع عنه بالادلة و العلم و لا يكون ذلك
منه قبيحا.
فان قيل: ظاهر الآيات يدل على ان ابراهيم ما كان رأى هذه الكواكب قبل ذلك، لان تعجبه منها تعجب من لم يكن رآها، فكيف يجوز ان يكون الى مدة كمال عقله لم يشاهد السماء و ما فيها من النجوم؟! قلنا: لا يمتنع ان يكون ما رأى السماء الا في ذلك الوقت، لأنه
روي أن أمه ولدته في مغارة لا يرى السماء، فلما قارب البلوغ و بلغ حد التكليف خرج من المغارة و رأى السماء و فكر فيها.
و قد يجوز أيضا ان يكون رآها غير انه لم يفكر فيها و لا نظر في دلائلها، لان الفكر لم يكن واجبا عليه، فلما كمل عقله و حركته الخواطر فكر في الشيء الذي كان يراه قبل ذلك و لم يكن مفكرا فيه.
و الوجه الثالث- ان ابراهيم لم يقل ما تضمنته الآيات على وجه الشك و لا في زمان المهلة النظر بل كان في تلك الحال عالما باللَّه و بما يجوز عليه، فانه لا يجوز ان يكون بصفة الكوكب، و انما قال ذلك على سبيل الإنكار على قومه و التنبيه لهم على ان ما يغيب و ينتقل من حال الى حال لا يجوز ان يكون إلها معبودا، لثبوت دلالة الحدث فيه. و يكون قوله «هذا رَبِّي» محمولا على أحد وجهين.
أحدهما- أي هو كذلك عندكم و على مذهبكم كما يقول أحدنا للمشبه على وجه الإنكار عليه: هذا ربي جسم يتحرك و يسكن و ان كان عالماً بفساد ذلك.
و الثاني- أن يكون قال ذلك مستفهما و أسقط حرف الاستفهام للاستغناء عنه، كما قال الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا (1)
و قال آخر:
1) ديوانه 41، و قد مر في 1: 403، 475
لعمرك ما أدري و ان كنت داريا بسبع رمين الجمر ام بثمانيا (1)
و قال ابن أبي ربيعة:
ثم قالوا تحبها قلت بهرا عدد النجم و الحصى و التراب (2)
و قال أوس بن حجر:
لعمرك ما أدري و ان كنت داريا شعيب بن سهم أم شعيب بن منقر (3)
و انما أراد أشعيب بن سهم أم شعيب بن منقر.
فان قيل: حذف حرف الاستفهام انما يجوز إذا كان في الكلام عوضا منه نحو (أم) للدلالة عليه، و لا يستعمل مع فقد العوض، و في الأبيات عوض عن حرف الاستفهام، و ليس ذلك في الآية.
قلنا: قد يحذف حرف الاستفهام مع ثبوت العوض تارة و أخرى مع فقده إذا زال اللبس، و بيت ابن أبي ربيعة ليس فيه عوض و لا فيه حرف الاستفهام، و انشد الطبري:
رفوني و قالوا يا خويلد لا ترع فقلت و أنكرت الوجوه هم هم (4)
أي أهم هم؟، و روي عن ابن عباس في قوله «فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ» أنه قال معناه أفلا اقتحم العقبة، و حذف حرف الاستفهام. و إذا جاز ان يحذفوا حرف الاستفهام لدلالة الخطاب جاز أن يحذفوه لدلالة العقل، لان دلالة العقل أقوى من غيرها.
و الوجه الرابع- أن ابراهيم قال ذلك على وجه المحاجة لقومه بالنظر كما يقول القائل: إذا قلنا: ان للَّه ولد الزمنا أن نقول له زوجة، و ان يطأ النساء
1) تفسير القرطبي 7/ 27.
2) ديوانه: 117 «طبعة بيروت سنة 1311 ه».
3) شواهد المغني: 15 و الكامل للمبرد 1/ 384، 2/ 115 و البيان و التبيين 4/ 40 و سيبويه 1/ 845 و تفسير الطبري 11/ 484 و غيرها.
4) قائله ابو خراش الهذلي، ديوان الهذليين 2: 144 و اللسان (رفأ) (رفو) و القرطبي 7/ 26 و (رفوني) اي اسكنوني من الرعب.
و أشباه ذلك، و ليس هذا على وجه الإقرار و الاخبار و الاعتقاد بذلك، بل على وجه المحاجة فيجعلها مذهبا ليرى خصمه المعتقد لها فسادها.
و كل هذه الآيات فيها تنبيه لمشركي العرب و زجر لهم عن عبادة الأصنام و حث على الأخذ بدين ابراهيم أبيهم و سلوك سبيله في النظر و الفكر و التدين، لأنهم كانوا قوما يعظمون أسلافهم و آباءهم فأعلمهم اللَّه تعالى ان اتباع الحق من دين أبيهم الذي يقرون بفضله أوجب عليهم ان كان بهم تعظيم الآباء و الكراهة لمخالفتهم.
و في الآية دلالة على ان معرفة اللَّه ليست ضرورية، لأنها لو كانت ضرورية لما احتاج ابراهيم الى الاستدلال على ذلك، و لكان يقول لقومه: كيف تعبدون الكواكب و أنتم تعلمون حدوثها و حدوث الأجسام ضرورة، و تعلمون ان لها محدثا على صفات مخصوصة ضرورة، و ما كان يحتاج الى تكلف الاستدلال و التنبيه على هذا.
و قوله «لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي» معناه لئن لم يلطف بي و يسددني و يوفقني لاصابة الحق في توحيده «لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ» الذين ضلوا عن الحق و أخطأوا طريقه، فلم يصيبوا الهدى. و ليس الهداية- هاهنا- الادلة، لان الادلة كانت سبقت حال زمان النظر، فان التكليف لا يحسن من دونها و لا يصح مع فقدها.
و قوله في الشمس «هذا أَكْبَرُ» يعني من الكواكب و حذف لدلالة الكلام عليه. و قوله «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ» معناه أخلصت عبادتي و قصدت بها الى اللَّه الذي خلق السماوات و الأرض. و فيه اخبار عن ابراهيم و اقرار منه و اعتراف بأنه (ع) خالف قومه أهل الشرك، و لم يأخذه في اللَّه لومة لائم، و لم يستوحش من قول الحق لقلة تابعيه. و قال لهم «إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ» مع اللَّه- الذي خلقني و خلقكم- في عبادته من آلهتكم بل «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ» في عبادتي الى الذي خلق السماوات و الأرض الذي يبقى و لا يفنى، الحي
الذي لا يموت. و اخبر انه يوجه عبادته و يخلصها له تعالى. و الاستقامة في ذلك لربه على ما يجب من التوحيد لا على الوجه الذي توجه له من حيث ليس بحنيف. و معنى الحنيف هو المائل الى الاستقامة على وجه الرجوع فيه. و قوله «وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» اني لست منكم، و لا ممن يدين بدينكم، و يتبع ملتكم أيها المشركون.
وَ حاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَ قَدْ هَدانِ وَ لا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ (80)
آية عند الجميع قرأ اهل المدينة و ابن ذكوان «أ تحاجوني» بتخفيف النون. الباقون بتشديدها.
و قرأ الكسائي و العبسي «و قد هداني» بالامالة. الباقون بالتفخيم.
قال ابو علي: من شدد فلا نظر في قوله. و من خفف فانه حذف النون الثانية لالتقاء الساكنين. و التضعيف يكره، فيتوصل الى إزالته تارة بالحذف نحو علم أني فلان، و تارة بالابدال نحو لا املاه عني تفارقا، و نحو ديوان و قيراط، فحذفوا الثانية منهما كراهية التضعيف. و لا يجوز ان يكون المحذوفة الاولى، لان الاستثقال يقع بالتكرير في الامر الأعم و في الاولى أيضا أنها دلالة الاعراب و لذا حذفت الثانية كما حذف الشاعر في قوله:
ليتي أصادفه و افقد بعض مالي (1)
كمنية جابر إذ قال ليتي أصادفه و أتلف جلَّ مالي
و قال بعضهم حذف هذه النون لغة غطفان. و حكى سيبويه هذه القراءة مستشهدا بها في حذف النونات كراهية التضعيف. و اما إمالة (هداني) فحسنة،
1) قائله زيد الخيل، اللسان (ليت) و روايته.
لأنه من هدى يهدي، فهو من الياء. و إذا كانوا أمالوا (غزا، و دعا)، لأنه قد يصير الى الياء في غزي و دعي. فهذا لا اشكال في حسنه.
قوله «وَ حاجَّهُ قَوْمُهُ» يعني في وجوب عبادة اللَّه و ترك عبادة آلهتهم و خوَّفوه من تركها و ان لا يأمن ان تخبله آلهتهم من الأصنام و غيرها، فقال لهم ابراهيم (ع) «أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَ قَدْ هَدانِ» بأن وفقني لمعرفته و لطف بي في العلم بتوحيده و ترك الشرك و اخلاص العبادة له «وَ لا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ» أي لا أخاف منه ضررا ان كفرت به و لا أرجو نفعا إن عبدته، لأنه بين صنم قد كسر، فلم يدفع عن نفسه أو نجم دل أفوله على حدوثه، فكيف تحاجوني و تدعونني الى عبادة من لا يخاف ضرره و لا يرجا نفعه «إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً» فيه قولان:
أحدهما- الا أن يقلبها اللَّه، فيحييها و يقدرها فتضر و تنفع، فيكون ضررها و نفعها إذ ذاك دليلا على حدوثها أيضا، و على توحيد اللَّه و أنه المستحق للعبادة دون غيره و انه لا شريك له في ملكه، ثم أثنى عليه تعالى فأخبر بأنه عالم بكل شيء، و أمرهم بالتذكر و التدبر لما أورده عليهم مما لا يدفعونه و لا يقدرون على إنكاره ان أنصفوا.
الثاني- قال الحسن: قوله: «وَ لا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ» أي لا أخاف الأوثان «إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً» استوجبه على اللَّه تعالى، او يشاء اللَّه ان يدخلني في ملتكم بالكفر. و الاول هو الأجود.
(أ تحاجوني) أصله (أ تحاجونني) بنونين إحداهما للجمع و الاخرى لاسمه، فأدغمت إحداهما في الاخرى، فشددت و مثله (تأمرونني) و قد يخفف مثل هذا في بعض المواضع، قال الشاعر:
أبا لموت الذي لا بد أني ملاق لا أباك تخوفيني
فجاء بنون واحدة و خففها، و الاول أجود و اكثر في العربية.
وَ كَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَ لا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)
آية بلا خلاف.
في هذه الآية احتجاج من ابراهيم (ع) على قومه و تأكيد لما قدم من الحجاج لأنه قال لهم: و كيف تلزمونني ان أخاف ما أشركتم به من الأوثان المخلوقة و قد تبين حالهم، و انهم لا يضرون و لا ينفعون، و أنتم لا تخافون من هو القادر على الضرِّ و النفع بل تتجرؤن عليه و تتقدمون بين يديه بأن تجعلوا له شركاء في ملكه و تعبدونهم من دونه، فأي الفريقين أحق بالأمن: نحن المؤمنون الذين عرفنا اللَّه بأدلته و وجهنا العبادة نحوه؟ ام أنتم المشركون بعبادته غيره من الأصنام و الأوثان؟ و لو أطرحتم الميل و الحمية و العصبية لما وجدتم لهذا الحجاج مدفعا.
و قوله «ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً» أي حجة لان السلطان هو الحجة في اكثر القرآن، و ذلك يدل على ان كل من قال قولا و اعتقد مذهبا بغير حجة مبطل.
و قوله «إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» معناه ان كنتم تستعملون عقولكم و علومكم و تحكِّمونها على ما تهوونه و تميل اليه أنفسكم.
و في الآية دلالة على فساد قول من يقول بالتقليد و تحريم النظر و الحجاج، لان اللَّه تعالى مدح ابراهيم لمحاجته لقومه و امر نبيه بالاقتداء به في ذلك فقال «وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ» (1). ثم قال بعد ذلك: «أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ» اي بأدلتهم اقتده.
1) آية 83 من هذه السورة.
الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ (82)
آية عند الجميع.
تحتمل هذه الآية ان تكون اخبارا عن اللَّه تعالى دون الحكاية عن ابراهيم بأنه قال تعالى: ان من عرف اللَّه تعالى و صدق به و بما أوجب عليه و لم يخلط ذلك بظلم، فان له الامن من اللَّه بحصول الثواب و الامان من العقاب و هو المحكوم له بالاهتداء- و هو قول ابن إسحاق و ابن زيد و الطبري و الجبائي و ابن جريج- و قال البلخي: ان ذلك من قول ابراهيم، لأنه لما قطع خصمه و الزمه الحجة أخبر ان الذين آمنوا و لم يلبسوا إيمانهم بظلم فإنهم الآمنون المهتدون. قال: و كذلك يفعل من وضحت حجته و انقطع بعد البيان خصمه.
و الظلم المذكور في الآية هو الشرك عند أكثر المفسرين: ابن عباس و سعيد ابن المسيب و قتادة و مجاهد و حماد بن زيد و أبيُّ بن كعب و سلمان (رحمة اللَّه عليه) قال أبيُّ ألم تسمع قوله «إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» (1)و هو قول حذيفة.
و روي عن عبد اللَّه بن مسعود انه قال لما نزلت هذه الآية شق على الناس، و قالوا يا رسول اللَّه و أينا لا يظلم نفسه، فقال: انه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا الى ما قال العبد الصالح «يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» (2).
و قال الجبائي و البلخي و اكثر المعتزلة: انه يدخل فيه كل كبيرة تحبط ثواب الطاعة، قال فان من هذه صورته لا يكون آمنا و لا مهتديا. قال البلخي:
و لو كان الامر على ما قالوه انه يختص بالشرك لوجب ان يكون مرتكب الكبيرة إذا كان مؤمنا يكون آمنا و ذلك خلاف القول بالارجاء.
و هذا الذي ذكروه خلاف أقاويل المفسرين من الصحابة و التابعين. و ما
قاله البلخي لا يلزم لأنه قول بدليل الخطاب لان المشرك غير آمن بل هو مقطوع على عقابه بظاهر الآية، و مرتكب الكبيرة غير آمن لأنه يجوز العفو، و يجوز المؤاخذة و ان كان ذلك معلوما بدليل، و ظاهر قوله «وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ» و ان كان عاما في كل ظلم، فلنا ان نخصه بدليل أقوال المفسرين و غير ذلك من الادلة الدالة على أنه يجوز العفو من غير توبة. و
روي عن علي (ع): أن الآية مخصوصة بإبراهيم.
و قال عكرمة مختصة بالمهاجرين. و اما الظلم في أصل اللغة فقد قال الاصمعي هو وضع الشيء في غير موضعه، قال الشاعر يمدح قوما:
هرت الشقاشق ظلامون للجزر (1)
فوصفهم انهم ظلامون للجزر، لأنهم عرقبوها فوضعوا النحر في غير موضعه، و كذلك الأرض المظلومة سميت بذلك لأنه صرف عنها المطر، و منه قول الشاعر:
و النؤي كالحوض بالمظلومة الجلد (2)
سماها مظلومة لأنهم كانوا في سفر فتحوضوا حوضا لم يحكموا صنعته و لم يضعوه في موضعه.
وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)
آية بلا خلاف.
قرأ اهل الكوفة و يعقوب «دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ» الباقون بالاضافة، من أضاف ذهب الى ان المرفوعة هي الدرجات لمن نشاء و من نوَّن أراد ان المرفوع صاحب الدرجات، و تقديره نرفع من نشاء درجات، و الدرجات معناها المراتب.
و في أصل اللغة هي المراقي فشبه علو المنازل بها.
أخبر اللَّه تعالى ان الحجج التي ذكرها ابراهيم لقومه آتاه اللَّه إياها و أعطاها إياه، بمعنى انه هداه لها فانه احتج بها بأمر اللَّه و رضيها منه و صوَّبه فيها، و لهذا جعلها حجة على الكفار.
و قوله «نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ» من المؤمنين الذين يؤمنون باللَّه و يطيعونه و يبلغون من الايمان و الدعاء الى اللَّه منزلة عظيمة و أعلا درجة ممن لم يبلغ من الايمان مثل منزلتهم، و بين انه حكيم فيما يدبره من أمور عباده عليم بهم و بأعمالهم، و في ذلك دلالة على صحة المحاجة و المناظرة في الدين و الدعاء الى توحيد اللَّه و الاحتجاج على الكافرين، لأنه تعالى مدح ذلك و استصوبه. و من حرم الحجاج فقد ردَّ صريح القرآن.
وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَ نُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسى وَ هارُونَ وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيى وَ عِيسى وَ إِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَ إِسْماعِيلَ وَ الْيَسَعَ وَ يُونُسَ وَ لُوطاً وَ كلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (86) وَ مِنْ آبائِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَ إِخْوانِهِمْ وَ اجْتَبَيْناهُمْ وَ هَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ لَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (88)
أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (89) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (90)
سبع آيات قرأ حمزة و الكسائي و خلف (اليسع) بتشديد اللام، و فتحها و سكون الياء ها هنا، و في (ص). الباقون بسكون اللام و فتح الياء. قال الزجاج التشديد و التخفيف لغتان. و قال ابو علي الالف و اللام ليستا للتعريف بل هما زائدتان و كان الكسائي يستصوب القراءة بلامين و يخطئ من قرأ بغيرهما كأن الاسم عنده (ليسع) ثم يدخل الالف و اللام. قال و لو كانت (يسع) لم يجز أن يدخل الالف و اللام، كما لا يدخل في (يزيد) و (يحيى). قال الاصمعي فقلت له، ف (اليرصع) من الحجارة و (اليعمل) من الإبل و (اليحمد) حي من اليمن، فكأنما ألقمته حجرا، و بعدها فانا قد سمعناهم يسمعون ب (يسع) و لم نرهم يسمعون ب (ليسع). و قال الفراء: القراءة بالتشديد أشبه بالأسماء العجمية من التخفيف. قال لأنهم لا يكادون يدخلون الالف و اللام في ما لا يجرّ مثل (يزيد، و يعمر) الا في الشعر أنشدني بعضهم:
وجدنا الوليد بن اليزيد مباركاً شديدا بأعباء الخلافة كاهله (1)
قال و انما أدخلوا الالف و اللام في يزيد لدخولهما في الوليد، فإذا فعلوا ذلك فقد أمسَّوا الحرف مدحا.
قوله (وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ) الهاء في (له) كناية عن ابراهيم (ع) «كُلًّا هَدَيْنا» نصب كلا ب (هدينا) و (نُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ) معناه هديناه قبل ابراهيم. و قوله (وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ) تقديره و هدينا داود و سليمان
1) معاني القرآن 1/ 342 و شواهد المغني 60 و خزانة الأدب 1/ 327 و تفسير الطبري 11/ 511، و امالي ابن الشجري 1/ 154 و 2/ 252، 342. من شعر يمدح به الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان
نسقا على نوح. و يحتمل أن يكون قوله «وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ» الهاء راجعة الى نوح لان الأنبياء المذكورين كلهم من ذريته. قال الزجاج و يجوز أن يكون من ذريته ابراهيم لان ذكرهما جميعا قد جرى، و أسماء الأنبياء التي جاءت بعد قوله «وَ نُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ» نسق على (نوح) نصب كلها، و لو رفعت على الابتداء كان صوابا. قال أبو علي الجبائي: الهاء لا يجوز أن تكون كناية عن ابراهيم، لان فيمن عدد من الأنبياء لوطا و هو كان ابن أخته، و قيل ابن أخيه، و لم يكن من ذريته.
و هذا الذي قاله ليس بشيء، لأنه لا يمنع أن يكون غلب الأكثر. و جميع من ذكر من نسل ابراهيم، على أنه قال فيما روى عنه ابن مسعود أن الياس:
إدريس، و هو جدُّ نوح، و لم يكن من ذريته، و مع هذا لم يطعن على قول من قال: إنها كناية عن نوح. و قال ابن إسحاق: الياس هو ابن اخي موسى و يجوز أن تكون الهاء كناية عن ابراهيم و يكون من سمَّاهم الى قوله «كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ» من ذريته، ثم قال «وَ إِسْماعِيلَ وَ الْيَسَعَ وَ يُونُسَ وَ لُوطاً» فعطفهم على قوله «وَ نُوحاً هَدَيْنا».
و في الآية دلالة على أن الحسن و الحسين من ولد رسول اللَّه (ص)، لأن عيسى جعله اللَّه من ذرية ابراهيم أو نوح، و إنما كانت أمه من ذريتهما.
و الوجه في الآيات أن اللَّه تعالى أخبر أنه رفع درجة ابراهيم بما جعل في ذريته من الأنبياء و جزاه بما وصل اليه من السرور و الابتهاج عند ما أعلمه عن ذلك و بما أبقى له من الذكر الرفيع في الأعقاب، و الجزاء على الإحسان لذة و سرور من أعظم السرور و اكثر اللذات إذا علم الإنسان بأنه يكون من عقبة و ولده المنسوبين اليه أنبياء يدعون الى اللَّه و يجاهدون في سبيله و يكونون ملوكا و خلفاء يطيعون اللَّه و يحكمون بالحق في عباد اللَّه.
ثم اخبر انه جزى نوحا بمثل ذلك على قيامه في الدعاء اليه و الجهاد في سبيله. و الهداية في الآيات كلها هو الإرشاد الى الثواب دون الهداية التي هي
نصب الادلة، لأنه تعالى قال في آخر الآيات: «وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» فبين أن ذلك جزاء و لا يليق إلا بالثواب الذي يختص به المحسنون دون الهداية التي هي الدلالة و يشترك فيها المؤمن و الكافر، و هو قول أبي علي الجبائي و البلخي.
و قوله: «أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ» إشارة الى من تقدم ذكره من الأنبياء.
و قوله «فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ» يعني الكفار الذين جحدوا نبوة النبي (ص) في ذلك الوقت، «فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ» معنى (وَكَّلْنا بِها) اي وكلنا بمراعاة أمر النبوة و تعظيمها و الأخذ بهدي الأنبياء قوما ليسوا بها بكافرين. و إنما أضاف ذلك إلى المؤمنين و ان كان قد فعل بالكافرين أيضا ازاحة العلة في التكليف من حيث أن المؤمنين هم الذين قاموا بذلك و عملوا به فأضافه اليهم، كما أضاف قوله «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» و ان كان هداية لغيرهم.
و قيل في المعنيين بقوله «لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ» ثلاثة اقوال: أحدها- انه عنى بذلك الأنبياء الذين جرى ذكرهم آمنوا بما أتى به النبي (ص) في وقت مبعثهم و هو قول الحسن و الزجاج و الطبري و الجبائي. قال الزجاج لقوله تعالى «أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ» و ذلك اشارة الى الأنبياء الذين ذكرهم و وصفهم و امر النبي (ص) بالاقتداء بهداهم.
و الثاني- انه عنى به الملائكة، ذهب اليه أبو رجاء العطاردي.
و قال قوم عنى به من آمن من أصحاب النبي (ص) في وقت مبعثه.
و قال الفراء و الضحاك: قوله «فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ» يعني أهل مكة «فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ» يعني أهل المدينة، و الأول أقوى.
و في الآية دلالة على ان اللَّه تعالى يتوعد من يعلم انه لا يشرك و لا يفسق و ان الوعد و الوعيد قد يكونان بشرط.
و قوله: «أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ» معناه أولئك الذين حكم اللَّه لهم
بالهدى و الرشاد، و زادهم هدى حين اهتدوا. و المراد به الأنبياء الذين تقدم ذكرهم الثمانية عشر. و أمر النبي (ص) بأن يسلك سبيلهم و يأخذ بهداهم في تبليغ الرسالة و الصبر على المحن و ان يقول لقومه «لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً» يعني على الأداء و الإبلاغ، و لكنه يذكر به العالمين و ينبههم على ما يلزمهم من عبادة اللَّه و القيام بشكره.
و قوله (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) قرأ حمزة و الكسائي و خلف و يعقوب و الكسائي عن أبي بكر بحذف الهاء في الوصل و إثباتها في الوقف. الباقون بإثباتها في الوصل و الوقف و سكونها، إلا ابن ذكوان فانه كسرها، و وصلها بياء في اللفظ و إلا هشاما فانه كسرها من غير صلة بتاء، و لا خلاف في الوقف انها بالهاء ساكنة.
قال ابو علي الفارسي الوجه الوقف بالهاء لاجتماع الكثرة، و الجمهور على إثباته، و لا ينبغي أن يوصل و الهاء ثابتة، لان هذه الهاء في السكت بمنزلة همزة الوصل في الابتداء في أن الهاء للوقف كما أن همزة الوصل للابتداء بالساكن، فكما لا تثبت الهمزة في الوصل كذلك ينبغي أن لا تثبت الهاء.
قال ابو علي و قراءة ابن عامر بكسر الهاء و إشمام الهاء الكسرة من غير بلوغ ياء ليس بغلط، و وجهها أن يجعل الهاء كناية عن المصدر لا التي تلحق للوقف.
و حسن إضماره لذكر الفعل الدال عليه، و مثل ذلك قول الشاعر:
فجال على وحشية و تخاله على ظهره سبأ حديداً يمانيا
كأنه قال تخال خيلا على ظهره سبأ حديدا، و مثل ذلك قول الشاعر:
هذا سراقة للقرآن يدرسه و المرؤ عند الرشا أن يلقها ذئب (1)
فالهاء كناية عن المصدر، و يدل يدرسه على الدروس، و لا يجوز ان يكون ضمير القرآن، لان الفعل قد تعدى اليه باللام، فلا يجوز أن يتعدى اليه و الى ضميره كما أنك إذا قلت أ زيداً ضربته لم ينصب زيدا بضربت لتعديه
1) اللسان «سرق»
الى الضمير، و قياسه إذا وقف عليه أن يقول اقتده فيكسر (هاء) الضمير، كما تقول اشتره في الوقف. و في الوصل اشتريه لنا يا هذا.
و استدل قوم بقوله (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) على ان النبي (ص) كان متعبدا بشريعة من قبله من الأنبياء و هذا لا دلالة فيه، لان قوله (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) معناه فبأدلتهم اقتده. و الدلالة ما أوجبت العلم و يجب الاقتداء بها، لكونها موجبة للعلم لا غير و لذلك قال تعالى (ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) فنسب الهدى الى نفسه، فعلم بذلك أنه أراد ما قلناه. و قوله (وَ لَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) يدل على أن الهدى في قوله (وَ اجْتَبَيْناهُمْ وَ هَدَيْناهُمْ) هداية الثواب على الاعمال الصالحة، لان الثواب على الاعمال هو الذي ينحبط تارة و يثبت اخرى دون الهداية التي هي الادلة الحاصلة للمؤمن و الكافر. و قوله (وَ كلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ) يعني على عالمي زمانهم الذين ليسوا أنبياء و إنما دخلت (من) في قوله «مِنْ آبائِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ» للتبعيض كأنه قال: و بعض آبائهم و بعض ذرياتهم و بعض إخوانهم هديناهم و لو لم تدخل (من) لاقتضى انه هدى جميعهم الهداية التي هي الثواب، و الامر بخلافه. و قوله «اجْتَبَيْناهُمْ» معناه اخترناهم.
و قوله (وَ لَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) لا يدل على صحة ثواب طاعاتهم التي أشركوا في توجيهها الى غير اللَّه لأنهم أوقعوها على خلاف الوجه الذي يستحق به الثواب، فأما ما تقدم فليس في الآية ما يقتضي بطلانه غير أنا قد عملنا أنه إذا أشرك لا ثواب معه أصلا، لإجماع الامة على أن المشرك لا يستحق الثواب، فلو كان معه ثواب و قد ثبت أن الإحباط باطل، لكان يؤدي الى أن معه ثوابا و عقابا، لأنا قد بينا بطلان القول بالتحابط في غير موضع و ذلك خلاف الإجماع.
وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَ هُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَ تُخْفُونَ كَثِيراً وَ عُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَ لا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)
آية بلا خلاف.
قرأ ابن كثير و أبو عمرو «تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَ تُخْفُونَ كَثِيراً» بالتاء فيهن. الباقون بالياء فيهن. و من قرأ بالياء حمله على أنه للغيبة بدلالة قوله:
«وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى فيحمله على الغيبة لان ما قبله غيبة.
و من قرأ بالتاء حمله على الخطاب يعني قل لهم: «تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَ تُخْفُونَ كَثِيراً» و يقوي القراءة بالتاء، قوله «وَ عُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا» فجاء على الخطاب، و كذلك ما قبله.
و معنى «تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ» تجعلونه ذوي قراطيس اي تودعونه إياها «وَ تُخْفُونَ» أي تكتمونه، و موضع قوله «تُبْدُونَها وَ تُخْفُونَ كَثِيراً» يحتمل أمرين:
أحدهما- ان يكون صفة القراطيس، لان النكرة توصف بالجمل.
و الآخر- أن نجعله حالا من ضمير الكتاب من قوله «تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ» على أن تجعل القراطيس الكتاب في المعنى، لأنه مكتوب فيها.
روي أن سبب نزول هذه الآية أن النبي (ص) رأى حبراً من أحبار اليهود سمينا يقال له: مالك بن الضيف، و قيل: فنحاص، فقال له النبي (ص)
أ ليس في التوراة أن اللَّه يبغض الحبر السمين؟ فغضب، و قال: ما أنزل اللَّه على بشر من شيء، فلعنته اليهود و تبرأت منه، فنزلت هذه الآية، ذكر ذلك عكرمة و قتادة
، و قال محمد بن كعب القرطي: نزلت في جماعة من اليهود. و روي مثل ذلك عن ابن عباس. و قال مجاهد نزلت في مشركي قريش، و روي ذلك عن ابن عباس أيضا، و هو أشبه بسياق الآية، لأنهم الذين أنكروا أن يكون اللَّه أنزل كتابا على بشر، دون اليهود و النصارى.
و معنى قوله «وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ» أي ما عرفوه حق معرفته و ما وصفوه بما هو أهل أن يوصف به «إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ» أي ما أرسل اللَّه رسولا، و لم ينزل على بشر من شيء، مع أن المصلحة و الحكمة يقتضيان ذلك، و دلت المعجزات الباهرة على بعثة كثير منهم. ثم أمر اللَّه نبيه أن يقول لهم «مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَ هُدىً لِلنَّاسِ» فإنهم يقرون بذلك، و ان اللَّه أنزله و بعث موسى (ع) نبيا و إن لم يقروا بذلك فقد خرجوا من اليهودية الى قول من ينكر النبوات. و الكلام على من أنكر ذلك أصلا مذكور في النبوات مستوفى لا نطول بذكره ها هنا.
و على ما قلناه: من أن الآية متوجهة الى مشركي قريش من حيث أن اللَّه تعالى من أول السورة الى ها هنا في الاخبار عن أوصاف المشركين و عن أحوالهم و كذلك أول الآية في قوله «وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ» لأنهم كانوا لا يعتقدون التوحيد و يعبدون مع اللَّه الأصنام، و أهل الكتاب كانوا بخلاف ذلك، لأنهم كانوا يعتقدون التوحيد فلا يليق بهم ذلك، و إن كان اليهود عندنا أيضا غير عارفين باللَّه على وجه يستحقون به الثواب. و القول الآخر أيضا محتمل.
فعلى ما اخترنا يكون قوله «قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ» متوجها الى اليهود و النصارى، لأنهم المقرون بذلك دون قريش و مشركي العرب، و يجوز أن يكون متناولا للمشركين أيضا، و يكون على وجه الاحتجاج عليهم، و التنبيه لهم على ما ظهر من معجزات موسى و ظهور نبوته، و هذا الذي اخترناه قول
مجاهد و اختاره الطبري و الجبائي.
و قوله «تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ» أي تقطعونه فتجعلونه كتبا متفرقة و صحفا تبدون بعضها و تخفون بعضها، يعني ما في الكتب من صفات النبي (ص) و البشارة به. ثم عطف على ما ابتدأ به من وصف الكتاب الذي جاء به موسى و انه نور و هدى، فقال «وَ عُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَ لا آباؤُكُمْ» على لسان النبي (ص)، ثم أجاب عن الكلام الاول، فقال «قُلِ اللَّهُ» و هذا معروف في كلام العرب، لان الإنسان إذا أراد البيان و الاحتجاج بما يعلم أن الخصم مقر به و لا يستطيع دفعه ذكر ذلك. ثم تولى الجواب عنه بما قد علم أن لا جواب له غيره.
و قوله «ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ» يقال مثل هذا لمن قامت عليه الحجة الواضحة التي لا يمكنه دفعها، و ليس على إباحة ترك الدعاء و الانذار بل على ضرب من الوعيد و التهديد، كأنه قال دعهم فسيعلمون عاقبة أمرهم.
و يجوز أن يكون أراد: دعهم فلا تقاتلهم، و لا تعمل على قهرهم على قبول قولك الى أن يؤذن لك في ذلك، فيكون إنما أباح ترك قتالهم لا ترك الدعاء و التحذير و ترك البيان و الاحتجاج «يَلْعَبُونَ» رفعه لأنه لم يجعله جوابا لقوله «ذرهم» و لو جعله جوابا لجزمه، كما قال «ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَ يَتَمَتَّعُوا» (1)و كان ذلك جوابا و موضع «يلعبون» نصب على الحال، و تقديره ذرهم لاعبين في خوضهم. و قال قوم: إن هذه الآية مدنية مع الآيتين اللتين ذكرناهما في أول السورة، و يجوز أن يكون ذلك بمكة أيضاً.
وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَ مَنْ حَوْلَها وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (92)
آية بلا خلاف.
1) سورة 15 الحجر آية 3 [.....]
قرأ أبو بكر وحده «و لينذر» بالياء. الباقون بالتاء. من قرأ بالتاء، فلقوله «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها» (1)و قوله «وَ أَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ» (2)و من قرأ بالياء جعل الكتاب هو المنذر، لان فيه إنذاراً لأنه قد خوَّف به في قوله «هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَ لِيُنْذَرُوا بِهِ» (3)و قوله «إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ» (4)فلا يمتنع أسناد الانذار اليه على وجه التوسع.
و قوله «وَ هذا كِتابٌ» إشارة الى القرآن الذي أنزله اللَّه على نبيه محمد (ص) فعطف هذه الآية على ذكره الكتاب الذي جاء به موسى (ع) فلما وصفه قال تعالى «وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ» و انه مصدق لما بين يديه يعني ما مضى من كتب الأنبياء كالتوراة و الإنجيل و غيرهما، و بين انه انما أنزله لتنذر به اهل مكة و هي ام القرى، و من حولها.
قال ابن عباس و قتادة و غيرهما: ام القرى مكة، و من حولها اهل الأرض كلهم و انما خص اهل مكة بذلك لأنها أعظم قدرا لان فيها الكعبة و لان الناس يقصدونها بالحج و العمرة من جميع الآفاق. و إنذاره بالقرآن هو تخويفه إياهم بألوان عذاب اللَّه و عقابه ان أقاموا على كفرهم باللَّه و لم يؤمنوا به و برسوله.
و قوله: «وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ» يعني بالقرآن. و يحتمل ان يكون كناية عن محمد (ص) لدلالة الكلام عليه، و هذا يقوي مذهبنا في انه لا يجوز ان يكون مؤمنا ببعض ما أوجب اللَّه عليه دون بعض. و بين انهم «عَلى صَلاتِهِمْ» يعني على أوقات صلاتهم «يحافظون» بمعنى يراعون أوقاتها ليؤدّوها في الأوقات و يقوموا بإتمام ركوعها و سجودها و جميع فرائضها.
و قيل سميت مكة ام القرى لأنها أول موضع سكن في الأرض، و قيل ان الأرض كلها دحيت من تحتها فكانت امّا لها. و قال الزجاج سميت بذلك لأنها أعظم القرى شأناً.
وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَ كُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)
آية بلا خلاف.
اختلفوا فيمن نزلت فيه هذه الآية فقال اكثر المفسرين ان قوله «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً» نزلت في مسيلمة الكذاب حيث ادعى النبوة.
و قال انه يوحى اليه، و ان قوله «مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ» نزلت في عبد اللَّه بن سعد ابن أبي سرح، فانه كان يكتب الوحي للنبي (ص) و كان إذا قال له: اكتب عليما حكيما، كتب غفورا رحيما. و إذا قال: اكتب غفورا رحيما، كتب حكيما، و ارتد و لحق بمكة. و قال إني انزل مثل ما أنزل اللَّه، ذهب اليه عكرمة و ابن عباس و مجاهد و السدي و الجبائي و الفراء و الزجاج و غيرهم.
و قال قوم:
نزلت في مسيلمة خاصة.
و قال آخرون: نزلت في ابن أبي سرح خاصة و الاول هو المروي عن أبي جعفر (ع).
و قال البلخي: قوله «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ» هم الذين ادعوا النبوة بغير برهان و كذبوا على اللَّه «وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ» هم الذين قالوا «لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» (1)فادعوا بما لم يفعلوا و اعرضوا و بذلوا الأنفس و الأموال
1) سورة 8 الانفال آية 31
و استعملوا في إطفاء نور من جاء بالكتاب سائر الحيل. ثم اخبر تعالى عن حال من فعل ذلك، فقال: «وَ لَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ» و حذف جواب (لو) و تقديره: و لو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت لرأيت عذاباً عظيما و كل من كان في شيء كثير يقال له: غمر فلاناً ذلك. و يقال قد غمر فلانا الدين معناه كثر، فصار فيما يعلم بمنزلة ما يبصر قد غمر و غطى من كثرته و قوله «وَ الْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ» معناه باسطوا أيديهم بالعذاب و قيل بقبض أرواح الكفار.
و قوله: «أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ» يحتمل أمرين:
أحدهما- ان يكون تقديره يقولون: اخرجوا أنفسكم، كما تقول للذي تعذبه لأزهقن نفسك و لأخرجن نفسك، فهم يقولون لهم اخرجوا أنفسكم على معنى الوعيد و التهديد، كما يدفع الرجل في ظهر صاحبه و يكرهه على المضي بأن يجره او بغير ذلك، و هو في ذلك يقول امض الآن لترى ما يحل بك.
و الغمرات جمع غمرة، و غمرة كل شيء كثرته و معظمه، و أصله الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها. و قال ابن عباس غمرات الموت سكراته، و بسط الملائكة أيديها فهو مدها، و قال ابن عباس ايضا: البسط الضرب، يضربون وجوههم و أدبارهم و ملك الموت يتوفاهم، و قال الضحاك: بسطها أيديها بالعذاب.
و الثاني- ان يكون معناه خلصوا أنفسكم اي لستم تقدرون على الخلاص «الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ» اي العذاب الذي يقع به الهوان الشديد، و الهون- بفتح الهاء و سكون الواو- من الرفق و الدعة، كقوله «وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً» (1)و قال الشاعر:
هوناً كما لا يرد الدهر ما فاتا لا تهلكن أسفاً في أثر من ماتا (2)
و قد روي فتح الهاء في معنى الهوان، قال عامر بن جوين:
يهين النفوس و هون النفو س عند الكريهة اغلى لها (1)
و المعروف ضم الهاء إذا كان بمعنى الهوان. قال ذو الإصبع العدواني:
اذهب اليك فما أمي براعية ترعى المخاض و لا اغضي على الهون (2)
يعني على الهوان، و
عن أبي جعفر (ع) عذاب الهون يعني العطش.
و قوله:«وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ» في موضع جرّ كأنه قال:
و من اظلم ممن قال ذلك.
وَ لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَ ما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَ ضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)
آية بلا خلاف.
قرأ اهل المدينة و الكسائي و حفص «بينكم» بنصب النون. الباقون برفعها. و البين مصدر بان يبين إذا فارق قال الشاعر:
بان الخليط برامتين فودعوا او كلما ظعنوا لبين تجرع (3)
و قال ابو زيد: بان الحي بينونة و بيناً إذا ظعنوا، و تباينوا تباينا إذا كانوا جميعا فتفرقوا، قال و البين ما ينتهي اليه بصرك من حائط او غيره و استعمل هذا
الاسم على ضربين: أحدهما- ان يكون اسما منصرفا كالافتراق. و الآخر- ان يكون ظرفا فمن رفعه رفع ما كان ظرفا استعمله اسماً و يدل على جواز كونه اسماً قوله: «هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ» (1)و قوله «مِنْ بَيْنِنا وَ بَيْنِكَ حِجابٌ» (2)فلما استعمل اسماً في هذه المواضع جاز ان يسند اليه الفعل الذي هو تقطع في قراءة من رفع. و يدل على ان هذا المرفوع هو الذي استعمل ظرفا انه لا يخلو من ان يكون الذي هو ظرف اتسع فيه او يكون الذي هو مصدر و لا يجوز ان يكون الذي هو مصدر، لان التقدير يصير لقد تقطع افتراقكم، و هذا خلاف المعنى المراد، لان المراد لقد تقطع وصلكم، و ما كنتم تتألفّون عليه.
فان قيل كيف جاز ان يكون بمعنى الوصل و أصله الافتراق و التباين و على هذا قالوا: بان الخليط إذا فارق، و في الحديث ما بان من الحي فهو ميتة؟!.
قيل: انه لما استعمل مع الشيئين المتلابسين نحو بيني و بينك شركة، و بيني و بينه صداقة و رحم صار لذلك بمنزلة الوصلة و على خلاف الفرقة فلذلك صار «لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ» بمعنى لقد تقطع وصلكم و مثل بين في انه يجري في الكلام ظرفا ثم يستعمل اسماً بمعنى (وسط) ساكن العين ألا ترى أنهم يقولون:
جلست وسط القوم، فيجعلونه ظرفاً لا يكون الا كذلك، و قد استعملوه اسما كما قال الشاعر:
من وسط جمع بني قريظة بعد ما هتفت ربيعة يا بني خوَّات
و حكى سيبويه: هو احمر بين العينين. و اما من نصب بينكم ففيه وجهان:
أحدهما- انه أضمر الفاعل في الفعل و دل عليه ما تقدم من قوله: «وَ ما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ» لان هذا الكلام فيه دلالة على التقاطع و التهاجر و ذلك المضمر هو الأصل، كأنه قال لقد تقطع وصلكم بينكم و الثاني- ان يكون على مذهب أبي الحسن ان يكون لفظه منصوبا و معناه مرفوعاً، فلما جرى في كلامهم منصوبا ظرفا تركوه على ما يكون عليه
في اكثر الكلام و كذلك تقول في قوله «يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ» (1)و كذلك قوله: «وَ أَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَ مِنَّا دُونَ ذلِكَ» (2)فدون في موضع رفع عنده و ان كان منصوب اللفظ، كما تقول منا الصالح و منا الطالح فترفع.
و قال الزجاج: الرفع أجود و تقديره لقد تقطع وصلكم. و النصب جائز على تقدير لقد تقطع ما كنتم فيه من الشركة بينكم.
و قال الفراء في قراءة عبد اللَّه «لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ»: و هو وجه الكلام إذا جعل الفعل ل (بين) ترك نصبا في موضع رفع، لأنه صفة، فإذا قالوا هذا دون من الرجال، فلم يضيفوه رفعوه في موضع الرفع. و كذلك تقول بين الرجلين بين بعيد و بون بعيد إذا أفردته أجريته في العربية و أعطيته الاعراب.
قال مهلهل:
كأن رماحهم أشطان بئر بعيد بين جاليها جرور (3)
«الاشطان» الحبال المحكمة الفتل و جالي البئر جوانبها. و «جرور» صفة للبئر البعيد القعر.
فرفع بين حيث كانت اسماً. و قال مجاهد: معنى تقطع بينكم اي تواصلكم، و به قال قتادة و ابن عباس، فمعنى الآية الحكاية عن خطاب اللَّه تعالى يوم القيامة لهؤلاء الكفار الذين اتخذوا مع اللَّه أندادا و شركاء، و انه يقول لهم عند ورودهم:
«لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى و هو جمع فرد، و فريد، و فرد، و فردان قال الازهري لا يجوز فرد على هذا المعنى. و العرب تقول: فرادى و فراد فلا يصرفونها يشبهونها بثلاث و رباع قال الشاعر:
ترى النعرات الزرق تحت لبانه فرادى و مثنى أضعفتها صواهله (4)
و قال نابغة بني ذبيان:
من وحش و جرة موشي أكارعه طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد (1)
و كان يونس يقول: فرادى جمع فرد كما قيل: توآم و توأم. و مثل الفرادى الردافى و العرابى، و رجل أفرد و امرأة فرداء: إذا لم يكن لها أخ. و قد فرد الرجل فهو يفرد فروداً يراد به تفرَّد فهو فارد.
فمعنى قوله «جِئْتُمُونا فُرادى اي وحداناً لا مال لكم و لا أثاث و لا رقيق و لا شيء مما كان اللَّه خولكم في الدنيا «كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ».
و
روي عن النبي (ص) انه قال: (يحشرون حفاة عراة عزلا) و العزل هم الغلف.
و
روي ان عائشة قالت لرسول اللَّه حين سمعت ذلك وا سوأتاه ينظر بعضهم الى سوءة بعض من الرجال و النساء، فقال رسول اللَّه: «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» (2)فيشغل بعضهم عن بعض.
قال الزجاج: يحتمل ان يكون المعنى كما بدأكم أول مرة، اي كان بعثكم كخلقكم من غير كلفة و لا مشقة.
و قال الجبائي: معناه جئتم فرادى واحدا واحدا «كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ» اي بلا ناصر و لا معين كما خلقكم في بطون أمهاتكم، و لا احد معكم.
و قوله: «وَ تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ» يعني ما ملكناكم في الدنيا مما كنتم تتباهون به في الدنيا و هذا تعيير من اللَّه لهم لمباهاتهم التي كانوا يتباهون في الدنيا بأموالهم، يقال: خولته اي أعطيته. و يقال خال الرجل يخال أشد الخيال بكسر الخاء و هو خائل و منه قول أبي النجم:
اعطى فلم يبخل و لم يبخل كوم الذرى من خول المخول (3)
«وَ ما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ» يقول تعالى
لهؤلاء الكفار: ما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم انهم فيكم شركاء الذين كنتم تزعمون في الدنيا انهم يشفعون لكم عند ربكم يوم القيامة.
و قال عكرمة: ان الآية نزلت في النظر بن الحارث بن كلدة حيث قال سوف يشفع فيّ اللات و العزى، فنزلت الآية.
و قوله «لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ» اي وصلكم «وَ ضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ» اي جار عن طريقكم ما كنتم تزعمون من آلهتكم انه شريك للَّه تعالى و انه يشفع لكم عند ربكم فلا شفيع لكم اليوم.
إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95)
آية بلا خلاف.
في هذه الآية تنبيه لهؤلاء الكفار الذين اتخذوا مع اللَّه آلهة عبدوها، و حجة عليهم، و تعريف منه لهم خطأ ما هم عليه من عبادة الأصنام، بأن قال:
إن الذي له العبادة و مستحقها هو اللَّه الذي فلق الحب، يعني شقه من كل ما ينبت عن النبات، فأخرج منه الزروع على اختلافها، «و النوى» من كل ما يغرس مما له نواة فأخرج منه الشجر، و الحب هو جمع حبة، و النوى جمع نواة، و ذلك لا يقدر عليه إلا اللَّه تعالى القادر بنفسه، لان القادر بقدرة لا يقدر على شق ذلك الا بآلة، و لا يقدر على إنبات شيء و إخراج شيء منهما، فعلم انه من فعل ذلك هو اللَّه الذي لا يشبه شيئا من الأجسام، و لا يشبهه شيء، القادر على اختراع الأعيان بلا معاناة و لا مزاولة.
ثم أخبر أنه «يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ» لان اللَّه تعالى يخلق الحي من النطفة، و هي موات، و يخلق النطفة، و هي موات من الحي، و هو قول الحسن و قتادة و ابن زيد و غيرهم. و قال الضحاك و ابن عباس: معنى «فالِقُ الْحَبِّ
وَ النَّوى
خالقهما. و قال مجاهد و ابو مالك: هو الشق الذي في الحبة و النوى. و الاول أقوى الأقوال.
و قال قوم: أراد بإخراج الحي من الميت إخراج السنبل و هي حي من الحبِّ و هو ميت، و مخرج الحب الميت من السنبل الحي، و الشجر الحي من النوى الميت، و النوى الميت من الشجر الحي. و العرب تسمي الشجر ما دام غضا قائما بانه حي، فإذا يبس أو قطع من أصله او قلع سموه ميتا، ذهب اليه السدي و الطبري و الجبائي. و ما ذكرناه أولًا قول ابن عباس، و هو الأقوى، لأنه الحقيقة.
و ما ذكروه مجاز، و ان كان جائزا محتملا.
و قوله «ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ» معناه أن فاعل ذلك كله اللَّه تعالى فأنَّى وجوه الصد عن الحق أيها الجاهلون تصدون، و عن العذاب تصدفون، أفلا تتدبرون، فتعلمون أنه لا ينبغي أن يجعل لمن أنعم عليكم- فخلق الحب و النوى و اخرج من الحي الميت، و من الميت الحي، و من الحب الزرع و من النوى الشجر- شريك في عبادته ما لا يضر و لا ينفع و لا يسمع و لا يبصر.
و في الآية دلالة على بطلان قول من قال: إن اللَّه تعالى يحول بين العبد و بين ما دعاه اليه إذ يخلق فيه ما نهاه عنه، لأنه قال: فانَّى تؤفكون، و لو كان شيئا من ذلك لكان هو المؤفك لهم و الصارف. تعالى اللَّه عن ذلك علوا كبيرا.
و معنى قوله «فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ» اي تصرفون عقولكم، و هو قول الحسن و غيره و الافك هو الكذب.
فالِقُ الْإِصْباحِ وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)
آية بلا خلاف.
قرأ أهل الكوفة «جَعَلَ اللَّيْلَ» على الفعل. الباقون «جاعل» على الفاعل. من قرأ «جاعل» على وزن فاعل فلأن قبله اسم فاعل، و هو قوله:
«فالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوى ...» و «فالِقُ الْإِصْباحِ» فقرأ «و جاعل الليل» ليكون (فاعل) المعطوف على (فاعل) المعطوف عليه، فيكون متشاكلًا، لان من حكم الاسم ان يعطف على اسم مثله، لأنه به أشبه من الفعل بالاسم، و هذه المشاكلة مراعاة في كلام العرب، و مثله «فَرِيقاً هَدى وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ» (1)و قوله «يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمِينَ» (2)و قوله «وَ كُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَ كُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً» (3)نصبوا هذا كله ليكون القارئ بنصبها كالعاطف جملة من فعل و فاعل على جملة من فعل و فاعل، فكما أن الفعل أشبه من المبتدأ بالفعل، كذلك الاسم بالاسم أشبه من الفعل بالاسم، و يقوي ذلك قول الشاعر:
للبس عباءة و تقر عيني أحب الي من لبس الشفوف (4)
و من قرأ «و جعل» فلأن اسم الفاعل الذي قبله بمعنى الماضي، فلما كان (فاعل) بمعنى (فعل) في المعنى عطف عليه بالفعل لموافقته له في المعنى و يدلك على أنه بمنزلة (فعل) أنه نزل منزلته فيما عطف عليه، و هو قوله «وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ حُسْباناً» ألا ترى أنه لما كان المعنى (فعل) حمل المعطوف على ذلك فنصب الشمس و القمر على (فعل) لما كان فاعل كفعل. و يقوي ذلك قولهم: هذا معطي زيد درهما أمس، فالدرهم محمولا على (اعطى)، لان اسم الفاعل إذا كان لما مضى لم يعمل عمل الفعل، فإذا جعل (معطي) بمنزلة (أعطى) كذلك جعل (فالق) بمنزلة (فلق) لان اسم الفاعل لما مضى، فعطف على (فعل) لما كان بمنزلته، و لا يجوز حمل (جاعل) على الليل، لان اسم الفاعل إذا كان لما مضى لا يعمل عمل الفعل، و قد أجازه بعض الكوفيين.
معنى قوله «فالِقُ الْإِصْباحِ» أي شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل، و ذلك دال على القدرة العجيبة التي لا يقدر عليها غير اللَّه، و يحتمل أن يكون معناه خالقه على ما حكيناه عن الضحاك و ذكره الزجاج، و رفع «فالق» لأنه خبر عن اللَّه تعالى بعد خبر كأنه قال «إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوى فالق الإصباح.
و يحتمل أن يكون خبر ابتداء محذوف، فكأنه قال: هو فالق الإصباح.
و الإصباح مصدر أصبحنا إصباحاً، و المراد أصبح كل يوم، فهو في معنى الإصباح. و روي عن الحسن أنه قرأ «فالق الإصباح» بفتح الالف و ما قرأ به غيره. و معنى «وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً» أي تسكنون فيه و تتودعون فيه، و هو قول مجاهد و الضحاك و قتادة و ابن عباس و أكثر المفسرين. و روي عن ابن عباس أن معناه، خالق الليل و النهار. و قوله «وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ حُسْباناً» نصبهما عطفا على موضع الليل، لان موضعه النصب بأنه مفعول جاعل.
و اختلفوا في معناه، فقال ابن عباس و السدي و الربيع و قتادة، و مجاهد و الجبائي: إنهما يجريان في أفلاكهما بحساب، تقطع الشمس الفلك في سنة و يقطعه القمر في شهر قدره اللَّه تعالى به، فهو قوله «الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبانٍ» (1)و قوله: «وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» (2).
و قال قتادة معناه انه جعل الشمس و القمر ضياء. و الاول أجود لان اللَّه تعالى ذكر بمثل هذا من أياديه عند خلقه و عظيم سلطانه بفلقه الإصباح لهم و إخراج النبات و الغراس من الحب و النوى، و عقب ذلك بذكر خلق النجوم للاهتداء بها في البر و البحر، و كان وصفه اجراء الشمس و القمر بمنافعهم أشبه، و أنها تجري بحسبان ما يحتاج الخلق اليه في معايشهم و معاملاتهم: أما الشمس فللزرع و الحرث، و اما القمر فللمواعيد و آجال الديون في المعاملات، و فيها منافع لا يعرف تفصيلها الا اللَّه تعالى، لأنه قال «فالِقُ الْإِصْباحِ» ذكر
الضياء و لا معنى لتكريره دفعة ثانية. و الحسبان جمع حساب على وزن شهبان و شهاب. و قيل في هذا الموضع انه مصدر حسبت الحساب أحسبه حسابا.
و حكي عن بعض العرب على ذلك حسبان فلان و حسبته أي حسابه. و الحسبان- بكسر الحاء- جمع حسبانة، و هي وسادة صغيرة. و نصب حسبانا على تقدير بحسبان، فلما حذف الباء نصبه. و قال قوم: هو نصب لقوله «و جعل».
و قوله: «ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» أي هذا الذي وصفه بأنه فعله من فلقه الإصباح، و جعل الليل سكنا، و الشمس و القمر حسبانا، تقدير الذي عز سلطانه فلا يقدر أحد أراده بسوء او عقاب او انتقام على الامتناع منه، العليم بمصالح خلقه و تدبيرهم، لا تقدير الأصنام و الأوثان التي لا تسمع و لا تبصر و لا تفقه شيئا و لا تعقل.
وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97)
آية.
هذه الآية موصولة بالتي قبلها، و معناهما متقارب، و هو أن اللَّه تعالى عدد نعمه على خلقه و أن من جملتها أنه جعل لهم النجوم بمعنى خلقها ليهتدوا بها في أسفارهم في ظلمات البر و البحر، و أنه قد فصل آياته لقوم يعلمون.
و انما أضاف الآيات الى الذين يعلمون و ان كانت آيات لغيرهم، لأنهم المنتفعون بها، كما قال «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» و ليس في قوله انه خلقها ليهتدوا بها في ظلمات البر و البحر ما يدل على أنه لم يخلقها لغير ذلك. قال البلخي: بل يشهد أنه خلقها لأمور جليلة عظيمة. و من فكر في صغر الصغير منها و كبر الكبير، و اختلاف مواقعها و مجاريها و سيرها، و ظهور منافع الشمس و القمر في نشؤ الحيوان و النبات علم أن الامر كذلك. و لو لم يخلقها إلا للاهتداء لما كان
لخلقها صغارا و كبارا، و لاختلاف سيرها معنى. قال الحسين بن علي المغربي:
هذا من البلخي اشارة منه الى دلالتها على الأحكام.
وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)
آية بلا خلاف.
قرأ ابن كثير و أبو عمرو، و روح «فمستقر» بكسر القاف. الباقون بفتحها.
قال ابو علي النحوي: قال سيبويه: قالوا قرَّ في مكانه و استقر، كما قالوا: جلب و أجلب، يراد بهما شيء واحد، فكما بني هذا على (أفعلت) بني هذا على (استفعلت) فمن كسر القاف كان المستقر بمعنى القار، و الخبر مضمر، و تقديره منكم مستقر كقولك: بعضكم مسقر أي مستقر في الأرحام.
و قال «يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ» (1)كما قال «وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً» (2)و من فتح فليس على أنه مفعول، لان استقر لا يتعدى، و إذا لم يتعد لم يبن منه اسم مفعول، فإذا له يكن مفعولا كان اسم الفاعل مكانه، فالمستقر بمنزلة المقر كما أن المستقر بمعنى القار، و على هذا، لا يجوز أن يكون خبره المضمر (منكم) كما جاز في قول من كسر القاف، و إذا لم يجز ذلك جعلت الخبر المضمر (لكم) و تقديره: لكم مقر، و مستودع، فان استودع فعل يتعدى الى مفعولين تقول: استودعت زيدا ألفا و أودعت زيدا ألفا، فاستودع مثل أودع، و مثل استجاب و أجاب، فالمستودع يجوز ان يكون الإنسان الذي استودع ذلك المكان، و يجوز أن يكون المكان نفسه. فمن فتح القاف في (مستقر) جعل المستودع مكانا ليكون مثل المعطوف عليه أي فلكم مكان استقرار و مكان استيداع. و من كسر القاف، فالمعنى منكم
مستقر في الأرحام و منكم مستقر في الأصلاب، فالمستودع اسم المفعول به ليكون مثل المستقر في أنه اسم لغير المكان. قال الزجاج: و يحتمل ان يكون مستقرا في الدنيا موجودا و مستودعا في الأصلاب لم يخلق بعد. و يحتمل مستقر- بكسر القاف- في الأحياء، و منكم مستودع في الثرى. و رفع (مستقر و مستودع) على معنى فلكم مستقر و مستودع. و من كسر فمعناه فمنكم مستقر و منكم مستودع. و قال الفراء: تقديره ثم مستقر و مستودع.
و اختلف المفسرون في قوله «فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ» فقال عبد اللَّه بن مسعود:
المستقر ما في الرحم، و المستودع حيث يموت، و به قال ابراهيم و مجاهد.
و قال سعيد ابن جبير: مستودع ما كان في أصلاب الرجال، فإذا قروا في أرحام النساء و على ظهر الأرض و في بطونها، فقد استقروا به. و قال ابن عباس، و روي عن مجاهد- في رواية أخرى- المستقر الأرض، و المستودع عند ربك.
و روي عن ابن مسعود- في رواية- ان مستقرها في الآخرة و مستودعها في الصلب. و قال عكرمة: مستقر في الآخرة و مستودع في صلب لم يخلق سيخلق.
و به قال قتادة و الضحاك و السدي و ابن زيد. و قال الحسن: المستقر في القبر و المستودع في الدنيا.
و معنى الآية أن اللَّه تعالى هو الذي أنشأ الخلق ابتداء من نفس واحدة يعني آدم، منهم مستقر و مستودع، و إذا حمل على العموم، فانه يتناول كل أحد على تأويل من قال المستقر في القبر و المستودع في الحشر، و على تأويل من قال المستودع من كان في الأصلاب و المستقر من كان في الأرحام، لان كل الخلائق داخلون فيه، فالأولى حمل الآية على عمومها و هو اختيار الطبري.
و قوله «قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ» معناه قد بينا الحجج و ميزنا الآيات و الادلة و الاعلام، و أحكمناها لقوم يفقهون مواقع الحجج و مواضع العبر، و يعرفون الآيات و الذكر، و هو قول قتادة و المفسرين.
وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَ مِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَ جَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَ الزَّيْتُونَ وَ الرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَ غَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَ يَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)
آية.
روى الأعشى و البرجمي «و جنات» بالرفع. الباقون «جنات» على النصب. و قرأ حمزة و الكسائي و خلف «ثمره» و «كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ» و في (يس) «لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ» بضم الثاء و الميم فيهن. الباقون بفتحها. من كسر التاء فلأنها تاء جمع المؤنث في موضع النصب عطفا على قوله «فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ» فأخرجنا به «جنات» و من رفع عطفها على القنوان في الاعراب و إن لم يكن من جنسها، كما قال الشاعر:
و رأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا و رمحا (1)
أي و حاملا رمحا. و من قرأ «ثمره» بالفتح فيهما فوجهه ان سيبويه يرى ان الثمر جمع ثمرة مثل بقرة و بقر و شجر و شجر و خرزة و خرز، و يقويه قوله ايضا «وَ مِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَ الْأَعْنابِ» (2)و قد كسِّر على (فعال) فقالوا: ثمار كما قالوا أكمة و اكام، و جذبة و جذاب و رقبة و رقاب. و من جمعها احتمل أمرين:
أحدهما- أن يكون جمع ثمرة على ثمر، مثل خشبة و خشب في قوله «كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ» (3)و اكمة و اكم في قول الشاعر:
ترى الاكم منه سجداً للحوافر (4)
و من المعتل ساحة و سوح، و قارة و قور، و لابة و لوب و ناقة و نوق.
و الثاني- أن يكون جمع ثمار على ثمر، فيكون ثمر جمع الجمع، و جمعوه على (فعل) كما جمعوه على (فعايل) في قولهم جمال و جمايل.
و معنى الآية أن الذي يستحق العبادة خالصة لا شريك له فيها سواه هو الذي أنزل من السماء ماء. و أصل الماء ماه إلا أن الهمزة أبدلت من الهاء بدلالة قولهم أمواه في الجمع و مويه في التصغير.
و قوله «فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ» معناه أخرج بالماء الذي أنزله من السماء من غذاء الانعام و البهائم و الطير و الوحش و أرزاق بني آدم و أقواتهم ما يتغذون به و يأكلونه فينبتون عليه و ينمون، و يكون معنى قوله «فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ» أخرجنا به ما ينبت كل شيء و ينمو عليه و يصلح. و يحتمل أن يكون المراد أخرجنا به جميع أنواع النبات فيكون كل شيء هو اصناف النبات. و الاول أحسن.
و قوله «فَأَخْرَجْنا بِهِ» يعني من الماء «خضرا» يعني أخضر رطبا من الزرع. و الخضر و الأخضر واحد يقال: خضرت الأرض خضرا و خضارة.
و الخضرة رطب البقول يقال: نخلة خضرة إذا كانت ترمي ببسرها أخضرا قبل ان ينضج، و قد اختضر الرجل و اغتضر إذا مات شابا مصححا، و يقال:
هو لك خضرا مضرا أي هنيئا مريئا.
و قوله «نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً» يعني يخرج من الخضر حبا يعني ما في السنبل من الحنطة و الشعير و الارز و غيرها من السنابل، لان حبها يركب بعضه بعضا.
و قوله «وَ مِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها» إنما خص الطلع بالذكر لما فيه من المنافع العجيبة و الاغذية الشريفة التي ليست في شيء من كمام الثمار.
قوله «قِنْوانٌ دانِيَةٌ» تقديره و من النخل من طلعها ما قنوانه دانية، و لذلك رفع القنوان. و القنوان جمع قنو، كصنوان و صنو، و هو العذب، يقال لواحدة قنو و قنو، و قني و يثنى قنوان على لفظ الجمع و قنيان و انما يميز بينهما
بإعراب النون، و يجمع قِنوان و قنوان و في الجمع القليل ثلاثة أقناء، فالقنوان لغة أهل الحجاز، و القنوان لغة قيس قال امرؤ القيس:
فأتت اعياله و آدت أصوله و مال بقنوان من البسر أحمر (1)
سواحق جبار أثيث فروعه و عالين قنوانا من البسر أحمرا
و قنيان و قنوان لغة تميم و قوله «دانية» معناه قريبة متهدلة، و هو قول ابن عباس و قتادة و السدي و الضحاك. و قال الجبائي دانية أي متدانية في حلوق النخل متكور بها.
و قوله «و جنات» يعني و أخرجنا به أيضا جنات من أعناب يعني بساتين من أعناب.
و قوله «وَ الزَّيْتُونَ وَ الرُّمَّانَ» عطف الزيتون على الجنات على تقدير و أخرجنا الزيتون و الرمان مشتبها و غير متشابه، قال قتادة متشابه ورقه مختلف ثمره. و يحتمل أن يكون المراد مشتبها في الخلق مختلفا في الطعم. و قال الجبائي مشتبها ما كان من جنس واحد، و غير متشابه إذا اختلف جنسه.
و المعنى و شجر الرمان و الزيتون، فاكتفى بذكر ثمره عن ذكر شجره، كما قال «وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ» فاكتفى بذكر القرية عن ذكر أهلها لدلالة الحال عليه.
و قوله «انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَ يَنْعِهِ» الثمر جمع ثمرة، و هو ما انعقد على الشجر يقال: ثمر الثمر إذا نضج و المراد إذا أطلع ثمره.
و قوله «و ينعه» قال بعضهم: إذا فتحت ياؤه فهو جمع يانع مثل صاحب و صحب و تاجر و تجر. و قال آخرون: هو مصدر قولهم ينع الثمر فهو ينع ينعا.
و يحكى في مصدره ثلاث لغات يَنُع و يَنْع و ينع، و كذلك نضج و نضج و نضج قال الشاعر:
في قباب حول دسكرة حولها الزيتون قد ينعا (2)
و سمع أيضا أينعت الثمرة تونع إيناعا فمعنى «و ينعه» نضجه و بلوغه حين يبلغ و في ينعه لغتان: فتح الياء و ضمها، فالفتح لغة اهل الحجاز و الضم لغة نجد. و قال ابن عباس و قتادة و السدي و الضحاك و الطبري و الزجاج و غيرهم: معنى و ينعه و نضجه.
و قوله «إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» يعني في انزال اللَّه الماء من السماء الذي أخرج به نبات كل شيء، و الخضر الذي أخرج منه الحب المتراكب و سائر ما عدد في الآية «لآيات» أي دلالات أيها الناس إذا نظرتم فيها أدّاكم الى التصديق بتوحيده و خلع الأنداد دونه، و أنه لا يستحق العبادة سواه، لان في ذلك بيانا و حججا و برهانا لقوم يؤمنون، فتصدقون بوحدانية اللَّه و قدرته على ما يشاء. و انما خصَّ المؤمنين بالذكر، لأنهم المنتفعون بذلك و المعتبرون به، كما قال «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» و في الآية دلالة على بطلان قول من يقول بالطبع، لان من الماء الواحد و التربة الواحدة يخرج اللَّه ثمارا مختلفة و أشجارا متباينة و لا يقدر على ذلك غير اللَّه تعالى.
وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَ خَلَقَهُمْ وَ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَ بَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (100)
آية بلا خلاف.
قرأ أهل المدينة «خرَّقوا» بتشديد الراء. الباقون بتخفيفها، قال أبو عبيدة «وَ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَ بَناتٍ» أي جعلوا له و أشركوه. يقال: خرق و اخترق و اختلق بمعنى، إذا افتعل و افترا و كذب، قال أحمد بن يحيى: خرَّق و اخترق، و قال ابو الحسن الخفيفة أحب إليَّ، لأنها أكثر.
و قيل ان المعنى المشركين ادعوا أن الملائكة بنات اللَّه، و النصارى المسيح ابن اللَّه و اليهود عزير ابن اللَّه و من شدد كأنه ذهب الى التكثير.
أخبر اللَّه تعالى أن هؤلاء الكفار العادلين عن الحق المتخذين معه آلهة جعلوا له أندادا و شركاء الجن، كما قال «وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً» (1)و قال «وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً» (2)و قال «وَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ» (3)و وصفهم بالجن لخفائهم عن الأبصار و قوله «وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ» أراد به الكفار الذين جعلوا الملائكة بنات اللَّه و النصارى الذين جعلوا المسيح ابن اللَّه، و اليهود الذين جعلوا عزيراً ابن اللَّه، و لذلك قال «وَ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَ بَناتٍ» ففصل أقوالهم.
و قيل ان معنى «شُرَكاءَ الْجِنَّ» في استعاذتهم بهم.
و قيل ان المعنى ان المجوس تنسب الشرَّ الى إبليس و تجعله بذلك شريكا.
و الهاء و الميم في قوله «و خلقهم» يحتمل أن تكون عائدة الى الكفار الذين جعلوا للَّه الجن شركاء. و يحتمل أن تكون عائدة على الجن، و يكون المعنى «وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ» و اللَّه خلق الجن فكيف يكونون شركاء له.
و في نصب الجن وجهان أحدهما- ان يكون تفسيرا للشركاء و بدلا منه.
و الآخر- ان يكون مفعولا به و معناه و جعلوا للَّه الجن شركاء و هو خالقهم.
و روي عن يحيى بن يعمر انه قرأ «و خلقهم» بسكون اللام بمعنى أن الجن شركاء للَّه في خلقه إيانا، و هذه القراءة ضعيفة. و القراءة المعروفة أجود، لان المعنى و خلقهم بمعنى أن اللَّه خلقهم متفردا بخلقه إياهم.
و قوله «وَ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَ بَناتٍ» معناه تخرصوا، و هو قول ابن عباس و مجاهد و قتادة و السدي و ابن زيد و غيرهم، فيتلخص الكلام أن هؤلاء الكفار جعلوا للَّه الجن شركاء في عبادتهم إياه مع انه المتفرد بخلقهم بغير شريك و لا معين
و لا ظهير «وَ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَ بَناتٍ» معناه تخرصوا له كذبا بنين و بنات «بِغَيْرِ عِلْمٍ» أي بغير حجة. و يحتمل أن يكون معناه بغير علم منهم بما عليهم عاجلًا و آجلا و يحتمل ان يكون معناه بغير علم منهم بما قالوه على حقيقة ما يقولون، لكن جهلا منهم باللَّه و بعظمته، لأنه لا ينبغي لمن كان إلها أن يكون له بنون و بنات و لا صاحبة و لا أن يشركه في خلقه شريك، ثم نزه نفسه تعالى و أمرنا بتنزيهه عما أضافوه اليه، و أنه يجلُّ عن ذلك و يتعالى عنه، فقال «سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يَصِفُونَ» من ادعائهم له شركاء و اختراقهم له بنين و بنات لان ذلك لا يليق بصفته و لا بوحدانيته.
بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)
آية بلا خلاف.
البديع هو المبدع و هي صفة معدولة عن (مفعل) الى (فعيل) و لذلك تعدى (فعيل) لأنه يعمل عمل ما عدل عنه، فإذا لم يكن معدولا للمبالغة لم يتعد نحو طويل و قصير، و ارتفع بديع، لأنه خبر ابتداء محذوف، و تقديره هو بديع السموات و الأرض. و يجوز ان يكون رفعا بالابتداء و خبره (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ).
و الفرق بين الابتداع و الاختراع فعل ما لم يسبق الى مثله، و الاختراع فعل ما لم يوجد سبب له، و لذلك يقال: البدعة و السنة، فالبدعة احداث ما لم يسبق اليه مما خالف السنة، و لا يوصف بالاختراع غير اللَّه، لان حد ما ابتدئ في غير محل القدرة عليه، و لا يقدر على ذلك الا القادر للنفس، لان القادر بقدرة اما ان يفعل مباشرا وحده ما ابتدئ في محل القدرة عليه او متولد وحده ما وقع بحسب غيره، و هو على ضربين: أحدهما تولده في محل القدرة عليه. و الآخر انه يتعداه بسبب هو الاعتماد لا غير، و لا يقدر غير
اللَّه على الاختراع أصلا. فاما الابتداع فقد يقع منه، لأنه قد يفعل فعلا لم يسبق اليه. و اما «بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» فلا يوصف به غير اللَّه لأنه خالقهما على غير مثال سبق.
و قوله «أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ» معناه و كيف يكون له ولد. و قيل: معناه من اين يكون له ولد؟ و لم تكن له صاحبة، فالولد هو الحيوان المتكون من حيوان، فعلى هذا آدم ليس بولد، لأنه لم يتكون عن والد، و المسيح (ع) ولد، لان مريم ولدته فهو متكون عنها، و ان لم يكن عن ذكر، و الصاحب هو القرين اللازم، و لذلك يقال: اصحاب الصحراء، و في القرآن اصحاب النار و أصحاب الجنة. و معناه المقارنون لها. و قد يكون المقارن لما هو من جنسه و ما ليس من جنسه، فيوصف بانه صاحب الا انه لا بد من مشاكلته و يقال: صاحب القرآن أي حافظه، و صاحب الدار مالكها.
و قوله: «وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ» يحتمل أمرين:
أحدهما- ان يكون أراد ب (خلق) قدر، فعلى هذا تكون الآية عامة، لأنه تعالى مقدر كل شيء.
و يحتمل ان يكون أحدث كل شيء، فعلى هذا يكون مخصوصا، لأنه لم يحدث أشياء كثيرة من مقدورات غيره، و ما هو معدوم لم يوجد على مذهب من يسميها أشياء. و كقديم آخر، لأنه يستحيل.
و قوله: «وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» عام، لان اللَّه تعالى يعلم الأشياء كلها قديمها و محدثها، موجودها و معدومها، لا تخفى عليه خافية.
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102)
آية بلا خلاف.
«ذلك» اشارة الى ما تقدم ذكره من وصف اللَّه بانه «بَدِيعُ السَّماواتِ
وَ الْأَرْضِ»
و غير ذلك من صفاته تعالى. و انما ادخل فيه الميم، لأنه خطاب لجميع الخلق. «اللَّهُ رَبُّكُمْ» صفة بعد صفة.
و قوله: «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» اخبار بانه لا معبود سواه تحق له العبادة.
و بين انه «خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ» من اصناف الخلق. و حذف اختصارا- في المبالغة- لقيام الدلالة على انه لا يدخل فيه ما لم يخلقه من اصناف الأشياء من المعدوم، و أفعال العباد و القبائح، و مثله في المبالغة قوله: «تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها» (1). و قوله: «وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» (2). ثم امر الخلق بعبادة من كان خالق الأشياء كلها، و المنعم على خلقه بما يستحق به العبادة:
من خلق الحياة و القدرة و الشهوة و البقاء، و غير ذلك. و اخبر انه تعالى «عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ» أي حافظ. و الوكيل على الشيء هو الحافظ الذي يحوطه و يدفع الضرر عنه. و انما وصف بانه وكيل مع انه مالك الأشياء، لأنه لما كانت منافعه لغيره لاستحالة المنافع عليه و المضار، صحة الصفة له من هذه الجهة بانه وكيل، و كان فيها تذكير بالنعمة مع كونه مالكا من جهة انه قادر عليه له ان يصرف أتم التصريف مما يريده بمنزلة ما يريده الوكيل في ان منافعه تعود على غيره، و لا يلزم على هذا ان يقال: هو وكيل على القبائح و الفواحش، لأنه يوهم انها عرض و انما تدخل في الجملة على طريق التبع، لأنه يجازي عليها بالعذاب المستحق بها.
و رفع «خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ» بانه خبر ابتداء محذوف كأنه قيل هو خالق كل شيء، لأنه تقدم ذكره فاستغني عن ذكره. و لا يجوز رفعه على ان خبره «فاعبدوه» لدخول الفاء. و كان يجوز نصبه على الحال لأنه نكرة اتصل بمعرفة بعد التمام.
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)
آية بلا خلاف.
في هذه الآية دلالة واضحة على انه تعالى لا يرى بالأبصار، لأنه تمدح بنفي الإدراك عن نفسه. و كلما كان نفيه مدحا غير متفضل به فاثباته لا يكون الا نقصا، و النقص لا يليق به تعالى. فإذا ثبت انه لا يجوز إدراكه، و لا رؤيته، و هذه الجملة تحتاج الى بيان أشياء:
أحدها- انه تعالى تمدح بالآية.
و الثاني- ان الإدراك هو الرؤية.
و الثالث- ان كلما كان نفيه مدحا لا يكون إثباته الا نقصا. و الذي يدل على تمدحه شيئان:
أحدهما- اجماع الامة، فانه لا خلاف بينهم في انه تعالى تمدح بهذه الآية، فقولنا: تمدح بنفي الإدراك عن نفسه لاستحالته عليه. و قال المخالف:
تمدح لأنه قادر على منع الأبصار من رؤيته، فالإجماع حاصل على ان فيها مدحة.
و الثاني- ان جميع الأوصاف التي وصف بها نفسه قبل هذه الآية و بعدها مدحة، فلا يجوز ان يتخلل ذلك ما ليس بمدحة. و الذي يدل على ان الإدراك يفيد الرؤية ان اهل اللغة لا يفرقون بين قولهم: أدركت ببصري شخصا، و آنست، و أحسست ببصري. و انه يراد بذلك اجمع الرؤية. فلو جاز الخلاف في الإدراك، لجاز الخلاف فيما عداها من الأقسام.
فاما الإدراك في اللغة، فقد يكون بمعنى اللحوق، كقولهم: ادراك قتادة الحسن. و يكون بمعنى النضج، كقولهم أدركت الثمرة، و أدركت القدر، و أدرك الغلام إذا بلغ حال الرجال. و أيضا فان الإدراك إذا أضيف
الى واحد من الحواس أفاد ما تلك الحاسة آلة فيه ألا ترى انهم يقولون:
أدركته بأدني يريدون سمعته، و أدركته بانفي يريدون شممته و أدركته بفمي يريدون ذقته. و كذلك إذا قالوا: أدركته ببصري يريدون رأيته. و اما قولهم أدركت حرارة الميل ببصري فغير معروف و لا مسموع، و مع هذا ليس بمطلق بل هو مقيد، لان قولهم حرارة الميل تقييد لان الحرارة تدرك بكل محل فيه حياة، و لو قال أدركت الميل ببصري لما استفيد به الا الرؤية. و قولهم ان الإدراك هو الاحاطة باطل، لأنه لو كان كذلك لقالوا: أدرك الجراب بالدقيق و أدرك الحب بالماء و أدرك السور بالمدينة لاحاطة جميع ذلك بما فيه، و الامر بخلاف ذلك. و قوله «حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ» (1)فليس المراد به الاحاطة بل المعنى حتى إذا لحقه الغرق، كما يقولون أدركت فلانا إذا لحقته، و مثله «فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ» (2)أي لملحقون، و الذي يدل على أن المدح إذا كان متعلقا بنفي فاثباته لا يكون الا نقصا، قوله «لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ» (3)و قوله «مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ» (4)لما كان مدحا متعلقا بنفي فلو ثبت في حال لكان نقصا.
فان قيل كيف يتمدح بنفي الرؤية و مع هذا يشاركه فيها ما ليس بممدوح من المعدومات و الضمائر؟
قلنا: انما كان ذلك مدحا بشرط كونه مدركا للأبصار و بذلك يميز من جميع الموجودات لأنه ليس في الموجودات ما يدرك و لا يدرك.
فان قيل: و لم إذا كان يدرك و لا يدرك يجب ان يكون ممدوحا؟؟
قلنا: قد ثبت ان الآية مدحة بما دللنا عليه، و لا بد فيها من وجه مدحة فلا يخلو من أحد وجهين: اما أن يكون وجه المدحة أنه يستحيل رؤيته مع كونه رائيا أو ما قالوه من أنه يقدر على منع الأبصار من رؤيته بأن لا يفعل
فيها الإدراك، و ما قالوه باطل لقيام الدلالة على أن الإدراك ليس بمعنى الاحاطة، فإذا بطل ذلك لم يبق الا ما قلناه، و الا خرجت الآية من كونها مدحة.
و قد قيل: ان وجه المدحة في ذلك أن من حق المرئي أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل و ذلك يدل على مدحته، و هذا دليل من أصل المسألة لا يمكن ان يكون جوابا في الآية.
فان قيل: انه تعالى نفى أن تكون الأبصار تدركه فمن أين ان المبصرين لا يدركونه؟
قلنا: الأبصار لا تدرك شيئا البتة فلا اختصاص لها به دون غيره، و أيضا فان العادة ان يضاف الإدراك الى الأبصار و يراد به ذووا الأبصار، كما يقولون: بطشت يدي و سمعت أذني و تكلم لساني و يراد به أجمع ذووا الجارحة فان قيل: انه تعالى نفى أن جميع المبصرين لا يدركونه، فمن أين أن البعض لا يدركونه و هم المؤمنون؟
قلنا: إذا كان تمدحه في استحالة الرؤية عليه لما قدمناه فلا اختصاص لذلك براء دون رائي، و لك ان تستدل بأن تقول: هو تعالى نفى الإدراك عن نفسه نفيا عاما كما أنه أثبت لنفسه ذلك عاما فلو جاز ان يخص ذلك بوقت دون وقت لجاز مثله في كونه مدركا. و إذا ثبت نفي إدراكه على كل حال فكل من قال بذلك قال الرؤية مستحيلة عليه. و من أجاز الرؤية لم ينفها نفيا عاما فالقول بنفيها عموما مع جواز الرؤية عليه قول خارج عن الإجماع. فان عورضت هذه الآية بقوله «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ» (1)فانا نبين انه لا تعارض بينهما و انه ليس في هذه الآية ما يدل على جواز الرؤية إذا انتهينا اليها ان شاء اللَّه.
و قوله «وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» قيل في معنى «اللطيف» قولان:
أحدهما- أنه اللاطف لعباده بسبوغ الانعام، غير انه عدل من وزن
1) سورة 75 القيامة آية 23
(فاعل) الى (فعيل) للمبالغة.
الثاني- أنه لطيف التدبير، و حذف لدلالة الكلام عليه.
و الخبير هو العالم بالأشياء المتبين لها، و ما ذكرناه من أن معنى الآية نفي الرؤية عن نفسه على كل حال قول جماعة منهم عائشة، روى مسروق عن عائشة انها قالت: من حدثك أن رسول اللَّه رأى ربه فقد كذب «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ» و «ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ» (1)و لكن رأى جبرائيل في صورته مرتين. و في رواية أخرى أن مسروقا لما قال لها: هل رأى محمد ربه؟ قالت: سبحان اللَّه، لقد وقف شعري مما قلت، ثم قرأت الآية. و قال الشعبي قالت عائشة من قال: ان أحدا رأى ربه فقد أعظم الفرية على اللَّه، و قرأت الآية، و هو قول السدي و جماعة أهل العدل من المفسرين كالحسن و البلخي و الجبائي و الرماني و غيرهم. و قال أهل الحشو و المجبرة بجواز الرؤية على اللَّه تعالى في الآخرة و تأولوا الآية على الاحاطة و قد بينا فساد ذلك.
قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104)
آية بلا خلاف.
البصائر جمع بصيرة و هي الدلالة التي توجب العلم الذي يبصر به نفس الشيء على ما هو به و المراد هاهنا قد جاءكم القرآن الذي فيه الحجج و البراهين، قال الشاعر:
جاءوا بصائرهم على أكتافهم و بصيرتي يعدو بها عتد و أي(2)
و نعني بالبصيرة الحجة البينة الظاهرة. و أما الإبصار فهو الإدراك و لذلك يوصف تعالى بأنه مبصر كما يوصف بأنه مدرك و يسمى بأنه بصير، لأنه يجب أن يدرك المبصرات إذا وجدت و انما وصفت الدلالة بأنها جائية و ان كان لا يجوز أن يقال جاءت الحركة، و لا جاء السكون و لا الاعتماد، و غير ذلك من الاعراض لتفخيم شأن الدلالة حيث كانت بمنزلة الغائب المتوقع حضوره للنفس كما يقال جاءت العافية و انصرف المرض و أقبل السعد و أدبر النحس.
و قوله «فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ» يعني من تبين بهذه الحجج بأن نظر فيها حتى أوجبت له العلم و تبين بها، فمنفعة ذلك تعود عليه و لنفسه بما نظر. و من عمي فلم ينظر فيها و صدف عنها حتى جهل فعلى نفسه لان عقاب تفريطه لازم له و حال به، فسمي العلم و التبيين إبصارا مجازاً، و سمي الجهل عمى توسعا.
و في ذلك دلالة على ان الخلق غير مجبرين بل هم مخيرون في أفعالهم.
ثم خاطب اللَّه تعالى نبيه (ص) و أمره بأن يقول لهم «وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ» يعني برقيب على أعمال العباد حتى يجازيهم بها،- في قول الحسن- بل هو شهيد عليهم، لأنه يرجع الى الحال الظاهرة التي تقع عليها المشاهدة. قال الزجاج: هذا قبل أن يؤمر بالقتال. ثم أمر أن يمنعهم بالسيف عن عبادة الأوثان.
و هذه الآية فيها أمر من اللَّه لنبيه أن يقول لهؤلاء الكفار: قد جاءكم حجج من اللَّه و هو ما ذكره في قوله «فالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوى (1)الى ها هنا. و ما يبصرون به الهدى من الضلال، فمن نظر و علم فلنفسه نفع، و من جهل و عمي فلنفسه ضر. و لست أمنعكم منه و لا أحول بينكم و ما تحتاجون، و هو قول قتادة و ابن زيد.
وَ كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَ لِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَ لِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)
آية بلا خلاف.
1) آية 95 من هذه السورة.
قرأ ابن كثير و ابو عمرو (دارست) بألف و فتح التاء. الباقون بلا الف «درست» بفتح التاء، الا ابن عامر فانه قرأ «درست» بسكون التاء و فتح السين بمعنى (انمحت) و ذكر الأخفش (درست) و هو أشد مبالغة في الامحاء و قيل (درست) على ما لم يسم فاعله. و المعاني متقاربة غير ان هذين لم يقرأ بهما أحد من المعروفين. و في قراءة عبد اللَّه (درس) أي ليقولوا درس محمد.
قال أبو زيد: درست أدرس دراسة و هي القراءة. و انما يقال ذلك إذا قرأت على غيرك. قال الاصمعي أنشدني ابن ميادة:
يكفيك من بعض ازديار الآفاق سمراء مما درس ابن مخراق (1)
يقال درس يدرس مثل داس يدوس. قال: و قال بعضهم: سمراء ناقته، و درسها رياضها قال و درس السورة من هذا أي يدرسها لتخف على لسانه، و الدريس الثوب الخلق، و أصل الدرس استمرار التلاوة. و قال ابو علي النحوي: من قرأ «دارست» معناه أهل الكتاب و ذاكرتهم، قال و قد يحذف الالف في مثل هذا في المصحف. قال و يقوي ذلك قوله «وَ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا» (2)و قالوا «إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَ أَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ» (3)و من قرأ (درست) قال لان أبيَّا و ابن مسعود قرءا به فاسندا الفعل فيه الى الغيبة كما أسند الى الخطاب و معناه درست فتعلمت من أهل الكتاب. و قال المغربي: درست معناه علمت كما قال «وَ دَرَسُوا ما فِيهِ» (4)أي علموه فعلى هذا يكون اللام لام الغرض، كأنه قال فعلنا ذلك ليقولوا علمت. و وجه قراءة ابن عامر انه ذهب الى الدرس الذي هو تعفية الأثر و إمحاء الرسم. و اللام من قوله «وَ لِيَقُولُوا دَرَسْتَ» على ضربين:
من قال (درست) بلا الف، فالمعنى لكراهة أن يقولوا أو لئلا يقولوا:
درست، كما قال «يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا» (5)و معناه لئلا تضلوا و كراهة
ان تضلوا، و المعنى اني فصلت الآيات و أحكمتها لئلا يقولوا: انها أخبار قد تقدمت و طال العهد بها و باد من كان يعرفها، كما قالوا «أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» (1)لان تلك الاخبار لا تخلو من خلل فإذا سلم الكتاب منه لم يكن لطاعن موضع طعن.
و الثاني- ليقولوا (درست) ذلك بحضرتنا أي ليقروا بورود الآية عليهم فتقوم الحجة عليهم.
و قال الزجاج: اللام لام العاقبة و من قرأ (دارست) فاللام على قوله كالتي في قوله «لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً» (2)و لم يلتقطوه لذلك لكن كان عاقبته كذلك كما أنه تعالى لم يفصل الآيات ليقولوا دارست و درست. لكن لما قالوا ذلك أطلق ذلك عليه اتساعا.
و موضع الكاف في و كذلك نصب، لان المعنى نصرف الآيات في غير هذه السورة مثل التصريف في هذه السورة، فهو في موضع صفة المصدر كأنه قال تصريفا مثل هذا التصريف. قال الرماني: و التصريف اجراء المعنى الدائر في المعاني المتعاقبة ليجتمع فيه وجوه الفائدة.
و قال الحسن و مجاهد و السدي و ابن عباس و سعيد بن جبير (دارست) أي ذاكرت أهل الكتابين و قارأتهم، و قوله «وَ لِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» معناه لنبين الذي هذه الآيات دالة عليه لقوم يعلمون ما نورده عليهم من هذه الآيات، و يعقلون ذلك و هم الذين يلزمهم الاستدلال بذلك على اللَّه و على صحة دينه.
و قال قوم «لِيَقُولُوا دَرَسْتَ» معناه التهديد كما يقول القائل: قل لفلان: يوفينا حقنا و ليصنع ما شاء، و قل للناس الحق و ليقولوا ما شاءوا أي ذلك لا يضرك، و لان ضرره يعود عليهم من العقاب و الذم.
اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106)
آية بلا خلاف.
أمر اللَّه تعالى نبيه (ص) أن يتبع ما أوحي اليه من ربه، و الاتباع هو أن ينصرف الثاني بتصريف الاول، و النبي (ص) كان يتصرف في الدين بتصريف الوحي فذلك كان متبعا، و كذلك كل متدبر بتدبير غيره فهو متبع له و الإيحاء هو إلقاء المعنى الى النفس من جهة يخفى، و انما أعاد قول «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» لان المعنى ادعهم الى انه لا اله الا هو، فعلى هذا ليس بتكرار، هذا قول الحسن. و قال الجبائي: لأنه بمعنى الزمه وحده. و قال غيره: لان معناه اتبع ما أوحي اليك من أنه لا اله الا هو.
و قوله «وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ» أمر للنبي (ص) بالاعراض عن المشركين، و لا ينافي ذلك أمره إياه بدعائهم الى الحق و قتالهم على مخالفتهم لامرين:
أحدهما- أنه أمره بالاعراض عنهم على وجه الاستجهال لهم فيما اعتقدوه من الاشراك بربهم.
الثاني- قال ابن عباس: نسخ ذلك بقوله «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ» (1)و أصل الاعراض هو الانصراف بالوجه الى جهة العرض. و العرض خلاف الطول، و منه (و أعرضت اليمامة). أي ظهرت كالظهور بالعرض و منه العارضة لظهور المساواة بها كالظهور بالعرض، و الاعتراض المنع من الشيء بحاجز عنه عرضا و منه العرض الذي يظهر كالظهور بالعرض ثم لا يلبث. وحَّد أيضا بانه ما يظهر في الوجود و لا يكون له لبث كلبث الجواهر.
1) سورة 9 التوبة آية 6
وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَ ما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107)
آية.
ان قيل: كيف قال تعالى «وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا» و المشيئة لا تتعلق الا بفعل يصح حدوثه، و لا تتعلق بأن لا يكون الشيء؟! قلنا: التقدير لو شاء اللَّه ان يكونوا على غير الشرك قسرا ما أشركوا فمتعلق المشيئة محذوف، فمراد هذه المشيئة حالهم التي تنافى الشرك قسرا بالاقتطاع عن الشرك عجزا او منعا أو الجاء. و انما لا يشاء اللَّه هذه الحال لأنها تنافي التكليف. و انما لم يمنع العاصي من المعصية لأنه انما اتى بها من قبل نفسه، و اللَّه تعالى فعل به جميع ما فعل بالمطيع من ازاحة العلة، فإذا لم يطع و عصى كانت الحجة عليه. و ربَّما كان في بقائه لطف للمؤمن فيجب تبقيته و ليس لاحد ان يقول الآية دالة على انه تعالى لم يرد هدايتهم لأنه لو أراد ذلك لاهتدوا، و ذلك أنه لو لم يرد أن يهتدوا لم يكونوا عصاة بمخالفة الاهتداء، لان العاصي هو الذي خالف ما أريد منه و لما صح أمرهم أيضا بالاهتداء.
و الفرق بين الحفيظ و الوكيل هو أن الحفيظ يحفظهم من أن يزلوا بمنعه لهم، و الوكيل القيم بأمورهم في مصالحهم لدينهم أو دنياهم حتى يلطف لهم في تناول ما يجب عليهم، فليس بحفيظ في ذاك و لا وكيل في هذا، فذلك قال تعالى: انه لم يجعل نبيه حفيظا و لا جعله وكيلا عليهم، بل اللَّه تعالى هو الرقيب الحافظ عليهم و المتكفل بأرزاقهم. و انما النبي (ص) مبلغ منذر و مخوف. و قيل: ان ذلك كان بمكة قبل أن يؤمر بالقتال.
وَ لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (108)
آية بلا خلاف.
قرأ الحسن و يعقوب «عدوا» بضم العين و الدال و تشديد الواو. و الباقون بفتح العين و بسكون الدال. و أصل ذلك من العدوان. و «عدوا» مخففا و «عدوّا» لغتان، يقال عدا علي عدوا و عدوانا و عداء إذا ظلم مثل ضرب ضربا. و عدا فلان على فلان أي ظلمه. و الاعتداء افتعال من عدا.
نهى اللَّه تعالى المؤمنين أن يسبوا الذين يدعون من دون اللَّه. و السب الذكر بالقبيح و مثله الشتم و الذم و هو الطعن فيه بمعنى قبيح، كما يطعن فيه بالسنان، و أصله السبب، فهو تسبب الى ذكره بالعيب.
و المعنى في الآية لا تخرجوا في مجادلتهم و دعائهم الى الايمان و محاجتهم الى ان تسبوا ما يعبدونه من دون اللَّه، فان ذلك ليس من الحجاج في شيء، و هو أيضا يدعوهم الى أن يعارضوكم و يسبوا اللَّه بجهلهم و حميتهم، فأنتم اليوم غير قادرين على معاقبتهم بما يستحقون، و هم أيضا لا يتقونكم، لان الدار دارهم و لم يؤذن لكم في القتال.
و كان سبب نزول الاية- في قول الحسن- أن المسلمين كانوا يسبون آلهة المشركين من الأوثان، فإذا سبوها يسب المشركون اللَّه تعالى، فأنزل اللَّه تعالى الاية. و قال أبو جهل: و اللَّه يا محمد لتتركوا سب آلهتنا أو لنسبن إلهك الذي بعثك، فنزلت الآية. و في ذلك دلالة على ان المحَّق يلزمه الكف عن سب السفهاء الذين يسرعون الى سبه مقابلة له، لأنه بمنزلة البعث على المعصية و المفسدة فيها. و انما قال «يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» بمعنى يعبدون،
لان معناه يدعونه إلهاً فلما قال «مِنْ دُونِ اللَّهِ» و هو من صفة الكفار دلَّ على هذا المعنى فحذف اختصارا. و انما قال «مِنْ دُونِ اللَّهِ» مع انهم كانوا يشركون في العبادة بين اللَّه و بين الأصنام لامرين:
أحدهما- ان ما وجهوه من العبادة الى الأوثان انما هو عبادة لها لا للَّه، و ليس كالتوجه الى القبلة عبادة للَّه.
و الثاني- أن ذلك غير معتد به، لأنهم أوقعوا العبادة على خلاف الوجه المأمور به فما أطاعوا اللَّه بحال.
و قوله «كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ» قيل في معناه أربعة أقوال:
أحدها- قال الحسن و الجبائي و الطبري و الرماني: انا كما أمرناكم بحسن الدعاء الى اللَّه تعالى و تزيين الحق في قلوب المدعوين كذلك زينا للأمم المتقدمين أعمالهم التي أمرناهم بها و دعوناهم اليها بأن رغبناهم في الثواب، و حذرناهم من العقاب و يسمى ما يجب على الإنسان أن يعمله بأنه عمله كما يقول القائل لولده أو غلامه: اعمل عملك يريد به ما ينبغي له أن يفعله، لان ما وجد و تقضى لا يصح الامر بأن يفعله.
الثاني- زينا الحجة الداعية اليها و الشبهة التي من كمال العقل ان يكون المكلف عليها، لأنه متى لم يفعل معنى الشبهة لم يكن عاقلا.
الثالث- التزيين المراد به ميل الطبع الى الشيء فهو الى الحسن ليفعل و الى القبيح ليجتنب.
و الرابع- ذكره البلخي أيضا، و هو أن المعنى ان اللَّه زين لكل أمة عملهم من تعظيم من خلقهم و رزقهم و أنعم عليهم، و المحاماة عنه و عداوة من عاداه طاعة له، فلما كان المشركون يظنون شركاءهم هم الذين يفعلون ذلك أو أنهم يقربونهم الى اللَّه زلفى، حاموا عنهم و تعصبوا لهم و عارضوا من شتمهم بشتم من يعز عليهم، فهم لم يعدوا فيما صنعوا ما زينه اللَّه لهم في الجملة، لكن غلطوا فقصدوا بذلك من لم يجب ان يقصدوه فكفروا و ضلوا.
و قوله «عدوا» نصب على المصدر، و قرئ «عدوا» و المعنى جماعة يعني أعداء و على هذا يكون نصبا على الحال.
وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَ ما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109)
آية.
قرأ ابن كثير و أبو عمرو و يعقوب و أبو بكر الا يحيى و نصير و خلف «و ما يشعركم انها» بكسر الهمزة. الباقون بفتحها.
و قرأ ابن عامر و حمزة «لا تؤمنون» بالتاء. الباقون بالياء.
و (ما) في قوله «وَ ما يُشْعِرُكُمْ» استفهام و فاعل (يشعركم) ضمير (ما) و لا يجوز ان يكون نفيا، لان الفعل فيه يبقى بلا فاعل، و لا يجوز ان يكون نصبا و يكون الفاعل ضمير اسم اللَّه، لان التقدير يصير، و ما يشعركم اللَّه انتفاء ايمانهم، و هذا ليس بصحيح، لان اللَّه قد أعلمنا أنهم لا يؤمنون بقوله «وَ لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ ..» آية (111) فالمعنى و ما يدريكم ايمانهم إذا جاءت الآيات، فحذف المفعول، و تقديره و ما يدريكم ايمانهم إذا جاءت أي هم لا يؤمنون مع مجيء الآية. و من كسر الالف فلانه استئناف على القطع بأنهم لا يؤمنون، و لو فتحت ب «يشعركم» كان عدوا لهم، و يجوز فتحها على وجهين:
الاول قال الخليل: بمعنى لعلها إذا جاءت لا يؤمنون، كما يقول القائل: ائت السوق انك تشتري لنا شيئا معناه لعلك، قال عدي بن زيد:
أعاذل ما يدريك ان منيتي الى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد (1)
و قال دريد بن الصمة:
1) جمهرة اشعار العرب 103 و اللسان (أنن) و تفسير الطبري 12/ 41 [.....]
ذريني أطوف في البلاد لانني أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا (1)
و قال آخر:
هل أنتم عائجون بنا لأنا نرى العرصات أو أثر الخيام (2)
و قال الفراء: انهم يقولون: لعلك، و لعنك، و رعنك، و علك، و رأنك، و لأنك بمعنى واحد. و قال ابو النجم:
قلت لشيبان ادن من لقائه انا نغدى اليوم من شوائه (3)
الثاني- قال الفراء (لا)- هاهنا- صلة كقوله «ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ» (4)و التقدير و ما يشعركم انها إذا جاءت يؤمنون، و المعنى على هذا لو جاءت لم يؤمنوا و مثل زيادة (لا) قول الشاعر:
أبا جوده لا النجل و استعجلت به نعم من فتى لا يمنع الجود فاعله
بنصب النجل و جره، فمن نصب جعلها زيادة، و تقديره أبا جوده النجل و من جره أضاف (لا) الى (النجل) و مثله قوله تعالى «وَ حَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ» (5)و هو يحتمل أمرين:
أحدهما- ان تكون (لا) زائدة و (ان) في موضع رفع بأنه خبر المبتدإ الذي هو (حرام) و تقديره و حرام على قرية مهلكة رجوعهم، كما قال «فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ» (6).
و الثاني- أن تكون (لا) غير زائدة بل تكون متصلة بأهلكناها، و التقدير بأنهم لا يرجعون أي أهلكناهم بالاستئصال، لأنهم لا يرجعون الى أهليهم
للاستئصال الواقع بهم. و خبر الابتداء محذوف و تقديره حرام على قرية أهلكناها بالاستئصال بقاؤهم أو حياتهم و نحو ذلك.
من قرأ (يؤمنون) بالياء فلان قوله «و أقسموا» انما يراد به قوم مخصوصون بدلالة «وَ لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ ..» الآية (111)، و ليس كل الناس بهذا الوصف، فالمعنى و ما يشعركم ايها المؤمنون لعلهم إذا جاءت الآيات التي اقترحوها لم يؤمنوا.
و من قرأ بالتاء فانه انصرف من الغيبة الى الخطاب، و يكون المراد بالمخاطبين في «يؤمنون» هم القوم المقسمون الذين أخبر اللَّه عنهم أنهم لا يؤمنون، و مثله قوله «الْحَمْدُ لِلَّهِ» ثم قال «إِيَّاكَ نَعْبُدُ» و نحو ذلك مما ينصرف فيه الى خطاب بعد الغيبة.
و قوله «جَهْدَ أَيْمانِهِمْ» أي اجتهدوا في اليمين و بالغوا فيه. و الآية التي سألوا النبي (ص) إظهارها قيل فيها قولان:
أحدهما- انهم سألوا تحول الصفا ذهبا.
الثاني- ما ذكره في موضع آخر من قوله «لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً» الى قوله «كِتاباً نَقْرَؤُهُ» (1)و المعنى ان هؤلاء الكفار أقسموا متحكمين على النبي (ص) و بالغوا في أيمانهم أنهم إذا جاءتهم الآية التي اقترحوها ليؤمنن بها أي عندها، فأمر اللَّه نبيه (ص) ان يقول لهم: إنما الآيات عند اللَّه.
فان قيل: كيف قال «الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ» و ذلك معلوم؟! قيل: معناه من أجل أن الآيات عند اللَّه، ليس لكم أن تتحكموا في طلبها، لأنه لا يجوز أن يتخلف عنكم و لا عن غيركم ما فيه المصلحة في الدين لأنه تعالى لا يخل بذلك.
قوله «وَ ما يُشْعِرُكُمْ» فيه تنبيه على موضع الحجة عليهم من أنه ليس
1) سورة 17 الإسراء آية 90- 94.
لهم ان يدعوا ما لا سبيل لهم الى علمه. و قال مجاهد و ابن زيد: الخطاب متوجه الى المشركين و قال الفراء و غيره: هو متوجه الى المؤمنين، لأنهم قالوا ظنا منهم أنهم لو أجيبوا الى الآيات لآمنوا.
وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ نَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110)
آية بلا خلاف.
أخبر اللَّه تعالى أنه يقلب اللَّه أفئدة هؤلاء الكفار و أبصارهم عقوبة لهم و في كيفية تقليبها قيل قولان:
قال ابو علي الجبائي: انه يقلبها في جهنم على لهب النار و حر الجمر، و جمع بين صفتهم في الدنيا و صفتهم في الآخرة، كما قال «هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً» (1)لان قوله «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ» يعني في الآخرة، و «عامِلَةٌ ناصِبَةٌ» في الدنيا.
الثاني- انه يقلبها بالحسرة التي تغم و تزعج النفس. و قوله «كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ» قيل فيه قولان:
أحدهما- أول مرة أنزلت الآيات، فهم لا يؤمنون ثاني مرة بما طلبوا من الآيات كما لم يؤمنوا أول مرة بما أنزل من الآيات، و هو قول ابن عباس و ابن زيد و مجاهد.
الثاني- روي أيضا عن ابن عباس يعني أول مرة في الدنيا و كذلك لو أعيدوا ثانية، كما قال تعالى «وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ» (2)و الكاف في قوله «كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ» قيل فيه قولان:
أحدهما- انها دخلت على محذوف كأنه قيل: فلا يؤمنون به ثاني مرة كما لم يؤمنوا به أول مرة.
و الثاني- انها دخلت على معنى الجزاء كما قال «وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها» (1).
و الهاء في قوله «به» يحتمل ان تكون عائدة على القرآن و ما أنزل من الآيات. و يحتمل أن تكون عائدة على النبي (ص). و قال بعضهم: انها عائدة على التقليب، لأنه الحائل بينهم و بين الايمان.
و هذا خطأ لأنه لو حيل بينهم و بين الايمان لما كانوا مأمورين به، و لان تقليب الأبصار لا يمنع من الايمان كما لا يمنع الأعمى عماه من الايمان.
و قوله «وَ نَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ» لا يدل على أنه تركهم فيه ليطغوا لأنه انما أراد انه خلى بينهم و بين اختيارهم و ان لم يرد منهم الطغيان، كما ان الائمة و الصالحين إذا خلوا بين اليهود و النصارى في دخولهم كنائسهم لا يدل على انهم خلوهم ليكفروا.
و قال الحسين بن علي المغربي قوله «وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ» معناه إنا نحيط علما بذات الصدور، و خائنة الأعين- و هو حشو بين الجملتين- و هو ان يختبر قلوبهم فيجد باطنها بخلاف الظاهر.
وَ لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَ حَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)
آية بلا خلاف.
قرأ ابن عامر و نافع و ابو جعفر «قبلا» بكسر القاف و فتح الباء.
الباقون بضمها، قال أبو زيد: يقال لقيت فلانا قُبُلا و قبَلا و قَبُلا و قبيلا و مقابلة كله بمعنى المواجهة فعلى هذا المعنى واحد في اختلاف القراءات.
1) سورة 42 الشورى آية 40
و قال أبو عبيدة «قِبَلا» أي معاينة، فعلى هذا من كسر القاف و فتح الباء أراد معناه عيانا، و من قرأ بالضم فيهما قيل في معناه ثلاثة أقوال:
أحدها- قال ابن عباس و قتادة و ابن زيد: معناه مقابلة.
الثاني- قال مجاهد و عبد اللَّه بن زيد: معناه قبيلا قبيلا أي جماعة جماعة فيكون جمع قبيل، و قبيل جمع قبيلة نحو سفين و سفينة و يجمع أيضا سفنا.
الثالث- قال الفراء انه جمع قبيل بمعنى كفيل نحو رغيف و رغف لقوله «أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ قَبِيلًا» (1)أي يضمنون ذلك.
قال أبو على الفارسي: و هذا الوجه ضعيف لأنهم إذا لم يؤمنوا مع انزال الملائكة عليهم و كلام الموتى لهم مع ظهوره و بهوره و مشاهدته و الضرورة اليه، فألا يؤمنوا بالمقالة التي هي قول لا يبهر و لا يضطر أجدر، اللهم الا ان يقال موضع الاية الباهرة انه جمع القبيل الذي هو الكفيل هو حشر كل شيء، و في الأشياء المحشورة ما ينطق و ما لا ينطق، فإذا نطق بالكفالة من لا ينطق كان ذلك موضع بهر الاية و كان ذلك قويا. فأما إذا حملت قوله «قبلا» على جمع القبيل الذي هو الصنف، فان موضع الآيات هو حشر جميع الأشياء جنسا جنسا، و ليس في العادة ان يحشر جميع الأشياء الى موضع واحد، فإذا اجتمعت كذلك كان ذلك باهراً و إذا حملت «قبلا» بمعنى مواجهة فانه يكون حالا من المفعول به، و المعنى حشرناه معاينة و مواجهة، فيكون في معنى قراءة نافع «قِبَلا» أي معاينة. فأما قوله «الْعَذابُ قُبُلًا» فمعناه مواجهة أو جمع قبيل. و المعنى يأتيهم العذاب صنفا صنفا. و قيل فيمن نزلت هذه الاية قولان:
أحدهما- قال ابن عباس: نزلت في الكفار أهل الشقاء الذين علم اللَّه انهم لا يؤمنون على حال.
الثاني- قال ابن جريج: نزلت في المستهزئين الذين سألوا الآيات.
1) سورة 17 الإسراء 92
أخبر اللَّه تعالى بهذه الآية عن هؤلاء الكفار الذين سألوا الآيات و علم من حالهم أنهم لا يؤمنون و لو فعل بهم ما فعل حتى لو أنزل عليهم الملائكة و كلمهم الموتى بأن يحييهم اللَّه حتى يكلموهم، و حشر عليهم كل شيء قبلا، على المعنى الذي فسرناه من ظهور خرق العادة فيه و المعجزة الباهرة فيه لم يؤمنوا لشدة عنادهم و عتوهم في كفرهم. ثم قال «إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» و معناه احد أمرين:
أحدهما- قال الحسن: إلا أن يشاء اللَّه أن يجبرهم على الايمان بأن يمنعهم من أضداد الايمان كلها فيقع منهم الايمان.
الثاني- قال أبو علي الجبائي: الا ان يشاء اللَّه ان يلجئهم بأن يخلق فيهم العلم الضروري بأنهم ان راموا خلافه منعوا منه كما ان الإنسان ملجأ الى ترك قتل بعض الملوك بمثل هذا العلم. و انما قلنا: ذلك، لان اللَّه تعالى قد شاء منهم الايمان على وجه الاختيار، لأنه أمرهم به و كلفهم إياه، و ذلك لا يتم إلا بأن يشاء منهم الايمان، و لو أراد اللَّه من الكفار الكفر للزم أن يكونوا مطيعين إذا كفروا، لان الطاعة هي فعل ما أريد من المكلف. و للزم أيضا أن يصح أن يأمرهم به. و لجاز ان يأمرنا بأن نريد منهم الكفر كما أراد هو تعالى و في الآية دلالة على ان ارادة اللَّه محدثة، لان الاستثناء يدل على ذلك لأنها لو كانت قديمة لم يجز هذا الاستثناء، كما لا يجوز ان يقول القائل:
لا يدخل زيد الدار الا أن يقدر اللَّه أو الا ان يعلم اللَّه لحصول هذه الصفات فيما لم يزل.
و قوله «وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ» انما وصف أكثرهم بالجهل مع أن الجهل يعمهم لان المعنى يجهلون انه لو أوتوا بكل آية ما آمنوا طوعا. و في الآية دلالة على انه لو علم اللَّه انه لو فعل بهم من الآيات ما اقترحوها لآمنوا أنه كان يفعل ذلك بهم و أنه يجب في حكمته ذلك، لأنه لو لم يجب ذلك لما كان لهذا الاحتجاج معنى. و تعليله بأنه انما لم يظهر هذه الآيات لعلمه بأنه لو
فعلها لم يؤمنوا، و ذلك يبين ايضا فساد قول من يقول: يجوز ان يكون في معلوم اللَّه ما إذا فعله بالكافر آمن، لأنه لو كان ذلك معلوما لفعله و لآمنوا و الامر بخلافه.
وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ (112)
آية.
التشبيه في قوله «و كذلك» يحتمل أن يرجع الى أحد أمرين:
أحدهما- أن يكون تقديره جعلنا لك عدوا كما جعلنا لمن قبلك من الأنبياء.
الثاني- جعلنا تمكين من يعادي الأنبياء و تخليتنا بينهم و بين اختيارهم كتمكين غيرهم من السفهاء. و انما جعلهم اعداء على أحد معنيين:
أحدهما- بأن حكم بأنهم أعداء، و هو قول أبي علي.
الثاني- بأن خلى بينهم و بين اختيارهم و لم يمنعهم من العداوة.
و يجوز ان يكون المراد بذلك أن اللَّه تعالى لما أنعم على أنبيائه بضروب النعم و بعثهم الى خلقه و شرفهم بذلك، حسدهم على ذلك خلق، و عادوهم عليه، فجاز أن يقال على مجاز القول بأن اللَّه جعل لهم اعداء كما يقول القائل إذا أنعم على غيره بنعم جزيلة فحسده عليها قوم و عادوه لأجلها: جعلت لك أعداء. و قيل المعنى أمرنا الأنبياء بمعاداتهم فكأنما جعلناهم أعداء الأنبياء.
و هذا القول من اللَّه تعالى تسلية للنبي (ص) في أنه أجراه مجرى غيره من الأنبياء، و لا يجوز على قياس ذلك أن يقول: جعلنا للكافر كفرا، لان فيه إيهاما.
و قوله «شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ» قيل في معناه قولان:
أحدهما- انه أراد مردة الكفار من الفريقين الانس و الجن، و هو قول الحسن و قتادة و مجاهد.
الثاني- قال السدي و عكرمة: شياطين الانس الذين يغوونهم، و شياطين الجن الذين هم من ولد إبليس. و يحتمل نصب (عدوا) وجهين:
أحدهما- على انه مفعول (جعلنا) و شياطين الانس بدل منه.
الثاني- على أنه خبر (جعلنا) في الأصل و يكون هنا مفعول (جعلنا) كأنه قال جعلنا شياطين الانس و الجن عدوا.
و قوله «يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ» معناه يلقي اليه بكلام خفي، و هو الدعاء و الوسوسة. و قوله «زُخْرُفَ الْقَوْلِ» معناه هو المزين يقال زخرفه زخرفة إذا زينه و «غرورا» نصب على المصدر.
ثم أخبر اللَّه تعالى أنه لو شاء ربك أن يمنعهم من ذلك و يحول بينهم و بينه لقدر على ذلك، لكن ذلك ينافي التكليف، و لو حال بينهم و بينه لما فعلوه.
ثم أمر نبيه (ص) أن يتركهم و ما يفترون أي و ما يكذبون بأن يخلي بينهم و بين ما يختارونه و لا يمنعهم منه بالقهر، فان اللَّه تعالى سيجازيهم على ذلك.
و هو تهديد لهم كقوله «اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ» (1)دون أن يكون ذلك أمرا واجبا أو ندبا أو اباحة كما يقول القائل لصاحبه: دعني و إياه، و يريد بذلك التهديد لا غير.
و
روي عن أبي جعفر عليه السلام في معنى قوله «يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ» ان الشياطين يلقى بعضهم بعضا فيُلقي اليه ما يغوي به الخلق، حتى يتعلم بعضهم من بعض.
وَ لِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ لِيَرْضَوْهُ وَ لِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)
آية بلا خلاف.
1) سورة 41 حم السجد (فصلت) آية 40
العامل في قوله «و لتصغى» قوله «يوحي» و هي لام الغرض و تقديره يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول ليغرونهم و لتصغى اليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، و تكون الهاء في قوله «اليه» عائدة الى القول المزخرف، و لا يجوز أن يكون العامل فيها جعلنا، لان اللَّه تعالى لا يجوز أن يريد منهم أن تصغى قلوبهم الى الكفر و وحي الشياطين، اللهم الا ان يجعلها لام العاقبة كما قال «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً» (1)غير ان هذا غير معلوم أن كل من أرادوا منه الصغو صغى، و لم يصح ذلك أيضا في قوله «وَ لِيَرْضَوْهُ وَ لِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ» لأنه غير معلوم حصول جميع ذلك.
و على ما قلناه يكون جميع ذلك معطوفا بعضه على بعض و يكون مرادا كله للشياطين. و قال الجبائي: ان هذه لام الامر، و المراد بها التهديد، كما قال «وَ اسْتَفْزِزْ» (2)و قال «اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ» (3)قال لان علامة النصب و الجزم تتفق في سقوط النون في قوله «وَ لِيَرْضَوْهُ وَ لِيَقْتَرِفُوا» و هذا غير صحيح، لأنها لو كانت لام الامر لقال «و لتصغ» بحذف الالف و ما قاله انما يمكن ان يقال في قوله «وَ لِيَرْضَوْهُ وَ لِيَقْتَرِفُوا» فأما في قوله «و لتصغى» فلا يمكن، فبان بذلك أنها لام كي. و قال الزجاج و البلخي: اللام في «و لتصغى» لام العاقبة و ما بعده لام الامر الذي يراد به التهديد، و هذا جائز غير أن فيه تعسفا. و معنى (صغا) مال و «لِتَصْغى أي لتميل، و هو قول ابن عباس و ابن زيد، تقول: صغوت اليه أصغى صغوا و صغوا و صغيت أصغي بالياء أيضا و أصغيت اليه إصغاء بمعنى قول الشاعر:
ترى السفيه به عن كل محكمة زيغ و فيه الى التشبيه إصغاء (4)
و يقال أصغيت الإناء إذا أملته لتجمع ما فيه فاصله الميل لغرض من الاغراض.
و قوله «وَ لِيَقْتَرِفُوا» عطف على «وَ لِتَصْغى و الاقتراف اكتساب الإثم، و معناه و ليكتسبوا الإثم- في قول ابن عباس و ابن زيد و السدي- و يقال: خرج يقترف لأهله أي يكتسب لهم. و قارف فلان هذا الامر إذا واقعه و عمله و قرفتني بما ادعيت عليَّ أي رميتني بالريبة، و قرف القرحة أي أقشر منها، و اقترف كذبا قال رؤبة:
أعيا اقتراف الكذب المقروف يقوي البغي و عفة العفيف (1)
و أصله اقتطاع قطعة من الشيء و لام كي تنصب بإضمار (أن) مثل (حتى) غير أنها قد تظهر مع اللام، و لا تظهر مع (حتى) لان (حتى) محمولة على التأويل، و معناها (الى أن) لما في (حتى) من الاشتراك. و ليس في اللام حمل على تأويل حرف آخر. و قال البلخي: الاقتراف الادعاء و التهمة، يقول الرجل لغيره: أنت قرفتني أي نسبتني الى التهم.
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114)
آية بلا خلاف.
قرأ ابن عامر و حفص «منزل» بتشديد الزاي. الباقون بالتخفيف من شدد حمله على التكرير بدلالة قوله «تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» (2).
و من خفف فلقوله «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ» (3)و ما أشبهها.
امر اللَّه تعالى نبيه أن يقول لهؤلاء الكفار الذين مضى ذكرهم
«أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً» أي أطلب سوى اللَّه حاكما، و نصب أ فغير اللَّه بفعل مقدر يفسره (أبتغي) تقديره أ أبتغي غير اللَّه أبتغي حكما، و الحكم و الحاكم بمعنى واحد، الا ان الحكم هو من كان أهلا أن يتحاكم اليه فهو أمدح من الحاكم، و الحاكم جار على الفعل، و قد يحكم الحاكم بغير الحق، و الحَكم لا يقضي الا بالحق لأنها صفة مدح و تعظيم.
و المعنى هل يجوز لاحد ان يعدل عن حكم اللَّه رغبة عنه، لأنه لا يرضى به؟! أو هل يجوز مع حكم اللَّه حكم يساويه في حكمه؟! و قوله «وَ هُوَ الَّذِي» يعني اللَّه الذي «أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا» و انما مدح الكتاب بأنه مفصل، لان التفصيل تبيين المعاني بما ينفي التخليط المعمي للمعنى، و ينفى ايضا التداخل الذي يوجب نقصان البيان عن المراد.
و انما فصل القرآن بالآيات التي تفصل المعاني بعضها من بعض و تخليص الدلائل في كل فن.
و قيل: معنى (مفصلا) أي بما يفصل بين الصادق و الكاذب من أمور الدين. و قيل: فصل فيه الحرام من الحلال، و الكفر من الايمان، و الهدى من الضلال- في قول الحسن-.
و قوله «وَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ» لا يجوز ان يكون على عمومه، لان كثيرا من أهل الكتاب، بل أكثرهم جهال لا يعرفون. و قوله: أهل الكتاب، قد يستعمل تارة بمعنى العلم، و بمعنى الإقرار أخرى، كما يقال للعلماء بالقرآن: أهل القرآن. و يقال لجميع المسلمين أهل القرآن بمعنى أنهم مقرون به. و قوله «يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ» قيل في معناه قولان:
أحدهما- يعلمون ان كل ما فيه بيان عن الشيء على ما هو به، فترغيبه، و ترهيبه، و وعده، و وعيده، و قصصه، و أمثاله، و غير ذلك مما فيه كله بهذه الصفة و الثاني- أن معنى «بالحق» البرهان الذي تقدم لهم حتى علموه به.
فان قيل كيف يصح على أصلكم في الموافاة و نفي الإحباط و صف الكفار بأنهم يعلمون الحق و ذلك مما يستحق به الثواب و لا خلاف أن الكافر لا ثواب معه؟!.
قلنا عنه جوابان: أحدهما- أن تكون الآية مخصوصة بمن آمن منهم في المستقبل، فانا نجوز أن يكونوا في الحال عالمين باللَّه و بأن القرآن حق ثم يظهرون الإسلام فيما بعد فيتكامل الايمان، لان الايمان لا يحصل دفعة واحدة بل يحصل جزءا فجزءا، لان أوله العلم بحدوث الأجسام، ثم ان لها محدثا، ثم العلم بصفاته، و ما يجوز عليه و ما لا يجوز، ثم العلم بالثواب و العقاب و ما يتبعهما، و ذلك يحصل في أوقات كثيرة و الثاني- أن يكونوا علموه على وجه لا يستحقون به الثواب لأنهم يكونون نظروا في الادلة لا لوجه وجوب ذلك عليهم، بل لغير ذلك فحصل لهم العلم و ان لم يستحقوا به ثوابا.
و يحتمل أن يكون المراد بذلك أنهم يعلمون عند أنفسهم، لأنهم إذا كانوا معتقدين بصحة التوراة و أنها من عند اللَّه، و فيها دلالة على صحة نبوة النبي (ص) و هم يدعون أن اعتقادهم علم، فهم اذاً على قولهم عالمون بأن القرآن منزل من ربك بالحق.
و يحتمل أن يكون المراد بقوله «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ» المؤمنين المسلمين دون أهل الكتاب، و يكون المراد بالكتاب القرآن لأنا قد بينا أن اللَّه سماه كتابا بقوله «الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ» (1)و بقوله «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ» (2)فعلى هذا سقط السؤال، لان هذه صفة المؤمنين المستحقين للثواب و قوله «فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ» معناه لا تكونن من الشاكين.
و الامتراء الشك و كذلك المرية و يكون الخطاب للنبي (ص) و المراد به الامة.
و قيل المراد بذلك «فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ» يا محمد في أنهم يعلمون أن ذلك من ربك بالحق.
وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115)
آية بلا خلاف.
قرأ أهل الكوفة و يعقوب «كلمة» على التوحيد. الباقون «كلمات» جمع كلمة، و الكلمة و الكلمات ما ذكره اللَّه من وعده و وعيده و ثوابه و عقابه، فلا تبديل فيه، و لا تغيير له كما قال «ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ»(1)
، و قال تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ»
(2)و كان التقدير، و تمت ذوات الكلمات، و لا يجوز أن يعني بالكلمات الشرائع هاهنا كما عنى بقوله «وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ» (3)و قوله «وَ صَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها» (4)لأنه قال لا مبدل لكلماته. و الشرائع يدخلها النسخ. و قوله «صدقا و عدلا» مصدران ينتصبان في موضع الحال من الكلمة و تقديره صادقة عادلة، و قال قوم: هما نصبا على التمييز. فمن قرأ (كلمات) فلانه لما كان جمعا في المعنى جمعه. و من أفرد فلأن الكلمة قد يعنى بها الكثرة، كما قالوا: قال زهير في كلمته، يعني في قصيدته و قال قس في كلمته، يعني خطبته، فالمفرد يفع على الكثرة فأغنى عن الجمع و مثله «وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ» (5). و قيل انه أراد به بقوله «وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا» (6)الى آخر الآية فسمى هذا القصص كلمة.
و قال مجاهد في قوله «كَلِمَةَ التَّقْوى (7)قول لا إله الا اللَّه. و معنى
«وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ» انها بتمامها موافقة لما توجبه المصلحة من غير زيادة و لا نقصان. و التمام و الكمال و الاستيفاء نظائر. و ان جميعه صدق و لا كذب فيه كما يقال: كمل فلان إذا تمت محاسنه.
و في الآية دلالة على ان كلام اللَّه محدث، لأنه وصفه بالتمام و العدل و ذلك لا يكون الا حادثا. و التبديل وضع شيء مكان شيء، فلا أحد يقدر ان يضع مكان كلمة اللَّه يناقضها به. و قال قتادة: لا مبدل لها فيما حكم به لأنه و ان أمكن التغيير و التبديل في اللفظ كما بدل أهل الكتاب التوراة و الإنجيل، فانه لا يعتد بذلك، لأنه لا يقلبه بحق ينقضه. و يجوز أن يكون المراد بقوله «وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ» أنها أتتك شيئا بعد شيء حتى كملت.
و قوله «وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» معناه أنه على صفة يجب ان يسمع المسموعات إذا وجدت عالم بما يكون ظاهرا و باطنا، فلا يظن ظان أن شيئا من ذلك يخفي عليه تعالى.
وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116)
آية بلا خلاف.
هذا خطاب من اللَّه لنبيه و لجميع المؤمنين انه من يطع أكثر من في الأرض من الكفار و يتبع ما يريدونه يضلوه عن سبيل اللَّه، لأنه كان في ذلك الوقت اكثر أهل الأرض كفارا. و الطاعة هي امتثال الامر و اجابة ما أريد منه إذا كان المريد فوقه، و الفرق بينه و بين الاجابة أن الاجابة عامة في موافقة الارادة الواقعة موقع المسألة، و لا تكون اجابة الا بأن يفعل لموافقة الدعاء بالأمر، و من أجله لا يراعى فيها الرتبة.
و الفرق بين الأكثر و الأعظم أن الأعظم قد يوصف به واحد، و لا يوصف بالأكثر واحد بحال، و لهذا يقال في اللَّه تعالى انه عظيم و أعظم من كل شيء، و لا يقال أكثر و انما يقال أكبر بمعنى أعظم.
و انما قال: ان تطعهم يضلوك، و ان كانت البدأة بالإغواء منهم لامرين:
أحدهما- ان المطيع يبتدأ باستشعار الطاعة، فإذا كان من الداعي أمر بشيء من الأشياء كان اطاعة و صدق بأنه مطيع.
و الثاني- ان دعاءهم لا يوصف بأنه إضلال لمن دعوه الا بعد الاجابة فكأنه قال: ان تجبهم تستحق الصفة بأنهم قد أضلوك، ثم أخبر تعالى عن هؤلاء الكفار انهم لا يتبعون الا الظن الذي يخطئ و يصيب «وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ» و معناه و ما هم الا كاذبين. و الخرص الكذب يقال: خرص يخرص خرصا و خروصا، و تخرص تخرصا و اخترص اختراصا و أصله القطع قال الشاعر:
ترى قصد المران تلقى كأنها تذرع خرصان بأيدي الشواطب (1)
يعني جريدا يقطع طويلا و يتخذ منه الحصر، و هو جمع الخرص. و منه خرص النخل يخرصه خرصا إذا جزره، و الخريص الخليج ينقطع اليه الماء، و الخريص حبة القرط إذا كانت منفردة، و الخرص العود، لانقطاعه عن نظائره بطيب ريحه.
و قيل معنى «وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» يعني في أكل الميتة، لأنهم قالوا للمسلمين: أ تاكلون ما قتلتم و لا تأكلون ما قتل ربكم؟! فهذا إضلالهم. و قال بعضهم قوله «إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ» مثل قوله «يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً» (2)يعني المتعمدين المتردين.
و في الآية دلالة على بطلان قول أصحاب المعارف، و بطلان قولهم ان اللَّه تعالى لا يتوعد من لا يعلم الحق، لان اللَّه بين في هذه الآية أنهم يتبعون الظن و لا يعرفونه، و توعدهم على ذلك. و ذلك بخلاف مذهبهم.
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)
آية بلا خلاف.
خاطب اللَّه تعالى بهذه الآية نبيه (ص) و ان عنى به جميع الامة انه تعالى «أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ» بمعنى أعرف، و المعنى انه أعلم به ممن يعلمه، لأنه يعلمه من وجوه تخفى على غيره، لأنه تعالى يعلم ما كان و ما يكون، و ما هو كائن الى يوم القيامة، و على جميع الوجوه التي يصح ان تعلم الأشياء عليها و ليس كذلك غيره، لان غيره لا يعلم جميع الأشياء، و ما يعلمه لا يعلمه من جميع وجوهه. و أما من هو غير عالم أصلا، فلا يقال اللَّه أعلم منه، لان لفظة أعلم تقتضي الاشتراك في العلم و زيادة لمن وصف بأنه أعلم، و هذا لا يصلح في من ليس بعالم أصلا الا مجازا، و لا يصح أن يقال: هو تعالى أعلم بأن الجسم حادث من كل من يعلم كونه حادثا، لان هذا قد ذكر الوجه الذي يعلم منه و هو انه حادث، فان أريد بذلك المبالغة في الصفة، و أن هذه الصفة فيه أثبت من غيره فجاز أن يقال ذلك.
و ذكروا في موضع (من) وجهين من الاعراب:
قال بعضهم: موضعه نصب على حذف الباء و تقديره أعلم بمن يضل ليكون مقابلا لقوله «وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ».
و قال الفراء و الزجاج: موضعها الرفع لأنها بمعنى (أي) كقوله «لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ» (1)و صفة (أفعل) من كذا لا تتعدى لأنها غير جارية على الفعل، و لا معدولة عن الجارية كعدل ضروب عن ضارب و منحار عن ناحر. و قال قوم:
ان (اعلم) هاهنا بمعنى يعلم كما قال حاتم الطائي:
1) سورة 18 الكهف آية 12
فخالفت طي من دوننا خلفا و اللَّه أعلم ما كنا لهم خولا (1)
و قالت الخنساء:
القوم أعلم ان جفنته تغدو غداة الريح أو تسري (2)
قال الرماني: هذا لا يجوز لأنه لا يطابق قوله «وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» فمعنى الآية ان اللَّه تعالى أعلم بمن يسلك سبيل الضلال المؤدي الى الهلاك بالعقاب، و من سلك سبيل الهدى المفضي به الى النجاة و الثواب.
فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (118)
آية بلا خلاف.
قيل في دخول الفاء في قوله «فكلوا» قولان:
أحدهما- انه جواب لقول المشركين لما قالوا للمسلمين: أ تأكلون ما قتلتم و لا تأكلون ما قتل ربكم؟ فكأنه قيل: اعرضوا عن جهلكم فكلوا.
و الثاني- ان يكون عطفا على ما دل عليه أول الكلام، كأنه قال: كونوا على الهدى فكلوا مما ذكر اسم اللَّه عليه.
و قوله «فكلوا»، و ان كان لفظه لفظ الامر، فالمراد به الاباحة، لان الاكل ليس بواجب و لا مندوب، اللهم الا ان يكون في الاكل استعانة على طاعة اللَّه، فانه يكون الاكل مرغبا فيه، و ربما كان واجبا، فأما ما يمسك الرمق فخارج عن ذلك، لأنه عند ذلك يكون الإنسان ملجأ الى تناوله. و مثل هذه الآية في لفظ الامر و المراد به الاباحة قوله «وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا» (3)و قوله «فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ» (4)و الاصطياد و الانتشار
مباحان بلا خلاف.
و قوله «مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» فالذكر المسنون هو قول بسم اللَّه.
و قيل كل اسم يختص اللَّه تعالى به أو صفة مختصة كقوله بسم اللَّه الرحمن الرحيم أو بسم القدير أو بسم القادر لنفسه أو العالم لنفسه، و ما يجري مجرى ذلك. و الاول مجمع على جوازه و الظاهر يقتضي جواز غيره، و لقوله «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى . (1)
و قوله «فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» خطاب للمؤمنين و فيه دلالة على وجوب التسمية على الذبيحة، لان الظاهر يقتضي أن ما لا يسمى عليه لا يجوز أكله بدلالة قوله «إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ» لان هذا يقتضي مخالفة المشركين في أكلهم ما لم يذكر اسم اللَّه عليه، فأما ما لم يذكر اسم اللَّه عليه سهوا أو نسيانا فانه يجوز أكله على كل حال. و الآية تدل على أن ذبائح الكفار لا يجوز أكلها، لأنهم لا يسمون اللَّه عليها. و من سمى منهم لأنه لا يعتقد وجوب ذلك بل يعتقد ان الذي يسميه هو الذي أبدى شرع موسى أو عيسى و كذب محمد بن عبد اللَّه، و ذلك لا يكون اللَّه، فإذا هم ذاكرون اسم شيطان و الاسم انما يكون المسمى مخصوص بالقصد. و ذلك مفتقر الى معرفته و اعتقاده، و الكفار على مذهبنا لا يعرفون اللَّه تعالى، فكيف يصح منهم تسميته تعالى؟! و في ذلك دلالة واضحة على ما قلناه.
و معنى قوله «إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ» ان كنتم عرفتم اللَّه و عرفتم رسوله و صحة ما أتاكم به من عند اللَّه، و هذا التحليل عام لجميع الخلق و ان خص به المؤمنين بقوله «إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ» لان ما حلل اللَّه للمؤمنين، فهو حلال لجميع المكلفين و ما حرم عليهم حرام على الجميع.
وَ ما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَ إِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)
1) سورة 17 الإسراء آية 110
آية بلا خلاف.
قرأ نافع و حفص عن عاصم «و قد فصل لكم ما حرم» بفتح الفاء و الصاد و الحاء و الراء. و قرأ ابن كثير، و ابو عمرو، و ابن عامر (فصل) و (حرم) بضم الفاء و الحاء. و قرأ حمزة و الكسائي و ابو بكر (فصل) بفتح الفاء و (حرم) بضم الحاء. و قرأ أهل الكوفة (ليضلون) بضم الياء و كسر الضاد.
الباقون بفتح الياء.
من ضم الفاء و الحاء، فلقوله «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ ..» الآية (1)فهنا تفصيل هذا العام بقوله (حرم) و كذلك (فصل) لان هذا المفصل هو ذلك المحرم الذي حل في هذه الآية.
و من فتحهما فلقوله «أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ» (2)و قوله «فَصَّلْنَا الْآياتِ» (3)و كذلك قوله «الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا» (4)و لأنه قال «وَ ما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ قَدْ فَصَّلَ» فينبغي أن يكون الفعل مبنيا للفاعل لتقدم ذكر اسم اللَّه.
و من فتح الفاء و ضم الحاء، فلقوله «فَصَّلْنَا الْآياتِ» و قوله «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ» و قوله «و ما لكم» خطاب للمؤمنين الذين ذكرهم في الآية الاولى و معناه لم لا تأكلوا، و قيل بينهما فرق، لان (لم لا تفعل) أعم من حيث انه قد يكون لحال يرجع اليه و قد يكون لحال يرجع الى غيره، فأما (مالك أن لا تفعل)
فلحال يرجع اليه. و قيل في معنى (لا) في قوله (أَلَّا تَأْكُلُوا) قولان:
أحدهما- انها للجحد، و تقديره أي شيء لكم في أن لا تأكلوا، اختاره الزجاج و غيره من البصريين.
و الثاني- أن يكون صلة، و المعنى ما منعكم ان تأكلوا، لان (مالك ان لا تفعل) (و مالك لا تفعل) بمعنى واحد. و قال قوم: معناه ليس لكم ان لا تأكلوا مما أمرناكم بأكله على الوصف الذي أمرناكم بفعله، و يجوز حذف (في) من «ما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا» و لا يجوز حذفها من مالكم في ترك الاكل لان (ان) تلزمها الصلة فهي أحق بالاستحقاق من المصدر، لان المصدر لا تلزمه الصلة، كما حسن حذف الهاء من صلة (الذي) و لم يحسن من الصفة.
و قوله «وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» يعني ما ذكره في مواضع من قوله «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ» (1)الآية و غيرها.
و قوله «إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ» معناه الا إذا خفتم على أنفسكم الهلاك من الجوع و ترك التناول، فحينئذ يجوز لكم تناول ما حرمه اللَّه في قوله «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ» (2)و ما حرمه في هذه الآية.
و اختلفوا في مقدار ما يسوغ له حينئذ تناوله، فعندنا لا يجوز له ان يتناول الا ما يمسك الرمق. و في الناس من قال: يجوز له أن يشبع منه إذا اضطر اليه و ان يحمل منها معه حتى يجد ما يأكله. و قال الجبائي: في الآية دلالة على أن ما يكره عليه من أكل هذه الأجناس أنه يجوز له أكله، لان المكره يخاف على نفسه مثل المضطر.
و من قرأ «ليضلون» بفتح الياء ذهب الى ان المعنى ليضلون بأهوائهم أي يضلون باتباع أهوائهم، كما قال «وَ اتَّبَعَ هَواهُ» (3)أي يضلون في أنفسهم من غير ان يضلوا غيرهم من أتباعهم بامتناعهم من أكل ما ذكر اسم اللَّه
عليه و غير ذلك.
و من قرأ بضم الياء أراد انهم يضلون أشياعهم، فحذف المفعول به، و حذف المفعول كثير، و يقوي ذلك قوله «وَ ما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ» (1)و قوله «رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا» (2).
و قوله «وَ إِنَّ كَثِيراً» أوقع (ان) على النكرة، لان الكلام إذا طال احتمل و دل بعضه على بعض.
وَ ذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَ باطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (120)
آية بلا خلاف.
الواو في قوله «و ذروا»، واو العطف و لا يستعمل «و ذر» لما مضى و لا «واذر» لاسم الفاعل و استغني عنه ب (ترك) و انما يستعمل منه يذر و (ذر) و أمثاله و مثله (يدع) لم يستعمل منه (فَعَل) و لا (فاعل) استغنوا أيضا ب (ترك) و (تارك) و أشعروا بذلك كراهية الواو في الابتداء حتى لم يزيدوها هناك أصلا مع زيادتهم أخواتها. و الظاهر هو الكائن على وجه يمكن إدراكه، و الباطن هو الكائن على وجه يتعذر إدراكه.
أمر اللَّه تعالى في هذه الآية بترك الإثم مع قيام الدلالة على كونه اثما، و نهى عن ارتكابه سرا و علانية، و هو قول قتادة و الربيع بن أنس و مجاهد، لان الجاهلية كانت ترى ان الزنا إذا أظهر و أعلن كان فيه اثم، فإذا اسْتَسَرَّ به صاحبه لم يكن اثما- ذكره الضحاك- و قال الجبائي الظاهر أفعال الجوارح، و الباطن أفعال القلوب. و قال غيره: الظاهر الطواف بالبيت عريانا و الباطن الزنا. و الاول أعم على ما قلناه- ذكره ابن زيد- و قال قوم: ظاهر الإثم الزنا، و باطنه اتخاذ الأخدان- ذكره السدي و الضحاك- و قال سعيد
بن جبير ظاهر الإثم امرأة الأب و باطنه الزنا.
أمر اللَّه تعالى باجتناب الإثم على كل حال، ثم أخبر أن الذين يكسبون الإثم يعني المعاصي و القبائح سيجازيهم اللَّه يوم القيامة بما كانوا يرتكبونه.
و قد بينا أن معنى الاقتراف هو معنى الاكتساب. و الكسب هو فعل ما يجتلب به نفع الى نفسه أو يدفع به ضرر، و لذلك يوصف الواحد منا بأنه مكتسب و لا يوصف اللَّه تعالى به، و الكواسب الجوارح من الطير، لأنها تكسب ما ينتفع به.
وَ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَفِسْقٌ وَ إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)
آية بلا خلاف.
نهى اللَّه تعالى في هذه الآية عن أكل ما لم يذكر اسم اللَّه عليه، و ذلك صريح في وجوب التسمية على الذبيحة، لأنها لو لم تكن واجبة، لكان ترك التسمية غير محرم لها. فأما من ترك التسمية ناسيا، فمذهبنا أنه يجوز أن تؤكل ذبيحته بعد أن يكون معتقدا لوجوبها.
و كان الحسن يقول: يجوز له أن يأكل منها. و قال ابن سيرين: لا يجوز أن يأكل منها. و به قال الجبائي.
فأما إذا تركها متعمدا فعندنا لا يجوز اكله بحال. و فيه خلاف بين الفقهاء فقال قوم: إذا كان تارك التسمية متعمدا من المسلمين جاز أكل ذبيحته. و قال آخرون لا يجوز أكلها كما قلنا.
و ذلك يدل على ان ما يذبحه أهل الكتاب لا يجوز أكله، لأنهم لا يعتقدون وجوب التسمية و لا يذكرونها، و من ذكر اسم اللَّه منهم فإنما يقصد
به اسم من أبدى شرعهم، و لم يبعث محمدا صلى اللَّه عليه و آله، بل كذبه، و ذلك ليس هو اللَّه، فلا يجوز أكل ذبيحتهم. و لأنهم لا يعرفون اللَّه، فلا يصح منهم القصد الى ذكر اسمه.
فأما من عدا أهل الكتابين فلا خلاف في تحريم ما يذبحونه.
و ليست الآية منسوخة و لا شيء منها، و من ادعى نسخ شيء منها فعليه الدلالة.
و قال الحسن و عكرمة: نسخ منها ذبائح الذين أوتوا الكتاب بقوله «وَ طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ» (1)و عندنا ان ذلك مخصوص بالحبوب دون الذبائح.
و قال قوم: ليس أهل الكتاب داخلين في جملة من يذكر اسم اللَّه على ذبيحته، و ليس واحد من هؤلاء معنيا بالآية، فلا يحتاج الى النسخ.
و قوله «وَ إِنَّهُ لَفِسْقٌ» يعني ما لم يذكر اسم اللَّه عليه أي أكله فسق.
و حذف لدلالة الكلام عليه.
و قوله «وَ إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ» يعني بالشياطين علماءهم و رؤساءهم المتمردين في كفرهم يوحون و يشيرون الى أوليائهم الذين اتبعوهم من الكفار بأن يجادلوا المسلمين في استحلال الميتة. و قال الحسن يجادلونهم بقولهم: ان ما قتل اللَّه أولى بأن يؤكل مما قتله الناس. و قال عكرمة: المراد بالشياطين مردة الكفار من مجوس فارس «إِلى أَوْلِيائِهِمْ» من مشركي قريش. و قال ابن عباس: المراد بالشياطين هاهنا إبليس و جنوده بأن يوسوسوا اليهم و يوحون الى أهل الشرك بذلك، و به قال قتادة. و قال قوم:
الذين جادلوا بذلك كانوا قوما من اليهود جادلوا رسول اللَّه (ص) بأن ما قتله اللَّه أولى بالأكل مما قتله الناس. ثم قال تعالى «وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ» ايها المؤمنون فيما يقولونه من استحلال أكل الميتة و غيره «إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ» لان من استحل الميتة كافر بالإجماع. و من أكلها محرما لها مختارا، فهو فاسق
1) سورة 5 المائدة آية 6
و هو قول الحسن و جماعة من المفسرين. و التقدير في قوله «انكم» فإنكم، لان جواب الشرط لا يكون ب (أن) بلا فاء. و انما يكون ذلك جواب القسم.
و اختلفوا في ما عناه اللَّه تعالى بقوله «وَ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» فقال عطاء: ذلك يختص بذبائح كانت في الجاهلية على الأوثان كانت العرب تذبحها و قريش. و قال ابن عباس ذلك الميتة. و قال قوم: عنى بذلك كل ذبيحة لم يذكر اسم اللَّه عليها. و هذا الوجه أقوى على ما بيناه. و من حمل الآية على الميتة فقد أبعد، لان أحدا من العرب ما كان يستحل الميتة. و انما ذلك مذهب قوم من المجوس، فالآية اما أن تكون مختصة بما كانت تذبح للأصنام على ما قاله عطاء، أو عامة في كل ما لم يذكر اسم اللَّه عليه الا ما أخرجه الدليل. و قد بيناه ان ذلك أعم و أولى بحمل الآية عليه.
أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (122)
آية بلا خلاف.
قرأ أهل المدينة و يعقوب (ميتا) بالتشديد. الباقون بالتخفيف. قال أبو عبيدة الميتة مخففة و مثقلة معناهما واحد، و انما خفف استثقالا، قال ابن الرعلاء الغساني:
ليس من مات فاستراح بميت انما الميت ميت الأحياء
انما الميت من يعيش كئيبا كاسفا باله قليل الرجاء (1)
و قد وصف اللَّه الكفار بأنهم أموات بقوله «أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَ ما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ» (2)و كذلك «أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ» و المعنى من كان ميتا
بالكفر فصار حيا بالإسلام بعد الكفر، كالمصر على كفره؟! و قوله «وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ» يحتمل أمرين:
أحدهما- أن يراد به النور المذكور في قوله يسعى «نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ» (1)و قوله «يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ» (2)الثاني- أن يراد بالنور الأحكام التي يؤتاها المسلم بإسلامه، لأنه إذا جعل الكافر بكفره في الظلمات فالمؤمن بخلافه.
و من خفف حذف الياء الثانية المنقلبة عن الواو، أعلت بالحذف كما أعلت بالقلب اختلفوا في من نزلت هذه الآية، فقال ابن عباس و الحسن و غيرهما من المفسرين: نزلت في كل مؤمن و كافر. و قال عكرمة:
نزلت في عمار بن ياسر و أبي جهل، و هو قوله أبي جعفر (ع).
و قال الضحاك: نزلت في عمر بن الخطاب و قال الزجاج: نزلت في النبي (ص) و أبي جهل. و الاول أعم فائدة، لأنه يدخل فيه جميع ما قالوه.
بين اللَّه تعالى أن «مَنْ كانَ مَيْتاً» يعني كافرا «فَأَحْيَيْناهُ» يعني وفقناه للايمان، فآمن أو صادفناه مؤمناً بأن آمن، لأن الأحياء بعد الإماتة- هاهنا- هو الإخراج من الكفر الى الايمان عند جميع أهل العلم: كابن عباس و الحسن و مجاهد و البلخي و الجبائي و غيرهم.
و قوله «وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ» يعني جعلنا له علما، فسمى العلم نورا و حياة، و الجهل ظلمة و موتا، لان العلم يهتدى به الى الرشاد، كما يهتدى بالنور في الظلمات، و تدرك به الأمور كما تدرك بالحياة. و الظلمة كالجهل لأنه يؤدي الى الحيرة و الهلكة، و الموت كالجهل في أنه لا تدرك به حقيقة.
و انما قال «كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ» و لم يقل كمن هو في الظلمات، لان التقدير كمن مثله مثل من في الظلمات و يجوز أن يدل بأن مثله في الظلمات على أنه في الظلمات الا انه يزيد فائدة أنه ممن يضرب به المثل في ذلك.13
و قيل في المراد بالنور الذي يمشي به في الناس قولان:
أحدهما- قال الحسن: و هو القرآن. و قال غيره: هو الايمان الذي لطف له به.
و وجه التشبيه في قوله «كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ» أي زين لهؤلاء الكفر، فعملوه كما زين لأولئك الايمان فعملوه، فشبهت حال هؤلاء في التزيين بحال أولئك فيه، كما قال «كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ» (1)و انما زين اللَّه تعالى الايمان عند المؤمنين، و زين الغواة من الشياطين و غيرهم الكفر عند الكافرين و هو قول الحسن و أبي علي و الرماني و البلخي و غيرهم.
و في الآية دلالة على وجوب طلب العلم، لأنه تعالى رغب فيه بأن جعله كالحياة في الإدراك بها و النور في الاهتداء به.
وَ كَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَ ما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَ ما يَشْعُرُونَ (123)
آية بلا خلاف.
معنى قوله «كَذلِكَ جَعَلْنا» أي جعلنا ذا المكر من المجرمين، كما جعلنا ذا النور من المؤمنين، فكلما فعلنا بهؤلاء فعلنا بأولئك الا أن أولئك اهتدوا بحسن اختيارهم و هؤلاء ضلوا بسوء اختيارهم، لان كل واحد منهما جعل بمعنى صار به كذا الا أن الاول باللطف، و الثاني بالتمكين من المكر، فصار كأنه جعل كذا.
و موضع الكاف في «و كذلك» نصب بالعطف على قوله «كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» و المعنى مثل ذلك الذي قصصنا عليك زين للكافرين عملهم. و مثل ذلك «جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها» و انما خص أكابر المجرمين بهذا المعنى دون الأصاغر، لأنه أحسن في الاقتدار على الجميع، لان الأكابر إذا كانوا في قبضة القادر فالاصاغر بذلك أجدر.
1) سورة 23 المؤمنون آية 54 و سورة 30 الروم آية 32
و الأكابر جمع الأسماء، و الكبر جمع الصفات تقول: كبير و أكابر و يجوز أن يكون جمع أكبر على أكابر. و قد قالوا: الاكابرة و الاصاغرة، كما قالوا:
الاساورة و الاحامرة قال الشاعر:
ان الاحامرة الثلاثة أهلكت مالي و كنت بهن قدما مولعا
الخمر و اللحم السمين أحبه و الزعفران فقد أبيت مودعا (1)
و قوله «لِيَمْكُرُوا فِيها» اللام لام العاقبة و يسمى لام الصيرورة، كما قال «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً» (2)و قال الشاعر:
فاقسم لو قتلوا مالكا لكنت لهم حية راصدة
و ام سماك فلا تجزعي فللموت ما تلد الوالدة (3)
و ليس المراد بها لام الغرض، لأنه تعالى لا يريد أن يمكروا، و قد قال «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» (4)و إرادة القبيح قبيحة. و التقدير و كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليطيعوني و يمتثلوا أمري، و كان عاقبتهم أن مكروا بالمؤمنين و خدعوهم، فقال اللَّه تعالى «وَ ما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ» لان عقاب ذلك يحل بهم. و المكر هو فتل الشيء الى خلاف الرشد على وجه الحيلة في الامر. و المكر و الختل و الغدر نظائر. و أصل المكر الفتل. و منه جارية ممكورة أي مفتولة البدن. و وجه مكر الإنسان بنفسه أن وبال مكره يعود عليه، كأنه قال و ما يضرون بذلك المكر الا أنفسهم، و ما يشعرون انهم يمكرون بها، و لا يصح أن يمكر الإنسان بنفسه على الحقيقة، لأنه لا يصح أن يخفي عن نفسه معنى ما يحتال به عليها و يصح أن يخفي ذلك عن غيره.
و فائدة الآية ان أكابر المجرمين لم يمكروا بالمؤمنين على وجه المغالبة للَّه، إذ كأنه جعلهم ليمكروا مبالغة في انتفاء صفة المغالبة.
وَ إِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (124)
قرأ ابن كثير و حفص رسالته على التوحيد و نصب التاء. الباقون على الجمع. و من وحد، فلأن الرسالة تدل على القلة و الكثرة لكونها مصدرا.
و من جمع، فلما تكرر من رسل اللَّه و تحميله إياهم رسالة بعد أخرى فاتى بلفظ الجمع.
أخبر اللَّه تعالى عن هؤلاء الكفار أنه إذا جاءتهم آية و دلالة من عند اللَّه تدل على توحيد اللَّه و صدق أنبيائه و رسله «قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ» اي لا نصدق بها «حَتَّى نُؤْتى أي نعطى آية مثل ما أعطي رسل اللَّه حسدا منهم للأنبياء (عليهم السلام). ثم أخبر تعالى على وجه الإنكار عليهم بأنه تعالى أعلم منهم و من جميع الخلق حيث يجعل رسالاته، لان الرسالة تابعة للمصلحة، و لا يبعث اللَّه تعالى الا من يعلم ان مصلحة الخلق تتعلق ببعثه دون من لا يتعلق ذلك به.
و من يعلم انه يقوم بأعباء الرسالة دون من لا يقوم بها. و توعدهم فقال: «سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا» أي سينال الذين انقطعوا الى القبيح و أقدموا عليه «صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ» و الصغار الذل الذي يصغر الى الإنسان نفسه يقال:
صغر يصغر صغارا و صغرا، و قيل في معنى الصغار عند اللَّه ثلاثة اقوال:
أولها- صغار أي ذلة من عند اللَّه، و لا يجوز على هذا أن يقال: زيد عند عمر بمعنى من عنده، لان حذف (من) تلبيس- هاهنا-.
الثاني- قال الفراء اكتسب من ترك اتباع الحق صغارا عند اللَّه.
الثالث- قال الزجاج يعني صغار في الآخرة، و هو أقواها، لقوله «وَ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ» في دار الدنيا، و «عِنْدَ اللَّهِ» يتعلق بقوله
«سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ» و يجوز أن يكون متعلقا ب «صغار»، و تقديره سيصيب الذين أجرموا صغار ثابت لهم عند اللَّه.
و معنى الآية الإنكار لما طلبوا الاحتجاج عليهم فيما جهلوا، و الوعيد على ما فعلوا.
و قوله «رُسُلُ اللَّهِ» اللام مفخمة في (اللَّه) و لا تفخم من قوله «اللَّهُ أَعْلَمُ» لان ما وقع بعد فتح و ضم صح تفخيمه، كقولك من اللَّه، لأنه بمنزلة تفخيم الالف مع هاتين الحركتين في نحو كامل و عالم و ترك التفخيم في الثاني كما ترك في الالف مع الكسرة في نحو عائد، و انما فخمت اللام في تلك المواضع لتعظيم الاسم من غير إخلال بالخروج عن نظيره.
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (125)
آية بلا خلاف.
قرأ ابن كثير «ضيقا» بتخفيف الياء و سكونها- هاهنا- و في الفرقان.
الباقون بتشديدها و كسرها. و قرأ أهل المدينة و أبو بكر «حرجا» بكسر الراء. الباقون بفتحها. و قرأ ابن كثير «يصعد» بتخفيف الصاد و العين و سكون الصاد من غير الف، و رواه أبو بكر بتشديد الصاد و ألف بعدها و تخفيف العين. الباقون بتشديد الصاد و العين و فتح الصاد من غير الف.
قال ابو علي النحوي: الضيق و الضيق مثل الميِّت و الميت في أن معناهما واحد. و الياء و الواو يشتركان في الحذف، و ان لم تعل الياء بالقلب كما أعلت الواو به فاتبعت الياء الواو في هذا، كما اتبعتها في قولهم أيسر، قالوا في أيسار
الجزور اتسر، فجعلت بمنزلة اتّعد. و قال غيره: يجوز أن يكون من ضاق الامر يضيق ضيقا. و قد قرأه من قرأ «وَ لا تَكُ فِي ضَيْقٍ». و من فتح الراء من (حرج) جعلها و صفا للمصدر، لان المصادر قد توصف بمثل ذلك، كقولهم رجل دنف أي ذو دنف و لا يكون كبطل لان اسم الفاعل في الأكثر من (فَعَّل) انما يجيء على (فَعَل). و من كسر الراء فهو مثل دنِف، و فرق. قال ابو زيد و حرج عليه السحور و السحر: إذا أصبح قبل أن يتسحر و حرج عليه حرجا و هما واحد، و حرجت على المرأة الصلاة تحرج حرجا، و حرمت عليها الصلاة تحرم حرما بمعنى واحد، و يقال حرج فلان يحرج إذا هاب ان يتقدم على الامر أو قاتل فصبر و هو كاره.
و قال غيره: هما بمعنى واحد كالدنَف و الدنِف، و الوحِد و الوحَد، و الفرد و الفرد و قيل: الحرج الإثم و الحرج الضيق الشديد.
و من قرأ «يصعد» من الصعود، فالمعنى أنه في نفوره عن الإسلام، و ثقله عليه بمنزلة من تكلف مالا يطيقه، كما أن صعود السماء لا يستطاع.
و من قرأ «يصعد» بتشديد الصاد و العين بلا الف أراد يتصعد فأدغم.
و المعنى كأنه يتكلف ما يثقل عليه. و كأنه تكلف شيئا بعد شيء كقولك يتصرف و يتحرج و غير ذلك مما يتعاطى فيه الفعل شيئا بعد شيء و يصاعد مثل يصعد و مثل ضاعف و ضعف و ناعم و نعم.
و الضمير في قوله «يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ» يحتمل ان يكون راجعا الى (من) و تقديره أن المهدي يشرح صدر نفسه، و هو جيد و يكون تقديره: من أراد اللَّه أن يثيبه و يهديه الى طريق الجنة فليطعه. و من أراد ان يعاقبه فليعصه فالارادة واقعة على فعل العبد بقلبه بالاحراج و الضيق. و يقوي ذلك قوله «مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ»(1)
فان الطمأنينة الى الايمان فعلهم
1) سورة 16 النحل آية 106
لا محالة، لأنه ايمان. ثم نسب تعالى شرح صدورهم بالكفر اليهم.
و الثاني- أن يكون الضمير فيه عائدا أبدا الى اسم اللَّه تعالى و هو الأقوى لقوله «أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ» و قوله «أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ» (1)و كذلك يكون الضمير في قوله «يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ» عائدا لاسم اللَّه تعالى.
و المعنى ان الفعل مستند الى اسم اللَّه في اللفظ و في المعنى للمشروح صدره، و انما نسبه الى ضمير اسم اللَّه لأنه بقدرته كان و توفيقه، كما قال «وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى (2)و يدل على ان المعنى لفاعل الايمان اسناد هذا الفعل الى الكافر في قوله «وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ» فكما أسند الفعل الى فاعل الكفر كذلك يكون اسناده في المعنى الى فاعل الايمان، و معنى شرح الصدر اتساعه للايمان أو الكفر و انقياده له و سهولته عليه، بدلالة وصف خلاف المؤمن بخلاف الشرح الذي هو اتساع.
و قوله «وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ» يعني يعاقبه أو يعدل به عن طريق الجنة يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يفعل ما يعجز عنه و لا يستطيعه لثقله عليه و تكاؤده عليه.
و قوله «يَصَّعَّدُ» و يصاعد من المشقة و صعوبة الشيء. و من ذلك قوله «يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً» (3)و قوله «سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً» (4)اي سأغشيه عذابا صعودا أي شاقا. و من ذلك قوله عمر: ما يصعدني شيء كما يصعدني خطبة النكاح أي ما يشق علي مشقتها، فكان معنى يصعد يتكلف مشقة في ارتقاء صعودا. و على هذا قالوا: عقبة عنوت و عنتوت، و عقبة كؤد، و لا يكون السماء في هذا الموضع- على هذا القول- هي المظلة للأرض لكن كما قال سيبويه: القيدود الطويل في غير سمائه يريد في غير ارتفاع صعدا، و مثله «قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ» (5)و اما قوله «يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً»
فانه يحتمل أمرين:
أحدهما- التسمية كقوله «وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً» (1)اي سموهم بذلك فلذلك يسمى القلب ضيقا المحاولته الايمان و حرجا عنه و الآخر- الحكم كقولهم اجعل البصرة بغداد، و جعلت حسني قبيحا أي حكمت بذلك و لا يكون هذا من الجعل الذي يراد به الخلق و لا الذي يراد به الإلقاء كقولك جعلت متاعك بعضه على بعض. و قوله «وَ يَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ» (2)و قيل في معنى الهداية و الإضلال في الآية قولان:
أحدهما أنه يريد بالهدى تسهيل السبيل الى الإسلام بالدلائل التي يشرح بها الصدر، و الإضلال تصعيب السبيل اليه بالدلائل التي يضيق بها الصدر، لان حاله أوجبت تغليظ المحنة عليه من غير أن يكون هناك مانع له و لا تدبير غيره أولى منه، و انما هو حض على الاجتهاد في طلب الحق حتى ينشرح بالدلائل الصدر، و لا يضيق بدعائها الى خلاف ما سبق من العقد، و الهدى الى ما طلبه طالب الحق، و الإضلال عما طلبه طالب تأكيد الكفر.
و الثاني- ان يراد بالهداية الهداية الى الثواب و بالإضلال الإضلال عن الثواب و السلوك به الى العقاب، و يكون التقدير من يرد اللَّه أن يهديه للثواب في الآخرة فيشرح صدره للإسلام في الدنيا بأن يفعل له اللطف الذي يختار عنده الإسلام، و من يرد أن يعاقبه و يعدل به عن الثواب الى النار يجعل صدره ضيقا حرجا بما سبق من سوء اختياره للكفر جزاء على فعله و يخذله و يخلي بينه و بين ما يريده من الكفر أو يحكم على قلبه بالضيق و الحرج، أو يسميه بذلك على ما فسرناه. و هذا الإضلال لا يكون الا مستحقا كما أن تلك الهداية لا تكون الا مستحقة، و قد سمى اللَّه تعالى الثواب الهداية في قوله
«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ» (1)و قال «وَ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ، سَيَهْدِيهِمْ وَ يُصْلِحُ بالَهُمْ» (2)و الهداية بعد القتل انما هي الثواب في الجنة، و قال تعالى «وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً» (3)و قال «وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ» (4)و قال «يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ» (5)و قال «وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا» (6)و كل ذلك يراد به الثواب و قد سمى العقاب ضلال في قوله «وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ» (7)و قوله «وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ» (8)و هذه الجملة معنى قول أبي علي الجبائي و البلخي، و الاول قول الرماني و قيل أيضا: انما يشرح قلب المؤمن بالآيات و الدلائل لكونه طالب للحق، و لم يفعل ذلك بالكافر لكونه طالبا لتأكيد الكفر و في هذا الوجه حض على طلب الحق.
و الحرج الضيق الشديد، و قال ابن عباس: أصله الحرجة، و هي الشجرة الملتفة بالشجر حولها، فلا يصل اليها الراعي، فكذلك قلب هذا لا يصل اليه خير- في قوله عمر- و قال ابن عباس لا يصل اليه حكمة.
و قوله «كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ» قيل في معناه قولان:
أحدهما- كأنما كلف الصعود الى السماء بالدليل الذي يدعوه الى خلاف مذهبه. و قال سعيد بن جبير: كأنه لا يجد مسلكا الا صعدا.
و الثاني- كأنما ينزع قلبه الى السماء نبوا عن الحق بأن يتباعد في الهرب.
و في معنى الرجس قولان:
أحدهما- قال مجاهد: كلما لا خير فيه. و قال ابن زيد و غيره من أهل اللغة: هو العذاب. و يقال الرجس و النجس لما كان رجسا، و لقد رجس رجاسة و نجس نجاسة. و وجه التشبيه في قوله
«كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ» أنه يجعل الرجس على هؤلاء كما يجعل ضيق الصدر في قلوب أولئك و ان كل ذلك على وجه الاستحقاق. و لا يجوز أن يكون المراد بالآية ان اللَّه تعالى يجعل سبب الايمان الذي يكون به الايمان، و سبب الكفر الذي يكون به الكفر، و انهما جميعا من فعل اللَّه على ما يقوله المجبرة، و ذلك أن اللَّه تعالى أنزل القرآن حجة له على عباده، لا حجة للعباد عليه، فلو كان كما قالوه لكانت الحجة عليه لا له على انه لا يجوز أن يكون في كلام اللَّه تعالى مناقضة، و قد ذكره اللَّه تعالى في مواضع أنه هدى للكفار نحو قوله «وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى (1)و قال «وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ» (2)و قال «وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى (3)و قال «قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها» (4)فبين بجميع ذلك انه تعالى هدى الكفار كما هدى المؤمنين، فكيف ينفي ذلك في موضع آخر، و هل ذلك الا مناقضة و كلام اللَّه منزه عنها؟! و متى حملنا الآيات على ما قلناه و وفقنا بينها لم يؤد الى المناقضة و لا التضاد، و يقوي ذلك ان اللَّه اخبر انه يجعل قلب الكافر ضيقا حرجا و نحن نجد كثيرا من الكفار غير ضيقي الصدر بما هم فيه من الكفر بل هم في غاية السرور و الفرح بذلك، فكيف يقال ان اللَّه تعالى ضيق صدورهم بالكفر؟! و لا يلزمنا ذلك إذا قلنا ان اللَّه يفعل ذلك بهم على وجه العقوبة لأنه تعالى إذا كان يفعل بهم ذلك عقوبة يجوز أن يفعل بهم ذلك إذا أراد عقابهم لا في جميع الأحوال، و لا يلزم ان يجدوا نفوسهم على ذلك في كل وقت. و أيضا فان سبب القبيح لا يكون الا قبيحا فعلى هذا سبب الكفر يجب ان يكون قبيحا، لأنه موجب له لا يصلح لضده من الايمان، لأنه لو صلح لذلك لم يكن سببا، و اللَّه تعالى لا يفعل
القبيح. و انما ذكر اللَّه ضيق صدر الكافر، و هو مما يصح ان يدعا به الى الايمان في بعض الأحوال، كما يصح أن يدعا بانشراحه في غير تلك الحال.
و يقوي ما قلناه قوله «كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ» و انما أريد بذلك ما يفعله بهم من العقاب و البراءة و اللعنة و الشتم و الأسماء القبيحة مع ما أعد لهم من العقاب. و قال الحسن: معناه انه يكون مقبول الايمان منشرح الصدر، و من يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا، و معناه انه يثقل عليه ما يدعا اليه من الايمان كأنما يصعد الى السماء، فبذلك صار ضيق الصدر عن الايمان. «يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ» يعني رجاسة الكفر على الذين لا يؤمنون.
و وجه آخر في الآية، و هو أن نحملها على التقديم و التأخير كأنه قال: من يشرح الله صدره للإسلام يرد اللَّه أن يهديه، و من يجعل صدره ضيقا حرجا يرد اللَّه أن يضله.
و وجه آخر و هو أن يكون اللَّه تعالى لما دعاهم الى الايمان و أمرهم ففعلوه انشرحت صدورهم، فنسب شرح ذلك الى اللَّه تعالى، و لما ضاقت صدور الكفار عند دعاء اللَّه و اقامة الحجج عليهم و أمره إياهم بذلك فضلوا عند ذلك، صح ان ينسب اضلالهم اليه، كما يقولون: أصل فلان بعيره إذا ضل عنه، و هو لم يرد ذلك.
و اللام في قوله «للإسلام» يحتمل أمرين:
أحدهما- أن يكون اللَّه تعالى هداه بالالطاف التي ينشرح بها صدره للتمسك بالإسلام و الاستبصار فيه، و لا يكون فعل ذلك بالكفار و ان لم يخل بينهم و بين الايمان و لا يمنعهم منه، لأنه تعالى قد اعطى الكفار الصحة و السلامة و القوة، و جميع ما يتمكن به من فعل ما أمره به، و انما لم يفعل بهم اللطف الذي يؤمنون عنده، لأنهم لما عدلوا عن النظر في آيات اللَّه و حججه خرجوا من أن يكون لهم لطف يختارون عنده الايمان و صاروا مخذولين،
فخلى اللَّه تعالى بينهم و بين اختيارهم، فعبر عن ذلك بأنه جعل صدر الكافر ضيقا حرجا.
و الثاني- ان يكون اللام بمعنى لأجْل الشيء و بسببه كما يقول القائل: انما قلت هذا الكلام لزيد و المراعات عمرو، المعنى من أجله و بسببه، فيكون المعنى انه شرح صدره من أجل الإسلام، لأنه فعل إسلاما استحق به شرح الصدر.
وَ هذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ هُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (127)
آيتان بلا خلاف.
الاشارة بقوله «وَ هذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً» يمكن ان تكون الى أحد شيئين:
أحدهما- ما قال ابن عباس: انه راجع الى الإسلام.
و الثاني- أن تكون اشارة الى البيان الذي في القرآن، و أضيف الصراط الى اللَّه في قوله «صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً» لأنه لما كانت الاضافة فيه انما هي على أنه الذي نصبه و دل به، و غلب عليه الاستعمال. و لم يجز قياسا على ذلك ان يقال: هذا طريق ربك، لأنه لم تجر العادة باستعماله كما انهم استعملوا قولهم: هذا في سبيل اللَّه، و لم يقولوا في طريق اللَّه، لما قلناه.
و قوله «مستقيما» نصب على الحال و معناه الذي لا اعوجاج فيه.
فان قيل كيف يقال: انه مستقيم مع اختلاف وجوه الادلة؟! قلنا: لأنها مع اختلافها يؤدي كل واحد منها الى الحق، و كأنها طريق واحد لسلامة جميعها من التناقض و الفساد، و كلها تؤدي من تمسك بها الى الثوب و قوله «قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ» أي بيناها «لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ» و انما أعيد ذكر تفصيل الآيات للاشعار بأن هذا الذي تقدم من الآيات التي فصلها اللَّه عز
و جل للعباد. و قوله «يذكرون» أصله يتذكرون فقلبت التاء ذالا و أدغمت الاولى في الثانية، و لم يجز قلب الذال الى الدال كما جاز في «فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» (1)لأنهم لما لهم يجيزوا ادغام التاء في الدال، لأنها أفضل منها بالجهر، قلبت الى الدال لتعديل الحروف و ليس كذلك ادغام التاء في الذال. و انما خص الآيات بقوم يتذكرون لأنهم المنتفعون بها و ان كانت آيات لغيرهم، كما قال «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ».
و في الآية دلالة على بطلان قول من قال: المعارف ضرورية لأنها لو كانت ضرورية لم يكن لتفصيل الآيات ليتذكر بها فائدة.
و قوله «لَهُمْ دارُ السَّلامِ» هذه لام الاضافة و انما فتحت مع المضمر و كسرت مع الظاهر لامرين:
أحدهما- طلبا للتخفيف، لان الإضمار موضع تخفيف، و فتحت في الاستغاثة في (يا لبكر) تشبيها بالكناية، و لأنه موضع تخفيف بالترخيم و حذف التنوين.
و الثاني- أن أصلها الفتح، و انما كسرت مع الظاهر للفرق بينها و بين لام الابتداء.
و قيل في معنا «السلام» هاهنا قولان:
أحدهما- قال الحسن و السدي: انه اللَّه و داره الجنة.
و الثاني- قال الزجاج و الجبائي: أنها دار السلامة الدائمة من كل آفة و بلية.
و قوله «عِنْدَ رَبِّهِمْ» قيل في معناه قولان:
أحدهما- مضمون عند ربهم حتى يوصله اليهم.
الثاني- في الآخرة يعطيهم إياه.
و قوله «وَ هُوَ وَلِيُّهُمْ» يعني اللَّه. و في معنى (الولي) قولان:
أحدهما- انه يتولى إيصال المنافع اليهم و دفع المضار عنهم.
1) سورة 54 القمر آية 15، 17، 22، 32، 40، 51
الثاني- ناصرهم على أعدائهم.
و قوله «بِما كانُوا يَعْمَلُونَ» يعني جزاء بأعمالهم، و هو و ان كان مطلقا فالمراد بما كانوا يعملونه من الطاعات، لان من المعلوم ان ما لم يكن طاعة فلا ثواب عليه. و يجوز ايضا ان يكون مقيدا لدلالة قوله «يذكرون» عليه.
و الموعود بهذا الوعد المتذكر لآيات اللَّه بحقها، و هو العامل بها.
وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَ قالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَ بَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128)
آية بلا خلاف.
قرأ حفص و روح «وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ» بالياء. الباقون بالنون.
من قرأ بالياء فلقوله «لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ ... وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ» و النون كالياء في المعنى، و يقوي النون قوله «وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً» (1)و قوله «وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (2)و الذي يتعلق به (اليوم) هذا القول المضمر. و المعنى و يوم نحشرهم جميعا نقول «يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ» أي قد استكثرتم ممن أضللتموه من الانس بالإغواء و الإضلال. قال ابن عباس و الحسن و قتادة و مجاهد: معناه استكثرتم من اغوائهم و اضلالهم «وَ قالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ».
و قيل في وجه الاستمتاع من بعضهم ببعض قولان:
أحدهما- بتزيين الأمور التي يهوونها حتى يسهل عليهم فعلها.
و الثاني- قال الحسن و ابن جريج و الزجاج و الفراء و غيرهم: انه إذا كان الرجل أراد ان يسافر فيخاف سلوك طريق من الجن فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي، ثم يسلك فلا يخاف، كما قال تعالى «وَ أَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً» (1)و وجه استمتاع الجن بالانس أنهم إذا اعتقدوا ان الانس يتعوذون بهم، و يعتقدون انهم ينفعونهم و يضرونهم أو أنهم يقبلون منهم إِذا أغووهم كان في ذلك تعظيم لهم و سرور و نفع، ذكر ذلك الزجاج و البلخي و الرماني. و قال البلخي: و يحتمل ان يكون قوله «اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ» مقصوراً على الانس، فكأن الانس استمتع بعضهم ببعض دون الجن.
و قوله «بَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا» قيل في معناه قولان:
أحدهما- قال الحسن و السدي: انه الموت.
الثاني- الحشر، لان كل واحد منهما اجل في الحكم، فالموت اجل استدراك ما مضى، و الحشر أجل الجزاء. و قال ابو علي: في الآية دلالة على انه لا اجل الا واحد، قال لأنه لو كان له أجلان فكان إذا اقتطع دونه بأن قتل ظلما لم يكن بلغ اجله، و الآية تتضمن انهم اجمع يقولون: بلغنا أجلنا الذي أجلت لنا. و قال الرماني و غيره من البغداديين: لا تدل على ذلك، بل لا يمتنع ان يكون له أجلان: أحدهما ما يقع فيه الموت، و الآخر ما يقع فيه الحشر، و ما كان يجوز أن يعيش اليه.
و قوله «قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ» جواب من اللَّه تعالى لهم بأن النار مثواهم، و هو المقام، يقال: ثوى يثوي ثواء، قال الشاعر:
لقد كان في حول ثواء ثويته تقضي ليانات و يسأم سائم (2)
و معنى الآية التقريع للغواة من الجن و الانس مع اعترافهم بالخطيئة في
وقت لا ينفعهم الندم على ما سلف، و خاصة إذا كان الجواب لهم بأن مثواهم النار «خالِدِينَ فِيها» أي مؤبدين فيها، و هو نصب على الحال.
و قوله «إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ» قيل في معنى هذا الاستثناء ثلاثة اقوال:
أحدها- «إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ» من الفائت قبل ذلك من الاستحقاق من وقت الحشر الى زمان المعاقبة، و تقديره: خالدين فيها على مقادير الاستحقاق الا ما شاء اللَّه من الفائت قبل ذلك، لان ما فات يجوز إسقاطه بالعفو عنه. و الفائت من الثواب لا يجوز تركه، لأنه بخس لحقه، ذكره الرماني و البلخي و الطبري و الزجاج و الجبائي.
الثاني- «إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ» من تجديد الخلود بعد احتراقهم و تصريفهم في انواع العذاب فيها، و التقدير خالدين فيها على صفة واحدة الا ما شاء اللَّه من هذه الأمور.
الثالث- ما حكي عن ابن عباس، حكاه الرماني و الطبري عنه أنه قال:
هذه الآية توجب الوقف في جميع الكفار، فانه ذهب الى ان وعيدهم بالقطع يدل عليه فيما بعد، و هو قوله «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ» (1)و قال قوم:
معنى (ما) (من) و تقديره الا من شاء اللَّه إخراجه من النار من المؤمنين الذين لهم ثواب بعد استيفاء عقابهم.
و قوله «إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ» أي هو حكيم فيما يفعله من جزائهم، و عالم بذلك و بغيره من المعلومات لا يخفى عليه شيء منها.
وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (129)
آية بلا خلاف.
قيل في معنى قوله «نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً» قولان:
1) سورة 4 النساء آية 47، 115.
أحدهما- انا نكل بعضهم الى بعض في النصرة و المعونة في الحاجة، و لا نحول بينهم.
الثاني- نجعل بعضهم يتولى القيام بأمر بعض.
و قيل في كيفية تولية اللَّه الظالمين بعضهم بعضاً أقوال:
أحدها- بأن حكم ان بعضهم يتولى بعضا فيما يعود عليه بالوبال من الاعمال التي يتفقون عليها.
الثاني- بأن يخلي بينهم و بين ما يختارونه من غير نصرة لهم.
و ثالثها- ما قال قتادة: انه من الموالاة و التتابع في النار، أي يدخل بعضهم عقيب بعض.
و وجه التشبيه في قوله «و كذلك» قال الرماني: اي كذلك المهل بتخلية بعضهم مع بعض للامتحان الذي معه يصح الجزاء على الاعمال، بجعل بعضهم يتولى أمر بعض للعقاب الذي يجري على الاستحقاق. و قال الجبائي: المعنى إِنا كما وكلنا هؤلاء الظالمين من الجن و الانس بعضهم الى بعض يوم القيامة و تبرأنا منهم كذلك نكل الظالمين بعضهم إلى بعض يوم القيامة و نكل الاتباع الى المتبوعين، و نقول للاتباع قولوا للمتبوعين حتى يخلصوكم من العذاب.
و الغرض بذلك اعلامهم انه ليس لهم يوم القيامة وليّ يدفع عنهم شيئا من العذاب. و قال غيره: لما حكى اللَّه تعالى ما يجري بين الجن و الانس من الخصام و الجدال في الآخرة، قال اللَّه لهم: النار مثواكم. ثم قال «وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً» أي كما فعلنا بهؤلاء من الجمع بينهم في النار و تولية بعضهم بعضا و جعل بعضهم أولى ببعض، نفعل مثله بالظالمين جزاء على أعمالهم.
و الفرق بين (ذلك) و (ذاك) أن زيادة اللام في (ذلك) قامت مقام هاء التنبيه التي تدخل في ذاك فتقول هذاك و لا تقول هذلك. و لا يجوز إِمالة (ذلك) لان (ذا) بمنزلة الحرف، و الأصل في الحروف ألا تمال، لان التصريف انما هو للافعال و الأسماء.
و قوله «بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» معناه بما كانوا يكسبونه من المعاصي و ان ما يفعله بهم من العقاب جزاء على أعمالهم القبيحة.
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَ يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (130)
آية بلا خلاف.
أخبر اللَّه تعالى انه يخاطب الجن و الانس يوم القيامة بأن يقولا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ»
و المعشر الجماعة. و الفرق بينه و بين المجمع: أن المعشر يقع عليهم هذا الاسم مجتمعين كانوا او مفترقين كالعشيرة، و ليس كذلك المجمع، لأنه مأخوذ من الجمع. و الجن مشتق من الاجتنان عن العيون و هو اسم علم الجنس مما يعقل متميز عن جنس الإنسان و الملك. و الانس هم البشر.
و قولهَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ»
احتجاج عليهم بأن اللَّه بعث اليهم الرسل إعذارا و إنذارا و تأكيدا للحجة عليهم، و لا بد أن يكون خطابا لمن بعث اللَّه اليهم الرسل، فأما أول الرسل فلا يمكن ان يكونوا داخلين فيه، لأنه كان يؤدي الى ما لا نهاية لهم من الرسل و ذلك محال.
و قوله «منكم» و ان كان خطابا لجميعهم، و الرسل من الانس خاصة، فانه يحتمل ان يكون لتغليب أحدهما على الآخر، كما يغلب المذكر على المؤنث، و كما قال «يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ» بعد قوله «مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ» (1)و انما يخرج اللؤلؤ من الملح دون العذب. و كقولهم أكلت خبزا و لبنا و انما شرب اللبن. و كما يقولون: في هذه الدار سرو، و انما هو في بعضها. و هذا
1) سورة 55 الرحمن آية 19
قول أكثر المفسرين: منهم ابن جريج و الفراء و الزجاج و الرماني و البلخي و الطبري. و روي عن ابن عباس انه قال: هم رسل الانس الى غيرهم من الجن كما قال تعالى «وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ» (1). و قال الضحاك: ذلك يدل على انه تعالى أرسل رسلا من الجن. و به قال الطبري و اختاره البلخي أيضا، و هو الأقوى. و قال الجبائي و الحسين بن علي المغربي: المعنىَ لَمْ يَأْتِكُمْ»
يعني معشر المكلفين و المخلوقينُسُلٌ مِنْكُمْ»
يعني من المكلفين.
و هذا اخبار و حكاية عما يقال لهم في وقت حضورهم في الآخرة، و ليس بخطاب لهم في دار الدنيا، و هم غير حضور، فيكون قبيحا، بل هو حكاية على ما قلناه.
و قولهَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي»
مثل يتلون عليكم دلائلي و بيناتيَ يُنْذِرُونَكُمْ»
يعني يخوفونكمِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا»
يعني لقاء ما تستحقونه من العقاب في هذا اليوم و حصولكم فيه. ثم أخبر تعالى عنهم انهم يشهدون على أنفسهم بالاعتراف بذلك و الإقرار بأن الحياة الدنيا غرتهم، و يشهدون أيضا بأنهم كانوا كافرين في دار الدنيا، فلذلك كرر الشهادة.
و معنى غرتهم الحياة الدنيا أي غرتهم زينة الدنيا و لذتها و ما يرون من زخرفها و بهجتها.
و استدل بهذه الآية قوم على ان اللَّه لا يجوز أن يعاقب الا بعد ان يرسل الرسل، و ان التكليف لا يصح من دون ذلك، و هذا ينتقض بما قلناه من أول الرسل، و انه صح تكليفهم و ان لم يكن لهم رسل، فالظاهر مخصوص بمن علم اللَّه ان الشرع مصلحة له، فان اللَّه لا يعاقبهم الا بعد ان يرسل اليهم الرسل و يقيم عليهم الحجة بتعريفهم مصالحهم، فإذا خالفوا بعد ذلك استحقوا العقاب.
1) سورة 46 الأحقاف آية 29
ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَ أَهْلُها غافِلُونَ (131)
آية بلا خلاف.
موضع (ذلك) من الاعراب يحتمل أمرين:
أحدهما- أن يكون رفعا كأنه قال: الامر ذلك، لأنه لم يكن (ذلك) إشارة الى ما تقدم ذكره من العقاب و الجواب بأن مثواهم النار.
و الثاني- أن يكون نصبا، و تقديره فعلناه ذلك لهذا.
و انما جازت الاشارة بذلك الى غير حاضر لان ما مضى صفة حاضرة للنفس فقام مقام حضوره، و يجوز الاشارة الى هذا الذي تقدم ذكره.
و قوله «أَنْ لَمْ يَكُنْ» ف (ان) هي المخففة من الثقيلة. و المعنى لأنه لم يكن و مثلها التي في قول الشاعر:
في فتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يحفى و ينتعل (1)
في فتية كسيوف الهند قد علموا أن ليس يدفع عن ذوي الحيلة الحيل
ف (أنَّ) المفتوحة لا بد فيها من إضمار الهاء، لأنه لا معنى لها في الابتداء و انما هي بمعنى المصدر المبني على غيره. و المكسورة لا تحتاج الى ذلك، لأنها يصح ان تكون حرفا من حروف الابتداء فلا تحتاج الى إضمار.
و قوله «بظلم» قيل في معناه قولان:
أحدهما ما ذكره الفراء و الجبائي: انه بظلم منه على غفلة من غير تنبيه و تذكير و مثله قوله «وَ ما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَ أَهْلُها مُصْلِحُونَ» (2).
الثاني- بظلم منهم حتى يبعث اليهم رسلا يزجرونهم و يذكرونهم على وجه الاستظهار في الحجة دون ان يكون ذلك واجبا، لأنهم بما فعلوه من الظلم
قد استحقوا العقاب.
و من استدل بذلك على انه لا يحسن العقاب الا بعد إنفاذ الرسل، فقد أجبنا عن قوله في الآية الاولى.
وَ لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132)
آية بلا خلاف.
قرأ ابن عامر «عما تعملون» بالتاء. الباقون بالياء.
و من قرأ بالياء حمله على الغيبة. و من قرأ بالتاء حمله على الخطاب للمواجهة.
و في الآية حذف و تقديرها، و لكل عامل بطاعة اللَّه أو معصيته منازل من عمله حتى يجازيه ان خيرا فخيرا، و ان شرا فشرا. و ما تقدم من ذكر الغافلين يدل على هذا الحذف.
و (قبل. و بعد) بنيتا عند حذف المضاف في مثل قوله «لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ» (1)لأنهما في حال الاعراب لم يكونا على التمكن التام، لأنه لا يدخلهما الرفع في تلك الحال، فلما انضاف الى هذا النقصان من التمكن بحذف المضاف اليه أخرجا الى البناء، و ليس كذلك (كل) فانه متمكن على كل حال و لذلك لم يبن.
و (الدرجات) يحتمل أمرين: أحدهما- الجزاء. و الثاني- الاعمال فإذا وجهت الى الجزاء كان تقديره: و لكل درجات جزاء من اجل ما عملوا، و إذا حمل على الاعمال كان تقديره: و لكل درجات أعمال من أعمالهم. و انما مثل الاعمال بالدرجات ليبين انه و ان عمَّ احد قسميها صفة الحسن، و عم الآخر صفة القبيح، فليست في المراتب سواء، و انه بحسب ذلك يقع الجزاء، فالاعظم من العقاب للاعظم من المعاصي، و الأعظم من الثواب للاعظم من الطاعات.
1) سورة 30 الروم آية 4 [.....]
و قوله «وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ» انما ذكره ليعلموا انه لا يفوته شيء منهما و لا من مراتبهما حتى يجازي عليه بما يستحق من الجزاء، و فيه تنبيه و تذكير للخلق في كل أمورهم.
و الغفلة ذهاب المعنى عمن يصح ان يدركه. و الغفلة عن المعنى و السهو عنه و الغروب عنه نظائر، و ضد الغفلة اليقظة، و ضد السهو الذكر، و ضد الغروب الحضور.
وَ رَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133)
آية بلا خلاف.
اخبر اللَّه تعالى في هذه الآية بأنه الغني. و الغني هو الحي الذي ليس بمحتاج. و الغني عن الشيء هو الذي يكون وجود الشيء و عدمه و صحته و فساده عنده بمنزلة واحدة، في انه لا يلحقه صفة نقص. و «ذو الرحمة» يعني صاحب الرحمة، و هو تعالى بهذه الصفة لرحمته بعباده.
ثم أخبره عن قدرته و انه لو شاء ان يذهب الخلق بأن يميتهم و يهلكهم و يستخلف من بعدهم ما يشاء بان ينشئ بعد هلاكهم كما أنشأهم في الاول من ذرية من تقدمهم. و كذلك ينشئ قوما آخرين من نسلهم و ذريتهم، و الجواب محذوف و الكاف في (كما) في موضع نصب و تقديره و يستخلف من بعدكم ما يشاء مثل ما استخلفكم. و في ذلك دلالة على انه يصح القدرة على ما علم انه لا يكون لأنه بين انه لو شاء لذهب بهم و أتى بقوم آخرين و لم يفعل ذلك، فدل ذلك على انه يقدر على ما يعلم انه لا يفعله.
و (من) في قوله «وَ يَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ» للبدل كقولك: أعطيتك من
دينارك ثوبا اي مكان دينارك و بدله، و معنى (من) في قوله «كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ» ابتداء الغاية لان التقدير، ان ابتداء غايتكم من قوم آخرين و قيل في وزن «ذرية» ثلاثة أقوال: أولها- فعلية من الذر. الثاني- فعلية على وزن خليفة من ذرأ الخلق يذرأهم. الثالث- فعولة من (ذروة) الا أن الهمزة أبدلت واوا، ثم قلبت ياء، فيكون بمنزلة عليَّة من علوة. و قرئ في الشواذ (ذرية) بكسر الذال و هما لغتان.
و انشأ اللَّه الخلق إذا خلقه و ابتدأه و كل من ابتدأ شيئا فقد انشأه. و منه قولهم: انشأ فلان قصيدة، و النشأة الأحداث من الأولاد، واحدها ناشئ مثل خادم و خدم، و يقال للجواريْ أنشاء، و للذكور نشاء، قال نصيب:
و لو لا أن يقال صبا نصيب لقلت بنفسي النشأ الصغار (1)
و يقال لهذا السحاب نشؤ حسن، و هو أول ظهوره في السماء.
إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134)
آية بلا خلاف.
اخبر اللَّه تعالى في هذه الآية ان الذي أوعد الخلق به من عقابه على معاصيه و الكفر به واقع بهم لان (ما) في قوله «انما» بمعنى الذي، و ليست كافة مثل قولك: انما قام زيد، لان خبرها جاء بعدها، و هو قوله «لآت» و هي في موضع نصب، و الجنس في موضع رفع، و الكافة لا خبر لها، و اللام في قوله (لآت) لام الابتداء و لا يجوز ان تكون لام القسم، لان لام القسم لا تدخل على الأسماء و لا الافعال المضارعة الا أن تكون معها النون الثقيلة، و لا تعلق الفعل في (قد علمت ان زيدا ليقومن).
1) اللسان (نشأ) النشأ: الشباب او الشابات.
و معنى «توعدون» من الإيعاد بالعقاب يقال: أوعدته أوعده إيعادا، و قال الحسن: انما توعدون من مجيء الساعة، لأنهم كانوا يكذبون بالبعث، فعلى هذا يجوز ان يكون المصدر الوعد لاختلاط الخير و الشر، فيكون على التغليب إذ مجيء الساعة خير للمؤمنين و شر على الكافرين.
و قال الجبائي: ان معناه «إِنَّ ما تُوعَدُونَ» من الثواب و العقاب، فان اللَّه يأتي به.
و قوله «وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ» أي لستم معجزين اللَّه عن الإتيان بالبعث و العقاب، و انما قيل ذلك لان من يعبد الوثن يتوهم انه ينفعه في صرف المكروه عنه جهلا منه و وضعا للأمر في غير موضعه. و ايضا فإنهم يعملون عمل من كان يفوته العقاب لتأخره عنه و طول السلامة بالامهال فيه.
قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135)
آية بلا خلاف.
قرأ ابو بكر «مكاناتكم» على الجمع. الباقون على التوحيد، و قرأ حمزة و الكسائي يكون بالياء. الباقون بالتاء المعجمة من فوق. و من قرأ بالياء فلان المصدر المؤنث يجوز تأنيثه على اللفظ و تذكيره على المعنى. و من قرأ بالتاء فعلى اللفظ، فمما جاء منها على اللفظ قوله «فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ» (1)و قوله «قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ» (2)و على المعنى قوله
«وَ أَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ» (1)و قوله «فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ» (2). و من وحد «مكانتكم» فلأنه مصدر، و المصادر في الأكثر لا تجمع. و من جمع فلأنها قد تجمع كقولهم: الحلوم و الأحلام.
قال ابو عبيدة «مكانتكم» أي على حيالكم. و قال ابو زيد: رجل مكين عند السلطان من قوم مكناء، و قد مَكَن مكانة، كأنه قال: اعملوا على قدر منزلتكم و تمكنكم من الدنيا، فإنكم لن تضرونا بذلك شيئا.
أمر اللَّه تعالى نبيه (ص) ان يخاطب المكلفين من قومه و يأمرهم بأن يعملوا على مكانتهم، و المكانة الطريقة يقال: هو يعمل على مكانته و مكينته أي طريقته و جهته. و قال ابن عباس و الحسن: على ناحيتكم. و قال الجبائي:
على حالتكم. و قال الزجاج: يجوز ان يكون المراد على تمكنكم، و هذا و ان كان صيغته صيغة الامر فالمراد به التهديد كما قال «اعملوا ما شئتم» (3)و انما جاء التهديد بصيغة الامر لشدة التحذير، أي لو امر بهذا لكان يجوز قبول أمره. و وجه آخر- هو ان التقدير «اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ» ان رضيتم بالعقاب أي انكم في منزلة من يؤمر به ان رضيتم بالعقاب، فهذا على التبعيد أن يقيموا عليه، كالتبعيد أن يرضوا. و وجه ثالث هو ان الضرر يخص المقيم على المنكر، لان غيره بمنزلة الآمن في انه لا يأمره بما يضره.
و قوله «اني عامل» إِخبار من الرسول انه عامل بما امر اللَّه تعالى به.
و قوله «فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ» فيه تهديد، و معناه فسوف تعلمون جزاء أعمالكم.
و قوله «من تكون» يحتمل موضع (من) أمرين من الاعراب:
أحدهما- الرفع و تقديره أينا يكون له عاقبة الدار.
و الثاني- النصب بقوله «يعلمون» و يكون بمعني الذي.
و انما قال: ان عاقبة الدار للمؤمنين دون الكافرين و ان كان الكفار أيضا لهم عاقبة من حيث يصيرون الى العقاب المؤبد و هي للمؤمنين من حيث يصيرون الى النعيم الدائم، كما يقول العرب: لهم الكرة، و لهم الحملة، لأنه إذا فصل قيل: لهم و على أعدائهم.
و قوله «إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ» أي لا يفوز الظالمون بشيء من الثواب و المنافع، و انما لم يقل (الكافرون) و ان كان الكلام في ذكرهم لأنه أعم و اكثر فائدة، و لأنه إذا لم يفلح الظالم، فالكافر بذلك اولى، على ان الكافر يسمى ظالما فيجوز ان يكون عنى به انه لا يفلح الظالمون الذين هم الكافرون، كما قال «وَ الْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ» (1)و قال «إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» (2).
وَ جَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَ الْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَ هذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَ ما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (136)
آية بلا خلاف.
قرأ الكسائي «بزعمهم» بضم الزاي في الموضعين. الباقون بفتحها.
و في الزعم ثلاث لغات: الفتح، و الضم، و الكسر مثل فتلك و فتك و فتك.
و قبل و قبل و قبل. وَ وِدَّ و وَدَّ و وُدَّ. و لم يقرأ بالكسر احد. فالفتح لغة اهل الحجاز، و الضم لغة تميم، و الكسر لغة بعض بني قيس.
اخبر اللَّه تعالى عن الكفار الذين تقدم وصفهم أنهم يجعلون شيئا من أموالهم للَّه و شيئا لشركائهم تقربا اليهما، من جملة من خلقه اللَّه و اخترعه، لان الذرأ هو الخلق على وجه الاختراع، و أصله الظهور، و منه ملح ذرآني
و ذِرآني، لظهور بياضة. و الذرأة ظهور الشيب. قال الراجز:
و قد علتني ذَرأة بادي بدي وَ رِيثة تنهض في تشددي (1)
يقال: ذرأ اللَّه الخلق يذرأهم ذرءاً و ذروا. و يقال: ذرئت لحيته ذرءاً إذا شابت. و منه طعنه فأذراه- غير مهموز- إذا ألقاه، و ذرت الريح التراب تذروه ذروا إذا أبادته، و ذُروة كل شيء أعلاه. و (الحرث) الزرع و (الحرث) الأرض التي تثار للزرع، و منه حرثها يحرثها حرثا، و منه قوله «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ» (2)لان المرأة للولد كالأرض للزرع و (الانعام) المواشي من الإبل و البقر و الغنم، مأخوذ من نعمة الوطء، و لا يقال لذوات الحافر: أنعام.
و انما جعلوا الأوثان شركاءهم، لأنهم جعلوا لها نصيبا من أموالهم ينفقونه عليها فشاركوها في نعمهم.
و قوله «فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ، وَ ما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ» قيل في معناه ثلاثة اقوال:
أحدها- قال ابن عباس و قتادة: انه إذا اختلط شيء مما جعلوه لاوثانهم بشيء مما جعلوه للَّه ردوه الى ما لاوثانهم، و إذا اختلط بشيء مما جعلوه للَّه لم يردوه الى ما للَّه.
الثاني- قال الحسن و السدي: كان إذا هلك الذي لاوثانهم أخذوا بدله مما للَّه، و لا يفعلون مثل ذلك في ما للَّه (عز و جل).
الثالث- قال ابو علي: انهم كانوا يصرفون بعض ما جعلوه للَّه في النفقة على أوثانهم، و لا يفعلون مثل ذلك فيما جعلوه للأوثان.
و قوله «ساءَ ما يَحْكُمُونَ» فيه قولان: أحدهما- قال الزجاج:
تقديره ساء الحكم حكمهم. فيكون على هذا موضع (ما) رفعا. و قال
الرماني: يجوز ان يكون موضع (ما) نصبا و تقديره ساء حكما حكمهم.
وَ كَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَ لِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ (137)
آية بلا خلاف.
قرأ ابن عامر وحده «زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم» بضم الزاي، و نصب (الأولاد) و خفض «شركائهم». الباقون بفتح الزاي، «قتل» مفتوح اللام «أولادهم» بجر الدال «شركاؤهم» بالرفع بالتزيين.
فوجه قراءة ابن عامر انه فرق بين المضاف و المضاف اليه بالمفعول، و التقدير: قتل شركائهم أولادهم، و شركاؤهم فاعل القتل، و انما جر بالاضافة و من أضاف القتل الى الأولاد في القراءة الاخرى يكون الأولاد في موضع النصب، و هو مفعول به بالقتل و انشدوا فيه بيتا على الشذوذ أنشده بعض الحجازيين ذكره ابو الحسن:
فزججتها بمزجة زج القلوص أبي مزاده (1)
و ذلك لا يجوز عند اكثر النحويين لان القراءة لا يجوز حملها على الشاذ القبيح، و لأنه إذا ضعف الفصل بالظرف حتى لم يجز الا في ضرورة الشعر كقول الشاعر:
كما خط الكتاب بكف يوما يهودي (2)
كما خط الكتاب بكف يوما يهودي يقارب او يزل
فان لا يجوز في المفعول به أجدر، و لم يكن بعد الضعف الا الامتناع.
و قيل انما حمل ابن عامر على هذه القراءة انه وجد (شركائهم) في مصاحف اهل الشام بالياء لا بالواو، و هذا يجوز فيه قتل أولادهم شركائهم على إيقاع الشرك للأولاد يعني شركائهم في النعم و في النسب و في الأولاد، و لو قيل أيضا زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم على ذكر الفاعل بعد ما ذكر الفعل على طريقة ما لم يسم فاعله جاز كما قال الشاعر:
ليبك يزيد ضارع لخصومة و مختبط مما تطيح الطوائح (1)
أي ليبكه ضارع. و مثله «يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ رِجالٌ» (2)و تقديره كأنه لما قال «زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ» قال قائل من زينه؟ قيل زينه شركاؤهم. و قال الفراء تكون «شركائهم» على لغة من قال في عشاء عشاي كما قال الشاعر:
إذا الثريا طلعت عشايا فبع لراعي غنم كسايا
و ابو العباس يأبي هذا البيت، و يقول الرواية الصحيحة بالهمزة.
و وجه التشبيه في قوله «وَ كَذلِكَ زَيَّنَ» أنه كما جعل أولئك في الآية الاولى ما ليس لهم كذلك زين هؤلاء ما ليس لهم ان يزينوه. و الشركاء الذين زينوا قتل الأولاد قيل فيهم خمسة اقوال:
أحدها- قال الحسن و مجاهد و السدي: هم الشياطين زينوا لهم و أدِ البنات أحياء خوف الفقر و العار.
و الثاني- قال الفراء و الزجاج: هم قوم كانوا يخدمون الأوثان.
و الثالث- انهم الغواة من الناس.
و الرابع- قيل: شركاؤهم في نعمهم.
و الخامس- شركاؤهم في الاشراك.
و قوله «ليردوهم» فالارداء الإهلاك، تقول: أراده يرديه إِرداء و ردي يردي ردى إذا هلك، و تردَّي ترديا، و منه قوله «وَ ما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى» (1)و المراد به الحجر يتردَّى من رأس جبل.
و اللام في قوله «ليردوهم» قال قوم هي لام العاقبة، كما قال «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً» (2)لأنهم لم يكونوا معاندين فيقصدوا أن يردوهم و يلبسوا عليهم دينهم، هذا قول أبي علي. و قال غيره: يجوز ان يكون فيهم المعاند، و يكون ذلك على التغليب.
و قوله «وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ» معناه لو شاء ان يضطرهم الى تركه، او لو شاء ان يمنعهم منه لفعل، و لو فعل المنع و الحيلولة لما فعلوه، لكن ذلك ينافي التكليف. ثم أمر نبيه (ص) ان يذرهم اي يتركهم و لا يمنعهم و يخلي بينهم و بين ما يكذبون و ذلك غاية التهديد كما يقول القائل: دعني و إياه.
وَ قالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَ حَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَ أَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَ أَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (138)
آية بلا خلاف.
اخبر اللَّه تعالى عن هؤلاء الكفار انهم «قالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَ حَرْثٌ» يعني الانعام و الزرع الذي جعلوهما لآلهتهم و أوثانهم. و قوله «بزعمهم» يدل على أنهم فعلوا ذلك بغير حجة بل بقولهم العاري عن برهان.
و قيل في الانعام الاولى قولان
أحدهما- قال الجبائي: التي ذكرها أولا فهو ما جعلوه لاوثانهم كما جعلوا الحرث للنفقة عليها في خدامها و ما ينوب من أمرها. و قيل: قرباناً للأوثان. و أما الانعام التي ذكرت ثانياً، فهي السائبة و البحيرة و الحام، و هو الفحل الذي يخلونه و يقولون: حمى ظهره، و هو قول الحسن و مجاهد. و أما التي ذكرت ثالثا- قيل فيه قولان: أحدهما التي إذا ولدوها أو ذبحوها أو ركبوها لم يذكروا اسم اللَّه عليها، و هو قول السدي و غيره.
و الثاني قال ابو وائل هي التي لا يحجون عليها.
و قوله «حجر» معناه حرام تقول: حجرت على فلان كذا أي منعته منه بالتحريم، و منه قوله «حِجْراً مَحْجُوراً» (1)و الحجر لامتناعه بالصلابة، و الحجر العقل للامتناع به من القبيح، قال المتلمس:
حنت الى النخلة القصوى فقلت لها حجر حرام ألا تلك الدهاريس (2)
و قال رؤبة:
و جارة البيت لها حجري (3)
و قال الآخر:
فبت مرتفقاً و العين ساهرة كأن نومي عليَّ الليل محجور (4)
و قيل: حجر و حرج مثل جذب و جبذ، و به قرأ ابن عباس. و بضم الحاء قراءة الحسن و قتادة. و يقال: حِجر و حَجر و حُجر بمعنى المنع بالتحريم، و حَجر الإنسان، و حِجر بالكسر و الفتح. و انما أعيبوا بتحريم ظهور الانعام،
1) سورة 25 الفرقان آية 22، 53
2) قائله جرير بن عبد المسيح، و هو الملتمس. ديوانه القصيدة 4 و مجاز القرآن 1/ 207 و اللسان (دهرس) و معجم البلدان (نخلة القصوى) و تفسير الطبري 12/ 140 و «الدهاريس» الدواهي
3) و قيل انه للعجاج. ديوان العجاج: 68 و اللسان «حجر»
4) نسبه ابن منظور في اللسان (رفق) الى (أعشى بأهله). و هو في الطبري 12/ 141 غير منسوب. و معنى (مرتفقا) أي متكئا على يده
و الواجب تحريمها عقلا حتى يرد سمع با باحته، لأنهم حرموا ذلك على وجه الكذب على اللَّه، و انه أوجب ذلك إذا كانت على صفة مخصوصة. و انما أعيبوا بأكلها بعد ذبحها، و هي حينئذ تجري مجرى الميتة، و ذلك لا يعلم تحريمه عقلا، لأنهم ادعوا انه على وجه التذكية افتراء على اللَّه، فقصدوا به هذا القصد، و لذلك أعيبوا بتملكها و ان كانوا سبقوا أليها، و انما وجب تحريم الانتفاع باستهلال الانعام، لان الإيلام لا يحسن الا مع تضمن العوض الموافي عليه، و ذلك مفتقر الى السمع.
و قوله «افتراء» يعني كذبا، و في نصبه قولان: أحدهما- قالوا:
افتراء على اللَّه، الثاني- لا يذكرون اسم اللَّه افتراء على اللَّه، كأنه قيل: افتروا بتركهم التسمية الذي أضافوه الى اللَّه افتراء عليه.
وَ قالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَ مُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَ إِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139)
آية بلا خلاف.
قرأ ابن كثير «و ان يكن» بالياء «ميتة» رفع. و قرأ ابن عامر الا الداحوني عن هشام، و ابو جعفر «تكن» بالتاء «ميتة» رفع. و قرأ ابو بكر عن عاصم الا الكسائي «يكن» باليا «ميتة» نصب. الباقون بالتاء «ميتة» نصب. وجه قراءة الأكثر ان يحمل على (ما) و تقديره و ان يكن ما في بطون الانعام ميتة. و وجه قراءة ابن عامر ان يضيف الفعل الى الميتة فيرتفع الميتة به، فلذلك أنث الفعل. و وجه قراءة أبي بكر ان ما في بطون الانعام مؤنث، لأنها من الانعام. و يجوز ان يكون أراد ان تكون الاجنة ميتة.
و وجه قراءة ابن كثير ان يضيف الفعل الى الميتة، لكن لما لم يكن تأنيث الميتة
تأنيث ذوات الفروج، و تقدم الفعل جاز ان يذكر، كما قال «فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ» (1)و «أَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ» (2)و تكون (كان) تامة، و معناه و ان وقع ميتة.
اخبر اللَّه تعالى في هذه الآية عن هؤلاء الكفار الذين ذكرهم أنهم «قالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ» التي تقدم ذكرها أحياء، فهو خالص لذكورهم، و محرم على أزواجهم الإناث و بناتهم. و قال بعضهم انه يختص بالزوجات، و الاولى عموم النساء تفضيلا للذكور على الإناث. و قيل ان الذكور كانوا القوَّام بخدمة الأوثان.
و المراد بما في بطون الانعام قيل فيه ثلاثة أقوال:
أحدها- قال قتادة المراد به الألبان.
و الثاني- قال مجاهد و السدي: انه الاجنة.
الثالث- ان المراد به الجميع، و هو أعم.
و قوله «خالِصَةٌ لِذُكُورِنا» معناه لا يشركهم فيها أحد من الإناث و ليس المراد به تسوية تصفية شيء عن شيء كالذهب الخالص و الفضة الخالصة، و من ذلك إخلاص التوحيد و اخلاص العمل للَّه.
و الهاء في قوله «خالصة» قيل فيها ثلاثة أقوال:
أحدها- أنها للمبالغة في الصفة كالعلامة و الرواية.
الثاني- على تأنيث المصدر كالعاقبة و العافية، و منه قوله «بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ» (3).
الثالث- لتأنيث ما في بطونها من الانعام. و يقال فلان خالصة فلان و من خلصائه. و حكى الزجاج و الفراء: انه قرئ خالصة لذكورنا، و المعنى ما خلص منها. و قيل أصل (الذكور) من الذكر سمي الذكر بذلك، لأنه أنبه و اذكر
من الأنثى.
و قوله «وَ إِنْ يَكُنْ مَيْتَةً» معناه ان كان جنين الانعام ميتة فالذكور و الإناث فيه سواء، فقال اللَّه تعالى «سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ» يعني سيجزيهم جزاء وصفهم، و حذف المضاف و اقام المضاف اليه مقامه.
و قوله «إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ» معناه انه تعالى حكيم فيما يفعل بهم من العقاب آجلا، و في إمهالهم عاجلا «عليم» بما يفعلون لا يخفى عليه شيء منها.
و قوله «خالصة» رفع بانه خبر الابتداء و المبتدأ قوله «ما فِي بُطُونِ» و لا يجوز عند البصريين النصب، لان العامل فيه لا يتصرف، فلا يتقدم عليه، و أجازه الفراء مع قوله انهم لا يكادون يتكلمون به، لا يقولون زيد قائما فيها، و لكنه قياس.
و قد عاب اللَّه على الكفار في هذه الآية من أربعة أوجه:
أولها- ذبحهم الانعام بغير إذن اللَّه.
و ثانيها- أكلهم على ادعاء التذكية افتراء على اللَّه.
و ثالثها- تحليلهم للذكور و تحريمهم على الإناث تفرقة بين ما لا يفترق الا بحكم من اللَّه.
و رابعها- تسويتهم بينهم في الميتة من غير رجوع الى سمع موثوق.
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ حَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ (140)
آية بلا خلاف.
قرأ ابن كثير و ابن عامر «قتَّلوا» بتشديد التاء. الباقون بالتخفيف.
من شدد حمله على التكرار، كقوله «جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً» (1). و من خفف
1) سورة 38 ص آية 50
فلانه يدل على الكثرة.
اخبر اللَّه تعالى ان هؤلاء الكفار الذين قتلوا أولادهم الإناث خوفا من الفقر و هربا من العار قد خسروا، و معناه هلكت نفوسهم باستحقاقهم على ذلك عذاب الأبد. و الخسران هلاك رأس المال.
و قوله «سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ» نصب على انه مفعول له و يجوز ان يكون نصبا على المصدر، و تقديره سفهوا بما فعلوه سفها خوفا من الفقر و هربا من العار.
و السفه خفة الحلم بالعجلة الى ما لا ينبغي ان يعجل اليه. و أصله الخفة. و ضد السفيه الحليم. و الفرق بين السفه و النزق ان السفه عجلة يدعو اليها الهوى، و النزق عجلة من جهة حدة الطبع و الغيظ.
و قوله «وَ حَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ» يعني ما حرموه على نفوسهم من الحرث بزعمهم انه حجر. و قال الحسن: انه راجع الى الانعام. و قال الرماني: لا يجوز ذلك لأنها محرمة عليهم بحجة العقل حتى يأتي بسمع. و القتل نقض البنية التي تحتاج الحياة اليها و الموت- عند من أثبته معنى- ضد الحياة.
و قوله «افْتِراءً عَلَى اللَّهِ» يعني كذبا. و نصبه على المصدر و العامل فيه قوله «و حرموا» لان ذلك قول منهم أضافوه الى اللَّه. ثم اخبر تعالى انهم قد ضلوا بما فعلوه و جازوا عن طريق الحق و أنهم لم يكونوا مهتدين الى طريق الرشاد و الحق.
وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَ غَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَ النَّخْلَ وَ الزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَ الزَّيْتُونَ وَ الرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَ غَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَ لا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)
آية بلا خلاف.
قرأ اهل البصرة و ابن عامر و عاصم (حصاده)- بفتح الحاء- الباقون بكسرها. و هما لغتان. و قال سيبويه: جاءوا بالمصادر حين أرادوا انتهاء الزمان على مثال (فعال) نحو الضرام و الجزاز، و الجداد و القطاف و الحصاد. و ربما دخلت اللغتان في بعض هذا، و كان فيه (فِعال و فَعال).
لما اخبر اللَّه عن هؤلاء الكفار و عن عظيم ما ابتدعوه و افتروا به على اللَّه و شرعوا من الدين ما لم يأذن اللَّه فيه، عقب ذلك البيان بأنه الخالق لجميع الأشياء فلا يجوز اضافة شيء منها الى الأوثان، و لا تحليله، و لا تحريمه الا بأذنه، فقال «وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ» و الإنشاء هو احداث الافعال ابتداء لا على مثال سبق، و هو كالابتداع. و الاختراع هو أحداث الافعال في الغير من غير سبب، و الخلق هو التقدير و الترتيب. و الجنات جمع جنة، و هي البساتين التي يجنها الشجر من النخل و غيره. و الروضة هي الخضرة بالنبات و الزهور المشرقة باختلاف الألوان الحسنة.
و قوله «مَعْرُوشاتٍ وَ غَيْرَ مَعْرُوشاتٍ» قيل في معناه قولان:
أحدهما- ما قال ابن عباس و السدي: المعروشات هو ما عرش الناس من الكروم و نحوها، و هو رفع بعض أغصانها على بعض «وَ غَيْرَ مَعْرُوشاتٍ» ما يكون من قبل نفسه في البراري و الجبال.
و الثاني- قال ابو علي يعرشه أي يرفع له حظائر كالحائط. و أصله الرفع و منه قوله تعالى «خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها» (1)يعني على أعاليها، و ما ارتفع منها لم يندك فيستوي بالأرض، و منه العرش للسرير لارتفاعه.
(و معرشات) في موضع النصب، لأنها صفة ل (جنات) و النخل و الزرع معناه و أنشأ النخل و الزرع «مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ» يعني طعمه، و نصب مختلفا على الحال، و انما نصبه على الحال، و هو يؤكل بعد ذلك بزمان، لامرين:
أحدهما- ان معناه مقدار اختلاف أكله كقولهم: مروت برجل معه صقر
1) سورة 2 البقرة آية 259 و سورة 18 الكهف آية 43 و سورة 22 الحج آية 45
صايدا به غدا أي مقدار الصيد به غدا.
الثاني- ان يكون معنى (أكله) ثمره الذي يصلح ان يؤكل منه.
«وَ الزَّيْتُونَ وَ الرُّمَّانَ» أي و انشأ الزيتون و الرمان. و انما قرن الزيتون الى الرمان، لأنه لما ذكر الكرم و النخل و الزرع اقتضى ذكر ما خرج عن ذلك، فقرنا لفضلهما بعد ما ذكره. و قيل: لأنهما يشتبهان باكتناف الأوراق في أغصانها «مُتَشابِهاً وَ غَيْرَ مُتَشابِهٍ» معناه متماثلا و غير متماثل. و قيل «متشابها» في النظر «وَ غَيْرَ مُتَشابِهٍ» في الطعم بل الطعم مختلف.
و قوله «كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ» المراد به الاباحة لا الامر. و قال الجبائي و جماعة: ان ذلك يدل على جواز الاكل من ثمره، و ان كان فيه حق للفقراء.
و قوله «وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ» أمر إيجاب بإيتاء الحق يوم الحصاد على طريق الجملة، و الحق الذي يجب إخراجه يوم الحصاد فيه قولان:
أحدهما- قال ابن عباس و محمد بن الحنفية و زيد بن أسلم و الحسن و سعيد بن المسيب و طاوس و جابر بن عبد اللَّه و بريد و قتادة و الضحاك: انه الزكاة العشر، او نصف العشر.
الثاني-
روي عن جعفر (ع) عن أبيه (ع) و عطاء و مجاهد و ابن عامر و سعيد بن جبير و الربيع بن أنس: انه ما ينثر مما يعطي المساكين.
و روي أصحابنا أنه الضغث بعد الضغث و الحفنة بعد الحفنة.
و قال ابراهيم و السدي: الآية منسوخة بفرض العشر و نصف العشر، قالوا: لان الزكاة لا تخرج يوم الحصاد، و قالوا لان هذه الآية مكية و فرض الزكاة نزل بالمدينة. و لما
روي بأن فرض الزكاة نسخ كل صدقة.
قال الرماني: و هذا غلط، لان يوم حصاده ظرف لحقه، و ليس بظرف الإيتاء المأمور به.
و قوله «وَ لا تُسْرِفُوا» قيل في المخاطبين به ثلاثة أقوال:
أحدها- قال ابو العالية و ابن جريح انه يتوجه الى ارباب الأموال،
لأنهم كانوا يعطون شيئا سوى الزكاة يسرفون فيه، فروي عن ثابت بن شماس انه كان له خمس مائة رأس نخلا فصرهما و تصدق بها، و لم يترك لأهله منها شيئا فنهى اللَّه عن ذلك، و بين أنه مسرف، و لذلك
قال النبي (ص) ابدأ بمن تعول.
الثاني- قال ابن زيد انه خطاب للسلطان.
الثالث- انه خطاب للجميع و هو أعم فائدة.
و قيل: ان السرف يكون في التقصير، كما يكون في الزيادة قال الشاعر:
اعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ما في عطائهم من و لا سرف (1)
معناه و لا تقصير. و قيل و لا إفراط، لأنه لا يستكثر كثيرهم. و الإسراف هو مجاوزة حد الحق و هو افراط و غلو. و ضده تقصير و إقتار. و مسرف صفة ذم في العادة.
و ينبغي ان يؤدي الحق الذي في الغلات الى امام المسلمين ليصرفه الى اهل الصدقات و لهم ان يخرجوه الى المساكين إذا لم يأخذهم الامام بذلك فأما مقدار ما يجب من الزكاة، و النصاب الذي يتعلق به و صفة الأرض الزكوية فقد بيناه في كتب الفقه مستوفى لا نطول بذكره الكتاب.
وَ مِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَ فَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142)
آية بلا خلاف.
العامل في قوله «حَمُولَةً وَ فَرْشاً» قوله «انشأ» المتقدم، كأنه قال و انشأ لكم من الانعام «حَمُولَةً وَ فَرْشاً». و قيل في معنى: «حَمُولَةً وَ فَرْشاً»
1) قائله جرير ديوانه 389 و طبقات فحول الشعراء: 359 و اللسان (هند)، «سرف» و تفسير الطبري 7/ 579 و 12/ 177 و تفسير القرطبي 7/ 111، و هنيدة: اسم لكل مائة من الإبل، و هو ممنوع من الصرف.
ثلاثة أقوال:
أحدها- ما روي عن ابن مسعود، و ابن عباس في احدى الروايتين، و الحسن في رواية- و مجاهد: ان الحمولة كبار الإبل، و الفرش الصغار.
الثاني- ما روي عن الحسن- في رواية- و قتادة و الربيع و السدي و الضحاك و ابن زيد: ان الحمولة ما حمل من الإبل و البقر، و الفرش الغنم.
الثالث- ما روي عن ابن عباس- في رواية- ان الحمولة كل ما حمل من الإبل و البقر و الخيل و البغال و الحمير، و الفرش الغنم، كأنه ذهب الى أنه يدخل في الانعام ذو الحافر على الاتباع.
و (الحمولة) لا واحد لها من لفظها كالركوبة و الجزورة. و (الحمولة) بضم الحاء هي الأحمال، و هي الحمول. و انما قيل للصغار: فرش، لامرين:
أحدهما- لاستواء أسنانها في الصغر و الانحطاط، كاستواء ما يفترش.
الثاني- من الفرش و هي الأرض المستوية التي يتوطأها الناس.
و قال الجبائي: في التفسير، و ابو بكر الرازي في احكام القرآن: ان الفرش ما يفترش من البسط، و الزرابي. و هذا غلط قبيح جدا في اللغة.
و قوله «خطوات» يجوز فيه ثلاثة أوجه- بضم الخاء و الطاء، و ضم الخاء و سكون الطاء، و ضم الخاء و فتح الطاء- و في معناه قولان:
أحدهما- ما يتخطى بكم الشيطان اليه من تحليل الى تحريم، و من تحريم الى تحليل.
الثاني- طرق الشيطان، فانه لا يسعى الا في عصيان.
و قوله «انه» الهاء كناية عن الشيطان «لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ» فيه اخبار من اللَّه ان الشيطان عدو للبشر «مبين» أي ظاهر. و قيل في معنى «مبين» قولان:
أحدهما- انه أبان عداوته لكم بما كان منه الى أبيكم آدم حين أخرجه من الجنة الثاني- بين العداوة أي لإظهاره ذلك في حزبه، و أوليائه من الشياطين هذا قول الحسن.
ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (143)
آية بلا خلاف.
قرأ ابن كثير الا ابن فليح و ابن عامر الا الداحوني عن هشام و اهل البصرة (المعز) بفتح العين. الباقون بسكونها. قال أبو علي من قرأ بالفتح أراد الجمع بدلالة قوله «مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ» و لو كان واحدا لم يسغ فيه هذا، و نصب اثنين على تقدير: و انشأ ثمانية ازواج: انشأ من الضأن اثنين و من المعز اثنين، و نظير معز جمع ماعز خادم و خدم و طالب و طلب، و حارس و حرس، و قال ابو الحسن:
هو جمع على غير واحد، و كذلك المعزى، و حكى ابو زيد أمعوز و انشد:
كالتيس في أمعوزه المربل
و قالوا: المعيز كالكليب، و من سكن العين، فهو أيضا جمع ما عز كصاحب و صحب و تاجر و تجر و راكب و ركب. و ابو الحسن: يرى هذا الجمع مستمرا، و من يرده في التصغير الى الواحد، فيقول في تحقير ركب رويكبون، و في تجر:
تويجرون، و سيبويه يراه اسما من أسماء الجمع، و انشد ابو عثمان حجة لقول سيبويه:
بنيته بعصبة من ماليا أخشى ركيبا او رجيلا عاديا (1)
1) البيت ل (أحيحة بن الجلال) و قد أنشده ابو عثمان شاهدا على البيت الذي يأتى بعده من أنه يقال في تصغير (ركب) ركيب- بضم الراء و فتح الكاف و تسكين الياء
الى الواحد الذي هو فاعل- و الحاق الواو و النون أو الياء و النون، يدل على إنه اسم للجمع و أنشد ابو زيد:
و اين ركيب واضعون رحالهم الى أهل نار من أناس بأسود (1)
و قال ابو عثمان البقرة عند العرب نعجة، و الظبية عندهم ماعزة، الدليل على ذلك قول ذي الرمة:
إذا ما رآها راكب الضيف لم يزل يرى نعجة في مرتع فيثيرها
مولعة خنساء ليست بنعجة يدمّن أجواف المياه و قيرها (2)
قوله لم يزل يرى نعجة يريد بقرة، ألا ترى انه قال مولعة خنساء، و الخنس و التوليع إنما يكونان في البقر دون الظباء. و قوله ليست بنعجة معناه انها ليست بنعجة أهلية، لأنه لا يخلو من ان يريد أنها ليست بنعجة أهلية، أو ليست بنعجة، و لا يجوز أن يريد انها ليست بنعجة، لأنك ان حملته على هذا فقد نفيت ما أوجبه من قوله: لم يزل يرى نعجة، و إذا لم يجز ذلك علمت انه أراد ليست بنعجة أهلية، و الدليل على ان الظبية ماعزة قول أبي ذؤيب.
و عادية تلقى الثياب كأنها تيوس ظباء محصها و انبتارها (3)
فقوله تيوس ظباء كقوله: تيوس معز، و لو كانت عندهم ضائنية لقال كأنها كباش ظباء، و الوقير الشاة يكون فيها كلب و حمار في قوله الاصمعي.
قوله «ثمانية ازواج» منصوب، لأنه بدل من «حمولة و فرشا» لدخوله في الإنشاء، و تقديره و أنشأ حمولة و فرشا ثمانية أزواج «مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ» نصب (اثنين) بتقدير أنشأ من الضأن اثنين، و لو رفع على تقدير منها ماعز اثنان كما تقول رأيت القوم منهم قائم و قاعد كان جائزا، و انما أجمل ما فصله في الاثنين للتقدير على شيء منه، لأنه أشد في التوبيخ من ان يكون دفعة واحدة.
و قوله «ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ» يريد ثمانية افراد، لان كل واحد من ذلك يسمى زوجا، و الأنثى زوج، و انما سمي بذلك، لأنه لا يكون زوج الا و معه آخر له مثل اسمه، فلما دل على الاثنين من اقرب الوجوه، وقع على طريقه، و منه قول لبيد.
من كل محفوف يظل عصيّه زوج عليه كلة و قرامها (1)
و مثل ذلك قولهم: خصم للواحد و الاثنين، و قوله «مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ» يعني ذكر و أنثى، فالضأن الغنم ذوات الاصواف و الأوبار، و المعز الغنم ذوات الاشعار و الاذناب القصار، و واحد الضأن ضائن، كقولهم تاجر و تجر في قول الزجاج. و الأنثى ضائنة. و قال غيره: هو جمع لا واحد له، و يجمع ضئين كقولهم: عبد و عبيد، و يقال فيه (ضئين) كما يقولون في شعر شعير، و كذلك ماعز و معز، الا أنه يجوز فتحه لدخول حرف الحلق فيه و يجمع مواعز.
و
روي عن أبي عبد اللَّه (ع) ان المراد بقوله «مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ» أهلي و وحشي و كذلك المعز و البقر «وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ» العرابي و البخاتي.
و انما خص هذه الثمانية أزواج، لأنها جميع الانعام التي كانوا يحرمون منها ما يحرمونه مما تقدم ذكره.
فان قيل: إذا كان ما حرموه معلوما فلم عدل بهم في السؤال الى غيره؟
قيل على وجه المعارضة لهم على طريقة الحجاج أي انكم بمنزلة من قال هذا، و لذلك وقع السؤال أعلى كذا أم كذا؟ و ان لم يتقدم دعوى أن أحدهما كذا، لأنهم في حكم هذا المدعى. و قوله «آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ» منصوب ب (حرم)، و المعنى في قوله «آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ» أ جاءكم التحريم فيما حرمتم من السائبة و البحيرة و الوصيلة و الحام من الذكرين أم من الأنثيين، فالالف ألف استفهام و المراد به التوبيخ، فلو قالوا من قبل الذكر حرم عليهم كل ذكر، و لو قالوا من قبل
1) تفسير الطبري 11/ 143
الأنثى حرمت عليهم كل أنثى. ثم قال «أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ» فلو قالوا ذلك حرم عليهم الذكر و الأنثى، لان الرحم يشتمل عليهما، قال الحسن معناه ما حملت الرحم.
و قوله «نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» في ذلك.
و قوله «آلذكرين» دخلت الف الاستفهام على الف الوصل لئلا يلتبس بالخبر، و لو أسقطت جاز، لان (أم) تدخل على الاستفهام، و على هذا أجاز سيبويه قال الشاعر ان يكون استفهاما:
فو اللَّه ما ادري و ان كنت داريا شعيب بن سهم أم شعيب بن منقر (1)
أجاز تقديره أشعيب. و (ما) في قوله «أما اشتملت» في موضع نصب عطفا على الأنثيين، و انما قال: الأنثيين مثنى، لأنه أراد من الضأن و المعز.
وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144)
آية بلا خلاف.
قوله «وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ» تفصيل لتمام الثمانية أزواج التي أجملها في الآية الاولى. و قد بينا معنى قوله «آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ» و اصل الاشتمال الشمول تقول: شملهم الأمر يشملهم شمولا فهو شامل، و منه الشمال لشمولها على ظاهر الشيء
1) مر تخريجه في 4/ 199
و باطنه بقوتها و لطفها و الشمول الخمر لاشتمالها على العقل. و قيل: لان لها عصفة كعصفة الشمال.
و قوله «أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا» ف (أم) معادلة لقوله «آلذكرين» و انما قال «أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا» لان طرق العلم اما الدليل الذي يشترك العقل في ادراك الحق بها أو المشاهدة التي يختص بها بعضهم دون بعض، فإذا لم يكن واحد من الامرين سقط المذهب.
و المعنى أعلمتم ذلك بالسمع و الكتب المنزلة فأنتم لا تقرون بذلك أم شافهكم اللَّه به فعلتموه؟! فإذا لم يكن واحد منهما علم بطلان ما تذهبون اليه.
و الوصية مقدمة مؤكدة فيما يفعل او يترك، يقال: وصاه يوصيه توصية و أوصاه يوصيه إيصاء، و الوصي الموصي اليه.
و قوله «فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ» يعني من أظلم لنفسه ممن يكذب عليه فيضيف اليه تحريم ما لم يحرمه و تحليل ما لم يحلله «لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ» أي عمل القاصد الى إضلالهم من اجل دعائه الى ما يشك بصحته مما لا يؤمن ان يكون فيه هلاكهم و ان لم يقصد إضلالهم، فلذلك قال «لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ».
ثم أخبر «إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي» الى الثواب «الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» لأنهم مستحقون للعقاب الدائم بكفرهم و ضلالهم.
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145)
آية بلا خلاف.
قرأ ابن كثير و حمزة «تكون» بالتاء «ميتة» بالنصب. و قرأ ابن عامر بالتاء و الرفع. الباقون بالياء و النصب.
من قرأ بالياء و نصب الميتة جعل في «تكون» ضميرا و نصب الميتة بأنه خبر كان و تقديره: الا ان يكون ذلك او الموجود ميتة.
و من قرأ بالتاء و رفع الميتة رفعها ب (يكون) و يكون من كان التامة دون الناقصة التي تدخل على المبتدأ و الخبر، و هذه القراءة ضعيفة، لان ما بعده «أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ» بالعطف عليه، فلو كان مرفوعا لضعف ذلك.
و من قرأ بالتاء و نصب الميتة جعل في (يكون) ضمير العين او النفس، و تقديره الا أن تكون النفس ميتة، و نصب الميتة بأنه خبر كان.
أمر اللَّه تعالى نبيه (ص) ان يقول لهؤلاء الكفار انه لا يجد في ما أوحي اليه شيئا محرما الا نحو ما ذكره في المائدة (1)كالمنخنقة و الموقوذة و المتردية و النطيحة، لان جميع ذلك يقع عليه اسم الميتة، و في حكمها، فبين هناك على التفصيل، و هاهنا على الجملة و أجود من ذلك ان يقال: ان اللَّه تعالى خص هذه الثلاثة أشياء تعظيما لتحريمها و بين ما عداها في موضع آخر. و قيل:
انه خص هذه الأشياء بنص القرآن و ما عداه بوحي غير القرآن. و قيل: ان ما عداه حرم فيما بعد بالمدينة و السورة مكية.
و الميتة عبارة عما كان فيه حياة فقدت من غير تذكية شرعية. و الدم المسفوح هو المصبوب، يقال: سفحت الدمع و غيره أسفحه سفحا إذا صببته، و منه السفاح الزنا، لصب الماء صب ما يسفح و السفح و الصب و الاراقة بمعنى و انما خص المسفوح بالذكر، لان ما يختلط بالدم منه مما لا يمكن تخليصه منه معفو مباح، و هو قول أبي محلز، و عكرمة و قتادة.
و قوله «أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ» فانه و ان خص لحم الخنزير بالذكر، فان جميع
1) آية 3 من سورة 5 المائدة 3/ 428
ما يكون منه من الجلد و الشعر و الشحم و غير ذلك محرم.
و قوله «فَإِنَّهُ رِجْسٌ» يعني ما تقدم ذكره، فلذلك كنا عنه بكناية المذكر، و الرجس العذاب أيضا.
و قوله «أو فسقا» عطف على قوله «او لحم خنزير» فلذلك نصبه، و المراد بالفسق «ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ» يعني «مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» او تذكر الأصنام و الأوثان، و سمي ما ذكر عليه أسم الوثن: فسقا لخروجه عن أمر اللَّه.
و أصل الإهلال رفع الصوت بالشيء، و منه اهل الصبي إذا صاح عند ولادته.
و قوله «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ» قيل فيه قولان:
أحدهما- غير طالب بأكله التلذذ.
و الثاني- غير قاصد لتحليل ما حرم اللَّه. و
روي أصحابنا في قوله «غَيْرَ باغٍ» ان معناه ان لا يكون خارجا على إمام عادل أي لا يعتدى بتجاوز ذلك الى ما حرمه اللَّه.
و
روي أصحابنا ان المراد به قطاع الطريق، فإنهم غير مرخصين بذلك على حال.
و الضرورة التي تبيح أكل الميتة هي خوف التلف على النفس من الجوع.
و انما قال عند التحليل للمضطر «فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» لان هذه الرخصة لأنه «غَفُورٌ رَحِيمٌ» أي حكم بالرخصة كما حكم بالمغفرة. و في ذلك بيان عن عظم موقع النعمة.
و قد استدل قوم بهذه الآية على إباحة ما عدا هذه الأشياء المذكورة.
و هذا ليس بصحيح، لان هاهنا محرمات كثيرة غيرها كالسباع، و كل ذي ناب و كل ذي مخلب، و غير ذلك. و كذلك أشياء كثيرة اختص أصحابنا بتحريمها، كالجرى و المار ما هي، و غير ذلك، فلا يمكن التعلق بذلك.
و يمكن ان يستدل بهذه الآية على تحريم الانتفاع بجلد الميتة فانه داخل تحت قوله «أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً» و يقويه
قوله (عليه السلام) لا ينتفع من الميتة
بأهاب و لا عصب.
فأما دلالته على ان الشعر و الصوف و الريش منها و الناب و العظم محرم، فلا يدل عليه، لان ما لم تحله الحياة لا يسمى ميتة على ما مضى القول فيه.
وَ عَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَ مِنَ الْبَقَرِ وَ الْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَ إِنَّا لَصادِقُونَ (146)
آية بلا خلاف.
أخبر اللَّه تعالى انه حرم على اليهود في أيام موسى كل ذي ظفر.
و اختلفوا في معنى «كُلَّ ذِي ظُفُرٍ» فقال ابن عباس و سعيد بن جبير و مجاهد و قتادة و السدي: انه كل ما ليس بمنفرج الأصابع، كالإبل، و النعام، و الاوز، و البط.
و قال أبو علي الجبائي: يدخل في ذلك جميع انواع السباع و الكلاب و السنانير و سائر ما يصطاد بظفره من الطير.
و قال البلخي: هو كل ذي مخلب من الطائر، و كل ذي حافر من الدواب.
و يسمى الحافر ظفرا مجازا، كما قال الشاعر:
فما رقد الولدان حتى رأيته على البكر يمريه بساق و حافر (1)
فجعل الحافر موضع القدم. و اخبر تعالى انه كان حرم عليهم شحوم البقر و الغنم من الثرب، و شحم الكلى، و غير ذلك مما في أجوافها، و استثنى من ذلك بقوله «إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما» ما حملته ظهورها فانه لم يحرمه، و استثنى أيضا ما على الحوايا من الشحم، فانه لم يحرمه.
1) قائله جبيها الاسدي. اللسان (حفر)
و اختلفوا في معنى الحوايا، فقال ابن عباس و الحسن و سعيد بن جبير و قتادة و مجاهد و السدي: هي المباعر. و قال ابن زيد: هن بنات اللبن.
و قال الجبائي: الحوايا الأمعاء التي عليها الشحم من داخلها.
و حوايا جمع حوية و حاوية. و قيل في واحده حاوياء- في قول الزجاج- على وزن راضعات و رواضع، و ضاربة و ضوارب، و من قال: حِويَّة قال وزنه فعائل مثل سفينة و سفائن في الصحيح، و هي ما يجري في البطن فاجتمع و استدار، و يسمى بنات اللبن و المباعر و المرابض و ما فيها الأمعاء بذلك.
و استثنى أيضا من جملة ما حرم «مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ» و هو شحم الجنب و الإلية، لأنه على العصص- في قول ابن جريج و السدي- و قال الجبائي:
الإلية تدخل في ذلك، لأنها لم تستثن و ما اعتد بعظم العصص.
و موضع (الحوايا) من الاعراب يحتمل أمرين:
أحدهما- قول اكثر اهل العلم: انه رفع عطفا على الظهور على تقدير:
و ما حملت الحوايا.
الثاني- نصب عطفا على ما في قوله «إِلَّا ما حَمَلَتْ» فأما قوله «أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ» فيكون نسقاً على ما حرم لا على الاستثناء. و التقدير- على هذا القول- حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا او ما اختلط بعظم الا ما حملت الظهور، فانه غير محرم. و (أو) دخلت على طريق الاباحة كقوله «وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً» (1)و المعنى اعص هذا و أعص هذا، فان جميعهم اهل ان يعصى، و مثله جالس الحسن أو ابن سيرين اي جالس أيهما شئت.
و هذه الأشياء و إن كان اللَّه تعالى حرمها على اليهود في شرع موسى، فقد نسخ تحريمها على لسان محمد (صلى اللَّه عليه و آله) و أباحها، و تدعي النصارى ان ذلك نسخ في شرع عيسى (ع) و لسنا نعلم صحة ما يقولونه.
و قوله «ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ» معناه انا حرمنا ذلك عليهم عقوبة لهم
1) سورة 76 الدهر آية 24
على بغيهم.
فان قيل: كيف يكون التكليف عقابا، و هو تابع للمصلحة، و مع ذلك فهو تعريض للثواب؟؟
قلنا: إنما سماه عقوبة، لان عظيم ما أتوه من الاجرام و المعاصي اقتضى تحريم ذلك و تغير المصلحة، و حصول اللطف فيه، فلذلك سماه عقوبة، و لو لا عظم جرمهم لما اقتضت المصلحة ذلك.
و قوله «وَ إِنَّا لَصادِقُونَ» يعني فيما أخبرنا به من تحريم ذلك على اليهود فيما مضى. و ان ذلك عقوبة لاوائلهم و مصلحة لمن بعدهم الى وقت النسخ.
و حكي عن ابن علية أنه كان يقول: ان ما يذبحه اليهود لا يجوز أكل شحمه و ان جاز أكل لحمه، لان الشحوم كانت حراما عليهم. و عندنا ان ما يذبحه اليهود لا يجوز استباحة شيء منه، و هو بمنزلة الميتة غير ان الذي ذكره غير صحيح، لأنه يلزم عليه انه لو نحر اليهود جملا ان لا يجوز اكله، لأنه كان حراما عليهم، و ذلك باطل عنده.
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَ لا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)
آية بلا خلاف.
المعنى بقوله «فَإِنْ كَذَّبُوكَ» قيل فيه قولان:
أحدهما- قال مجاهد و السدي: انهم اليهود، لأنهم زعموا أنهم حرموا الثروب، لان إسرائيل حرمها على نفسه، فحرموها هم اتباعا له دون ان يكون اللَّه حرم ذلك على لسان موسى.
الثاني- انه يرجع الى جميع المشركين في قول الجبائي و غيره على ظاهر الآية، فقال اللَّه لنبيه «فَإِنْ كَذَّبُوكَ» يا محمد في اني حرمت ذلك على اليهود على لسان موسى «فقل» لهم «رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ» و اقتضى ذكر الرحمة
أحد أمرين:
الاول- انه برحمة أمهلهم مع تكذيبهم، بالمؤاخذة عاجلا- في قول أبي علي الجبائي-.
الثاني- انه ذكر ذلك ترغيبا لهم في ترك التكذيب و تزهيدا في فعله و انما قابل بين لفظ الماضي في قوله «كذبوك» بالمستقبل في قوله «فقل» لتأكيد وقوع القول بعد التكذيب إذ كونه جوابا يدل على ذلك. و (ذو) بمعنى صاحب. و الفرق بينهما ان أحدهما يصح ان يضاف الى المضمر، و لا يصح في الآخر، لان (ذو) وصلة الى الصفة بالجنس، و لذلك جعل ناقصا لا يقوم بنفسه دون المضاف اليه، و المضمر ليس بجنس و لا يصح ان يوصف به.
و قوله «لا يُرَدُّ بَأْسُهُ» معناه لا يمكن أحدا أن يرده عنهم، و هو أبلغ من قوله بأسه نازل بالمجرمين، لأنه دل على هذا المعنى و على أن أحدا لا يمكنه ردُّه. و قوله «عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ» معناه أن أحدا لا يتمكن من ردِّ عقاب اللَّه عن العصاة المستحقين للعقاب مع انه تعالى ذو رحمة واسعة.
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَ لا آباؤُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (148)
آية بلا خلاف.
اخبر اللَّه تعالى نبيه (ص) بأن هؤلاء المشركين سيحتجون في إقامتهم على شركهم، و على تحريمهم ما أحله اللَّه من الانعام التي تقدم وصفها بأن يقولوا: لو شاء اللَّه ان لا نفعل نحن ذلك و لا نعتقده و لا آباؤنا، او أراد منا خلاف ذلك «ما أشركنا نحن و لا آباؤنا و لا حرمنا» شيئا من ذلك. فكذَّبهم
اللَّه تعالى بذلك في قوله «كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» و معناه مثل هذا التكذيب الذي كان من هؤلاء- في انه منكر- «كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» و انما قال كذلك لتقضي الخبر، و لو قال (كذا) لجاز، لأنه قريب بعد الاول، و (كذلك) أحسن، لان ما فيه من تأكيد الاشارة تغني عن الصفة.
و حكي انه قرئ «كذب الذين» بالتخفيف، فمن خفف أراد ان هؤلاء كاذبون كما كذب الذين من قبلهم على اللَّه بمثله. و من قرأ بالتشديد، فلأنهم بهذا القول كذبوا رسول اللَّه لأنهم قالوا له: ان اللَّه أراد منا ذلك و شاءه، و لو أراد غيره لما فعلناه، مكذبين للرسول (ص) كما كذب من تقدم أنبياءهم فيما أتوا به من قبل اللَّه.
ثم بيَّن بقوله «قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا» أن ما قالوه باطل و كذب على اللَّه لأنه لو كان صحيحا لما رده عليهم.
ثم أكد تكذيبهم بقوله «إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ» أي ليس يتبعون إلا ظنا من غير علم «وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ» يعني تكذبون، و الخرص الكذب كقوله «قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ» (1).
و في هذه الآية أدلُّ دلالة على ان اللَّه تعالى لا يشاء المعاصي و الكفر، و تكذيب ظاهر لمن أضاف ذلك الى اللَّه مع قيام ادلة العقل على انه تعالى لا يريد القبيح، لان إرادة القبيح قبيحة، و هو لا يفعل القبيح، و لان هذه صفة نقص، فتعالى اللَّه عن ذلك علوا كبيرا.
و قوله «حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا» معناه حتى ذاقوا عذابنا، و أراد به حلول العذاب بهم فجعل وجدانهم لذلك ذوقا مجازا. و جاز قوله «ما أَشْرَكْنا وَ لا آباؤُنا» و لم يجز ان يقال: قمنا و زيد، لان العطف على المضمر المتصل لا يحسن الا بفصل، فلما فصلت (لا) حسن، كما حسن: ما قد قمنا و لا زيد كان كذلك، لان الضمير المتصل يغيَّر له الفعل في (فعلت) فيصير كجزء منه.
1) سورة 51 الذاريات آية 10
فان قيل: انما أنكر اللَّه تعالى عليهم هذا القول، لأنهم جعلوا هذا القول حجة في إقامتهم على شركهم، فأعلم اللَّه عزَّ و جل ان «كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا» و لم ينكر عليهم انهم قالوا الشرك بمشيئة اللَّه، و لو كان منكرا لذلك، لقال: كذلك كذب الذين- بتخفيف الذال-.
قلنا: لا يجوز ذلك، لأنه تعالى بين انهم كذبوا في هذا القول بقوله «وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ» أي تكذبون، فاما كذبوا فقد حكينا أنه قرئ- بالتخفيف- و من شدد الذال، فلان تكذيب الصادق كذب، و هو يدل على الامرين، فان قالوا: انما عابهم، لأنهم كانوا متهزئين بهذا القول لا معتقدين و لا متدينين. قلنا: المعروف من مذهبهم خلافه، لأنهم كانوا يعتقدون ان جميع ما يفعلونه قربة الى اللَّه، و ان اللَّه تعالى اراده و اخبر عنه، فكيف يكونون متهزئين، على ان الهازئ بالشيء لا يسمى كاذبا، فكيف سماهم اللَّه كاذبين؟ على انه إذا كان كل ما يجري بمشيئته فلا يجب ان ينكر على احد ما يعتقده، لأنه اعتقد ما شاء اللَّه. و من فعل ما شاء كان مطيعا له، لان الطاعة هي امتثال الامر و المراد منه. و هذا باطل بالإجماع.
فان قيل: انما عاب اللَّه المشركين بهذه الآية، لأنهم قالوا ذلك حدسا و ظنا لا عن علم، و ذلك لا يدل على انهم غير صادقين، و قد يجوز ان يكون الإنسان صادقا فيما يخبر به و يكون قوله صادرا عن حدس و عن ظن.
قلنا: لو كان الامر على ما قلتم لما كانوا كاذبين إذا كان مخبر ما أخبروا به على ما أخبروا، و قد كذبهم اللَّه في اخبارهم بقوله «كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» و بقوله «إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ» على ان من ظن شيئا فأخبر عنه لا يوصف بأنه كاذب و ان كان على خلاف ما ظنه فكيف إذا كان على ما ظنه.
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (149)
آية بلا خلاف.
امر اللَّه تعالى نبيه (ص) ان يقول لهؤلاء الكفار الذين احتجوا بما قالوه ان اللَّه لو شاء منهم ذلك لما كان للَّه الحجة البالغة يعني الحجة التي احتج بها على الكافرين في الآية الاولى، و جميع ما احتج به على عباده في صحة دينه الذي كلفهم إياه. و معنى (البالغة) التي تبلغ قطع عذر المحجوج و تزيل كل لبس و شبهة عمن نظر فيها و استدل أيضا بها. و انما كانت حجة اللَّه صحيحة بالغة، لأنه لا يحتج الا بالحق و ما يؤدي الى العلم. و قوله «وَ لَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» يحتمل أمرين:
أحدهما- لو شاء لألجأ الجميع الى الايمان غير ان ذلك ينافي التكليف.
الثاني- انه لو شاء لهداهم الى نيل الثواب و دخول الجنة، و بيَّن بذلك قدرته على منافعهم و مضارهم، و بيَّن انه لم يفعل ذلك، لأنه يوجب زوال التكليف عنهم و اللَّه تعالى أراد بالتكليف تعريضهم للثواب الذي لا يحسن الابتداء به، و لو كان الامر على ما قالته المجبرة من ان اللَّه تعالى شاء منهم الكفر لكانت الحجة للكفار على اللَّه من حيث فعلوا ما شاء اللَّه، و كان يجب ان يكونوا بذلك مطيعين له و لا تكون الحجة عليهم من حيث انه خلق فيهم الكفر و أراد منهم الكفر، فأي حجة مع ذلك.
قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ هُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)
آية بلا خلاف.
معنى هذه الآية ان الحجاج بأن الطريق الموصل الى صحة مذهبهم غير مسندّ إذ لم يثبت من جهة حجة عقل و لا سمع. و ما لم يصح ان يثبت من
أحد هذين الوجهين باطل لا محالة، لان ما لا يصح ان يعلم فاسد لا محالة.
امر اللَّه تعالى نبيه (ص) ان يقول لهؤلاء الكفار الذين تقدم وصفهم «هلموا» و معناه هاتوا. و هلم كلمة موضوعة للجماعة بني مع (ها) فصار بمنزلة الصوت نحو (صه) قال الأعشى:
و كان دعا قومه دعوة هلَّم الى أمركم قد صُرِم (1)
و من قال: هلموا، فانه لم يبنهم مع (ها) بل قدره على الانفصال.
و الاول أفصح، لأنها لغة القرآن، و هي لغة اهل الحجاز. و اهل نجد يقولون:
هلم و هلما و هلموا و هلمي و هلميا و هلمن، قال سيبويه أصله (ها) ضم اليه (لم) فبني فقيل: هلم، و هات فصل و لم يتصل بما يبنى معه، فلذلك لا بد ان يقال للجماعة: هاتوا. و (هلم) لفظ يتعدى تارة، و اخرى لا يتعدى، فإذا كانت بمعنى (هاتوا) فإنها تتعدى مثل قوله «هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ» و إذا كانت بمعنى (تعالوا) نحو «هلم إلينا» (2)فإنها لا تتعدى و نظيره: عليك زيدا يتعد الى واحد، و عليَّ زيدا يتعدى الى اثنين بمعنى أولني زيدا، و مثله من الفعل: رجع و رجعته، و لا يجوز في (هلم) الضم و الكسر، كما يجوز في وَرُد: وَرَد. قال الزجاج: لأنها لا تتصرف على طريقة: فَعَل يَفعَل، مع ما اتصلت بها من هاء.
و معنى الآية هاتوا شهداءكم الذين يشهدون بصحة ما تدعون من ان اللَّه حرم هذا الذي ذكرتموه. و قوله «فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ» فان قيل كيف دعاهم الى الشهادة مع أنهم إذا شهدوا لم تقبل شهادتهم؟؟! قلنا عنه جوابان أحدهما- قال أبو علي: لأنهم لم يشهدوا على الوجه دعوا ان يُشهِدوا بيِّنة عادلة تقوم بها الحجة.
الثاني- شهداء من غيرهم، و لن يجدوا ذلك، و لو وجدوه ما وجب
قبول شهاداتهم، لأنها لا ترجع الا الى دعوى مجردة. و لكن المذهب مع هذه الحال أبعد عن الصواب، لأنهم لا يجدون من يشهد لهم. و هو قول الحسن.
و قوله «وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا» نهى من اللَّه لنبيه و المراد به أمته ان يعتقدوا مذهب من اعتقد مذهبه هوى، و يمكن اتخاذ المذهب هوى من وجوه.
أحدها- هوى من سبق اليه فقلده فيه.
و الثاني- ان يدخل عليه شبهة فيتخيَّله بصورة الصحيح مع ان في عقله ما يمنع منه. و منها- ان يقطع النظر دون غايته، للمشقة التي تلحقه فيعتقد المذهب الفاسد. و منها- ان يكون نشأ على شيء و ألفه و اعتاده فيصعب عليه مفارقته. و كل ذلك متميز مما استحسنه بعقله.
و انما قال «الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ» و كلهم كفار ليفصل وجوه كفرهم، لان منه ما يكون مع الإقرار بالآخرة كحال اهل الكتاب، و منه ما يكون مع الإنكار كحال عبدة الأوثان. و قوله «وَ هُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ» معناه يعدلون به عن الحق لاتخاذهم مع اللَّه شركاء و اضافتهم إليه ما لم يقله و افترائهم عليه.
و في الآية دلالة على فساد التقليد لأنه لو كان التقليد جائزا لما طالب اللَّه الكفار بالحجة على صحة مذهبهم، و لما كان عجزهم عن الإتيان بها دلالة على بطلان ما ذهبوا اليه.
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيَّاهُمْ وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)
آية بلا خلاف.
لما حكى اللَّه تعالى عن هؤلاء القوم انهم حرموا ما لم يحرمه اللَّه و أحلُّوا ما حرمه، قال لنبيه «قل» لهم «تعالوا» حتى أبين لكم ما حرمه اللَّه.
و (تعالوا) معناه أدنوا، و هو مشتق من العلو، و تقديره كأن الداعي في المكان العالي، و ان كانا في مستوى من الأرض كما يقال للإنسان: ارتفع الى صدر المجلس.
و قوله «اتل» مشتق من التلاوة مثل القراءة. و المتلو مثل المقروء، فالمتلوُّ هو المقروء الاول، و التلاوة هي الثاني منه على طريق الاعادة، و هو مثل الحكاية و المحكي. و قوله «اتل» مجزوم بأنه جواب الامر، و علامة الجزم فيه حذف الواو، و من شأن الجازم أن يأخذ الحركة إذا كانت على الحرف، فان لم يكن هناك حركة أخذ نفس الحرف.
و قوله «ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ» (ما) في موضع نصب ب (أتل) و هي بمعنى الذي، و تقديره أتل الذي حرم ربكم عليكم: ان لا تشركوا به شيئا، و يجوز ان يكون نصبا ب (حرَّم) و تقديره أي شيء حرم ربكم، لان (أتلوا) بمنزلة أقول.
و قوله «أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» يحتمل موضع (ان) ثلاثة أوجه من الاعراب:
أحدها- الرفع على تقدير ذلك ان لا تشركوا به شيئا.
و الثاني- النصب على تقدير أوصى ان لا تشركوا به شيئا.
و قيل فيه وجه رابع- ان يكون نصبا ب (حرَّم) و تكون (لا) زائدة، و تقديره حرم ربكم ان تشركوا به شيئا، كما قال «ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ» (1)و نظائر ذلك قد قدمنا طرفا منها. و موضع تشركوا يحتمل أمرين، أحدهما-
1) سورة 7 الاعراف آية 11
النصب ب (ان). الثاني- الجزم ب (لا) على النهي.
و
قال ابو جعفر عليه السلام: ادنى الشرك الرياء.
و قوله «وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» العامل فيه (أمر) أي امر بالوالدين إحسانا، و اوصى بالوالدين إحسانا. و دليله من وجهين: أحدهما- ان في (حرم كذا) معنى اوصى بتحريمه، و امر بتجنبه. الثاني «ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ».
و قوله «وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ» عطف بالنهي على الخبر، لان قوله «و لا تقتلوا» نهي، و قوله اوصى ألا تشركوا به شيئا، و أوصى بالوالدين إحسانا خبر، و جاز ذلك كما جاز في قوله «قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (1)و قال الشاعر:
حج و أوصى بسليمى الاعْبُدَ ان لا ترى و لا تكلم أحدا
و لا تمش بقضاء بَعُدا و لا يزل شرابها مبردا (2)
و الاملاق: الإفلاس من المال و الزاد يقال: املق إملاقا و منه الملق لأنه اجتهاد في تقرب المفلس للطمع في العطية.
و قال ابن عباس و قتادة و السدي و ابن جريج و الضحاك: الاملاق الفقر، نهاهم اللَّه ان يقتلوا أولادهم خوفا من الفقر. و قال «نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيَّاهُمْ» و قوله «وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ» نهي عن الفواحش و هي القبائح. و قيل:
الفاحش العظيم القبح، و القبيح يقع على الصغير و الكبير، لأنه يقال القرد قبيح الصورة و لا يقال فاحش الصورة. و ضد القبيح الحسن و ليس كذلك الفاحش. قال الرماني و يدخل في الآية النهي عن الصغير، لان قرب الفاحش عمل الصغير من القبيح. و قوله «ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ» قيل في معناه قولان:
أحدهما- قال ابن عباس و الضحاك و السدي: كانوا لا يرون بالزنا بأسا سرا، و يمنعون منه علانية، فنهى اللَّه عنه في الحالتين.
الثاني- لئلا يظن و يتوهم ان الاستبطان جائز.
و
قال ابو جعفر (عليه السلام) ما ظهر هو الزنا، و ما بطن المخالَّة.
و قيل معناه ما علن و ما خفي يعني من جميع أنواع الفواحش و هو أعم فائدة.
و قوله «وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ» فالنفس المحرم قتلها هي نفس المسلم و المعاهد دون الكافر الحربي، و الحق الذي يستباح به قتل النفس المحرمة ثلاثة أشياء: قود بالنفس الحرام، و الزنا بعد إحصان، و الكفر بعد الايمان.
و قوله «ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ» خطاب لجميع الخلق «لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» معناه لكي تعقلوا عنه ما وصاكم به فتعملوا به.
وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى وَ بِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)
آية بلا خلاف.
قرأ اهل الكوفة الا أبا بكر «تذكرون» بتخفيف الذال حيث وقع.
الباقون بالتشديد. قال سيبويه: ذكرته ذكرا مثل شربا، قال ابو علي:
(ذكر) فعل يتعدى الى مفعول واحد، كقوله «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ» (1)فإذا ضاعفت العين تعدى الى مفعولين كقولك ذكرته أباه قال الشاعر:
يُذَكْرنيِك حنين العجول و نوح الحمامة تدعو هديلا
فان نقله بالهمزة كان كنقله بالتشديد، و تقول: ذكرته فتذكر، لان تذكر مطاوع (فعل) كما تفاعل مطاوع فاعل، قال تعالى
1) سورة 2 البقرة آية 152 [.....]
«إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا» (1)و قد تعدى تفعلت قال الشاعر:
تذكرت أرضا بها أهلها أخوالها فيها و أعمامها
و أنشد ابو زيد:
تذكرت ليلى لات حين أذكارها و قد حني الإضلال ضلا بتضلال
فقال أذكارها، كما قال «وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا» (2)و نحو ذلك مما لا يحصى مما لا يجيء المصدر على (فعلة)، و جاء المصدر على (فعلى) بالف التأنيث، فقالوا ذكرى و قالوا في الجمع الذكر، فجعلوه بمنزلة (سدرة، و سدر) و قالوا: الدكر بالدال غير المعجمة حكاه سيبويه، و المشهور بالذال.
فمن قرأ بتشديد الذال أراد يتذكرون و يأخذون به، و لا يطرحونه و ادغم التاء في الذال، و المعنى يتذكرون، كما قال «وَ النَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ» (3)أي يتفكر و قال «أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ» (4)معناه او لا يتفكر، و قال «وَ لَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا» (5)أي ليتفكروا فيه.
و من قرأ- بتخفيف الذال- أراد لكي يذكروه و لا ينسوه فيعلموا به.
و القراءتان متقاربتان غير ان هذا حذف التاء الاولى، و الأولون أدغموا التاء في الذال. و المعنى فيها لعلكم تتذكرون.
هذه الآية عطف على ما حرم اللَّه في الآية الاولى و اوصى به، فنهى في هذه الآية ان تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي احسن، و المراد بالقرب التصرف فيه، و انما خص اليتيم بذلك و ان كان واجبا في كل احد، لان اليتيم لما كان لا يدفع عن نفسه و لا له والد يدفع عنه، فكان الطمع في ماله أقوى تأكد النهي في التصرف في ماله.
و قوله «إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»
قيل في معناه ثلاثة أقوال:
أحدها- حفظه عليه الى ان يكبر فيسلم اليه.
و قيل معناه تثميره بالتجارة في قول مجاهد و الضحاك و السدي.
و الثالث- ما قاله ابن زيد: ان يأخذ القيم عليه بالمعروف دون الكسوة.
و قوله «حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ»
اختلفوا في حد الأشد، فقال ربيعة و زيد بن أسلم و مالك و عامر الشعبي: هو الحلم. و قال السدي: ثلاثون سنة. و قال قوم: ثماني عشرة سنة. لأنه اكثر ما يقع عندهم البلوغ و استكمال العقل.
و قال قوم قوم: انه لاحد له و انما المراد به حتى يكمل عقله و لا يكون سفيها يحجر عليه. و المعنى حتى يبلغ أشده فيسلم اليه ماله او يأذن في التصرف في ماله، و حذف لدلالة الكلام عليه. و هذا أقوى الوجوه.
و واحد الأشد قيل فيه قولان:
أحدهما- شد مثل أضر جمع ضر، و أشد جمع شد. و الشد القوة، و هو استحكام قوة شبابه و سنه، كما شد النهار ارتفاعه. و حكى الحسين بن علي المغربي عن أبي اسامة ان واحدة شدة. مثل نعمة و أنعم. و قال بعض البصريين: الأشد واحد مثل الافك. و من قال ان واحده شد استدل بقول عنترة:
عهدي به شد النهار كأنما خضب البنان و رأسه بالعظم (1)
هكذا رواه المفضل الضبي. و قال الآخر:
يطيف به شد النهار ظعينة طويلة انقاء اليدين سحوق (2)
و قوله «وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ»
أمر من اللَّه يتوفية كيل ما يكال و توفية وزن ما يوزن بالقسط يعني بالعدل وفاء من غير بخس.
و قوله «لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها»
معناه هنا انه لما كان التعويل في الوزن و الكيل على التحديد من اقل القليل يتعذر، بين انه لا يلزم في ذلك الاجتهاد في التحرز.
و قوله «وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا»
يعني قولوا الحق. و لو كان علي ذي قرابة لكم. و انما خص القول بالعدل دون الفعل، لان من جعل عادته العدل في القول دعاه ذلك الى العدل في الفعل، لان ذلك من آكد الدواعي اليه و البواعث عليه.
و قوله «وَ بِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا»
قيل في معنى العهد هاهنا قولان:
أحدهما- كل ما أوجبه على العبد فقد عهد اليه بإيجابه عليه و تقديم القول فيه و الدلالة عليه.
الثاني- قال ابو علي عهد اللَّه الحلف باللَّه، فإذا حلف في غير معصية اللَّه وجب عليه الوفاء. و قوله «ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»
قيل في معناه قولان:
أحدهما- لئلا تغفلوا عنه فتتركوا العمل به و القيام بما يلزم منه.
الثاني- لتتذكروا كل ما يلزمكم بتذكر هذا فتعملوا به.
وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)
آية بلا خلاف.
قرأ الكسائي و حمزة «و ان هذا» بكسر الهمزة. الباقون بفتحها.
و كلهم شدد النون الا ابن عامر فانه خففها. و كلهم سكن الياء من (صراطي) الا ابن عامر فانه فتحها. و به قرأ يعقوب. و قرأ ابن كثير و ابن عامر «سراطي» بالسين. الباقون بالصاد الا حمزة، فانه قرأ بين الصاد و الزاي. و روى ابن فليح و البزي الا القواس «فتفرق» بتشديد التاء. و وجهه ان أصله (فتتفرق) فأدغم أحدهما في الاخرى.
و من فتح (أنَّ) احتمل ذلك وجهين:
أحدهما- ان يكون عطفا على «أَلَّا تُشْرِكُوا».
و الثاني- و لان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه.
و من كسر (انَّ) احتمل ايضا وجهين: أحدهما- عطفه على «أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ» و اتل «ان هذا» بمعنى أقول. و الثاني- استأنف الكلام.
و من خفف (ان) فأن المخففة في قوله تتعلق بما تتعلق به المشددة.
و موضع (هذا) رفع بالابتداء و خبره (صراطي) و في (ان) ضمير القصة و الشأن. و على هذه الشريطة تخفف، و ليست المفتوحة كالمكسورة إذا خففت. و الفاء في قوله «فاتبعوه» على قول من كسر (ان) عاطفة جملة على جملة. و على قول من فتح زائدة و نصب «مستقيما» على الحال.
و الفائدة ان هذا صراطي و هو مستقيم، فاجتمع له الأمران، و لو رفع مستقيم، لما أفاد ذلك.
و انما سمى اللَّه تعالى ان ما بيَّنه و ذكره من الواجب و المحرم صراط و طريق لان امتثال ذلك على ما أمر به يؤدي الى الثواب في الجنة، فهو طريق اليها، و الى النعيم فيها و قوله «فَاتَّبِعُوهُ» أمر من اللَّه تعالى باتباع صراطه و ما شرعه للحق. و طريق اتباع الشرع- و فيه الحرام و الحلال و المباح- هو اعتقاد ذلك فيه، و العمل على ما ورد الشرع به، فيفعل الواجب و الندب، و يجتنب القبيح، و يكون مخيرا في المباح. و لا يجب فعل جميعه، لان ذلك خلاف الاتباع. و انما قيل لاعتقاد صحة الشرع اتباع له، لأنه تعالى إذا حظر شيئا أو حظر تركه كان حكمه، و وجب اتباعه في انه محرم و واجب، و كذلك الندب و المباح.
و قوله «وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ» يعني سبل الشيطان و اتباع اهل البدع من اليهود و النصارى و غيرهم، فنهى تعالى عن اتباع ذلك فان اتباع غير سبيله تصرف عن اتباع سبيله، و لا يمكن ان يجتمعا «ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» معناه أمركم به و أوصاكم بامتثاله لكي تتقوا عقابه باجتناب معاصيه.
و انما اتى بلفظة (لعل) لان المعنى انكم تعاملون في التكليف و الجزاء معاملة الشك للمظاهرة في العدل.
ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَ تَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154)
آية بلا خلاف.
قيل في معنى قوله «ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ» مع ان كتاب موسى قبل القرآن و (ثم) تقتضي التراخي قولان:
أحدهما- ان فيه خذفا، و تقديره: ثم اتل «آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ» و قال ابو مسلم عطفه على المنن التي امتنَّ بها على ابراهيم من قوله «وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ» الى قوله «إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» و استحسنه المغربي.
و قوله «تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ» قيل فيه خمسة أقوال:
أحدها- قال الربيع و الفراء: تماما على إحسانه اي احسان موسى كأنه قال ليكمل إحسانه الذي يستحق به كمال ثوابه في الآخرة.
الثاني- قال مجاهد: تماما على المحسنين. و قيل في قراءة عبد اللَّه «تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ» كأنه قيل إتماما للعنة على المحسنين الذين هو أحدهم.
الثالث قال ابن زيد: تماما على احسان اللَّه الى أنبيائه.
الرابع- قال الحسن و قتادة: لتمام كرامته في الجنة على إحسانه في الدنيا.
الخامس- قال ابو علي: تماما على احسان اللَّه الى موسى بالنبوة، و غيرها من الكرامة. و قال أبو مسلم تماما على الذي احسن ابراهيم، فجعل ما اعطى موسى منَّة على ابراهيم و اجابة لدعوته بما تقدم من إحسانه و طاعته، و ذلك إذ يقول ابراهيم «وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ» (1).
و قوله «تَماماً عَلَى الَّذِي» يقتضي مضاعفة (عليه). و لو قال: تماما،
1) سورة 26 الشعراء آية 84
لدل على نقصانه قبل تكميله. و قوله «أحسن» في موضع خفض عند الفراء، زعم ان العرب تقول مررت بالذي خير منك، و بالذي أخيك. و لا يقولون:
بالذي قائم، لأنه نكرة و أنشد عن الكسائي:
ان الزبيري الذي مثل الحكم مشى بأسلابك في اهل العلم (1)
قال الزجاج: أجمع البصريون على انه لا يجوز ذلك، لان (الذي) يقتضي صلة، و لا يصح ان يوصف الا بعد تمام صلته.
و قوله «وَ هُدىً وَ رَحْمَةً» صفتان للكتاب الذي أنزله على موسى، و معناه حجة و رحمة «وَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ» مثل ذلك. و قوله «لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ» معناه لكي يؤمنوا بجزاء ربهم، فسمى الجزاء لقاء اللَّه تفخيما لشأنه و تعظيما له مع الاختصار و الإيجاز. و (تماما) و (تفصيلا) نصب على انه مفعول له، و تقديره إنا فعلنا للتمام و التفصيل لكل ما شرعنا له. و روي في الشواذ (أحسن) رفعا و تقديره على الذي هو أحسن.
وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَ اتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155)
آية بلا خلاف.
قوله «و هذا» اشارة الى القرآن، وصفه بأنه كتاب أنزله اللَّه و انما وصفه بأنه كتاب و ان لم يكن قرآنا من اجل انه يكتب، لأنه لما كان التقييد بالكتاب من اكثر ما يحتاج اليه في الدلائل و الحكم، وصف بهذا الوصف، لبيان انه مما ينبغي ان يكتب، لأنه اجل الحكم، و ذكر في هذا الموضع بهذا الذكر ليقابل ما تقدم من ذكر كتاب موسى (ع).
و قوله «مبارك» فالبركة ثبوت الخير بزيادته و نموه، و أصله الثبوت، و منه (تبارك) أي تعالى بصفة اثبات لا أول له و لا آخر، و هذا تعظيم
1) معاني القرآن 1/ 365 و تفسير الطبري 12/ 234.
لا يستحقه غير اللَّه تعالى. و رفعه بأنه صفة للكتاب، و لو نصب على الحال كان جائزا غير ان الرفع يدل على لزوم الصفة للكتاب، و النصب يجوز ان يكون لحالة عارضة في وقت الفعل.
و قوله «فَاتَّبِعُوهُ» امر من اللَّه باتباعه و تدبر ما فيه و امتثاله.
و قوله «وَ اتَّقُوا» أمر منه تعالى باتقاء معاصيه، و تجنب مخالفة كتابه.
و قوله «لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» أي لكي ترحموا، و انما قال «اتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» مع انهم إذا اتقوا رحموا لا محالة لامرين:
أحدهما- اتقوا على رجاء الرحمة، لأنكم لا تدرون بما توافون في الآخرة.
الثاني- اتقوا لترحموا، و معناه ليكن الغرض بالتقوى منكم طلب ما عند اللَّه من الرحمة و الثواب.
أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَ إِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (156)
آية بلا خلاف.
العامل في (أن) قوله «أنزلناه» و تقديره لان لا تقولوا، فحذف (لا) لظهور المعنى في انه أنزله لئلا يكون لهم حجة بهذا، و حذف (لا) في قول الفراء، و قال الزجاج: تقديره كراهة ان تقولوا، و لم يجز حذف (لا) هاهنا، و إذا كان يجوز حذف المضاف في غير (ان) فهو مع (أن) أجدر، لطولها بالصلة، و (ان) إذا كانت بمعنى المصادر تعمل، و لا تعمل إذا كانت بمعنى (أي) لان هذه تختص بالفعل، و الاخرى تدخل للتفسير، فتارة تفسير جملة من ابتداء و خبر، و تارة جملة من فعل و فاعل.
و قوله «إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا» معنى (انما) الاختصاص، و انما كان كذلك، لان (أن) كانت تحقيقا بتخصيص المعنى مما خالفه، فلما صحبتها (ما) ممكنة لها ظهر هذا المعنى فيها.
و المعني «عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا» اليهود و النصارى- في قول ابن عباس و الحسن و مجاهد و ابن جريج و قتادة و السدي- و انما خصا بالذكر لشهرتهما و لظهور أمرهما.
و قوله «وَ إِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ» اللام في قوله «لغافلين» لام الابتداء، و لا يجوز ان يعمل ما قبلها فيما بعدها الا في باب (إنَّ) خاصة لأنها زحلقت معها عن الاسم الى الخبر للفصل بين حرفين بمعنى واحد، و تقدير الآية: انا أنزلنا الكتاب الذي هو القرآن لئلا يقولوا: انما أنزل الكتاب على اليهود و النصارى، و لم ينزل علينا، و لو أريد منا ما أريد ممن قبلنا لأنزل إلينا كتاب كما أنزل على من قبلنا «وَ إِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ» و تقديره و ان كنا غافلين عن تلاوة كتبهم يعني الطائفتين اللتين أنزل عليهم الكتاب، لأنهم كانوا أهله دوننا.
أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَ صَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (157)
آية بلا خلاف.
هذه الآية عطف على ما قبلها و التقدير: انا أنزلنا القرآن المبارك لئلا يقولوا: انه ما أنزل علينا الكتاب، كما أنزل على من قبلنا، او يقولوا: لو أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم في المبادرة الى قبوله و التمسك به، كما يقول القائل: لو أتيت بدليل لقبلته منك. و مثل هذا يستبق الى النفس.
و قوله «أَهْدى مِنْهُمْ» فلإدلالهم بالاذهان و الافهام. و قد يكون العارف بالشيء أهدى اليه من عارف آخر، بأن يعرفه من وجوه لا يعرفها الآخر، و بأن
يكون ما يعرفه به أثبت مما يعرفه به الآخر.
قال الرماني: و الفرق بين الهداية و الدلالة ان الهداية مضمنة بأنها نصبت ليهتدي بها صاحبها، و ليس كذلك الدلالة، قال: و لذلك كثر تصرفها في القرآن، كما كثر تصرف الرحمة، لأنها على المحتاج. و هذا فرق غير صحيح لان الدلالة أيضا لا تسمى دلالة الا إذا نصبت ليستدل بها، و لذلك لا يقال:
اللص دل على نفسه إذا فعل آثار أمكن ان يستدل بها على مكانه، و لم يقصد ذلك.
و قوله «لو أنا» فتحت (ان) بعد (لو) مع انه لا يقع فيه المصدر، لان الفعل مقدر بعد (لو) كأنه قيل: لو وقع إلينا أنا أنزل هذا الكتاب علينا، الا أن هذا الفعل لا يظهر من اجل طول (ان) بالصلة، و لا يحذف مع المصدر الا في الشعر قال الشاعر:
لو غيركم علق الزبير بحبله أدى الجوار الى بني العوام
فقال اللَّه لهم «فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ» يعني حجة واضحة «وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ» و ادلة مؤدية الى الحق، و رحمة منه تعالى و انعام «فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ» يعني فمن أظلم لنفسه ممن كذب بآيات اللَّه «وَ صَدَفَ عَنْها» أي اعرض عنها غير مستدل بها و لا مفكر فيها. و هو قول ابن عباس و مجاهد و قتادة و السدي.
فان قيل كيف قال «فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ» بأن يجحدها، و لو فرضنا انه ضم الى ذلك قتل النفوس و انتهاك المحارم كان اظلم؟.
قلنا عنه جوابان:
أحدهما- للمبالغة لخروجه الى المنزلة الداعية الى كل ضرب من الفاحشة.
و الآخر- انه لا خصلة ممن ظلم النفس أعظم من هذه الخصلة.
ثم قال تعالى «سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ» أي يعرضون «عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ» أي شديدة «بِما كانُوا يَصْدِفُونَ» أي جزاء بما كانوا يعرضون
و هو ما أعد اللَّه للكفار نعوذ باللَّه.
فان قيل: فهل للذين ماتوا قبل من خوطب بهذه الآية ان يقولوا هذا القول؟
قيل: لا، ليس له ذلك، لان عذره كان مقطوعا بعقله، و بما تقدم من الاخبار و الكتب و هؤلاء أيضا لو لم يأتهم الكتاب و الرسول لم يكن لهم حجة، لكن فعل اللَّه تعالى ما علم ان المصلحة تعلقت به لهؤلاء، و لو علم ذلك فيمن تقدم، لأنزل عليهم مثل ذلك، لكن لما لم ينزل عليهم علمنا ان ذلك لم يكن من مصلحتهم.
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)
آية.
قرأ حمزة و الكسائي «يأتيهم الملائكة» بالياء. الباقون بالتاء.
و قد مضى الكلام في أمثال ذلك فيما مضى، فلا وجه للتطويل باعادته.
قوله «هَلْ يَنْظُرُونَ» ما ينتظرون، يعني هؤلاء الكفار الذين تقدم ذكرهم. و قال ابو علي: معناه هل تنتظر انت يا محمد و أصحابك الا هذا؟
و هم و ان انتظروا غيره فذلك لا يعتد به في جنب ما تنتظرونه من الأشياء المذكورة لعظم شأنها، و هو مثل قوله «وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى (1)، و تكلمت و لم تتكلم بما لا يعتد به.
و قوله «إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ» يعني لقبض أرواحهم. و قال مجاهد و قتادة و السدي: تأتيهم الملائكة، لقبض أرواحهم «أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ» أي يوم
1) سورة 8 الانفال آية 17.
القيامة «أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ»، كطلوع الشمس من مغربها.
و قوله «أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ» قيل في معناه قولان:
أحدهما- او يأتي امر ربك بالعذاب. و حذف المضاف و اقام المضاف اليه مقامه، و مثله «وَ جاءَ رَبُّكَ» (1)و قوله «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ» (2)يعني يؤذون اولياء اللَّه.
الثاني- او يأتي ربك بعظم آياته فيكون (يأتي) به على معنى الفعل المعتدي، و مثل ذلك قول الناس: أتانا الروم يريدون أتانا حكم الروم و سيرتهم.
و قوله «يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ». قيل في الآيات التي تحجب من قبول التوبة ثلاثة أقوال:
أحدها- قال الحسن، و
روي عن النبي (ص) انه قال (بادروا بالأعمال قبل ستة: طلوع الشمس من مغربها، و الدابة، و الدجال، و الدخان، و خويصة أحدكم- اي موته- و امر القيامة) يعني القيامة.
الثاني- قال ابن مسعود: طلوع الشمس من مغربها و الدجال و دابة الأرض، و هو قول أبي هريرة.
الثالث-
طلوع الشمس من مغاربها رواها جماعة عن النبي (ص).
و قوله «أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً» قيل في معناه ثلاثة أقوال:
أحدها- الإبهام في احد الامرين:
الثاني- التغليب، لان الأكثر ممن ينتفع بإيمانه حينئذ من كان كسب في إيمانه خيرا قبل.
الثالث- انه لا ينفعه إيمانه حينئذ و ان اكتسب فيه خيرا الا أن يكون ممن آمن قبل- في قول السدي- و معنى كسب الخير في الايمان عمل النوافل و الاستكثار من عمل البر بعد أداء الفرائض. و الاول عندي أقواها،
لان المعنى انه لا ينفع نفسا إيمانها الا إذا كانت آمنت قبل، فإنها إذا آمنت قبل نفعها إيمانها بانفراده او إذا ضمت الى إيمانها أفعال الخير، فان ذلك ينفعها أيضا، فانه ازداد خيرا.
و قوله «قُلِ انْتَظِرُوا» خطاب للنبي (ص) ان يقول لهؤلاء الكفار:
انتظروا إتيان الملائكة و هذه الآيات، فانا منتظرون حصولها. و معنى الآية الحث على المبادرة الى الايمان قبل الحال التي لا تقبل فيها التوبة، و هي ظهور الآيات التي تقدم ذكرها، و في ذلك غاية التهديد.
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (159)
آية.
قرأ حمزة و الكسائي «فارقوا» بألف، و هو المروي عن علي (ع)
الباقون «فرقوا» بلا الف مع تشديد الراء. و المعنيان متقاربان، لان القراءتين يؤلان الى شيء واحد، لان جميع ذلك مخالف لما يوجبه دينهم، فهم بتفريقه من جهة إكفار بعضهم بعضا على جهالة فيه مخالفون له، و هم بخروجهم عنه الى غيره مفارقون له مخالفون. و قيل في المعنيين بهذه الآية اربعة أقوال:
أحدها- قال مجاهد: هم اليهود، لأنهم كانوا يمالئون عبدة الأوثان على المسلمين.
الثاني- قال قتادة: هم اليهود و النصارى، لان بعض النصارى يكفر بعضا و كذلك اليهود.
الثالث- قال الحسن هم جميع المشركين، لأنهم جميعا بهذه الصفة.
الرابع-
قال ابو جعفر (ع): هم اهل الضلالة و البدع من هذه الامة.
و هو قول أبي هريرة و المروي عن عائشة.
حذرهم اللَّه تعالى من تفرق الكلمة و دعاهم الى الاجتماع على ما تقوم عليه
الحجة. و الدين الذي فارقوه: قيل فيه قولان:
قال ابو علي و غيره: هو الدين الذي امر اللَّه باتباعه و جعله دينا لهم.
الثاني- الدين الذي هم عليه، لانكار بعضهم بعضا بجهالة فيه.
و معنى الشيع الفرق التي يمالئ بعضهم بعضا على امر واحد مع اختلافهم في غيره، و قيل أصله الظهور من قولهم: شاع الخبر يشيع إذا ظهر. و قال الزجاج: أصله الاتباع من قولك: شايعه على الامر إذا اتبعه.
و قوله «لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ» خطاب للنبي (ص) و اعلام له انه ليس منهم في شيء، و انه على المباعدة التامة من ان يجتمع معهم في معنى من مذاهبهم الفاسدة، و ليس كذلك بعضهم مع بعض، لأنهم يجتمعون في معنى من الباطل و ان افترقوا في غيره، فليس منهم في شيء، لأنه بريء من جميعه و قال الفراء: معناه النهي عن قتالهم، ثم نسخ بقوله «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ» (1)و هو قول السدي.
اخبر اللَّه تعالى ان الذين فرقوا دينهم- و خالفوه و باينوه و صاروا فرقا يمالئ بعضهم بعضاً على أمر واحد مع اختلافهم في غيره- ليس النبي (ص) منهم في شيء و انه مباين لهم لفساد ما هم عليه. ثم قال «إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ» يعني ان اللَّه تعالى هو الذي يخبرهم بأفعالهم و يجازيهم عليها دون غيره يعني يوم القيامة.
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (160)
آية بلا خلاف.
يجوز في قوله «فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها» ثلاثة أوجه: الجر بالاضافة، و عليه جميع القراء الا يعقوب. و رفع (أمثالها) مع التنوين على الصفة، و به قرأ
1) سورة 9 التوبة آية 6.
الحسن و يعقوب. و نصبه على التمييز، كما تقول عندي خمسة أترابا ذكر ذلك الزجاج، و الفراء.
و معنى القراءة الأولى، فله عشر حسنات أمثالها، و يجوز في العربية فله عشر مثلها، فيكون المثل في لفظ الواحد و في معنى الجمع، كما قال «إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ» (1). و من قال: أمثالها فهو كقوله «لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ» (2)و انما جاز في (مثل) التوحيد في معنى الجمع، لأنه على قدر ما يشبه به، تقول: مررت بقوم مثلكم و بقوم أمثالكم. و قال الرماني: كلما لم يتميز بالصورة فان جمعه يدل على الاختلاف، كقولك: رمال و مياه، فأما (رجال) فلا يدل على الاختلاف، لأنه يتميز بالصورة، و يجوز ان يكون (المثل) في موضع الجمع و لا يجوز مثل ذلك في (العدل) لان (المثل) لا يضاف الى الجماعة الا على معنى انه مثل لكل واحد منهم. و ليس كذلك (العدل) لأنه يكون لجماعتهم دون كل واحد منهم.
و قال اكثر اهل العدل ان الواحد من العشرة مستحق و تسعة تفضل.
و قال بعضهم: المعنى فله من الثواب ثواب عشر حسنات أمثالها، و هذا لا يجوز، لأنه يقبح ان يعطي غير العامل مثل ثواب العامل كما يقبح ان يعطي الأطفال مثل ثواب الأنبياء و مثل إجلالهم و إكرامهم و ان يرفع منزلتهم عليهم.
و انما لم يتوعد على السيئة الا بمثلها، لان الزائد على ذلك ظلم. و اللَّه يتعالى عن ذلك، و زيادة الثواب على الجزاء تفضل و احسان فجاز ان يزيد عليه. قال الرماني: و لا يجوز على قياس عشرة أمثالها عشر صالحات بالاضافة لان المعنى ظاهر في ان المراد عشر حسنات أمثالها، و قال غيره لان الصالحات لا تعد، لأنها اسماء مشتقة. و انما تعد الأسماء. و (المثل) اسم فلذلك جاز العدد به، و قال الرماني: دخول الهاء في قوله (الحسنة) يدل على ان تلك الحسنة ما هو مباح لا يستحق عليه المدح و الثواب. و لو قيل: دخول الالف
و اللام فيها يدل على ان الحسنة هي المأمور بها، و دخلا للعهد، و اللَّه لا يأمر بالمباح، لكان أقوى مما قاله، و يجوز أن يكون التفضل مثل الثواب في العدد و الكثرة، و يتميز منه الثواب بمقارنة التعظيم و التبجيل اللذين لو لا هما لما حسن التكليف. و انما قلنا: يجوز ذلك لان وجه حُسن ذلك: الإحسان و التفضل، و ذلك حاصل في كل قدر زائد. و في الناس من منع من ان يساوي التفضل الثواب في باب الكثرة. و الصحيح ما قلناه أولا.
فان قيل: كيف تجمعون بين قوله «فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها» و بين قوله «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ» (1)و قوله «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً» (2)و لان المجازاة بدخول الجنة مثابا فيها على وجه التأبيد، لا نهاية له، فكيف يكون ذلك عشر أمثالها، و هل هذا الا ظاهر التناقض؟؟! قلنا: الجواب عن ذلك ما ذكره الزجاج و غيره: ان المعنى في ذلك ان جزاء اللَّه على الحسنات على التضعيف للمثل الواحد الذي هو النهاية في التقيد في النفوس، و يضاعف اللَّه عن ذلك بما بين عشرة أضعاف الى سبعمائة ضعف الى أضعاف كثيرة، ففائدة ذلك انه لا ينقص من الحسنة عن عشر أمثالها، و فيما زاد على ذلك يزيد من يشاء من فضله و إحسانه.
و قال قوم: المعنى من جاء بالحسنة فله عشر أمثال المستحق عليها، و المستحق مقداره لا يعلمه الا اللَّه و ليس يريد بذلك عشر أمثالها في العدد، كما يقول القائل للعامل الذي يعمل معه: لك من الأجر مثل ما عملت اي مثل ما تستحقه بعملك.
و قال آخرون: المعنى في ذلك ان الحسنة لها مقدار من الثواب معلوم للَّه تعالى فأخبر اللَّه تعالى انه لا يقتصر بعباده على ذلك بل يضاعف لهم الثواب حتى تبلغ ذلك ما أراد و علم أنه أصلح لهم، و لم يرد العشرة بعينها لكن أراد الاضعاف
كما يقول القائل: لئن أسديت إليَّ معروفا لأكافينَّك بعشرة أمثاله، و عشرة أضعافه. و في الوعيد لئن كلمتني واحدة لأكلمنك عشرة، و ليس يريدون بذلك العدد المعين لا اكثر منها، و انما يريدون ما ذكرناه.
و قال قوم: عني بهذه الآية الاعراب، و اما المهاجرون فحسناتهم سبع مائة، ذهب اليه ابو سعيد الخدري، و عبد اللَّه بن عمر.
و قال قوم: معني «عَشْرُ أَمْثالِها» لأنه كان يؤخذ منهم العشر في الزكاة، و كانوا يصومون في كل شهر ثلاثة ايام و الباقي لهم.
و قال قوم «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ» يعني الايمان، فله يعني للايمان عشر أمثالها، و هو ما ذكره في قوله «إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ ...» (1)الى آخر الآية. و هذان الوجهان قريبان، و المعتمد ما قدمناه من الوجوه.
و قال اكثر المفسرين: ان السيئة المذكورة في الآية هي الشرك، و الحسنة المذكورة فيها هي التوحيد و اظهار الشهادتين.
فان قيل كيف يجوز الزيادة في نعم المثابين مع ان الثواب قد استغرق جميع مناهم و ما يحتملونه؟
قلنا عنه جوابان: أحدهما- انه ليس للمنية نهاية مما يحتمله من اللذات.
و الثاني- ان يزاد في البنية و القوة مثل أن يزاد في قوة البصر حتى يرى الجزء الذي لا يتجزَّء و ان لم يزد في إخفاء الإنسان.
قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (162)
آيتان.
قرأ ابن عامر و اهل الكوفة «قيما» بكسر القاف و تخفيف الياء و فتحها.
الباقون بفتح القاف مع تشديد الياء.
1) سورة 33 الأحزاب آية 35
من قرأ بتشديد الياء فحجته قوله «وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ» (1)كأنه قال دين الملة القيِّمة، و يكون وصفا للدين إذا كان نكرة، كما كان وصفا للملة، لان الملة هي الدين. قال ابو الحسن: قال اهل المدينة «دِيناً قِيَماً» و هي حسنة، و لم أسمعها من العرب. قال ابو الحسن: و هو في معنى المستقيم.
فأما من قرأ بالتخفيف، فانه أراد المصدر، مثل الشبع، و لم يصحح (عوض و حول). قال الزجاج: لأنه جاء على (فَعل) معتل، و هو (قام) و الأصل (قوم، أقوم قوما) قال ابو علي: و كان القياس يقتضى ان يصحح، لكنه شذَّ عن القياس، كما شذ (أشياء) و نحوه عن القياس نحو (ثيرة) في جمع (ثور) و نحو (جياد) في جمع (جواد) و كان القياس الواو، كما قالوا:
طويل و طوال قال الأعشى:
جيادك في الصيف في نعمة تصا ن الجلال و تعطى الشعيرا (2)
و قوله «دِيناً قِيَماً» يحتمل نصبه ثلاثة أوجه:
أحدها- انه قال «إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» و استغنى بجري ذكر الفعل عن ذكره، فقال «دِيناً قِيَماً» كما قال «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ».
و الثاني- نصبه على تقدير عرِّفني، لان هدايتهم اليه تعريف لهم فحمله على عرِّفني دينا قيما.
و قال الزجاج: معناه عرفني دينا قيما. و ان شئت حملته على الاتباع كما قال «اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ» (3)و قال الفراء: هو نصب على المصدر، كأنه قال هداني اهتداء، و وضع (دينا) موضعه.
أمر اللَّه تعالى نبيه (ص) ان يقول للخلق و خاصة لهؤلاء الكفار «إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي» و قيل في معنى الهداية قولان:
أحدهما- قال ابو علي: أراد بالهداية الدلالة و أضافه الى نفسه دونهم، و ان كان قد هداهم أيضا، لأنه اهتدى دونهم.
و قال غيره: أراد به لطف لي ربي في الاهتداء.
و «إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» قد فسرناه في غير موضع. و انه الطريق الموصل الى ثواب اللَّه من غير اعوجاج، و انما قال «إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ»- هاهنا- و قال في موضع آخر «وَ يَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً» (1)، لأنه إذا ضمن معنى النهاية دخلت (الى) و إذا لم تضمن لم تدخل (الى) و صار بمعنى عرِّفني.
و الاول بمنزلة ارشدني، و انما كرر (مستقيم، و قيم) للمبالغة، كأنه قال:
هو مستقيم على نهاية الاستقامة. و قوله «مِلَّةَ إِبْراهِيمَ» فالملة الشريعة و هي مأخوذة من الاملاء كأنه ما يأتي به السمع و يورده الرسول من الشرائع المتجددة فيمله على أمته ليكتب او يحفظ.
فأما التوحيد و العدل فواجبان بالعقل، و لا يكون فيهما اختلاف.
و الشرائع تختلف، و لهذا يجوز ان يقال ديني دين الملائكة. و لا يقال ملتي ملة الملائكة. و الملة دين، و ليس كل دين ملة. و انما وصف دين النبي (ص) بأنه ملة ابراهيم ترغيبا فيه للعرب لجلالة ابراهيم في نفوسهم و غيرهم من أهل الأديان.
و قوله «حنيفا» معناه مخلصا لعبادة اللَّه في قول الحسن. و أصله الميل من قولهم: رجل أحنف إذا كان مائل القدم بإقبال كل واحدة منهما على الاخرى من خلقة لا من عارض. و قال الزجاج: الحنيف هو المائل الى الإسلام ميلا لازما لا رجوع معه. و قال ابو علي: أصله الاستقامة. و انما جاء (أحنف) على التفاؤل «وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» يعني ابراهيم (ع) و «حنيفا» نصب على الحال من (ابراهيم) و «مِلَّةَ أَبِيكُمْ» نصب على المصدر- في قول الفراء- و قال الزجاج: هو بدل من قوله «دِيناً قِيَماً».
1) سورة 48 الفتح آية 20
لا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذلِكَ أُمِرْتُ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)
آية.
أسكن الياء من «محياي» أهل المدينة. قال ابو علي الفارسي: اسكان الياء من (محياي) شاذ خارج عن القياس و الاستعمال، فشذوذه عن القياس ان فيه التقاء الساكنين، و لا يلتقيان على هذا الحد، و شذوذه عن الاستعمال انك لا تجده في نظم و لا نثر الا شاذا. و وجهه ما حكى بعض البغداديين انه سمع او حكي له: التقت حلقتا البطان بإسكان الالف مع سكون لام المعرفة، و حكى غيره: له ثلثا المال و ليس هذا مثل قوله «حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها» (1)لان هذا في المنفصل مثل دأبه في المتصل. و مثل ما أجاز يونس من قوله:
اضربان زيدا، و سيبويه ينكر هذا من قول يونس. قال الرماني: و لو وصله على نية الوقف جاز.
أمره ان يقول لهؤلاء الكفار «إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي» و قد فسرنا معنى الصلاة فيما مضى.
و قيل في معنى و «نسكي» ثلاثة أقوال:
أحدها- قال سعيد بن جبير و مجاهد و قتادة و السدي و الضحاك: ذبيحتي في الحج و العمرة. و قال الحسن (نسكي) ديني. و قال الزجاج و الجبائي «نسكي» عبادتي. قال الزجاج: و الأغلب عليه امر الذبح الذي يتقرب به الى اللَّه. و يقولون: فلان ناسك بمعنى عابد. و انما ضم الصلاة الى اصل الواجبات من التوحيد و العدل لان فيها التعظيم للَّه عند التكبير، و فيها تلاوة القرآن التي تدعو الى كل برَّ، و قرر فيها الركوع و السجود و هما خضوع للَّه، و فيها التسبيح و هو تنزيه للَّه.
1) سورة 7 الاعراف آية 37.
و قوله «وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي» يقولون حيي يحيا حياة و محيا، و مات يموت موتا و مماتا. و انما جعل للفعل الواحد مصادر في الثلاثي لقوَّته، و لأنه الأكثر الأغلب. و انما جمع بين صلاته و حياته، و أحدهما من فعله، و الآخر من فعل اللَّه، لأنهما جميعا بتدبير اللَّه تعالى و ان كان أحدهما من حيث إيجاده و اعدامه لما فيه من الصلاح. و وجه ضم الموت الى اصل الواجب الرغبة الى من يقدر على كشفه الى الحياة في النعيم الدائم بطاعته في أداء الواجبات.
و قوله «لا شَرِيكَ لَهُ» فالشركة هي تلك المساهمة، فلما كان عبدة الأوثان جعلوا العبادة على هذه الصفة كانوا مشركين في عبادة اللَّه، فأمر اللَّه ان ينفي عنه هذا الشرك و يقول «لا شريك له». و المعنى لا يستحق العبادة سواه.
ثم أمره بأن يقول اني أمرت بذلك يعني بنفي الاشراك مع اللَّه و توجيه العبادة اليه تعالى وحده «وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ» قال الحسن: معناه أول المسلمين من هذه الامة. و به قال قتادة و بيَّن ذلك لوجوب اتباعه (ص) و لبيان فضل الإسلام إذا كان أول مسارع اليه نبينا (ص) و معنى الآية وجوب نفي الشرك عن اللَّه و وجوب اعتقاد بطلانه و اخلاص العبادة اليه تعالى.
قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَ لا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)
امر اللَّه تعالى نبيه ان يخاطب هؤلاء الكفار، و يقول على وجه الإنكار لفعلهم «أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي» أي أتخذ «ربَّاً» معبوداً؟! فالكلام خرج مخرج الاستفهام، و المراد به الإنكار، لأنه الجواب لصاحبه الا بما هو قبيح، لان تقديره أ يجوز أن اطلب الضر و النفع بعبادتي ممن هو مربوب مثلي!؟
عادلا بذلك عن رب كل شيء و ليس بمربوب؟! أم هذا قبيح في العقول؟ و هو لازم لكم على عبادة الأوثان. و الرب إذا أطلق أفاد المالك لتصريف الشيء بأتم التصريف و إذا أضيف فقيل رب الدار، و رب الضيعة، فمعناه المالك لتصريفه بأتم تصريف العباد و أصله التربية و هي تنشئة الشيء حالا بعد حال حتى يصير الى الكمال. ثم صرف الى معنى الملك لهذه الأحوال من الشيء و ماجرى مجراها.
و الفرق بين الرب و السيد، أن السيد هو المالك لتدبير السواد الأعظم، و الرب المالك لتدبير الشيء حتى يصير الى الكمال مع اجرائه على تلك الحال.
و قوله «وَ لا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها» معناه لا يكون جزاء عمل كل نفس الا عليها. و وجه اتصاله بما قبله أنه لا ينفعني في ابتغاء رب غيره ما أنتم عليه من ذلك، لأنه ليس بعذر لي في اكتساب غيري له، لأنه «لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى و قيل: ان الكفار قالوا للنبي (ص) اتبعنا، و علينا وزرك ان كان خطأ، فأنزل اللَّه الآية. و فيها دلالة على فساد قول المجبرة من وجهين:
أحدهما- ان قوله «وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى يدل على انه لا يعذب الطفل بكفر أبيه.
و الثاني- أنه لا يعذب أحدا بغير ذنب كان منه، لأنهما سواء في أن كل منهما مستحق. و تقول: وَزِر يزِر وِزرا، و وُزر، يوزر، فهو موزور، و كله بمعنى الإثم. و الوزر الملجأ. و منه قوله «كَلَّا لا وَزَرَ» (1)فحال الموزور كحال الملتجئ من غير ملجأ. و منه الوزير لان الملك يلتجئ اليه في الأمور. و قيل: أصله الثقل، و منه قوله «وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ» (2)و كلاهما محتمل «ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ» يعني مالككم و مصيركم الى اللَّه في يوم لا يملك فيه الامر غيره تعالى.
و قوله «فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ» معناه انه يخبركم بالحق فيما اختلفتم فيه من الباطل، فيظهر المحسن من المسيء بما يزول معه الشك و الارتياب
و يقع معه الندامة في وقت قد فات فيه استدراك الخطيئة، فمعنى الآية الحجة على ان كل شيء سوى اللَّه فاللَّه ربه من كل وجه يصح منه الربوبية، و فيها دلالة على فساد قول المجبرة: ان اللَّه يعذب على غير ذنب.
وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)
اخبر اللَّه تعالى انه الذي جعل الخلق خلائف الأرض، و معناه ان كل اهل عصر يخلفون اهل العصر الذي قبله كلما مضى واحد خلفه آخر على انتظام و اتساق و ذلك يدل على مدبر أجراه على هذه الصفة قال الشماخ:
تصيبهم و تخطيني المنايا و أخلف في ربوع عن ربوع (1)
و واحد الخلائف خليفة، مثل صحيفة و صحائف، و سفينة و سفائن، و وصيفة و وصائف، هذا قول الحسن و السدي. و قال قوم: معناه انه جعلهم خلفاء الجان قبل آدم. و قال آخرون معناه و المراد به أمة نبينا (ص) لان اللَّه جعلهم خلفاء سائر الأمم.
و قوله «وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ» وجه الحكمة في ذلك مع انه يخلقهم كذلك ابتداء من غير استحقاق بعمل يوجب التفاضل بينهم ما فيه من الالطاف الداعية الى الواجبات و الصارفة عن القبائح، لان من كان غنيا في ماله شريفا في نسبه قويا في جسمه ربما دعاه ذلك الى طاعة من يملكها رغبة فيها.
و الحال في أضدادها ربما كان دعته الى طاعته رهبة منها و من أمثالها و رجاء أن ينقل عنها الى حال جليلة يغتبط عليها. و قال السدي: رفع بعضهم فوق
1) ديوانه 58 و اللسان (ربع) و تفسير الطبري 12/ 288.
بعض في الرزق و قوة الأجسام و حسن الصورة، و شرف الإنسان. و غير ذلك بحسب ما علم من مصالحهم. و قوله «درجات» يحتمل نصبه ثلاثة أشياء:
أحدها- ان يقع موقع المصدر كأنه قال رفعة فوق رفعة.
الثاني- الى درجات، فحذفت (الى) كما في قولهم: دخلت البيت، و تقديره دخلت الى البيت.
الثالث- أن يكون مفعولا من قولك: ارتفع درجة و رفعته درجة مثل اكتسى ثوباً و كسوته ثوباً.
و قوله «لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ» معناه فعل بكم ذلك ليجزيكم فيما أعطاكم.
و القديم تعالى لا يبتلي خلقه ليعلم ما لم يكن عالما به، لأنه تعالى عالم بالأشياء قبل كونها. و انما قال ذلك، لأنه يعامل معاملة الذي يبلو، مظاهرة في العدل، و انتفاء من الظلم.
و قوله «إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ» انما وصف نفسه بأنه سريع العقاب مع وصفه تعالى بالامهال و مع ان عقابه في الآخرة من حيث كان كل آت قريبا، فهو اذاً سريع، كما قال «وَ ما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ» (1)و قد يكون سريع العقاب بمن استحقه في دار الدنيا، فيكون تحذير الواقع في الخطيئة على هذه الجهة. و قيل معناه انه قادر على تعجيل العقاب، فاحذروا معاجلته. و انما قابل بين العقاب و الغفران و لم يقابل بالثواب، لان ذلك ادعى الى الاقلاع عما يوجب العقاب، لأنه لو ذكر الثواب لجاز ان يتوهم انه لمن لم يكن فيه عصيان.
1) سورة 16 النحل آية 77.
قال قتادة سورة الاعراف مكِّيَّة. و قال قوم: هي مكية إلا قوله «وَ سْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ» (1) الى آخر السورة.
و قال قوم هي محكمة كلها. و قال آخرون حرفان منها منسوخان أحدهما قوله «خُذِ الْعَفْوَ» (2) يريد من أموالهم و ذلك قبل الزكاة. و الآخر قوله «وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ» (3) نسخ بآية السيف (1).
و قال قوم ليس واحد منهما منسوخا بل لكل منهما موضع و السيف له موضع. و هو الأقوى، لان النسخ يحتاج الى دليل.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المص (2)
(2، 3) آية 198.
كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَ ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)آيتان في الكوفي و آية فيما عداه قد بينا في أول سورة البقرة اختلاف المفسرين في أوائل السور بالحروف المقطعة، و قلنا: ان الأقوى من ذلك قول من قال: انها أسماء للسور، و هو قول الحسن و البلخي و الجبائي، و اكثر المحصلين. و روي عن ابن عباس أنه قال: هي اختصار من كلام لا يفهمه الا النبي (ص) قال الشاعر:
نادوهم أن ألجموا ألاتا قالوا جميعا كلهم ألافا (1)
يريد ألا تركبون قالوا فاركبوا. و بني قوله «المص» على السكون في الوصل مع ان قبله ساكنا، لان حروف الهجاء توصل على نية الوقف، لأنه يجزي على تفصيل الحروف، للفرق بينها و بين ما وصل للمعاني، و كأن مجموع الحروف يدل على معنى واحد، و متى سميت رجلا ب (المص)، وجبت الحكاية. فان سميته ب (صادق) أو (قاف) لم يجب ذلك، لان صاد، و قاف، لهما نظير في الأسماء المفردة، مثل، باب، و ناب، و نار. و ليس كذلك (المص) لأنه بمنزلة الجملة، و ليس له نظير في المفرد. و انما عد الكوفيون «المص» آية، و لم يعدوا (ص) لان «المص» بمنزلة الجملة مع ان آخره على ثلاثة أحرف بمنزلة المردف، فلما اجتمع هذان السببان، و كل واحد منهما يقتضي عدَّه عدوه. و لم يعدوا (المر) لان آخره لا يشبه المردف. و لم يعدوا (ص) لأنه بمنزلة اسم مفرد، و كذلك (ق) و (ن).
و انما سميت السورة بالحروف المعجمة، و لم تسم بالأسماء المنقولة لتضمنها معاني أخرى مضافة الى التسمية، و هو أنها فاتحة لما هو منها، و أنها فاصلة بينها و بين ما قبلها، و لأنه يأتي من التأليف بعدها ما هو معجز مع انه تأليف كتأليفها، فهذه المعاني من أسرارها.
و قيل في موضع (المص) من الاعراب قولان:
أولهما- انه رفع بالابتداء و خبره كتاب، او ان يكون على هذه (المص) في قول الفراء.
الثاني- لا موضع له، لأنه في موضع جملة على قول ابن عباس، كأنه قال: أنا اللَّه أعلم و افصل- اختاره الزجاج.
و قوله «كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ» قيل في العامل في قوله «كتاب» ثلاثة أقوال:
أحدها- هذا كتاب، فحذف لأنها حال اشارة و تنبيه.
1) مر في 1/ 470 و هو في تفسير القرطبي 1/ 135.
الثاني- «المص كِتابٌ» على أنه اسم للسورة و كتاب خبره.
و قال الفراء: رفعه بحروف الهجاء، لأنها قبله، كأنك قلت الالف و اللام و الميم و الصاد، من الحروف المقطعة كتاب أنزل اليك مجموعا، فنابت (المص) عن جميع حروف المعجم، كما تقول: أ، ب، ت، ث، ثمانية و عشرون حرفا.
و كذلك تقول قرأت الحمد، فصار اسم الفاتحة الكتاب.
و قوله «فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ» يحتمل دخول الفاء وجهين:
أحدهما- أن يكون عطفا و تقديره إذا كان أنزل اليك لتنذر به، فلا يكن في صدرك حرج منه، فيكون محمولا على معنى إذا.
و الثاني- ان النهي و ان كان متناولا للحرج، فالمعني به المخاطب، نهي عن التعرض للحرج، و جاز ذلك لظهور المعنى ان الحرج لا ينهى، و كان مخرج له برده الى نهي المخاطب ابلغ، لما فيه من أن الحرج لو كان مما ينهى له لنهيناه عنك، فانته انت عنه بترك التعرض له.
و قيل في معنى الحرج في الآية ثلاثة أقوال:
قال الحسن: معناه الضيق أي لا يضيق صدرك لتشعب الفكر بك خوفا ألا تقوم بحقه، و انما أنزل اليك لتنذر به.
الثاني- قال ابن عباس و مجاهد و قتادة و السدي: ان معناه الشك هاهنا و المعنى لا تشك فيما يلزمك له فإنما أنزل اليك لتنذر به.
الثالث- قال الفراء: لا يضيق صدرك بأن يكذبوك، كما قال- عزَّ و جلَّ- «فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً».
و قوله «لِتُنْذِرَ بِهِ» يعني لتخوف بالقرآن. و قال الفراء و الزجاج و اكثر أهل العلم: هو على التقديم و التأخير، و تقديره أنزل اليك لتنذر به و ذكرى للمؤمنين، و الذكرى مصدر ذكر يذكر تذكيرا، فالذكرى اسم للتذكير و فيه مبالغة، و مثله الرجعى، و قيل في موضعه ثلاثة أقوال:
أولها- النصب على أنزل للانذار و ذكرى، كما تقول جئتك للإحسان و شوقا اليك.
الثاني- الرفع بتقدير و هو ذكرى.
الثالث- قال الزجاج: يجوز فيه الجر، لان المعنى، لان تنذر و ذكرى.
قال الرماني: هذا ضعيف، لأنه لا يجوز أن يحمل الجر على التأويل، كما لا يجوز مررت به و زيد.
اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَ لا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (3)
قرأ حمزة، و الكسائي و حفص «تذكرون» بتخفيف الذال بتاء واحدة.
الباقون بالتشديد الا ابن عامر، فانه قرأ يتذكرون بياء و تاء، قال الزجاج:
التخفيف على حذف التاء الثانية كراهة اجتماع ثلاثة أحرف متقاربة، كما قالوا استطاع يستطيع، فحذفوا أحدى الثلاثة المتقاربة دون الاول، لان الاول بمعنى الاستقبال، لا يجوز حذفها، و الثانية يدل عليها تشديد العين.
و من قرأ بتشديد الذال، فأصله تتذكرون فأدغم التاء في الذال لقرب مخرجهما، لان التاء مهموسة و الذال مجهورة. و المجهورة أزيد صوتا و أقوى من المهموس فحسن ادغام الأنقص في الأزيد. و لا يسوغ ادغام الأزيد في الأنقص، ألا ترى ان الصاد و أختيها لم يدغمن في مقاربهنَّ لما فيهنَّ من زيادة الصفير.
و قراءة ابن عامر بالياء و التاء: انه مخاطبة للنبي (ص) أي قليلا ما يتذكرون هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب.
قوله «اتَّبِعُوا» خطاب من اللَّه للمكلفين و أمر منه بأن يتبعوا ما أنزل عليهم من القرآن. و يحتمل ان يكون المراد قل لهم يا محمد: اتبعوا ما أنزل إليكم، لأنه قال قبل ذلك «لِتُنْذِرَ بِهِ» و كان الخطاب متوجهاً اليه. و الاتباع تصرف الثاني بتصريف الاول و تدبيره، فالأول امام و الثاني مؤتم. و الفرق
بين الإتباع و الاتباع ان أحدهما يتعدى الى مفعول، و الثاني يتعدى الى مفعولين، تقول: اتَّبعت زيدا و أتبعت زيدا عمرا. و وجوب الإتِّباع فيما أنزل اللَّه يدخل فيه الواجب و الندب و المباح، لأنه يجب ان يعتقد في كل جنس ما أمر اللَّه به، كما يجب ان يعتقد في الحرام وجوب اجتنابه.
و قوله «وَ لا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ» نهي من اللَّه ان يتبعوا من دون اللَّه و يتخذوا أولياء. و أولياء جمع وليَّ و هو ضد العدو، و هو يفيد الاولى و يفيد الناصر و غير ذلك مما بيناه فيما مضى (1).
و قوله «قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ» معناه الاستبطاء في التذكر، و خرج مخرج الخبر و فيه معنى الامر، و معناه تذكروا كثيرا مما يلزمكم من أمر دينكم، و ما أوجبه اللَّه عليكم. و اخبر انهم قليلا ما يتذكرون و (ما) زائدة، و تذكر معناه أخذ في التذكر شيئا بعد شيء مثل تفقه و تعلم، و يقال: تقيَّس إذا انتمى الى قيس، و لم يكن منهم، لأنه يدخل نفسه فيهم شيئا بعد شيء.
وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (4)
آية بلا خلاف.
(كم) لفظة موضوعة للتكثير و (رب) للتقليل. و انما كان كذلك، لان (رب) حرف، و (كم) اسم. و التقليل ضرب من النفي و (كم) تدخل في الخبر بمعنى التكثير. فأما في الاستفهام، فلا، لان الاستفهام موكول الى بيان المجيب و الخبر الى بيان المخبر، و انما دخلها التكثير، لان استبهام العدد ان يظهر او يضبط انما يكون لكثرته في غالب الامر، ف (كم) مبهمة قال الفرزدق:
1) سورة البقرة آية 257 في 2/ 313- 314 و في سورة المائدة آية 58، في 3/ 549 و غيرهما كثير.
كم عمة لك يا جرير و خالة فدعاء قد حلبت عليَّ عشاري (1)
فدل ب (كم) على كثرة العمات، و موضع (كم) في الآية رفع بالابتداء و خبرها (أهلكناها) و لو جعلت في موضع نصب جاز، كقوله «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ» (2)، و الاول أجود.
اخبر اللَّه تعالى- على وجه الترهيب للكفار و الإيعاد لهم- أنه أهلك كثيرا من القرى، يعني أهلها بما ارتكبوه من معاصيه، و الكفر به، و انه أنزل عليهم بأسه، يعني عذابه «بَياتاً» يعني في الليل «أَوْ هُمْ قائِلُونَ» يعني في وقت القيلولة، و هو نصف النهار. و أصله الراحة، فمعنى أقلته البيع أرحته منه باعفائي إياه من عقده، و قلت إذا استرحت الى النوم، في وسط النهار:
القائلة. و الأخذ بالشدة في وقت الراحة أعظم في العقوبة فلذلك خص الوقتين بالذكر.
و قيل في دخول الفاء في قوله «فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً» ثلاثة أقوال:
أحدها- أهلكناها في حكمنا «فَجاءَها بَأْسُنا» و قد قيل: هو مثل زرني و اكرمني فان نفس الإكرام هي الزيارة، قال الرماني: و ليس هذا مثل ذلك، لان هذا انما جاز لأنه قصد الزيارة. ثم الإكرام بها.
و الثاني- قال قوم «أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا» أي فكان صفة أهلكنا أن جاءهم بأسنا.
و الثالث- أهلكناها فصح انه جاءها بأسنا. و قال الفراء الفاء بمعنى الواو، و قال الرماني: هذا لا يجوز، لأنه نقل للحرف عن معناه بغير دليل.
و قال بعضهم: ان المعنى أهلكناها بخذلاننا لها عن الطاعة فجاءها بأسنا عقوبة على المعصية، و هذا لا يجوز لأنه ليس من صفة الحكيم ان يمنع من طاعته حتى تقع المعصية، ثم يعاقب عليها.
و قوله «أَوْ هُمْ قائِلُونَ» قال الفراء: واو الحال مقدرة فيه، و تقديره أو «و هم قائلون» و انما حذفت استخفافا. و قال الزجاج و جميع البصريين لا يحتاج الى ذلك، لأنه يستغني برجوع الذكر عن الواو، كما يقال: جاءني زيد راجلا او هو فارس، او جاءني زيد هو فارس لم يحتج الى واو، لان الذكر قد عاد على الاول.
فمعنى الآية ان اللَّه أهلك اهل قريات كثيرة بتمردهم في المعاصي، و حذر من ان يعمل مثل عملهم فينزل بالعامل مثل ما نزل بهم.
فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (5)
آية بلا خلاف.
اخبر اللَّه تعالى انه لم يكن دعاء هؤلاء الذين أهلكهم عقوبة على معاصيهم و كفرهم في الوقت الذي جاءهم بأس اللَّه، و هو شدة عذابه، و منه البؤس شدة الكفر. و البئس الشجاع لشدة بأسه، و بئس من شدة الفساد الذي يوجب الذم. «إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ» يعني اعترافهم بذلك على نفوسهم و إقرارهم به، و كان هذا القول منهم عند معاينة البأس و اليقين بأنه نازل بهم، و يجوز ان يكون قالوه حين لابسهم طرف منه، لم يهلكوا منه، و (دعواهم) خبر كان و اسمها «ان قالوا» و هو بمعنى قولهم، و هما معرفتان يجوز ان يجعل كل واحد منهما اسما و الآخر خبرا، كما قال «ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا» (1)بالرفع، و النصب، و انما قدم الخبر على الاسم، لان الثاني وقع موقع الإيجاب، و الاول موقع النفي، و النفي أحق بالخبر.
و الدعوى، و الدعاء واحد. و فرق قوم بينهما بأن في الدعوى اشتراكا
1) سورة 45 الجاثية آية 24
بين الدعاء و الادعاء المال و غيره، و أصله الطلب قال الشاعر:
ولت و دعواها كثير صخبه (1)
أي دعاؤها، و يجوز ان يقال: اللهم أشركنا في دعوى المسلمين يريد دعاء المسلمين حكاه سيبويه، قال الشاعر:
و ان مَذِلَتْ رجلي دعوتك اشتفي بدعواك من مذل بها فيهون (2)
معنى مذلت اي خدرت.
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (3)فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَ ما كُنَّا غائِبِينَ (7)
آيتان بلا خلاف.
الفاء في قوله «فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ» عطف جملة على جملة، و قد يكون لهذا، و قد يكون لعطف مفرد على مفرد، و قد يكون للجواب. و انما دخلت الفاء و هي موجبة للتعقيب مع تراخي ما بين الاول و الثاني، و ذلك يليق ب (ثم) لتقريب ما بينهما، كما قال «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ» (4)و قال «وَ ما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ» (5)و قال «أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ» (6) و بينهما بعد.
و النون في قوله «فلنسألن» نون التأكيد يتلقى بها القسم، و انما بني
المضارع مع نون التأكيد، لأنه انما دخلت عليه طلباً للتصديق، كما ان الامر طلب للفعل فأدخلت عليه نون التأكيد و تثبت مع الفعل، لان هذه الزيادة التي لا تكون للاسم باعدته كما باعدت الالف و اللام ما لا ينصرف من الفعل، فانصرف.
أقسم اللَّه تعالى في هذه الآية انه يسأل المكلفين الذين أرسل اليهم رسله و اقسم أيضا انه ليسأل الصادقين المرسلين الذين بعثهم، فيسأل هؤلاء عن الإبلاغ و يسأل أولئك عن الامتثال، و هو تعالى و ان كان عالما بما كان منهم، فإنما أخرجه مخرج التهديد و الزجر ليتأهب العباد و يحسنوا الاستعداد لذلك السؤال.
و حقيقة السؤال طلب الجواب بأداته في الكلام، و حقيقة الاستخبار طلب الخبر بأداته في الكلام.
و قوله «فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ» قسم آخر، و اخبار منه تعالى انه يقص عليهم بما عملوه فانه علم جميع ذلك. و انما ذكره بنون الجمع لاحد أمرين:
أحدهما- ان هذا على كلام العظماء من الملوك لان أفعالهم تضاف الى أوليائهم.
و الثاني- ان الملائكة تقص عليهم بأمر اللَّه.
و قال ابن عباس نقص عليه بما نجده في كتاب عمله.
و
روي عن النبي (ص) انه قال: (ان اللَّه يسأل كل احد بكلامه له ليس بينه و بينه ترجمان)
و القص ما يتلو بعضه بعضا. و منه المقص، لان قطعه يتلو بعضه بعضا، و منه القصة من الشعر، و القصة من الكتاب، و منه القصاص لأنه يتلو الجناية في الاستحقاق، و منه المقاصة في الحق، لأنه يسقط ماله قصاصا بما عليه. و انما دخلت نون التأكيد مع لام القسم في المضارع دون الماضي، لأنها تؤذن بطلب الفعل الذي تدخل فيه نحو (لأكرمَنَّ زيداً) فان فيه طلب الإكرام بأداته، فالتصديق بالقسم، و لهذا ألزمت النون في طلب الفعل من جهتين، و فتحت هذه النون ما قبلهم في جمع المتكلم، و لم تفتحه في
الغائب، لان الضمة يجب ان تبقى لتدل على الواو المحذوفة في (ليقصنَّ) بالياء و ليس كذلك المتكلم، لأنه لا واو فيه.
و معنى قوله «بعلم» قيل فيه وجهان: أحدهما بأنا عالمون، و الآخر بمعلوم، كما قال «وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ» (1)أي من معلومه، و وجه المسألة له و القصص عليهم أنه سؤال توبيخ و تقريع للضالين، و سؤال تذكير و تنبيه للمؤمنين، فبمقدار ما يغتم أولئك يسَّر هؤلاء. ثم يسأل الرسل لان من الأمم من يجحد، فيقول ما جاءنا من بشير و لا نذير، و منهم من يقول:
و اللَّه ربنا ما كنا مشركين.
فان قيل كيف يجمع بين قوله «وَ لا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ» (2)و قوله «فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ»؟
قلنا فيه قولان: أحدهما- انه نفى ان يسألهم سؤال استرشاد و استعلام و انما يسألهم سؤال توبيخ و تبكيت. الثاني- تنقطع المسألة عند حصولهم في العقوبة، كما قال «فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لا جَانٌّ» (3)و قال في موضع آخر «وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ» (4)و الوجه ما قلناه انه يسألهم سؤال توبيخ قبل دخولهم في النار فإذا دخلوها انقطع سؤالهم. و السؤال في اللغة على اربعة اقسام:
أحدها- سؤال استرشاد و استعلام، كقولك اين زيد؟، و من عندك؟
و هذا لا يجوز عليه تعالى.
و الثاني- سؤال توبيخ و تقريع، و هو خبر في المعنى، كقولك ألم احسن اليك فكفرت نعمتني؟؟ أ لم أعطيك فجحدك عطيتي؟!. و منه قوله تعالى «أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ» (5)و قولهَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ»
(6)و قوله71
«أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ» (1)و قال الشاعر:
أ لستم خير من ركب المطايا و اندى العالمين بطون راح (2)
و لو كان سائلا لما كان مادحا، و قال العجاج:
اطربا و انت قِنَّسرِيٌّ (3)
معنى قنسري كبير السن، و هذا توبيخ لنفسه أي كيف اطرب مع الكبر و الشيب.
الثالث- سؤال التحضيض و فيه معنى (ألا) كقولك: هلا تقوم، و ألا تضرب زيدا أي قم و اضرب زيدا.
و الرابع- سؤال تقريب بالعجز و الجهل، كقولك للرجل: هل تعلم الغيب؟
و هل تعرف ما يكون غدا؟ و هل تقدر ان تمشي على الماء؟ و كما قال الشاعر:
و هل يصلح العطار ما أفسد الدهر
المعنى و ليس يصلح العطار ما أفسد الدهر، فإذا ثبت ذلك فقوله «فيومئذ لا يسأل عن ذنبه انس و لا جان» (4)و قوله «وَ لا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ» (5)المراد به لا يسألون سؤال استعلام و استخبار ليعلم ذلك من قولهم، لأنه تعالى عالم بأعمالهم قبل خلقهم. و اما قوله «فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ» و قوله «فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ» (6)فهو مسألة توبيخ و تقريع، كقوله «أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ» (7).
و سؤاله للمرسلين ليس بتوبيخ و لا تقريع لكنه توبيخ للكفار و تقريع لهم أيضا. و اما قوله «فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لا يَتَساءَلُونَ» (8)فمعناه سؤال
تعاطي و استخبار عن الحال التي جهلها بعضهم لتشاغلهم عن ذلك، كما قال «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» (1)و قوله «وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ» (2)فهو سؤال توبيخ و تقريع و تلاوم، كما قال «فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ» (8) و كقوله «أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ» (9) و قوله «رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ» (3)و هذا كثير في القرآن، و ليس في شيء من ذلك تضاد بين المسألتين، و لا تنافي بين الخبرين بل اثبات لسؤال عن شيء آخر و مثله قول الشاعر:
فأصبحت و الليل لي ملبس و أصبحت الأرض بحرا طما
فقوله: و أصبحت و الليل لي ملبس لم يرد به الصبح، لأنه لو أراد لما نفاه ب (و الليل لي ملبس) و انما أراد أصبحت بمعنى اشعلت المصباح و هو السراج أي أسرجت في ظلمة الليل، فلم يكن خبراه متضادين.
و قوله «وَ ما كُنَّا غائِبِينَ» فالغائب البعيد عن حضرة الشيء، و معناه في الآية انه لا يخفى عليه شيء و ذلك يدل على انه ليس بجسم، لأنه لو كان جسما على العرش على ما يذهب اليه المجسمة لكان غائبا عما في الأرضين السفلى، لان من كان دون هذا بكثير فهو غائب عنا.
وَ الْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (4)وَ مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (5)
آيتان
ارتفع قوله «و الوزن» بالابتداء، و خبره (الحق)، و هو الوجه المختار.
و قال الفراء: يجوز ان يكون خبره (يومئذ) و ينصب (الحق) على المصدر، و تقديره و الوزن يومئذ- يعني في يوم القيامة- حقا، فينصب الحق و ان كان فيه الالف و اللام، كما قال «فَالْحَقُّ وَ الْحَقَّ أَقُولُ» (1)و الوزن في اللغة هو مقابلة أحد الشيئين بالآخر حتى يظهر مقداره، و قد استعمل في غير ذلك تشبيهاً به، منها وزن الشعر بالعروض، و منها قولهم: فلان يزن كلامه وزنا قال الأخطل:
و إذا وضعت أباك في ميزانهم رجحوا و شال أبوك في الميزان
و قيل في معنى الوزن في الآية أربعة أقوال:
قال الحسن: موازين الآخرة لها كفتان فالحسنات و السيئات توضعان فيهما و توزنان. ثم اختلفوا، فقال بعضهم: انما توضع صحائف الاعمال فتوزن، و هو قول عبد اللَّه بن عمر. و قال ابو علي: انما تتفضل كفة الحسنات من كفة السيئات بعلامة يراها الناس يومئذ، و ذهب عبيد بن عمير الى انه يوزن الإنسان فيؤتى بالرجل العظيم الجثة، فلا يزن جناح بعوضة. و قال مجاهد: الوزن عبارة عن العدل في الآخرة و انه لا ظلم فيها على أحد، و هو قول البلخي و هو أحسن الوجوه، و بعده قول الجبائي. و وجه حسن ذلك- و ان كان اللَّه تعالى عالما بمقادير المستحقات- ما فيه من المصلحة في دار التكليف و حصول الترهيب به و التخويف.
و قوله «يومئذ» يجوز في (يومئذ) الاعراب و البناء، لان اضافته الى مبني اضافة غير محضة تقربه من الأسماء المركبة، و اضافته الى الجملة تقربه من الاضافة الحقيقية. و نوِّن يومئذ لأنه قد قطع عن الاضافة إذ شأن التنوين ان يعاقبها، و قد قطع (إذ) في هذا الموضع عنها.
و (الحق) وضع الشيء موضعه على وجه تقتضيه الحكمة. و قد
1) سورة 38 ص آية 84.
استعمل مصدرا على هذا المعنى و صفة، كما جرى ذلك في العدل، قال اللَّه تعالى «ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ» (1)فجرى على طريق الوصف.
و قوله «فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ» فالثقل عبارة عن الاعتماد اللازم سفلا و نقيضه الخفة، و هي اعتماد لازم علواً، و مثلت الاعمال بهما لما ذكر من المقارنة. و المعنى ان من كانت طاعاته أكثر، فهو من الفائزين بثواب اللَّه.
و من قلت طاعاته «فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ» بأن استحقوا عذاب الأبد جزاء على ما كانوا يظلمون أنفسهم بجحود آياتنا و حجتنا.
و قوله «موازينه» فالموازين جمع ميزان، و أصله من الواو، و قلبت ياء لسكونها و انكسار ما قبلها. و لم يقلب في (خوان) لتحركها و أنها لم تجر على فعل لها. و الخسران ذهاب رأس المال، و من أعظم رأس المال النفس، فإذا أهلك نفسه بسوء عمله، فقد خسر نفسه. و ظلمهم بآيات اللَّه مثل كفرهم بها و جحدهم إياها.
وَ لَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (10)
آية بلا خلاف.
روى خارجة عن نافع همز (معايش) و روي ذلك عن الأعمش، و عبد الرحمن الأعرج. الباقون غير مهموز.
و عند جميع النحويين أن (معايش) لا يهمز، و متى همز كان لحنا، لان الياء فيها اصلية، لأنه من عاش يعيش، و لم يعرض فيها علة كما عرض في (أوائل) و هي في (مدينة) زائدة علة لا تدخلها الحركة كما لا تدخل الالف، و مثله (مسألة، و مسائل، و منارة و منائر، و مقام و مقاوم) قال الشاعر:
و اني لقوام مقاوم لم يكن جرير و لا مولى جرير يقومها
1) سورة 22 الحج آية 6، 62 و سورة 31 لقمان آية 30.
و وزنه (مفعلة) مثل مسورة و مساور، و من همزهما اعتقدها (فعلية) على وزن (صحيفة) فجمعها على (فعائل) مثل (صحائف) و ذلك غلط، لان الياء أصلها لقولهم عاش يعيش عيشا و معيشة. قال ابو علي من همز (مدائن) لم يجعله (مفعلة) و لكنه (فعيلة) بدلالة قولهم: مدني، و لا يجوز ان يكون (مفعلة) من دان يدين، و من أخذه من ذلك قال في الجمع مداين، بتصحيح الياء. و اعتل (معيشة) لأنه على وزن (يعيش) و زيادتها تختص بالاسم دون الفعل، فلم يحتج الى الفصل بين الاسم و الفعل، كما احتيج اليه فيما كان زيادته مشتركة، نحو الهمزة في (أجاد) و (هو أجود منك)، و موافقة الاسم لبناء الفعل توجب في الاسم الاعتلال، ألا ترى انهم أعلُّوا (بابا) و (دارا) لما كانا على وزن الفعل. و صححوا نحو (حول) و (غيبة) و (لومة) لما لم تكن على مثال الفعل، ف (معيشة) موافقة للفعل في البناء، مثل (يعيش) في الزنة، و تكسيرها يزيل مشابهتها في البناء، فقد علمت بذلك زوال المعنى الموجب للإعلال في الواحد و في الجمع، فلزم التصحيح في التكسير لزوال المشابهة في اللفظ، لان التكسير معنى لا يكون في الفعل، و انما يختص الاسم به، فإذا زالت مشابهة الفعل وجب تصحيحه.
و من همز (مصايب) فانه غلط، كما غلط من همز (معايش) و مثله جاء في جمع (مسيل) أمسلة، جاء ذلك في الشعر لبني هذيل، فتوهموه (فعيلة) و انما هو (مفعلة) و حكى يعقوب: مسيل و ميسل، فالميم على هذا فاء و مسيل (فعيل)، و على الاول (مفعل) من سال.
قال الزجاج: من همز (مصايب) جعل الهمزة بدلا من الواو، كما قالوا:
أقب في (وقب) و هذا ان وقع في أول الكلام. و قد قالوا في (أدور) أدأر، فهمزوه، فجاز على هذا ان يكونوا حملوا المكسورة على المضمومة.
و يقال: عاش فلان بمعنى حيي، و طيب العيش طيب الحياة، فلهذا كانت المعيشة مضمنة بالحياة. و حد المعيشة الرماني: بأنها وصلة من جهة مكسب
المطعم و المشرب و الملبس الى ما فيه الحياة.
اخبر اللَّه تعالى على وجه الامتنان على خلقه بأصناف نعمه انه مكن عباده في الأرض بمعنى مكنهم من التصرف فيها، و التمكين إعطاء ما يصح معه الفعل مع ارتفاع المنع، لان الفعل كما يحتاج الى القدرة فقد يحتاج الى آلة و الى سبب، كما يحتاج الى رفع المنع، فالتمكين عبارة عن حصول جميع ذلك.
و الأرض هذه الأرض المعروفة، و في الأصل عبارة عن قرار يمكن أن يتصرف عليه الحيوان، فعلى هذا لو خلق مثلها، لكانت أرضا حقيقة.
و قوله «وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ» فالجعل وجود ما به يكون الشيء على خلاف ما كان، مثل ان تقول جعلت الساكن متحركا، لأنك فعلت فيه الحركة، و نظيره التصيير و العمل،. و جعل الشيء أعم من حدوثه، لأنه قد يكون بحدوث غيره فيه مما يتغير به.
و قوله «قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ» نصب قليلا ب (تشكرون)، و تقديره تشكرون قليلا. و (ما) زائدة. و يحتمل ان تكون مع ما بعدها بمنزلة المصدر، و تقديره قليلا شكركم. و الشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم، و الحمد مثله. و قيل: الفرق بينهما ان كل شكر حمد، و ليس كل حمد شكرا، لان الإنسان يحمد على إحسانه الى نفسه، و لا يشكر عليه، كما انه يذم على إساءته الى نفسه، و لا يجوز ان يكفر من اجل إساءته الى نفسه.
وَ لَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11)
آية بلا خلاف.
هذا خطاب من اللَّه تعالى لخلقه بأنه خلقهم. و الخلق هو احداث الشيء على تقدير تقتضيه الحكمة، لا زيادة على ما تقتضيه، فيخرج الى الإسراف،
و لا ناقص عنه فيخرج الى الإقتار. و قد استوفينا اختلاف الصور، و الصورة بنية مقومة على هيئة ظاهرة.
و قوله «ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ» فالسجود هو وضع الجبهة على الأرض و أصله الانخفاض من قول الشاعر:
ترى الا كم فيها سجدا للحوافر (1)
و قيل في معنى السجود لآدم قولان:
أحدهما- انه كان تكرمة لآدم و عبادة للَّه، لان عبادة غير اللَّه قبيحة لا يأمر اللَّه بها. و عند أصحابنا كان ذلك دلالة على تفضيل آدم على الملائكة على ما بينا في سورة البقرة. (2)و قال أبو علي الجبائي: أمروا ان يجعلوه قبلة، و أنكر ذلك أبو بكر بن أحمد بن علي الأخشاد بأن قال: هو تكرمة.، لأن اللَّه تعالى امتن به على عباده، و ذكرهم بالنعمة فيه. فان قيل كيف قال «ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ» مع أن القول للملائكة كان قبل خلقنا و تصويرنا؟
قلنا عن ذلك ثلاثة أجوبة:
أحدها- قال الحسن و ابو علي الجبائي: المراد به خلقنا إياكم ثم صورنا إياكم. ثم قلنا للملائكة، و هذا كما يذكر المخاطب و يراد به أسلافه، و ذكرنا لذلك نظائر فيما مضى، منها قوله «وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ» (3)أي ميثاق اسلافكم. قال الزجاج المعنى ابتدأنا خلقكم بأن خلقنا آدم، ثم صورناه، ثم قلنا.
الثاني- قال ابن عباس و مجاهد و الربيع و قتادة و الضحاك و السدي:
ان المعنى خلقنا آدم ثم صورناكم في ظهره. ثم قلنا للملائكة.
الثالث- خلقناكم ثم صورناكم ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة، كما تقول: اني راحل ثم أني معجل. و قال الأخفش (ثم) هاهنا بمعنى الواو، كما
قال «اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ» و مثله قوله «ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا» (1)على قول بعض المتأخرين معناه و كان من الذين آمنوا، و مثله «اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ» (2)على بعض الأقوال معناه و توبوا اليه، قال الزجاج هذا خطأ عند جميع النحويين. و قال الشاعر:
سألت ربيعة من خيرها أبا ثم اما فقالوا لمه (3)
معناه سألت أولا عن الأب ثم الام. و قال بعضهم: معناه خلقناكم في ظهور آبائكم ثم صورناكم في بطون أمهاتكم. و قال قوم: في الآية تقديم و تأخير، و تقديره خلقناكم بمعنى خلقنا أباكم أي قدرناكم. ثم قلنا للملائكة اسجدوا. ثم صورناكم.
قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)
آية بلا خلاف.
هذا حكاية لما كان من خطاب اللَّه لا بليس حين امتنع من السجود لآدم، انه قال له «ما مَنَعَكَ» بمعنى اي شيء منعك «أَلَّا تَسْجُدَ» و فيه ثلاثة أقوال:
أحدها- ان تكون (لا) صلة مؤكدة، كما قال «لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ» (4)و معناه ليعلم، كقوله «لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ» و كقوله «فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ» و كما قال الشاعر:
أبي جوده لا البخل و استعجلت به نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله (5)
معناه أبى جوده البخل، و روى أبو عمرو بن العلا: أبى جوده لا البخل
بالجر، كأنه قال أبي جوده كلمة البخل، و رواه كذا عن العرب. و قال الزجاج:
فيه وجه ثالث لا البخل على النصب بدلا من (لا) كأنه قال ابى جوده ان يقول (لا) فقال نعم. و هي حكاية في كل هذا.
الثاني- انه دخله معنى ما دعاك ان لا تسجد.
الثالث- معنى «أَلَّا تَسْجُدَ» ما الحال ان لا تسجد أو ما أحوجك.
و قال الفراء لما تقدم الجحد في أول الكلام أكد بهذا، كما قال الشاعر:
ما ان رأينا مثلهن لمعشر سود الرؤوس فوالج و فيول (1)
ف (ما) للنفي و (ان) للنفي فجمع بينهما تأكيدا.
فان قيل كيف قال «ما مَنَعَكَ» و لم يكن ممنوعا؟! قلنا: لان الصارف عن الشيء بمنزلة المانع منه، كما ان الداعي اليه بمنزلة الحامل عليه.
و قوله «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ» حكاية لجواب إبليس حين ذمه تعالى على الامتناع من السجود، فأجاب بما قال، و هذا الجواب غير مطابق لأنه كان يجب أن يقول معنى كذا، لأن قوله «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ» جواب لمن يقول أيكما خير، و لكن فيه معنى الجواب، و يجري ذلك مجرى أن يقول القائل لغيره: كيف كنت، فيقول أنا صالح، و كان يجب أن يقول كنت صالحاً لكنه جاز ذلك، لأنه أفاد انه صالح في الحال مع ما كان صالحاً فيما مضى. و وجه دخول الشبهة عليه في أنه خلقه من نار و خلق آدم من طين أنه ظن أن النار إذا كانت أشرف لم يجز أن يسجد الأشرف للأدون، و هذا خطأ، لأن ذلك تابع لما يعلم اللَّه من مصالح العباد، و ما يتعلق به من اللطف
1) معاني القرآن 1/ 176، 374 و تفسير الطبري 12/ 325. (الفوالج) جمع (فالج) و هو الجمل ذو سنامين. و (الفيول) جمع (فيل). و كانت هذه الجمال تجلب من السند، و هي البلاد التي فيها الفيلة. [.....]
لهم، و لم يكن ذلك استخفافاً بهم بالأعمال.
و قد قال الجبائي: إن الطين خير من النار، لأنها أكثر منفعة للخلق من حيث أن الأرض مستقر الخلق و فيها معايشهم، و منها تخرج أنواع أرزاقهم لأن الخيرية في الأرض أو النار، إنما يراد بهما كثرة المنافع، دون كثرة الثواب، لأن الثواب لا يكون إلا للمكلف المأمور، و هذان جمادان.
و على ما يذهب اليه أصحابنا أن ذلك يدل على تفضيل آدم على الملائكة و كان ذلك مستحقاً، فلذلك أسجد اللَّه الملائكة له.
فإن قيل: لم اعترض إبليس على اللَّه مع علمه أنه لا يفعل إلا الحكمة؟
قلنا عنه جوابان:
أحدهما- أنه اعترض كما يعترض السفيه على الحكيم الحليم في تدبيره من غير فكر في العاقبة.
و الثاني- أن يكون جهل هذا بشبهة دخلت عليه. و على ما نذهب اليه من أنه لم يكن عرف اللَّه قط سقطت الشبهة.
و استدل أيضاً بهذه الآية على أن الجواهر متماثلة بأن قيل: لا شيء أبعد الى الحيوان من الجماد، فإذا جاز أن ينقلب الطين حيواناً و إنساناً جاز أن ينقلب الى كل حال من أحوال الجواهر، لأنه لا فرق بينهما في العقل.
و استدل أيضاً بهذه الآية على أن الأمر من اللَّه يقتضي الإيجاب بأن اللَّه تعالى ذم إبليس على امتناعه من السجود حين أمره، فلو كان الأمر يقتضي الندب لما استحق العيب بالمخالفة و ترك الامتثال، و الامر بخلاف ذلك في الآية.
قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)
قوله «قالَ فَاهْبِطْ مِنْها» حكاية لقول اللَّه تعالى لإبليس و أمره إياه أن
يهبط منها، و ما بعد القول و إن كان استئنافاً و الفاء لا يستأنف بها و انما يكون كذلك، لأن ما قيل له بعد جوابه الذي أجاب به، فهو حكاية ما كان من الكلام له الثاني بعد الأول.
و الهبوط و النزول واحد. و فرق بينهما بأن النزول يقتضي تنزله الى جهة السفل بمنزلة بعد منزلة، و ليس كذلك الهبوط، لأنه كالانحدار في المرور الى جهة السفل، و كأن الانحدار دفعة واحدة، كما قال الشاعر:
كل بني حرة مصيرهم قل و إن أكثروا من العدد
إن يغبطوا يهبطوا و إن أمّروا يوماً فهم للفناء و الفند (1)
و قيل في الضمير الذي في قوله «منها» قولان:
أحدهما- قال الحسن: إنه كناية عن السماء، لأنه كان في السماء فاهبط منها.
الثاني- قال أبو علي: كناية عن الجنة.
فان قيل من أين علم إبليس أن اللَّه تعالى قال له هذا القول؟
قلنا عنه جوابان: أحدهما- قال أبو علي: إنه قال له على لسان بعض الملائكة.
الثاني- أنه رأى معجزة تدله على ذلك.
و قوله «فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها» معناه ليس لك أن تتكبر فيها، و التكبر إظهار كبر النفس على جميع الأشياء، فهو في صفة العباد ذم، و في صفة اللَّه مدح، كما قال تعالى «الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ» (2)فالجبار القاهر لجميع الأشياء. و المتكبر الدال بذاته على أنه أكبر من جميع الأشياء. و قوله «فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ» أمر من اللَّه لإبليس بالخروج، لأنه من الصاغرين.
و الصاغر هو الذليل بصغر القدر، صغر يصغر صغراً و صغاراً، و تصاغرت اليه نفسه ذلًا و مهانة، و الأصل الصغر.
قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15)
آيتان.
في الآية الأولى حكاية عن إبليس أنه سأل اللَّه تعالى أن ينظره. و الانظار الامهال الى مدة فيها النظر في الأمر طال أم قصر. و الانظار و الامهال و التأخير و التأجيل نظائر في اللغة، و بينها فرق. و ضد الامهال الاعجال. و أصل الانظار المقابلة، و هي المناظرة. و (الجبلان يتناظران) أي يتقابلان، و نظر اليه بعينه أى قابله لينظر له و نظر اليه بيده، ليظهر له حاله في اللين و الخشونة أو الحرارة و البرودة.
و قوله «إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» مدة للانظار الذي طلبه. و البعث الإطلاق في الامر، و الانبعاث الانطلاق. و البعث و الحشر و النشر و الجمع نظائر.
و يجوز في «يَوْمِ يُبْعَثُونَ» ثلاثة أوجه من العربية: بالجر و ترك التنوين على الاضافة، و الجر مع التنوين على الصفة. و الفتح و ترك التنوين على البناء.
و ليس بالوجه، لأن الفعل معرب.
و الوجه في مسألة إبليس الانظار- مع علمه أنه مطرود ملعون مسخوط عليه- علمه بأن اللَّه يظاهر الى عباده بالإحسان، و يعمهم بفضله و إنعامه، فلم يصرف ارتكابه المعصية و إصراره على الخطيئة عن المسألة طامعاً في الاجابة، و عن انس من بلوغ المحبة.
و قيل في قوله «قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ» هل فيه إجابة الى ما التمسه أم لا؟
فقال السدي و غيره: إنه لم يجبه «إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» لأنه يوم القيامة، و هو يوم بعث لا يوم موت، و لكن انظر الى يوم الوقت المعلوم، كما ذكره في سورة اخرى (1). و يقوي ذلك قوله «إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ» و ليس لأحد
1) سورة 38 ص آية 79- 81.
أن ينظر أحداً الى يوم القيامة على هذا المعنى.
الثاني- أنه سأل تأخير الجزاء بالعقوبة الى يوم يبعثون. لما خاف من تعجيل العقوبة، فأنظر على هذا. و قال قوم: انظر الى يوم القيامة، و الأقوى الوجه الثاني، لأنه لا يجوز أن يعلم اللَّه أحداً من المكلفين الذين ليسوا بمعصومين أنه يبقيهم الى وقت معين، لأن في ذلك إغراء له بالقبح من حيث أنه يعلم انه باق الى ذلك الوقت فيرتكب القبيح، فإذا قارب الوقت جدد التوبة فيسقط عنه العقاب.
و هل يجوز اجابة دعاء الكافر أم لا؟ فيه خلاف:
فذهب أبو علي الى أنه لا يجوز، لما في ذلك من التعظيم و التبجيل لمجاب الدعوة في مجرى العادة، ألا ترى أنه إذا قيل: فلان مجاب الدعوة دل ذلك على أنه صالح المؤمنين. و أجاز ذلك أبو بكر بن الأخشاد على وجه الاستصلاح. و كان يقول: بتفصيل ذلك بحسب الوجه الذي يقع عليه.
و كسرت «إن» لأنها حكاية بعد القول، و هي تكسر في هذا الموضع، و في الابتداء بها، و إذا كان في خبرها لام التأكيد. و انما عملت (إن) لشبهها بالفعل الماضي من حيث كانت على ثلاثة أحرف مفتوحة الآخر، فهي بمنزلة (كان) إلا أنه خولف بعملها لأنها حرف.
قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (17)
آيتان بلا خلاف.
قوله «قال فبما» حكاية عن قول إبليس، لما لعنه اللَّه، و طرده و حكى سؤاله الانظار، و اجابة اللَّه تعالى الى شيء منه، قال حينئذ «فَبِما أَغْوَيْتَنِي» أي فبالذي أغويتني. و قيل في معنى هذه الباء ثلاثة أقوال:
أحدهما- اني مع اغوائك إياي كما تقول بقيامك تناول هذا أي مع قيامك.
الثاني- معناه اللام، و التقدير فلإغوائك إياي.
الثالث- أنها بمعنى القسم كقولك باللَّه لأفعلن.
و قيل في معنى اغويتني ثلاثة أقوال:
أحدها- قال أبو علي و البلخي: معناه بما خيبتني من جنتك، كما قال الشاعر:
فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره و من يغوَ لا يعدم على الغي لائما (1)
أي من يخب، و قال قوم: يجوز أن يكون أراد إنك امتحنتني بالسجود، لآدم فغويت عنده، فقال (أغويتني) كما قال «فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ» (2).
الثاني- قال ابن عباس و ابن زيد: معناه حكمت بغوايتي كقولك:
أضللتني أي حكمت بضلالتي.
الثالث- أغويتني بمعنى أهلكتني بلعنك إياي، كما قال الشاعر:
معطفة الأثناء ليس فصيلها برازئها درَّاً و لا ميت غوى (3)
أي و لا ميت هلاكاً بالقعود عن شرب اللبن. و منه قوله «فسوف يلقون غياً» (4)أي هلاكاً. و يقولون: غوى الفصيل إذا أنفذ اللبن فمات. و المصدر غِوَى مقصوراً و قوله «لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ» جواب القسم. و القسم محذوف، لأن غرضه بالكلام التأكيد، و هو ضد قوله «ص وَ الْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ» (5)
1) مر هذا البيت في 2/ 312 و سيأتي في 5/ 548.
2) سورة 9 التوبة آية 126.
3) قائله (مدرج الريح الجرمي) و أسمه (عامر بن المجنون)، الشعر و الشعراء: 713، و المعاني الكبير: 1047 و المخصص 7/ 41، 180 و تهذيب إصلاح المنطق 2/ 54 و اللسان (غوى) و تفسير الطبري 12/ 333.
4) سورة 19 مريم آية 59.
5) سورة 38 ص آية 2.
فانه حذف الجواب، و هي القسم، لأن الغرض تعظيم المقسم به.
و قعوده على الصراط معناه أنه يقعد على طريق الحق ليصد عنه بالإغواء حتى يصرفه الى طريق الباطل عداوة له وكيداً.
و قوله «صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ» قيل في نصب (صراطك) أنه نصب على الحذف دون الظرف، و تقديره على صراطك، كما قيل ضرب زيد الظهر و البطن أي على الظهر و البطن قال الشاعر:
لدن بهز الكف يعسل متنه فيه كما عسل الطريق الثعلب (1)
و قال آخر:
كأني إذا أسعى لأظفر طائراً مع النجم في جو السماء يصوب (2)
أي لأظفر على طائر، و إغواء اللَّه تعالى لإبليس لم يكن سبباً لضلاله، لأنه تعالى علم أنه لو لم يغوه لوقع منه مثل الضلال الذي وقع أو أعظم، فأما قول من قال: إنه لو كان ما يفعل به الايمان هو ما يفعل به الكفر، لكان قوله «فَبِما أَغْوَيْتَنِي» و بما أصلحتني بمعنى واحد، فكلام غير صحيح، لأن صفة الآلة التي يقع بها الايمان خلاف صفتها إذا وقع بها الكفر. و إن كانت واحدة كالسيف. و لا يجب من ذلك أن تكون صفتها واحدة من أجل أنها واحدة بل لا يمتنع أنه متى استعمل آلة الايمان في الضلال سمي إغواء، و إن استعمل في الايمان سمي هداية، و إن كان ما يصح به الايمان و الكفر و الضلال واحداً.
و قوله «ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ» قيل في معناه ثلاثة أقوال:
أحدها- قال ابن عباس و قتادة و ابراهيم بن الحكم و السدي و ابن
جريج: من قبل دنياهم و آخرتهم. و من جهة حسناتهم و سيئاتهم.
الثاني- قال مجاهد: من حيث يبصرون و من حيث لا يبصرون.
الثالث- قال البلخي و أبو علي: من كل جهة يمكن الاحتيال عليهم بها.
و قال ابن عباس: و لم يقل من فوقهم، لأن رحمة اللَّه تنزل عليهم من فوقهم، و لم يقل من تحت أرجلهم، لأن الإتيان منه موحش. و
قال أبو جعفر (ع) «ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ» معناه أهوِّن عليهم أمر الآخرة و من خلفهم آمرهم بجمع الأموال و البخل بها عن الحقوق لتبقى لورثتهم «وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ» و أفسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة و تحسين الشبهة «وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ» بتحبيب اللذات اليهم و تغليب الشهوات على قلوبهم.
و قال الزجاج: «مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ» معناه أغوينهم حتى يكذبوا بالبعث و النشور، «وَ مِنْ خَلْفِهِمْ» حتى يجحدوا ما كان من أخبار الأمم الماضية و الأنبياء السالفة.
و إنما دخلت (من) في الخلف و القدام، و (عن) في اليمين و الشمال، لأن في القدام و الخلف معنى طلب النهاية، و في اليمين و الشمال الانحراف عن الجهة.
و دخول (ثم) في الكلام: بيان أن هذا المعنى يكون بعد القعود في طريقهم.
و قوله «وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ» إخبار من إبليس أن اللَّه لا يجد أكثر خلقه شاكرين. و قيل: يمكن أن يكون علم ذلك من أحد وجهين.
أحدهما- قال أبو علي: ذلك علمه من جهة الملائكة باخبار اللَّه تعالى إياهم.
الثاني- قال الحسن: يجوز أن يكون أخبر عن ظنه ذلك، كما قال تعالى «وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ» لأنه لما أغوى آدم فاستزله، قال ذرية هذا أضعف منه، و ظن أنهم سيجيبونه و يتابعونه.
قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18)
آية بلا خلاف.
حكي عن عاصم في الشواذ «لمن تبعك» بكسر اللام، و يكون خبره محذوفاً و تقديره لمن تبعك النار، و ليس بمعروف.
هذا خبر من اللَّه تعالى أنه «قالَ اخْرُجْ مِنْها» يعني من الجنة «مَذْؤُماً» قال ابن عباس: معناه معيباً. و قال ابن زيد: مذموماً، يقال: ذأمه يذأمه ذأماً و ذامه يذيمه ذيماً و ذاماً. و قيل الذأم و الذيم أشد العيب. و مثله اللوم قال الشاعر:
صحبتك إذ عيني عليها غشاوة فلما انجلت قطعت نفسي أذيمها (1)
و أكثر الرواية ألومها. و قوله «مَدْحُوراً» فالدحر الدفع على وجه الهوان و الاذلال يقال: دحره يدحره دحراً و دحوراً. و قيل الدحر الطرد- في قول مجاهد و السدي-.
و قوله «لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ» جواب القسم، و حذف جواب الجزاء في «لَمَنْ تَبِعَكَ» لأن جواب القسم أولى بالذكر من حيث أنه في صدر الكلام، و لو كان في حشو الكلام، لكان الجزاء أحق منه، كقولك: إن تأتني و اللَّه أكرمك، و لا يجوز أن تكون (من) هاهنا بمعنى الذي، لأنها لا تقلب الماضي الى الاستقبال، و يجوز أن تقول: و اللَّه لمن جاءك أضربه بمعنى لأضربه، و لم يجز بمعنى لأضربنه، كما يجوز و اللَّه أضرب زيداً بمعنى لأضرب و لا يجوز بمعنى لأضربن، لأن الإيجاب لا بد فيه من نون التأكيد مع اللام على قول الزجاج.
و إنما قال «لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ» بلفظ الجمع و إن كان المخاطب واحداً على التغليب للخطاب على الغيبة، كما يغلب المذكر على المؤنث، و كما يغلب الأخف على الأثقل في قولهم: سنة العمرين، لأن المفرد أخف من المضاف، لأن المعنى لأملأن جهنم منك و ممن تبعك منهم أجمعين، كما ذكره في موضع آخر.
و قوله «أجمعين» تأكيد لقوله «منكم» و هو و إن كان بلفظ الغائب أكد به المخاطب، لأنه تابع للأول، فإن كان غائباً فهو غائب و إن كان مخاطباً،
1) قائله (الحارث بن خالد المخزومي) الاغاني (دار الثقافة) 3/ 313 و تفسير الطبري 1/ 265 و 12/ 343.
فهو مخاطب و إن كان متكلماً، فهو متكلم كقولك: نحن منطلق أجمعون عامدون، لأن الاتباع قد دل على ذلك.
وَ يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)
آية بلا خلاف.
في هذه الآية حكاية خطاب اللَّه تعالى لآدم و أمره إياه أن يسكن هو و زوجه حواء الجنة. و اختلفوا في الجنة التي أسكن اللَّه آدم فيها.
فقال قوم: إنها جنة الخلد، لأن الجنة إذا أطلقت معرفة بالألف و اللام لا يعقل منها في العرف إلا جنة الخلد، كما أن السموات و الأرض إذا أطلق لم يعقل منه إلا السموات المخصوصة دون سقف البيت.
و قوله «و زوجك» إنما جاء به على لفظ التذكير، لأن الاضافة أغنت عن ذلك و أبانت عن المعنى، فكان الحذف أحسن، لأنه أوجز يقال: لصاحب المنزل ساكن فيه، و إن كان يتحرك فيه أحياناً للتغليب، لأن سكونه فيه أكثر، بجلوسه و نومه في ليله. و غير ذلك من أوقاته، و أباح اللَّه تعالى لهما أن يأكلا من حيث شاءا، و أين شاءا ما شاءا، و نهاهما على وجه الندب ألا تقربا هذه الشجرة.
و عندنا إن ذلك لم يكن محرماً عليهما بل نهاهما نهي تنزيه دون حظر و بالمخالفة فاتهما ثواب كثير، و إن لم يفعلا بذلك قبيحاً، و لا أخلا بواجب.
و من خالفنا قال أخطأ في ذلك على خلاف بينهم بأن ذلك صغيرة أو كبيرة.
و من قال كانت صغيرة، منهم من قال: وقع ذلك منه سهواً و نسياناً. و منهم من قال: وقع ذلك تأويلًا من حيث نهي عن جنس الشجر، فحمله على شجرة بعينها، فأخطأ في التأويل. و قد بينا فساد ذلك فيما مضى (1).
1) في المجلد الأول ص 160- 164.
و قوله «فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ» يحتمل أن يكون نصباً على جواب النهي.
و الثاني- أن يكون جزماً عطفاً على النهي، فكأنه قال لا تقربا هذه الشجرة، و لا تكونا من الظالمين. و معنى «الظالمين» على مذهبنا المراد به الباخسين نفوسهم ثواباً كثيراً، و المفوتين نعيماً عظيماً. و من قال: إنهما ارتكبا قبيحاً قال: ظلما أنفسهما بارتكاب القبيح. و على مذهب من يقول بأن ذلك كانت صغيرة وقعت مكفرة لا بد أن يحمل الظلم هاهنا على نقصان الثواب الذي انحبط بمقارنة الصغيرة له، فأبو عليّ: ذهب الى أن ذلك وقع منه نسياناً. و قال البلخي وقع منه تأويلًا، لأنه نهي عن جنس الشجرة فتأوَّله على شجرة بعينها، و هذا خطأ، لأن ما يقطع سهواً أو نسياناً لا يحسن المؤاخذة به. و أما الخطأ في التأويل فقد زاد من قال ذلك قبيحاً آخر. أحدهما ارتكاب المنهي. و الثاني الخطأ في التأويل به.
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَ قالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (20)
آية بلا خلاف.
قرأ يحيى بن كثير و يعلى بن حكيم «إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ» بكسر اللام من قوله «هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لا يَبْلى الباقون بفتح اللام.
أخبر اللَّه تعالى أنه لما نهى آدم و زوجته عن أكل الشجرة وسوس لهما الشيطان. و الوسوسة الدعاء الى أمر بضرب خفي كالهمهمة و الخشخشة قال رؤبة مراجعة:
وسوس يدعو مخلصاً رب الفلق سراً و قد أوَّن تأوين العقق (1)
1) ديوانه: 108 و اللسان (وسوس) و هو من ارجوزة يصف بها صائداً مختفياً يرتقب حمر الوحش.
و قال الأعشى:
تسمع للحلى وسواساً إذا انصرفت كما استعان بريح عشرق زجل (1)
و قوله «لِيُبْدِيَ لَهُما» فالابداء الاظهار، و هو جعل الشيء على صفة ما يصح أن يدرك، و ضده الإخفاء و كل شيء أزيل عنه الساتر فقد أبدي.
و قوله «ما وُورِيَ» فالمواراة جعل الشيء وراء ما يستره. و مثله المساترة، و ضده المكاشفة، و لم يهمز، لأن الثانية مدة، و لو لا ذلك لوجب الهمز.
و قيل للفرج سوأة، لأنه يسوء صاحبه إظهاره، و كلما قبح إظهاره سوأة، و السوء من هذا المعنى. و إذا بالغوا قالوا: السوأة السوآء، و لم يقصد آدم و حواء (عليهما السلام) بالتناول من الشجرة القبول من إبليس و الطاعة له بل إنما قصدا عند دعائه شهوة نفوسهما، و لو قصدا القبول منه لكان ذلك قبيحاً لا محالة. و قال الحسن لو قصدا ذلك لكانا كافرين.
و فرق بين وسوس اليه و وسوس له مثل قولك ألقى اليه المعنى، و وسوس له معناه أوهمه النصيحة له. فإن قيل كيف وصل إبليس الى آدم و حواء حتى وسوس لهما؟ و هو خارج الجنة، و هما في الجنة، و هما في السماء و هو في الأرض؟ قلنا: فيه أقوال.
أحدها- قال الحسن: كان يوسوس من الأرض الى السماء و الى الجنة فوصلت وسوسته بالقوة التي خلقها اللَّه له.
الثاني- قال أبو علي إنهما كانا يخرجان من السماء فبلغهما و هما هناك.
الثالث- قال أبو بكر بن الإخشيد إنه خاطبهما من باب الجنة و هما فيها.
و قوله «ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ» فيه قولان:
أحدهما- أن فيه حذفاً و تقديره إلا أن تكونا ملكين و لستما ملكين.
و معناه لئلا تكونا ملكين.
1) ديوانه: 42 القصيدة 6. [.....]
الثاني- إلا كراهة أن تكونا ملكين.
فإن قيل كيف يموِّه عليهما أن الأكل من الشجرة يوجب الانقلاب من صورة البشرية الى صورة الملائكة أو يوجب الخلود في الجنة؟! قلنا: عن ذلك جوابان:
أحدهما- أنه أوهم أن ذلك في حكم اللَّه في كل من أكل من تلك الشجرة.
الثاني- أنه أراد إلا أن تكونا بمنزلة الملائكة في علو المنزلة.
و استدل جماعة من المعتزلة بهذه الآية على أن الملائكة أفضل من البشر، و الأنبياء منهم. و هذا ليس بشيء، لأنه لم يجر هاهنا ذكر لكثرة الثواب و أن الملائكة أكثر ثواباً من البشر بل كان قصد إبليس أن يقول لآدم ما نهاك اللَّه عن أكل الشجرة إلا أن تكونا ملكين، فإن كنتما ملكين فقد نهاكما، و حيث لستما من الملائكة فما نهاكما اللَّه عن أكلها، و تلخيص الكلام أن المنهي من أكل الشجرة هم الملائكة فقط، و من ليس منهم فليس بمنهي، و لا تعلق لذلك بكثرة الثواب و لا بقلته و على قول من كسر اللام لا متعلق في الآية و لا شبهة.
و الشجرة التي نهي عنها آدم، قال قوم هي الكرمة، و قال آخرون هي السنبلة. و قيل فيه أقوال غيرهما ذكرناها في سورة البقرة (1).
وَ قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21)
آية بلا خلاف.
المقاسمة لا تكون إلا بين اثنين، و القسم كان من إبليس لآدم، لأن آدم مقسم له. و انما قال و قاسمهما كما يقال: عاقبت اللص و طارقت النبل و ناولت الرحل و عافاه اللَّه، و كذلك قاسمته، لان في جميع ذلك معنى المقابلة، كأنه قابله في المنازعة باليمين و المعاقبة مقابلة بالجزاء و كذلك المعافاة، و قال الهذلي:
و قاسمها باللَّه جهدا لأنتم ألَّذ من السلوى إذا ما نشورها (2)
أي حالفها، و في موضع آخر «قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَ أَهْلَهُ» (1)أي تحالفوا- و سئل الحسن فقيل له: أ ليس اللَّه خلق آدم ليكون خليفة في الأرض قال: بلى، قال و كان لا بد له من ان يهبط الأرض، قال: لا و اللَّه، و لكن لو هبط مطيعا للَّه كان خيرا له من ان يهبط عاصيا، و لم يعاتبه اللَّه على الهبوط، و انما عاتبه على مخالفة الأمر. و أصل القسم القسمة، قال أعشى بني ثعلبة:
رضيعي لبان ثدي أم تقاسما باسحم داج عوض لا نتفرق (2)
و القسم تأكيد الخبر بطريقة و اللَّه، و باللَّه، و تاللَّه.
اخبر اللَّه تعالى في هذه الآية ان إبليس حلف، لآدم و حواء انه لهما ناصح في دعائهما الى التناول من الشجرة و لذلك تأكدت الشبهة عندهما، و ظنا ان أحداً لا يقدم على اليمين باللَّه إلا صادقاً، فكان ذلك داعياً لهما الى تناول الشجرة.
و يجوز ان تقول: اني لك لناصح، و لا يجوز ان تقول أنا لك لناصح، لان لام الابتداء موضعها صدر الكلام لا تؤخر عنه الا في باب (ان) خاصة لئلا يجتمع حرفا تأكيد في موضع واحد، فيوهم اختلاف المعنى، لان الأصل في اجتماع الحرفين في موضع انه لا ينوب أحدهما عن الآخر، و تقدير الكلام، و قاسمهما اني لكما ناصح، ثم فسر ذلك بقوله من الناصحين ليكون متعلقا بقوله لمن الناصحين فقدم الصلة على الموصول، و مثله قوله «وَ أَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ» (3)و تقديره و أنا على ذلكم شاهد، و بينه بقوله من الشاهدين.
فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَ ناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (22)
آية بلا خلاف.
معنى قوله «فَدَلَّاهُما» حطهما الى الخطيئة بغرور، و منه قولهم: فلان يتدلى الى الشر، لان الشر سافل و الخير عال. و قيل: دلاهما من الجنة الى الأرض بغرور. الغرور إظهار النصح مع ابطان الغش، و أصله الغر: طيُّ الثوب يقال: اطوه على غره أي على كسر طيه، و قال الشاعر:
كأن غرَّ متنه إذ نجنبه سير صناع في خريز تكلبه (1)
فالغرور بمنزلة الغر لما فيه من اظهار حال و إخفاء حال، و منه الغرر لخفاء ما لا يؤمن فيه. و الغر الذي لم يجرب الأمور، لأنها تخفي عليه. و الغرة الأخذ على غفلة. و الغرارة الوعاء، لأنها تخفي ما فيها. و الأغر الأبيض لظهور الثوب في غره، و منه الغرة في الجبهة.
و قوله «فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما» أي ظهرت عورتاهما، و لم يكن ذلك على وجه العقوبة، لان الأنبياء لا يستحقون العقوبة، و انما كان ذلك لتغير المصلحة، لأنهما لما تناولا من الشجرة اقتضت المصلحة إخراجهما من الجنة و نزعهما لباسهما الذي كان عليهما، و اهباطهما الى الأرض، و تكليفهما فيها.
و قوله «و طفقا» قال ابن عباس: معنى طفق جعل يفعل، و مثله قولهم:
ظل يفعل و أخذ يفعل و ابتدأ يفعل، فقد يكون ذلك بأول الفعل و قد يكون بالقصد الى الفعل، و يقال: طفق يَطفِق و طفق يَطفَق طفقا.
و قوله «يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ» معناه يقطفان من ورق الجنة ليستترا به، و يحوزان بعضه الى بعض، و منه المخصف: المثقب الذي يخصف به النعل، و الخصاف الذي يرقع النعل قال الشاعر:
1) قائله (دكين بن رجاء الفقيمي) اللسان (كلب) و «غرَّ متنه» ما تثنى من جلده و (سير صناع) أي سير متصنع به من كثر الخرز فيه.
و أسعى للندى و الثوب جرد محاسرة و في نعلي خصاف
يعني ترقيع، و قال الأعشى:
قالت أرى رجلا في كفه كتف او يخصف النعل لهفي آية صنعا (1)
و منه
قول النبي (ص) (خاصف النعل في الحجرة) يعني عليا (ع).
و الاخصاف سرعة العدو، لأنه يقطعه بسرعة. و الخصف ثياب غلاظ جدا، لأنه يعسر قطعها لغلظها. و كان الحسن يقرأ «يخصفان» بمعنى يختصفان.
و قوله «مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ» قيل: انه من ورق التين. و اصل الورق ورق الشجرة، و منه الورق اسم الدراهم. و الورقة سواد في غبرة كأنه كلون الورق الذي بهذه الصفة، و حمامة ورقاء.
و في ذلك دلالة على ان ستر العورة كان واجبا في ذلك الوقت.
و قوله «وَ ناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ» حكاية عما قال اللَّه تعالى لآدم و حواء- بعد ان بدت سوآتهما و طفقا يخصفان عليهما من ورق الشجر- أ ليس كنت نهيتكما عن تلكما الشجرة، و انما قال «تلكما» لأنه خاطب اثنين و أشار الى الشجرة، فلذلك قال (تلكما) و «أقل لكما» عطف على «أنهكما» فلذلك جزمه «إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ» يعني ظاهر العداوة.
و قد بينا ان آدم لم يرتكب قبيحا و ان ما توجه اليه بصورة النهي كان المراد به ضربا من الكراهة دون الحظر، و انما قلنا ذلك لقيام الدلالة على عصمتهما من سائر القبائح صغائرها و كبائرها، فعلى هذا لا يحتاج ان نقول: انهما تأولا فأخطئا، على ما قال البلخي و الرماني، أو وقع منهما سهواً على ما قاله الجبائي
قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (23)
آية بلا خلاف.
1) ديوانه: 83 القصيدة 13.
في هذه الآية حكاية عما قال آدم و حواء (ع) لما عاتبهما اللَّه و وبخهما على ارتكابهما ما نهاهما عنه، و اخبار عن اعترافهما على أنفسهما بأن «قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا» و معناه بخسناها الثواب بترك المندوب اليه. و الظلم هو النقص.
و على مذهب من يقول انهما فعلا صغيرة لا بد ان يحمل قوله «ظَلَمْنا أَنْفُسَنا» على تنقيص الثواب، لان عندهم ان الصغيرة انقصت ثواب طاعاتهم، فكان ذلك ظلما للنفس، فأما من يقول: ان الصغيرة انقصت ثواب طاعاتهم، فكان ذلك ظلما للنفس، فأما من يقول: ان الصغير تقع مكفرة من غير ان ينقص من ثواب فاعلها شيء، فلا يتصور معنى لقوله «ظَلَمْنا أَنْفُسَنا» و لا يثبت فيهما فائدة، لأنهما لم يستحقا عقابا بلا خلاف.
و صفة ظالم مفارقة لقولنا: ظلمنا، لان الظالم اسم ذم في اكثر التعارف، و ظلم قد يستعمل في غير المستحق للعقاب و الذم، كما ان اسم (مؤمن) اسم مدح لمستحق الثواب، و آمن يؤمن بخلاف ذلك عند القائلين بالوعيد.
و قوله «وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا» معناه ان لم تستر علينا، لان الغفر هو الستر على ما بيناه فيما مضى، و على مذهب من يقول: ان معصيتهم كانت صغيرة وقعت مكفرة لا معنى لقوله «وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا»، لان الغفران كائن لا محالة، و لا يحسن المؤاخذة به.
و قوله «لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ» المعنى ان لم تتفضل علينا بنعمك التي تتم بها ما فوتناه نفوسنا من الثواب بضروب تفضلك لنكونن من جملة من خسر، و لم يربح. و الإنسان يصح ان يظلم نفسه بأن يدخل عليها ضررا غير مستحق، و لا يدفع عنها ضررا أعظم، و لا يجتلب منفعة توفي عليه. و لا يصح ان يكون معاقبا لنفسه، و يجوز ان يأمر اللَّه تعالى المكلف ان يضر بنفسه، و لا يحسن ان يأمره ان يعاقب نفسه، لان امر الحكيم يدل على الترغيب في الشيء، و لا يجوز أن يرغبه في عقابه، كما لا يجوز ان يرغبه في ذمه و لعنه.
قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ (24)
آية بلا خلاف.
اختلفوا في المعنى بهذه الآية، فقال السدي و أبو علي الجبائي و أبو بكر ابن الإخشيد: ان المراد بالخطاب آدم و حواء و إبليس، جمع بينهم في الذكر، و ان كان الخطاب لهم وقع في أوقات متفرقة، لان إبليس امر بالهبوط حين أمتنع من السجود، و آدم و حواء حين أكلا من الشجرة، و انتزع لباسهما. و قال أبو صالح: الخطاب متوجه الى آدم و حواء و الحية. و قال الحسن- قولا بعيدا من الصواب- و هو ان المراد به آدم و حواء و الوسوسة، و هذا قول منعزب عنه، لان الوسوسة لا تخاطب.
و الهبوط هو النزول بسرعة، و البعض هو أحد قسمي العدة، و أحد قسمي العشرة بعضها، و احد قسمي الاثنين بعضهما و لا بعض للواحد، لأنه لا ينقسم. و قوله «بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ» أضاف (البعض) الى جملة هو منها، و لا يجوز ان يضاف (غير) الى جملة هو منها، لان اضافة (غير) الى الجملة و التفصيل لصحة ان يكون لكل واحد غير، و ليس كذلك بعض، لأنه لا يصح ان يكون لكل واحد بعض فأضافته الى الجملة فقط.
و العدوُّ ضد الوليِّ، و من صفة العدو انه مراصد بالمكاره. و من صفة الوليِّ انه مراصد بالمحاب. و قال الرماني: العدو هو النائي بنصرته في وقت الحاجة الى معونته، و الولي هو الداني بنصرته في وقت الحاجة الى معونته. و قوله «وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ» فالمستقر قيل في معناه قولان:
أحدهما- قال ابو العالية: هو موضع استقرار.
الثاني- انه الاستقرار بعينه، لان المصدر يجيء على وزن المفعول نحو
و «نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً» (1)أي إدخالا كريما قال الشاعر:
أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا و أنجو إذا غم الجبان من الكرب (2)
و قوله «وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ» فالمتاع الانتفاع بما فيه عاجل استلذاذ، لان المناظر الحسنة يستمتع بها لما فيها من عاجل اللذة. و الحين الوقت، قصيرا كان او طويلا، الا انه قد استعمل على طول الوقت- هاهنا- و ليس بأصل فيه كقول القائل: ما لقيته منذ حين قال الشاعر:
و ما مزاحك بعد الحلم و الدين و قد علاك مشيب حين لا حين (3)
أي وقت لا وقت، و قال البلخي «الى حين» معناه الى القيامة.
قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَ فِيها تَمُوتُونَ وَ مِنْها تُخْرَجُونَ (25)
آية بلا خلاف.
قرأ ابن ذكوان و حمزة و الكسائي و خلف و يعقوب «تخرجون» بفتح التاء و ضم الراء. الباقون بضم التاء و فتح الراء. من قرأ بضم التاء، فلقوله «انكم مخرجون» (4)و قوله «كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى (5). و من فتح التاء، فلإجماع الكل في قوله «ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ» (6)بفتح التاء و لقوله «إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ» (7)فأسند الفعل اليهم، و لأنه أشبه
1) سورة 4 النساء آية 30
2) قائله كعب بن مالك. اللسان (قتل).
3) قائله جرير. ديوانه: 586 و سيبويه 1/ 358 و مجاز القرآن 1/ 212 و تفسير الطبري 12/ 359. و رواية الديوان و سيبويه (ما بال جهلك بعد الحلم و الدين).
4) سورة 23 المؤمنون آية 35
5) سورة 7 الأعراف آية 56.
6) سورة 30 الروم آية 25
7) سورة 36 يس آية 51. [.....]
بما قبله من قوله «فِيها تَحْيَوْنَ وَ فِيها تَمُوتُونَ» (1)و كما قال «كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ» (2)أضاف الفعل اليهم.
و في الآية اخبار من اللَّه تعالى و حكاية عما قاله لآدم انكم تحيون في هذه الأرض التي تهبطون اليها، و فيها تموتون، و منها تخرجون، للبعث يوم القيامة.
قال الجبائي في الآية دلالة على ان اللَّه (عز و جلَّ) يخرج العباد يوم القيامة من هذه الأرض التي حيوا فيها بعد موتهم، و انه يفنيها بعد ان يخرج العباد منها في يوم الحشر، و إذا أراد إفناءها زجرهم عنها زجرة فيصيرون الى ارض اخرى و هذا معنى قوله «فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ» (3).
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشاً وَ لِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)
آية بلا خلاف.
قرأ أهل المدينة، و ابن عامر و الكسائي «و لباس التقوى» بالنصب.
الباقون بالرفع، و من نصب حمله على (انزل) من قوله «قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً، ... وَ لِباسُ التَّقْوى و أنزلنا هاهنا مثل قوله «وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ» (4)و مثل قوله «وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ» (5)أي خلق. و انما قال «أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً» لاحد أمرين.
أحدهما- لأنه ينبت بالمطر الذي ينزل من السماء، في قول الحسن و الجبائي.
الثاني- لأن البركات تنسب الى أنها تأتي من السماء كقوله
«وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ» (1)و قوله «ذلك» على هذا مبتدأ و خبره (خير)، و من رفع قطع اللباس من الاول و استأنف، فجعله مبتدأ و جعل قوله «ذلك» صفة له أو بدلا أو عطف بيان. و من قال «ذلك» لغو فقد أخطأ، لأنه يجوز أن يكون على أحد ما قلناه، و (خير) خبر ل (لباس) و تقديره لباس التقوى خير لكم إذا أخذتم به و أقرب لكم الى اللَّه مما خلق لكم من اللباس و الرياش الذي يتجمل به، و أضيف اللباس الى التقوى كما أضيف في قوله «فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ» (2)الى (الجوع).
و هذه الآية خطاب من اللَّه تعالى لأهل كل زمان من المكلفين على ما يصح و يجوز من وصول ذلك اليهم، كما يوصي الإنسان لولده و ولد ولده- و ان نزلوا- بتقوى اللَّه و إيثار طاعته، و يجوز خطاب المعدوم بمعنى أن يراد بالخطاب إذا كان المعلوم أنه سيوجد و تتكامل فيه شروط التكليف، و لا يجوز أن يراد من لا يوجد لأن ذلك عبث لا فائدة فيه.
و اللباس كلما يصلح للبس من ثوب أو غيره من نحو الدرع، و ما يغشى بها البيت من نطع او كسوة. و أصله المصدر تقول: لبسه يلبسه لبَساً و لباساً، و لبساً- بكسر اللام- قال الشاعر:
فلما كشفن اللبس عنه مسحنه بأطراف طفل زان غيلا موشما (3)
الغيل الساعد، و وصفها بلطف الكف. (و الريش): ما فيه الجمال، و منه ريش الطائر، و قيل أصله المصدر من راشه يريشه، و قد تريش فلان أي صار له ما يعيش به، قال الشاعر أنشده سيبويه:
و ريشي منكم و هواي معكم و إن كانت زيارتكم لماما (4)
و قال سعيد الجهني الرياش المعاش. و قال الزجاج: الريش اللباس يقولون: أعطيت الرجل فريشته أي كسوته، و جمعه رياش.
قال مجاهد: و إنما ذكر اللباس- هاهنا- لأن المشركين كانوا يتعرون في الطواف حتى تبدو سوآتهم باغواء الشياطين، كما أغوي أبويهم قبل هذا الإغواء. و قوله «يُوارِي سَوْآتِكُمْ» معناه يستر ما يسوؤكم انكشافه من الجسد، لأن السوءة ما يسوء انكشافه من الجسد، و العورة ترجع الى النقيصة في الجسد قال الشاعر:
خرقوا جيب فتاتهم لم يبالوا سوءة الرجلة (1)
و لِباسُ التَّقْوى فيه خمسة أقوال:
أحدها- قال ابن عباس: هو العمل الصالح.
الثاني- قال قتادة و السدي و ابن جريج هو الايمان.
الثالث- قال الحسن: هو الحياء الذي يكسبكم التقوى.
الرابع- قال الجبائي: هو الذي يقتصر عليه من أراد التواضع و النسك في العبادة من لبس الصوف و الخشن من الثياب.
الخامس- قال الرماني: هو العمل الذي يقي العقاب، و فيه الجمال مثل جمال الناس من الثياب. و قال الحسين بن علي المغربي «لِباسُ التَّقْوى يعني الذي كان عليكما في الجنة خير لكم بدلالة قوله «ذلك» و هي للبعيد.
و قوله «ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ» معناه إن الذي فعلناه بكم من حجج اللَّه التي دلتكم على توحيده من اللَّه «لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ» معناه لكي يتفكروا فيها و يؤمنوا باللَّه و برسوله.
1) اللسان (رجل) و الكامل للمبرد 1/ 165 و تفسير الطبري 12/ 361 و شرح الحماسة 1/ 117.
يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27)
آية بلا خلاف.
هذا خطاب من اللَّه لأولاد آدم العقلاء منهم المكلفين، فنهاهم أن يفتنوا بفتنة الشيطان. و الفتنة هي الاختبار و الابتلاء و افتتان الشيطان يكون بالدعاء الى المعاصي من الجهة التي تميل اليها النفوس و ما تشبهيه. و انما جاز ان ينهى الإنسان بصيغة النهي للشيطان، لأنه أبلغ في التحذير من حيث يقتضي أنه يطلبنا بالمكروه، و يقصدنا بالعداوة، فالنهي له يدخل فيه النهي لنا عن ترك التحذير منه.
و قوله «كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ» يعني أغوى أبويكم آدم و حواء حتى خرجا من الجنة، فنسب الإخراج اليه لما كان باغوائه، و جرى ذلك مجرى ذم اللَّه تعالى فرعون بأنه يذبح أبناءهم و إنما أمر بذلك، و تحقيق الذم فيها راجع الى فعل القتل المذموم، و لكنه يذكر بهذه الصفة لبيان منزلة فعله في عظم الفاحشة.
و قوله «يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما» في موضع الحال من الشيطان، و تقديره نازعاً عنهما لباسهما لكي تبدوا سوءاتهما فيرياها، و النزع قلع الشيء من موضعه الذي هو ملابس له و يقال: نزع من الأمر ينزع نزوعاً تشبيهاً بهذا، و نازعه إذا حاول كل واحد منهما أن يزيل صاحبه عما هو عليه، و غرض الشيطان في ان يريا سوآتهما هو ان يغمهما ذلك و يسوأهما ان تبدو لغيرهما، كما بدا لهما، لان ذلك صفة كل من له مروءة. و اللباس الذي ينزع عنهما قيل فيه ثلاثة
أقوال:
أحدها- قال ابن عباس: كان لباسهما الظفر.
و قال وهب بن منية كان لباسهما نوراً.
و قال قوم هي ثياب من ثياب الجنة.
و قوله «إنه» يعني الشيطان «يَراكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ» و انما كانوا يرونا و لا نراهم لان أبصارهم احد من أبصارنا، و أكثر ضوءاً من أبصارنا، فابصارنا قليلة الشعاع، و مع ذلك أجسامهم شفافة و أجسامنا كثيفة، فصح أن يرونا و لا يصح منا أن نراهم، و لو تكثفوا لصح منا أيضاً أن نراهم.
و قال أبو علي: في الآية دلالة على بطلان قول من يقول: إنه يرى الجن من حيث أن اللَّه عمَّم أن لا نراهم، قال: و إنما يجوز أن يروا في زمن الأنبياء بأن يكثف اللَّه أجسامهم.
و قال أبو الهذيل و أبو بكر بن الإخشيد: يجوز أن يمكنهم اللَّه أن يتكثفوا فيراهم حينئذ من يختص بخدمتهم.
و قبيل الشيطان، قال الحسن و ابن زيد: هو نسله، و به قال أبو علي، و استدل على ذلك بقوله «أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَ هُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ» (1).
و قوله «إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ» معناه إنا حكمنا بذلك لأنهم يتناصرون على الباطل، و مثله قوله «وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً» (2)أي حكموا بذلك حكما باطلا.
و (حيث) في موضع خفض بحرف (من) غير أنها بنيت على الضم، و أصلها ان تكون مرفوعة لأنها ليست لمكان بعينه، و ان ما بعدها صلة لها ليست بمضافة اليه. و منهم من يقول (من حيث) خرجت- بالفتح- لالتقاء الساكنين. و منهم من يقول (حوث) و لا يُقرأ بهما.
وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (28)
آية بلا خلاف.
الكناية في قوله «فَعَلُوا فاحِشَةً» كناية عن المشركين، الذين كانوا يبدون سوآتهم في طوافهم: النساء و الرجال الحمس خاصة، و له خبر طويل- في قول ابن عباس و مجاهد و سعيد بن جبير و الشعبي و السدي، و قالت العامرية:
اليوم يبدو بعضه او كله و ما بدا منه فلا أحله (1)
قال الفراء: كانوا يعملون ستاً من سور مقطعة يشدون على حقوهم فسمي حوقاً، و إن عمل من صوف سمي رهطاً.
و قال الحسن و أبو علي: هي كناية عن عبدة الأوثان و فواحشهم الشرك باللَّه و الكفر بنعمه. و الفاحشة ما عظم قبحه في قول الزجاج، يقال فحش يفحش فحشاً، و لا يقال في الصغيرة- عند من قال بها- فاحشة، و إن قيل فيها: إنها قبيحة، كما لا يقال في القوم فاحش، و إن قيل: قبيح.
أخبر اللَّه تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم «إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً» و ارتكبوا قبيحاً اعتذروا لنفوسهم بأن قالوا: وجدنا آباءنا يفعلونها. قال الحسن:
و إنما دعاهم الى هذا القول، لأن أهل الجاهلية كانوا أهل إجبار، و قالوا:
لو كره اللَّه ما نحن عليه من هذا الدين لنقلنا عنه، فهو قوله «وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها» و قال غيره: إنهم توهموا أن آباءهم لم يفعلوا ذلك إلا و هو من قبل اللَّه.
و إنما قال آباؤهم بسببه فحينئذ رد اللَّه عليهم قولهم بأن قال «إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ» ثم قال على وجه الإنكار «أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ»؟!
1) تفسير الطبري: 12/ 377، 389، 390، 391، 393 و معاني القرآن للفراء 1/ 377.
لأنهم ان قالوا لا، نقضوا مذهبهم، و إن قالوا: نعم، افتضحوا في قولهم و قال الزجاج: معنى «أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ» أ تكذبون عليه؟! و في الآية حجة على أصحاب المعارف، و أهل التقليد، لأنه ذم الفريقين، و لو كان الأمر على ما يقولون لما توجه عليهما الذم!!.
فإن قيل: إنما أنكر اللَّه قولهم: إن اللَّه أمرنا بها، و لا يدفع ذلك أن يكون مريداً لها، لأن الأمر منفصل من الارادة.
قلنا: الأمر لا يكون أمراً إلا بارادة المأمور به، فما أراده فقد رغب فيه و دعا اليه فاشتركا في المعنى.
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَ أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَ ادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقاً هَدى وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)
آيتان، تمام الأولى في الكوفي «تعودون» و في البصري تمام الأولى «مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» و تمام الأخرى عند الجميع «مهتدون».
لما أخبر اللَّه تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم قالوا: إن اللَّه أمرنا بما نفعله و نعتقده من الفواحش، و ردَّ عليهم بقوله «إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ» أمر نبيه (ص) أن يقول «ان الله يأمر بالقسط» و هو العدل- في قول مجاهد و السدي و أكثر المفسرين- و أصله العدول، فإذا كان الى جهة الحق، فهو عدل. و منه قوله «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» (1). و إذا كان الى جهة الباطل،
1) سورة 5 المائدة آية 45 و سورة 49 الحجرات آية 9 و سورة 60 الممتحنة آية 8. [.....]
فهو جور، و منه قولهَ أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً»
(1). و أمرهم أن يقيموا وجوههم عند كل مسجد و قيل فيه وجوه: أحدها- قال مجاهد و السدي و ابن زيد: معناه توجهوا الى قبلة كل مسجد في الصلاة على استقامة.
الثاني- قال الربيع: توجهوا بالإخلاص للَّه، لا للوثن و لا غيره. و قال الفراء: معناه إذا دخل عليك وقت الصلاة في مسجد فصل فيه، و لا تقل آتى مسجد قومي، و هو اختيار المغربي:
و قوله «وَ ادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» أمرهم بالدعاء و التضرع اليه تعالى على وجه الإخلاص. و أصل الإخلاص إخراج كل شائب من الخبث، و منه إخلاص الدين للَّه (عز و جل) و هو توجيه العبادة اليه خالصاً دون غيره.
و قوله «كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ» قيل في معناه قولان:
أحدهما- قال ابن عباس و الحسن و قتادة و مجاهد و ابن زيد: كما خلقكم أولًا تعودون بعد الفناء، و
روي عن النبي (ص) أنه قال (يحشرون عراة حفاة عزلًا، كما بدأنا أول خلق نعيده. وعداً علينا انا كنا فاعلين).
الثاني- قال ابن عباس و جابر في رواية أنهم يبعثون على ما ماتوا عليه:
المؤمن على إيمانه و الكافر على كفره. و إنما ذكر هذا القول، لأحد أمرين:
أحدهما- قال الزجاج: على وجه الحجاج عليهم، لأنهم كانوا لا يقرُّون بالبعث.
الثاني- على وجه الأمر بالإقرار به، كأنه قيل و أقروا أنه كما بدأكم تعودون. و البدأ فعل الشيء أول مرة، و العود فعله ثاني مرة. و قد يكون فعل أول خصلة منه بدأ، كبدء الصلاة، و بدء القراءة، بدأهم و أبداهم لغتان.
و قوله «فَرِيقاً هَدى فالفريق جماعة انفصلت من جماعة، و ذكر (فريق) هاهنا أحسن من ذكر (نفر و قوم أو نحوه) لما فيه من الاشعار بالمباينة و نصب
1) سورة 72 الجن آية 15.
«فريقاً هدى». و قوله «وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ» لتقابل فريقاً هدى بعطف فعل على فعل، و تقديره و فريقا أضل إلا انه فسره ما بعده نظير قوله «يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً» (1). و قال الفراء: نصب فريقاً على الحال، و العامل فيه (تعودون) فريقاً، و الثاني عطف عليه، و لو رفع على تقدير أحدهما كذا، و الآخر كذا، كان جائزاً كما قال «قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا: فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ أُخْرى كافِرَةٌ» (2)و الهدي و الإضلال في الآية يحتمل أربعة أوجه:
أحدها- أنه حكم بأن هؤلاء مهتدون مدحاً لهم، و حكم بأن أولئك ضالون ذماً لهم.
الثاني- الدلالة التي انشرح بها صدور هؤلاء للاهتداء، و ضاقت بها صدور أولئك لشدة محبتهم لما هم عليه من مذهبهم.
الثالث- هدى بأن لطف لهؤلاء بما اهتدوا عنده، و صار كالسبب لضلال أولئك بتخيرهم لينتقلوا عن فساد مذهبهم.
الرابع- أنه هدى هؤلاء الى طريق الثواب، و أولئك لعمى الإضلال عنه بالعقاب في النار.
و قوله «إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» اخبار منه تعالى انه فعل بهم ما فعل من الضلال، لأنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون اللَّه، و الاتخاذ الافتعال من الأخذ بمعنى أعداد الشيء لأمر من الأمور، فلما أعدوا الشياطين لنصرتهم، كانوا قد اتخذوهم أولياء باعدادهم.
و قوله «وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ» يعني هؤلاء الكفار يظنون أنهم مهتدون. و الحسبان و الظن واحد، و هو ما قوي عند الظَّانِّ كون المظنون على ما ظنه مع تجويزه أن يكون على غيره، فبالقوة يتميز من اعتقاد التقليد و التخمين، و بالتجويز يتميز من العلم، لأن مع العلم القطع.
يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)
آية بلا خلاف.
أمر اللَّه تعالى في هذه الآية أولاد آدم الذكور منهم،- لأن (بني) جمع ابن، و إنما نصب لأنه نداء مضاف، و الابن هو الولد الذكر، و البنت الولد الأنثى- أمرهم اللَّه بأن يأخذوا، و معناه أن يتناولوا زينتهم. و الزينة هي اللبسة الحسنة، و يسمى ما يتزين به زينة، كالثياب الجميلة و الحلية، و نحو ذلك. و قوله «عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ»
روي عن أبي جعفر (ع) أنه قال في الجمعات و الأعياد.
و قال ابن عباس و عطاء و ابراهيم و الحسن و قتادة و سعيد ابن جبير: كانوا يطوفون بالبيت عراة فنهاهم اللَّه عن ذلك. و قال مجاهد:
ما وارى العورة، و لو عباءة. و قال الزجاج: هو أمر بالاستتار في الصلاة، قال أبو علي: و لهذا صار التزين للاعياد، و الجمع سنَّة.
و قيل في وجه شبهتهم في تعرِّيهم في الطواف و إبداء السوأة وجهان:
أحدهما- أن الثياب قد دنستها المعاصي فيجردوا منها.
الثاني- تفألوا بالتعري من الذنوب.
و قوله «وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا» صورته صورة الأمر، و معناه إباحة الأكل و الشرب.
و قوله «و لا تسرفوا» نهي لهم عن الإسراف، و هو الخروج عن حد الاستواء في زيادة المقدار. و قيل: المراد الخروج عن الحلال إلى الحرام، و قيل: الخروج مما ينفع الى ما يضر، و قيل: الزيادة على الشبع فالإسراف و الإقتار مذمومان.
و قوله «إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» معناه يبغض المسرفين، لأنه ذم لهم، و لو كان بمعنى لا يحبهم و لا يبغضهم لم يكن ذماً لهم و لا مدحاً، و قال أبو علي:
من لا يحبه اللَّه فهو يبغضه و يعاديه.
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)
آية بلا خلاف.
قرأ نافع وحده «خالصة يوم القيامة» بالرفع. الباقون بالنصب.
من رفعه جعله خبر المبتدأ الذي هو (هي) و يكون «لِلَّذِينَ آمَنُوا» تبييناً للخلوص، و لا شيء فيه على هذا. و من قال هذا حلو حامض أمكن أن يكون «للذين آمنوا» خبراً و (خالصة) خبراً آخر. و من نصب (خالصة) كان حالًا مما في قوله «للذين آمنوا» ألا ترى أن فيه ذكراً يعود الى المبتدأ الذي هو (هي) فخالصة حال عن ذلك الذكر، و العامل في الحال ما في اللام من معنى الفعل، و «هي» متعلقة بمحذوف يعود اليه الذكر الذي كأن يكون في المحذوف، و لو ذكر و لم يحذف، و ليس متعلقاً بالخلوص، كما تعلق به في قول من رفع. و تقديره هو للذين آمنوا في الحياة الدنيا لهم خالصة، ذكره الفراء.
و حجة من رفع أن المعنى هي خالصة للذين آمنوا يوم القيامة، و إن شركهم فيها غيرهم من الكافرين في الدنيا.
و من نصب فالمعنى عنده هي ثابتة للذين آمنوا في حال خلوصها يوم القيمة لهم و انتصابه على الحال أشبه بقوله «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ آخِذِينَ» (1)و نحو ذلك مما انتصب الأمر فيه على الابتداء و خبره، و ما يجري مجراه إذا كان فيه معنى (فعل).
لما أباح اللَّه تعالى و حث على تناول الزينة في كل مسجد و ندب اليه و أباح
1) سورة 51 الذاريات آية 15.
الاكل و الشرب، و نهى عن الإسراف، و هناك قوم يحرمون كثيرا من الأشياء من هذا الجنس، قال اللَّه تعالى منكراً لذلك «مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ». و قيل في معنى الطيبات قولان: أحدهما- المستلذ من الرزق. الثاني- الحلال من الرزق، و الاول أشبه بخلوصه يوم القيامة. و إنما ذكر الطيبات من جملة ذلك- في قول ابن زيد و السدي- لأنهم كانوا يحرمون البحائر و السوائب، و ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز لأحد تجنب الزينة و الملاذ الطيبة على وجه التحريم، و أما من اجتنبها على ان غيرها أفضل منها فلا مانع منه.
ثم أخبر تعالى فقال (هي) يعني الطيبات «لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ» و قيل في معنى «خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ» قولان:
أحدهما- قال ابن عباس و الحسن و الضحاك و ابن جريج، و ابن زيد:
هي خالصة للمؤمنين دون أعدائهم من المشركين.
و قال أبو علي: هي خالصة لهم من شائب مضرَّة تلحقهم.
و قال أبو علي الفارسي: لا يخلو قوله «فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» من أن يتعلق ب (حرم) أو ب (زينة) أو ب (أخرج) أو ب «الطيبات» أو ب «الرزق» من قوله «من الرزق» أو بقوله «آمنوا» و لا يجوز أن يتعلق ب (حرم) فيكون التقدير قل من حرم في الحياة الدنيا، و يكون المعنى قل من حرم في وقت الحياة الدنيا، و لا يجوز أن يتعلق ب (زينة) لأنه مصدر أو جار مجراه، و لما وصفها لم يجز أن يتعلق بها شيء بعد الوصف كما لا يتعلق به العطف عليه، و يجوز أن يتعلق ب (أخرج) لعباده في الحياة الدنيا.
فإن قيل: كيف يتعلق ب (أخرج) و فيه فصل بين الصلة و الموصول بقوله «قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا» و هو كلام مستأنف ليس في الصلة؟
قيل لا يمنع الفصل به، لأنه مما يسدد القصة، و قد قال «وَ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ» (1)فقوله «وَ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ»
1) سورة 10 يونس آية 27.
معطوف على كسبوا، فكذلك قوله «قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا».
و يجوز أن يتعلق ب (الرزق) أيضاً إن كان موصولًا.
و يجوز أن يتعلق ب (آمنوا) الذي هو صلة (الذين) أي آمنوا في الحياة الدنيا، و كل ما ذكرناه من هذه الأشياء يجوز أن يتعلق به هذا الظرف.
و قوله «كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ» أي كما نميز لكم الآيات و ندلكم بها على منافعكم و صلاح دينكم، كذلك نفصل الآيات لكل عاقل يعلم معناها و دلالتها.
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ الْإِثْمَ وَ الْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (33)
آية بلا خلاف.
لما أنكر تعالى على من حرم زينة اللَّه التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق، و ذكر أنه أباح ذلك للمؤمنين في دار الدنيا بيَّن عقيب ذلك ما حرمه عليهم، فقال «قل» يا محمد «إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ» و معناه لم يحرم ربي إلا الفواحش، لأنا قد بينا أن (إنما) تدل على تحقيق ما ذكر، و نفي ما لم يذكر.
و التحريم هو المنع من الفعل باقامة الدليل على وجوب تجنبه، و ضده التحليل، و هو الإطلاق في الفعل بالبيان عن جواز تناوله. و أصل التحريم المنع من قولهم: حرم فلان الرزق، فهو محروم حرمانا، و حرم الرجل إذا لج في الشيء بالامتناع منه، و حرمه تحريماً، و أحرم بالحج إحراماً و تحرَّم بطعامه تحرما، و استحرمت الشاة إذا طلبت الفحل، لأنها تتبعه كما تتبع الحرمة البعل، و الحرمة مكة و ما حولها مما هو معروف، و أشهر الحُرم ذو العقدة و ذو
الحجة و المحرم و رجب، و المحرَم القرابة التي لا يحل تزوجها، و حريم الدار ما كان من حقوقها، و المحرم السوط الذي لا يلين لأنه حرام أن يضرب به حتى يلين.
و الفواحش جمع فاحشة، و هي أقبح القبائح. و هي الكبائر.
و قوله «ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ» يعني ما علن و ما خفي.
و قد قدمنا اختلاف المفسرين في ذلك، و انما ذكر مع الفواحش هذه القبائح، و هي داخلة فيها لأحد أمرين:
أحدهما- للبيان عن التفصيل، كأنه قيل الفواحش التي منها الإثم، و منها البغي، و منها الاشراك باللَّه.
و الثاني- ان الفواحش- هاهنا- الزنا و هو الذي بطن، و التعري في الطواف، و هو الذي ظهر- في قول مجاهد- و قال قوم: الإثم هو الخمر، و ما ظهر الزنا، و ما بطن هو نكاح امرأة الأب، و الإثم يعم جميع المعاصي، و أنشد ابن الانباري في أن الإثم هو الخمر:
شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم يصنع بالعقول (1)
و قال الفراء: الإثم ما دون الحد، و البغي هو الاستطاعة على الناس، وحده طلب الترأس بالقهر من غير حق. و أصل البغي الطلب، تقول: هذه بغيتي أي طلبتي، و أبتغي كذا ابتغاء. و ما تبغي؟ أي ما تطلب، و ينبغي كذا أي هو الأولى أن يطلب.
و قوله «ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً» السلطان الحجة- في قول الحسن و غيره- و مثله البرهان و البيان و الفرقان، و حدودها تختلف، فالبيان إظهار المعنى للنفس كإظهار نقيضه، و البرهان إظهار صحة المعنى و فساد نقيضه، و الفرقان إظهار تميز المعنى مما التبس به. و السلطان إظهار ما يتسلط به على نقيض المعنى بالابطال.
1) اللسان (أثم).
و «أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» أي و حرم عليكم ذلك، و ذلك يدل على بطلان التقليد، لأن المقلد لا يعلم صحة ما قلد فيه.
وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ (34)
آية بلا خلاف.
قيل الفرق بين أن تقول: و لكل أمة أجل، و بين و لكل أحد أجل من وجهين:
أحدهما- أن ذكر الأمَّة يقتضي تقارب أعمار أهل العصر.
و الثاني- أنه يقتضي إهلاكهم في الدنيا بعد إقامة الحجة عليهم بإتيان الرسل.
و الامة الجماعة التي يعمها معنى. و أصله أمه يؤمه إذا قصده، فالأمَّة الجماعة التي على مقصد واحد. و الأجل الوقت المضروب لانقضاء المهل، لأن بين العقد الأول الذي يضرب لنفس الأجل، و بين الوقت الآخر مهلا، مثل أجل الدين، و أجل الوعد، و أجل العمر.
و قال أبو علي الجبائي: في الآية دلالة على أن الأجل واحد، لأنه لا يجوز أن يكون الظالم بقتل الإنسان قد اقتطعه عن أجله. و قال أبو بكر ابن الإخشيد: ليس الأمر على ذلك لأنها قد دلت أنه غير هذا على الأجلين.
و قوله «فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ» معنى لا يستأخرون، و لا يتأخرون، و إنما قيل لا يستأخرون من أجل أنهم لا يطلبون التأخر، فهو أبلغ في المعنى من لا يتأخرون، لأن الاستئخار طلب التأخر.
و قوله «وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ» معناه لا يتقدمون، و المعنى إذا قرب أجلهم لا يطلبون التقدم و لا التأخر، لأن بعد حضور الأجل و نزول الاملاك يستحيل منهم طلب ذلك، كما يقال جاء الشتاء و جاء الصيف إذا قارب وقته لأنه
متوقع كتوقعه.
يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَ أَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (35)
آية بلا خلاف.
هذا خطاب من اللَّه تعالى لجميع بني آدم المكلفين منهم أنه يبعث إليهم رسلًا منهم يقصون عليهم آيات اللَّه و حججه و براهينه، و هو ما أنزله عليهم من كتبه و نصب لهم من أدلته.
و قوله «إمَّا» أصله (إنْ) حرف الشرط دخلت عليه (ما) و لدخولها دخلت النون الثقيلة في (يأتينكم) و لو قال: إن يأتينكم، لم يجز، و إنما كان كذلك، لأن (ما) جعلته في حكم غير الواجب، لأنه ينزل منزلة ما هو غير كائن حتى احتيج معه الى القسم مع خفاء أمره من جهة المستقبل، و لم يجز دخول النون على الواجب في مثل هو، هون، لأن هذه النون تؤذن بأن ما دخلت عليه قد احتاج الى التأكيد لخفاء أمره من جهة المستقبل. و انه غير واجب لخفاء أمره من هاتين الجهتين، لأجله احتاج الى نون التأكيد. و إنما قال «رُسُلٌ مِنْكُمْ» بلفظ الجمع، و إنما أتى هؤلاء رسول منهم لأنه على تقدير يأتين لكل أمة، فصار كأنه خطاب لجميع المكلفين. و جواب (إنْ) يحتمل أن يكون أحد أمرين:
أحدهما- أن يكون قوله «فَمَنِ اتَّقى منكم «وَ أَصْلَحَ» لأن التفصيل يقتضي منكم.
الثاني- أن يكون محذوفاً يدل الكلام عليه كأنه قال فأطيعوهم.
و قوله «يقصون» فالقصص وصل الحديث بالحديث في وصل الحديث الممتنع بحديث مثله.
و قوله «فَمَنِ اتَّقى وَ أَصْلَحَ» معناه فمن اتقى منكم و أصلح «فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ» و ظاهر الآية يدل على أن من اتقى معاصي اللَّه و اجتنبها، و أصلح بأن فعل الصالحات، لا خوف عليهم في الآخرة- و هو قول الجبائي- و قال أبو بكر بن الإخشيد: لا يدل على ذلك، لأن اللَّه تعالى قال في وصفه يوم القيامة «يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَ تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَ تَرَى النَّاسَ سُكارى وَ ما هُمْ بِسُكارى
(1)و إنما هو كقول الطبيب للمريض لا بأس عليك، و لا خوف عليك، و معناه أن أمره يؤل الى السلامة و العافية. و الاول أقوى، لأنه الظاهر غير أن ذلك يكون لمن اتقى جميع معاصي اللَّه، فأما من جمع بين الطاعات و المعاصي فان خوفه من عقاب اللَّه على معاصيه لا بد منه، لأنا لا نقطع على أن اللَّه تعالى يغفر له لا محالة، و لا نقول بالإحباط فنقول ثواب إيمانه أحبط عقاب معاصيه، فإذا اجتمعا فلا بد من أن يخاف من وصول العقاب اليه. و من قال لفظة «اتقى» لا تطلق إلا للمؤمن من أهل الثواب، لأنها صفة مدح، فلا بد من أن يكون مشروطاً بالخلوص مما يحبطه، فما ذكروه أولًا صحيح نحن نعتبره، لأن المتقي لا يكون إلا مؤمناً مستحقاً للثواب، غير أنه ليس من شرطه ألا يكون معه شيء من العقاب، بل عندنا يجتمعان، فلا يستمر ما قالوه.
وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (36)
آية.
أخبر اللَّه تعالى أن الذين كذبوا بحججه و براهينه-، و لم يصدقوه، و استكبروا عنها- انهم أصحاب النار الملازمون لها على وجه الخلود و التأبيد.
و التكذيب هو تنزيل الخبر على أنه كذب. و التصديق تنزيل الخبر على
1) سورة 22 الحج آية 2.
انه صدق، فالتكذيب بآيات اللَّه كفر، و التكذيب بالطاغوت إيمان، فلذلك توعد على التكذيب بآيات اللَّه بعقاب الأبد. و الاستكبار طلب الترفع بالباطل، و لفظة «مستكبر» صفة ذم في جميع الخلق، و الخلود هو لزوم الشيء على ما هو فيه. و معنى «أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ» (1)لزوم الركون اليها. و الصاحب و القرين متقاربان غير أن القرين فيه معنى النظير، و ليس ذلك في الصاحب فلذلك قيل: أصحاب رسول اللَّه، و لم يقل قرناؤه.
و لفظة (الذين) مبنية على هذه الصيغة في جميع الأحوال: الرفع، و النصب، و الجر، و إنما تثبت مع بعدها بالجمع عن الحرف، لأن العلة التي لها هي التي موجودة فيه، و هي نقصانه عن سائر الأسماء حتى تأتي صلته فتتمه، و ليس هذا كالشبيه العارض الذي يزول على وجه. فأما من قال:
الذون و الذين فانه اعتد بتبعيد الجمع، فجعله على طريقة المعرف، و لان هذه الطريقة لما لم تكن اعراباً تاماً لم يمنعوه لما وقع بعده من شبه الحرف بالجمع.
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَ شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (37)
آية بلا خلاف.
قوله «فمن أظلم» صورته صورة الاستفهام، و المراد به الاخبار عن عظم جرم من يفتري على اللَّه كذباً أو يكذب بآيات اللَّه، لا أنه أحد أظلم لنفسه منه. و انما أورد هذا الخبر بلفظ الاستفهام، لأنه ابلغ برد المخاطب
1) سورة 7 الاعراف آية 175.
الى نفسه في جوابه مع تحريك النفس له بطريق السؤال. و قد بينا فيما مضى من الكتاب حقيقة الظلم، و أن أجود ما حُدَّ به أن قيل: هو الضرر المحض الذي لا نفع فيه يوفَّى عليه، و لا دفع ضرر أعظم من دفعه، لا عاجلا و لا آجلا، و لا يكون مستحقاً و لا واقعاً على وجه المدافعة. و قد حد الرماني الظلم بأنه الضرر القبيح من جهة بخس الحق به، و هذا ينتقض بالألم الذي يدفع به ألم مثله، لما قلناه.
و قوله «أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ» فالنيل هو وصول النفع الى العبد إذا أطلق، فان قيد وقع على الضرر، لأن أصله الوصول الى الشيء من نلت النخلة أنالها نيلًا، قال امرؤ القيس:
سماحة ذا و بُّر ذا و وفاء ذا و نائل ذا إذا صحا و إذا سكر (1)
و البخل منع النائل لمشقة الإعطاء.
و قيل في معنى «يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ» أقوال:
أحدها- قال الزجاج و الفراء: هو ما ذكره اللَّه تعالى من أنواع العذاب للكفار مثل قوله «فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَ تَوَلَّى» (2)و قوله «يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ» (3)و غير ذلك مما كتب اللَّه في اللوح المحفوظ.
الثاني- قال الربيع و ابن زيد: من الرزق و العمر، و العمل: من الخير و الشر في الدنيا.
الثالث- قال مجاهد: جميع ما كتب لهم و عليهم، و هو قول عطية.
و قال بعضهم معناه ينالهم نصيبهم من خير أو شر في الدنيا، لأنه قال «حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ» و هي الانتهاء. و الاجوبة الاولى أقوى
لأن الاظهار فيما يقتضيه عظم الظلم في الفحش الوعيد و العذاب الأبدي.
و قال سيبويه و الزجاج: لا تجوز إمالة (حتى) لأنها حرف لا يتصرف، و الامالة ضرب من التصريف، و كذلك (إما، و أيا، و الا، و لا). و (أينما) كتبت بالياء مع امتناع إمالتها تشبيهاً ب (حبلى) من جهة أن الالف رابعة، و لم يجز مثل ذلك في (إلا) لأن (إلا) تشبه الى. و لا في (اما) التي للتخيير، لأنها بمنزلة (إن ما) التي للجزاء.
و قوله «حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ» يعني الملائكة التي تنزل عليهم لقبض أرواحهم. و قيل في معنى الوفاة- هاهنا- قولان:
أحدهما- الحشر الى النار يوم القيامة بعد الحشر الثاني، وفات الموت الذي يوبخهم عنده الملائكة- في قول أبي علي- و الوجه في مسألة الملك لمن يتوفاه: التبكيت لمن لم يقم حجته، و البشارة لمن قام بحجته. و في الاخبار عن ذلك مصلحة السامع إذا تصور الحال فيه.
و قوله «قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» حكاية سؤال الملائكة لهم و توبيخهم أن الذين كانوا يدعونهم من دون اللَّه من الأوثان و الأصنام لم ينفعوهم في هذه الحال، بل ضروهم.
و قوله «قالُوا ضَلُّوا عَنَّا» حكاية عن جواب الكفار للملائكة أنهم يقولون: ضل من كنا ندعوه من دون اللَّه عنا «وَ شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ» يعني الكفار أقروا على أنفسهم «أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ» جاحدين باللَّه، و كافرين لنعمه بعبادتهم الأنداد من دون اللَّه.
قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَ لكِنْ لا تَعْلَمُونَ (38)
آية واحدة بلا خلاف.
هذا حكاية عن قول اللَّه تعالى للكفار يوم القيامة و أمره لهم بالدخول في جملة الأمم الذين تبعوا من قبلهم من جملة الجن و الانس و هم في النار.
و يجوز أن يكون ذلك إخباراً عن جعله إياهم في جملة أولئك في النار، من غير أن يكون هناك قول، كما قال «كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ» (1)و المراد أنه جعلهم كذلك.
و معنى الخلو انتفاء الشيء عن مكانه فكل ما انتفى من مكانه، فقد خلا منه، و كذلك (خلت) بمعنى مضت، لأنها إذا مضت بالهلاك، فقد خلا مكانها منها. و الجن جنس من الحيوان مستترون عن أعين البشر لرقتهم، يغلب عليهم التمرد في أفعالهم، لأن الملك أيضاً مستتر لكن غلب عليه أفعال الخير.
و عند قوم: أنهم أجمع رسل اللَّه. و الانس جنس من الحيوان يتميز بالصورة الانسانية.
و قوله «كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها» يعني في دينها لا في نسبها، فأما قوله «وَ إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً» (2)يعني أنه منهم في النسب. و قوله «حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً» فوزن اداركوا (تفاعلوا) فأدغمت التاء في الدال و اجتلبت ألف الوصل ليمكن النطق بالساكن الذي بعده، و معناه تلاحقوا.
و قوله «قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ» يعني الفرقة المتأخرة التابعة تقول للامة المتقدمة المتبوعة، و تشير اليها «هؤُلاءِ أَضَلُّونا» عن طريق الحق و أغوونا
«فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ» دعاء منهم عليهم أن يجعل عذابهم ضعفاً، فقال اللَّه تعالى «لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَ لكِنْ لا تَعْلَمُونَ» و الضعف المثل الزائد على مثله، فإذا قال القائل: أضعف هذا الدرهم معناه أجعل معه درهماً آخر، لا ديناراً، و كذلك أضعف الاثنين أي اجعلهما أربعة. و حكي أن المضعف في كلام العرب ما كان ضعفين، و المضاعف ما كان أكثر من ذلك. و روي عن عبد اللَّه بن مسعود أن الضعف أفاعي و حيات. و استعمل الضعف بمعنى المثل، و منه قوله «يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ» (1)يعني مثلين.
و قرأ أبو بكر عن عاصم «وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ» بالياء. الباقون بالتاء.
و من قرأ بالتاء، فتقديره لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل فريق منهم. و من قرأ بالياء تقديره لكن لا يعلم كل فريق ما على الآخر من العقاب.
وَ قالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39)
آية بلا خلاف.
هذا حكاية عن جواب قول الامة الاولى المتبوعة للأخرى التابعة حين سمعت دعاءها عليهم بأن يؤتيهم ضعفاً من العذاب «فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ» و قيل في معناه قولان:
أحدهما- ما كان لكم علينا من فضل في ترك الضلال، و هو قول أبي مخلد و السدي. و قال الجبائي: لمساواتكم لنا في الكفر.
الثاني- من فضل في التأويل فتطالبونا بتضييع حقه.
و لفظة (أفعل) على ثلاثة أوجه:
أحدها- ما فيه معنى يزيد كذا على كذا، فهذا لا يجوز فيه التأنيث و التذكير و التثنية و الجمع مضافاً كان أو على طريقة (أفعل من كذا) كقولك
1) سورة 33 الأحزاب آية 30. [.....]
أفضل من زيد و أفضل القوم لتضمنه معنى الفعل، و المصدر كقولك أفضل القوم بمعنى يزيد فضله على فضلهم.
الثاني- ما لم يقصد فيه معنى يزيد كذا على كذا، فهذا يجوز فيه كل ذلك كقولك: الأكبر و الكبرى و الأكابر.
الثالث- (أفعل) من الألوان و العيوب الظاهرة للحاسة، فهذا يجيء على (أفعل، و فعلاء) و جمعه (فُعُل) نحو أحمر، و حمراء، و حمر. و أعرج و عرجاء و عرج.
و أما (أفعل)إذا كان اسم جنس، فانه يثنى و يجمع و لا يؤنث، و كذلك إذا كان علماً نحو أفكل و أفاكل و أحمد و أحامد. فاما ابطح و أباطح و أجزع و اجازع، فأجري هذا المجرى، لأنه استعمل على طريقة اسم الجنس و أصله الوصف، و لا يجوز في (أفعل) الفعول إلا بالتعريف لأيذان معنى (أفعل) معنى أفعل من كذا، قال سيبويه: لا يجوز نسوة صُغر و لا كبر حتى تعرفه فتقول: النسوة الصغر و الكبر.
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40)
آية بلا خلاف.
قرأ حمزة و الكسائي و خلف «لا يفتح» بالياء و التخفيف، و قرأ أبو عمرو بالتاء و التخفيف. الباقون بالتاء، و التشديد. من شدَّد ذهب الى التكثير. و المعنى أنهم ليسوا كحال المؤمن في التفتيح مرة بعد أخرى. و من قرأ بالتاء، فلان الأبواب جماعة فأنث تأنيث الجماعة. و من قرأ بالياء، فلأن التأنيث غير حقيقي، و ذهب الى معنى الجمع.
أخبر اللَّه تعالى في هذه الآية «إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا» بآيات اللَّه و جحدوها، و استكبروا عنها بمعنى طلبوا التكبر و الترفع عن الانقياد لها «لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ» هوانا لهم و استخفافا، بهم فان فتحت فتحت عليهم بالعذاب. و قال ابن عباس و السدي: لأنها تفتح لروح المؤمن، و لا تفتح لروح الكافر، و في رواية أخرى عن ابن عباس، و مجاهد، و ابراهيم: لا تفتح لدعائهم، و لا أعمالهم.
و
قال أبو جعفر (ع) أما المؤمنون فترفع أعمالهم و أرواحهم الى السماء، فتفتح لهم أبوابها. و أما الكافر، فيصعد بعمله و روحه حتى إذا بلغ السماء نادى منادٍ: اهبطوا بعمله الى سجين، و هو واد بحضر موت يقال له: برهوت.
و قال الحسن لا تفتح لدعائهم. و قال ابن جريج: لا تفتح لأرواحهم و لا أعمالهم. و قال أبو علي: لا تفتح لهم أبواب السماء لدخول الجنة، لان الجنة في السماء.
ثم قال «وَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ» يعني هؤلاء المكذبين بآيات اللَّه و المستكبرين عنها سواء كانوا معاندين في ذلك أو غير عالمين بذلك. و إنما تساويا في ذلك، لان من ليس بعالم قد ازيحت علته باقامة الحجة، و نصب الأدلة على تصديق آيات اللَّه، و ترك الاستكبار عنها.
و قوله «حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ» إنما علق الجائز، و هو دخولهم الجنة بمحال، و هو دخول الجمل في سم الخياط، لأنه لا يكون، كما قال الشاعر:
إذ شاب الغراب أتيت أهلي و صار القار كاللبن الحليب (1)
و الآخر أنه مضمر بما لا يمكن من قلب الدليل، و الجمل هو البعير- هاهنا- في قول عبد اللَّه و الحسن و مجاهد و السدي و عكرمة و أكثر المفسرين.
و السم الثقب. و منه قيل: السم القاتل لأنه ينفذ بلطفه في مسامِّ البدن حتى
1) تفسير الخازن 2/ 87.
يصل الى القلب فتنتقض بنيته، و كل ثقب في البدن لطيف فهو سُم و سَم بضم السين و فتحها و جمعه سموم، و قال الفرزدق:
فنفست عن سميه حتى ينفسا و قلت له لا تخش شيئاً و رائيا (1)
يعني بسميه ثقبي أنفه، و يجمع السم القاتل سماماً. و الخياط و المخيط الابرة. و قيل خياط و مخيط، كما قيل لحاف و ملحف، و قناع و مقنع، و إزار و مئزر، و قرام و مقرم- ذكره الفراء-.
لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَ مِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41)
آية بلا خلاف.
أخبر اللَّه تعالى أن لهؤلاء الكفار الذين كذبوا بآيات اللَّه و استكبروا عنها لهم من جهنم مهاد، و (جهنم) في موضع جر ب (من) لكن فتح لأنه لا ينصرف لاجتماع التأنيث و التعريف فيه، و اشتقاقه من الجهومة، و هي الغلظ، رجل جهم الوجه غليظه، فسميت بهذا لغلظ أمرها في العذاب، نعوذ باللَّه منها. و المهاد الوطء الذي يفترش. و منه مهد الصبي، و مهدت له لأمر إذا وطأته له، و إنما قيل: مهاد من جهنم أي موضع المهاد، كما قال تعالى «فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ» (2)و قال الحسن «مهاد» فراش من نار، و «غواش» ظلل منها.
و قوله «وَ مِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ» فالغواش لباس مجلل، و منه غاشية السرج، و فلان يغشى فلاناً أي يأتيه و يلابسه. و منه غشي المرض، و الغشاوة التي تكون على الولد. و قال محمد بن كعب: الغواشي هي اللحف، و هي أزر الليل محشوة كانت أو غير محشوة، ذكره الأزهري، و روي الطبري مثله.
و قيل في دخول التنوين على (غواش) مع أنه على (فواعل) و هو لا ينصرف قولان:
أحدهما- قال سيبويه: إن التنوين عوض من الياء المحذوفة و ليس بتنوين الصرف.
الثاني- أنه تنوين الصرف عند حذف الياء لإلتقاء الساكنين في التقدير.
و قوله «وَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ» أي مثل ما نجزي هؤلاء المكذبين بآيات اللَّه المستكبرين عنها نجزي كل ظالم و كل كافر. و الوصف ب (ظالم) يقتضي لحوق الذم به في العرف.
وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (42)
آية.
لما أخبر اللَّه تعالى بصفة المكذبين المستكبرين عن آياته، و ما أعد لهم من أنواع العذاب و الخلود في النيران، أخبر بعده بما أعده للمؤمنين العاملين بالأعمال الصالحات، فقال «وَ الَّذِينَ آمَنُوا» يعني الذين صدقوا بآيات اللَّه و اعترفوا بها، و لم يستكبروا عنها. ثم أضافوا الى ذلك الأعمال الصالحات، و هو ما أوجبه اللَّه عليهم أو ندبهم اليه.
و قوله «لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» فالتكليف من اللَّه هو إرادة ما فيه المشقة، و قال قوم: هو اعلام وجوب ما فيه المشقة او ندبه. و الارادة شرط.
و قال قوم: التكليف هو تحميل ما يشق في الأمر و النهي، و منه الكلفة، و هي المشقة. و تكلف القول أي تحمل ما فيه المشقة حتى أتى على ما ينافره العقل.
أخبر اللَّه تعالى أنه لا يُلزم نفساً إلا قدر طاقتها و ما دونها، لأن الوسع دون الطاقة. و في ذلك دلالة على بطلان قول المجبرة: من أن اللَّه تعالى كلف
العبد ما لا قدرة له عليه، و لا يطيقه.
و موضع «لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» قيل فيه قولان:
أحدهما- ان يكون رفعا بأنه الخبر على حذف العائد، كأنه قيل:
منهم، و لا من غيرهم، و حذف لأنه معلوم.
و الآخر- ألا يكون له موضع من الاعراب، لأنه اعتراض، و الخبر الجملة في (أولئك) لأن قوله «وَ الَّذِينَ آمَنُوا» مبتدأ، و قوله «أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» خبر بأن هؤلاء الذين آمنوا و عملوا الصالحات ملازمون الجنة مخلدون لنعمتها.
وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَ نُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)
آية بلا خلاف.
نزع الغل في الجنة تصفية الطباع، و إسقاط الوساوس، و إعطاء كل نفس مناها، و لا يتمنى أحد ما لغيره.
قرأ ابن عامر «ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ» بلا واو، و كذلك هي في مصاحف أهل الشام. الباقون بإثباتها. وجه الاستغناء عن الواو أن الجملة متصلة بما قبلها فأغنى التباسها بها عن حرف العطف. و مثله «سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ» فاستغنى عن حرف العطف بالالتباس من احدى الجملتين بالأخرى. و من أثبت الواو فلعطفه جملة على جملة.
في هذه الآية إخبار عما يفعله بالمؤمنين في الجنة بعد أن يخلدهم فيها، بأن ينزع ما في صدورهم من غل، فالنزع رفع الشيء عن مكانه المتمكن فيه،
إما بتحويله، و إما باعدامه. و معنى نزع الغل- هاهنا- إبطاله.
و قيل في ما ينزع الغل من قلوبهم قولان:
أحدهما- قال أبو علي: بلطف اللَّه لهم في التوبة حتى تذهب صفة العداوة.
الثاني- بخلوص المودة حتى يصير منافياً لغل الطباع.
و الثاني أقوى، لأن قوله «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ» حال لنزع الغل، و كأنه قال: و نزعنا ما في صدورهم من غل في حال تجري من تحتهم الأنهار و على الأولى يكون «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ» مستأنفاً.
و الغُل: الحقد الذي ينقل بلطفه الى صميم القلب، و منه الغلول، و هو الوصول بالحيلة الى دقيق الخيانة، و منه الغَل الذي يجمع اليدين و العنق بانغلاله فيها. و الصدر: ما يصدر من جهته التدبير و الرأي، و منه قيل للرئيس: صدر، و قيل صدر المجلس.
و قوله «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ» فالجريان انحدار المائع، فالماء يجري، و الدم يجري، و كذلك كل ما يصح أن يجري، فهو مائع، و جرى الفرس في عدوه مشبه بجري الماء في لينه و سرعته.
و قوله «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ» فالنهر المجرى الواسع من مجاري الماء، و منه النهار لاتساع ضيائه، و انْهار الدم لاتساع مخرجه.
و قوله «وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ» إخبار عن قول أهل الجنة و اعترافهم بالشكر للَّه تعالى الذي عرَّضهم له بتكليفه إياهم ما يستحقون به الثواب. و قيل: معنى «هَدانا لِهذا» يعني لنزع الغل من صدورنا. و قيل: هدانا لثبات الايمان في قلوبنا.
و قيل: هدانا لجواز الصراط.
و قوله «لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ» إقرار من أهل الجنة و اعتراف بأن ما جاءت به الرسل اليهم من جهة اللَّه أنه حق لا شبهة فيه، و لا مرية
في صحته.
و قوله «وَ نُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» فالنداء الدعاء بطريقة يا فلان كأنه قيل لهم: أيُّها المؤمنون «أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» جزاء لكم على ذلك، على وجه التهنئة لهم بها.
و (أن) مخففة من الثقيلة و (الهاء) مضمرة، و التقدير و نودوا بأنه تلكم الجنة. و قال الزجاج «أن تلكم» تفسير للنداء، و المعنى قيل لكم: تلكم الجنة. و إنما قال «تلكم» لأنهم وعدوا بها في الدنيا، و كأنه قيل لهم هذه تلكم التي وعدتم بها. و يجوز أن يكونوا عاينوها، فقيل لهم- قبل أن يدخلوها- إشارة اليها «تِلْكُمُ الْجَنَّةُ».
و من أدغم، فلان الثاء و التاء مهموستان متقاربتان فاستحسن الإدغام.
و من ترك الإدغام في «أُورِثْتُمُوها» و هو ابن كثير، و نافع و عاصم و ابن عامر- فلتباين المخرجين، و أن الحرفين في حكم الانفصال، و إن كانا في كلمة واحدة، كما لم يدغموا «وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا» (1)و إن كانا مثلين لا يلزمان لأن تاء (افتعل) قد يقع بعدها غير التاء، فكذلك أورث، قد يقع بعدها غير التاء، فلا يجب الإدغام.
و استدل الجبائي بذلك على ان الثواب يستحق بأعمال الطاعات، و لا يستحق من جهة الأصلح، لان اللَّه تعالى بين انهم اورثوها جزاء بما عملوه من طاعته (عز و جل).
وَ نادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44)
1) سورة 2 البقرة آية 253
آية.
قرأ حمزة، و الكسائي و ابن كثير في رواية شبل (انَّ) مشددة النون.
الباقون خفيفة. و كذلك ابن كثير في رواية قنبل بتخفيف النون سكونها و رفع (لعنة). الباقون بتشديد النون و نصب (لعنة). و قرأ الكسائي وحده «قالوا نعم» بكسر العين. و في الشعراء «قال نعم» و في الصافات «قل نعم» بفتح النون. قال ابو الحسن الأخفش: نَعم و نِعم لغتان، فالكسر لغة كنانة و هذيل، و الفتح لغة باقي العرب، و في القراءة الفتح. و قال سيبويه (نَعم) عدة و تصديق فإذا استفهمت أجبت ب (نعم). و لم يحك سيبويه الكسر، و معنى قوله: عدة و تصديق انه يستعمل عدة و يستعمل تصديقا، و لا يريد أن العدة تجتمع مع التصديق ألا ترى انه إذا قال قائل: أ تعطيني، فقال: نعم، كان عدة، و لا تصديق في ذلك، و إذا قال: قد كان كذا و كذا، فقلت نعم، فقد صدقته، و لا عدة في هذا.
و قوله «فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ» بمنزلة اعلم معلم، قال سيبويه: أذن اعلام بصوت، فالتي تقع بعد العلم. و (أن) إنما هي المشددة او المخفضة عنها و التقدير اعلم معلم ان لعنة اللَّه. و من خفف (ان) كان على إضمار القصة و الحديث، فتقديره انه لعنة اللَّه، و مثل ذلك قوله «وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» (1)و التقدير (انه) و لا تخفف (ان) الا مع إضمار الحديث فالقصة تراد معها. و من ثقل نصب ب (ان) ما بعدها، كما ينصب بالمشددة المكسورة. و المكسورة إذا خففت لا يكون ما بعدها على إضمار القصة و الحديث، كما تكون المفتوحة كذلك.
و الفرق بينهما ان المفتوحة موصولة، و الموصولة تقتضي صلتها، فصارت لاقتضائها الصلة أشد اتصالا بما بعدها من المكسورة، فقدِّر بعدها الضمير الذي هو من جملة صلتها، و ليست المكسورة كذلك، لان (ان) المفتوحة
1) سورة 10 يونس آية 10
بمعنى المصدر، فلا بدَّلها من اسم و خبر، لأنها تلتغي بأن يكون دخولها كخروجها، و ليس كذلك (ان)، و من المفتوحة قول الأعشى:
في فتية كسيوف الهند قد علموا ان هالك كل من يخفي و ينتعل (1)
و أما قراءتهم في النور «أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ» (2)فان (ان) في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ، و اما قراءة نافع «أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ» فحسن، و هو بمنزلة قوله «وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ» (3)و ليس لاحد ان يقول: هذا لا يستحسن لان المخففة من الشديدة لا يقع بعدها الفعل حتى يقع عوض من حذف (ان) و من أنها تولى ما يليها من الفعل، يدل على ذلك «عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ» (4)و قوله «لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ» (5)و ذلك انهم استجازوا ذلك و ان لم يدخل معه شيء من هذه الحروف، لأنه دعاء، و ليس شيء من هذه الحروف يحتمل الدخول معه، و نظير هذا في انه لما كان دعاء لم يلزمه العوض قوله «نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَ مَنْ حَوْلَها» (6)فولي قوله «بورك» (ان) و ان لم يدخل معها عوض، كما لم يدخل في قراءة نافع «أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها» (7)و الدعاء قد استجيز معه ما لم يستجز مع غيره ألا ترى انهم قالوا: (اما ان جزاك اللَّه خيرا من) حمله سيبويه على إضمار القصة في (ان) المكسورة و لم يضمر القصة مع المكسورة الا في هذا الموضع.
و قوله «وَ نادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ» معناه و قال اصحاب الجنة يا أصحاب النار بعد دخول هؤلاء الجنة و دخول هؤلاء النار. و الصاحب هو المقارن للشيء على نية طول المدة، و الصحبة و المقارنة نظائر، الا ان في الصحبة الارادة. و منه قيل اصحاب الصحراء.
و قوله «أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا» معناه وجدنا ما وعدنا اللَّه على لسان رسله من الثواب على الايمان و عمل الطاعات «فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ» على ألسنتهم «حَقًّا» جزاء على الكفر من العقاب و على معاصيه من أليم العذاب، فأجابهم اهل النار: بأن «قالُوا نَعَمْ» و الغرض بهذا النداء تبكيت الكفار و توبيخهم، و ان اللَّه تعالى صدق فيما وعد به على لسان نبيه ليحزن الكفار بذلك و يتحسروا عليه.
و الوجدان على ضربين: أحدهما بمعنى العلم فهو يتعدى الى مفعولين.
و الآخر بمعنى الاحساس يتعدى الى واحد. و انما كان كذلك، لان الذي بمعنى العلم يتعلق بمعنى الجملة، و الذي يتعلق بالإحسان يتعلق بمعنى المفرد من حيث ان الاحساس لا يتعلق بالشيء الا من وجه واحد.
و جواب الإيجاب يكون (نعم) و جواب النفي (بلى)، لان (نعم) تحقق معنى الخبر المذكورة في الاستفهام و (بلى) تحققه بإسقاط حرف النفي.
و قوله «فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ» معناه نادى مناد نداء أسمع الفريقين «أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ» و لعنة اللَّه غضبه و سخطه و عقوبته على من كفر به فيسر بذلك اهل الجنة و يغتم اهل النار.
و قال الأخفش و الزجاج: يجوز ان تكون (ان) بمعنى اي «قَدْ وَجَدْنا» و لا يجب ان تكون (أن) بمعنى أي (قد وجدنا). و نادوهم مشرفين عليهم من السماء في الجنة، لان الجنة في السماء، و النار في الأرض.
و قوله «وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا» إنما أضافوا الوعد بالجنة الى نفوسهم، لأن الكفار ما وعدهم اللَّه بالجنة و الثواب إلا بشرط أن يؤمنوا، فلما لم يؤمنوا فكأنهم لم يوعدوا، و كذلك قوله «ما وَعَدَ رَبُّكُمْ» يعنون من العقاب لان المؤمنين لما كانوا مطيعين مستحقين للثواب فكأنهم لم يوعدوا بالعقاب، و انما خص الكفار.
الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ يَبْغُونَها عِوَجاً وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (45)
آية بلا خلاف.
«الذين» في موضع جر، لأنه صفة للظالمين، و التقدير ألا لعنة اللَّه على الظالمين الذين يصدون عن سبيل اللَّه و يبغونها عوجا، و ذلك يبين ان المراد بالظالمين الكفار، لان ما ذكرهم به من أوصاف الكفار.
و الصد هو العدول عن الشيء عن قلى، و الصد و الاعراض بمعنى واحد، إلا ان الصد يجوز ان يتعدى تقول: صده عن الحق يصده صدا، و صد هو عنه أيضا، و الاعراض لا يتعدى.
و قوله «عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» يعني الحق الذي دعا اللَّه اليه و نصب عليه الادلة و بعث به رسله. و قيل: هو دين اللَّه. و قيل: الطريق الذي دل اللَّه على انه يؤدي الى الجنة و المعنى متقارب.
و قوله «يَبْغُونَها عِوَجاً» معنى يبغونها يطلبون لها العوج بالشبه التي يلبسون بها و يوهمون انها تقدح فيها، و انها معوجة عن الحق بتناقضها.
و (العِوج) بالكسر يكون في الطريق و في الدين، و بالفتح يكون في الخلقة كقولك: في ساقه عوج بفتح العين، قال الشاعر:
قفا نسأل منازل آل ليلى على عِوج اليها و انثناء (1)
بكسر العين، و يحتمل نصب عوجا أمرين:
أحدهما- ان يكون مفعولا به كقولك يبغون لها العوج.
الثاني- ان يكون نصبا على المصدر، و كأنه قال: يطلبونها هذا الضرب من الطلب، كما تقول: رجع القهقرى أي هذا الضرب من الرجوع اي طلب الاعوجاج.
1) اللسان (عوج) و تفسير الطبري 12/ 448
وَ بَيْنَهُما حِجابٌ وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَ نادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَ هُمْ يَطْمَعُونَ (46)
آية بلا خلاف.
قوله «و بينهما» يعني بين أصحاب الجنة و أصحاب النار «حجاب» و الحجاب هو الحاجز المانع من الإدراك، و منه قيل للضرير: محجوب، و حاجب الأمير، و حاجب العين. و حجبه عنه أي منعه من الوصول اليه.
و قوله «وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ» فالاعراف المكان المرتفع أخذ من عرف الفرس و منه عرف الديك، و كل مرتفع من الأرض يسمى عرفا، لأنه بظهوره أعرف مما انخفض، قال الشماخ:
و ظلت بأعراف تغالي كأنها رماح نحاها وجهة الرمح راكز (1)
و قال آخر:
كل كناز لحمه نياف كالعلم الموفي على الاعراف (2)
(الكناز) المجتمع (و النياف) الطويل. و (العلم) الجبل.
يعني بنشوز من الأرض، و قيل: هو سور بين الجنة و النار، كما قال تعالى «فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ» (3)و هو قول مجاهد و السدي.
و اختلفوا في الذين هم على الاعراف على أربعة اقوال:
أحدها- أنهم فضلاء المؤمنين- في قول الحسن و مجاهد- قال ابو علي الجبائي هم الشهداء، و هم عدول الآخرة، و
قال ابو جعفر (ع) هم الائمة، و منهم النبي (ص).
و
قال ابو عبد اللَّه (ع) الاعراف كثبان بين الجنة و النار، فيوقف عليها كل نبي و كل خليفة نبي مع المذنبين من اهل زمانه، كما يوقف قائد الجيش مع الضعفاء من جنده، و قد سبق المحسنون الى الجنة، فيقول ذلك الخليفة للمذنبين الواقفين معه انظروا الى إخوانكم المحسنين، قد سبقوا الى الجنة فيسلم المذنبون عليهم. و ذلك قوله «وَ نادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ».
ثم اخبر تعالى «انهم لَمْ يَدْخُلُوها وَ هُمْ يَطْمَعُونَ» يعني هؤلاء المذنبين لم يدخلوا الجنة، و هم يطمعون ان يدخلهم اللَّه إياها بشفاعة النبي و الامام، و ينظر هؤلاء المذنبون الى اهل النار، فيقولون «رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ». ثم ينادي اصحاب الاعراف، و هم الأنبياء و الخلفاء اهل النار مقرعين لهم «ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ ... أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ» يعني هؤلاء المستضعفين الذين كنتم تحتقرونهم و تستطيلون بدنياكم عليهم. ثم يقولون لهؤلاء المستضعفين عن أمر اللَّه لهم بذلك «ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَ لا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ» (1).
و يؤكد ذلك ما
رواه عمر بن شيبة و غيره: ان عليا (ع) قسيم الجنة و النار
، فروى عمر بن شيبة بأسناده عن النبي (ص) انه قال: (يا علي كأني بك يوم القيامة و بيدك عصا من عوسج تسوق قوما الى الجنة و آخرين الى النار).
الثاني- قال ابو مجاز: هم ملائكة يرون في صورة الرجال.
الثالث- قال حذيفة: هم قوم تبطئ بهم صغائرهم الى آخر الناس.
الرابع- قال الفراء و الزجاج و غيرهما: هم قوم استوت حسناتهم و سيئاتهم، فأدخلهم اللَّه تعالى الجنة متفضلا عليهم. و طعن الرماني و الجبائي
1) سورة الاعراف آية 47- 48.
على هذا الوجه بأن قالا: الإجماع منعقد على انه لا يدخل الجنة من المكلفين الا المطيع للَّه.
و هذا الذي ذكروه ليس بصحيح، لان هذا الإجماع دعوى ليس على صحته دليل، بل من قال ما حكيناه لا يسلِّم ذلك، و اكثر المرجئة أيضا لا يسلمون ذلك.
و قوله «يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ» يعني هؤلاء الرجال الذين هم على الاعراف يعرفون جميع الخلق بسيماهم اهل الجنة بسيما المطيعين و اهل النار بسيما العصاة.
و السيماء العلامة، و هي في اهل النار سواد الوجوه و رزقة العيون، و في اهل الجنة بياض الوجوه و حسن العيون- في قول الحسن و غيره- و قيل في وزن سيما قولان:
أحدهما- انه (فِعلى) من سام ابله يسومها إذا أرسلها في المرعى، و هي السائمة.
الثاني- ان وزنه وزن (فَعلى)، و هو من وسمت، فقلبت الواو الى موضع العين، كما قالوا له جاه في الناس أي وجه، و قالوا: اضمحل و امضحل و ارض خامة أي وخيمة، و فيها ثلاث لغات القصر و المد. و سيماء، قال الشاعر:
غلام رماه اللَّه بالحسن يافعا له سيماء لا تشق على البصر (1)
على زنة (كبرياء). و قوله «وَ نادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ» يعني هؤلاء الذين على الاعراف ينادون يا أصحاب الجنة «سَلامٌ عَلَيْكُمْ، لَمْ يَدْخُلُوها وَ هُمْ يَطْمَعُونَ» قيل في الطامعين قولان:
أحدهما- قال ابن عباس و ابن مسعود و الحسن و قتادة انهم اصحاب الاعراف. و قال أبو مجلز: هم اهل الجنة الذين ما دخلوها بعد. و الطمع-
1) قائله سدير بن عنقاء الفزاري. الاغاني 17/ 117، و الكامل 1/ 14 و معجم الشعراء: 159، 323 و امالي القالي 1/ 237 و الحماسة 4/ 68.
هاهنا- هو يقين بلا شك، لأنهم عالمون بذلك ضرورة. و هو مثل قول ابراهيم «وَ الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ» (1)و لم يكن ابراهيم (ع) شاكا في ذلك بل كان عالما قاطعا، و انما حسن ذلك لعظم شأن المتوقع في جلالة النعمة به، و هو قول الحسن و أبي علي الجبائي و اكثر المفسرين.
وَ إِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47)
آية بلا خلاف.
هذا اخبار من اللَّه تعالى عن أحوال هؤلاء الذين على الاعراف انه إذا صرف أبصارهم. و الصرف هو العدول بالشيء من جهة الى جهة. و التلقاء جهة اللقاء، و هي جهة المقابلة، و لذلك كان ظرفا من ظروف المكان تقول: هو تلقاك، كقولك هو حذاك. و الأبصار جمع بصر، و هو الحاسة التي يدرك بها المبصر و قد يستعمل بمعنى المصدر، فيقال: له بصر بالأشياء أي علم بها، و هو بصير بالأمور اي عالم. و «أَصْحابِ النَّارِ» هم اهل النار و انما يفيد «اصحاب» انهم ملازمون لها. و الأصل يقتضي المناسبة فيهم لسبب لازم، كالنسيب، كما يقال اهل البلد.
و حد الرماني (النار) بأن قال: جسم لطيف فيه الحرارة و الضياء، و زيد فيه و من شأنه الإحراق.
و قوله «قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» أي لا تجمعنا و إياهم في النار و انما حسنت المسألة مع علمهم الضروري بأن اللَّه لا يفعل بهم ذلك، لما لهم في ذلك من السرور بموقف الخاضع للَّه في دعائه الشاكر بخضوعه لربه، و كما يجوز ان يريدوا من اللَّه النعيم كذلك يجوز ان يسألوا السلامة من العذاب مع العلم بهما. و نظير ذلك قوله تعالى
1) سورة 26 الشعراء آية 82
«يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ: رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَ اغْفِرْ لَنا» (1)و ان كان النبي و من معه من المؤمنين يعلمون ذلك.
وَ نادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48)
آية بلا خلاف.
قوله «وَ نادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ» معناه سينادي، و انما جاز ان يذكر الماضي بمعنى المستقبل، لامرين:
أحدهما- لتحقيق المعنى كأنه قد كان.
و الثاني- على وجه الحكاية و الحذف. و التقدير إذا كان يوم القيامة «نادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ».
و نادى معناه دعا، غير ان في (نادى) معنى امتداد الصوت و رفعه، لأنه مشتق من النداء يقال: صوت نداء أي يمتد و ينصرف خلاف الواقف، و ليس كذلك (دعا) لأنه قد يكون بعلامة كالاشارة من غير صوت و لا كلام، و لكن اشارة تنبئ عن معنى يقال.
في هذه الآية اخبار و حكاية من اللَّه تعالى ان اصحاب الاعراف ينادون قوما يعرفونهم من الكفار بسيماهم من سواد الوجوه و زرقة العين و ضروب من تشويه الخلق يبينون به من اهل الجنة و غيرهم «ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ» معناه ما نفعكم ذلك. و قيل في معنى (الجمع) قولان: أحدهما- جماعتكم التي استندتم اليها. الثاني- جمعكم الأموال و العدد في الدنيا.
قوله «وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ» معناه و لا نفعكم تكبركم و تجبركم في دار الدنيا عن الانقياد لانبياء اللَّه و اتباع أمره.
1) سورة 66 التحريم آية 8.
أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَ لا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49)
آية بلا خلاف.
قيل في القائل لهذا القول الذي هو «أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ» قولان:
أحدهما- قال الحسن و ابو مجلز و الجبائي و اكثر المفسرين: انهم اصحاب الاعراف يقولون للكفار مشيرين الى اهل الجنة «أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ» و هذا يدل على ان الواقفين على الاعراف هم ذووا المنازل الرفيعة و المراتب السنية.
الثاني- انه من قول اللَّه تعالى في اصحاب الاعراف.
و قوله «أ هؤلاء» مبتدأ و خبره «الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ» و لا يجوز ان يكون (الذين) صفة لهؤلاء من وجهين: أحدهما- ان المبهم لا يوصف الا بالجنس.
و الآخر- انه يبقى المبتدأ بلا خبر. و يجوز نصب (هؤلاء) بالفعل في «أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ» و لا يجوز مع «الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ» لان ما بعد الموصول لا يعمل فيما قبله، لأنه من تمام الاسم. و الأقسام تأكيد الخبر تقول: و اللَّه و تاللَّه، للقطع عليه او ليدخل في قسم ما يقطع به العمل عليه.
و قوله «لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ» فالنيل هو لحوق البر. و أصله اللحوق، تقول: نلت الحائط انا له نيلا إذا لحقته.
و قوله «ادْخُلُوا الْجَنَّةَ» أمر بدخول الجنة للمؤمنين.
و قوله «لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ» فالخوف هو توقع المكروه، و ضده الا من و هو الثقة بانتفاء المكروه و «لا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ» معناه ادخلوا الجنة، لا خائفين و لا محزونين، و فائدة الآية تقريع الزارئين على ضعفاء المؤمنين حتى حلفوا أنهم لا خير لهم عند اللَّه، فقيل لهم «ادْخُلُوا الْجَنَّةَ» على أكمل سرور و أتم كرامة.
وَ نادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (50)
آية بلا خلاف.
في هذه الآية حكاية ان اصحاب النار يوم القيامة ينادون اصحاب الجنة و اصحاب النار هم المخلدون في عذابها، لا جميع من فيها، لان فيها الزبانية الموكلون بعذاب أهلها.
و انما توعد اللَّه بالعقاب بالنار دون اختراع لآلام او غيره من الأسباب، لأنه أهول في النفس و أعظم في الزجر، لما يتصور من الحال فيه، و ما تقدم من ادراك البصر له، و انهم يسألونهم ان يفيضوا عليهم شيئا من الماء. و الافاضة اجراء المائع من عل، و منه قولهم: أفاضوا في الحديث أي أخذوه بينهم من أوله لأنه بمنزلة أعلاه. و أفاضوا من عرفات الى مزدلفة معناه صاروا اليها.
قال الرماني: حد الماء جسم سيال يروي العطشان من غير غذاء الحيوان، و هو جوهر عظيم الرطوبة يزيد على جميع المائعات في كثرة المنفعة.
و قوله «أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ» قال ابن زيد و السدي: طلبوا مع الماء شيئا من الطعام. و قال ابو علي: طلبوا شيئا من نعيم الجنة، فأجابهم اهل الجنة بتحريم المنع، لا تحريم العبادة، فقالوا: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ» و انما جاز ان يطلبوا شيئا من نعيم الجنة مع اليأس منه، لأنهم لا يخلون من الكلام به او السكوت عنه، و كلاهما لا فرج لهم فيه. و انما لم يدرك اهل الجنة- مع خيريتهم- رقة على أهل النار، لان من الخيرية القسوة على اعداء اللَّه و أعدائهم، و ذلك من تهذيب طباعهم كما يبغض المسيء و يحب المحسن، و ذلك دلالة على ان اللَّه تعالى بنى هذه الجملة بنية لا تستغني عن الغذاء، لان اهل النار مع ما هم عليه من العذاب يطلبون الطعام و الشراب.
الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَ لَعِباً وَ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَ ما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (51)
آية بلا خلاف.
يحتمل قوله «الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ» أن تكون في موضع جرِّ بأن يكون صفة للكافرين، و يكون ذلك من قول أهل الجنة، و تقديره «إن اللَّه حرمهما على الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهواً و لعباً». و يحتمل أن يكون رفعاً بالابتداء و يكون إخباراً من اللَّه تعالى على وجه الذم لهم.
و (اتخذوا) وزنه وزن (افتعلوا) و الاتخاذ الافتعال، و هو أخذ الشيء باعداد الأمر من الأمور، فهؤلاء أعدوا الدِّين للهو و اللعب. و معنى الدين- هاهنا- ما أمرهم اللَّه تعالى به و رغبهم فيه مما يستحق به الجزاء. و اصل الدين الجزاء، و منه قوله «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» و اللهو طلب صرف الهمِّ بما لا يحسن أن يطلب به، فهؤلاء طلبوا صرف الهمَّ بالتهزي بالدين و عيب المؤمنين، و اللعب طلب المدح بما لا يحسن ان يطلب به مثل حال الصبي في اللعب و اشتقاقه من اللعاب و هو المرور على غير استواء. و أصل اللهو الانصراف عن الشيء و منه قوله (إذا استأثر اللَّه بشيء لاه عنه) أي انصرف عنه.
و قوله «وَ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا» فمعنى الغرور تزيين الباطل للوقوع فيه، غرَّه يغره غروراً. و إنما اغتروا هم بالدنيا في الحقيقة فصارت و كأنها غرتهم. و الدنيا هي النشأة الاولى. و الآخرة النشأة الاخرى، و سميت الدنيا دنياً لدنوها من الحال، و هما كرتان، فالكرة الاولى الدنيا، و الكرة الثانية هي الآخرة.
و قوله «فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ» قيل في معناه قولان:
أحدهما- نتركهم من رحمتنا بأن نجعلهم في النار- في قول ابن عباس
و الحسن و مجاهد و السدي- فسمى الجزاء على تركهم طاعة اللَّه نسياناً، كما قال «وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها» (1)و الجزاء ليس سيئة.
الثاني- أنه يعاملهم معاملة المنسيين في النار، لأنه لإيجاب لهم دعوة، و لا يرحم لهم عبرة- في قول الجبائي- «كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ» معناه كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم، هذا على القول الاول. و على الثاني- كما نسوا في أنهم لم يعملوا به مثل الناسين لذلك لا نجيب لهم دعوة، لأنهم نسوا.
و قوله «وَ ما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ» فالجحد إنكار معنى الخبر. و اما إنكار المنكر، فبكل ما يصرف عن فعله الى تركه. و (ما) في الموضعين مع ما بعدها بمنزلة المصدر، و التقدير كنسيانهم لقاء يومهم هذا، و كونهم جاحدين لآياتنا.
وَ لَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)
آية بلا خلاف.
هذا إخبار من اللَّه تعالى أنه أتى هؤلاء الكفار بكتاب، و المجيء نقل الشيء الى حضرة المذكور، جئته بكذا ضد ذهبت به عنه، لان ذلك نقل اليه، و هذا نقل عنه. و الكتاب المراد به القرآن. و أصل الكتاب صحيفة فيها كتابة، و الكتابة حروف مسطورة تدل بتأليفها على معان مفهومة.
و قوله «فَصَّلْناهُ» معناه ميزنا معانيه على وجه يزول معه اللبس، و التفصيل و التبيين و التقسيم نظائر.
و قوله «عَلى عِلْمٍ» معناه فصلناه، و نحن عالمون به، لأنه لما كانت صفة (عالم) مأخوذة من العلم جاز أن يذكر ليدل به على العالم، كما أن الوجود في صفة الموجود كذلك.
1) سورة 42 الشورى آية 40.
و قوله «هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» إنما جعل القرآن نعمة على المؤمن دون غيره مع أنه نعمة على جميع المكلفين من حيث أنهم عرضوا به للهداية، غير أن المؤمن لما اهتدى به كانت النعمة بذلك عليه أعظم فأضيف اليه، و غير المؤمن لم يتعرض للهداية فلم يهتد، فالمؤمنون على صفة زائدة.
و قوله «هُدىً وَ رَحْمَةً» يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب: النصب من وجهين: الحال، و المفعول له، و به القراءة. و الرفع على الاستئناف، و الجر على البدل. و إنما لم يوصف القرآن بأنه هدى للكفار لئلا يتوهم أنهم اهتدوا به و إن كان هداية لهم بمعنى أنه دلالة لهم و حجة.
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (53)
آية بلا خلاف.
قوله «هَلْ يَنْظُرُونَ» معناه هل ينتظرون، لأن النظر قد يكون بمعنى الانتظار، قال أبو علي: معناه هل ينتظر بهم أو هل ينتظر المؤمنون بهم إلا ذلك. و إنما أضافه اليهم مجازاً، لأنهم كانوا جاحدين لذلك غير متوقعين، و إنما كان ينتظر بهم المؤمنون، لايمانهم بذلك و اعترافهم به. و الانتظار هو الإقبال على ما يأتي بالتوقيع له. و أصله الإقبال على الشيء بوجه من الوجوه.
و إنما قيل لهم: ينتظرون و إن كانوا جاحدين، لأنهم في منزلة المنتظر أي كأنهم ينتظرون ذلك، لأنه يأتيهم لا محالة إتيان المنتظر.
و التأويل معناه ما يؤل اليه حال الشيء تقول: أوَّله تأويلا، و تأوله تأولًا، و آل اليه أمره يؤل أولا، و قيل «تأويله» عاقبته من الجزاء به- في
قول الحسن و قتادة و مجاهد- و قال أبو علي «تأويله» ما وعدوا به من البعث و النشور و الحساب و العقاب.
و قوله «يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ» قيل في معناه قولان:
أحدهما- قال مجاهد: أعرضوا عنه فصار كالمنسي.
الثاني- قال الزجاج: يقول الذين تركوا العمل به.
و قوله «قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ» إخبار عن اعتراف الكفار الذين أعرضوا عن حجج اللَّه و بيِّناته و الإقرار بتوحيده و نبوة أنبيائه، و إقرار منهم بأن ما جاءت به الرسل كان حقاً. و الحق ما شهد بصحته العقل، و ضده الباطل، و هو ما يشهد بفساده العقل.
و قوله «فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا» و الشفيع هو السائل لصاحبه إسقاط العقاب عن المشفع فيه، و العفو عن خطيئته فيتمنون ذلك مع يأسهم منه- في قول أبي علي- و قوله «فيشفعوا لنا» في موضع نصب، لأنه جواب التمني بالفاء «أو نرد» عطف بالرفع على تأويل هل يشفع لنا شافع «أو نرد» و لو نصب «أو نرد» كُان جائزاً. و معناه فيشفعوا لنا إلا أن نرد، و ما قرئ به.
و قوله «فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ» إخبار من الكفار و تمنيهم أن يردوا الى الدنيا حتى يعملوا غير ما عملوه من الكفر و الضلال. فأخبر اللَّه تعالى عند ذلك، فقال «قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ» أي أهلكوها بالكفر و المعاصي «وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ».
و في الآية دلالة على فساد مذهب المجبرة من وجهين:
أحدهما- أنهم كانوا قادرين على الايمان في الدنيا فلذلك طلبوا تلك الحال، و لو لم يكونوا قادرين لما طلبوا الرد الى الدنيا و الى مثل حالهم الأولى.
و الآخر- بطلان مذهب المجبرة في تكليف أهل الآخرة، قال أبو علي:
و هو مذهب الحسين النجار، و هو خلاف القرآن و الإجماع، و لو كانوا
مكلفين لما طلبوا الرجوع الى الدنيا ليؤمنوا بل كانوا يؤمنون في الحال.
و معنى «خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ» أي منعوا من الانتفاع بها، و من منع الانتفاع بنفسه فقد خسرها «وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ» معناه ضل عنهم ما كانوا يدعون أنهم شركاء للَّه و آلهة معه، و هذا كان افتراؤهم على اللَّه.
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (54)
آية بلا خلاف.
قرأ اهل الكوفة الا حفصا و يعقوب «يغشِّي الليل» بالتشديد، و كذلك في الرعد. و قرأ ابن عامر «وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ» بالرفع فيهن. الباقون بالنصب.
هذا خطاب من اللَّه تعالى لجميع الخلق و إعلام لهم بأن ربهم الذي أحدثهم و أنشأهم هو اللَّه تعالى «الذي خلق» بمعنى اخترع «السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ» فابتدعهما و أوجدهما لا من شيء، و لا على مثال «فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ» و قيل: إن هذه الستة أيام هي الأحد و الاثنين و الثلاثاء و الأربعاء و الخميس و الجمعة، فاجتمع له الخلق في يوم الجمعة، فلذلك سميت: جمعة- في قول مجاهد- و (السماوات) إنما جمعت بالواو، لأنه رد الى أصله، لأن أصله سماوة، و ليس مثل ذلك (قراءة) لأن أصلها الهمزة، و لذلك قيل في الجمع قراءات.
و الوجه في خلقه إياهما «فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ» مع أنه قادر على إنشائهما دفعة واحدة قيل فيه وجوه:
أحدها- أن تدبير الحوادث على إنشاء شيء بعد شيء على ترتيب،
أدلُّ على كون فاعله عالماً قديراً يصرفه على اختياره و يجريه على مشيئته.
و قال أبو علي: ذلك لاعتبار الملائكة بخلق شيء بعد شيء. و قال الرماني:
يجوز أن يكون الاعتبار بتصور الحال في الاخبار، و معناه إذا أخبر اللَّه تعالى بأنه «خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ» كان فيه لطف للمكلفين، و كان ذلك وجه حسنه.
و قوله «ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» قيل في معناه قولان:
أحدهما- أنه استولى كما قال البغيث:
ثم استوى بشر على العراق من غير سيف و دم مهراق (1)
يريد بشر بن مروان.
الثاني- قال الحسن: استوى أمره. و قيل في معنى «ثم استوى» ثلاثة أقوال:
أحدها- قال أبو علي: ثم رفع العرش بأن استولى عليه ليرفع.
الثاني- ثم بيَّن أنه مستوي على العرش.
الثالث- ثم صح الوصف بأنه مستوي على العرش، لأنه لم يكن عرشاً قبل وجوده.
و قوله «يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ» معناه يجلل الليل النهار أي يدخل عليه.
و قال الأزهري: أقبل عليه. و الاغشاء هو إلباس الشيء مارق بما يجلله، و منه غاشية السرج، و الغشاوة التي تخرج على الولد، و غشي على الرجل إذا غشيه ما يزيل عقله من عارض علة.
و من شدد العين، فلانه يدل على الكثرة. و غشى فعل يتعدى الى مفعول واحد، كقوله «وَ تَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ» (2)فإذا نقلته بالهمزة أو التضعيف تعدى الى مفعولين، و قد ورد القرآن بهما قال اللَّه تعالى
«فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ» (1)فالمفعول الثاني محذوف، و تقديره فأغشيناهم العمى، و فقد الرؤية. و بالتضعيف نحو قوله «فَغَشَّاها ما غَشَّى» (2)(ما) في موضع نصب بأنه مفعول ثان.
و من خفف، فلأنه يحتمل القليل. و الكثير، و الليل هو الذي يلبس النهار في هذا الموضع، لأنه منقول من غشي الليل النهار.
و قوله «يَطْلُبُهُ حَثِيثاً» معناه أنه يستمر على منهاج واحد و طريقة واحدة من غير فتور يوجب الاضطراب، كما يكون في السوق الحثيث.
و قيل: إن معنى الحثيث السريع بالسوق.
و قوله «وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ» عطف على «خَلَقَ السَّماواتِ» كأنه قال و خلق «الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ» و هي نصب على الحال، و من رفع استأنف و أخبر عنها بأنها مسخرة.
و قوله «أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ» إنما فصل الخلق من الأمر، لأن فائدتهما مختلفة لأن «لَهُ الْخَلْقُ» يفيد أن له الاختراع، «و له الأمر» معناه له أن يأمر فيه بما أحب فأفاد الثاني ما لم يفده الأول.
فمن استدل بذلك على أن كلام اللَّه قديم، فقد تجاهل لما بينا، و لو كان معناهما واحداً لجاز أيضاً مع اختلاف اللفظين، كما قالوا: كذب و مين و أشباهه. و قوله «تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» معناه تبارك تعالى بالوحدانية فيما لم يزل و لا يزال و أصله الثبات من قول الشاعر:
و لا ينجي من الغمرات إلا براكاء القتال أو الفرار (3)
فهو بمعنى تعالى بدوام الثبات. و يحتمل تعالى بالبركة في ذكر اسمه.
و قيل في معنى (العرش) قولان:
أحدهما- أنه سرير تعبد اللَّه تعالى الملائكة بحمله.
و قيل: المراد به الملك.
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)
آية قرأ أبو بكر «خفية» بكسر الخاء- هاهنا- و في الأنعام. الباقون بضمهما، و هما لغتان. أمر اللَّه تعالى عباده المكلفين أن يدعوه و الدعاء، طلب الفعل بطريقة (اللهم افعل) و قد يجيء بطريقة غفر اللَّه له، فهذه صيغة الخبر، و الأول صيغة الأمر غير أنه إنما يسمى أمراً إذا كان المقول له دون القائل، و إن كان فوقه سمي دعاء و طلباً. و أما قول القائل: يا اللَّه يا رحمن يا رحيم يا غفور يا قدير يا سميع و ما أشبه ذلك من اسماء اللَّه، فإنما هو على جهة النداء و معناه التعظيم.
و قوله «تَضَرُّعاً» فالتضرع التذلل، و هو اظهار الذل الذي في النفس، و مثله الخشع و منه الطلب لأمر من الأمور. و أصل التضرع الميل في الجهات ذلًا من قولهم: ضرع الرجل يضرع ضرعاً إذا مال بإصبعه يميناً و شمالًا، ذلًا و خوفاً. و منه ضرع الشاة، لأن اللبن يميل. و منه المضارعة للمشابهة لأنها تميل الى شبهه بمعنى المقاربة، و الضريع نبت لا يسمن و لا يغني من جوع، لأنه يميل مع كل داء.
و قوله «وَ خُفْيَةً» فالخفية خلاف العلانية. قال ابن عباس: الخفية هي السرُّ، و به قال الحسن. و قال أبو علي: إنما ذاك لئلا يشوب الدعاء معنى الرياء، و حد الإخفاء خلاف حد الاظهار، و الاظهار إخراج الشيء الى حيث يقع عليه الإدراك. و الإخفاء إغماضه بحيث لا يقع عليه الإدراك.
و قوله «إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» فالمحبة من اللَّه تعالى للعبد إرادة الثواب، و لذلك يحب المؤمن و لا يحب الكافر، و يحب الصلاح و لا يحب الفساد.
و الاعتداء تجاوز حد الحق أي لا تتجاوزوا حدَّ الحق في الدعاء فتطلبوا منازل الأنبياء و ما لا يجوز أن يعمل في الدنيا- في قول أبي مجلز- و قال ابن جريج يكره الصياح في الدعاء و «تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً» مصدر ان في موضع الحال، و تقديره ادعوا اللَّه متضرعين في حال السر و العلانية. و الخفية و الإخفاء، و الخيفة و الخوف و الرهبة نظائر. و الهمزة في الإخفاء منقلبة عن الياء بدلالة الخفية و الإخفاء، ضد الإعلان. و يقال أحفيت الشيء إذا أظهرته قال الشاعر:
يحفي التراب بأظلاف ثمانية (1)
وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَ ادْعُوهُ خَوْفاً وَ طَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)
آية بلا خلاف.
نهى اللَّه تعالى في هذه الآية عن الفساد في الأرض و هو الإضرار بما تمنع الحكمة منه يقال: أفسد الحر التفاحة إذا أخرجها الى حال الضرر بالتغيير.
و الإصلاح النفع بما تدعو اليه الحكمة و لذلك لم تكن الآلام في النار إصلاحاً لأهلها، لأنه لا نفع لهم فيها. و قال الحسن: إفساد الأرض بالقتل للمؤمنين و الاعتداء عليهم. و قيل: إفساد الأرض العمل فيها بمعاصي اللَّه، و إصلاحها العمل فيها بطاعة اللَّه.
و قوله «وَ ادْعُوهُ خَوْفاً وَ طَمَعاً» أمر من اللَّه تعالى لهم أن يدعوه خوفاً و طمعاً، و هما منصوبان على المصدر، و هما في موضع الحال. و تقديره ادعوا ربكم خائفين من عقابه طامعين في ثوابه. و الخوف هو الانزعاج بما لا يؤمن، و الأمن سكون النفس الى انتفاء المضارِّ، و الخوف يكون بالعصيان.
و الأمنُ بالايمان. و الطمع توقع المحبوب، و نقيضة اليأس و هو القطع
1) مر في 2/ 71 كاملا.
بانتفاء المحبوب.
و قوله «إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ» إخبار منه تعالى أن رحمته قريبة واصلة الى المحسن. و الإحسان هو النفع الذي يستحق به الحمد.
و الاساءة هي الضرر الذي يستحق به الذم. و قيل: المراد بالمحسنين من تكون أفعاله كلها حسنة و هذا لا يقتضيه الظاهر، بل الذي يفيده أن رحمة اللَّه قريب الى من فعل الإحسان، و ليس فيها أنها لا تصل الى من جمع بين الحسن و القبيح بل ذلك موقوف على الدليل. و قال الفراء: إنما لم يؤنث قوله «قريب» و هو وصف ل (رحمة) لأنه ذهب مذهب المكان، و ما يكون كذلك لا يثنى و لا يجمع و لا يؤنث. و لو ذهب به مذهب النسب أنث و ثني و جمع قال عروة بن حزام:
عشية لا عفراء منك قريبة فتدنوا و لا عفراء منك بعيد (1)
عشية لا عفراء منك بعيدة فتسلو و لا عفراء منك قريب
[.....]
و قال الزجاج هذا غلط بل كل ما قرب من مكان أو نسب فهو جائز عليه التأنيث و التذكير. و جعله الأخفش من باب الصيحة و الصياح، لأن الرحمة و الإحسان و الانعام من اللَّه واحد. و قال بعضهم المراد بالرحمة ها هنا المطر فلذلك ذكر.
وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)
1) ديوانه: 48، و معاني القرآن للفراء 1/ 381 و تفسير الطبري 12/ 488 و البكري في شرح الأمالي 401 و تفسير أبي حيان 4/ 313 و قد روي:
آية بلا خلاف.
قرأ ابن كثير و حمزة و الكسائي و خلف «الريح» على التوحيد، هاهنا و في النمل، و الثاني من الروم و في فاطر و قرأ عاصم «بشراً» بالباء و ضمها و سكون الشين. و قرأ نافع بالنون و ضمها و ضم الشين و هم أهل الحجاز و البصرة، و كذلك الخلاف في الفرقان، و النمل.
قال أبو علي (الريح) اسم على وزن (فعَل)، و العين منه و او فانقلبت ياء في الواحد للكسرة و صحت في الجمع القليل، لأنه لا شيء يوجب الاعلال ألا ترى أن الفتحة لا توجب اعلال هذه الواو في مثل يوم و قول و عون قال ذو الرمة:
إذا هبت الأرواح من نحو جانب به آل ميِّ هاج شوقي هبوبها (1)
و ليس ذلك كعيد و أعياد، لأن هذا بدل لازم و ليس البدل في الريح كذلك. فاما في الجمع الكثير فرياح انقلبت الواو بالكسرة التي قبلها كما انقلبت في نحو ديمة و ديم، و حيلة و حيل، و في رياح أجدر، لوقوع الالف بعدها، و الالف تشبه الياء، و الياء إذا تأخرت عن الواو وجب فيها الاعلال فكذلك الألف لشبهها بها، و الريح على لفظ الواحد، و يجوز ان يراد بها الكثرة، لقولهم:
كثير الدرهم و الدينار، و قوله «إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ» ثم قال «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا» (2)فكذلك من قرأ «الريح بشراً» فأفرد، و وصفه بالجمع، فانه حملها على المعنى. و قد أجاز أبو الحسن ذلك و قال الشاعر:
فيها اثنتان و أربعون حلوبة سوداً (3)
فيها اثنتان و أربعون حلوبة سوداً كخافية الغراب الأسحم
و من نصب جاء قوله على المعنى، لأن المفرد يراد به الجمع، و هذا وجه قراءة ابن كثير لأنه أفرد (الريح) و وصفه بالجمع، فلا يكون (الريح) على هذا اسم جنس و قول من جمع الريح إذا وصفها بالجمع أحسن إذ الحمل على المعنى أقل من الحمل على اللفظ، و يؤكد ذلك قوله «الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ» (1)فلما وصفت بالجمع جمع الموصوف أيضاً. فأما ما جاء في الحديث من
أن النبي (ص) كان يقول إذا هبت ريح: (اللهم اجعلها رياحاً و لا تجعلها ريحاً)
فلأن عامة ما جاء بلفظ الرياح السقيا و الرحمة، كقوله «وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ» (2)و قوله «وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ» (3)و قوله «اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ» (4). و ما جاء بخلاف ذلك جاء على الافراد كقوله «وَ فِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ» (5)و قوله «وَ أَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ» (6)و قوله «بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ» (7).
قال أبو عبيدة «نشراً» أي متفرقة من كل جانب، و قال أبو زيد:
انشر اللَّه الموتى إنشاراً إذا بعثها و أنشر اللَّه الريح مثل أحياها، فنشرت الجنوب و أحييت، و الدليل على ذلك قول المراد الفقسي:
و هبت له ريح الجنوب و أحييت له ريدة يحيي المياه نسيمها (8)
و الريدة و الريدانة الريح، قال الشاعر:
إني لأرجو أن تموت الريح فأقعد اليوم و استريح (1)
و من قرأ «نشراً» بضم النون و الشين يحتمل ضربين: جمع ريح، ريح نشور و ريح ناشر، و يكون على معنى النسب فإذا جعله جمع نشور احتمل أمرين: أحدهما- أن يكون النشور بمعنى المنشر كما أن الركوب بمنزلة المركوب كان المعنى ريح أو رياح منشرة، و يجوز أن يكون نشراً جمع نشور يريد به الفاعل مثل طهور و نحوه من الصفات. و يحتمل أن يكون نشر جمع ناشر كشاهد و شهد و نازل و نزل و قايل و قيل، قال الأعشى:
إنا لأمثالكم يا قومنا قيل (2)
كلا زعمتم بأنا لا نقاتلكم
و قول ابن عامر (بشراً) يحتمل الوجهين: أن يكون جمع فعول و فاعل فخفف العين، كما خفف في كتب و رسل، و يكون جمع فاعل كبارك و برك و غائظ و غيظ.
و من فتح النون و سكن الشين فانه يحتمل ضربين: أحدهما- أن يكون المصدر حالًا من الريح فإذا جعلته حالًا منها احتمل أمرين أحدهما- أن يكون النشر الذي هو خلاف الطي، كأنها كانت بانقطاعها كالمطوية، و يجوز على تأويل أبي عبيدة أن تكون متفرقة في وجوهها. و الآخر- أن يكون النشر الذي هو الحياة من قوله:
حتى يقول الناس مما رأوا يا عجباً للميت الناشر (3)
فإذا حملته على ذلك- و هو الوجه- كان المصدر يراد به الفاعل، كما تقول أتانا ركضاً أي راكضاً، و يجوز أن يكون المصدر يراد به المفعول كأنه يرسل الرياح انشاراً أي محياة فحذف الزوائد من المصدر، كما يقال
عمرك اللَّه. و كما يقال: فان يهلك فذلك كان قدري أي تقديري. و الضرب الآخر- أن يكون «نشراً» على هذه القراءة ينصب انتصاب المصادر من باب «صُنْعَ اللَّهِ» (1)لأنه إذا قال يرسل الرياح دل هذا الكلام على تنشير الريح نشراً.
و قراءة عاصم «بشراً» بالباء فهو جمع بشير و بُشر من قوله «يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ» (2)أي تبشر بالمطر و الرحمة و جمع (بشير) على (بشر) ككتاب و كتب.
لما أخبر اللَّه تعالى في الآية الأولى أنه الذي خلق السماوات و الأرض و خلق الشمس و القمر و النجوم مسخرات، و أنه الذي يجلل الليل النهار، عطف على ذلك بأن قال «وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ» تعداداً لنعمه على خلقه. و الإرسال هو الإطلاق بتحميل معنى، كما تقول:
أرسلت فلاناً أي حملته رسالة، فلما أطلق اللَّه الرياح كان ذلك بمنزلة المطوي في الامتناع من الإدراك ثم صارت تدرك في الآفاق، كانت كنشر الثوب بعد طيه في الإدراك قال امرؤ القيس:
كان المدام و صوب الغمام و ريح الخزامي و نشر القطر (3)
و قال الفراء: النشر من الرياح: الطيبة اللينة التي تنشئ السحاب، و السحاب الغيم الجاري في السماء مشتقاً من الاسحاب، يقال: سحبه سحباً و أسحب إسحاباً و تسحب تسحباً.
و قوله «بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ» معناه قدام رحمته، كما يقدم الشيء بين يدي
الإنسان، كما قال «لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ» (1)أي توليت خلقه، كما يقول الإنسان:
عملت بيدي، و الرحمة يراد بها- هاهنا- الغيث.
و قوله «حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا» فالاقلال حمل الشيء بأسره حتى يقل في طاقة الحامل له بقوة جسمه، يقال: استقل بحمله استقلالًا. و أقله إقلالا، و الثقال جمع ثقيل، و الثقيل ما فيه الاعتماد الكثير سفلًا. و قال قوم:
هو ما تجمع أجزاؤه كالذهب و الحجر، و قد يكون بكثرة ما حمل كالسحاب الذي يثقل بالماء.
و قوله «سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ» أي الى بلد، فالسوق حث الشيء في السير حتى يقع الاسراع فيه، ساقه يسوقه سوقاً، و استاقه استياقاً، و ساوقه مساوقة، و تساوقوا تساوقاً، و تسوق تسوقاً، و انساق انسياقاً، و سوقه تسويقاً.
(و البلد الميت) هو الذي اندرست مشاربه و تعفت مزارعه.
و قوله «فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ» الهاء في (به) راجعة الى البلد. و يحتمل أن تكون راجعة الى السحاب. و قوله «فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ» فالهاء في (به) يحتمل أن تكون راجعة الى البلد، و يكون التقدير أخرجنا بهذا البلد.
و يحتمل أن تكون راجعة الى الماء، فكأنه قال فأخرجنا بهذا الماء من كل الثمرات. و يحتمل أن تكون (من) للتبعيض. و يحتمل أن تكون لتبيين الجنس.
و قوله «كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى معناه كما أخرجنا الثمرات. كذلك نخرج الموتى بعد موتها بأن نحييها «لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» معناه لكي تتذكروا، و تتفكروا و تعتبروا بأن من قدر على إنشاء الأشجار و الثمار في البلد الذي لا ماء فيه و لا زرع، فانه يقدر على أن يحيي الأموات بأن يعيدها الى ما كانت عليه بأن يخلق فيها الحياة و القدرة.
و استدل البلخي بهذه الآية على أن كثيراً من الأشياء تكون بالطبع.
1) سورة 38 ص آية 75.
قال: لأن اللَّه تعالى بين انه يخرج الثمرات بالماء الذي ينزله من السماء، قال:
و لا ينبغي أن ينكر ذلك و إنما ينكر قول من يقول بقدم الطبائع أو قول من يقول: إن الجمادات تفعل. فأما من قال: إن اللَّه تعالى يفعل هذه الأشياء غير أنه يفعلها تارة مخترعة بلا وسائط و تارة بوسائط، فلا كراهة في ذلك كما تقول في السبب و المسبب، و هذا الذي ذكره ليس بصحيح، لأنه إن أشار بالطبع الى رطوبات مخصوصة و يبوسات مخصوصة، فلا خلاف في ذلك غير أن هذه الأشياء لا تتولد عنها ذوات أخر، بل ما يحصل عندها اللَّه تعالى يفعلها مبتدأ، و ليس كذلك السبب و المسبب، لان السبب الذي يفعل الفعل بها و هو الاعتماد و المجاوزة يوجب التأليف، و ما عدا ذلك فليس فيه شيء تولد أصلًا، و إن أراد بالطبع غير هذا المعقول فليس في الآية دلالة على صحته بحال.
وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ الَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)
آية بلا خلاف.
قرأ أبو جعفر «نكداً» بفتح الكاف. الباقون بكسرها، و الوجه في ذلك أنهما لغتان. و حكى الزجاج (نكداً) بضم النون و سكون الكاف.
و لا يقرأ به. و قال الفراء: يقتضي القياس أيضاً (نكداً) بضم الكاف، و فتح النون، غير أني لم أسمعه مثل دَنَف و دنف و حذر و حذر، و يقظ و يقظ و يقظ، بالفتح و الضم و الكسر.
قوله «وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ» فالبلد هو الأرض التي تجمع الخلق الكثير، و تنفصل بما لهم فيها من العمل، وال. و البلدة خلاف الفلاة، و الصحراء، و أما البادية فكالبلد للأعراب و نحوهم من الأكراد و الأتراك. و الطيب ما فيه
أسباب التلذذ، و ضده الخبيث، و هو ما فيه أسباب النكرة. و قال ابن عباس و الحسن و مجاهد و قتادة و السدي: هذا مثل، ضربه اللَّه للمؤمنين فشبه المؤمن- و ما يفعله من الطاعات و الأفعال، و الانتفاع بما أمره اللَّه و نهاه عنه- بالأرض العذبة التربة التي تخرج الثمرة الطيبة بما ينزله اللَّه عليها من الماء العذاب، و الكافر- و ما يفعله من الكفر و المعاصي- بالأرض السبخة الملحة التي لا ينتفع بنزول المطر عليها، فينزع عنها البركة.
و قوله «يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ» فالاخراج نقل الشيء من محيط به الى غيره، فهذا النبات كأنه كان في باطن الأرض فخرج منه، (و الاذن) هو الإطلاق في الفعل برفع المنعة فيه، فكذلك منزلة هذا البلد، كأنه قد أطلق في إخراج النبت الكريم.
و وجه ضرب المثل بالأرض الطيبة و الأرض الخبيثة مع أنهما من فعل اللَّه و كلاهما حكمة و صواب، و الطاعات و المعاصي أحدهما بأمر اللَّه و الآخر بخلاف أمره، هو أن اللَّه تعالى لما جعل المنفعة بأحدهما و المضرة بالآخر مثل بذلك الانتفاع بالعمل الصالح و الاستضرار بالمعاصي و القبائح.
و قوله «وَ الَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً» فالنكد العسر بشدته الممتنع من إعطاء الخير على وجه البخل تقول: نكد ينكد نكداً، فهو نَكد و نَكَد.
و قد نكُد إذا سئل فبخل، و نكد ينكد نكداً، قال الشاعر:
لا تنجز الوعد إن وعدت و إن أعطيت أعطيت تافهاً نكداً (1)
و قال الآخر:
و أعط ما أعطيته طيباً لا خير في المنكود و الناكد (2)
و قال السدي: النكد القليل الذي لا ينتفع به. و قوله «كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ» فالتصريف توجيه الشيء في جهتين فصاعداً، فلما
كان معنى الآية بوجه في الدلالات المختلفة كانت الآية متصرفة، فالنشأة الثانية مصرَّفة بأنها كإحياء الأرض بالماء للبنات، و بأنها كالخارج من الأرض في الاختلاف، فمنه طيب، و منه خبيث، و بأنها في حال المؤمن و الكافر، كحال الأرض في الطيب و الخبث. و المعنى أنه تعالى يبين لهم آية بعد آية، و حجة بعد أخرى، و يضرب مثلا بعد مثل «لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ» اللَّه على إنعامه عليهم هدايته إياهم لما فيه نجاتهم و تبصيرهم سبيل أهل الضلال و أمره إياهم تجنب ذلك و العدول عنه.
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59)
آية واحدة بلا خلاف.
قرأ أبو جعفر و الكسائي «من إله غيره»- بخفض الراء و كسر الهاء و وصلها- بناء في اللفظ حيث وقع. الباقون بضم الراء و ضم الهاء و إشباعها بالواو، قال الكسائي تقديره ما لكم غيره من إله. في قراءة نافع.
قال أبو علي الفارسي: من جرَّ جعل (غير) صفة ل (إله) على اللفظ و جعل (لكم) مستقراً أو غير مستقر، و أضمر الخبر، و الخبر ما لكم في الوجود أو في العالم و نحو ذلك لا بد من هذا الإضمار إذا لم يجعل (لكم) مستقراً، لأن الصفة. و الموصوف لا يستقل بهما الكلام.
و من رفع حجته قوله «وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ» (1)فكما أن قوله «إلا اللَّه» بدل من قوله «من إله» كذلك قوله «غيره» يكون بدلًا من قوله «من إله» و (غير) يكون بمنزلة الاسم الذي بعد (إلا)، و هذا الذي ذكرناه أولى
1) سورة 3 آل عمران آية 62.
أن يحمل عليه من أن يجعل (غير) صفة ل (إله) على الموضع. فان قلت ما ينكر أن يكون «إلا اللَّه» صفة ل (إله)؟ قيل: إن (الا) بكونها استثناء أعرف و أكثر من كونها صفة. و إنما جعلت صفة على التشبيه بغير، فإذا كان الاستثناء أولى حملنا «هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ» (1)على الاستثناء من النفي في المعنى، لأن قوله «هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ» بمنزلة ما من خالق غير اللَّه، و لا بد من إضمار الخبر، كأنه قال: ما من خالق للعالم غير اللَّه، و يؤكد ذلك قوله «لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» (2)فهذا استثناء من منفي مثل لا أجد في الدار إلا زيداً.
فأما حمزة و الكسائي فإنهما جعلا (غير) صفة لخالق و أضمرا الخبر، كما تقدم. و الباقون جعلوه استثناء بدلًا من النفي، و هو أولى لما تقدم من الاستشهاد عليه من قوله «وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ» (3).
أخبر اللَّه تعالى و أقسم على خبره- لأن اللام في قوله «لقد» لام القسم- بأنه أرسل نوحاً (ع) الى قومه و إرساله إياه هو تكليفه القيام بالرسالة و هي منزلة جليلة شريفة يستحق بها الرسول بتقلبه إياها و القيام باعبائها أن يعظم أعلى تعظيم البشر، و أخبر أن نوحاً قال لقومه «يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ» و العبادة هي الخضوع بالقلب في أعلى مراتب الخضوع يعظم به من له أعظم النعم، فلذلك لا يستحق العبادة غير اللَّه، و أخبر أنه أمرهم بأن تكون عبادتهم للَّه وحده، لأنه لا إله لهم غيره، و لا معبود لهم سواه. و قال لهم «إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ» يريد به يوم القيامة، و العذاب هو الألم الجاري على استمرار، و قد يكون غير عقاب، إلا أن المراد به- هاهنا- العقاب. و العقاب الألم على ما كان من المعاصي. و لم يجعل خوفه عليهم على وجه الشك، بل أخبرهم أن هذا العذاب سيحل بهم إن لم يقبلوا
ما أتاهم به، لأن الخوف قد يكون مع اليقين كما يكون مع الشك ألا ترى أن الإنسان يخاف من الموت، و لا يشك في كونه.
قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (60)
آية بلا خلاف.
(قال) أصله (قول) فانقلبت الواو الفاً لحركتها و انفتاح ما قبلها.
أخبر اللَّه تعالى عن الملأ من قوم نوح. و قيل في معنى الملأ قولان:
أحدهما- أنهم الجماعة من الرجال سموا بذلك لأنهم يملئون المحافل.
و الثاني- أنهم الاشراف، و قيل: الرؤساء، لأنهم يملئون الصدر بعظم شأنهم، و منه قوله (ص) أولئك الملأ من قريش. و القوم يقال لمن يقوم بالأمر، و لا نسوة فيهم- على قول الفراء- و هو مأخوذ من القيام.
و إنما سموا بالمصدر، كما قال بعض العرب إذا أكلت طعاماً أحببت نوماً و أبغضت قوماً أي قياماً.
و قوله «إِنَّا لَنَراكَ» قيل في معناه ثلاثة أقوال:
أحدها- انه من رؤية القلب الذي هو العلم.
الثاني- من رؤية العين، كأنهم قالوا نراك بأبصارنا على هذه الحال.
الثالث- أنه من الرأي الذي هو غالب الظن و كأنه قال: إنا لنظنك.
و قوله «فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» أرادوا بالضلال هاهنا العدول عن الصواب الى الخطأ فيما زعموا مخالفتهم إياه فيما دعاهم اليه من اخلاص العبادة للَّه تعالى.
و «مبين» أي بين ظاهر.
قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَ لكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (61)
آية بلا خلاف.
في هذه الآية إخبار عما أجابهم به نوح (ع) و قال لهم «لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ» أي ليس بي عدول عن الحق، و يقال،: به ضلالة لأن فيه معنى عرض به كما يقال به جنة، و لا يجوز أن يقال: به معرفة، لأنها ليست مما تعرض بصاحبها، و لكن يصح أن يقال: به جوع، و به عطش، لأنه عارض به.
قوله «يا قوم» أصله يا قومي، فحذفت ياء الاضافة لقوة النداء على التغيير، حتى يحذف للترخيم، فلما جاز أن يحذف في غيره للاجتزاء بالكسرة منها، لزم أن يحذف فيه لاجتماع السببين فيه.
و قوله «وَ لكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» معنى (لكن) و الاستدراك الخفيفة يستدرك بها معنى المفرد. و المشددة يستدرك بها معنى الجملة، فلذلك صارت من أخوات (إنَّ). «و لكني» أصله (و لكنني) و حذفت النون لاجتماع النونات، و يجوز الإتمام، لأنه الأصل، و كذلك (اني، و كأني) فأما (ليتني) فلا يجوز فيه الا اثبات النون، لأنه لم يعرض فيه علة الحذف. و اما (لعلي) فيجوز فيه الوجهان، لأن اللام قريبة من النون.
و معنى (من)- هاهنا- لابتداء الغاية، و معناه أن اللَّه تعالى هو الذي ابتدأني بالرسالة، و كل مبتدئ بفعل فذلك الفعل منه. و أصل (من) موضع ابتداء الغاية كقولك: خرجت من بغداد الى الكوفة أي ابتداء خروجي من بغداد.
أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَ أَنْصَحُ لَكُمْ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (62)
آية بلا خلاف.
قرأ أبو عمرو وحده «أبلغكم» مخففة اللام. الباقون بتشديدها.
و (بلغ) فعل يتعدى الى مفعول واحد تقول: بلغني خبركم، و بلغت أرضكم، فإذا نقلته تعدى الى مفعولين. و النقل يكون تارة بالهمزة و أخرى
بتضعيف العين، و قد ورد بهما التنزيل، قال اللَّه تعالى «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ» (1)فنقل بالهمزة، و قال «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ» (2)فنقل بتضعيف العين، فعلى هذين الوجهين اختلفوا في القراءة.
و في الآية حكاية عن قول نوح (ع) لقومه أنه قال لهم بعد ما أنكر عليهم أنه ليس به ضلالة، و انه رسول من عند اللَّه، و أنه بلغهم ما حمله اللَّه من رسالات ربه. و الإبلاغ إيصال ما فيه بيان و افهام، و منه البلاغة، و هي إيصال المعنى الى النفس بأحسن صورة من اللفظ. و البليغ الذي ينشئ البلاغة، لا الذي يأتي بها على وجه الحكاية. و الفرق بين الإبلاغ و الأداء أن الأداء لما يسمع، و حسن الأداء للقراءة. و الرسالات جمع رسالة، و هي جملة من البيان يحملها القائم بها ليؤديها الى غيره. و انما جمع- هاهنا- (رسالات) و في موضع آخر «رسالة» (3)على التوحيد، لأنه يشعر تارة بالجملة و تارة بالتفصيل، فلما دعا الى عبادة اللَّه و طاعته و اجتناب محارمه و العمل بشريعته، كان هذا تفصيل رسالات اللَّه تعالى. و رسالات اللَّه حكم:
من ترغيب، و تحذير، و وعد، و وعيد، و مواعظ، و مزاجر، و حجج، و براهين و أحكام يعمل بها، و حدود ينتهى اليها.
و قوله «وَ أَنْصَحُ لَكُمْ» فالنصيحة اخلاص النية من شائب الفساد في المعاملة. و (النصح) خلاف الغش في العمل، و لا يكون الغش إلا بسوء النية. و قوله «وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» فيه حث لهم على طلب العلم من جهته، و تحذير من مخالفته، لما يعلم من العاقبة، فكأنه قال: أنا أعلم بحلول العقاب بمخالفتكم و ترك القبول مني «ما لا تَعْلَمُونَ» أنتم، و يجوز أن يريد «و أعلم من» توحيد اللَّه و صفاته و حكمته «ما لا تعلمونه». و في ذلك بطلان مذهب القائلين بأن معرفة اللَّه ضرورة- و أن من لم يعرفه ضرورة فليس
بمكلف- لأن نوحاً (ع) بين أنه خاف عليهم مع أنه يعلم ما لا يعلمونه.
أَ وَ عَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَ لِتَتَّقُوا وَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63)
آية.
في هذه الآية تقريع من نوح (ع) لقومه على صورة الاستفهام بأنهم عجبوا أن جاءهم ذكر من ربهم. و إنما دخل الاستفهام معنى التقريع، لأن المجيب لا يأتي الا بما يسوء من القبيح، فهو إنكار و تقريع، و قد يدخل معنى التمني، لأنه بمنزلته في انه طلب، لأن يكون أمر، و إنما فتحت الواو في قوله «أو عَجبتم» لأنها واو العطف دخل عليها ألف الاستفهام، فالكلام مستأنف من وجه، متصل من وجه، كما أن المبتدأ في خبر الأول بهذه الصفة.
و التعجب تغير النفس بما خفي سببه، و خرج عن العادة مثله، لأنه لا مثل له في العادة. و الذكر حضور المعنى للنفس، و الذكر على وجهين: ذكر البيان و ذكر البرهان، فذكر البيان إحضار المعنى للنفس، و ذكر البرهان الشهادة بالمعنى في النفس، و كلا الوجهين يحتمل في الآية.
و قوله «عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ» فالرجل هو إنسان خارج عن حد الصبي من الذكران، و كل رجل انسان، و ليس كل انسان رجلًا، لأن المرأة انسان.
و قيل في دخول (على) في قوله «عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ» قولان:
أحدهما- أنه بمعنى مع رجل منكم، قال الفراء: كما تقول: جاءني الخير على وجهك و مع وجهك.
الثاني- لأن فيه معنى منزل «عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ».
و قوله «لينذركم» فالانذار هو الاعلام بموضع المخافة، و التحذير هو الزجر عن موضع المخافة. و قوله «وَ لِتَتَّقُوا وَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» معناه إن اللَّه تعالى أرسل هذا الرسول مع هذا الذكر، و أراد إنذاركم، و غرضه أن
تتقوا معاصيه لكي يرحمكم و يدخلكم الجنة و نعيم الأبد.
و في ذلك دلالة على بطلان مذهب المجبرة: أن اللَّه تعالى لم يرد منهم أن يتقوا و لا أن يؤمنوا.
فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَ الَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَ أَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (64)
آية بلا خلاف.
هذا اخبار من اللَّه تعالى عن قوم نوح أنه لم ينفع فيهم ذلك التخويف و لا الوعظ و الزجر، و أنهم كذبوه يعني نوحاً. و معناه أنهم نسبوا خبره الى الكذب، لأن التكذيب نسبة الخبر الى الكذب، و التصديق نسبة الخبر الى الصدق، و هذا مما يختلف فيه معنى (فعَّل، و فَعَل).
و قوله «فأنجيناه» إخبار من اللَّه تعالى انه أنجى نوحاً، و الانجاء هو التخليص من الهلكة، و الإهلاك الإيقاع فيها و هي المضرة الفادحة. «و من معه» يعني و أنجى من معه من المؤمنين به «في الفلك» و هي السفن و يقع على الواحد و الجمع بلفظ واحد، و أصله الدور مشتق من قولهم: فلك ثدي الجارية، إذا استدار، و منه الفلكة و الفَلك من هذا، لأنه يدور على الماء كيف أداره صاحبه.
و قوله «وَ أَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا» و الإغراق هو الغوص المتلف في الماء، و أصله الغوص في الشيء، فمنه أغرق في النزع، و لا تغرق في هذا الأمر.
و قوله «إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ» فيه بيان أنه إنما أغرقهم و أهلكهم، لأنهم كانوا عمين. و العمى الضلال عن طريق الهدى، فهم كالعمي في أنهم لا يبصرون طريق الرشد، فهم عمي عن الحق.
وَ إِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ (65)
آية بلا خلاف.
انتصب قوله «أخاهم هوداً» بقوله «أرسلنا» في أول الكلام و إن تطاول ما بينهما، لأن تفصيل القصص يقتضي ذلك، و التقدير و أرسلنا «الى عاد أخاهم هوداً» و يجوز في مثله الرفع و تقديره، و الى عاد أخوهم هود مرسل.
و (الأخ) أحد الوالدين لواحد. و إنما قال لهود (ع) أنه أخوهم، لأنه كان من قبيلهم، و جاز ذلك على غير الاخوة في الدين، لأنه احتج عليهم أن يكون رجلًا منهم، لأنهم عنه أفهم و اليه أسكن.
و صرف (هود) لخفته، كما صرفت جمل لخفتها، و هو أحق بالصرف، لأنه أكثر في الاستعمال.
في هذه الآية إخبار من اللَّه تعالى انه أرسل الى قوم عاد هودا، و أنه قال لهم «يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ» و قد فسرنا معني ذلك أجمع و بينا أيضا حقيقة العبادة، و أنه لا يستحقها غير اللَّه، لأنها على أصول النعم، و الشكر قد يستحقه غير اللَّه، لأنه يستحق بالنعمة و ان قلت، و كذلك الطاعة قد تجب لغير اللَّه، فعلى هذا تكون عبادة اثنين شركا، و لا يكون طاعة اثنين شركا، كما أن الشكر على النعمة لاثنين لا يكون كذلك إذا لم يكن واقعا على وجه العبادة. و قوله «أَ فَلا تَتَّقُونَ» معناه، فهلا تتقون، و هو بصورة الاستفهام و المراد به حضَّهم على تقوى اللَّه و اتقاء معاصيه.
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَ إِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (66)
آية بلا خلاف.
في هذه الآية إخبار عما قالت الجماعة الكافرة من قوم هود له «إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ» و السفاهة خفة الحلم، كما قال الشاعر:
مبذرا و عاتب سيعى ..... (1)
أي سفيه، و ثوب سفيه إذا كان خفيفا (و قال) المؤرج: السفاهة الجنون بلغة حمير، و قوله «فِي سَفاهَةٍ» معناه منغمس في السفاهة، فالسفاهة بمعنى أنت سفيه، أقيم المصدر مقام اسم الفاعل، و لا يجوز قياسا على ذلك أن يقال في إرادة بمعنى مريد، و كسرت (إن) لأنها وقعت بعد القول حكاية، و الحكاية تقتضي استئناف المحكي و (إنَّ) إذا شددت عملت، و لا تعمل إذا خففت، لأنها مشددة تشبه (كان) فلما خففت قل الشبه الا ان يحمل على كان محذوفة، و ليس قوة حملها عليها تامة كقوة حملها محذوفة، و حذفت الهمزة في مضارع رأيت دون ماضيه، لاجتماع ثلاثة أشياء:
الزيادة في أوله، و كثرة الاستعمال لها، و لان فيما بقي دليل عليها، و لم يلزم في نأيت تنأى مثل ذلك.
و قوله «وَ إِنَّا لَنَظُنُّكَ» و لم يقولوا نعلمك لامرين: أحدهما- قال الحسن: لان تكذيبهم كان على الظن دون اليقين. و قال الرماني: معناه انك تجري مجرى من أخبر عن غائب لا يعلم ممن هو منهم. الثاني- انهم أرادوا بالظن العلم كما قال الشاعر:
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المشدد (2)
معناه أيقنوا. و فائدة الآية أن أمَّة هود جرت على طريقة أمَّة نوح في الكفر بنبيها كأنهم قد تواصوا بالتكذيب بالحق و معاندة أهله و الرد لما أوتوا به
قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَ لكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (67)
آية بلا خلاف.
هذه الآية فيها إخبار عما قال هود (ع) لقومه مجيبا لهم حين قالوا له:
«إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ» و أنه قال «لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ» و موضع (قوم) نصب، لأنه نداء مضاف فلو وصفته لما جاز في صفته الا النصب، و انما حذفت بالاضافة، لان النداء أحق بالحذف الذي يكون في غيره لقوة اليقين فيه.
و قوله «وَ لكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» استدراك ب (لكن) لان فيه معنى ما دعاني الى أمركم السفه، و لكن دعاني اليه أني رسول من رب العالمين.
و قد بينا أن (من) هاهنا بمعنى ابتداء الغاية، و التقدير المبتدئ بالرسالة رب العالمين و المنتهى اليه الرسالة لامته، لأنه أرسل اليهم.
أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَ أَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (68)
قد بينا معنى الإبلاغ، و هو إحضار الشيء غيره على وجه الانتهاء، و منه قوله «ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ» (1)و قد يكون إحضار النفس البيان للافهام، و الإبلاغ أشد اقتضاء للمنتهى اليه من الإيصال، لأنه يقتضي بلوغ فهمه و عقله كالبلاغة التي تصل الى سويداء قلبه. و لا يجوز بدل «رسالات ربي» نبوات ربي، لان النبوة تكليف القيام بالرسالة، فإنما يبلغ الرسالة و لا يبلغ التكليف.
و قوله «وَ أَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ» معناه اني ناصح لكم فيما أدعوكم اليه من طاعة اللَّه و اخلاص عبادته. و قيل: ان معناه اني كنت فيكم أمينا قبل النبوة
1) سورة التوبة آية 7
و النصح إخلاص المعاملة من شائب الفساد في النية. و الأمين المأمون من أن يكون منه تغيير له أو تبديل.
و في الآية دلالة على أنه يجوز للإنسان أن يزكي نفسه عند الحاجة اليه.
أَ وَ عَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَ اذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَ زادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69)
آية.
قد بينا معنى قوله «أَ وَ عَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ» فلا معنى لإعادته. و انما أنكر العجب مع أنه خفي بسببه، و خرج عن العادة لظهور الدلائل فيه و قيام البراهين عليه من الإرسال اليهم من تنبيههم على ما اغفلوه و تعريفهم ما جهلوه. و الفرق بين العَجب و العُجب، أن العجب- بضم العين- عقد النفس على فضيلة لا ينبغي ان يعجب منها السبب لها، و ليس كذلك العجب- بفتح العين و الجيم- لأنه قد يكون حسنا. و قد قيل في المثل (لا خير فيمن لا يتعجب من العجب و أرذل منه المتعجب من غير عجب).
و قوله «وَ اذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ» فخلفاء جمع خليفة، و هو الكائن بدل غيره ليقوم بالأمر مقامه في تدبيره. و خلفاء جمعه على التكذيب مثل ظريف و ظرفاء، و لو جمعه على اللفظ لقال: خلائف نحو كريمة و كرائم، و ورد ذلك في القرآن، قال اللَّه تعالى «هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ» (1).
و قوله «مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ» امتنان عليهم بما مكنهم في الأرض و جعلهم بدل قوم نوح حين أهلكهم اللَّه. و قوله «وَ زادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً» قريء
1) سورة 35 فاطر آية 39
بالسين و الصاد و قيل في معناه قولان: أحدهما- قال ابن زيد: زادهم قوة.
و قال غيره: أراد به المرة من بسط اليدين إذا فتحت على أبعد أقطارها. و قال الزجاج و الرماني: كان أقصرهم طوله سبعين ذراعا و أطولهم مائة ذراع. و قال قوم: كان أقصرهم اثني عشر ذراعا. و
قال ابو جعفر (ع): كانوا كأنهم النخل الطوال، و كان الرجل منهم ينحت الجبل بيده فيهدم منه قطعة.
و قوله «فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ» قال الحسن و غيره: الآلاء النعم في واحدها لغات:
(ألًا) مثل (معاً) و (ألا) مثل «قفا» و «الى» مثل «حسي» و «إلى» مثل «دمى» قال الشاعر:
أبيض لا يرهب الهزال و لا يقطع رحما و لا يخون إلا (1)
إلا و ألا رويا جميعا. و قوله «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» معناه اذكروا نعم اللَّه و اشكروه عليها لكي تفوزوا بثواب الجنة و النعيم الدائم الابدي.
قالُوا أَ جِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَ نَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70)
آية بلا خلاف.
قيل في الفرق بين «قالوا» و تكلموا، أن القول مضمن بالحكاية من حيث هو على صفة القول، و ليس كذلك من حيث هو على صفة الكلام.
و في الآية حكاية ما قال قوم هود، و هم قبيلة عاد لهود (ع) «أ جئتنا» و معناه أتيتنا «لنعبد اللَّه وحده» و تريد منا أن نوجه عبادتنا الى اللَّه وحده.
و المجيء و الإتيان و الإقبال واحد، و قال قوم المجيء إتيان من أي جهة كان، و الإتيان إقبال من قبل الوجه.
و قوله «و نذر» و معناه و نترك، و لم تستعمل فيه (و ذرنا) استغناء بتركنا، و لا يلزم أن يستغنى بنترك عن نذر، لان نذر خفيفة، لان الواو
1) قائله الأعشى ديوانه: 157 و لسان العرب (ألا)
حذفت منه. «ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا» تمام الحكاية عن الكفار أنهم قالوا:
كيف نترك ما كان يعبد آباؤنا؟! و أنهم قالوا «فَأْتِنا بِما تَعِدُنا» من العذاب «ان كنت صادقا» «من» جملة «الصادقين» و انما لم يجب اتباع الآباء، و ان كانوا عقلاء و وجب اتباع العقلاء، لأنه انما يجب اتباع العقلاء فيما علموه بعقولهم ضرورة، فأما ما طريقه الدليل فانه يجوز أن يغلطوا فيه فلا يجوز حينئذ اتباعهم و ان كانوا آباءا.
قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَ غَضَبٌ أَ تُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71)
آية بلا خلاف.
في هذه الآية حكاية عما قال هود لقومه جوابا عما قالوه في الآية الاولى: أنه «قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَ غَضَبٌ» فالوقوع و السقوط و النزول نظائر. و الوقوع وجود الشيء نازلا بالحدوث، فقد يكون بحدوثه، و قد يكون بحدوث غيره، كوقوع الحائط و نحوه. و الرجس العذاب. و قيل:
الرجس و الرجز واحد فقلبت الزاي سيناً، كما قلبت السين تاء في قول الشاعر:
ألا لحى اللَّه بني السعلات عمرو بن يربوع لئام النات
ليسوا باعفاف و لا أكيات (1)
يريد الناس، و يريد أكياس. و قال رؤبة:
كم قد رأينا من عديد ميزي حتى أقمنا كيده بالرجز (2)
حكي ذلك عن أبي عمرو بن العلا. و قال ابن عباس: الرجس السخط،
و الغضب معنى يدعو الى الانتقام دعاء الانتقاص الطباع لشدة الإنكار، و نقيضه الرضا، و هو معنى يدعو الى الانعام دعاء ميل الطباع. و مثل الغضب السخط، هذا قول الرماني. و قال غيره: الغضب هو ارادة العقاب بمستحقيه، و مثله السخط، و الرضا هو الارادة إلا أنها لا توصف بذلك إلا إذا وقع مرادها و لم يتعقبها كراهة، و لهذا جاز إطلاق ذلك على اللَّه، و لو كان الأمر على ما قاله الرماني لما جاز أن يقال: إن اللَّه غضب على الكفار، و لا أنه سخط عليهم.
و قوله «أ تجادلونني اللَّه بها من برهان، و لا نصب عليهم حجة. و المعنى أ تنازعونني في أسماء سميتموها يعني تسميتهم ما يعبدون من دون اللَّه آلهة، ما أنزل اللَّه عليكم بذلك حجة بما عبدتم، فالبينة عليكم بما ادعيتم و سميتم، و ليس علي ان آتيكم بالبينة على ما تعبدون من دون اللَّه بل ذلك عليكم، و عليَّ أن آتيكم بسلطان مبين أن اللَّه تعالى هو المعبود وحده دون من سواه و أني رسوله.
و قوله «فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ» قال الحسن: معناه انتظروا عذاب اللَّه فانه نازل بكم، فاني معكم من المنتظرين» قال الحسن: معناه انتظروا عذاب اللَّه فانه نازل بكم، فاني معكم من المنتظرين لنزوله بكم، و هو قول الجبائي و غيره من المفسرين.
فَأَنْجَيْناهُ وَ الَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَ قَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ ما كانُوا مُؤْمِنِينَ (72)
آية بلا خلاف.
في هذه الآية إخبار من اللَّه تعالى أنه أنجى هوداً و الذين آمنوا معه برحمة منه، و الانجاء التخليص من الهلاك، و أصله من النجوة و هي الارتفاع من الأرض و النجاء السرعة في السير، لأنه ارتفاع فيه بالاسراع و إنما جاز أن يقول: برحمة منا مع أن النجاة هي الرحمة، لأنه عقد معنى النجاة بالرحمة،
فصار كأنه يعمل بالقدرة.
و قوله «وَ قَطَعْنا» فالقطع هو افراد الشيء عن غيره مما كان على تقدير الاتصال به، فلما أفردوا بالهلاك عما كان على تقدير التبع لهم من نسلهم و آثارهم من بعدهم كان قد قطع دابرهم. و قال الحسن: معناه قطعنا أصل الذين كذبوا بديننا و ما كانوا مؤمنين. و قال ابن زيد: قطعنا دابرهم معناه:
استأصلناهم عن آخرهم. و الدابر الكائن خلف الشيء. و نقيضه القابل، و يكون القابل الآخذ للشيء من قبل وجهه.
و قوله «وَ ما كانُوا مُؤْمِنِينَ» انما أخبر بذلك عن حالهم مع أنه معلوم منهم ذلك لبيان أن هذه الصفة لا تجوز أن تلحق المكذب بآيات اللَّه الجاحد لها و إن في نفيها عن المكلف ذماً له.
وَ إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (73)
آية بلا خلاف.
هذه الآية عطف على ما تقدم، و التقدير و أرسلنا الى ثمود أخاهم صالحاً.
و ثمود اسم قبيلة، و قد جاء مصروفاً و غير مصروف، فمن صرفه، فعلى أنه اسم لحي مذكر، و من ترك صرفه، فعلى أنه اسم القبيلة، كما قال تعالى «أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ» (1)صرف الأول و لم يصرف الثاني. و اختير ترك الصرف في موضع الجر، لأنه أخف.
1) سورة 11 هود آية 68.
و يجوز في قوله «ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ» ثلاثة أوجه من العربية: الجر على اللفظ، و الرفع على الموضع، و قد قرئ بهما، و قد بيناه فيما مضى، و النصب على الاستثناء و الحال، و لم يقرأ به. و يجوز عند الفراء الفتح على البناء، لأنه أجاز ما جاءني غيرَك، و منع منه الزجاج. و قال: إنما يجوز ذلك إذا أضيف الى غير متمكن إضافة غير حقيقة، كما قال الشاعر:
لم يمنع الشرب منها غيرَ أن نطقت حمامة في غصون ذات أو قال (1)
و قوله «أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ» قد بيناه فيما مضى.
و قوله «قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ» فالبينة العلامة التي تفصل الحق من الباطل من جهة شهادتها به. و البيان هو إظهار المعنى للنفس الذي يفصله من غيره حتى يدركه على ما يقويه كما يظهر نقيضه، فهذا فرق بين البينة و البيان.
و قوله «هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً» فالناقة الأنثى من الجمال و الأصل فيها التوطئة و التذليل من قولهم بعير منوق أي موطَّأ مذلل، و تنوق في العمل أي جوَّده كالموطإ المذلل. و الناق الحزُّ بين أليه الإبهام و طرفها، لأنه وطأ به لقبض الكف و بسطها. و انما قال «ناقَةُ اللَّهِ» لأنه لم يكن لها مالك سواه تعالى. و نصب «آية» على الحال. و الآية هي البينة العجيبة بظهور الشهادة و لطف المنزلة. و الآية و العبرة و الدلالة و العلامة نظائر. و الآية التي كانت في الناقة خروجها من صخرة ملساء تمخضت بها كما تتمخض المرأة ثم انفلقت عنها على الصفة التي طلبوها، و كان لها شرب يوم تشرب فيه ماء الوادي كله و تسقيهم اللبن بدله، و لهم شرب يوم يخصهم لا تقرب فيه ماءهم، في قول أبي الطفيل، و السدي و ابن إسحاق.
و قوله «فَذَرُوها» أي اتركوها «تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ» يعني بعقر أو نحر «فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» أي ينالكم عذاب مؤلم.
1) اللسان (و قل) و أو قال: جمع و قل، و هو ثمار شجر المقل.
وَ اذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَ بَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَ تَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74)
آية بلا خلاف.
في هذه الآية حكاية لقول صالح (ع) لقومه بعد أن أمرهم بعبادة اللَّه وحده لا شريك له، و نهيه إياهم أن يمسوا الناقة بسوء، و حذرهم من المخالفة التي يستحق بها العذاب المؤلم فقال- عاطفاً على ذلك- و «اذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ» أي تفكروا فيما أنعم اللَّه عليكم حيث جعلكم بدل قوم عاد بعد أن أهلكهم و أورثكم ديارهم «وَ بَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ» أي مكنكم من منازل تأوون اليها، يقال بوأته منزلًا إذا مكنته منه ليأوى اليه.
و أصله من الرجوع من قوله «فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ» (1)و قوله «وَ باؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ» (2)أي رجعوا، قال الشاعر:
و بوَّأت في صميم معشرها فتم في قومها مبوَّأها (3)
أي أنزلت و مكنت من الكرم في صميم النسب.
و قوله «تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها» فالسهل ما ليس فيه مشقة على النفس من عمل أو أرض، يقال: السهل و الجبل، و أرض سهلة. و قوله «قصوراً» جمع قصر، و هو الدار الكبيرة بسور تكون به مقصورة. و أصله القصر الذي هو الجعل على منزلة دون منزلة، فمنه القصير، لأنه قصر به على مقدار دون ما هو أطول منه، و القصر الغاية، يقال: قصره الموت لأنه قصر عليه، و اقصر عن الأمر أي كف عنه. و القصر العشي، و منه القصَّار لأنه يقصر
الثوب على النقاء دون ما هو عليه. و القصرة أصل العنق.
و قوله «وَ تَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً» فالجبل جسم عظيم بعيد الاقطار عال في السماء، و يقال: جبل الإنسان على كذا أي طبع عليه، لأنه يثبت عليه لصوق الجبل، و المعنى انهم كانوا ينحتون في الجبال سقوفاً كالأبنية، فلا ينهدم، و لا يخرب، «فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ» معناه تفكروا في نعمه المختلفة كيف مكنكم من الانتفاع بالسهل و الجبل «وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» معناه لا تضطربوا في الأرض مفسدين يقال: عاث يعيث عيثاً، و عثى يعثى بمعنى واحد. و مفسدين نصب على الحال. و معنى الآية التذكير بنعم اللَّه من التمكين في الأرض و التسخير حتى تبوأوا القصور و شيدوا المنازل و الدور مع طول الآمال و تبليغ الآجال.
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75)
آية بلا خلاف.
قرأ ابن عامر «و قال الملأ» بزيادة واو، و كذلك في مصاحف أهل الشام الباقون بلا واو.
في هذه الآية حكاية عما قال الملأ من قوم صالح، و هم جماعة من أشراف قومه و رؤساء أمَّته «الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا» أي طلبوا الكبر فوق القدر، لان الاستكبار هو طلب الكبر فوق القدر، حتى يؤدي صاحبه الى إنكار ما دعي اليه من الحق، أنفة من اتباع الداعي الى الحق «لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا» فالاستضعاف طلب الضعف بالأحوال التي تقعد صاحبها عما كان يمكن غيره من القيام بالأمر، و الأصل في باب (استفعل) الطلب منه.
و قوله «لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ» موضعه من الاعراب نصب على البدل من اللام الاولى و هو بدل البعض من الكل إلا أنه أعيد فيه حرف الجر، كقولك مررت بإخوتك بعضهم. و انما فعل ذلك لئلا يظن انهم كانوا مستضعفين غير مؤمنين، لأنه قد يكون المستضعف مستضعفاً في دينه، فلا يكون مؤمناً.
فأزال هذه الشبهة.
و قوله «أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ» حقيقة و يقيناً ام لا تعلمون ذلك؟ و غرضهم بذلك الاستبعاد، لأن يكون صالح نبياً مرسلا من قبل اللَّه.
و قوله «إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ» جواب من هؤلاء المستضعفين لهم انهم مؤمنون بالذي أرسل به صالح مصدقون. و قد بينا أن حدَّ العلم هو ما اقتضى سكون النفس. و حد الرماني- هاهنا- العلم بأنه اعتقاد للشيء على ما هو به عن ثقة من جهة ضرورة أو حجة، قال: و العالم هو المبين للشيء بعدم أو ذات تنبئ عن العلم.
قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (76)
آية هذه الآية حكاية عما قال المستكبرون للذين آمنوا منهم حين سمعوا منهم الايمان به و الاعتراف بنبوته و التصديق لقوله «إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ» يعني صدقتم به «كافرون» أي جاحدون. و القول هو الكلام، و منه المقول، و هو اللسان، لأن صاحبه يقول به. و تقوَّل بمعنى كذَب و قال الكذب.
و المقيال المخبر الى نفسه بالقول امراً من خير أو شر. و القيل ملك دون الملك الأعظم بلغة حِميَر، و جمعه أقيال، لأنه يقول عنه كالوزير.
فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَ قالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77)
آية بلا خلاف.
في هذه الآية إخبار من اللَّه تعالى عما فعل المستكبرون من قوم صالح و أنهم عقروا الناقة التي هي آية اللَّه في الأرض، و العقر الجرح الذي يأتي على أصل النفس، و هو من عقر الحوض و هو أصله، قال الشاعر:
بإزاء الحوض أو عقره (1)
فرماها في فرائصها بإزاء الحوض أو عقره
و منه العقار، لأنه اعتقار أصل مال، لأن ثبوته كثبوت الأصل. و منه العاقر، لأنها قد حدث ما عقر الحال التي يجيء منها الولد فأبطل الأصل، و المعاقرة على الشراب منه، لأنه كالأصل في الثبوت على تلك الحال.
و قوله «وَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ» أي تجاوزوا الحد في الفساد. و قيل:
العتوُّ الغلو في الباطل- في قول مجاهد- و منه جبار عاتٍ، و العاتي في الكبر و منه «وَ قَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا» (2)أي بلغت حال العاتي كبراً، و العتو عن الأمر هو المخالفة إلا أن في العتو مخالفة على وجه التهاون به و الاستكبار عن قبوله.
و قوله «يا صالِحُ ائْتِنا» إن وصلته همزته، و ان ابتدأته لم تهمز بل تقول: (ايتنا) و انما كان كذلك، لأن أصله (ائتنا) بهمزتين، فكره ذلك فقلبوا الثانية ياء على ما قبلها، فإذا وصل سقطت ألف الوصل و ظهرت همزة الأصل.
و قوله «بِما تَعِدُنا» فالوعد الخبر بخير أو شرّ بقرينة في الشر.
و قوله «ائْتِنا بِما تَعِدُنا» أي من الشر، لأنا قد علمنا ما توعدتنا عليه فأت الآن بالعذاب الذي خوَّفتنا منه، و متى تجرَّد عن قرينة، فهو بالخير أحق للفصل بين الوعد و الوعيد.
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَ قالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ وَ لكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79)
آيتان بلا خلاف.
أخبر اللَّه تعالى في هذه الآية بما حلَّ بثمود من العذاب، فقال «فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ» و هي حركة القرار المزعجة لشدة الزعزعة تقول: رجف بهم السقف رجوفاً إذا اضطرب من فوقهم، و قال مجاهد و السدي: الرجفة الصيحة.
و قال آخرون: هي زلزلة أهلكوا بها، قال الأخطل:
اما تريني حناني الشيب من كبر كالنشر أرجف و الإنسان مهدود (1)
و قوله «فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ» إنما قال دراهم على التوحيد لأمرين:
أحدهما- إن المعنى في بلدهم، و هو واحد.
و الآخر- أن معناه في دورهم، و إنما وحد كما توحد أسماء الأجناس كقوله «إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ» (2)و الأخذ نقل الشيء عن حاله الى جهة الناقل له، و ضده الترك كأخذ الدينار و ترك الدرهم. و معنى «جاثمين» باركين على ركبهم موتى، جثم يجثم جثوماً إذا برك على ركبتيه. و قيل:
صاروا رماداً كالرماد الجاثم، لأن الصاعقة أحرقتهم، و قال جرير:
عرفت المنتأى و عرفت منها مطايا القدر كالجدء الجثوم (3)
و قوله «فَتَوَلَّى عَنْهُمْ» يعني أن صالحاً تولى عن قومه، و التولي الذهاب عن الشيء و هو الاعراض عنه، و انما تولى، لأنه أقبل عليهم بالدعاء الى توحيد اللَّه و طاعته، فلما خالفوا و نزل بهم العذاب تولى عنهم لليأس منهم و تولاه بمعنى أولاه نصرته و معونته، و منه قولهم (تولاك اللَّه بحفظه) و قوله
«وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا» (1)فهو مثل قوله «إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ» (2)أي إن تنصروا دين اللَّه، و تولى عنه بمعنى أعرض عنه.
و قوله «وَ قالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي» انما جاز أن يناديهم مع كونهم جاثمين موتى لما في تذكر ما أصارهم الى تلك الحال العظيمة التي صاروا بها نكالًا لكل من اعتبر بها و فكر فيها من الحكمة و الموعظة الحسنة.
و قوله «وَ نَصَحْتُ لَكُمْ» يقال: نصحته و نصحت له مثل شكرته و شكرت له، و معناه و كنت نصحت لكم «وَ لكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ» فمحبة الشيء إرادة الحال الجليلة له عند المريد، فمن أحبَّ الناصح قبل منه، لنهيه لهم عن ركوب أهوائهم و اتباع شهواتهم، و قد روي أنه لم يعذب أمَّة نبي قط و نبيها فيها، فلذلك خرج، فأما إذا أهلك المؤمنون فيما بينهم، فان اللَّه سيعوضهم على ما يصيبهم من الآلام و الغموم.
وَ لُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (80)
آية.
العامل في قوله «و لوطاً» يحتمل أن يكون أحد أمرين:
أحدهما- أن يكون عطفاً على ما مضى، فيكون تقديره و أرسلنا لوطاً.
و الثاني- أن يكون على تقدير و اذكر لوطاً إذ قال لقومه- في قول الأخفش- و لا يجوز في قصة عاد و ثمود إلا (و أرسلنا)، لأن فيها ذكر الى.
و (لوط) مصروف لخفته، لأنه على ثلاث أحرف ساكن الأوسط، و لا ينصرف يعقوب، لأنه أعجمي معرفة.
و اختلفوا في اشتقاق (لوط) فقال بعض أهل اللغة: إنه مشتق من لطت الحوض إذا ألزقت عليه الطين و ملسته به، و يقال: هذا (ألوط) بقلبي
أي ألصق، و الليطة القشر للصوقه بما اتصل به، و قال الزجاج: هو اسم غير مشتق، لأن العجمي لا يشتق من العربي، و انما قال ذلك لأنه لم يوجد علماً إلا في أسماء الأنبياء.
و قوله «أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ»؟! فالفاحشة هي السيئة العظيمة القبح.
و قوله «ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ» فالسبق وجود الشيء قبل غيره. و قيل:
ما ذكر على ذكر قبل قوم لوط، ذكره عمرو بن دينار، فلذلك قال «ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ» و به قال أكثر المفسرين، قال البلخي: يحتمل أن يكون أراد «ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ» يريد عالمي زمانهم، كما قال «وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ» (1)قال: و يحتمل أن يكون ما سبقكم الى ذلك أحد على وجه القهر و المجاهرة به على ما كانوا يفعلونه. و قال بعضهم: العقل كان يبيح ذلك و انما منع منه السمع. قال البلخي: هذا خطأ، لأنه يؤدي الى انقطاع النسل، و لأن الطباع مبنية على الاستنكاف من ذلك، و ان يكون الإنسان مفعولًا به، و لو كان الفاعل لذلك غير مقبح لما لحق المفعول به من ذلك و صمة، كما أن المرأة المنكوحة بالعقد الصحيح لا يلحقها بذلك و صمة و لا عيب بلا خلاف. قال: و من حمل نفسه على استحسان ذلك و انه يجوز أن يكون مفعولًا به كان ما جنا ملوماً عند جميع العقلاء.
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81)
آية.
قرأ أهل المدينة و حفص هاهنا «إنكم» على الخبر، و كذلك مذهبه في قراءته ان يكتفي بالاستفهام الأول من الثاني في كل القرآن، و هو مذهب الكسائي إلا في قصة لوط. الباقون بهمزتين الثانية مكسورة، و خففها ابن
1) سورة 2 البقرة آية 47، 122.
عامر و أهل الكوفة إلا حفصاً، و الحلواني عن هشام يفصل بينهما بالألف، و ابن كثير و أبو عمرو و ورش تحقق الأولى و تلين الثانية، و فصل بينهما بألف أبو عمرو.
و قال أبو علي: قوله «أ تأتون الفاحشة .... إنكم لتأتون الرجال» كل واحد من الاستفهامين كلام مستقل بنفسه لا حاجة لواحد منهما الى الآخر، فإذا كان كذلك، فمن قرأ (أ إنكم) على الاستفهام جعل ذلك تفسيراً للفاحشة، كما أن قوله «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (1)تفسير للوصية. و من قرأ على الخبر استأنف، و من أراد أن يلين همزة (إنكم) فانه يجعلها بين بين، لأن ألف الاستفهام بمنزلة المنفصل، و لو لا ذلك لوجب أن يقلب الثانية على ما قبله ثم يحذف لالتقاء الساكنين.
و معنى قوله «إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ» قال الحسن:
إن قوم لوط كانوا ينكحون الرجال في أدبارهم و لا ينكحون إلا الغرباء و لا ينكح بعضهم بعضاً. و قوله «شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ» فالشهوة مطالبة النفس بفعل ما فيه اللذة، و ليست كالارادة، لأنها قد تدعو الى الفعل من جهة الحكمة. و الشهوة من فعل اللَّه ضرورة فينا، و الارادة من فعلنا، تقول شهيت أشهي شهوة، قال الشاعر:
و اشعث يشهى النوم قلت له ارتحل إذا ما النجوم أعرضت و اسبكرَّت
فقام يجرُّ البرد لو أن نفسه يقال له خذها بكفيك خرت (2)
و قوله «بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ» معناه الاضراب عن الأول الى جميع المعايب من عبادة الأوثان و إتيان الذكران و ترك ما قام به البرهان، و تقديره
إنكم مستوفون لجميع المعائب إتيان الذكران و غيره، و يحتمل أن يكون بل لاسرافكم لا تفلحون. و الإسراف الخروج عن حدِّ الحق الى الفساد.
وَ ما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82)
آية بلا خلاف.
الوجه في قوله «جواب قومه» بالنصب أنه وقع الاسم بعد (إلا) موقع الإيجاب، و ذلك أن ما قبلها إذا كان إيجاباً كان ما بعدها نفياً، و إذا كان ما قبلها نفياً كان ما بعدها ايجاباً، و الجواب خبر يقتضيه أول الكلام، و الغالب عليه جواب النداء و السؤال، و يكون على وجوه كجواب الجزاء و جواب القسم و جواب (لو).
أخبر اللَّه في هذه الآية بما أجاب به قوم لوط (ع) حين قال لهم «إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ» كأنهم قالوا: بعضهم لبعض «أخرجوهم» يعنون لوطاً و أهله الذين آمنوا به. و الإخراج نقل الشيء عن محيط الى غيره، كما أن الإدخال النقل الى محيط عن غيره. و قال الزجاج و الفراء: أرادوا اخرجوا لوطاً و ابنتيه.
و قوله «من قريتكم» فالقرية هي المدينة، كما قال أبو عمرو بن العلاء:
ما رأيت قرويين أفصح من الحسن و الحجاج، يعني رجلين من أهل المدن إلا أنه صار بالعرف عبارة عن مجتمع الناس في منازل متجاورة بقرب ضيعة يأوى اليها للاكراء.
و قوله «إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ» قيل فيه قولان:
أحدهما- قال ابن عباس و مجاهد و قتادة: يعني يتطهرون عن إتيان الرجال في الأدبار فعابوهم بما يجب أن يمدحوا به.
الثاني- أنه أراد يتطهرون يتنزهون عن أفعالكم و طرائقكم.
فَأَنْجَيْناهُ وَ أَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (83) وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84)
آيتان.
أخبر اللَّه تعالى أنه أنجى لوطاً و من معه بمعنى أنه خلصه من الهلاك «و أهله» يعني المختصين به. و الأهل هو المختص بالشيء اختصاص القرابة، و لذلك قيل: أهل البلد لأنهم بلزومهم سكناه قد صاروا على مثل لزوم القرابة. و قوله «إلا امرأته» استثنى من جملة من أنجاه مع لوط من أهله امرأته، لأن امرأته أراد به زوجته و لا يقال: مرؤها بمعنى زوجها، لأنه صار بمنزلة المالك لها. و ليست بمنزلة المالكة له. و إنما تجري هذه الاضافة التي بمعنى اللام على طريقة الملك. و قوله «كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ» يعني من الباقين في عذاب اللَّه- في قول الحسن و قتادة.
فان قيل: فعلى هذا يجب أن تكون امرأته ممن نجى لأنه تعالى قال «كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ» أي الباقين.
قلنا: المعنى إنها من الباقين في عذاب اللَّه، على ما حكيناه عن الحسن و قتادة. و قال قوم: معناه إنها من الباقين قبل الهلاك و المعمرين الذين قد أتى عليهم دهر طويل حتى هرمت فيمن هرم من الناس، و كانت ممن غبر الدهر عليه قبل هلاك القوم. ثم هلكت فيمن هلك من قوم لوط.
و قيل: أراد بذلك من الباقين في عذاب اللَّه، ذكر ذلك قتادة.
و انما قلنا: إنها كانت من الهالكين، لقوله في سورة هود «إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ» (1)ذكر ذلك البلخي و الطبري، فالغابر الباقي. و يقال: غبر يغبر غبوراً و غبراً إذا بقي قال الأعشى:
1) سورة 11 هود آية 81.
عض بما أبقى المواسي له من أمه في الزمن الغابر (1)
و قال آخر:
و أبي الذي فتح البلاد بسيفه فأذلها لبني أبان الغابر (2)
و قال الزجاج «مِنَ الْغابِرِينَ» عن النجاة. و منه الغبرة بقية أثر البياض بعد الامتزاج بغيره من الألوان. و قال الرماني: هذا استثناء متصل، لأنه يجوز أن يدخل الزوجة في الأهل على التغليب في الجملة دون التفصيل كما قال «يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ» (3)و من أجل التغليب قال «مِنَ الْغابِرِينَ» و لم يقل من الغابرات. و يقوي في نفسي أنه استثناء منقطع، لأن الزوجة لا تدخل تحت قولنا: الأهل حقيقة، و قد بينا ذلك في سورة البقرة مستوفاً.
و قوله «وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً» و أمطرها اللَّه إمطاراً. و قيل: أمطر عليهم حجارة من سجيل، و هذا اخبار من اللَّه تعالى عما أنزله اللَّه بقوم لوط من العذاب.
و قوله «فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ» أمر للنبي (ص) و المراد به جميع المكلفين بأن يتفكروا في ذلك و يعلموا كيف كان عاقبة المجرمين، يعني الى ما صار اليه عاقبة هؤلاء العاصين. و (كيف) سؤال عن حال إلا أنها تقع في التسوية، لأن فيها ادعاء. و إذا قال القائل: كيف هو، معناه قد علمت ما يطلبه الطالب كيف هو من حاله. و العاقبة آخر ما تؤدي اليه التأدية، و أصله كون الشيء في أثر الشيء و منه العقاب، لأنه يستحق عقيب الذنب، و منه العقاب لأنه يعقب على صيده لشدته، و العَقِب، لأنه عقب به بشدة شيئاً بعد شيء. و الاجرام اقتراف السيئة، أجرم إجراماً إذا أذنب و الجرم
الذنب و أصله القطع فالمجرم منقطع عن الحسنة الى السيئة، و فائدة الآية الاخبار عن سوء عاقبة المجرمين بما أنزل عليهم عاجلًا من عذاب الاستئصال قبل عذاب الآخرة بالنيران.
وَ إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85)
آية بلا خلاف.
هذه الآية عطف على ما تقدم و التقدير فيها فأرسلنا «الى مدين» و هي قبيلة، قال أبو إسحاق: أصله (مديان) و هو مديان بن ابراهيم و هؤلاء ولده. و (مدين) لا ينصرف، لأنه معرب في حال تعريفه. و العلة المانعة من الصرف هي العجمة و التعريف و قال الزجاج: لأنه اسم قبيلة و هو معرفة و جائز أن يكون أعجمياً.
و قوله «أَخاهُمْ شُعَيْباً» نسب اليهم بالاخوة في النسب دون غيره. و قال لهم «قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ» يعني أتتكم حجة من اللَّه تعالى و معجزة دالة على صدق قولي، و أخبر انه أمرهم بأن يوفوا الكيل و الميزان. و الإيفاء إتمام الشيء الى حِّد الحق فيه، و منه إيفاء العهد و هو إتمامه بالعمل به.
و الكيل تقدير الشيء بالمكيال حتى يظهر مقداره منه. و الوزن تقدير الشيء بالميزان، و المساحة تقدير الشيء بالذراع أو ما زاد عليه أو نقص. «وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ» نهي من شعيب إياهم عن بخس الحقوق و تنقيصها في الكيل و الميزان و غيرهما، و البخس النقص عن الحد الذي يوجبه الحق تقول: بخس يبخس بخساً فهو باخس. و البخص بالصاد فقأ العين. و قال
قتادة و السدي: البخس الظلم، و منه المثل (تحسبها حمقاء و هي باخسة).
و قوله «وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها» يعني بعد أن أصلحها اللَّه بالأمر و النهي و بعثة الأنبياء و تعريف الخلق مصالحهم. و الإفساد إخراج الشيء الى حد لا ينتفع به بدلًا عن حال ينتفع بها، و ضده الإصلاح، و المعنى لا تخرجوا الى العمل في الأرض بالقبائح بعد أن أصلحها اللَّه بالمحاسن.
و قوله «ذلكم» إشارة لقومه الى ما أمرهم به و نهاهم عنه بأن امتثاله و الانتهاء اليه خير لهم و أعود عليهم إن كانوا مؤمنين مصدقين باللَّه، و انما علق خيريته بالايمان و إن كان هو خيراً على كل حال من حيث أن من لا يكون مؤمناً باللَّه، و عارفاً بنبيه لم يمكنه أن يعلم أن ذلك خير له، و كأنه قال لهم:
كونوا مؤمنين لتعلموا أن ذلك خير لكم. و يحتمل أن يكون المراد لا ينفعكم إيفاء الكيل و الميزان إلا بعد أن تكونوا مؤمنين. قال الفراء: لم يكن لشعيب آية على النبوة. قال الزجاج و غيره: هذا غلط، لأنه قال «قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا» فجاء بالفاء جواباً للجزاء، فكيف يقول «قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ» و لم يكن له آية على النبوة، فان كان مع النبوة آية فقد جاءهم بها لأنه لو ادعى النبوة من غير آية لم يقبل منه. و آيات شعيب و إن لم يذكرها اللَّه في القرآن لا يجب أن يقال: لا آية له، لأن نبينا (ص) لم يذكر اللَّه آياته كلها في القرآن و لا أكثرها و إن كانت له آيات كثيرة، و لم يوجب ذلك نفيها.
وَ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَ اذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86)
آية بلا خلاف.
قيل في معنى قوله «و لا تقعدوا» بكل صراط توعدون قولان:
أحدهما- قال ابن عباس و الحسن و قتادة و مجاهد: إنهم كانوا يقعدون على طريق من قصد شعيباً للايمان به فيخوفونه بالقتل. و قال أبو هريرة: إنما نهاهم عن قطع الطريق.
و قوله «بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ» يجوز فيه تعاقب حروف الاضافة بأن يقول: على كل صراط، و في كل صراط، لأن معاني هذه الحروف اجتمعت فيه- هاهنا- كما تقول: قعد له بكل مكان، و على كل مكان، و في كل مكان، لأن الباء للإلصاق و هو قد لاصق المكان، و (على) للاستعلاء و هو قد علا المكان، و (في) للمحل و هو قد حلَّ المكان. و يقال: قعد عن الأمر بمعنى ترك العمل به كائناً ما كان، و قام به إذا عمل به كالقعود عن الواجب و نحوه. و معنى الإيعاد الاخبار بالعذاب على صفة من الصفات، و هو الوعيد و التهديد، فإذا ذكر المتعلق من الخير أو الشر قلت: وعدته كذا، كما قال تعالى «النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا» (1)و إذا لم يذكر قيل في الخير وعدته، و في الشر أوعدته. و تقول: وعدته خيراً بلا باء و أوعدته بالشر بإثبات الباء.
و قوله «وَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» فالصد هو الصرف عن الفعل بالإغواء فيه، كما يصد الشيطان عن ذكر اللَّه و عن الصلاة. تقول: صده عن الأمر يصده صداً، و هو كالمنع.
و قوله «مَنْ آمَنَ بِهِ» (من) في موضع نصب، لأنه مفعول به، و تقديره و تصدون المؤمنين باللَّه عن اتباع دينه، و هو سبيل اللَّه.
و قوله «وَ تَبْغُونَها عِوَجاً» فالهاء راجعة الى السبيل، و معنى «تبغون» تطلبون، و البغية الطلبة: بغاه يبغيه بغية. و المعنى- هاهنا- و تبغون السبيل عوجاً عن الحق، و هو أن يقولوا: هذا كذب و باطل و ما أشبه ذلك، و هو قول قتادة. و العوج- بكسر العين- في الدين و كل ما لا يرى- و بفتح العين- في العود و كل ما يرى كالحائط و غيره.
1) سورة 22 الحج آية 72.
و قوله «وَ اذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ» قال الزجاج: يحتمل أشياء:
أحدها- اذكروا نعمة اللَّه عليكم إذ كثر عددكم.
و ثانيها- أنه كثركم بالغنى بعد الفقر.
و ثالثها- كثركم بالقدرة بعد الضعف، و وجهه أنهم كانوا فقراء و ضعفاء، فهم بمنزلة القليل في قلة الغناء.
و قوله «وَ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ» معناه فكروا فيما مضى من إهلاك من تقدم بأنواع العذاب و انزال العقوبات بهم و استئصال شأفتهم و ما فعل اللَّه بالمفسدين، و كيف كان عاقبتهم في ذلك و ما حلَّ بهم من البوار.
وَ إِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَ طائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (87)
آية بلا خلاف.
الطائفة الجماعة من الناس، و هو من الطوف صفة غالبة أقيمت مقام الموصوف مأخوذة من أنها تجتمع على الطواف، و قد يكون جماعة الكتب و الدور و نحو ذلك.
و قوله «وَ طائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا» إنما جاز أن يخبر عمن لم يؤمن بأنهم طائفة و إن كانوا هم الأكثر لتقابل قوله «طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا» و لأن من حق الضد أن يأتي على حد ضده، كما تقول: ضربت زيداً و ما ضربت زيداً، و إنما ذكر طائفة، لأنه راجع الى الرجال، و ان كان اللفظ مؤنثاً فغلب فيه المعنى في هذا الموضع ليدل على معنى التذكير، و المعنى إن شعيباً قال لقومه:
و إن انقسمتم قسمين، ففرقة آمنت و فرقة كفرت، فاصبروا حتى يحكم اللَّه بيننا، على وجه التهديد لهم و الإنكار الى من خالف منهم، و الصبر حبس النفس عما تنازع اليه من الجزع و أصله الحبس، و منه
قوله (ع): (اقتلوا
القاتل و اصبروا الصابر)
و منه قيل للسيء: صبر، لأنه يحبس النفس عن لفظه ليداويه. و الحكم المنع من الخروج عن الحق بدعاء الحكمة اليه من جهة معروفة أو حجة، و أصله المنع قال الشاعر:
أبني حنيفة احكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا (1)
و قوله «وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ» لأنه لا يجوز عليه الجور، و لا المحاباة في الحكم، و إنما علق جواب الجزاء بالصبر، و هو لازم على كل حال، لأن المعنى فسيقع جزاء كل فريق بما يستحقه من ثواب أو عقاب، كأنه قال:
فأنتم مصبورون على حكم اللَّه بذلك. قال البلخي: أمرهم في هذه الآية بالكف عما كانوا يفعلون من الصد عن الدين و التوعد عليه، و الكف عن ذلك خير و رشد، و لم يأمرهم بالمقام على كفرهم و الصبر. و في ذلك دلالة على أنه ليس كل أفعال الكافرين كفراً و معصية، كما يذهب اليه بعض أهل النظر.
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَ وَ لَوْ كُنَّا كارِهِينَ (88)
آية بلا خلاف.
أخبر اللَّه تعالى في هذه الآية عن الملأ، و هم الجماعة الأشراف و الرؤساء من قوم شعيب الذين استكبروا، و معناه امتنعوا من اتباع الحق أنفة عن الداعي اليه أن يتبعوه فيه، و تكبروا عليه جهلًا منهم بمنزلة الحق و منزلة الداعي اليه، إذ أنهم قالوا لشعيب و أقسموا «لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا» و قيل في معنى (لتعودن) قولان:
أحدهما- على توهمهم أنه كان فيها على دين قومه.
1) مر هذا البيت في 1/ 142 و 2/ 188 و سيأتي في 5/ 512.
الثاني- أن الذين اتبعوا شعيباً قد كانوا فيها. و قال الزجاج: و جائز أن يقال: قد عاد عليَّ من فلان مكروه و إن لم يكن سبقه مكروه قبل ذلك أي لحقني منه مكروه، و وجه هذا أنه قد كان قبل ذلك في قصده لي كأنه قد أتى مرة بعد مرة. و قال الشاعر:
لئن كانت الأيام أحسن مرة الي فقد عادت لهن ذنوب (1)
و العود هو الرجوع، و هو مصير الشيء الى الحال التي كان عليها قبل، و منه إعادة الخلق، و قوله تعالى «وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ» (2)و تستعمل لفظة الاعادة في الفعل مرة ثانية حقيقة، و في فعل مثله مجازاً، و كلاهما يسمى اعادة، لكن لما كان مثله كأنه هو في أنه يقوم مقامه جرت عليه الصفة كقولك: أعدت الكتابة و القراءة و معناه فعلت مثله.
و قوله «أَ وَ لَوْ كُنَّا كارِهِينَ» حكاية لما قال شعيب لأمته من أنه لا يعود في ملتهم إلا أن يكون على وجه الإكراه منهم لذلك و أنهم يريدون أن يردوا المؤمنين الى مثل ما هم عليه من المعاصي مع كراهتهم لذلك و يقينهم لبطلانه، فبين بهذا أنا مع كراهتنا لذلك مع ما عرفناه من بطلانه لا نرجع، و تقديره أ تعيدوننا في ملتكم و إن كرهناها؟! فأدخل ألف الاستفهام على (لو).
قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (89)
آية بلا خلاف.
في هذه الآية اخبار من اللَّه عما قال شعيب لقومه من أنه قد افترى هو
و من آمن به على اللَّه كذباً إن عاد في ملتهم بأن يحللوا ما يحللونه و يحرموا ما يحرمونه و ينسبونه الى اللَّه بعد إذ نجاهم اللَّه منها.
و الافتراء الكذب، و منه الافتعال، و الاختلاق و هو القطع بخبر مخبره لا على ما هو به، مشتقاً من فري الأديم تقول فريت الأديم أفريه فرياً.
و الملة الديانة التي تجتمع على العمل بها فرقة عظيمة. و الأصل فيه تكرر الامر من قولهم طريق مليل إذا تكرر سلوكه حتى توطأ، و منه الملل و هو تكرر الشيء على النفس حتى تضجر. و الملة الرماد الحار يدفن فيه الخبز حتى ينضج لتكرر الحمي عليها، و منه المليلة من الحمى. و الملة لتكرر العمل فيها على ما تأتي به الشريعة.
و قوله «بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها» باقامة الدليل و الحجج على بطلانها، و علمنا بذلك و انتهائنا عنها. و قوله «رَبَّنَا افْتَحْ» قال ابن عباس: ما كنت أدري معنى قوله «ربنا افتح» حتى سمعت بنت سيف بن ذي يزن تقول: تعال حتى أفاتحكم يعني أقاضيك.
و قوله «وَ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا» إخبار عن قول شعيب لهم أنه ليس له أن يعود في ملتهم، و يرجع فيها إلا بعد مشيئة اللَّه ذلك. و قيل في معنى هذه المشيئة مع حصول العلم بأنه لا يشاء تعالى عبادة الأصنام و الأوثان ثلاثة أقوال:
أحدها- أن في ملتهم أشياء كان يجوز أن يتعبد اللَّه بها، فلو شاءها منهم لوجب عليهم الرجوع فيها.
الثاني- أنه إذا فعل ما شاء اللَّه كان ذلك طاعة للَّه تعالى.
الثالث- أنه علق ما لا يكون بما علم أنه لا يكون على وجه التبعيد كما قال الشاعر:
إذا شاب الغراب أتيت أهلي و صار القار كاللبن الحليب (1)
1) مر في 4/ 430.
و كما قال تعالى «حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ» (1)وجه ذلك- هاهنا- أنه كما لا يشاء اللَّه عبادة الأصنام و القبائح- لأن ذلك لا يليق بحكمته- فكذلك لا أعود في ملتكم. و قال قوم: فيه وجه رابع، و هو أن الهاء في قوله «فيها» راجعة الى القرية، و كأنه قال: و ما يكون لنا أن نعود في قريتكم غانمين لكم ظاهرين عليكم بعد إذ نجانا اللَّه منها بخروجنا منها سالمين إلا أن يشاء اللَّه أن ينصرنا عليكم و يشاء منا الرجوع فيها.
و قوله «وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً» نصب (علماً) على التمييز.
و قيل في وجه اتصال ذلك بما قبله قولان:
أحدهما- أن الملة إنما يتعبد بها على حسب ما في معلومه من مصلحة العباد بها، فهو تعالى لا يخفي عليه ذلك.
و الثاني- أنه عالم بما يكون منا من عود أو ترك دوننا.
ثم حكى عن شعيب أنه قال لهم «عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ» سؤال من شعيب و رغبة منه اليه تعالى أن يحكم بينه و بين قومه بالحق، و الفتح القضاء. و معنى افتح اقض- في قول ابن عباس و الحسن و قتادة و السدي- و الحاكم الفاتح و الفتاح، و فاتحته في كذا قاضيته. و إنما قيل ذلك، لأنه يفتح باب العلم الذي انغلق على غيره.
و قوله «بالحق» فيه وجهان:
أحدهما- سؤال اللَّه ما يجوز عليه، كما قال في موضع آخر «رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ» (2).
و الآخر- ما ينكشف به لمخالفينا أنَّا على الحق من انزال العذاب عليهم، و قال الفراء: اهل عمان يسمون الحاكم الفتاح، قال الشاعر:
ألا أبلغ بني عصم رسولا فأني عن فتاحتكم غنيُّ (1)
أي قضائكم و حكمكم، و قال الجبائي: معنى «افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا» انزل بهم ما يستحقون من العقوبة لكفرهم باللَّه و ظلمهم المؤمنين.
و في الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة، لأنه قال «وَ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» فعلم أن لهم الرجوع فيها إذا شاء اللَّه، فإذا لم يشأ لم يكن ذلك، فيجب على هذا إن كان اللَّه يريد الكفر أن يكون للكافر الرجوع في الكفر، و هذا لا يقوله أحد، فبطل ما قالوه. على أن الظاهر من معنى الملة هو ما يعلم بالشرع، و ذلك يجوز أن ينسخه اللَّه فيريد منهم الرجوع فيه، و ليس لأحد أن يقول إن قوله «بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها» لا يليق بما قلتم و انما يليق بما قالوه، و ذلك أن قوله «بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها» معناه على هذا القول أزاله عنا و نسخه عنا، فان شاء أن يعيدنا ثانياً جاز لنا الرجوع فيها.
وَ قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (90)
آية بلا خلاف.
في هذه الآية حكاية ما قالت الجماعة الكافرة الجاحدة بآيات اللَّه و لنبوة شعيب للباقين منهم و أقسموا عليهم «لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً» و انقدتم له و رجعتم الى أمره و نهيه لأن الاتباع هو طلب الثاني موافقة الأول فيما دعا اليه تقول:
اتَّبعه اتباعاً و تبعه تبعاً، و هو متبع و تابع «إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ» و قوله «إنكم» جواب القسم و اللام في (لخاسرون) لام التأكيد في خبر (إن) و (الخسران) ذهاب رأس المال، فكأنهم قالوا: لئن تبعتموه كنتم بمنزلة من ذهب رأس ماله أو أعظم من ماله، لأنكم لا تنتفعون باتباعه فتخسرون في اشتغالكم بما لا تنتفعون به و بانقضاء عمركم إذ لم تكسبوا فيه نفعاً
1) تفسير الطبري 12/ 564 و قد مر في 1/ 315، 345.
لأنفسكم. و قيل: معناه لهالكون، و قيل: لمفتونون.
و (إذا) من عوامل الأفعال، و انما دخلت- هاهنا- على الاسم، لأنها ملغاة، و إذا ألغيت من العمل صلح ذلك فيها، لأنها حينئذ تجري مجرى الف الاستفهام في أنها لا تختص، لأنها لا تعمل.
و قوله «إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ» جواب القسم و قد سد مسد جواب الشرط من قوله «لئن» و لا يجوز قياساً على ذلك إن أتاك زيد إنه لكريم، لأن جواب الشرط انما هو بالفعل أو الفاء لترتب الثاني بعد الأول بلا فصل.
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (91)
آية واحدة بلا خلاف.
قد مضى تفسير مثل هذه الآية فلا معنى لإعادته (1). و الفاء في فأخذتهم عطف على قوله «قالَ الْمَلَأُ» و فيها معنى الجواب كأنه قيل: كان جواب ما ارتكبوا من عظيم الفساد أخذ الرجفة لهم بالعذاب و أخذ الرجفة إلحاقها بهم مدمرة عليهم، و لا يقال أخذتهم الرحمة، لأن العذاب لما كان يذهب بهم اهلاكاً، صلح فيه الأخذ و لا يصلح في النعيم.
و الرجفة الزلزلة، و هي حركة تزلزل الاقدام و توجب الهلاك لشدتها.
و الإصباح الدخول في الصباح، و الإمساء الدخول في المساء و يستعمل على وجهين: أحدهما- ما يحتاج الى خبر. و الآخر- مكتف بالاسم بمنزلة (سواء) و الجثوم البروك على الركبة، جثم يجثم جثوماً، و قد جثم هذا الأمر على قلبي أي ثقل عليه لثبوته على تلك الحال.
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (92)
1) في تفسير آية 77 من هذه السورة.
آية بلا خلاف.
«الذين» الأولى في موضع رفع بأنه مبتدأ و خبره «كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا».
و هذه الآية إخبار من اللَّه تعالى عن حال هؤلاء الكفار الذين كذبوا شعيباً. و شبههم بمن لم يغن فيها، و معنى «لم يغنوا» لم يقيموا اقامة مستغن بها عن غيرها، و الغاني النازل، و المغاني المنازل، و غنى بالمكان إذا أقام به يغني غناء و غنياً، و قال النابغة:
غنيت بذلك إذ هم لك جيرة منها بعطف رسالة و تودد (1)
و قال آخر:
و لقد تغنى بها جيرانك المم سكوا منك بعهد الوصال (2)
و قال رؤبة:
و عهد مغني رمته بضلفعا (3)
و قال حاتم طي:
غنينا زماناً بالتصعلك فكلا سقاناه بكأسيهما الدهر
فما زادنا بغياً على ذي قرابة غنانا و لا أزرى بأحسابنا الفقر (4)
و وجه التشبيه في قوله «كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا» أن حال المكذبين يشبه حال من لم يكن قط في تلك الديار، لما أخذتهم الرجفة بالإهلاك، و هذا مما يتحسر عليه الناس أعظم الحسرة كما قال الشاعر:
كأن لم يكن بين الحجون الى الصفا أنيس و لم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا صروف الليالي و الجدود العواثر (1)
و إنما أعيد ذكر (الذين) دفعة ثانية من غير كناية لتغليظ الأمر في تكذيبهم شعيباً مع بيان أنهم الذين حصلوا على الخسران، لا من نسبوه الى ذلك من أهل الايمان.
و (هم) في قوله «هُمُ الْخاسِرُونَ» فصل، و يسميه الكوفيون عماداً، و إنما دخل الفصل مع أن المضمر لا يوصف، لأنه يحتاج فيه الى التوكيد ليتمكن معناه في النفس، و ان الذي بعده من المعرفة لا يخرجه ذلك من معنى الخبر، و إن كان الأصل في الخبر النكرة.
و هذه الآية جواب لقولهم «لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ» فبين اللَّه في هذه الآية أن الخاسرين هم الذين كذبوه لا الذين اتبعوه.
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَ قالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (93)
آية بلا خلاف.
هذا إخبار من اللَّه تعالى عما فعل شعيب (ع) مع قومه لما أبلغهم رسالات ربه تعالى، فلما لم يقبلوها و أقاموا على تكذيبه و جحد ما أتى به، أنه تولى عنهم و معناه أعرض عنهم إعراض آيس منهم، فنزل بهم العذاب «فَتَوَلَّى عَنْهُمْ» لأنه كان مقبلًا عليهم بالوعظ و الدعاء الى الحق، فلما تمادوا في غيهم و أخذهم اللَّه ببأسه تولى عنهم، و انما قال لمن هلك «لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي» لأن معناه إن ما نزل بكم من البلاء و ان كان عظيماً، فهو حق، لأنه بجنايتكم على أنفسكم، فلا ينبغي أن يحزن عليهم للأمور التي ذكرناها من شأنهم. قال ابن إسحاق عزَّى نفسه عنهم بعد أن كان حزن عليهم.
1) قيل: إنه لعمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو. و قيل: هو للحارث الجرهمي اللسان (حجن).
و قوله «رِسالاتِ رَبِّي» إنما أتى بلفظ الجمع ليدل على اختلاف معاني الرسالة إذا جمعت، فهي تجري مجرى جمع الأجناس، كقولك تمور، و أما ضربات فإنما يدل على عدد المرات.
و قوله «فَكَيْفَ آسى أحزن- في قول ابن عباس و الحسن و السدي- و الأسى شدة الحزن يقال أسى يأسى أسىً قال الشاعر:
و انحلبت عيناه من فرط الأسى (1)
و قال امرؤ القيس:
وقوفاً بها صحبي على مطيهم يقولون لا تهلك أسىً و تجمل (2)
قفا نبك من ذكرى حبيب و منزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل
و قوله فكيف «آسى» لفظه لفظ الاستفهام و المراد به النفي، و انما كان كذلك: لأن جوابه في هذا الموضع لا يصح إلا بالنفي، كما يدخله معنى الإنكار لهذه العلة. قال العجاج:
أ طرباً و أنت قنسريُّ (3)
أي لا يكون ذلك مع كبر السنِّ، و هذا تسلّ من شعيب (ع) بما يذكر من حاله معهم في مناصحته لهم و تأدية رسالة ربه اليهم، و أنه لا ينبغي أن يأسى عليهم مع تمردهم في كفرهم و شدة طغيانهم، و انه لا حيلة في فلاحهم، قال البلخي: و في ذلك دلالة على انه لا يجوز للمسلم ان يدعو للكافر بالخير كما يقول: لعن اللَّه فلانا و أخزاه ثم يقول هداه اللَّه و أرشده و رحمه. و قال ابو عبد اللَّه البجلي: أبو جاد، و هواز، و حطي، و كلمون، و صعفص، و قرشت: أسماء ملوك مدين، و كان ملكهم يوم الظلة في زمان شعيب (كلمون) فقالت أخت كلمن تبكيه:
كلمون هَّد ركني هلكه وسط المحلة
سيد القوم أتاه الحتف نارا وسط ظله
جعلت نارا عليهم دارهم كالمضمحلة (1)
وَ ما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94)
آية بلا خلاف.
أخبر اللَّه تعالى في هذه الآية أنه لم يرسل رسولا الى اهل قرية الا و أخذ أهلها بالبأساء و الضراء تغليظا في المحنة و تشديدا للتكليف ليلين قلوبهم، و لكي يتضرعوا الى ربهم في كشف ما نزل بهم في ذلك، و انما يفعل بهم ذلك لعلمه بما لهم فيه من الصلاح لكي يتضرعوا. و القرية أصلها الجمع من قولهم: قريت الماء أقريه قريا إذا جمعته، فالقرية مجتمع الناس في المنازل المتجاورة مما هو دون المدينة، و كذلك تسمى المدينة أيضا قرية. و النبي هو الذي يؤدي عن اللَّه تعالى بلا واسطة من البشر، و قيل: هو من كان ينبئ بالوحي عن اللَّه تعالى مما أنزله عليه.
و قيل: في معنى «البأساء و الضراء» ثلاثة أقوال:
أحدها- ان البأساء ما نالهم من الشدة في أنفسهم، و الضراء ما نالهم في أموالهم.
و الثاني- ما قال الحسن: ان البأساء الجوع، و الضراء الآلام من الأمراض و الشدائد التي تصيبهم.
الثالث- قال السدي: ان البأساء الجوع و الضراء الفقر.
و قيل في معنى «لعلهم» قولان:
أحدهما- انما عاملناهم معاملة الشاك في إيراد أسباب التضرع مظاهرة
1) تفسير الطبري 12/ 568
عليهم في الحجة.
الثاني- ان يكون (لعل) بمعنى اللام و تقديره ليضرعوا. و اصل «يضرَّعون» يتضرعون فأدغمت التاء في الضاد و لا يدغم الضاد في التاء، لان في التاء استطالة، و انما يدغم الناقص في الزائد، و لا يدغم الزائد في الناقص لما في ذلك من الإخلال.
ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَ قالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَ السَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (95)
آية بلا خلاف.
أخبر اللَّه تعالى في هذه الآية انه بدل مكان السيئة الحسنة «و قالوا قد مسَّ آباءنا الضراء و السراء» و معناه انه تعالى بعد ان يفعل بهم البأساء و الضراء ليتضرعوا يبدل مكان السيئة الحسنة. و التبديل وضع أحد الشيئين مكان الآخر، فلما رفعت السيئة عنهم و وضعت الحسنة كانت مبدلة بها.
و قال ابن عباس و الحسن و قتادة و مجاهد: المراد بالسيئة و الحسنة- هاهنا- الشدة و الرخاء و هو ما يسؤ صاحبه او يحسن اثره عليه. و قال ابو علي:
جرى في هذا الموضع على سبيل المثل.
و قوله «حَتَّى عَفَوْا» قال ابن عباس و مجاهد و السدي و ابن زيد:
معناه حتى كثروا. و قال الحسن حتى سمنوا، و أصله الترك من قوله «فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ» (1)أي ترك له، و عفوا تركوا حتى كثروا، قال الشاعر:
و لكنا نعض السيف منها بأسوق عافيات الشحم كوم (2)
و قوله «وَ قالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَ السَّرَّاءُ» معناه ان الكفار قال
بعضهم لبعض: ان هكذا عادة الدهر، فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم فلم ينفكوا عن تلك الحال فينتقلوا.
و قوله «فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ» اخبار من اللَّه تعالى انه أخذ من ذكره ممن لم يقبل مواعظ اللَّه و خرج عن طاعته الى عداوته «بغتة» يعني فجاءة و هي الأخذ على غرة من غير تقدمة تؤذن بالنازلة تقول: بغتة يبغته بغتة كما قال الشاعر:
و أفظع شيء حين يفجؤك البغت (1)
و معنى الآية انه تعالى يدبر خلقه الذين يعملون بمعاصيه أن يأخذهم تارة بالشدة و اخرى بالرخاء، فإذا فسدوا على الامرين جميعا أخذهم بغتة ليكون ذلك أعظم في الحسرة، و ابلغ في باب العقوبة. و معنى قوله «وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ» أي لم يشعروا بنزول العذاب الا بعد حلوله.
وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (96)
آية بلا خلاف.
قرأ ابن عامر «لفتحنا» بتشديد التاء. الباقون بتخفيفها.
من شدد ذهب الى التكثير، و من خفف، فلانه يحتمل القلة و الكثرة.
و معنى (لو) امتناع الشيء لامتناع غيره، و (لو لا) معناه امتناع الشيء لوجود غيره. و قال الرماني: معنى (لو) تعليل الثاني بالأول الذي يجب بوجوبه، و ينتفي بانتفائه على طريقة ان كان، و (ان) فيها هذا المعنى على طريقة يكون. و الفرق بين (لو) و (ان) أن (ان) تعلق الثاني بالأول الذي يمكن أن يكون و يمكن أن لا يكون كقولك ان آمن هذا الكافر استحق الثواب،
1) مر تخريجه في 4/ 115.
و هذا مقدور و ليس كذلك (لو) لأنها قد تدخل على ما لا يمكن ان يكون كقولك: لو كان الجسم قديما لاستغنى عن صانع. و فتحت (أن) بعد (لو) لأنها مبنية على شبه التعليل اللفظي لاختصاصه بالفعل الماضي، فكأنه قيل لو كان أن اهل القرى آمنوا، و صارت (لو) خلفا منه. و اما (لو لا انه خارج لاتيته) فتشبه (لو) من جهة تعليق الثاني بالأول فأجريت مجراها.
يقول اللَّه تعالى «لو ان اهل» هذه «القرى» التي أهلكناها: من قوم لوط و صالح، و شعيب و غيرهم أقروا بوحدانيتي و صدقوا رسلي «لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ» و هي الخيرات النامية، و أصله الثبوت فنموُّ الخير يكون كناية عن ثبوته بدوامه، فبركات السماء بالقطر، و بركات الأرض بالنبات و الثمار، كما وعد نوح بذلك أمته، فقال «يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ... (1)» الآيات. و قيل بركات السماء اجابة الدعاء، و بركات الأرض تيسير الحوائج «وَ لكِنْ كَذَّبُوا» يعني كذبوا برسلي فأخذناهم بما كانوا يكسبون من المعاصي و مخالفتي.
و الكسب العمل الذي يجتلب به نفع او يدفع به ضرر عن النفس، و قد يكسب الطاعة و يكسب المعصية إذا اجتلب النفع من وجه يقبح.
قال البلخي: و في الآية دلالة على أن المقتول ظلما لو لم يقتل لم تجب إماتته، لأنه تعالى قال «لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ» و هذا انما يقوله لقوم أهلكهم و دمر عليهم، و قد كان عالما بما ينزل بهم من الهلاك، فأخبر أنهم لو آمنوا لم يفعل بهم ذلك، و لعاشوا حتى ينزل عليهم بركات من السماء فيتمتعوا بذلك.
أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَ هُمْ نائِمُونَ (97) أَ وَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَ هُمْ يَلْعَبُونَ (98)
1) سورة 11 هود آية 52 و سورة 71 نوح آية 11 و في سورة 6 الانعام آية 6 «وَ أَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً ....».
آيتان.
قرأ أهل المدينة و ابن عامر (او) بسكون الواو الا ان ورشا على أصله في إلقاء حركة الهمزة على الساكن فتصير قراءته مثل قراءة الباقين.
الالف في قوله «أَ فَأَمِنَ أَهْلُ» ألف الإنكار، أنكر عليهم ان يأمنوا، و انما دخل حرف الاستفهام معنى الإنكار لظهور المعنى فيه، و ان الجواب عنه لا يكون الا بالنفي. و الفاء في قوله «أ فأمن» فاء العطف دخل عليها حرف الاستفهام، و انما جاز ذلك مع منافات العطف للاستئناف، لأنهما انما يتنافيان في المفرد، لان الثاني إذا عمل فيه الاول كان من الكلام الاول، و الاستئناف قد أخرجه عن ان يكون منه. و اما في عطف جملة على جملة فيصح، لأنه على استئناف جملة بعد جملة.
و (الامن) سكون النفس الى الحال المنافية لانزعاجها. و الامن و الثقة و الطمئنية نظائر في اللغة، و ضدُّ الامن الخوف، و ضد الثقة الريبة، و ضد الطمأنينة الانزعاج. و الامن الثقة بالسلامة من الخوف. و البأس العذاب، و البؤس الفقر و الأصل الشدة، و رجل بئس شديد في القتال، و منه قولهم:
بئس الرجل زيد، معناه شديد الفساد. و النوم نقيض اليقظة. و النوم سهو يغمر القلب و يغشي العين و يضعف الحس و ينافي العلم. نام الرجل ينام نوما و هو حسن النيمة إذا كان حسن هيئة النوم، و رجل نومة- بسكون الواو- إذا كان خسيسا لا يؤبه به- ذكره الزجاج- و رجل نومة- بفتح الواو- كثير النوم، و النيم: فرو النوم، لأنه يغشي كما يغشي النوم أو لأنه من شأنه أن ينام فيه.
و معنى الآية الابانة عما يجب ان يكون عليه العبد من الحذر لبأس اللَّه و سطوته، بالمسارعة الى طاعته و اتباع مرضاته. و المعني بقوله «اهل القرى»
هم اهل القرى الظالم أهلها، و المقيمون على معاصي اللَّه في كل وقت و كل أوان، و ان نزلت بسبب اهل القرى الظالم أهلها المشركين في زمن النبي (ص).
و قوله «أَ وَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرى انما قال- هاهنا- بالواو، و في الآية الاولى بالفاء، لان الفاء تدل على ان الثاني ادى اليه الاول، كأنه قيل:
أ فأمنوا أن يأتيهم بأس اللَّه من أجل ما هم عليه من تضييع امر اللَّه، لأنه يشبه الجواب، و ليس كذلك الواو بل هي لمجرد العطف، و انما دخلت ألف الاستفهام عليها للإنكار على ما بيناه، و الواو مفتوحة في «أو أمن» لأنها واو العطف دخل عليها حرف الاستفهام، و انما فتحت لأنها أخف الحركات، و لمثل ذلك فتحت ألف الاستفهام و كسرت باء الاضافة و لا مها، لأنهما حرفان لازمان لعمل الجِّر. و من قرأ هذه القراءة قال لأنها أشبه بما قبلها و ما بعدها، لأنه قال قبلها «أ فأمن» و قال بعدها «أو لم يهد» و من سكن الواو أراد الاضراب عن الاول من غير ان يبطل الاول، لكن كقوله «الم. تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ» (1)فجاء هذا على معنى أمنوا هذه الضروب من معاقبتهم و الأخذ لهم. و ان شئت جعلته مثل (أو) التي في قولك ضربت زيدا او عمرا، كأنك أردت أ فأمنوا احدى هذه العقوبات، و (أو) حرف يستعمل على ضربين:
أحدهما- بمعنى احد الشيئين، كقولك: جاءني زيد أو عمرو، كما تقول: جاءني أحدهما، و من ذلك قولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين، لأنه مخير في مجالسة أيهما شاء.
و الثاني- ان يكون بمعنى الاضراب بعد الخبر كقولك: انا أخرج ثم تقول: أو أقيم، فتضرب عن الخروج و تثبت الاقامة، كأنك قلت: لا بل أقيم. و من ثم قال سيبويه في قوله «وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً» (2)لو قلت و لا تطع كفورا انقلب المعنى، و انما كان ينقلب المعنى لأنه لو كان
للاضراب لجاز ان يطيع الآثم، و ذلك خلاف المراد، لان الغرض لا تطع هذا الضرب، و لا تطع هؤلاء.
و (الضحى) صدر النهار في وقت انبساط الشمس و أصله الظهور من قولهم: ضحا الشمس يضحو ضحوا إذا ظهر، و فعل ذلك الامر ضاحية إذا فعله ظاهراً و الا ضحية من هذا، لأنها تذبح عند الضحى يوم العيد، قال رؤبة:
هابي العشي ديسق ضحاؤه (1)
و قال آخر:
عليه من نسج الضحى شفوف (2)
فشبه السراب بالسور البيض. (و اللعب) هو العمل للذة لا يراعى فيه الحكمة كعمل الصبي، لأنه لا يعرف الحكيم و لا الحكمة، و انما يعمل للذة، و أصله الذهاب على غير استقامة، كلعاب الصبي إذا سال على فيه، و انما خصَّ وقت الضحى بهذا الذكر، لأنهم بمنزلة لا يجوز لهم ان يأمنوا ليلا و لا نهارا- في قول الحسن- و لأنه ابتداء الدخول في الاستمتاع. و معنى الآية البيان عن وجوب الأخذ بالجرم في كل ما لا يؤمن معه هلاك النفس، لانكار اللَّه عليهم ان يكونوا على حال الامن و قد ضيعوا الواجب من الامر.
أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (99)
آية بلا خلاف.
انما دخلت الفاء في «أ فأمنوا» بعد الواو في «أ و أمن» لان فيها معنى (بعد) كأنه قيل ابعد هذا كله أمنوا مكر اللَّه. ثم صار الفاء في «فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ» كأنها جواب لمن قال قد أمنوا، و المكر أخذ العبد بالضِّر من حيث
لا يشعر الا أنه قد كثر استعماله في الحيلة عليه، قال الخليل: المكر الاحتيال بإظهار خلاف الإضمار، و انما جاز اضافة المكر الى اللَّه لما في ذلك من المبالغة من جهة انه قد صار العذاب كالمكر على الحقيقة، لأنه أخذ للعبد بالضِّر من حيث لا يشعر، و اصل المكر الالتفاف، فمنه ساق ممكورة أي ملتفة حسنة قال ذو الرمة:
عجزاء ممكورة خمصانة قلق عنها الوشاح و ثم الجسم و العصب (1)
و المكور شجر ملتف قال الراجز:
يستن في علقي و في مكور (2)
و رجل ممكور قصير ملتف الخلقة ذكره الخليل في هذا الباب تقول:
مكر يمكر مكرا إذا التف تدبيره على مكروه لصاحبه.
و قوله «فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» انما ارتفع ما بعد (الا) لان الرافع مفرغ له فارتفع لأنه فاعل، و كلما فرغ الفعل لما بعد (الا) فهي فيه ملغاة، و كل ما شغل بغيره فهي فيه مسلطة، لان الاسم لا يتصل على ذلك الوجه الا بها. و انما قال «فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» مع ان الأنبياء المعصومين يأمنون ذلك لامرين:
أحدهما- انهم لا يأمنون عقاب اللَّه للعاصين، و لذلك سلموا من مواقعة الذنوب الثاني- «فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ» من المذنبين «إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ».
و معنى الآية الابانة عما يجب أن يكون عليه المكلف من الخوف لعقاب اللَّه، ليسارع الى طاعته و اجتناب معاصيه، و لا يستشعر الامن من ذلك، فيكون قد خسر في دنياه و آخرته بالتهالك في القبائح.
أَ وَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (100)
آية.
قيل في فاعل «يهد» من جهة الاعراب قولان:
أحدهما- انه مضمر كأنه قيل: أو لم يهد اللَّه لهم، و قوِّي ذلك بقراءة من قرأ بالنون على ما ذكره الزجاج.
الثاني- أ و لم يهد لهم مشيؤنا، لان «أن لو نشاء» في موضعه و التقدير أو لم يكن هاديا لهم استئصالنا لمن اهلكناه.
و قيل في معنى الهداية- هاهنا- قولان:
أحدهما- قال ابن عباس و مجاهد و السدي و ابن زيد: يهدي لهم يبين لهم.
الثاني- أن الهداية الدلالة المؤدية الى البغية، و المعنى أ وَ لم نبين للذين متعناهم في الأرض بعد إهلاكنا من كان قبلهم فيها. و جعلنا آباءهم المالكين لها بعدهم، انا لو شئنا أصبناهم بعقاب ذنوبهم و أهلكناهم بالعذاب كما أهلكنا الأمم الماضية قبلهم.
و قوله «لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها» فالارث ترك الماضي للباقي ما يصير له بعده، و حقيقة ذلك في الأعيان التي يصح فيها الانتقال، و قد استعمل على وجه المجاز في الاعراض، فقيل: العلماء ورثة الأنبياء لأنهم تعلموا منهم، و قاموا بما أدوه اليهم.
و قوله «أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ» الاصابة إيقاع الشيء بالغرض المنصوب، و ضده الخطأ و هو إيقاع الشيء بخلاف الغرض المطلوب.
و قوله «وَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ» قيل في معنى الطبع- هاهنا- قولان:
أحدهما- الحكم بأن المذموم كالممنوع من الايمان لا يفلح، و هو أبلغ الذم.
الثاني- انه علامة و سمة في القلب من نكتة سوداء ان صاحبه لا يفلح
تعرفه الملائكة.
و حكي عن البكرية في تأويل هذه الآية ان معنى الآية لو نشاء طبعنا على قلوبهم، و أنكر ابو علي ذلك، و قال: هذا غلط لان معنى قوله: اني لو شئت اصبتهم بعقاب ذنوبهم و أهلكتهم كما أهلكت الأمم قبلهم بعقوبة ذنوبهم، فلا يجوز أن يعني اني لو شئت أهلكتهم فلا يتهيأ لهم ان يسمعوا بعد إهلاكهم، لان من المعلوم للعقلاء أجمع ان الموتى لا يسمعون، و لا يقبلون الايمان.
و قوله «وَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ» انما هو استئناف و خبر منه أنه يفعل ذلك، و لم يرد أني لو شئت لطبعت لأنه بين في هذه الآية و غيرها انه مطبع على قلوب الكافرين، كقوله «بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها» يعني على القلوب «بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا» (1)أي الا قليلا منهم، لان اهل الطبع قد يؤمن بعضهم، و هو خلاف قول الحسن، فان تأويله عنده الا ايمانا قليلا. و قال الزجاج: هو على الاستئناف، لأنه لو كان محمولا على أصبنا لكان وجه الكلام و لطبعنا، و هو قول الفراء.
و قوله «فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ» أي لا يقبلون الايمان مع هدايتنا لهم و تخويفنا إياهم. و فائدة الآية الإنكار على الجهال تركهم الاعتبار بمن مضى من الأمم قبلهم، و انه قد طبع على قلوب من لا يفلح منهم عيبا و ذما لهم.
و قال البلخي: شبه اللَّه تعالى الكفر بالصدى الذي يركب المرآة و السيف لأنه يذهب عن القلوب بحلاوة الايمان و نور الإسلام، كما يذهب الصدى بنور السيف، و صفاء المرآة، و لما صاروا عند امر اللَّه لهم بالايمان الى الكفر جاز ان يضيف الطبع الى نفسه، كما قال «فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ» (2)و ان كانت السورة لم تزدهم ذلك.
تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَ لَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (101)
آية بلا خلاف.
اخبر اللَّه تعالى عن اهل القرى التي ذكرها و قص خبرها و أشار ب «تلك» اليها، لأنه خاطب النبي (ص). و قوله «نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها» يعني قصص انباء القرى ما فيه من الاعتبار بما كانوا عليه من الاغترار بطول الامهال مع إسباغ النعم و تظاهر المنن حتى توهموا أنهم على صواب فيما دعاهم اليه الشيطان من قبح الطغيان.
و القصص اتباع الحديث، و يقال فلان يقص الأثر أي يتبعه و منه «قالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ» (1)أي اتبعي اثره، و منه المقص لأنه يتبع في القطع أثر القطع. و (النبأ) هو الخبر الا ان النبأ خبر عن امر عظيم الشأن و أخذ منه اسم نبي، و يقال: أنبأ بكذا بمعنى اخبر به.
و قوله «وَ لَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ» يعني أتتهم رسلهم بالآيات و الدلالات، و انما أضاف الرسل اليهم مع أنهم رسل اللَّه، لان الاختصاص فيها على طريقة الملك إذ المرسل مالك لرسالته، و قد ملك العباد الانتفاع بها و الاهتداء بما فيها من البيان و البرهان.
و قوله «فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ» قيل في معناه قولان:
أحدهما- انه بمنزلة قوله «وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ» في قول مجاهد أي انا لم نهلكهم الا و في معلومنا أنهم لا يؤمنون.
الثاني- ان عتوهم في كفرهم و تمردهم فيه يحملهم على ان لا يتركوه
1) سورة 28 القصص آية 11.
الى الايمان- في قول الحسن و الجبائي- فالآية على هذا مخصوصة بمن علم من حاله انه لا يؤمن. و قال الأخفش «بما كذبوا» معناه بتكذيبهم فجعل (ما) مصدرية. و المعنى لم يكونوا ليؤمنوا بالتكذيب.
و قوله «كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ» وجه التشبيه فيه أن دلالته على انهم لا يؤمنون ذما بأنهم لا يفلحون كالطبع على قلوب الكافرين الذين في مثل صفتهم في المعلوم.
وَ ما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَ إِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (102)
آية بلا خلاف.
معنى قوله «وَ ما وَجَدْنا» أي ما أدركنا، لان الوجدان و الالفاء و الإدراك و المصادفة نظائر. و قوله «لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ» فالعهد العقد الذي تقدم لتوطين النفس على أداء الحق، و إذا أخذ على الإنسان العهد فنقضه، قيل ليس عليه عهد أي كأنه لم يعهد اليه، فلما كان اللَّه تعالى أخذ عليهم العهد بما جعله في عقولهم من وجوب شكر المنعم و القيام بحق المنعم، و طاعة المالك المحسن في اجتناب القبائح الى المحاسن فألقوا ذلك لم يكن لهم عهد و كأنه قال و ما وجدنا لأكثرهم من طاعة لانبيائهم- و قيل العهد ما عهد اليهم مع الأنبياء ان يعبدوه و لا يشركوا به شيئا، و هو قول الحسن و أبي علي. و المعنى في النفي يؤل الى انه لم يكن لأكثرهم عهد فيوجد.
و قوله «من عهد» قيل في دخول (من) هاهنا قولان:
أحدهما- انها للتبعيض لأنه إذا لم يوجد بعض العهد فلم يوجد الجميع لأنه لو وجد جميعه لكان قد وجد بعضه.
الثاني- انها دخلت على ابتداء الجنس الى النهاية. و قوله «وَ إِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ» معنى (ان) هي المخففة جاز الغاؤها من العمل و ان
يليها الفعل، لأنها حينئذ قد صارت حرفا من حروف الابتداء. و اللام في قوله «لفاسقين» لام الابتداء التي تكسر لها (ان) و انما جاز ان يعمل ما قبلها فيما بعدها، لأنها مزحلقة عن موضعها إذ لها صدر الكلام و لكن كره الجمع بينها و بين (ان) فأخرت.
و قال قوم: المعنى و ما وجدنا أكثرهم الا فسقة. فان قيل: كيف قال «أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ» و هم كلهم فاسقون؟
قيل يجوز ان يكون الرجل عدلا في دينه غير متهتك و لا مرتكب لما يعتقد قبحه و تحريمه، فيكون تأويل الآية و ما وجدنا أكثرهم- مع كفره- الا فاسقا في دينه غير لازم لشريعته خائنا للعهد قليل الوفاء، و ان كان ذلك واجب عليه في دينه.
و فيها دلالة على انه يكون في الكفار من يفي بعهده و وعده و بعيد عن الخلف و ان كان كافرا. و كذلك قد يكون منهم المتدين الذي لا يرى ان يأتي ما هو فسق في دينه كالغصب و الظلم، فأخبر تعالى انهم مع كفرهم كانوا لا وفاء لهم و لا يدينون بمذهبهم بل كانوا يفعلون ما هو فسق عندهم، و ذلك يدل على صحة قول من يقول تجوز شهادة أهل الذمة في بعض المواضع.
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103)
آية أخبر اللَّه تعالى في هذه الآية انه بعد إرسال من ذكر قصته من الأنبياء، و كفر قومهم، و انزال عذابه بهم. فالهاء و الميم يجوز ان يكون كناية عن الأنبياء الذين جرى ذكرهم، و يحتمل ان يكون كناية عن الأمم التي- قد تقدم ذكرهم و إهلاكهم- بعث اليهم موسى و أرسله اليهم. و البعث الإرسال و هو في الأصل النقل باعتماد يوجب الاسراع الى الشيء، فمنه قوله «أَنْظِرْنِي
إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ»
(1)أي من القبور، و منه قوله «ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ» (2)أي نقلناكم الى حال الحياة، و كذلك نقلنا موسى عن حاله بالإرسال الى فرعون و ملائه «بآياتنا» يعني بحججنا و براهيننا. و قوله «فَظَلَمُوا بِها» معناه ظلموا أنفسهم بجحدها، لان الظلم بالشيء على وجوه: منها السبب و الآلة و الجهة، نحو ظلم بالسيف الذي قتل به الناس، و ظلم بذنبه له، و ظلم بغصبه المال، و ظلم بجحده الحق. و قيل «ظلموا بها» أي جعلوا بدل الايمان الكفر بها، لان الظلم وضع الشيء في غير موضعه الذي هو حقه.
و قوله «فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ» معنى النظر هو محاولة التصور للشيء بالفكر فيه، و هو طلب ادراك المعنى بالتأويل له. و قيل: هو تحديق القلب الى المعنى لإدراكه، و كأنه قيل فانظر- يعني بالقلب- كيف كان عاقبتهم، و موضع (كيف) نصب لأنه خبر (كان) و تقديره انظر أي شيء كان عاقبة المفسدين.
وَ قالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (104)
آية بلا خلاف.
في هذه الآية حكاية لما قال موسى (ع) لفرعون و نداؤه له: اني رسول من قبل رب العالمين مبعوث اليك و الى قومك و (من) في قوله «مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» لابتداء الغاية، لان المرسل المبتدئ بالرسالة و انتهاؤها المرسل اليه.
و (موسى) على وزن (مفعل) و الميم في موسى زائدة لكثرة زيادتها أولا
كالهمزة التي صارت أغلب من زيادة الالف أخيرا. و (أفعى) على وزن (أفعل) لهذه العلة. و (موسى) اسم لا ينصرف، لأنه أعجمي و معرفة، و موسى الحديد عربي أن سميت به رجلا لم تصرفه، لأنه مؤنث و معرفة على أكثر من ثلاثة أحرف، كما لو سميته ب (عناق) لم تصرفه. و لو سميته (فقد) صرفته. و (فرعون) على وزن «فعلون» و مثله برذون، فالواو زائدة، لأنها جاءت مع سلامة الأصول الثلاثة، و النون زائدة للزومها.
و (فرعون) لا ينصرف لأنه أعجمي معرفة، و عرب في حال تعريفه لأنه نقل من الاسم العلم، و لو عرب في حال تنكيره لا ينصرف كما ينصرف (بأقرب) اسم رجل.
حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (105)
آية بلا خلاف.
قرأ نافع وحده «حقيق علي». بتشديد الياء. الباقون بتخفيف الياء.
فمن قرأ بالتشديد قال تقديره: واجب عليَّ ان لا أقول. و من خفف فعلى تقدير: حريص على أن لا أقول، قال ابو علي قوله «حقيق» يحتمل وجهين:
أحدهما- ان (حق) الذي هو (فعل) قد تعدى ب «على» قال اللَّه «فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا» (1)و قال «فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ»
(2)فحقيق يصل ب (على) من هذا الوجه. و الثاني- ان حقيقا بمعنى واجب، فكما ان واجب يتعدى ب (على) كذلك تعدى حقيق بها.
و من لم يشدد أجاز تعدِّيه ب (على) من الوجهين اللذين ذكرناهما،
و قد قالوا: هو حقيق بكذا، فيجوز على هذا أن تكون (على) بمعنى الباء فتوضع (على) موضع الباء، قال ابو الحسن: كما قال «وَ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ» (1)و المعنى (على) قال أبو علي: و الاول أحسنها، لان أبا الحسن قال: لان (على) بمعنى الباء ليس بمقيس ألا ترى انك لو قلت ذهبت على زيد تريد بزيد لم يجز، و قال: و جاز في الآية لان القراءة وردت به، و تقدير «حقيق على ان لا أقول» حقيق بأن لا أقول قال الفراء: العرب تقول: رميت على القوس و بالقوس و جئت على حال حسنة و بحال حسنة، و معناهما متقارب، لأنه مستقل على القول بالنظر حتى يؤديه على الحق فيه.
و الحق أيضا منعقد بالقول فيه لا ينفك.
و قوله «الا الحق» نصب بأنه مفعول القول على غير الحكاية بل على معنى الترجمة عن المعنى دون حكاية اللفظ.
و قوله «قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ» خطاب من موسى لقومه أنه قد جاء قومه بدلائل من ربه عز و جل. و قوله «فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ» خطاب من موسى لفرعون، و أمره إياه أن يخلي عن بني إسرائيل من اعتقاله، لأنه كان قد اعتقلهم للاستخدام في الاعمال الشاقة من نحو ضرب اللبن و نقل التراب و ما أشبه ذلك.
و معنى الآية البيان عن وجوب اتباع موسى (ع) لمكان الادلة التي تشهد بصدقه، و بأنه لا يقول على اللَّه الا الحق و لا يدعو الا الى الرشد.
قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106)
آية بلا خلاف.
هذا حكاية عما قال فرعون لموسى (ع) من انه ان كان معك حجة
1) سورة 7 الاعراف آية 85
و دلالة تشهد لك على ما تقول «فات بها» أي هات بها «ان كنت» صادقا «من الصادقين» على طريق اليأس منه بذلك و جهله بصحته و إمكانه.
و اختلف النحويون- هاهنا- في نقل (ان) الماضي الى الاستقبال، فقال ابو عباس لم تنقله هنا من أجل قوة (كان) لأنها أم الافعال، و لم يجزه من غيرها، و قال ابن السراج: المعنى ان تكن جئت بآية أي ان يصح ذلك، لأنه إذا أمكن ان يجري الحرف على أصله لم يجز إخراجه، و انما جاز نقل (ان) الماضي الى المستقبل للبيان عن قوتها في النقل إذ كانت تنقل الفعل نقلين الى الشرط و الاستقبال، كما أن (لم) تنقله الى النفي و الماضي.
و ضمير المخاطب في «كنت» يرجع الى المكنى، و لا يجوز مثل ذلك في (الذي) لان (الذي) غائب فحقه أن يعود اليه ضمير الغائب، و قد أجازوه- إذا تقدمت كناية المتكلم- كما في قول الشاعر:
و انا الذي قتلت بكرا بالقنا و تركت تغلب غير ذات سنام (1)
فعلى هذا لا يجوز أتيت الذي ضربك عمرو، و الوجه ضربه. و انما جاز وقوع الامر في جواب الشرط، لان فيه معنى: ان كنت جئت بآية فاني ألزمك أن تأتي بها، فقد عاد الى انه يجب الثاني بوجوب الاول. و لا يجوز مثل ذلك في الاستفهام، لأنه لم يقع معرفة غيره، و لو اتسع فيه جاز، مثل أن تقول: ان كان عندك دليل فما هو؟، و لا يجوز: ان قدم زيد، فأ عمرو أقدمه؟ لان الالف لها صدر الكلام.
فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (107) وَ نَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108)
آيتان بلا خلاف.
1) مجمع البيان 2/ 456
هذا اخبار من اللَّه تعالى عن إلقاء موسى عصاه، و العصا عود كالقضيب يابس و أصله الامتناع بيبسه يقال: عصى يعصي إذا أمتنع قال الشاعر:
تصف السيوف و غيركم يعصي بها يا بن القيون و ذاك فعل الصيقل (1)
و قيل: عصى بالسيف إذا أخذه أخذه العصا، و يقال لمن استقر بعد تنقل: ألقي عصاه، قال الشاعر:
فألقت عصاها و استقر بها النوى كما فر عينا بالإياب المسافر (2)
و العصى من بنات الواو، و المعصية من بنات الياء قال الشاعر:
فجاءت بنسج العنكبوت كأنه على عصويها سابري مشبرق (3)
و تقول عصى يعصي فهو عاص مثل رمى يرمي و اصل ألقى من اللقاء الذي هو الاتصال، فألقى عصاه أي أزال اتصالها عما كان، و منه التقاء الحدين يعني اتصالهما، و الملاقاة كالمماسة، و زيدت ألف ألقي لتدل على هذا المعنى و انما صارت الياء ألفا في ألقي، لأنها في موضع حركة قبلها فتحة، و لذلك رجعت الى أصلها في ألقيت. و انما وجب هذا، لأنه بمنزلة التضعيف في موضع يقوى فيه التغيير مع نقل الحركة في حروف العلة.
و قوله «فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ» فالثعبان هو الحية الضخمة الطويلة. و قال الفراء: الثعبان أعظم الحيات، و هو الذكر، و هو مشتق من ثعبت الماء أثعبه ثعباً إذا فجرته. و المثعب موضع انفجار الماء، فسمي الثعبان، لأنه يجري كعنق الماء عند الانفجار قال الشاعر:
على نهج كثعبان العرين
و قيل: إن ذلك الثعبان فتح فاه، و جعل فهي فرعون بين نابيه فارتاع
فرعون و استغاث بموسى أن يأخذه، ففعل- في قول ابن عباس و السدي و سفيان- و معنى «مبين» أي بيِّن أنه حية لا لبس فيه.
و قوله «وَ نَزَعَ يَدَهُ» فالنزع هو ازالة الشيء عن مكانه الملابس له المتمكن فيه كنزع الرداء عن الإنسان، و النزع و القلع و الجذب نظائر، و اليد معروفة و هي الجارحة المخصوصة، و اليد النعمة، لأنها بمنزلة ما اشتدت بالجارحة، و قد يكون اليد بمعنى تحقيق الاضافة في الفعل، لأنه بمنزلة ما عمل باليد التي هي جارحة.
و قوله «فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ» معنى (إذا)- هنا- المفاجأة.
و هي بخلاف (إذا) التي للجزاء، قال الزجاج هي من ظروف المكان مثل (ثم، و هناك)، و المعنى بيضاء للمناظرين هناك، و البيضاء ضد السوداء و هو أن يكون به المحل أبيض، و كان موسى (ع) أسمر شديد السمرة. و قيل:
أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء «مِنْ غَيْرِ سُوءٍ» (1)يعني برص. ثم أعادها الى كمه فعادت الى لونها الأول- في قول ابن عباس و مجاهد و السدي- و قال أبو علي: كان فيها من النور و الشعاع ما لم يشاهد مثله في يد أحد و الناظر هو الطالب لرؤية الشيء ببصره لأن النظر هو تطلب الإدراك للمعنى بحاسة من الحواس، أو وجه من الوجوه.
قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَما ذا تَأْمُرُونَ (110)
1) سورة 20 طه آية 22 و سورة 27 النمل آية 12 و سورة 28 القصص آية 38.
آيتان.
هذا حكاية ما قال أشراف قوم فرعون، أن موسى ساحر عليهم بالسحر، و إنما قيل للأشراف الملأ لأمرين: أحدهما- قال الزجاج: لأنهم مليئون بما يحتاج اليه منهم. الثاني- لأنه يملأ الصدر هيبتهم، فالملأ جعل الوعاء على كل ما يتحمل مما يلقى فيه كامتلاء المكيال و نحوه. و يقال: الخلاء و الملأ على وجه التقابل، و قوم فرعون هم الجماعة الذين كانوا يقومون بأمره و معاونته و نصرته، و لهذا لا يضاف القوم الى اللَّه، فلا يقال: يا قوم اللَّه كما يقال يا عباد اللَّه، و السحر لطف الحيلة في إظهار أعجوبة توهم المعجزة و قال الأزهري السحر صرف الشيء عن حقيقته الى غيره، و الساحر إنما يكفر بادعاء المعجزة، لأنه لا يمكن مع ذلك علم النبوة.
و أصل السحر خفاء الأمر، و منه خيط السحارة، لخفاء الأمر فيها، و منه قوله تعالى «إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ» (1)أي الذين يعدون لخفاء الأمرين في العدو، و السحر العدو، و السَّحَر آخر الليل لخفاء الشخص ببقية ظلمته، و السحور طعام السحر، و السحر الرئة و ما تعلق بها لخفاء أمرها في انتفاخها تارة و ضمورها أخرى، قال ذو الرمة:
و ساحرة الشراب من الموامي يرقص في نواشرها الأروم (2)
و ساحرة السراب من الموامي ترقص في عساقفها الأروم
و يقال: سحر الأرض المطر إذا جادها فقطع نباتها من أصوله بقلب الأرض ظهراً لبطن، سحرها سحراً و الأرض مسحورة، فشبه سحر الساحر بذلك بتخييله الى من سحره أنه يرى الشيء بخلاف ما هو به.
و معنى قوله تعالى «يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ» بإزالة ملككم بتقوية أعدائكم عليكم. و قوله «مِنْ أَرْضِكُمْ» فالأرض المستقر الذي يمكن الحيوان التصرف فيه عليه. و جملة الأرض التي جعلها اللَّه قراراً للعباد فإذا أضيفت، فقيل أرض بني فلان، فمعناه مستقرهم خاصة.
و قوله «فَما ذا تَأْمُرُونَ» موضع (ما) يحتمل أن يكون رفعاً، و يكون المعنى فما الذي تأمرون، و يجوز أن يكون نصباً بمعنى فبأي شيء تأمرون، و يجعل (ما) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد، و في الجواب يتبيَّن الاعراب، و يحتمل أن يكون قوله «فَما ذا تَأْمُرُونَ» من كلام الملأ بتقدير أن يكون قال بعضهم لبعض: ما ذا تأمرون، و يحتمل أن يكونوا قالوا ذلك لفرعون على خطاب الملوك، و يحتمل أن يكون من كلام فرعون و التقدير قال فرعون:
فما ذا تأمرون خطاباً لقومه، فعلى هذا تقول قلت لجاريتك قومي أنا قائمة، و تقديره قالت: أنا قائمة، و هو قول الفراء و أبي علي الجبائي، و أنشد الفراء قول عنترة، و زعم أن فيه معنى الحكاية:
الشاتمي عرضي و لم أشتمهما و الناذرين إذا لقيتهما دمي (1)
لأن المعنى قالا إذا لقينا عنترة لنقتلنه.
قالُوا أَرْجِهْ وَ أَخاهُ وَ أَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (112)
آيتان بلا خلاف.
قرأ أهل الكوفة إلا عاصماً «سحَّار» بتشديد الحاء و ألف بعدها.
الباقون (ساحر) بألف قبل الحاء على وزن (فاعل) و قرأ عاصم إلا يحيى و حمزة «أرجهْ» بسكون الهاء من غير همزة. و قرأ أهل البصرة و الداحوني
1) ديوانه: 31 و معاني القرآن للفراء 1/ 387.
عن هشام و يحيى بالهمزة، و ضم الهاء من غير إشباع. و قرأ ابن كثير و الحلواني عن هشام كذلك إلا أنهما وصلا الهاء بواو في اللفظ، و روي ابن ذكوان بالهمزة و كسر الهاء من غير إشباع. و قرأ أبو جعفر من طريق بن العلاف و قالون و المسيبي بكسر الهاء من غير إشباع، و بغير همز. الباقون و هم الكسائي و خلف و إسماعيل و ورش، و أبو جعفر من طريق النهرواني بكسر الهاء و وصلها بياء في اللفظ من غير همز، و كذلك اختلافهم في الشعراء.
و الهمزة لغة قيس و غيرهم، و ترك الهمزة لغة تميم و أسد يقولون:
أرجيت الأمر، و قال أبو زيد: أرجيت الأمر إرجاء إذا أخرَّته. و قوله تعالى «أرجيه» أفعله من هذا، و لا بد من ضم الهاء مع الهمزة، لا يجوز غيره، و الا يبلغ الواو أحسن، لأن الهاء خفية فلو بلغ بها الواو لكان كأنه قد جمع بين ساكنين، ألا ترى أن من قال: ردُّه يا فتى بضم الدال إذا وصل بالهاء في ضمير المؤنث، قال ردَّها ففتح، كما تقول ردَّ لخفاء الهاء، و كذلك «أرجهه» لا ينبغي أن يبلغ بها الواو فيصير كأنه جمع بين ساكنين، و من ألحق الواو فلان الهاء محركة و لم يلتق ساكنان لان الهاء فاصل، قال (أرجيهوا) كما يقال (أضربهو) فلو كان الياء حرف لين، لكان وصلها بالواو أقبح نحو (عليهو) لاجتماع حروف متقاربة مع أن الهاء ليست بحاجز قوي في الفصل، و اجتماع المتقاربة كاجتماع الأمثال.
قال أبو علي الفارسي: من وصل الهاء ب (يا)، فلأن هذه الهاء توصل في الإدراج بواو، أو ياء، نحو (بهي) أو (بهو) و (ضربهو) و لا تقول في الوصل (به) و لا (به) و لا (ضربه) حتى تشبع فتقول «بهو» ما علم (بهي) الا في ضرورة الشعر كقوله:
و ما له من مجلد يلبد
و قال: و من كسر الهاء مع الهمز، فقد غلط و انما يجوز إذا كان قبله ياء فقال «أرجيه» بكسر الهاء، و لم يستقم، لأن هذه الياء في تقدير الهمزة،
فكما لم يدغم الواو إذا خففت الهمزة لأن الواو في تقدير الهمزة كذلك لا يحسن تحريك الهاء بالضم مع الياء، المنقلبة عن الهمزة، و قياس من قال (روياً) فأدغم أن يحرك الياء أيضاً بالضم، و على هذا المسلك من قال (يتيهم) إذا كسر الهاء مع قلب الهمزة ياء، قال: و معنى «أرجه» أخره، و قال قتادة:
معناه احبسه، يقال أرجأت الأمر إرجاء و منه قولهم: المرجئة، و هم الذين يجيزون الغفران لمرتكبي الكبائر من غير توبة.
قال الرماني: لا وجه لقراءة حمزة عند البصريين في القياس، و لا الاستعمال على لغة من همز، و قال الزجاج إسكان هاء الضمير لا يجوز عند حذاق النحويين، و أجاز الفراء ذلك، قال يقولون: هذه طلحة أقبلت، و أنشد قول الراجز:
أنحى عليَّ الدهر رجلا و يداً يقسم لا يصلح إلا أفسدا
فيصلح اليوم و يفسده غدا (1)
و زعم ان اسكان هاء التأنيث جائز و أنشد
لما رأى ان لا دعة و لا شبع مال الى ارطاة حقف فاضطجع (2)
و قال الآخر:
لست لزعبلة إن لم أغيِّر بكلتي إن لم أساو بالطول (3)
كلتي معناه طريقتي، و (الطول) جمع امرأة طولى، قال الزجاج: هذا
1) قائله دويد بن زيد بن نهد القضاعي و هو أحد المعمرين أنظر طبقات فحول الشعراء: 180 و المعمرين: 20 و معاني القرآن للفراء 1/ 388 و تفسير الطبري 13/ 21 و أمال الشريف المرتضى 1/ 137.
2) اللسان (ضجع) و تفسير الطبري 13/ 21 و معاني القرآن للفراء 1/ 388 و هو يصف ذئباً قد قطع أمله من أن ينال الظبي، و لم يجد ما يشبعه فلما يئس أضطجع بقرب شجرة. [.....]
3) معاني القرآن 1/ 388.
الشعر الذي أنشده الفراء لا يعرف، و لا وجه له، و إنما لم يلين أبو عمرو الهمزة الساكنة على أصله في تخفيف الهمزة لأن سكونه علامة للجزم، فلا يترك همزه، لأن التسكين عارض و كذلك «مؤصدة» لا يترك همزه، لأنه يخرج من لغة الى لغة.
و الأخ هو من النسب بولادة الأدنى من أب أو أم أو منهما و يقال الأخ الشقيق و يسمى الصديق الأخ تشبيهاً بالنسيب فأما الموافق في الدين فانه أخ بحكم اللَّه في قوله «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» (1).
و معنى الآية أن قوم فرعون أشاروا عليه بأن يؤخِّر موسى و أخاه الى أن يرسل في بلاد مملكته حاشرين، و قال ابن عباس: هو الشرط، و قال مجاهد و السدي: يحشرون من يعلمونه من السحرة و العالمين بالسحر ليقابل بينهم و بين موسى جهلًا منهم بأن ذلك ليس بسحر، و مثله في عظم الاعجاز لا تتم فيه الحيلة، لأن السحر هو كل أمر يوهموه على من يراه، و لا حقيقة له، و إنما يشتبه ذلك على الجهال و الأغبياء دون العقلاء المحصلين.
و قوله «يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ» (يأتوك) جزم، لأنه جواب الأمر، و المعنى إن ترسل يأتوك، و حجة من قال «ساحر» قوله «ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ» (2)و الفاعل من السحر ساحر، و يقوِّيه قوله «فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ» (3)و السحرة جمع ساحر، و لأنه قال «سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ» (4)و اسم الفاعل ساحر، و من قرأ «سحَّار» فلأنه وصف ب (عليم)، و وصفه به يدل على تناهيه فيه و حذقه، فحسن لذلك أن يذكر بالاسم الدال على المبالغة.
و الإتيان هو الانتقال الى مطلوب، و مثله المجيء أتى يأتي إتياناً و أتيَ يؤتى إيتاء إذا أعطي، و إنما دخلت (كل) و هي للعموم على واحد، لأنه في معنى الجمع، كأنه قال بكل السحرة إذا أفردوا ساحراً ساحراً. و الفرق بينه و بين
كل السحرة أنه إذا قيل بكل السحرة، فالمعنى المطلوب للجميع، و إذا قيل:
بكل ساحر، فالمعنى المطلوب لكل واحد منهم، و يبين ذلك قول القائل: لكل ساحر درهم، و لكل السحرة درهم، فان الأول يفيد أن لكل واحد درهماً، و الثاني أن الجميع لهم درهم.
و الباء في قوله «بكل» قيل فيه قولان:
أحدهما- انه للتعدية كما يعدى بالألف، و منه ذهبت به و أذهبته و أتيت به و أتيته.
الثاني- أنها بمعنى (مع) أي يأتون و معهم كل ساحر عليم.
وَ جاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (113) قالَ نَعَمْ وَ إِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)
آيتان قرأ أهل الحجاز و حفص «إن لنا لأجراً» بهمزة واحدة على الخبر، و قرأ بهمزتين مخففتين ابن عامر و أهل الكوفة إلا حفصاً و روح، إلا أن الحلواني عن هشام يفصل بينهما بألف، و أبو عمرو و رويس لا يفصل. قال أبو علي: الاستفهام في هذا الموضع أشبه، لأنهم يستفهمون عن الأجر، و ليس يقطعون أن لهم الأجر، و يقوِّي ذلك إجماعهم في الشعراء، و ربما حذفت همزة الاستفهام، قال الحسن قوله تعالى «وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ» (1)إن من الناس من يذهب الى انه على الاستفهام و قد جاء ذلك في الشعر:
أفرح أن أرزأ الكرام و أن أورث ذوداً شصائصاً نبلا (2)
و هذا أقبح من قوله:
و أصبحت فيهم آمنا لا كمعشر أتوني فقالوا من ربيعة أم مضر (1)
لأن (أم) تدل على الهمزة. و في الكلام حذف، لأن التقدير فأرسل فرعون في المدائن حاشرين يحشرون السحرة، فحشروهم «وَ جاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا: إِنَّ لَنا لَأَجْراً» أي ان لنا ثوابا على غلبتنا موسى عندك «إِنْ كُنَّا نَحْنُ» يا فرعون «الْغالِبِينَ»، و هو قول ابن عباس و السدي.
و تقول: جئته و جئت اليه، فإذا قلت: جئت اليه، ففيه معنى الغاية لدخول (الى) فيه و جئته معناه قصدته بمجيئي، و إذا لم يعده لم يكن فيه دلالة على القصد كما تقول: جاء المطر.
و قوله «وَ جاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا» إنما لم يقل: فقالوا حتى يتصل الثاني بالأول، لأن معناه لما جاءوا قالوا، فلم يصلح دخول الفاء على هذا الوجه، و انما قالوا: أئنَّ لنا لأجراً، و لم يقولوا: لنا أجر، لأن أحدهما سؤال عن تحقيق الأجر و تأكيده، كما لو قال أبا للَّه لنا أجر، و ليس كذلك الوجه الآخر.
و قوله «إِنْ كُنَّا نَحْنُ» موضع (نحن) يحتمل وجهين:
أحدهما- أن يكون رفعاً و يكون تأكيداً الضمير المتصل في كنا.
و الثاني- لا موضع له، لأنه فصل بين الخبر و الاسم.
و الأجر الجزاء بالخير، و الجزاء قد يكون بالشر بحسب العمل و بحسب ما يقتضيه العدل. و الغلبة إبطال المقاومة بالقوة، و من هذا قيل في صفة اللَّه (عز و جل) القاهر الغالب، لأنه القادر الذي لا يعجزه شيء.
و قوله «قال نعم» حكاية عن قول فرعون مجيبا لهم عما سألوه من أن لهم أجراً أو لا؟ بأن قال نعم لكم الأجر، و (نعم) حرف جواب مع أنه
1) قائله عمران بن حطان، يقوله في قوم نزل بهم متنكراً، و هو يشكر صنيعهم، انظر الكامل 7/ 187 و الخصائص لابن جني 2/ 281.
يجوز الوقف عليها، لأنها في الإيجاب نظيرة (لا) في النفي، و إنما جاز الوقف عليها، لأنها جواب لكلام يستغني بدلالته عما يتصل بها.
و قوله «قال» أصله (قول) فانقلبت الواو الفاً لتحركها و انفتاح ما قبلها و إنما قلبوها مع خفة الفتحة لتجري على (قلت و تقول) في الاعلال مع أن الالف الساكنة أخف من الواو المتحركة، و ان كانت بالفتحة. و الواو في قوله تعالى «و انكم» واو العطف كأنه قال: لكم ذاك، و انكم لمن المقربين، و هو في مخرج الكلام، كأنه معطوف على الحرف. و كسرت الف «إنكم» لأنها في موضع استئناف بالوعد، و لم تكسر لدخول اللام في الخبر، لأنه لو لم يكن اللام لكانت مكسورة. و مثل هذا قوله تعالى «وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ» (1)و معنى «لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ» انكم من المقربين الى مراتب الجلالة التي يكون فيها الخاصة، و لا يتخطى فيها العامة.
و في الآية دليل لقوم فرعون على حاجته و ذلته لو استدلوا و أحسنوا النظر لنفوسهم، لأنه لم يحتج الى السحرة الا لذلة و عجز، و كذلك في طلب السحرة الأجر دليل على عجزهم عما كانوا يدعون من القدرة على قلب الأعيان، لأنهم لو كانوا قادرين على ذلك لاستغنوا عن طلب الأجر من فرعون، و لقلبوا الصخر ذهباً و لقلبوا فرعون كلباً و استولوا على ملكه.
قال ابن إسحاق: و كان السحرة خمسة عشر ألفاً. و قال ابن المكندر:
كانوا ثمانين ألفاً، و قال كعب الأحبار: كانوا اثنى عشر الفاً. و قال عكرمة:
كانوا سبعين ألفاً ذكره الطبري.
قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَ إِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ وَ جاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116)
1) سورة 25 الفرقان آية 20.
آيتان بلا خلاف.
هذا حكاية قول السحرة أنهم قالوا لموسى اختر أحد شيئين إما أن تلقي أنت عصاك أو نحن نلقي عصيَّنا، و انما دخلت (أن) في قوله «إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ» و لم تدخل في «إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ» (1)لأن فيه معنى الأمر كأنهم قالوا: اختر إما أن تلقي أي إما القاؤك و إما القاؤنا، و مثله «إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَ إِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً» (2)فموضع (ان) نصب، و يجوز أيضا ان يكون التقدير إما إلقاؤك مبدوء به و إما القاؤنا، و يجوز أن تقول: يا زيد اما أن تقوم أو تقعد، و لا يجوز أن تقول يا زيد إن تقوم أو تقعد، لأن (إما) يبتدأ بالمعنى فيها أي بمعنى التخيير، فلذلك تدل على معنى اختر، و ليس كذا (أو) و قد يقع موقع (اما) و ليس بجيد، كما قال الشاعر:
فقلت لهن امشين إما نلاقه كما قال او تشفي النفوس فنعذرا (3)
و قال ذو الرمة:
فكيف بنفس كلما قلت أشرفت على البرء من حوصاء هيض اندمالها
تهاض بدار قد تقادم عهدها و اما بأموات ألمَّ خيالها (4)
و قد تكون نسبتهما لذي الرمة- هنا- خطأ من الناسخ.
موضع (اما) موضع (أو). و الإلقاء إرسال المعتمد الى جهة السفل، و مثله الطرح، و ضده الإمساك. و قول القائل: ألق عليَّ مسألة الى هذا يرجع، و إنما قال «وَ إِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ» و لم يقل و اما أن نلقي، لأنه ليس المعنى على ليكن إلقاء أحدنا فقط، فيجيء على التقابل، و انما هو
على أن يلقي أحدنا فيبطل ما أتى به الآخر.
و قوله «ألقوا» حكاية عن قول موسى (ع) للسحرة (ألقوا) أنتم «فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ» قال البلخي: معناه غشوا أعين الناس، و قال: السحر هو الخفة، و الافراط فيها حتى تخيل بها الأشياء عن الحقيقة و الاحتيال بما يخفي على كثير من الناس كتغييرهم الطرجهالة و الحيلة فيها ان يجعل (الطرجهالة) طاقين و يرقق بغاية الترقيق، و يجعل بين الطبقتين زيبق، فإذا وضعت في الشمس حمي الزيبق فسار بالطرجهالة، لأن من طبع الزيبق إذا حمي ان يتحرك و يفارق مكانه.
و قال قوم: معناه خيلوا الى أعين الناس بما فعلوه من لتخييل و الخدع أنها تسعى، كما قال تعالى «يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (1)» و قال الرماني: معنى سحر الأعين قلبها عن صحة إدراكها بما يتخيل من الأمور المموهة لها بلطف الحيلة التي تجري مجرى الخفة و الشعبذة مما لا يرجع الى حقيقة، و المحدث لهذا التخيل هو اللَّه تعالى عند ما أظهروا من تلك المخاريق و إنما نسب اليهم لأنهم لو لم يعرضوا بما يعملونه لم يقع، كما لو جعل أحد طفلًا تحت البرد، فمات، فهو القاتل له في الحكم، و اللَّه تعالى أماته، و إنما جاز من موسى (ع) أن يأمرهم بإلقاء السحر و هو كفر لأمرين:
أحدهما- إن كنتم محقين فالقوا.
الثاني- القوا على ما يصح و يجوز، لا على ما يفسد و يستحيل.
و قال الجبائي: هذا على وجه الزجر لهم و التهديد، و ليس بأمر.
و قوله «فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ» و الفرق بين (لما) و (إذا) هو الفرق بين (لو) و (أن) في ان أحدهما للماضي و الآخر للمستقبل، و كل هذه الأربعة تعليق أول بثان، الا ان (لو) على طريقة الشك، و (لما) يقين.
و قوله «وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ» معناه طلبوا منهم الرهبة، و هو خلاف الإرهاب،
1) سورة 20 طه آية 66. [.....]
لأنه جعل الرهبة للذي يرهب، و العظيم ما يملأ الصدر بهوله، و وصف السحر بأنه عظيم لبعد مرام الحيلة فيه، و شدة التمويه به، فهو لذلك عظيم الشأن عند من يراه من الناس، و لأنه على ما ذكرناه من الخلاف في عدة السحرة من سبعين ألفاً أو ثمانين الفاً كان مع كل واحد حبل و عصا، فلما ألقوها و خيل الى الناس أنها تسعى استعظموا ذلك و خافوه، فلذلك وصفه اللَّه بأنه سحر عظيم.
و (إما) إذا كانت للتخيير، فأهل الحجاز و من جاورهم من قيس و بعض تميم يكسرونها و ينصبها قيس و أسد و (أما) إذا كانت منصوبة فهي التي يقتضي أن يكون في جوابها الفاء.
وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَ بَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (118)
آيتان بلا خلاف.
قرأ حفص عن عاصم «تلقف» خفيفة. الباقون بتشديد القاف، و قرأ ابن كثير فإذا هي «تلقف» بتشديد التاء و القاف في رواية البزي عنه إلا النقاش، و ابن فليح.
و الوحي هو إلقاء المعنى الى النفس من جهة تخفي، و لذلك لم يشعر به إلا موسى (ع) حتى امتثل ما أمر به فإذا العصا حية تسعى.
و في هذه الآية إخبار من اللَّه تعالى أنه أوحى الى موسى (ع) حين ألقى السحرة سحرهم و سحروا أعين الناس و استرهبوهم و جاءوا بسحر عظيم: أن ألق عصاك ف (أن) يحتمل أمرين:
أحدهما- أن تكون مع ما بعدها من الفعل بمنزلة المصدر، و تقديره أوحينا الى موسى بالإلقاء.
الثاني- أن تكون (أن) بمعنى أي لأنه تفسير ما أوحي اليه.
«فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ» معنى تلقف تبتلغ تناولًا بفيها بسرعة منها، فهي تلتقمه استراطاً حالًا فحالًا قال الشاعر:
و أنت عصى موسى التي لم تزل تلقف ما يأفكه الساحر (1)
يقال: لقِفتهُ ألقفه لقفاً و لقفاناً، و لقَفته ألقَفه و تلقَّفته تلقفا إذا أخذته في الهواء. و من قرأ بتشديد التاء قال: أصله تتلقف فأدغم احدى التائين في الأخرى بعد أن سكن الثانية. و من خفف القاف أخذه من لقفته. و من شددها قال: هو من تلقَّف.
و قوله «ما يَأْفِكُونَ» فالافك هو قلب الشيء عن وجهه، و منه «الْمُؤْتَفِكاتِ» (2)المنقلبات. و الافك الكذب لأنه قلب المعنى عن جهة الصواب. و قال مجاهد: «ما يَأْفِكُونَ» أي يكذبون. و في الآية حذف، و تقديره فألقى عصاه فصارت حية «فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ» و المعنى إنها تلقف المأفوك الذي حلَّ فيه الافك، و على هذا يحمل قوله تعالى «وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ» (3)و معناه و ما تعملون فيه.
و قوله «فَوَقَعَ الْحَقُّ» معناه ظهر الحق- في قول الحسن و مجاهد- و أصل الوقوع السقوط كسقوط الحائط و الطائر تقول: وقع يقع وقعاً و وقوعاً و أوقعه ايقاعاً، و وقَّع توقيعاً و توقَّع توقعاً و أوقعه مواقعة، و الميقعة المطرقة. و الواقعة النازلة من السماء، و الوقائع الحروب. قال الرماني:
الوقوع ظهور الشيء بوجوده نازلا الى مستقره. و (الحق) كون الشيء في موضعه الذي اقتضته الحكمة. و الحق موافق لداعي الحكمة، و لذلك يقال وقع الشيء في حقه. و (الباطل) الكائن بحيث يؤدي الى الهلاك، و هو نقيض الحق، فالحق كون الشيء بحيث يؤدي الى النجاة. و العمل
تصيير الشيء على خلاف ما كان اما بإيجاده أو بإيجاد معنى فيه و مثله التغيير.
و (ما) في قوله «ما كانُوا يَعْمَلُونَ» يحتمل أمرين:
أحدهما- أن يكون بمعنى المصدر، و التقدير و بطل عملهم.
و الثاني- أن يكون بمعنى الذي و تقديره و بطل الحبال و العصي التي عملوا بها السحر. و (ما) إذا كانت بمعنى المصدر لا تعمل عمل (إنَّ) إذا كانت بمعنى المصدر، لأمرين: أحدهما- أن (ما) اسم، و الاسم لا يعمل في الفعل. و الآخر- أن تنقل الفعل نقلين الى المصدر و الاستقبال تقول:
يعجبني ما تصنع، و يعجبني أن تصنع الخير.
فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَ انْقَلَبُوا صاغِرِينَ (119) وَ أُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (120) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسى وَ هارُونَ (122)
أربع آيات.
أخبر اللَّه تعالى أنه لما القى موسى عصاه و صارت حية، و تلقفت ما أفكت السحرة: أن السحرة «فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَ انْقَلَبُوا صاغِرِينَ» و الغلبة الظفر بالبغية من العدو، و في حال المنازعة تقول: غلب يغلب غلبة، فهو غالب و ذاك مغلوب أي مقهور، و غالبه مغالبة و تغالبا تغالباً و غلب تغليباً. و معنى (هنالك) أي عند ذلك الجمع، فهو ظرف مبهم كما أن (ذا) مبهم و فيه معنى الاشارة.
و قيل: هنا و هنالك و هناك، مثل ذا و ذاك و ذلك. و إنما دخلت اللام في (هنالك) لتدل على بعد المكان المشار اليه، كما دخلت في (ذلك) لبعد المشار اليه، ف (هنا) لما بعد قليلا، و هنالك لما كان أشد بعداً. و إنما دخل كاف المخاطبة مع بعد الاشارة ليشعر بتأكيد معنى الاشارة الى المخاطب ليتنبه على بعد المشار اليه من المكان، و البعيد أحق بعلامة التنبيه من القريب.
و قوله «وَ انْقَلَبُوا صاغِرِينَ» أي رجعوا أذلاء، و الصاغر الذليل،
و الصغر و الصغار الذلة، يقال: صغر الرجل يصغر صغراً و صغاراً إذا ذل، و أصله صغر القدر.
و قوله تعالى «وَ أُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ» إنما جاء على ما لم يسم فاعله لأمرين:
أحدهما- أنه بمعنى ألقاهم ما رأوا من عظيم آيات اللَّه بأن دعاهم الى السجود للَّه و الخضوع له.
الثاني- أنهم لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين، فكأنَّ ملقيا ألقاهم، و لم يكن ذلك على وجه الاضطرار الى الايمان، لأنه لو كان كذلك لما مدحوا عليه بل علموا ذلك بدليل، و هو عجزهم من ذلك مع تأتي سائر أنواع السحر منهم. و الإلقاء اطلاق الشيء الى جهة السفل و نقيضه الإمساك، و مثله الاسقاط و الطرح. و معنى الآية البيان عن حال من تيقن البرهان، فظهر منه الإذعان للحق و الخضوع بالسجود للَّه تعالى، و لم يكن ممن تعامى عن الصواب و تعاشى عن طريق الرشاد.
و قوله تعالى «قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ» حكاية لما قالت السحرة عند تبيُّنهم الحق و وقوعهم للسجود للَّه تعالى و اعترافهم بأنهم آمنوا برب العالمين الذي خلق السموات و الأرض و ما بينهما و خلق موسى و هارون، و القول كلام يدل على الحكاية، و لو قيل: (تكلموا) لم يقتض حكاية كلامهم على صورته، فإذا قيل: (قالوا) اقتضى حكاية كلامهم. و الايمان هو التصديق الذي يؤمِّن من العقاب، و هو التصديق بما أوجب اللَّه عليهم. و قال الرماني:
يجوز أن يقال للَّه أنه لم يزل ربَّاً و لا مربوب، كما جاز لم يزل سميعاً و لا مسموع، لأنه صفة غير جارية على الفعل كما تجري صفة مالك على ملك يملك، فالمقدور هو المملوك. و أصل الصفة ب (رب) التربية و هي تنشئة الشيء، حالًا بعد حال حتى يصير الى حال التمام و الكمال، و منه رب النعمة يربها ربَّاً إذا تممها، و ربي الطفل تربية، و اللَّه تعالى رب العالمين المالك لهم و لتدبيرهم.
و (العالم) كل أمة من الحيوان و جمعه العالمون على تغليب ما يعقل، و هو مأخوذ من العلم، لكنه كثر في استعمال أهل النظر على أنه لجميع ما أحاط به الفلك من الأجسام المتصرفة في الأحوال، و قال قوم (عالم) لا يقع إلا لجماعة العقلاء. و قد بينا ذلك في فاتحة الكتاب.
و قوله «رَبِّ مُوسى وَ هارُونَ» إنما خص موسى و هارون بالذكر بعد دخولهما في الجملة من «آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ» لأمرين:
أحدهما- أن فيه معنى الذي دعا الى الايمان موسى و هارون.
الثاني- خصا بالذكر لشرف ذكرهما على غيرهما على طريق المدحة لهما و التعظيم. و الرب بالإطلاق لا يطلق إلا على اللَّه تعالى، لأنه يقتضي أنه رب كل شيء يصح ملكه، و في الناس يقال: رب الدار و رب الفرس، و مثله (خالق) لا يطلق إلا فيه تعالى، و في غيره يقيد، يقال خالق الأديم.
قال الرماني: و إنما جاز نبيان في وقت و لم يجز إمامان في وقت، لأن الامام لما كان يقام بالاجتهاد كانت إمامة الواحد أبعد من المناقشة و اختلاف الكلمة و أقرب الى الألفة و رجوع التدبير الى رضا الجميع.
و هذا الذي ذكره غير صحيح، لأن العقل غير دال على أن الامام يجب أن يكون واحداً كما أنه غير دال على أنه يجب أن يكون النبي واحداً، و إنما علم بالشرع أنه لا يكون الامام في العصر الواحد إلا واحداً كما علمنا أنه لم يكن في عصر النبي (ص) نبي آخر، و استوى الأمران في هذا الباب.
قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124)
آيتان بلا خلاف.
قرأ حفص و ورش و رويس «آمنتم» على الخبر. الباقون بهمزتين على الاستفهام. و حقق الهمزتين أهل الكوفة إلا حفصاً و روحاً. الباقون بتحقيق الأولى و تليين الثانية إلا أن قنبلًا في غير رواية ابن السائب يقلب همزة الاستفهام واواً إذا اتصلت بنون فرعون، و لم يفصل أحد بين الهمزتين بألف، قال أبو علي: قياس قول أبي عمرو و مذهبه أن يفصل بين الهمزتين بألف كما يفصل بين النونات في (اخشينان) إلا أنه يشبه أن يكون ترك القياس، و قوله هنا لما كان يلزم منه اجتماع المتشابهات فترك الألف التي تدخل بين الهمزتين، و خفف الهمزة الثانية التي هي همزة (افعل) من (آمن) فأما رواية أبي الاخريط عن ابن كثير بابدال الهمزة واواً، فانه أبدل من ألف الاستفهام واواً، لانضمام ما قبلها و هي النون المضمومة في (فرعون) و هذا في المنفصل مثل المتصل من نوره، فقوله (نوأ) على وزن (نود) و في رواية قنبل عن القواس مثل رواية البزي عن أبي الاخريط غير انه يهمز بعد الواو، قال أبو علي: من همز بعد الواو، لأن هذه (الواو) هي منقلبة عن همزة الاستفهام، و بعد همزة الاستفهام همزة (أ فعلتم) فخففها، و لم يخففها كما خفف في القول الاول، و وجهه ان الاولى لما زالت عن لفظ الهمزة و انقلبت واواً حقق الهمزة بعدها، لأنه لم يجتمع همزتان. و وجه القول الأول أن (الواو) لما كان انقلابها عن الهمزة تخفيفاً قياس، كان في حكم الهمزة فلم يحقق معها الثانية كما لا تحقق مع الهمزة نفسها، لأن الواو في حكمها، كما كانت في حكمها في (روياً) في تخفيف (رؤياً) فلم يدغموها في الياء، كما لم يدغم الهمزة فيها.
و من قرأ على الخبر فوجهه أنه يخبرهم بايمانهم على جهة التقريع لهم بايمانهم، و الإنكار عليهم. و وجه الاستفهام أنه استفهام على وجه التوبيخ و التقريع، و الإنكار عليهم. و حمزة و الكسائي قرءا بهمزتين الثانية ممدودة، لأن الهمزة الثانية تتصل بها الألف المنقلبة عن الهمزة التي هي فاء في (آمن).
في هذه الآية حكاية لما قال فرعون للسحرة حين آمنوا بموسى و صدقوه
لظهور الحق، فقال لهم «آمَنْتُمْ بِهِ؟» و انما قال لهم ذلك، لأنه توهم أن الاقدام على خلاف الملك بما عمل قبل الاذن فيه منكر يقتضي سطوة الملك بصاحبه و التنكيل به، و عندنا أن فرعون لم يعرف اللَّه قط معرفة يستحق بها الثواب. و قال الرماني: لا يمتنع أن يكون عارفاً باللَّه، و إنما قال هذا القول تمويهاً على قومه و للتحذير من مثل حال السحرة الذين أقدموا على المخالفة له في الايمان بموسى (ع).
و قوله تعالى «إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ» معناه تواطأتم على هذا الأمر لتستولوا على العباد و البلاد، فتخرجوا من المدينة أهلها و تتغلبوا عليها، و المكر قيل الاغترار بالحيلة الى خلاف جهة الاستقامة و أصله القتل و الالتفاف كما قال ذو الرمة.
عجزاء ممكورة خمصانة قلق عنها الوشاح و ثم الجسم و العصب (1)
و المكر و الخدع نظائر في اللغة، و قوله «فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ» تهديد من فرعون لهم و تخويف من مخالفته، و إنما هدد فرعون ب (سوف تعلم)، لأن فيه معنى أقدمت بالجهل على سبب الشر، فسوف تعلم حين يظهر مسببه الذي أدى اليه كيف كانت منزلته، فهو أبلغ من الإفصاح به.
و قوله «لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ» فالتقطيع تكثير القطع و نظيره التفصيل و التفريق، و نقيضه التوصيل تقول: قطع قطعاً و أقطع اقطاعا، و قطَّع تقطيعا و تقَّطع تقطعاً و اقتطع اقتطاعاً و تقاطع تقاطعاً و استقطع استقطاعاً و قاطع مقاطعة و انقطع انقطاعاً. و الأيدي جمع يد، و هي الجارحة المخصوصة، و اليد النعمة، لأنها تسدي الى صاحبها باليد. و الأرجل جمع رجل و هي الجارحة التي يمشي بها من يمين و شمال. و الراجل خلاف الراكب و ترجل الإنسان إذا نزل عن دابته واقفاً على رجله، و رَجَّله غيره، و ارتجل القول ارتجالًا إذا كان فيه كالراجل الذي لم يستعن بركوب غيره. و رجَّل الشعر إذا سرحه حاطّاً له
1) سيأتي في 5/ 128 و هو في مقاييس اللغة 4/ 233.
عن ركوب بعضه بعضاً.
و (التقطيع من خلاف) هو قطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، و هو قول الحسن، و قال غيره: و كذلك يكون قطع اليد اليسرى مع الرجل اليمنى.
و قوله «ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ» القراء كلهم على ضم الهمزة، و تشديد اللام من (أصلبكم) و ذكر الفراء «و لأصلبنكم» بفتح الهمزة و كسر اللام من الصلب، و هو الشد على الخشبة أو ما جرى مجراها من الاشخاص البارزة، و هو مشتق من صلابة الشد، يقال: صلب صلابة و صلبه تصليباً و تصلب تصلباً.
و قال ابن عباس: أول من صلب و قطع الايدي و الأرجل من خلاف فرعون.
قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (125)
آية إجماعاً.
و هذا إخبار عن جواب السحرة حين آمنوا، و توعد فرعون إياهم بقطع الأيدي و الأرجل و الصلب بأنهم «قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ» أي راجعون و غرضهم بهذا التسلي في الصبر على الشدة، لما عليه من المثوبة، مع مقابلة وعيده بوعيد هو أشد عليه هو عقاب اللَّه.
و أصل (إنَّا) إننا و حذفت احدى النونين لكثرة النونات، فإذا قيل إننا، فلأنه الأصل و إذا قيل (إنا) فللاستخفاف مع كراهة التضعيف، و الانقلاب الى اللَّه هو الانقلاب الى جزائه و المصير اليه، إلا أنه فخم بالاضافة الى اللَّه لعظم شأنه، و الانقلاب مصير الشيء على نقيض ما كان عليه مما يتغير به، و إذا صار الى الآخرة بعد الدنيا فانقلب اليها، و إذا كان على خلق فتركه ألى ضده فقد انقلب اليه.
وَ ما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَ تَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (126)
آية بلا خلاف.
في هذه الآية إخبار عما قالت السحرة حين آمنوا و توعدهم فرعون بأنواع العذاب بأنهم قالوا له: إنا راجعون الى اللَّه، و قالوا له أيضاً: ليس تنقم منا إلا إيماننا باللَّه و تصديقنا بآياته التي جاءتنا. و النقمة الأخذ بالعقوبة:
نقَم ينقِم، و نقُم ينقُم، و اللغة الاولى أفصح و انتقم انتقاماً و نقمة، فالنقمة ضد النعمة.
و الفرق بين النقمة و الاساءة ان النقمة قد تكون بحق، جزاء على كفر النعمة، و لذلك يقال انتقم اللَّه من فلان نقمة عاجلة، و الاساءة لا تكون الا قبيحة، لأنه ليس لأحد أن يسيء في فعله، و المسيء مذموم على إساءته.
و قوله تعالى «رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً» حكاية عن قول هؤلاء السحرة الذين آمنوا، و أنهم بعد أن قالوا لفرعون ما قالوه، سألوا اللَّه تعالى أن يفرغ عليهم صبراً، و معناه أن يفعل بهم من اللطف ما يصبرون معه على عذاب فرعون و يتشجعوا عليه، و لا يفزعوا منه.
و الافراغ صب ما في الإناء أجمع، حتى يخلو، مشتقاً من الفراغ، و الفراغ نقيض الشغل، و قيل: أفرغ عليه الصبر تشبيهاً بإفراغ الإناء، كما يقال صب عليه العذاب صباً، و الصبر هو حبس النفس عن إظهار الجزع، صبر يصبر صبراً و الصبر على الحق عزٌّ، كما أن الصبر على الباطل ذل.
و الصبر في الجملة محمود، قال اللَّه تعالى «وَ اصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ».
و قوله تعالى «وَ تَوَفَّنا مُسْلِمِينَ» رغبة منهم الى اللَّه تعالى و سؤالهم إياه بأن يقبضهم اليه و يميتهم في حال السلامة.
وَ قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسى وَ قَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ يَذَرَكَ وَ آلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَ نَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَ إِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (127)
آية بلا خلاف.
قرأ أهل الحجاز «سنقتل أبناءهم» بالتخفيف. الباقون بالتثقيل، فمن ثقل ذهب الى التكثير، و من خفف، فلاحتماله التكثير و التقليل.
في هذه الآية إخبار عن إنكار قوم فرعون و أشرافهم و رؤسائهم على فرعون تركه موسى و قومه ليفسدوا في الأرض على اعتقادهم، و إنما أنكروا على فرعون ذلك مع عبادتهم له، لأنه جرى على خلاف عادة الملوك في السطوة بمن خالف عليهم و شق العصا في ملكهم. و كان ذلك بلطف من اللَّه تعالى و حسن دفاعه عن موسى. و عنوا بالإفساد في الأرض دعاء الخلق الى مخالفة فرعون في عبادته و تجهيله إياه في ديانته لما يتفق عليه من ذلك مما لا قبل له به مما فيه انتقاض أمره و بطلان ملكه.
و قوله تعالى «وَ يَذَرَكَ وَ آلِهَتَكَ» معناه قال الحسن: إنه كان يعبد الأصنام، فعلى هذا كان يعبد و يعبد، كما حكى اللَّه تعالى عنه من قوله «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (1)و قال السدي: كان يعبد ما يستحسن من البقر، و على ذلك أخرج السامري «عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَ إِلهُ مُوسى (2)و قال الزجاج: إنما كانت له أصنام يعبدها قومه تقرباً اليه. و قرأ ابن عباس «و يذرك و إلهتك» بمعنى و عبادتك. و قال كان فرعون يعبد و لا يَعبد، و قال بعضهم (إلاهتك) إنما هو تأنيث إله و جمعه آلهتك كما قال الشاعر، و هو عتيبة بن شهاب اليربوعي
تروحنا من اللعباء قصراً فأعجلنا الاهة ان تؤوبا (3)
يعني الشمس، فأدخل التاء في هذا كما أدخلوا في قولهم: ولدتي و كوكبتي و هالتي و هو أهلة ذاك، كما قال الراجز:
يا مضر الحمراء أنت اسرتي و أنت ملجاتي و أنت ظهرتي (1)
و قوله تعالى «سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ» إنما تهددهم بقتل أبنائهم مع ان موسى هو الذي دعاهم الى اللَّه دونهم من حيث أنه لم يطمع فيه، لما رأى من قوة أمره و علوِّ شأنه فعدل الى ضعفاء بني إسرائيل بقتل أبنائهم ليوهم انه يتم له ذلك فيهم.
و قوله تعالى «وَ نَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ» معناه نستبقي من تولد من بناتهم للمهنة و الخدمة من غير أن يكون لهم نجدة و لا عندهم منعة.
و نصب قوله «و يذرك» لاحد وجهين: أحدهما- الصرف، و الآخر العطف. و الصرف على ان يكون تقديره ليفسدوا في الأرض الى ان يذرك و آلهتك، و العطف على ليفسدوا و يذرك. و قرأ الحسن «و يذرك» بالرفع عطفا على أ تذر، و يجوز فيه الاستئناف، و هو يذرك.
قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَ اصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)
آية بلا خلاف.
هذا حكاية من اللَّه تعالى عما قال موسى لقومه حين تهددهم فرعون بقتل أبنائهم و استحياء نسائهم، و انه أمرهم ان يستعينوا باللَّه و الاستعانة طلب المعونة، و قد يسأل السائل المعونة لغيره يقول: اللهم أعنه على أمره الا ان الغالب على الاستعانة طلب المعونة لنفس الطالب.
و قوله «و اصبروا» أمر من موسى إياهم بالصبر و هو حبس النفس
1) لم أعرف قائله. و هو في تفسير الطبري 13/ 41.
عما يؤدي الى ترك الحق مع تجرع مرارة ذلك الحبس و نقيضه الجزع قال الشاعر:
فان تصبرا فالصبر خير مغبة و ان تجزعا فالأمر ما تريان (1)
و قوله «إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ» اخبار عما قال موسى لقومه من أن الأرض كلها ملك للَّه يورثها من يشاء من عباده، و الإرث جعل الشيء للخلف بعد السلف، و الأغلب ان يكون ذلك في الأموال، و قد يستعمل في غيرها مجازا كقولهم: العلماء ورثة الأنبياء، و قولهم ما ورث والد ولدا أجلُّ من ادب حسن.
و معنى «يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ» قيل في معناه قولان:
أحدهما- التسلية لهم بأنها لا تبقي على أحد لأنها تنقل من قوم الى قوم اما محنة او عقوبة.
الثاني- الاطماع في ان يورثهم اللَّه ارض فرعون و قومه.
و المشيئة هي الارادة و هي ما أثرت في وقوع الفعل على وجه دون وجه من حسن أو قبح او غيرهما من الوجوه.
و قوله تعالى «وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» فالعاقبة ما تؤدي اليه التأدية من خير او شر الا انه إذا قيل: العاقبة له فهو في الخير، فإذا قيل: العاقبة عليه فهو في الشر مثل الدائرة له و عليه و قال ابن عباس: لما آمنت السحرة اتبع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل.
قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَ مِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)
آية بلا خلاف.
1) مر في 1/ 202.
هذا اخبار من اللَّه تعالى عن ما قال قوم موسى لموسى بأنا أوذينا من قبل أن تأتينا بالرسالة. و الأذى ضرر لا يبلغ بصاحبه ان يأتي على نفسه، تقول: آذاه يؤذيه أذى و تأذى به تأذيا، و مثله آلمه يؤلمه ايلاما و تألم به تألما. و الأذى الذي كان بهم قيل: هو استعباد فرعون إياهم و قتل أبنائهم و استحياء نسائهم للاستخدام. و الذي كان بعد مجيء موسى الوعيد لهم بتجديد ذلك العذاب من فرعون و التوعيد عليه، و كان هذا على سبيل الاستبطاء منهم لما وعدهم فجدد الوعد لهم و حققه، و قال الحسن: كان يأخذ منهم الجزية.
و قوله «قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ» قال سيبويه: لعل و عسى طمع و اشفاق، و قال الحسن (عسى) من اللَّه واجبة، و به قال الزجاج.
و قال ابو علي الفارسي (عسى) هاهنا يقين.
و قوله «وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ» قال أبو علي: استخلفوا في مصر بعد موت موسى (ع) في التيه. ثم فتح اللَّه لهم بيت المقدس مع يوشع بن نون. ثم فتح اللَّه لهم مصر و غيرها في زمن داود و سليمان، فملكوها في ذلك الزمان على ما وعدوا به من الاستخلاف.
و قوله تعالى «فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» قيل: ان معنى ينظر- هاهنا- يعلم، و قيل يرى و كلا منهما مجاز لان النظر هو الطلب لما يدرك و هذا لا يجوز عليه تعالى، و لكنه جاء على قوله تعالى «وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ» (1)و فائدة الآية تسليمة موسى (ع) لقومه بما وعدهم عن اللَّه من إهلاك فرعون و قومه و جعل قومه بدلا منهم ليعملوا بطاعته.
وَ لَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَ نَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130)
1) سورة 47 محمد آية 31.
آية بلا خلاف.
أخبر اللَّه تعالى في هذه الآية، و اقسم عليه بأنه أخذ آل فرعون بالسنين و هي الأعوام المقحطة، و اللام في قوله «لقد» لام القسم، (و قد) معناه الاخبار عن متوقع و هي تقرب الماضي من الحال، لأنه إذا توقع كون أمر فقيل قد كان، دل على قربه من الحال. و الآل خاصة الرجل الذين يؤول أمرهم اليه، و لذلك يقال: اهل البلد، و لا يقال: آل البلد، لان في الأهل معنى القرب في نسب او مكان، و ليس كذلك الآل.
و معنى «أخذناهم بالسنين» أخذناهم بالجدوب، و العرب تقول:
أخذتهم السنة إذا كانت قحطة يقال أسنت القوم إذا أجدبوا، و انما قيل للمجدبة: السنة و لم يقل للخصبة، لأنها نادرة في الانفراد بالجدب، و النادر أحق بالافراد بالذكر، لانفراده بالمعنى الذي ندر به. و قال الفراء: معنى بالسنين بالجدوبة تقول العرب (وجدنا البلاد سنين) أي جدوبا، قال الشاعر:
و أموال اللئام بكل أرض تجحفها الجوائح و السنون
و قال آخر:
كأن الناس إذ فقدوا علياً نعام جال في بلد سنيناً
أي في بلد جدوب و أهل الحجاز و علياء قيس يقولون: هن السنون، فيجعلونها بالواو في الرفع، و بالياء في الخفض و النصب على هجاءين، و بعض تميم يقول هي السنين، فإذا ألقوا الألف و اللام لم يجروها، فقالوا قد مضت له سنون كثيرة، و كنت عندهم بضع سنين، و بنو عامر، فإنهم يجرونها في النصب و الجر و الرفع فيقولون: أقمت عنده سنيناً كثيرة. و قال الكسائي:
على هجاءين في اللغة الغالبة في كلام العرب: السنون، و السنين و ينصبون النون على كل حال مثل نون الجمع في الموضعين، و عليه اجماع القراء، قال:
و بعض العرب يجعلها على هجاء واحد، و يلزم النون الاعراب بجعلها كأنها من
نفس الكلمة، و أنشد:
سنيني كلها واسيت حرباً أقاس مع الصلادمة الذكور
و أنشد:
و لقد ولدت بنين صدق سادة و لأنت بعد اللَّه كنت السيدا
فأثبت النون في بنين و هي مضافة.
و قوله تعالى «وَ نَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ» أي و أخذناهم مع القحط و جدب الأرض بنقصان من الثمار.
و قوله تعالى «لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ» معناه لكي يتفكروا في ذلك و يرجعوا الى الحق و إنما قال «لعلهم» و هي موضوعة للشك و هو لا يجوز في كلام اللَّه لأنهم عُومِلوا معاملة الشاك مظاهرة في القول كما جاء الابتلاء و الاختيار مثل ذلك. و الآية تدل على بطلان مذهب المجبرة من أن اللَّه تعالى يريد الكفر و المعاصي، لأنه بين أنه فعل بهم ذلك لكي يذكروا، و يرجعوا فقد أراد منهم الاذكار، فكأنه قال من أجل أن يذكروا، و ليس كذلك إذا كلفهم من أجل الثواب، لأن إرادة المريد لما يكون من فعله في المستأنف عزم، و ذلك لا يجوز عليه تعالى، و ليس كذلك إرادته لفعل غيره، قال مجاهد: السنين الحاجة، و نقص من الثمرات دون ذلك، و قال قتادة: كان السنين بباديتهم، «وَ نَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ» كان في أمصارهم و قراهم. و قال كعب: يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة الا تمرة.
فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَ مَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (131)
آية بلا خلاف.
المراد بالحسنة- هاهنا- النعمة من الخصب و السعة في الرزق و العافية
و السلامة. و (السيئة) النقمة من الجدب و ضيق الرزق و المرض و البلاء، و فيه ضرب من المجاز، لأن حقيقة الحسنة ما حسن من الفعل في العقل، و السيئة ما قبح من الفعل، و إنما شبه هذا بذلك، لتقبل العقل لهذا كتقبل الطبع لذلك. و قال قوم: هو مشترك لظهور العلم في ذلك في الناس جميعاً على منزلة سواء.
أخبر اللَّه تعالى عن قوم فرعون أنه إذا جاءهم الخصب و السعة و النعمة من اللَّه «قالُوا لَنا هذِهِ» و المعنى إنا نستحق ذلك على العادة الجارية لنا من نعمنا وسعة أرزاقنا في بلادنا، و لم يعلموا أنه من اللَّه فيشكروه عليه و يؤدوا حق النعمة، لئلا يسلبهم اللَّه إياها.
و قوله «وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ» يعني جدب و قحط و بلاء «يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَ مَنْ مَعَهُ» و المعنى إنهم تشاءموا بهم، و هو قول الحسن و مجاهد، و ابن زيد، لأن العرب كانت تزجر الطير، فتتشاءم بالبارح و هو الذي يأتي من جهة الشمال، و تتبرك بالسانح، و هو الذي يأتي من جهة اليمين، قال الشاعر:
زجرت لها طير الشمال فإن يكن هواك الذي يهوى يصبك اجتنابها»
و قال آخر:
فقلت غراب لا اغتراب من النوى و بان لبين ذي العيافة و الزجر
و أصل الطائر النصيب، يقال: طار له من القسم كذا و كذا، و أنشد ابن الأعرابي:
و اني لست منك و لست مني إذا ما طار من مالي الثمين
أي أخذت الزوجة ثمنها من ميراثه.
و قوله تعالى «أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ» معناه إن اللَّه هو الذي يأتي بطائر البركة و طائر الشؤم، من الخير و الشر و النفع و الضِّر، فلو عقلوا طلبوا الخير من جهته، و السلامة من الشر من قبله.
و موضع (إذا) نصب بأنها ظرف للقول، و لا يجوز أن يعمل فيها الفعل الذي يليها، لأنها مضافة اليه، و لو جازيت بها جاز عمله فيها، و قال الأزهري و الزجاج: معنى «إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ» شؤمهم الذي وعدوا به من العقاب عند اللَّه يفعله بهم يوم القيامة، و قال ابن عباس معناه إن مصائبهم عند اللَّه.
وَ قالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132)
آية بلا خلاف.
«مهما» أي شيء، و قال الخليل: أصلها (ما) إلا أنهم أدخلوا عليها (ما) كما يدخلونها على حروف الجزاء، فيقولون (ماما) و (متى ما) و (إذا ما) فغيروا ألفها بأن أبدلوها هاء، لئلا يتوهم التكرير و صار (ما) فيها مبالغة في معنى العموم، و قال غيره: أصلها (مه) بمعنى اكفف دخلت على (ما) التي للجزاء.
و الفرق بين (ما) و (مهما) أن (مهما) خالصة للجزاء و في (ما) اشتراك، لأنها قد تكون استفهاماً تارة، و بمعنى الذي أخرى، و تارة بمعنى الجزاء، و إن كان الأصل في (مهما) (ما)، لأن (ما) يجازى به من الأسماء ما قد لا يستعمل في الجزاء، و التركيب ظاهر فيها لفظا و معنى.
و قوله تعالى «تأتنا» في موضع جزم، و علامة الجزم فيه حذف الياء، و إنما حذف الحرف للجزم، لأنه من حروف المد و اللين، و هي مجانسة لحركات الاعراب، و من شأن الجازم أن يحذف ما يصادفه من الحركة، فإن لم يصادف حركة عمل في نفس الحرف، لئلا يتعطل عن العمل.
في هذه الآية إخبار من اللَّه تعالى، و حكاية ما قال قوم فرعون لموسى (ع) بأنهم قالوا له: أي شيء تأتينا به من المعجزات و تسحرنا بها، فانا لا نصدقك عليه، و لا نؤمن بك. و (الآية) هي المعجزة الدالة على نبوته، و هو كل ما يعجز الخلق عن معارضته و مقاومته، كما لا يمكن مقاومة الشبهة للحجة،
و كما لا يمكن أن يقاوم الجهل للعلم، و السراب للماء، و ان توهم ذلك قبل النظر و الاعتبار، و يخيل قبل الاستدلال الذي يزول معه الالتباس، و قد بينا حقيقة السحر فيما مضى، و قد يسمى السحر ما لا يعرف سببه و إن لم يكن محظوراً، كما
روي عنه (ص) أنه قال: (إن من البيان لسحراً)
و كما قال الشاعر:
و حديثها السحر الحلال لو أنه لم يجز قتل المسلم المتحرز
و ذلك مجاز و تشبيه دون أن يكون حقيقة.
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَ الْجَرادَ وَ الْقُمَّلَ وَ الضَّفادِعَ وَ الدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَ كانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (133)
آية.
أخبر اللَّه تعالى أنه لما قال فرعون و قومه ما قالوا- من أنهم لا يؤمنون، و ان أتى بجميع الآيات، فإنهم لا يصدقونه على نبوته- أنه أرسل عليهم الطوفان، و هو السيل الذي يعم بتفريقه الأرض، و هو مأخوذ من الطوف فيها، و قيل: هو مصدر كالرجحان و النقصان. و قال الأخفش: واحده طوفانة، و أما المفسرون فإنهم اختلفوا في معناه، فقال ابن عباس في بعض الروايات عنه: إنه الغرق. و قال مجاهد: هو الموت. و في رواية أخرى عن ابن عباس أنه كان أمراً من اللَّه تعالى طاف بهم، و قال تعالى في قصة نوح «فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَ هُمْ ظالِمُونَ» (1)و قال الحسن بن عرفطة:
غيَّر الجدة من آياتها خرق الريح بطوفان المطر (2)
و قال الراعي:
تضحى إذا العيس أدركنا نكائثها خرقاء يعتادها الطوفان و الزُّؤد (1)
الزؤد الفزع، و قال أبو النجم:
قد مدَّ طوفان فبث مددا شهراً شآبيب و شهراً بردا (2)
و قال أبو عبيدة: الطوفان من السيل البعاق، و من الموت الذريع.
و قوله تعالى «و القمل» فاختلفوا في معناه، فقال ابن عباس- في رواية عنه- و قتادة و مجاهد: إنه بنات الجراد، و هو الدبا صغار الجراد الذي لا أجنحة له. و في رواية أخرى عن ابن عباس و سعيد: أنه السوس الذي يقع في الحنطة. و قال ابن زيد هو البراغيث. و قال أبو عبيدة: هو الحمنان واحده حمنة. و قيل: حمنانة و هو كبار القردان. و قال الحسن و سعيد بن جبير: هو دواب صغار سود واحدته قملة، قال الأعشى:
قوم تعالج قملًا أبناؤهم و سلاسلًا أجداً و باباً مؤصدا (3)
و قوله «و الضفادع» فهو جمع ضفدع، فهو ضرب من الحيوان يكون في الماء له نقيق و اصطخاب، و هو معروف. و قيل: إنه كان يوجد في فرشهم و أبنيتهم و يدخل في ثيابهم، فيشتد أذاهم به.
و (الدم) معروف و قد حده الرماني: بأنه جسم مائع أحمر مسترق عرض له الجمود كهذا الذي يجري في العروق. و قيل: إن مياههم كانت عذبة طيبة فانقلبت دماً، فكان الاسرائيلي إذا أغترف صار ماء، و إذا اغترف القبطي كان دماً، حتى ان المرأة القبطية تقول للمرأة الاسرائيلية مجِّي من فيك
في فمي فإذا فعلت ذلك تحول دماً، و قال زيد بن أسلم: الذي سلط اللَّه عليهم، كان الرعاف.
و قوله «آياتٍ مُفَصَّلاتٍ» نصب على الحال، قال مجاهد: معجزات مبينات ظاهرات و أدلة واضحات. و قال غيره: لأنها كانت تجيء شيئاً بعد شيء، و قيل: إنها كانت تمكث من السبت الى السبت، ثم ترفع شهراً- في قول ابن جريج-.
قوله «فَاسْتَكْبَرُوا وَ كانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ» معناه إنهم مع مشاهدتهم لهذه الآيات العظيمة و المعجزات الظاهرة، أنفوا من الحق و تكبروا عن الإذعان و الانقياد له، و كانوا قوماً عصاة مرتكبين للاجرام و الآثام.
وَ لَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَ لَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (135)
آيتان.
(لما) للماضي مثل (لو). و (إذا) للمستقبل مثل (أن) و إن دخلت على الماضي.
أخبر اللَّه تعالى عن هؤلاء القوم أنه حين وقع عليهم الرجز ... و هو العذاب- في قول الحسن و مجاهد و قتادة و ابن زيد و في قول سعيد بن جبير:
هو الطاعون و قال قوم هو الثلج و لم يكن وقع قبل ذلك، و أصل الرجز الميل عن الحق، و منه قوله تعالى «وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ» (1)يعني عبادة الوثن، و العذاب رجز، لأنه عقوبة على الميل عن الحق، و منه الرجازة ما يعدل به الحمل إذا مال، و الرجازة أيضاً صوف أحمر يزيَّن به الهودج، لأنه كالرجازة
1) سورة 74 المدَّثر آية 5.
التي هي تقويم له إذا مال، و الرجز: رعدة في رجل الناقة لداء يلحقها يعدل بها عن حق سيرها، و الرجز ضرب من الشعر أخذ من رجز الناقة، لأنه متحرك و ساكن ثم متحرك و ساكن في كل أجزائه، فهو كالرعدة في رجل الناقة، يتحرك بها، ثم يسكن، ثم يستمر على ذلك.
و قوله «قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ» حكاية لمسألة قوم فرعون لموسى أن يدعو اللَّه لهم بما عهد عند موسى، و العهد التقدم في الأمر فمنه العهد الوصية، و العهود الوثائق و الشروط. و العهد مطر بعد مطر قد عهد قبله. و المعاهد المعاقد على الذمة، و التعاهد التقدم في تفقد الشيء و كذلك التعهد و قيل في معنى «بِما عَهِدَ عِنْدَكَ» قولان:
أحدهما- بما تقدم اليك به و علمك أن تدعوه به فإنه يجيبك كما أجابك في آياتك.
الثاني- بما عهد عندك من العهد على معنى القسم.
و قوله «فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ» فيه إخبار من اللَّه تعالى أنه لما كشف عنهم العذاب عند ذلك و أخرهم الى أجل هم بالغوه يعني أجل الموت «إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ» و انهم عند ذلك نكثوا ما قالوه و لم يفوا بشيء منه.
و العامل في (إذا) «ينكثون»، و ليست (إذا) هذه (إذا) المضافة الى جملة، بل هي بمنزلة- هناك- و هي المكتفية بالاسم، و لو قال (إذا النكث) صح الكلام، كما تقول: خرجت فإذا زيد. و معنى (إذا) المفاجأة و فيه وقوع خلاف المتوقع منهم، لأنه أتى منهم نقض العهد بدلًا من الوفاء، فكأنه فاجأ الرأي عجب من نكثهم، و البلوغ منتهى المرور، و مثله الوصول، غير أن في الوصول معنى الاتصال، و ليس كذلك البلوغ. و الانتهاء نقيض الابتداء في كل شيء، و إن لم يكن فيه معنى المرور. و النكث نقض العهد الذي يلزم الوفاء به، و مثله الغدر، إلا أن (الغدر) فيما عقد من الايمان على النفس، و لذلك جاء في نقض الغزل في قوله تعالى «كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها
مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً»
(1)و أصله النكاثة و هي تشعيب الشيء من حبل أو غيره. و انتكث الشيء إذا تشعب و النكيثة نقض العهد، و جواب (لما) (إذا) و مثله قوله «وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ» (2)و لا يجوز أن يجاب بعد (إذ)، لأنها لوقت الماضي و الجواب بعد الأول، يقتضي الاستقبال، و لذلك صلحت فيه الفاء و لم يصلح الواو، و حرف الجزاء يقلب الفعل دون الوقت.
فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ كانُوا عَنْها غافِلِينَ (136)
آية بلا خلاف.
أخبر اللَّه تعالى في هذه الآية أنه بعد أن أظهر الآيات التي مضى ذكرها و فزع قوم فرعون الى موسى ليسأل اللَّه أن يرفع عنهم العذاب، فإنهم إذا رفع عنهم ذلك آمنوا، ففعل موسى، و رفع اللَّه عنهم ذلك، و لم يؤمنوا و نكثوا ما عهدوا به من القول و أنه انتقم منهم، و معناه سلب نعمهم بانزال العذاب عليهم و حلول العقاب بهم.
و قوله «فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ» فالاغراق في الأمر أو النزع، فهو مشبه بالاغراق في الماء. و «اليم» البحر في قول الحسن و جميع أهل العلم- قال ذو الرمة:
دوِّيَّة و دجى ليل كأنهما يمٌّ تواطن في حافاته الروم (3)
و قال الراجز:
كبازخ اليم سقاه اليم (4)
و قوله تعالى «بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا» معناه إنا فعلنا بهم ذلك جزاء بما كذبوا من آيات اللَّه و حججه و براهينه الدالة على نبوة موسى و صدقه «وَ كانُوا عَنْها غافِلِينَ» معناه أنهم أنزل عليهم العذاب و كانوا غافلين عن نزول ذلك بهم.
و الغفلة حال تعتري النفس تنافي الفطنة و اليقظة تقول: غفل يغفل غفولا، و غفلا و غفلة، و تغافل تغافلًا و أغفل الأمر إغفالًا، و استغفله استغفالا، و اغتفله اغتفالا و تغفل تغفلا، و غفله تغفيلا و هو مغفل.
فإن قيل كيف جاء الوعيد على الغفلة، و ليست من فعل البشر؟! قلنا عنه ثلاثة أجوبة:
أحدها- أنهم تعرضوا لها حتى صاروا، لا يفطنون بها.
الثاني- أن الوعيد على الاعراض عن الآيات حتى صاروا كالغافلين عنها.
الثالث- أن المعنى و كانوا عن النعمة غافلين و دل عليه (انتقمنا).
وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَ دَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَ قَوْمُهُ وَ ما كانُوا يَعْرِشُونَ (137)
آية في الكوفي و البصري، و في المدنيين آيتان آخر الاولى «بني إسرائيل» قرأ ابن عامر و أبو بكر عن عاصم «يعرشون» بضم الراء. الباقون بكسرها، و هما لغتان فصيحتان: الكسر و الضم، و الكسر أفصح.
أخبر اللَّه تعالى في هذه الآية أنه أورث الأرض مشارقها و مغاربها الذين استضعفوا في يدي فرعون و قومه. و إنما أورثهم بأن أهلك من كان فيها و مكن هؤلاء، و حكم بأن لهم أن يتصرفوا فيها على ما أباحه اللَّه تعالى لهم.
و الاستضعاف طلب الضعف بالاستطالة و القهر. و قد استعمال استضعفته بمعنى
وجدته ضعيفاً بامتحاني إياه، كأنه قال طلبت حال ضعفه بمحنته، فوجدته ضعيفاً. و قوله «بارَكْنا فِيها» يعني بإخراج الزروع و الثمار و سائر صنوف النبات و الأشجار الى غير ذلك من العيون و الأنهار و ضروب المنافع للعباد.
و قيل «بارَكْنا فِيها» بالخصب الذي حصل فيها.
و مشارق الأرض و مغاربها يريد جهات المشرق بها و المغرب. و قال الحسن هي أرض الشام و مصر. و قال قتادة هي أرض الشام. و قال أبو علي: هي أرض مصر. و قال الزجاج: كان من بني إسرائيل داود و سليمان ملكا جميع الأرض.
و قوله «وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ» يعني صح كلامه بإنجاز الوعد الذي تقدم باهلاك عدوهم، و استخلافهم في الأرض، و إنما كان الانجاز تمام للكلام لتمام النعمة به. و قيل كلمته الحسني هي قوله تعالى «وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ، وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ». و إنما قيل الحسنى، و إن كانت كلمات اللَّه كلها حسنة، لأنه وعد بما يحبون.
و انتصب قوله تعالى «مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا» لأحد أمرين:
أحدهما- بأنه مفعول (أورثنا) كقولك: أورثه المال.
الثاني- بأنه ظرف كأنه قال: أورثتهم الأرض التي باركنا فيها في مشارقها و مغاربها، و الأول أظهر.
و قوله «وَ دَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَ قَوْمُهُ» معناه أهلكنا ما كان عمله فرعون و قومه مما كانوا يستعبدونهم و يسعون في افساد أمر موسى و يستعينون به في أمرهم «وَ ما كانُوا يَعْرِشُونَ» معناه ما كانوا يبنونه من الأبنية و القصور- في قول ابن عباس و مجاهد. و قال الحسن: هو تعريش الكرم. و قال أبو علي: تعريش الشجر و الأبنية. و أصل التعريش الرفع، قال أبو عبيدة
«يَعْرِشُونَ» معناه يبنون، و (العرش) في هذا الموضع البناء، يقال: عروش مكة أي بناؤها، و قال أبو الحسن: هما لغتان، و مثله نبطِش و نبطُش و نحشِر و نحشُر، في أمثال ذلك.
وَ جاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138)
آية بلا خلاف.
قرأ حمزة و الكسائي و خلف يعكفون- بكسر الكاف- الباقون بضمها و هما لغتان، و مثله يفسقون- بكسر السين- و الضم، في أمثال ذلك.
المجاوزة الإخراج عن الحد يقال: جاوز الوادي جوازاً إذا قطعه و خلَّفه وراءه و تقول: جاز يجوز جوازاً، و أجازه إجازة، و جاوزه مجاوزة، و تجاوز تجاوزاً، و اجتاز اجتيازاً، و تجوَّز تجوزاً، و جوَّزه تجويزاً، و استجاز استجازة. و البحر الواسع العظيم السعة من مستقر الماء مما هو أعظم من كل نهر، و أصله السعة، و منه البحيرة التي يبحر أذنها أي توسع شقتها، و تبحر في العلم: إذا اتسع فيه، و قوي تصرفه به.
أخبر اللَّه تعالى في هذه الآية أنه حين أجاز قوم موسى و قطع بهم البحر و أنجاهم من العدو و أغرق عدوهم فرعون و قومه، و أنهم بلغوا الى قوم عاكفين على أصنام لهم- و معنى (العكوف) اللزوم للأمر بالإقبال عليه و المراعاة له تقول: عكف عكوفاً و اعتكف اعتكافاً، و منه الاعتكاف لزوم المسجد للعبادة فيه، و عكف عليه أي واظب عليه- و أنه لمَّا رأى قوم موسى أولئك العاكفين على أصنامهم و الملازمين لها دعاهم جبلتهم الى التشبيه بعبادة الأوثان، لما في طبع الإنسان من الحكاية- أن قالوا لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة.
و في طبع كل حيوان الحكاية، و أقوى الحيوان طبعاً في الحكاية القرد، و له حكايات عجيبة، و هذا الطلب منهم يدل على جهل عظيم من بني إسرائيل بعد ما رأوا الآيات التي توالت على فرعون و قومه حتى غرَّقهم اللَّه في البحر بكفرهم بعد ما نجَّا بني إسرائيل، فلم يردعهم ذلك عن أن قالوا لموسى (ع) «اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ» و توهمهم أنه يجوز عبادة غير اللَّه، و إن اعتقدوا أنه لا يشبه الأشياء و لا تشبهه، و لا يدل طلبهم ذلك على أنهم مشبهة، لما قلناه.
و قوله تعالى «إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ» حكاية عما أجابهم به موسى (ع) فقال لهم: إنكم قوم تجهلون مَن المستحق للعبادة و ما الذي يجوز أن يتقرب به الى اللَّه تعالى، و يحتمل أن يكون أراد تجهلون من صفات اللَّه ما يجوز عليه و ما لا يجوز.
إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (139)
آية بلا خلاف.
في هذه الآية حكاية عما قال موسى (ع) لقومه حين سألوه أن يجعل لهم إلهاً بعد أن قال لهم «إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ» ما يجوز أن يعبد و ما لا يجوز و أنه أخبرهم «إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ» يشير فيه الى العابد و المعبود من الأصنام و معناه مهلك، فالمتبر المهلك المدمر عليه، و التبار الهلاك، و منه قوله تعالى «وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً» (1)و منه التبر للذهب سمي بذلك لأمرين: أحدهما- أن معدنه مهلكة، و قال الزجاج: يقال لكل أناء متكسر متبر، و كسارته تبره.
و قوله تعالى «وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» فالبطلان انتفاء المعنى بعدمه،
1) سورة 71 نوح آية 28.
و بأنه لا يصح في عدم و لا وجود. و المعنى في بطلان عملهم أنه لا يعود عليهم بنفع و لا يدفع ضرر، فكأنه بمنزلة ما لم يكن من هذا الوجه. و العمل إحداث ما به يكون الشيء على نقيض ما كان، و هو على ضربين: أحدهما- إحداث المعمول. و الآخر- إحداث ما يتغير به.
و (هؤلاء) أصله أولاء ادخلت عليه (هاء) التنبيه، و هو مبني لتضمنه معنى الاشارة المعرفة، و هو مع ذلك مستبهم استبهام الحروف، إذا هو مفتقر في البيان عن معناه الى غيره.
قالَ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَ هُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (140)
آية في هذه الآية إخبار أيضاً عما قال موسى لقومه بعد إزرائه على الأصنام و على من كان يعبدها و أن ما يفعلونه باطل مهلك: أ أطلب غير اللَّه لكم إلهاً؟! قاله على وجه الإنكار عليهم و إن كان بلفظ الاستفهام، فنصب «أغير اللَّه» على أنه مفعول به، و نصب (إلهاً) على أحد شيئين:
أحدهما- كأنه قال أ أطلب لكم غير اللَّه تعالى معبوداً؟!.
و الثاني- أن يكون نصب إلهاً على أنه مفعول به، و نصب (غير) على الحال التي لو تأخرت كانت صفة.
و (بغى) يتعدى الى مفعولين، و طلب يتعدى الى مفعول واحد، لأن معنى بغي أعطى: بغاه الخير أعطاه الخير، و ليس كذلك طلب، لأنه غير مضمن بالمطلوب، و قد يجوز أن يكون بمعنى أبغي لكم.
و قوله «وَ هُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ» قيل في معناه قولان:
أحدهما- قال الحسن و أبو علي و غيرهما: يريد على عالمي زمانهم.
الثاني- معناه خصكم بفضائل من النعم بالآيات التي آتاكم، و إرسال
موسى و هارون، و هما رجلان منكم، و من إهلاك عدوكم بالتغريق في البحر، و نجاتكم. و كل ذلك بمرأى و مستمع منكم. و الفرق بين التعظيم و التفضيل أن التفضيل يدل على فضل في النفس، و هو زيادة على غيره، و ليس كذلك التعظيم، و لذلك جاز وصف اللَّه تعالى بالتعظيم و لم يجز بالتفضيل.
وَ إِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)
آية.
قرأ ابن عامر (نجيناكم) على لفظ الماضي. الباقون «أنجيناكم» و قرأ نافع وحده «يَقتلون» بالتخفيف. الباقون بالتشديد. من شدد أراد التكثير. و من خفف، فلأنه يحتمل القلة و الكثرة.
و قد مضى تفسير مثل هذه الآية في سورة البقرة (1)فلا وجه للتطويل بتفسيرها، و إنما نذكر جملها، فنقول: هذا خطاب لبقية بني إسرائيل الذين كانوا في زمن النبي (ص) فقال لهم على وجه الامتنان عليهم بما أنعم على آبائهم و أسلافهم و اذكروا «إِذْ أَنْجَيْناكُمْ» من آل فرعون بمعنى خلصناكم لأن النجاة الخلاص مما يخاف الى رفعة من الحال، و أصله الارتفاع، فمنه النجا أي الارتفاع في السير، و منه قوله «نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ» (2)أي نلقيك على نجوة من الأرض، و النجو كناية عن الحدث، لأنه كان يلقى بارتفاع من الأرض للابعاد به، و قد كان أيضاً يطلب به الانخفاض للابعاد به.
و الفرق بين (أنجيناكم) و بين (نجيناكم) أن ألف (أنجيناكم) للتعدية
و تشديد [نجيناكم يحتمل التعدية، و يحتمل التكثير.
و قوله تعالى «يَسُومُونَكُمْ» معناه يولونكم اكراها و يحملونكم إذلالا «سُوءَ الْعَذابِ» و أصل السوم مجاوزة الحدِّ فمنه السوم في البيع، و هو تجاوز الحد في السعر الى الزيادة، و السائمة من الإبل الراعية، لأنها تجاوزت حد الانبات للرعي، و منه فلان سيم الخسف أي ألزمه إكراهاً، و (السوء) مأخوذ من أنه يسوء النفس لنافرية لها. «يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ» معناه إن فرعون كان يقتل من تولد من بني إسرائيل ذكراً و يستبقي الإناث للاستخدام.
و قوله تعالى «وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ» فالمراد بالبلاء هاهنا النعمة و قد يكون بمعنى النقمة، و أصله المحنة، فتارة تكون المحنة بالنعمة، و أخرى بالنقمة، و بالخير تارة و بالشر أخرى.
وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَ قالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)
آية بلا خلاف.
قيل في فائدة قوله «وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْناها بِعَشْرٍ» و لم يقل أربعين ليلة أقوال:
أحدها- أنه أراد شهراً و عشرة أيام متوالية. و قيل: إنه ذو العقدة و عشر من ذي الحجة. و لو قال أربعين ليلة لم يعلم أنه كان الابتداء أول الشهر، و لا أن الأيام كانت متوالية، و لا أن الشهر شهر بعينه، هذا قول الفراء، و هو معنى قول مجاهد و ابن جريج و مسروق و ابن عباس، و أكثر المفسرين.
الثاني- أن المعنى وعدناه ثلاثين ليلة يصوم فيها و يتفرد للعبادة بها.
ثم أتمت بعشر الى وقت المناجاة. و قيل في العشر نزلت التوراة فلذلك أفردت بالذكر.
الثالث-
قال أبو جعفر (ع) كان أول ما قال لهم: إني أتأخر عنكم ثلاثين يوماً، ليسهل عليهم، ثم زاد عليهم عشراً، و ليس في ذلك كذب، لأنه إذا تأخر عنهم أربعين ليلة، فقد تأخر ثلاثين قبلها.
و قال الحسن كان الموعد أربعين ليلة في أصل الوعد، فقال في البقرة «واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (1)و فصله- هاهنا- على وجه التأكيد فقال ثلاثين ليلة و أتممناها بعشر.
و قوله تعالى «فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» و معناه فتم الميقات أربعين ليلة، و إنما قال ذلك مع أن ما تقدم دل على هذا العدد، لأنه لو لم يورد الجملة بعد التفصيل و هو الذي يسميه الكتاب الفذلكة، لظن قوله «وَ أَتْمَمْناها بِعَشْرٍ» أي كملنا الثلاثين بعشر حتى كملت ثلاثين، كما يقال: تممت العشرة بدرهمين و سلمتها اليه.
و قيل في معنى قوله تعالى «واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً» ينفرد فيها للعبادة في المكان الذي وقت له ثم أتم الأربعين.
و الفرق بين الميقات و الوقت أن الميقات ما قدر ليعمل فيه عمل من الاعمال و الوقت وقت الشيء قدره مقدر أو لم يقدره، و لذلك قيل: مواقيت الحج و هي المواضع التي قدرت للإحرام بها.
و قوله تعالى «وَ قالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ» الذين يفسدون في الأرض، و انما أمره بذلك مع أنه نبي مرسل، لأن الرياسة كانت لموسى (ع) على هارون و جميع أمته، و لم يكن يجوز أن يقول هارون لموسى مثل ذلك. و قال أبو علي: السبعون الذين اختارهم موسى للميقات كانوا معه في هذا الخروج، و سمعوا كلام اللَّه لموسى (ع) و كانوا شهدوا له بذلك.
و قوله «هارون» في موضع جرّ، لأنه بدل من قوله (لأخيه) و إنما فتح لأنه لا ينصرف، و لو رفع على النداء كان جائزاً و لم يقرأ به أحد.
1) سورة 2 البقرة آية 51.
وَ لَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)
آية بلا خلاف.
قرأ أهل الحجاز إلا عاصماً «دكاء» بالمد و الهمزة من غير تنوين- هاهنا و في الكهف- وافقهم عاصم في الكهف. الباقون «دكاً» منونة مقصورة في الموضعين، قال أبو زيد: يقال: دككت على الميت التراب أدكه دكاً: إذا دفنته و أهلت عليه، و هما بمعنى واحد، و دككت الركية دكاً إذا دفنته، و دك الرجل فهو مدكوك إذا مرض، و قال أبو عبيدة «جعله دكاً» أي مندكاً، و الدَّك و الدَّكة مصدره، و ناقة دكاء ذاهبة السنام و الدك المستوي، و انشد للأغلب: هل غير عاد دكَّ عاداً فانهدم و قال أبو الحسن: لما قال «جعله دكاً» فكأنه قال: دكه أي أراد جعله ذا دك، و يقال: دكاء جعلوها مثل الناقة الدكاء التي لا سنام لها. قال أبو علي الفارسي: المضاف محذوف- على تقدير في قول أبي الحسن، و في التنزيل «وَ حُمِلَتِ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً» (1)و قال «كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا» (2)و قال الرماني: معنى دكاً مستويا بالأرض، يقال: دكه يدكه دكاً إذا سحقه سحقاً، و منه الدكة. و اندك السنام إذا لصق بالظهر.
و قال الزجاج: دكاً يعني مدقوقاً مع الأرض، و الدكاء و الدكاوات الروابي
التي مع الأرض ناشزة عنها لا تبلغ أن تكون جبلًا. و قيل: إيه سباخ في الأرض- في قول الحسن و سفيان و أبي بكر الهذلي. و قال ابن عباس:
صار تراباً، و قال حميد:
يدك أركان الجبال هزمه يخطر بالبيض الرقال بهمه (1)
و قيل في معنى قراءة من قرأها ممدودة قولان:
أحدهما- انه شبَّه الجبل بالناقة التي لا سنام لها، فيقال لها: دكاء فكأنه قال فجعله مثل دكاء.
الثاني- فجعله أرضاً دكاء.
أخبر اللَّه تعالى في هذه الآية أن موسى (ع) لما جاء الى ميقات ربه و هو الموضع الذي وقته له، و كلَّمه اللَّه تعالى فيه سأل اللَّه تعالى أن يريه لينظر اليه.
و اختلف المفسرون في وجه مسألة موسى (ع) ذلك مع أن الرؤية بالحاسة لا تجوز عليه تعالى على ثلاثة أقوال:
أحدها- أنه سأل الرؤية لقومه حين، قالوا له «لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً» (2)بدلالة قوله «أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا» (3).
فإن قيل على هذا ينبغي أن يجوزوا أن يسأل اللَّه تعالى هل هو جسم أم لا أو يسأله الصعود و النزول، و غير ذلك مما لا يجوز عليه؟!! قلنا عنه جوابان:
أحدهما- أنه يجوز ذلك إذا علم أن في ورود الجواب من جهة اللَّه مصلحة، و أنه أقرب الى زوال الشبهة عن القوم بأن ذلك لا يجوز عليه تعالى، كما جاز ذلك في مسألة الرؤية. و قال الجبائي: إنهم سألوا اللَّه تعالى قبل ذلك هل يجوز عليه تعالى النوم أم لا؟ و قالوا له: سل اللَّه أن يبين لنا ذلك، فسأل اللَّه تعالى ذلك، فأمره بأن يأخذ قدحين يملأ أحدهما ماء، و الآخر دهناً، ففعل
و ألقى عليه النعاس، فضرب أحدهما على الآخر فانكسرا، فأوحى اللَّه تعالى اليه أن لو جاز عليه تعالى النوم لاضطراب أمر العالم، كما اضطرب القدحان في مدة حتى تكسرا.
الثاني- عن هذا السؤال أنه إنما يجوز أن يسأل اللَّه ما يمكن أن يعلم صحته بالسمع، و ما يكون الشك فيه لا يمنع من العلم بصحة السمع، و إنما يمنع من ذلك سؤال الرؤية التي تقتضي الجسمية و التشبيه، لأن الشك في الرؤية التي لا تقتضي التشبيه مثل الشك في رؤية الضمائر و الاعتقادات، و ما لا يجوز عليه الرؤية، و ليس كذلك الشك في كونه جسماً أو ما يتبع كونه جسماً من الصعود و النزول، لأن مع الشك في كونه جسماً، لا يصح العلم بصحة السمع من حيث أن الجسم لا يجوز أن يكون غنياً و لا عالماً بجميع المعلومات، و كلاهما لا بد فيه من العلم بصحة السمع، فلذلك جاز أن يسأل الرؤية التي لا توجب التشبيه و لم يجز أن يسأل كونه جسماً، و ما أشبهه.
و الجواب الثاني- في أصل المسألة: أنه سأل العلم الضروري الذي يحصل في الآخرة، و لا يكون في الدنيا ليزول عنه الخواطر و الشبهات، و الرؤية تكون بمعنى العلم، كما تكون الإدراك بالبصر، كما قال «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ» (1)و أمثاله. و للأنبياء أن يسألوا ما يزول عنهم الوساوس و الخواطر، كما سأل ابراهيم ربه «فقال رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى (2)غير أنه سأل ما يطمئن قلبه الى ذلك و تزول عنه الخواطر و الوساوس، فبين اللَّه تعالى له أن ذلك لا يكون في الدنيا.
الثالث- أنه سأل آية من آيات الساعة التي يعلم معها العلم الذي لا يختلج فيه الشك كما يعلم في الآخرة و هذا قريب من الثاني.
و قال الحسن و الربيع و السدي: إنه سأل الرؤية بالبصر على غير وجه التشبيه.
و قوله «لن تراني» جواب من اللَّه تعالى لموسى أنه لا يراه على الوجه الذي سأله، و ذلك دليل على أنه لا يرى لا في الدنيا و لا في الآخرة، لأن (لن) تنفي على وجه التأبيد، كما قال «وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً» (1)و هذا إنما يمكن أن يعتمده من قال بالجواب الأول، فأما من قال: انه سأل العلم الضروري أو عالماً من أعلام الساعة لا يمكنه أن يعتمده، لأن ذلك يحصل في الآخرة، فيجري ذلك مجرى اختصاص الرؤية بالبصر على مذهب المخالف بحال الدنيا.
و قوله تعالى «فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي» معناه إن استقر الجبل في حال ما جعله دكاً متقطعاً فسوف تراني، فلما كان ذلك محالًا لأن الشيء لا يكون متحركاً ساكناً في حال واحدة، كانت الرؤية المتعلقة بذلك محالة، لأنه لا يعلق بالمحال إلا المحال.
و قوله «فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ» معناه ظهر بآياته التي أحدثها في الجبل لحاضري الجبل بأن «جَعَلَهُ دَكًّا». و قيل: إن اللَّه تعالى أبرز من ملكوته ما تدكدك به إذ في حكمه أن الدنيا لا تقوم لما يبرز من الملكوت الذي في السموات، كما قيل: إنه ابرز الخنصر من العرش، و يجوز أن يكون المراد «فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ» لأهل الجبل، كما قال «وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ» (2)و التجلي هو الظهور، و يكون ذلك تارة بالرؤية، و أخرى بالدلالة، قال الشاعر:
تجلى لنا بالمشرفية و القنا و قد كان عن وقع الأسنة نائيا
و إنما أراد الشاعر أن تدبيره دل عليه حتى علم أنه المدبر لذلك و أن تدبيره صواب، فقال تجلى أي علم، و لم ير بالأبصار، و لا أدرك بالحواس، لأنه كان عن وقع الأسنة نائياً، و لكن استدل عليه بحسن تدبيره.
و قال قوم: معناه فلما تجلى بالجبل لموسى قالوا: و حروف الصفات تتعاقب فيكون (اللام) بمعنى (الباء). و قال قوم: لو أراد موسى الرؤية بالبصر لقال أرينك أو أرني نفسك، و لا يجوز غير ذلك في اللغة.
و قوله «وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً» قيل في معنى ذلك قولان:
أحدهما- قال ابن عباس و الحسن و ابن زيد و أبو علي الجبائي: إنه وقع مغشياً عليه من غير أن يكون قد مات بدلالة قوله «فَلَمَّا أَفاقَ» و لا يقال للميت إذا عاش أفاق، و إنما يقال: عاش أو حيي، و قال قتادة: معناه مات.
و قوله «قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ» قيل في معنى توبته ثلاثة أقوال:
أحدها- أنه تاب، لأنه سأل قبل أن يؤذن له في المسألة، و ليس للأنبياء ذلك.
الثاني- أنه تاب من صغيرة ذكرها.
الثالث- أنه قال ذلك على وجه الانقطاع اليه و الرجوع الى طاعته، و إن كان لم يعص، و هذا هو المعتمد عندنا دون الأولين، على أنه يقال لمن جوز الرؤية على اللَّه تعالى إذا كان موسى (ع) إنما سأل ما يجوز عليه فمن أي شيء تاب؟ فلا بد لهم من مثل ما قلناه من الأجوبة.
فإن قيل: كيف يجوز أن يكون تجويز الرؤية صغيراً مع أنه جهل باللَّه على مذهب من قال إنه كان ذلك صغيرة؟! قيل: لأنه إذا لم تكن الرؤية المطلوبة على وجه التشبيه جرى مجرى تجويزه أن تكون هذه الحركة من مقدورات اللَّه في أنه لا يخرجه من أن يكون عارفاً به تعالى، و إنما شك في الرؤية و الحركة.
و قوله «وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ» قيل في معناه قولان:
أحدهما- قال الجبائي: أنا أول المؤمنين بأنه لا يراك شيء من خلقك فأنا أول المؤمنين من قومي باستعظام سؤال الرؤية.
الثاني- قال مجاهد: و أنا أول المؤمنين من بني إسرائيل.
قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَ بِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144)
آية بلا خلاف.
قرأ أهل الحجاز، و روح «برسالتي» على التوحيد. الباقون «برسالاتي» على الجمع. و الرسالة تجري مجرى المصدر فتفرد في موضع الجمع، و إن لم يكن المصدر من (أرسل) يدلك على أنه جار مجراه قول الأعشى:
ففادك بالخيل أرض العدو و جذعانها كلقيطة العجم (1)
فاعماله إياها إعمال المصدر بذلك على أنه يجري مجراه، و المصدر قد يقع لفظ الواحد فيه و المراد به الكثرة، و كان المعنى على الجمع لأنه مرسل لضروب من الرسالة، و المصادر قد تجمع مثل الحلوم و الألباب. و قال تعالى «إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ» (2)فجمع الأصوات لما أريد بها أجناس مختلفة صوت الحمار بعضها، فأفرد صوت الحمار، و إن كان المراد به الكثرة، لأنه صوت واحد.
أخبر اللَّه تعالى في هذه الآية أنه نادى موسى (ع) و قال له «يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ» و معنى الاصطفاء استخلاص الصفوة لما لها من الفضيلة. و الفضائل على وجوه كثيرة: أجلها قبول الأخلاق الكريمة و الأفعال الجميلة، و لهذا المعنى اصطفي موسى (ع) حتى استحق الرسالة، و أن يكلم بتلقين الحكمة.
و قوله تعالى «برسالاتي و بكلامي» فيه بيان ما به اصطفاه و هو أن جعله نبياً و خصه بكلامه بلا واسطة، و هما نعمتان عظيمتان منه تعالى عليه، فلذلك امتن بهما عليه، و إنما صار في كلام الجليل نعمة على المكلم، لأنه كلمه بتعليم الحكمة من غير واسطة بينه و بين موسى، و من أخذ العلم عن العالم المعظم كان أجل رتبة، و لو كلم إنساناً بالانتهار و الاستخفاف، لكان نقمة عليه بالضد من تلك الحال.
و قوله تعالى «فَخُذْ ما آتَيْتُكَ» معناه تناول ما أعطيتك «وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ» يعني من المعترفين بنعمتي، و الشكر هو الاعتراف بالنعمة مع القيام بحقها على حسب مرتبتها، فإذا كانت من أعظم النعم، وجب أن تقابل
بأعظم الشكر، و هو شكر العباد للَّه وحده على وجه الإخلاص له.
وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَ أْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (145)
آية بلا خلاف.
أخبر اللَّه تعالى في هذه الآية أنه كتب لموسى (ع) في الألواح من كل شيء موعظة و تفصيلًا لكل شيء، و قال الجبائي: المكتوب في الألواح التوراة، فيها اخبار الأمم الماضية، و فصل فيها الحرام و الحلال. و (الألواح) جمع لوح، و قال الزجاج: كانا لوحين فجمع، قال: و يجوز أن تكون ألواحاً جماعة، و اللوح صفيحة مهيأة للكتابة فيها، و قد يقال لوح فضة تشبيهاً باللوح من الخشب، و مثله لو عمل من حجر، و قال الحسن: و كانت الألواح من خشب نزلت من السماء، و معنى كتبنا له من كل شيء كتبنا اليه كل ما في شرعه من حلال و حرام، و حسن و قبيح، و واجب و ندب، و غير ذلك مما يحتاجون الى معرفته. و قيل: كتب له التوراة فيها من كل شيء من الحكم و العبر.
و أصل اللوح اللمع يقال: لاح الامر يلوح، لوحا إذا لمع و تلألأ.
و التلويح تضمير، و لوَّحه السفر و العطش إذا غيَّره تغييراً تبين عليه أثره، لأن حاله يلوِّح بما نزل به، و اللوح الهواء، لأنه كاللامع في هبوبه، و اللوح مأخوذ من أن المعاني تلوح بالكتابة فيه. و (الموعظة) التحذير بما يزجر عن القبيح و تبصر مواقع الخوف تقول: وعظه يعظه وعظاً و موعظة، و اتعظ اتعاظاً إذا قبل الوعظ.
و قوله «وَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ» يعني تمييزاً لكل ما يحتاجون اليه.
و قوله «فَخُذْها بِقُوَّةٍ» قيل: معناه بجد و اجتهاد. و قيل: بصحة عزيمة،
و لو أخذه بضعف نية لأداه الى فتور العمل به.
و قوله «وَ أْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها» معناه يأخذوا بأحسن المحاسن، و هي الفرائض و النوافل، و أدونها في الحسن المباح، لأنه لا يستحق عليه حمد و لا ثواب. و قال الجبائي: أحسنها الناسخ دون المنسوخ المنهي عنه، لأن العمل بهذا المنسوخ قبيح. و قال الزجاج: يأخذوا بأحسنها معناه بما هو حسن دون ما هو قبيح، و هذا تأويل بعيد، لأنه لا يقال في الحسن أنه أحسن من القبيح. و يجوز أن يكون المراد بأحسنها حسنها، كما قال تعالى «وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ» (1)و معناه هين. و يحتمل ان يكون أراد بأحسنها الى ما دونه من الحسن، ألا ترى أن استيفاء الدين حسن و تركه أحسن، و أما القصاص في الجنايات فحسن و العفو أحسن و يكون ذلك على وجه الندب.
و قوله عز و جل «سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ» قال الحسن و مجاهد و الجبائي:
يعني به جهنم، و المراد به فليكن منكم على ذكر لتحذروا أن تكونوا منهم، و قال قتادة: هي منازلهم أي لتعتبروا بها و بما صاروا اليه من النكال فيها.
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ كانُوا عَنْها غافِلِينَ (146)
آية بلا خلاف.
قرأ حمزة و الكسائي و خلف «الرشد» بفتح الراء و الشين. الباقون بضم الراء و سكون الشين. و فرق بينهما أبو عمرو بن العلاء، فقال: الرشد- بضم الراء- الصلاح، كقوله «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً» (2)أي صلاحاً، لدفعه اليهم، و الرشد الاستقامة في الدين، كقوله «عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً»
(1)و قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، مثل الحزْن و الحزَن، و السِقم و السَقم، و الرشد سلوك طريق الحق تقول: رشُد يرشد رشداً، و رشِد يرشد رشدا، و أرشده إرشادا، و استرشد استرشادا، و ضده الغي: غوي يغوى غياً و غواية، و أغواه إغواء، و استغواه استغواء. و قال الجبائي و الرماني: معنا «سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ» أي سأصرف عن آياتي من العز و الكرامة بالدلالة التي كسبت الرفعة في الدنيا و الآخرة، و يجوز ان يكون معناه أي احكم عليهم بالانصراف و اسميهم بأنهم منصرفون عنها، لأنهم قد انصرفوا عنها، كما قال «ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ» (2).
و يحتمل أن يكون المراد اني سأصرفهم عن التوراة و القرآن، و ما أوحى اللَّه من كتبه بمعنى امنعهم من إفساده و تغييره و إبطاله، لأنه قال في أول الآية «وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ» الى قوله تعالى «سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ» و يجوز أن يكون المراد «سأريهم آياتي» فينصرفون عنها و هم الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، كما يقول القائل: سأحير فلانا أي اسأله عن شيء فيتحير عند مسألتي، و سأنجل فلانا أي أسأله ما ينجل عنده، و كذلك يقال: سأقطع فلانا بكلامي، و المراد انه سينقطع عند كلامي، و كل ذلك واضح بحمد اللَّه.
و يجوز أن يكون المراد انهم لما عاندوا و تمردوا بعد لزوم الحجة عليهم و حضروا للتلبيس و الشغب على ما حكاه اللَّه عنهم انهم قالوا «لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ» (3)صرفهم اللَّه بلطفه عن الحضور كما كانوا يحضرونه، و يحتمل أن يكون المراد سأصرف عن جزاء آياتي.
و من زعم انه بمعنى سأصرف عن الايمان بآياتي فقد أخطأ، لأنه تعالى لا يأمر بالايمان ثم يمنع منه، لان حكمته تمنع من ذلك.
و الصرف نقل الشيء الى خلاف جهته، يقال: صرفه يصرفه صرفا،
و صرَّفه تصريفا، و تصرف تصرفا، و صارفه مصارفة، و انصرف انصرافا.
و قوله تعالى «الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ» و التكبر اظهار كبر النفس على غيرها، و صفة متكبر صفة ذم في جميع البشر، و هو مدح في صفات اللَّه تعالى، لأنه يستحق اظهار الكبر على كل شيء سواه، لان ذلك حق، و هذا المعني في صفة غيره باطل، فمعنى الآية الاخبار من اللَّه انه يصرف عن ثواب آياته «الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق و ان يروا كل آية لا يؤمنوا بها» يعني الذين إذا شاهدوا الحجج و البراهين لا ينقادون لها، و لا يصدِّقون بها «وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا» و معناه انهم متى رأوا سبيل الصلاح عدلوا عنه، و لم يتخذوه طريقا لهم بمعنى انهم لا يعملون بذلك «وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ ...» يعني و ان يروا ضد الرشد من الكفر و الضلال سلكوه و ارتكبوا معصية اللَّه في ذلك.
و قوله تعالى «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا» يحتمل ذلك أن يكون في موضع رفع أي أمرهم ذلك، و يحتمل ان يكون نصبا أي فعلنا بهم ذلك، لأنهم تكبروا و كذبوا، و معناه: أفعل ذلك بهم، يعني صرفي لهم عن ثواب الآيات الجزيل و المنزلة الجليلة.
و من قال من المجبرة: ان اللَّه تعالى يصرفه عن الايمان قوله باطل، لأنه تعالى لا يجوز ان يصرف أحدا عن الايمان، لأنه لو صرفه عنه ثم أمره به لكان كلفه ما لا يطيقه، و ذلك لا يجوز عليه تعالى. و أيضا فان اللَّه تعالى بين انه يصرفهم عن ذلك في المستقبل، جزاء لهم على كفرهم الذي كفروا، فكيف يكون ذلك صرفا عن الايمان!! و قيل: إن معنى الآية أي سأصرف عن آياتي، و لا أظهرها لهم كما أظهرتها للمؤمنين، و يريد بذلك المعجزات الباهرات، لعلمي بأن إظهارها مفسدة لهم يزدادون عندها كفرا، تبين ذلك في قوله تعالى «وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا».
و قيل: معناه سأصرف عن إبطالها و الطعن فيها بما أظهره من حججها، كما يقال: سأمنعك من فلان أي من أذاه، ذكره البلخي.
وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ لِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (147)
آية بلا خلاف.
هذا إخبار من اللَّه تعالى أن الذين كذبوا بآياته، و جحدوا البعث و النشور في الآخرة. و هي الكرة الثانية، لأنه حقيق على من عرف النشأة الأولى ألا ينكر النشأة الأخرى، لأن الذي قدر على الأولى، فهو على الثانية أقدر، كما أن من بنى دارا ابتداء، فهو على إعادتها أقدر.
و أصل اللقاء التقاء الحدين. ثم يحمل عليه الإدراك، فيقال لما أدركه:
لقيه، فهؤلاء كذبوا بإدراك الآخرة استبعاداً لكونها.
و قوله «حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ» إخبار من اللَّه تعالى أن من كذب بآياته و جحد البعث و النشور تنحبط أعماله، لأنها تقع على خلاف الوجه الذي يستحق بها المدح و الثواب فيصير وجودها و عدمها سواء، و الحبوط سقوط العمل حتى يصير بمنزلة ما لم يعمل.
و أصل الإحباط الفساد مشتق من الحبط، و هو داء يأخذ البعير في بطنه من فساد الكلأ عليه، يقال: حبطت الإبل تحبط: إذا أصابها ذلك، و إذا عمل الإنسان عملا على خلاف الوجه الذي أمر به يقال: أحبطه، بمنزلة من يعمل شيئاً ثم يفسده.
و قوله «هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ» أي به، و صورته صورة الاستفهام و المراد به الإنكار و التوبيخ، و المعنى ليس يجزون إلا ما كانوا يعملون إن خيراً فخيراً و إن شراً فشراً.
وَ اتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَ لا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَ كانُوا ظالِمِينَ (148)
آية بلا خلاف.
قرأ حمزة و الكسائي «من حِلِيّهم»- بكسر الحاء و اللام- الباقون بضم الحاء و كسر اللام و تشديد الياء، و قرأ يعقوب بفتح الحاء و سكون اللام، و تخفيف الياء، فوجه قراءة يعقوب أن (الحلي) اسم جنس يقع على القليل و الكثير. و من قرأ بضم الحاء، فلأنه جمع (حلي) نحو ثِدِيِّ و ثَدْي، و إنما جمعه لأنه أضافه الى جمع.
و من قرأ بكسر الحاء أتبع الكسرة الكسرة، و كره الخروج من الضمة الى الكسرة، و أجراه مجرى (قسي) جمع (قوس).
أخبر اللَّه تعالى عن قوم موسى أنهم اتخذوا من بعد مفارقة موسى لهم و مضيِّه الى ميقات ربه من حليهم، و معنى الاتخاذ الاعداد، و هو (افتعال) من الأخذ و أصله يتخذ إلا أن الياء تقلب في (افتعل) و تدغم لأنها في موضع ثقيل في كلمة واحدة، و لا يجوز في مثل (أحسن نوماً) الإدغام، و الاتخاذ اجتباء الشيء لأمر من الأمور، فهؤلاء اتخذوا العجل للعبادة، و الحلي ما أتخذ للزينة من الذهب و الفضة، يقال: حلي بعيني يحلا، و حلا في فمي يحلو حلاوة، و حليت الرجل تحلية إذا وضعته بما يرى منه. و قد تحلى بكذا أي تحسن به، و العجل ولد البقرة القريب العهد بالولادة، و هو العجول أيضاً، و إنما أخذ من تعجيل أمره لصغره.
و قيل: إنهم عملوا العجل من الذهب، و قوله «جَسَداً لَهُ خُوارٌ» فالجسد جسم الحيوان مثل البدن، و هو روح و جسد، و الروح ما لطف،
و الجسد ما غلظ، و الجسم يقع على جسد الحيوان و غيره من الجمادات، و الخوار صوت الثور، و هو صوت غليظ كالجؤار، و بناء (فعال) يدل على الآفة نحو الصراخ، و العوار و السكات و العطاش و النباح. و في كيفية خوار العجل مع أنه مصوغ من الذهب خلاف، فقال الحسن: قبض السامري قبضة من تراب من أثر فرس جبرائيل (ع) يوم قطع البحر فقذف ذلك التراب في فم العجل، فتحول لحماً و دماً، و كان ذلك معتاداً غير خارق للعادة، و جاز أن يفعل اللَّه لمجرى العادة. و قال الجبائي و البلخي: إنما احتال بإدخال الريح فيه حتى سمع له كالخوار، كما قد يحتال قوم اليوم كذلك.
ثم أخبر تعالى فقال «أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَ لا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا» على وجه الإنكار عليهم و التعجب من جهلهم و بعد تصورهم، فقال: كيف يعبدون هذا العجل، و هم يشاهدونه، و لا يكلمهم و لا يتأتي منه ذلك، و لا يهديهم الى سبيل خير. ثم قال «اتَّخَذُوهُ» إلهاً «وَ كانُوا ظالِمِينَ» في اتخاذهم له إلهاً واضعين للعبادة في غير موضعها.
و الحلي الذي صاغ السامري منه العجل كانوا أصابوه من حلي آل فرعون قذفه البحر، فقال السامري ل (هارون): إن هذا حرام كله و ينبغي أن نحرقه كله أو نصرفه في وجه المصلحة، فأمر هارون بجمع ذلك كله، و أخذه السامري لأنه كان مطاعاً فيهم، فصاغه عجلًا و كان صائغاً، و طرحه في النار و طرح معه التراب الذي معه.
وَ لَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَ رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَ يَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (149)
آية.
قرأ أهل الكوفة إلا عاصماً «لئن لم ترحمنا» بالتاء «ربنا» بالنصب على النداء. الباقون بالياء «ربنا» بالرفع على الخبر.
و معنى قوله «سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ» وقع البلاء في أيديهم أي وجدوه وجدان من يده فيه، يقال: ذلك للنادم عند ما يجده مما كان خفي عليه، و يقال أيضاً:
سقط في يديه أي صار الذي كان يضربه في يديه.
و معنى قوله «وَ رَأَوْا» علموا «أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا» و تبينوا بطلان ما كانوا عليه من عبادة العجل و الكفر و الضلال، لأن ما تعلق به الرؤية، لا يجوز أن يكون مدركاً بالبصر، و هو معنى الجملة، و إنما يصح أن يعلم و أن يدخل على الجملة، و هي في تقدير المفرد، و متى ظهر فساد الاعتقاد، فلا بد أن يندم صاحبه عليه، لأنه لا معنى للاقامة عليه مع توافر الدواعي الى خلافه، كما أنه لا معنى أن يكذب على نفسه مع علمه بكذبه، غير أنه مع ظهور الضلالة لهم لم يكونوا ملجئين الى الندم، لأن الإلجاء يقع إما بالعلم بالمنع أو تخوف من المضرة العاجلة أو النفع العظيم العاجل الذي مثله يلجئ، و لم يكن القوم على واحد من الأمرين، لأنهم كانوا مكلفين للندم.
و في الآية دلالة على بطلان قول من يقول لا محجوج الا عارف، لأن اللَّه وصفهم بأنهم سقط في أيديهم عند ما رأوا من ضلالهم، فدل على أنهم كانوا محجوجين في ترك الضلال الذي إن لم يغفر لهم هلكوا.
و قوله «لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَ يَغْفِرْ لَنا» أخبار عمَّا قال القوم حين تبينوا ضلالهم و سقط في أيديهم و التجائهم الى اللَّه و اعترافهم بأنه ان لم يغفر لهم ربهم و يتغمدهم بمغفرته يكونوا من جملة الخاسرين الذين خسروا أنفسهم بما يستحقونه من العقاب الدائم.
و قال الحسن: كلهم عبدوا العجل إلا هارون بدلالة قول موسى «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِأَخِي» (1)و لو كان هناك مؤمن غيرهما لدعا له، و قال الجبائي:
إنما عبد بعضهم بدلالة ما ورد من الاخبار عن النبي (ص) فيما روي عنه في هذا المعنى.
1) آية 150 من سورة الاعراف.
وَ لَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَ أَلْقَى الْأَلْواحَ وَ أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَ لا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150)
آية بلا خلاف.
قرأ حمزة و الكسائي و أبو بكر و ابن عامر «ابن أم» بكسر الميم.
الباقون بالفتح و القراء كلهم على «تُشمِت» بضم التاء. و قرأ حميد الأعرج، و مجاهد «لا تَشمت» بفتح التاء. و اللغة الفصيحة بضم التاء من (أشمت) و قد ذكر: شمت يَشمت، و أشمت يُشمت.
أخبر اللَّه تعالى في هذه الآية أن موسى حين رجع من مناجاة ربه رجع غضبان آسفاً، لما رأى من عكوف قومه على عبادة العجل. و الغضب معنى يدعو الى الانتقام على ما سلف و هو يضادُّ الرضا، يقال: غضب غضباً و أغضبه إغضاباً و غاضبه مغاضبة و تغضب تغضباً، و الأسف الغضب الذي فيه تأسف على فوت ما سلف. و قال ابن عباس: أسفاً يعني حزيناً، و قال أبو الدرداء:
معناه شديد الغضب بدلالة قوله تعالى «فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا»(1)
و معناه أغضبونا كغضب المتحسر في الشدة، و هو مجاز في الصفة.
و قوله تعالى «بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي» معناه بئس ما عملتم خلفي، يقال: خلفه بما يكره و خلفه بما يحب إذا عمل خلفه ذلك العمل يقال: خلف خلفاً، و أخلف إخلافاً، و خالفة مخالفة، و اختلف اختلافاً، و استخلف استخلافاً
1) سورة 43 الزخرف آية 55.
و تخلَّف تخلفا، و خلف تخليفا، و تخالفا تخالفاً.
و قوله «أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ» قال الجبائي معناه أ عجلتم منه ما وعدكم من ثوابه و رحمته، فلما لم تروه فعل بكم ذلك كفرتم، و استبدلتم به عبادة العجل، و العجلة التقدم بالشيء، قبل وقته، و السرعة عمله في أول وقته، و لذلك صارت العجلة مذمومة، و السرعة محمودة و يقال: عجلته أي سبقته و أعجلته استحثثته.
و قوله «وَ أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ» قيل في معناه قولان:
أحدهما- قال الجبائي: إنما هو كقبض الرجل منا على لحيته و عضه على شفته أو إبهامه، فأجرى موسى هارون مجرى نفسه، فقبض على لحيته، كما يقبض على لحية نفسه اختصاصاً. و قال أبو بكر بن الإخشيد: إن هذا أمر يتغير بالعادة و يجوز أن تكون العادة في ذلك الوقت أنه إذا أراد الإنسان أن يعاتب غيره لا على وجه الهوان أخذ بلحيته و جره اليه ثم تغيرت العادة الآن و قال: انما أخذ برأسه ليسر اليه شيئاً أراده. و قال «يا بن أم» حكاية عما قال هارون لموسى حين أخذ برأسه خوفاً من أن يدخل الشبهة على جهال قومه، فيظنون أن موسى فعل ذلك على وجه الاستخفاف به و الإنكار عليه «يا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي».
و من فتح ميم (أم) تحتمل قراءته أمرين:
أحدهما- أنه بني لكثرة اصطحاب هذين حتى صار بمنزلة اسم واحد مع قوة النداء على التغيير نحو خمسة عشر.
الثاني- أنه على حذف الألف المبدلة من ياء الاضافة، كما قال الشاعر:
يا بنية عما لا تلومي و اهجعي (1)
و القياس يا بن أمي، و من كسر الميم اضافه الى نفسه بعد أن جعله اسماً واحداً، و من العرب من يثبت الياء كما قال الشاعر:
1) سيأتي في 5: 561 من هذا الكتاب و هو في اللسان (عم).
يا بن أمي و يا شقيق نفسي أنت خليتني لدهر شديد (1)
و قال الآخر:
يا بن أمي و لو شهدتك إذ تدعو تميماً و أنت غير مجاب (2)
و قال الحسن: كان أخاه لأبيه و أمه، و العرب تقول ذلك على وجه الاستعطاف بالرحم.
و قوله «فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ» فالشماتة سرور العدو بسوء العاقبة تقول: شمت به شماتة و أشمته إشماتاً إذا عرضته لتلك الحال.
و قوله «وَ أَلْقَى الْأَلْواحَ» يعني رماها. و قال مجاهد: كانت من زمرد أخضر. و قال سعيد بن جبير: كانت من ياقوت أحمر، و قال أبو العالية:
كانت من زبرجد، و قال الحسن: كانت من خشب.
و قوله «وَ لا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» سؤال من هارون لموسى ألا يشمت به عدوه و لا يجعله في جملة القوم الظالمين لبراءة ساحته مما فعل قومه، فلما ظهر لموسى براءة ساحة هارون بأن له عذراً، عذره في المقام بينهم من خوفه على نفسه قال عند ذلك «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِأَخِي».
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِأَخِي وَ أَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151)
آية بلا خلاف.
في هذه الآية حكاية عن دعاء موسى (ع) ربه عز و جل- حين تبين له
1) قائله أبو زبيد آمالي الزبيدي 9 و جمهر اشعار العرب 139 و اللسان (شقق) و تفسير الطبري 13/ 129 و قد روي (كنود) بدل (شديد).
2) قائله غلفاء ابن الحارث، و هو معديكرب بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرارة الكندي و هو عم امرئ القيس، و سمي (غلفاء) لأنه كان يغلف رأسه بالمسك. أنظر الأغاني 12/ 213 و تفسير الطبري 13/ 130.
ما نبهه عليه هارون من خوف التهمة، و دخول الشبهة عليهم بجره رأسه اليه- بأن يغفر له و لأخيه، و أن يدخلهما رحمته، و المقتضي لهذا الدعاء بالمغفرة قيل فيه قولان:
أحدهما- ما أظهره من الموجدة على هارون و هو بريء مما يوجب العتب عليه، لأنه لم يكن منه تقصير في الإنكار على من عبد العجل، لأنه بلغ معهم من الإنكار الى أن همُّوا بقتله لشدة إنكاره، و لذلك قال «إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي».
و الثاني- قال أبو علي: إنه بين بذلك لبني إسرائيل أنه لم يأخذ برأسه على جهة الغضب عليه، و إنما فعل ذلك كما يفعله الإنسان بنفسه عند شدة غضبه على غيره، و لم يكن منه في تلك الحال معصية.
و كان هذا الدعاء من موسى انقطاعاً منه الى اللَّه تعالى، و تقرباً اليه لا أنه كان وقع منه أو من أخيه قبيح صغير أو كبير يحتاج أن يستغفر منه، و من قال: إنه استغفر من صغيرة كانت منه أو من أخيه، فقد أخطأ. و يقال له:
الصغيرة على مذهبكم تقع مكفرة محبطة، فلا معنى لسؤال المغفرة لها. و قد بينا في غير موضع أن الأنبياء (ع) لا يجوز عليهم شيء من القبائح لا كبيرها و لا صغيرها لأن ذلك يؤدي الى التنفير عن قبول قولهم، و الأنبياء منزهون عما ينفر عنهم على كل حال.
و قوله «وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» اعتراف من موسى بأن اللَّه تعالى أرحم الراحمين و اعترافه بذلك دليل على قوة طمعه في نجاح طلبته، لأن من هو أرحم الراحمين يؤمل الرحمة من جهته و من هو أجود الأجودين يؤمل الجود من قبله.
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ ذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152)
آية بلا خلاف.
في هذه الآية حذف، و تقديره إن الذين اتخذوا العجل إلهاً و معبوداً سينالهم غضب، فحذف لدلالة الكلام عليه، و قوله في موضع آخر «فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَ إِلهُ مُوسى فَنَسِيَ» (1).
أخبر اللَّه تعالى في هذه الآية أن الذين اتخذوا العجل إلهاً و عبدوه من دون اللَّه سينالهم غضب، و معناه فسيلحقهم، و النول اللحوق و أصله مدُّ اليد الى الشيء الذي يبلغه، و منه قولهم: نولك أن تفعل كذا أي ينبغي أن تفعله فانه يلحقك خيره و نواله. و تقول: ناوله مناولة، و تناول تناولا، و أناله إنالة.
و قوله «غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ» يعني عقاب من اللَّه تعالى و إنما ذكر الغضب مع الوعيد بالنار لأنه ابلغ في الزجر عن القبيح، كما أن ارادة الحسنة في الدعاء اليها و الترغيب فيها أبلغ من الاقتصار على الوعد بها.
و قوله «وَ ذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» بمعنى صغر النفس و الاهانة، يقال:
ذل يذل ذلة، و اذله إذلالًا، و تذلل تذللًا، و ذلله تذليلًا، و استذله استذلالًا.
و قيل المراد به ما يؤخذ منهم من الجزية على وجه الصغار.
و قوله «وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ» إخبار منه تعالى أنه مثل هذا الوعيد و العذاب و الغضب يجزي الكاذبين و المتخرصين عليه، و إنما كان عبادة غير اللَّه كفراً لأنه تضييع لحق نعمة اللَّه كتضييعه بالجحد للنعمة في عظم المنزلة، و ذلك لما ينطوي عليه من تسوية من أنعم بأجل النعمة بمن لم ينعم، و في ذلك إبطال لحق النعمة.
وَ الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَ آمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153)
آية بلا خلاف.
لمَّا توعد اللَّه تعالى الذين عبدوا مع اللَّه غيره و عطف علي وعيدهم توعيد
1) سورة 20 طه آية 88.
المفترين عليه و المتخرصين في دينه ما لم يأمر اللَّه به، عطف على ذلك، فقال «وَ الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَ آمَنُوا» و هي جمع سيئة و هي الخصلة التي تسوء صاحبها عاقبتها، و هي نقيض الحسنة، كما أن الاساءة نقيض الإحسان «ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَ آمَنُوا» يعني رجعوا الى اللَّه تعالى بعد فعلهم السيِّئة و ندموا عليها و عزموا على أن لا يعودوا الى مثلها في القبح، و آمنوا بما أوجب اللَّه عليهم أجمع «إن ربك» يا محمد «من بعدها» يعني من بعد السيئة «لغفور رحيم» يعني يغفرها لهم و يسترها عليهم، لرحمته بعباده.
و قد بينا فيما مضى أن التوبة التي أجمعوا على سقوط العقاب عندها هي الندم على القبيح، و العزم على أن لا يعود الى مثله في القبح، و في غيرها خلاف، يقال: تاب يتوب توبة و (تاب اللَّه عليه) بمعنى وفقه للتوبة على الدعاء له، و (تاب عليه) أيضا: بمعنى قبل توبته، و التوبة طاعة يستحق بها الثواب بلا خلاف و يسقط العقاب عندها بلا خلاف، إلا أن عندنا يسقط ذلك تفضلا من اللَّه تعالى بورود السمع بذلك و عند المعتزلة العقل يوجب ذلك.
فإن قيل كيف قال «تابُوا مِنْ بَعْدِها وَ آمَنُوا» و التوبة هي إيمان؟
قلنا عنه ثلاثة أجوبة:
أحدها- تابوا من بعد المعصية و آمنوا بتلك التوبة.
الثاني- استأنفوا عمل الايمان.
الثالث- آمنوا بأن اللَّه قابل التوبة. و قيل: إن الآية نزلت فيمن تاب من الذين كانوا عبدوا العجل، فإنهم تابوا و ندموا، و أكثرهم تعبدهم اللَّه بأن يقتلوا أنفسهم فقتل بعضهم بعضاً، و استسلموا لذلك، فقتل في يوم واحد سبعون ألفاً ثم رفع عنهم ذلك و قبل توبتهم.
وَ لَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَ فِي نُسْخَتِها هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)
آية بلا خلاف.
معنى قوله «و لما سكت» سكن، و سمي ذلك سكوتاً و إن كان الغضب لا يتكلم، لأنه لما كان بفورته دالًا على ما في النفس من المغضوب عليه كان بمنزلة الناطق بذلك، فإذا سكنت تلك الفورة كان بمنزلة الساكت عما كان متكلماً به و السكوت في هذا الموضع أحسن من السكون، لتضمنه معنى سكوته عن المعاتبة لأخيه، مع سكون غضبه. و السكوت هو الإمساك عن الكلام بهيئة منافية لسببه، و هو تسكين آلة الكلام.
و إنما قيل: سكت الغضب و سكت الحزن على طريق المجاز إلا أنه في شيء يظهر أثره، فيكون بمنزلة الناطق به، قال أبو النجم:
و همَّت الأفعى بأن تسيحا و سكت المكاء أن يصيحا (1)
فإن قيل: كيف جاز أن يستفزه غضب الحمية عن غضب الحكمة؟
قلنا: ليس كذلك، و لكن غضب الحكمة صحبه غضب الحمية لما توجبه الحكمة. و سكون الغضب عن موسى (ع) لا يدل على أن قومه كانوا تابوا من عبادة العجل، لأنه يحتمل أن تكون زالت فورة الغضب و لم يزل الغضب، لأنه لم يخلص توبتهم بعد.
و يحتمل أن يكون زال غضبه لتوبتهم من كفرهم، و إذا احتمل الأمران لم يحكم بأحدهما إلا بدليل.
و قوله تعالى «أَخَذَ الْأَلْواحَ وَ فِي نُسْخَتِها هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ» معناه أنه لما سكن غضبه رجع فأخذ الألواح التي كان ألقاها، و كان الألواح مكتوبا فيها ما هو هدى و حجة و بيان و رحمة للذين هم لربهم يرهبون بمعنى يخافون عقابه، و يجوز أن يقال: لربهم يرهبون، و لا يجوز يرهبون لربهم، لأنه إذا تقدم المفعول ضعف عمل الفعل فيه فصار بمنزلة ما لا يتعدى في دخول اللام عليه تقدم أو تأخر، كما قال تعالى «ردف لكم» (2).
و في الآية دلالة على أنه يجوز إلقاء التوراة للغضب الذي يظهر بالقائها ثم أخذها، للحكمة التي فيها من غير أن يكون إلقاؤها رغبة عنها.
وَ اخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (155)
آية بلا خلاف.
الاختيار هو إرادة ما هو خير يقال: خيره بين أمرين فاختار أحدهما:
و الاختيار و الإيثار بمعنى واحد.
أخبر اللَّه تعالى أن موسى (ع) اختار من قومه سبعين رجلًا و حذف (من) لدلالة الفعل عليه مع إيجاز اللفظ قال الشاعر:
و منا الذي اختير الرجال سماحة و جوداً إذا هب الرياح الزعازع (1)
و قال غيلان:
و أنت الذي اخترت المذاهب كلها بوهبين إذ ردت عليَّ الأباعر
و قال آخر:
فقلت له اخترها قلوصاً سمينة و ناباً عليها مثل نابك في الحيا (2)
يريد أختر منها، و قال العجاج:
تحت الذي اختار له اللَّه الشجر (1)
و إنما اختار إخراجهم للميقات. و الميقات المذكور- هاهنا- هو الميقات المذكور أولًا، لأنه في سؤال الرؤية، و قد ذكر أولًا و دل عليه ثانياً. و قيل هو غيره، لأنه كان في التوبة من عبادة العجل.
و قوله «فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ» قيل في السبب الذي، لأجله أخذتهم الرجفة قولان:
أحدهما- لأنهم سألوا الرؤية في قول ابن إسحاق.
الثاني- قال ابن عباس: لأنهم لم ينهوا عن عبادة العجل. و قد بينا معنى الرجفة فيما مضى، و أنها الزلزلة العظيمة و الحركة الشديدة.
و قوله «قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ» حكاية عما قال موسى للَّه تعالى، و أنه ناداه، و قال يا رب لو شئت أهلكتني و إياهم من قبل هذا الموقف.
و قوله «أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا» معناه النفي، و إن كان بصورة الإنكار كما تقول (أ تشتمني و أسكت عنك) أي لا يكون ذلك، و المعنى إنك لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا، فبهذا نسألك رفع المحنة بالإهلاك عنا.
و قوله «إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ» معناه إن الرجفة إلا اختبارك و ابتلاؤك و محنتك أي تشديدك تشديد التبعد علينا بالصبر على ما أنزلته بنا من هذه الرجفة و الصاعقة اللتين جعلتهما عقاباً لمن سأل الرؤية و زجراً لهم و لغيرهم، و مثله قوله «أَ وَ لا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ» (2)يعني بذلك الأمراض و الأسقام التي شدد اللَّه بها التعبد على عباده، فسمى ذلك فتنة من حيث يشدد الصبر عليها، و مثله «الم. أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ»
(1)و معناه لا ينالهم شدائد الدنيا و الأمراض و غيرها، و يحتمل أن يكون المراد بذلك أن هي الا عذابك و قد سمى اللَّه تعالى العذاب فتنة في قوله «يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ» (2)أي يعذبون، فكأنه قال ليس هذا الإهلاك إلا عذابك لهم بما فعلوه من الكفر و عبادة العجل، و سؤالهم الرؤية، و غير ذلك. و السبعون الذين كانوا معه و إن لم يعبدوا العجل، فقد كانوا سألوا موسى أن يسأل اللَّه تعالى ان يريه نفسه، ليخبروا بذلك أمته و يشهدوا له بأن اللَّه كلمه، فإن بني إسرائيل قالوا لموسى: لا نصدقك على قولك إن اللَّه كلمك من الشجرة، فاختار السبعين حتى سمعوا كلام اللَّه، و شهدوا له بذلك عند قومه، فسألوا أن يسأل اللَّه الرؤية أيضاً ليشهدوا له، فلذلك استحقوا الإهلاك و لم يثبت أن السبعين كانوا معصومين، و لا أنهم كانوا أنبياء، فينتفي عنهم ذلك.
و قيل المراد بقوله «أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا» أي أ تميتنا بالرجفة التي تميتهم بها، و إن لم يكن ذلك عقوبة لنا. و الهلاك الموت، لقوله «إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ» (3)و الفتنة الكشف و الاختبار، قال المسيب بن علس:
إذ تستبيك بأصلتي ناعم قامت لتفتنه بغير قناع
أي لتكشفه و تبرزه. و قوله «تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ» معناه تضل بترك الصبر على فتنتك و ترك الرضا بها من تشاء عن نيل ثوابك. و دخول جنتك، و تهدي بالرضا بها و الصبر عليها من تشاء، و إنما نسب الضلال الى اللَّه لأنهم ضلوا عند أمره و امتحانه، كما أضيفت زيادة الرجس الى السورة في قوله «فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ» (4)و إن كانوا هم الذين ازدادوا عندها.
و المعنى تختبر بالمحنة من تشاء لينتقل صاحبه عن الضلالة، و تهدي من تشاء
معناه تبصره بدلالة المحنة ليثبت صاحبها على الهداية من تشاء.
و قوله «أَنْتَ وَلِيُّنا». معناه أنت ناصرنا و أولى بنا «فَاغْفِرْ لَنا» سؤال منه المغفرة له و لقومه. و قوله «وَ ارْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ» إخبار من موسى بأن اللَّه خير الساترين على عباده و المتجاوزين لهم عن جرمهم.
وَ اكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (156)
آية بلا خلاف.
هذا تمام الاخبار عما قال موسى و قومه الذين كانوا معه، و أنهم سألوا اللَّه تعالى المغفرة و أن يكتب لهم في هذه الدنيا حسنة و هي النعمة، و إنما سميت النعمة حسنة و إن كانت الحسنة اسم الطاعة للَّه لأمرين:
أحدهما أن النعمة تتقبلها النفس كما يتقبل العقل الحسنة التي هي الطاعة.
و الآخر- أن النعمة ثمرة الطاعة للَّه عز و جل، و إنما سألوا أن يكتب لهم، و لم يسألوا أن يجعل لهم، لأن ما كتب من النعمة أثبت لا سيما إذا كانت الكتابة خبراً بدوام النعمة، و يقال كتب له الرزق في الديوان، فيدل على ثبوته على مرور الأزمان. «وَ فِي الْآخِرَةِ» معناه و اكتب لنا في الآخرة أيضاً النعمة التي هي الثواب «إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ» قال ابن عباس معناه تبنا اليك، و به قال سعيد بن جبير و ابراهيم و قتادة و مجاهد. و أصله الرجوع من هاد يهود، فهو هايد إذا رجع، فمعناه رجعنا بتوبتنا اليك، و التهويد الترفق في السير و التفريج و التمكث. و قال أبو وجرة:- هدنا- بكسر الهاء من هاد يهيد، و هو شاذ، و ثوب مهود أي مرقع ذكره الجبائي، و ليس اليهود
مشتقاً منه، بل إنما قيل يهودي، لأنه نسب الى يهودا، لكن العرب غيرته في النسب.
و قوله «قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ» حكاية عما أجابهم اللَّه به من أن عذابه يصيب به من يشاؤه ممن استحقه بعصيانه. و قيل: إنما علقه بالمشيئة و لم يعلقه بالمعصية لأمرين:
أحدهما- الاشعار بأن وقوعه بالمشيئة له، دون المعصية.
الثاني- انه لا يشأ ذلك إلا على المعصية، فأيهما ذكر دل على الآخر و عندنا أنه علقه بالمشيئة، لأنه كان يجوز الغفران عقلًا بلا توبة.
و قوله «وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» معناه إني أقدر أن أنعم على كل شيء يصح الانعام عليه، و قيل: المعنى إنها تسع كل شيء إن دخلوها، فلو دخل الجميع فيها لو سمعتهم الا أن فيهم من يمتنع منها بالضلال بأن لا يدخل معه فيها، و قال ابن عباس: و هي خاصة في المؤمنين، و قال الحسن و قتادة هي عامة للبرد و الفاجر- في الدنيا- خاصة. و في الآخرة للبر.
و قوله «فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ» معناه إن الرحمة في الآخرة مكتوبة للذين يتقون معاصيه و يحذرون عقابه «وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ» قيل في معناه- هاهنا- قولان:
أحدهما- يخرجون زكاة أموالهم، فذكره، لأنه من أشق فرائضهم.
الثاني- يطيعون اللَّه و رسوله في قول ابن عباس و الحسن ذهبا الى ما يزكي النفس و يطهرها من الأعمال، و الذين هم بآياتنا يؤمنون يعني أكتبها للذين يصدقون بآيات اللَّه و حججه و بيناته، و ليس إذا كتب الرحمة للذين يتقون منع أن يغفر للعصاة و الفساق بلا توبة، لأن الذي تفيده الآية القطع على وصول الرحمة الى المتقين، و الفساق ليس ذلك بمقطوع لهم و إن كان مجوَّزاً.
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)
آية بلا خلاف.
قرأ «إصارهم» ابن عامر وحده على الجميع. الباقون «إصرهم» على التوحيد. و من وحد فلأن (الإصر) مصدر يقع على الكثير و القليل بدلالة قوله تعالى «أصرهم» فأضافه الى الكثرة. و قال «لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً» (1)و من جمع أراد ضروباً من المآصر مختلفة، فلذلك جمع.
قوله «الذين» في موضع جر، لأنه صفة ل (الذين) في الآية الاولى بعد صفة في قوله «فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ» فذكر أن من تمام صفاتهم اتباعهم للرسول «النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ» يعني محمداً (صلى اللَّه عليه و آله).
و (الأمي) الذي لا يكتب. و قيل: إنه منسوب الى الأمة. و المعنى أنه على جبلة الأمة قبل استفادة الكتابة. و قيل: إنه منسوب الى الأمِّ، و معناه أنه على ما ولدته أمه قبل تعلم الكتابة. و
عن أبي جعفر الباقر (ع) أنه منسوب الى مكة، و هي أم القري.
و قيل: إنه نسب الى العرب، لأنها لم تكن تحسن الكتابة.
و معنى «يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ» أنهم يجدون
1) سورة 2 البقرة آية 286.
نعته و صفته، و لأنه مكتوب في التوراة (أتانا اللَّه من سينا و أشرف من ساعير، و استعلن من جبال فاران) و فيها (سأقيم لهم نبياً من إخوتهم مثلك و اجعل كلامي في فمه فيقول لهم كلما أوصيه به) و فيها، (و أما ابن الأمة فقد باركت عليه جداً جداً و سيلد اثني عشر عظيماً و أؤخره لأمَّة عظيمة).
و في الإنجيل بشارة بالفارقليط في مواضع منها (يعطيكم فارقليط آخر يكون معكم آخر الدهر كله) و فيها أنه (إذا جاء فنَّد أهل العلم) و فيها (أنه يدبركم بجميع الخلق، و يخبركم بالأمور المزمعة و يمدحني و يشهد لي).
و قوله تعالى «يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ» صفة للنبي (ص) الأمي، و هو في موضع الحال، و تقديره آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، و سمي الحق (معروفاً) و الباطل (منكراً) لأن الحق يعرف صحته العقل إذ الاعتماد في المعرفة على الصحة، و ينكر الباطل بمعنى ينكر صحته.
و قوله «وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ» معناه يبيح لهم المستلذات الحسنة التي كانت حراماً عليهم، و يحرِّم عليهم الخبائث يعني القبائح، و ما يعافي الأنفس.
و قوله «وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ» يعني الثقل بأمور محرمة و في تكليفها مشقة، كتحريم العروق و الغدد و تحريم السبت، و كانت كالاغلال في أعناقهم، كما يقولون هذا طوق في عنقك. و قيل: ما امتحن به بنو إسرائيل من قبل نفوسهم، و قرض ما يصيبه البول من أجسادهم و التزام للمكاره في كل شيء يخالفون اللَّه فيه.
و قوله «فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ» يعني صدقوا بهذا النبي «و عزروه» يعني عظموه بمنعهم كل من أراد كيده، و أصله المنع، و منه تعزير الجاني و هو منعه بتأديبه من العود، و قال قوم: عزرته معناه رددته، و قال آخرون: معناه أعنته. و قال بعضهم معناه نصرته. و قال آخرون: منعته و نصرته.
و قوله «وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ» يعني القرآن سماه نوراً لأنه يهتدى به كما يهتدى بالنور. و اخبر عنهم بأن من فعل ما قلناه فأولئك هم المفلحون الفائزون بثواب ربهم.
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة
صورة