منتهی الدرایه فی توضیح الکفایه جلد 1

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه:ج‍زای‍ری‌، م‍ح‍م‍دج‍ع‍ف‍ر، ۱۳۷۸ - ۱۲۸۸

‏عنوان و نام پدیدآور:م‍ن‍ت‍ه‍ی‌ ال‍درای‍ه‌ ف‍ی‌ ت‍وض‍ی‍ح‌ ال‍ک‍ف‍ای‍ه‌ [آخ‍ون‍د خ‍راس‍ان‍ی‌]/ ت‍ال‍ی‍ف‌ م‍ح‍م‍دج‍ع‍ف‍ر ال‍ج‍زائ‍ری‌ ال‍م‍روج‌

‏مشخصات نشر:[ق‍م‌]: موسسه دارالکتاب- م‍ح‍م‍دج‍ع‍ف‍ر ال‍ج‍زائ‍ری‌، ۱۴۱۳ق‌. = - ۱۳۷۱.

‏شابک:ب‍ه‍ا:۱۸۰۰ری‍ال‌(ج‌.۲)

‏یادداشت:اف‍س‍ت‌ از روی‌ چ‍اپ‌ ن‍ج‍ف‌: م‍طب‍ع‍ه‌ ال‍ن‍ج‍ف‌، ق‌۱۳۸۸

‏یادداشت:ای‍ن‌ ک‍ت‍اب‌ در س‍ال‍ه‍ای‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ ت‍وس‍ط ن‍اش‍ری‍ن‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ م‍ن‍ت‍ش‍ر ش‍ده‌ اس‍ت‌

‏یادداشت:ج‌. ۴ - ۱ ( چ‍اپ‌ چ‍ه‍ارم‌: ۱۴۱۳ق‌. = )۱۳۷۰

‏یادداشت:ج‌. ۵ (چ‍اپ‌ دوم‌: ۱۴۰۹ق‌. = )۱۳۶۶

‏یادداشت:ج‌. ۱۴۱۲ .۸ق‌. = ۱۳۷۰

‏یادداشت:ک‍ت‍اب‍ن‍ام‍ه‌

‏عنوان دیگر:ال‍ک‍ف‍ای‍ه‌ الاص‍ول‌. ش‍رح‌

‏موضوع:آخ‍ون‍د خ‍راس‍ان‍ی‌، م‍ح‍م‍دک‍اظم‌ب‍ن‌ ح‍س‍ی‍ن‌، ۱۳۳۹ - ۱۲۵۵ق‌. ال‍ک‍ف‍ای‍ه‌ الاص‍ول‌ -- ن‍ق‍د و ت‍ف‍س‍ی‍ر

‏موضوع:اص‍ول‌ ف‍ق‍ه‌ ش‍ی‍ع‍ه‌

‏شناسه افزوده:آخ‍ون‍د خ‍راس‍ان‍ی‌، م‍ح‍م‍دک‍اظم‌ب‍ن‌ ح‍س‍ی‍ن‌، ۱۳۳۹ - ۱۲۵۵ق‌. ال‍ک‍ف‍ای‍ه‌ الاص‍ول‌. ش‍رح‌

‏رده بندی کنگره:BP۱۵۹/۸‭/آ۳ک‌۷۰۲۱۳ ۱۳۷۱

‏رده بندی دیویی:۲۹۷/۳۱۲

‏شماره کتابشناسی ملی:‭م‌۷۰-۳۴۴۶

اشارة

م‍ن‍ت‍ه‍ی‌ ال‍درای‍ه‌ ف‍ی‌ ت‍وض‍ی‍ح‌ ال‍ک‍ف‍ای‍ه‌

[آخ‍ون‍د خ‍راس‍ان‍ی‌]

ت‍ال‍ی‍ف‌ م‍ح‍م‍دج‍ع‍ف‍ر ال‍ج‍زائ‍ری‌ ال‍م‍روج

بسم اللَّه الرحمن الرحیم

الحمد للَّه رب العالمین و أفضل صلواته و تحیاته علی أشرف أنبیاءه محمد الکاظم للغیظ و آله الأئمة الطاهرین و اللعنة الدائمة علی أعدائهم أجمعین.

اما بعد فیقول أحوج العباد إلی رحمة ربه الباری محمد جعفر بن محمد علی الموسوی الجزائری الشوشتری المدعو بالمروّج عفا اللَّه تعالی عن جرائمهما انه لما کان کتاب کفایة الأصول الّذی صنفه المحقق الفقیه الأصولی أستاذ العلماء الإمامیة فی القرن الرابع عشر بحر العلم المتلاطم الشیخ محمد کاظم الخراسانیّ قدس سره محوراً للأبحاث الأصولیة فی الأقطار العلمیة لما أودع فیه من بدائع الأفکار الثاقبة و نتائج الأنظار الصائبة و تحقیقات بادر إلی اقتطافها علماء الأمصار من زمان نشره و سائر الأعصار و کان من الکتب الوجیزة الغامضة أحببت أن أعلق علیه تعلیقة تکشف عن أستاره و تبحث عن أسراره و تبین مجملاته و تظهر مضمراته فعلقت علیه هذه الحواشی و سمیتها بمنتهی الدرایة فی توضیح الکفایة مقتصراً فیها علی إیضاح مرام المصنف قدس سره بأوضح تقریر و أظهر تعبیر و أبین تفسیر لتکون عوناً لإخوانی الطالبین للعلم و الفضیلة المشتغلین بدراسة المتن و بحثه علی الوصول إلی حقائقه و النزول بفناء دقائقه محترزاً عن التعرض لما لا یرتبط بتوضیحه و ان رجع إلی تأییده أو تعلق بتزییفه، و أسأله سبحانه و تعالی أن یتقبل هذا الجهد بقبول حسن و أن ینفع به إخواننا المتقین من طلاب علوم الدین إلی عصر حضور خاتم الأوصیاء المعصومین صلی اللَّه علیه و علی آبائه الحجج الطاهرین و عجل فرجه الشریف و جعلنا فداه و أن یجعله خیر الزاد لیوم المعاد.

و بعد فقد رتبته علی مقدمة و مقاصد و خاتمة

أما المقدمة ففی بیان أمور

اشارة

أما المقدمة ففی بیان أمور(1):

الأول

الأول(2) أن موضوع کل علم و هو الّذی یبحث فیه عن عوارضه الذاتیّة أی بلا واسطة فی العروض (3) -


(1). الأمور المذکورة فی المقدمة کلها خارجة عن مسائل علم الأصول، لعدم انطباق ضابط المسألة الأصولیة علیها کما سیظهر إن شاء اللَّه تعالی.

(2). ذکر فی الأمر الأول جزءان من أجزاء العلوم التی هی الموضوعات و المسائل و المبادئ و هما الموضوع و المسائل. و قبل التعرض لموضوع العلم أشار إلی موضوع کل علم بنحو الضابط الکلی، و هو أن موضوع کل علم ما یبحث فیه عن عوارضه الذاتیّة، فیعرف الموضوع بذلک، مثلا البحث عن رفع الفاعل و المبتدأ و الخبر، و نصب المفعول و خبر کان الناقصة و أخواتها، و اسم الحروف المشبهة بالفعل و جر المضاف إلیه و المجرور بالحروف الجارة بحث عن عوارض الکلمة التی هی موضوع علم النحو.

و کذا البحث عن وجوب الصلاة و الحج و غیرهما و حرمة شرب الخمر بحث عن عوارض فعل المکلف الّذی هو موضوع علم الفقه و کذا سائر العلوم کما لا یخفی.

(3). أشار بهذا التفسیر للعرض الذاتی إلی الخطأ الواقع فی تحدیده بما فی کتب القوم، توضیحه أن العوارض جمع العارض و هو کما عن بعض المحققین: مطلق الخارج عن الشی‏ء المحمول علیه، فیشمل العرض المعبر عنه فی لسان أهل المعقول بالعرضی کالأبیض و الأسود المنقسم إلی الخاصة و العرض العام، و یشمل غیره کالجنس المحمول علی النوع و الفصل، فانّ المحمول من ذاتیات الموضوع، و العرض المبحوث عنه فی الفنون هو القسم الأول الّذی ینقسم عندهم علی قسمین ذاتی و غریب، لأن العرض إما یعرض الشی‏ء بلا واسطة أصلا لا ثبوتاً و لا عروضاً

.......... -کالتعجب المساوی للإنسان العارض له علی ما قیل، و إمّا یعرضه مع واسطة، و هی إمّا داخلیة مساویة للمعروض کالتکلم العارض للإنسان بواسطة الناطق الّذی هو ذاتی مساو له، أو أعم منه کالحرکة الإرادیة العارضة للإنسان بواسطة جزئه الأعم و هو الحیوان. و لا ثالث للواسطة الداخلیة، لعدم تصور الأخصیة لجزء الشی‏ء.

و إمّا خارجیة، و هی إمّا مساویة للمعروض کالضحک العارض للإنسان بواسطة التعجب المساوی له.

و إمّا أعم منه کالتحیز العارض للأبیض بواسطة الجسم الّذی هو أعم من الأبیض. و إمّا أخص منه کالضحک العارض للحیوان بواسطة الإنسان الّذی هو أخص من الحیوان. و إمّا مباینة للمعروض کالحرارة العارضة للماء بواسطة النار المباینة له. هذه أقسام العرض، و المنسوب إلی المشهور بل المدعی علیه الاتفاق کون ثلاثة منها - و هی عروض العرض بلا واسطة، أو بواسطة جزئه المساوی، أو الخارج المساوی - أعراضاً ذاتیة، کما ادعی الاتفاق أیضا علی کون ثلاثة منها و هی العروض لخارج أعم و أخص و مباین أعراضاً غریبة، و اختلفوا فی العارض لجزء أعم، فعن القدماء أنه من الاعراض الغریبة بل نسبه بعض المتأخرین إلی المشهور.

و عن مشهور المتأخرین أنه من الاعراض الذاتیّة، و کیف کان (لما کان) تفسیر العرض الذاتی بما ذکره القوم مستلزماً لخروج جل مسائل العلوم عن کونها مسائلها کالاحکام الشرعیة المترتبة علی أفعال المکلفین بواسطة التشریع الّذی تقتضیه المصالح و المفاسد الموجودة فی أفعالهم المأمور بها و المنهی عنها أو فی نفس التکالیف علی الخلاف بین العدلیة. لمباینة التشریع و الملاکات للافعال المستلزمة لخروج البحث عن وجوب الصلاة و نحوها و عن حرمة شرب الخمر و نحوه عن مسائل الفقه، لاندراج الوجوب و الحرمة فی العرض الغریب، حیث إنهما یعرضان‏

.......... -الأفعال بواسطة أمر مباین و هی المصالح و المفاسد (عدل) المصنف و صاحب الفصول (قدهما) دفعاً لهذا المحذور عن تفسیر القوم إلی أن الملاک فی العرض الذاتی هو کون العارض محمولا حقیقة علی المعروض بحیث یعد من إسناد الشی‏ء إلی ما هو له و لا یصح سلبه عنه کقولنا: «الماء جار» فإن لم یکن کذلک فهو عرض غریب کإسناد الحرکة إلی جالس السفینة. إذ الحرکة تحمل علی السفینة حقیقة و علی الجالس مجازاً، و لذإ؛للَّه‏للَّه؛ یصح سلبها عنه، فالواسطة فی العروض هی الواسطة فی الحمل.

و الحاصل أن العرض إن کان محمولاً علی المعروض حقیقة بحیث لا یصح سلبه عنه یسمی بالعرض الذاتی سواء کان هناک واسطة ثبوتیة أم لا کما قیل

«-»

و سواء کانت الواسطة جزء أعم کالحیوان الّذی هو أعم من الإنسان و واسطة لعروض الحرکة الإرادیة له، أم مبایناً کالنار التی هی مباینة للماء و واسطة فی عروض الحرارة له، مع أنّ العروض لأمر مباین بناءً علی تفسیر القوم داخل فی العرض الغریب کما مر آنفاً، و لجزء أعم محل الخلاف بینهم و إن نسب کونه عرضاً ذاتیاً إلی المشهور.

و بالجملة ینحل«--»إشکال خروج مسائل جملة من العلوم عن کونها مسائلها


(-)لکنه مساوق لوجود المعلول بلا علة و هو ممتنع، فعروض العارض بلا واسطة ثبوتیة غیر معقول، و لا بد من التأمل فی کلماتهم، فلاحظ و لا تغفل.

(--). و یمکن حلّه بأن یقال: إنّ موضوع العلم هو ما یبحث فیه عن أحواله و أوصافه سواء کانت عرضاً مصطلحاً أم أمراً اعتباریاً کالأحکام الشرعیة العارضة لأفعال المکلفین، لعدم انطباق حدّ العرض علیها، حیث إنّ العرض یوجد بوجود موضوعه و الحکم یسقط بوجود موضوعه، لتحقق الامتثال المسقط له، فالعرض الذاتی هو کل محمول یحمل حقیقة علی الموضوع بحیث لا یصح سلبه عنه و إن لم ینطبق علی المحمول حدّ العرض المصطلح، فتأمّل.

هو نفس (1) موضوعات مسائله عیناً و ما یتحد معها خارجاً و إن کان یغایرها -بجعل مناط العرض الذاتی عدم الوساطة فی العروض، فوجوب الصلاة و حرمة شرب الخمر مثلا من مسائل علم الفقه، لکون الوجوب و الحرمة محمولین علی الصلاة و الشرب اللذین هما من أفعال المکلفین حقیقة أی بلا واسطة فی العروض و ان کانا مع الواسطة الثبوتیة، و کذا الرفع و النصب و الجر العارضة للکلمة بواسطة الفاعلیة و المفعولیة و الإضافة، فإنّها داخلة فی العرض الذاتی و ان کان عروضها لها بواسطة أمر خارجی أخص من الکلمة و هو عنوان الفاعل و المفعول و المضاف إلیه، ضرورة خروج هذه العناوین عن ذات الکلمة و ذاتیاتها، لخروج النوع عن ذات الجنس و ذاتیاته.

و الحاصل: أنّ البحث عن الرفع و النصب و الجر علی هذا الضابط فی العرض الذاتی من مسائل علم النحو و کذا الحال فی حجیة خبر الواحد بواسطة الجعل الشرعی المباین للخبر، فإنّها علی هذا الضابط داخلة فی العرض الذاتی، لکون الحجیة محمولة علی الخبر حقیقة، و لذا لا یصح سلبها عنه و ان کان لها واسطة ثبوتیة و هی الجعل الشرعی و واسطة إثباتیة و هی أدلة حجیة الخبر من الکتاب و السنة و غیرهما کالسیرة العقلائیة. فالبحث عن حجیة الخبر داخل فی المسائل الأصولیة.

ثم إنّه قد ظهر مما ذکرنا: أنّ الواسطة علی ثلاثة أقسام: الواسطة الثبوتیة، و هی العلة لوجود شی‏ء کعلیة النار للحرارة و الماء للبرودة، و الواسطة الإثباتیة و هی العلة للعلم بوجود شی‏ء کعلیة الدخان للعلم بوجود النار، و الواسطة العروضیة و هی الواسطة فی الحمل الموجبة لصحة إسناد عرض إلی غیر معروضه مجازاً کإسناد الحرکة إلی جالس السفینة، فإنّ الحرکة محمولة علی السفینة حقیقة و علی الجالس مجازاً، و لذا یصح سلبها عنه کما عرفت آنفاً.


(1). هذا اعتراض علی ما ذکروه فی علم المیزان من أنّه قد یکون موضوع‏

مفهوماً تغایر الکلی و مصادیقه (1) و الطبیعی (2) و أفراده. -العلم مغایراً لموضوع المسألة، و حاصل الاعتراض هو: أنّه علی تقدیر المغایرة یلزم أن لا تکون محمولات المسائل أعراضاً ذاتیة لموضوع العلم، و هذا خلاف مقتضی تفسیر الموضوع بأنّه ما یبحث فی العلم عن عوارضه الذاتیّة، و لا یستقیم هذا التفسیر إلاّ بکون موضوع العلم نفس موضوعات مسائله کما لا یخفی.


(1). کمغایرة مفهوم الإنسان لمفهوم أفراده کزید و عمرو و ان کان عین أفراده خارجاً، و کمغایرة مفهوم الکلمة التی هی موضوع علم النحو لمفاهیم موضوعات مسائله کالفاعل و المبتدأ و الخبر و غیرها مع کونها عین تلک الموضوعات خارجاً«-».

(2). هذا من العطف التفسیری لا من عطف الخاصّ علی العام، ضرورة أنّ اتحاد الکلی مع المصادیق منحصر فی الکلی الطبیعی، إذ لا وجود لغیره من الکلی المنطقی و العقلی کما هو واضح. (-). لعل الداعی إلی جعل موضوع العلم نفس موضوعات مسائله هو الفرار عن محذور قاعدة استحالة صدور الواحد عن الکثیر، إذ الغرض کالقدرة علی الاستنباط و العصمة عن الخطأ فی الفکر المترتبتین علی علمی الأصول و المنطق واحد، فلا بد أن یستند إلی مؤثر واحد، و لیس ذلک إلاّ موضوع العلم، إذ المفروض تکثّر موضوعات المسائل. لکن فیه: أنّ المقام أجنبی عن تلک القاعدة، إذ موردها هو الغرض الوحدانیّ البسیط من جمیع الجهات دون ما له جهات کالقدرة علی الاستنباط المترتبة علی مباحث الألفاظ، فإنّها غیر القدرة المترتبة علی حجیة الأمارات و باب الاستلزامات، و المسائل الأصولیة مختلفة الدخل فی ذلک، فبعضها تحفظ الجهة الأولی و بعضها تحفظ الجهة الثانیة، فلا مانع من إنکار الموضوع لعلم الأصول و ما هو بمنزلة من العلوم فی تعدد جهات الأغراض المترتبة علیها.

و المسائل (1) عبارة عن جملة من قضایا متشتتة جمعها اشتراکها فی الدخل فی الغرض (2) الّذی لأجله دوّن هذا العلم، فلذا قد یتداخل بعض العلوم فی بعض -


(1). هذا ثانی الجزءین اللذین تعرض لهما فی أوّل الأمور المذکورة فی المقدمة، و ملخصه: أنّ کل علم مرکب من قضایا متشتتة مختلفة موضوعاً و محمولا کقولهم فی علم النحو: «الفاعل مرفوع و المفعول منصوب‏» و یبرهن علیها بمثل قوله تعالی: و کفی اللَّه المؤمنین القتال‏، و إنما یخشی اللَّه من عباده العلماء، و أشعار إمرئ القیس، و تسمی هذه الأدلة بالمبادئ التصدیقیة، لکونها موجبة للتصدیق بثبوت محمولات هذه المسائل لموضوعاتها، کما أنّ المبادئ التصوریة هی حدود موضوعات المسائل و محمولاتها کتعریف الفاعل و المبتدأ و الخبر و نحوها، و تعریف الرفع و النصب و الجر المحمولة علی تلک الموضوعات، فالمبادئ التصوریة لعلم النحو هی هذه الحدود، فیستفاد من قوله: «و المسائل عبارة... إلخ» أنّ العلوم أسامٍ لمسائلها، لأنّه بعد البناء علی اتحاد موضوع العلم مع موضوعات المسائل، و علی کون محمولات المسائل أعراضاً ذاتیة لموضوعاتها فلا بد من کون أسامی العلوم أسماءً لمسائلها، إذ لا یذکر فی العلوم غیر تلک المسائل، فعلم الأُصول اسم لمسائله لا للإدراک و لا للملکة المسببة عن الممارسة، و کذا علم النحو اسم للمسائل التی توجب مراعاتها صحة الکلمة إعراباً و بناءً، و هکذا سائر العلوم.

(2). المستفاد منه أنّ تمایز العلوم بتمایز الأغراض المترتبة علی المسائل المختلفة موضوعاً و محمولاً، لا الموضوعات کما اشتهر، و ذلک لتحسین العقلاء تدوین علم واحد للمسائل المتشتتة المختلفة موضوعاً و محمولا إذا کان الغرض المترتب علیها واحداً، و تقبیحهم تدوین علم واحد للمسائل مع تعدد الغرض المترتب علیها و لو کان موضوع جمیعها واحداً، فلو کان تمایز العلوم بتمایز الموضوعات لم یکن وجه للتقبیح المزبور، لفرض وحدة الموضوع فی جمیع المسائل مع تعدد الغرض المترتب علیها.

المسائل مما کان له دخل فی مهمین (1) لأجل کل منهما دوّن علم علی حدة، فیصیر من مسائل العلمین. لا یقال: علی هذا (2) یمکن تداخل علمین فی تمام مسائلهما فیما کان هناک مهمان متلازمان فی الترتب علی جملة من القضایا لا یمکن انفکاکهما.

فإنّه یقال (3): مضافاً إلی بُعد ذلک بل امتناعه عادة - لا یکاد یصح لذلک تدوین علمین و تسمیتهما باسمین، بل تدوین علم واحد یبحث فیه تارة لکلا المهمین و أخری لأحدهما، و هذا بخلاف التداخل فی بعض المسائل، فإنّ حُسن تدوین علمین کانا مشترکین فی مسألة أو أزید فی جملة (4) -


(1). أی: فی غرضین مهمین، کقولنا: «الأمر حقیقة فی الوجوب» فإنّه مسألة لغویة و أُصولیة، فیتداخل علما اللغة و الأصول فی هذه المسألة، و کمسألة التجری، فإنّه یتداخل فیها علم الفقه و الأصول و الکلام، لوجود الجهة الفقهیة و الأصولیة و الکلامیة فیها، و هکذا غیرها.

(2). المراد بالمشار إلیه هو کون بعض المسائل مما له دخل فی غرضین مهمین دوّن لکل منهما علم علی حدة، و حاصل الإشکال: أنّه یمکن تداخل علمین فی تمام مسائلهما إذا کان هناک غرضان مهمان مترتبان علی جملة من القضایا.

(3). ملخص ما أجاب به عن هذا الإشکال یرجع إلی وجهین: أحدهما: بُعد هذا الفرض بل امتناعه عادة، ثانیهما: عدم حُسن تدوین علمین حینئذ حتی یقال بلزوم تداخلهما فی جمیع مسائلهما، بل لا بدّ من تدوین علم واحد یبحث فیه تارة لأحد الغرضین و أُخری للغرض الآخر، و بالجملة: فحُسن تدوین علمین عند العقلاء مفقود فی صورة التداخل فی جمیع المسائل، بخلاف التداخل فی بعضها، فإنّ حُسن تدوین علمین فیها عند العقلاء مما لا إشکال فیه.

(4). متعلق بقوله: «تدوین» یعنی: أنّ حُسن تدوین علمین فی جملة من مسائلهما المختلفة مما لا یخفی.

من مسائلهما المختلفة لأجل مهمین مما لا یخفی (1).

و قد انقدح بما ذکرنا (2): أنّ تمایز العلوم إنّما هو باختلاف الأغراض الداعیة إلی التدوین لا الموضوعات (3) و لا المحمولات (4) -


(1). خبر لقوله (قده): «فإن».

(2). المراد بالوصول ما ذکره فی تعریف المسائل من کون الجامع بینها اشتراکها فی الدخل فی الغرض الموجب لتحسین العقلاء تدوین علوم متعددة لأغراض کذلک و ان کانت القضایا التی تترتب علیها الأغراض المتشتتة متحدة موضوعاً و محمولا، و لتقبیحهم تدوین علمین مع وحدة الغرض و ان کان موضوع المسائل مختلفاً کقولنا: «خبر الواحد حجة» و «الإجماع حجة» و «ظواهر الألفاظ حجة» و «الأمر ظاهر فی الوجوب» و نحو ذلک من القضایا المختلفة موضوعاً مع وحدة الغرض المترتب علیها، فلو کان تمایز العلوم بتمایز الموضوعات لکان تدوین علمین لها حسناً، مع أنّه قبیح عند العقلاء کما لا یخفی.

(3). کما اشتهر ذلک، و حاصل إشکال المصنف علی کون تمایز العلوم بتمایز الموضوعات هو: أنّه بناءً علی ذلک یلزم تدوین علوم متعددة بتعدد الأبواب بل المسائل، لاختلاف الموضوع فی الأبواب و المسائل، فإنّ الموضوع فی باب الفاعل غیر الموضوع فی باب المبتدأ مثلاً، فلو کان تمیز العلوم بتمایز الموضوعات لزم أن یکون باب الفاعل علماً علی حدة و کذا باب المبتدأ، و هکذا سائر أبواب علم النحو. و کذا علم الأُصول، فإنّ الموضوع فی باب الألفاظ غیر الموضوع فی باب الأمارات و الأُصول العملیة و هکذا.

(4). کقولنا: «الفاعل مرفوع» و «الفاعل رکن فی الکلام» و «الفاعل مضمر أو ظاهر»، فإنّ المحمولات فی هذه القضایا مختلفة، و تمایز العلوم بتمایز المحمولات یقتضی أن تکون هذه المسائل علوماً متعددة، و هو کما تری.

و إلاّ کان کل باب (1) بل کل مسألة (2) من کل علم علماً علی حدة کما هو واضح لمن کان له أدنی تأمل، فلا یکون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجباً للتعدد (3) کما لا یکون وحدتهما سبباً لأن یکون من الواحد (4). ثم إنّه ربما لا یکون لموضوع العلم - و هو الکلی المتحد مع موضوعات المسائل - عنوان خاص و اسم مخصوص، فیصح أن یعبر عنه بکل ما دل علیه (5)، بداهة عدم دخل ذلک فی موضوعیته أصلا (6). -


(1). أی: و إن لم یکن تمایز العلوم بتمایز الأغراض بل کان بتمایز الموضوعات أو المحمولات لزم أن یکون کل باب کباب الفاعل و المفعول من علم النحو و باب الألفاظ و الأمارات مثلا من علم الأُصول علماً علی حدة.

(2). یعنی: بل یلزم أن یکون کل مسألة علماً علی حدة کرفع الفاعل و رکنیته و مضمریته کما تقدم آنفاً، لاختلاف المحمول فی هذه المسائل، فلو کان الملاک فی وحدة العلم و تعدده وحدة المحمول و تعدده لزم أن یکون کل واحدة من هذه المسائل علماً مستقلا، و هو واضح الفساد، لامتیاز مسائل العلم الواحد بعضها عن بعض موضوعاً أو محمولا أو کلیهما کالفاعل مرفوع و المفعول منصوب.

(3). أی: لتعدد العلم.

(4). یعنی: کما لا یکون وحدة الموضوع و المحمول - کقولنا: «الأمر حقیقة فی الوجوب» المذکور فی علمی الفقه و الأصول - کاشفة عن وحدة الغرض، لما عرفت من إمکان ترتب أغراض متعددة علی قضیة واحدة، فلیست وحدة المسألة موضوعاً و محمولا سبباً لوحدة الغرض المترتب علیها.

(5). و یشیر إلیه و یعرّفه بعنوان إجمالی.

(6). لأنّ الغرض مترتب علی ذات الموضوع، لا علی العنوان و الاسم المشیرین إلیه، فعدم العلم باسمه لا یقدح فی موضوعیته القائمة بذاته کما هو واضح.

و قد انقدح بذلک (1): أنّ موضوع علم الأصول هو الکلی

«-»

المنطبق علی موضوعات مسائله المتشتتة، لا خصوص الأدلة الأربعة بما هی أدلة (2) بل و لا بما هی هی (3) -


(1). المشار إلیه هو قوله: «نفس موضوعات مسائله عیناً» إذ لازم العینیة و عدم دخل الاسم فی موضوعیته هو: کون الموضوع کلیاً طبیعیاً منطبقاً علی موضوعات المسائل و متحداً معها کاتحاد غیره من الکلیات الطبیعیة مع أفرادها.

(2). کما نسب إلی المشهور و اختاره المحقق القمی (قده).

(3). أی: ذوات الأدلة لا بوصف الدلیلیّة، و هذا مختار الفصول، و وجه عدوله عن مسلک المشهور هو: استلزام ذلک لخروج جملة من المسائل الأُصولیة عن علم الأصول و دخولها فی المبادئ، بیانه: أنّ البحث عن العوارض بحث عن مفاد (-). هذا مما لا یمکن المساعدة علیه، إذ لا ینطبق هذا الکلی علی الموضوعات المتباینة هویة لمسائل علم الأصول کقولنا: «خبر الواحد حجة» و «الاستصحاب حجة» و «الظن حجة» و «إتیان المأمور به علی وجهه یقتضی الاجزاء» و غیر ذلک من المسائل المختلفة موضوعاتها حقیقة، و لا سبیل إلی استکشاف جامع متحد مع موضوعات المسائل الأصولیة، لما عرفت من أجنبیة قاعدة عدم صدور الواحد إلاّ عن الواحد عن المقام، فإنکار الموضوع لعلم الأصول و دعوی کونه نفس موضوعات المسائل عیناً و مفهوماً أولی من الالتزام بکون موضوعه کلیاً مجهول الاسم متحداً مع موضوعات مسائله، لما عرفت من عدم جامع بین تلک الموضوعات.

فالمتحصل: أنّ موضوع علم الأصول لیس کلیاً، بل هو نفس موضوعات مسائله التی یترتب علیها القدرة علی استنباط الأحکام بحیث لو لم یکن هذا الغرض لم تدون تلک المسائل و لم تکن فائدة مهمة فی البحث عنها.

ضرورة أنّ البحث فی غیر واحدة من مسائله المهمة (1) لیس من عوارضها (2) و هو واضح لو کان المراد بالسنة منها (3) هو نفس قول المعصوم أو فعله أو تقریره کما هو المصطلح فیها، لوضوح عدم البحث فی کثیر من مباحثها المهمة کعمدة (4) -«کان» الناقصة، فلو کانت الحجیة قیداً للأدلة التی هی موضوع العلم کما هو المفروض یلزم أن یکون البحث عن الحجیة بحثاً عن وجود الموضوع الّذی هو مفاد «کان» التامة، فیندرج البحث عن الحجیة فی المبادئ التصدیقیة لعلم الأُصول، (فإنّ البحث) عن حجیة الخبر الواحد، و أحد الخبرین المتعارضین تعییناً أو تخییراً، و حجیة ظواهر الکتاب و الإجماع و العقل و حجیة الأصول العملیة، و البحث عن الاستلزامات العقلیة (لیس) بحثاً عن عوارض الأدلة الأربعة مع أنّها من مهمات المسائل الأُصولیة، و هذا بخلاف کون الموضوع ذوات الأدلة لا بوصف الدلیلیّة، فإنّ البحث عن الحجیة یندرج فی عوارض الأدلة لا فی المبادئ.


(1). کالمباحث المشار إلیها آنفاً.

(2). لما عرفت من عدم کونها بمفاد «کان» الناقصة حتی تدخل فی العوارض.

(3). أی: من الأدلة الأربعة. ثم إنّ قوله: «ضرورة ان البحث إلخ» تعلیل لنفی الأمرین، و هما: موضوعیة ذوات الأدلة و بوصف دلیلیتها لعلم الأصول.

توضیحه: أنّ البحث عن حجیة الخبر لیس بحثاً عن عوارض الکتاب و الإجماع و العقل کما هو واضح سواء کانت بذواتها موضوعاً أم بوصف دلیلیتها، و کذا لیس بحثاً عن عوارض السنة إن أُرید بها ما هو المصطلح عندهم من نفس قول المعصوم علیه السّلام أو فعله أو تقریره، إذ لیس الخبر نفس السنة حتی تکون حجیته من عوارضها، بل الخبر حاکٍ عنها، فلا یرجع حجیة الخبر إلی عوارض السنة بمعناها المصطلح سواء کانت السنة بذاتها موضوعاً أم بوصف دلیلیتها کما هو واضح غایته.

(4). کالبحث عن حجیة أحد الخبرین ترجیحاً أو تخییراً، و البحث عن‏

مباحث التعادل و الترجیح بل و مسألة حجیة خبر الواحد لا عنها (1) و لا عن سائر الأدلة (2)، و رجوع البحث فیهما (3) فی الحقیقة إلی البحث عن ثبوت السنة بالخبر الواحد فی مسألة حجیة الخبر کما أُفید (4) و بأی الخبرین (5) فی باب التعارض فإنّه -المرجحات، نعم بعض مباحثهما یکون من عوارض الکتاب و السنة کالبحث عن تعارض السنتین أو القراءتین، و عن تعیین الظاهر و الأظهر فیما إذا دار الأمر بین العموم الشمولی و البدلی مثلا، أو کان التعارض بین أکثر من دلیلین، ضرورة أنّ تشخیص الظاهر و الأظهر من حالات الدلیل و عوارضه کما لا یخفی.


(1). یعنی: لا عن السنة، لما عرفت من عدم کون الخبر عین السنة و متحداً معها بل هو حاکٍ عنها.

(2). قد مر آنفاً کون بعض مباحث التعادل و الترجیح بحثاً عن عوارض الکتاب و السنة، نعم لیس بحثاً عن عوارض الإجماع و العقل.

(3). أی: فی عمدة مباحث التعادل و الترجیح، و مسألة حجیة الخبر.

(4). المفید هو شیخنا الأعظم الأنصاری (قده) و غرضه تأیید ما عن المشهور من موضوعیة الأدلة الأربعة بما هی أدلة لعلم الأصول، و عدم الحاجة إلی تکلف صاحب الفصول بجعل الموضوع ذوات الأدلة لیکون البحث عن حجیة الخبر بحثاً عن عوارض ذات السنة. و محصل ما أفاده الشیخ (قده) هو: أنّه بناءً علی موضوعیة الأدلة الأربعة بوصف الدلیلیّة یرجع البحث عن حجیة الخبر الواحد و أحد الخبرین المتعارضین إلی البحث عن عوارض السنة، لأنّه فی الحقیقة بحث عن ثبوت السنة الواقعیة بهما، کثبوتها بالخبر المتواتر و الواحد المحفوف بالقرینة القطعیة، فیندرجان فی المسائل الأصولیة، و لا یکونان حینئذٍ من المبادئ التصدیقیة.

(5). معطوف علی قوله: «بالخبر الواحد».

أیضا بحث فی الحقیقة عن حجیة الخبر فی هذا الحال (1) غیر مفید (2)، فإنّ البحث عن ثبوت الموضوع و ما هو مفاد کان التامة لیس بحثاً عن عوارضه (3)، فإنّها (4) مفاد کان الناقصة لا یقال: هذا (5) فی الثبوت الواقعی، و أما الثبوت التعبدی -


(1). أی فی حال التعارض، و حاصله: عدم الفرق فی حجیة الخبر بین حالتی التعارض و عدمه، لکون البحث فی کلتا الصورتین بحثاً عن حجیة الخبر.

(2). خبر لقوله: «و رجوع» و إشکال علی ما أفاده الشیخ من توجیه موضوعیة الأدلة الأربعة بما هی أدلة، و ملخص إشکال المصنف علیه (قدهما): أنّ البحث عن العوارض لا بد أن یکون بحثاً عن الوجود النعتیّ الّذی هو مفاد «کان» الناقصة و «هل» المرکبة الراجع إلی ثبوت شی‏ءٍ لشی‏ءٍ کثبوت العلم و العدالة و القیام و القعود لشخص، و البحث عن وجود الموضوع بحث عن الوجود المحمولی الّذی هو مفاد «کان» التامة و «هل» البسیطة فی مقابل العدم المحمولی المعبر عنه بلیس التامة و إن لم تستعمل «لیس» فی لغة العرب إلا ناقصة. و إن شئت فقل: إنّ البحث عن العوارض التی هی مفاد کان الناقصة بحث عن المحمولات المترتبة، و البحث عن وجود الموضوع بحث عن المحمول الأوّلی، لأنّه أوّل محمول یحمل علی الماهیة، و البحث عن حجیة الخبر إن رجع إلی البحث عن ثبوت السنة به - کما أفاده الشیخ (قده) - یکون بحثاً عن وجود الموضوع، و هو داخل فی المبادئ و خارج عن المسائل التی تکون محمولاتها عوارض لموضوع العلم.

(3). أی: عوارض الموضوع.

(4). أی: العوارض، هذا تعلیل لعدم کون البحث عن ثبوت الموضوع بحثاً عن عوارضه کما مر.

(5). أی: رجوع البحث عن ثبوت السنة بالخبر إلی البحث عن وجود

کما هو (1) المهم فی هذه المباحث، فهو فی الحقیقة یکون مفاد کان الناقصة (2)، فإنّه یقال: نعم (3) لکنه مما لا یعرض السنة بل الخبر الحاکی لها، فإنّ الثبوت التعبدی -الموضوع محمولیاً، و غرضه تصحیح کلام الشیخ بأن یقال: إنّ الإشکال الّذی أورده علی الشیخ (قده) - من رجوع البحث عن ثبوت السنة بالخبر إلی البحث عن وجود الموضوع الّذی هو خارج عن العوارض و داخل فی المبادئ - إنّما یرد علیه إذا کان المراد بالثبوت التکوینی، لأنّ مرجعه حینئذٍ إلی وجود السنة الواقعیة بالخبر، و من المعلوم أنّ هذا الوجود هو المحمولی الّذی یکون أجنبیاً عن عوارض الموضوع و لا یمکن إرادته هنا، لعدم تعقل علّیة الخبر لوجود السنة الواقعیة کما لا یخفی علی من له أدنی تأمل. و أمّا إذا کان المراد بالثبوت التعبدی الّذی مرجعه إلی حکم الشارع بالحجیة و العمل بالخبر تعبداً فیندرج فی العوارض، لکونه مفاد «کان» الناقصة و یخرج عن المبادئ، فکلام الشیخ تصحیحاً لما عن المشهور من موضوعیة الأدلة الأربعة بما هی أدلة لعلم الأصول فی محله.


(1). أی: الثبوت التعبدی هو المهم فی مباحث حجیة خبر الواحد و أحد الخبرین المتعارضین.

(2). یعنی: فیکون ثبوت السنة تعبداً بالخبر داخلا فی العوارض، فیخرج بحث حجیة الخبر عن المبادئ و یندرج فی المسائل.

(3). یعنی: سلّمنا أنّ الثبوت التعبدی من العوارض، لکنه من عوارض الخبر الحاکی للسنة لا من عوارض السنة المحکیة به، و المفید فی دفع الإشکال - أعنی کون البحث عن حجیة الخبر بحثاً عن وجود الموضوع الّذی هو مفاد کان التامة و داخلا فی المبادئ لا المسائل - هو کون الثبوت التعبدی من عوارض السنة لا من عوارض حاکیها و هو الخبر. و بالجملة: لا یندفع الإشکال بإرادة الثبوت التعبدی.

یرجع إلی وجوب العمل علی طبق الخبر کالسنة المحکیة به، و هذا من عوارضه لا عوارضها کما لا یخفی. و بالجملة الثبوت الواقعی لیس من العوارض، و التعبدی و ان کان منها إلا أنّه لیس للسنة بل للخبر، فتأمل جیداً. و أمّا (1) إذا کان المراد من السنة ما یعم حکایتها (2) فلأن البحث فی تلک المباحث و ان کان عن أحوال -


(1). هذا عِدل لقوله قبل أسطر: «لو کان المراد بالسنة منها... إلخ» و حاصله: أن جعل موضوع علم الأصول ذوات الأدلة أو بوصف الدلیلیّة لا یخلو من الإشکال.

(2). کما هو مراد الفصول، توضیحه: أنّه إِن أُرید بالسنة معنی عام یشمل کلا من الحاکی و المحکی ففیه: أنّه و إن لم یرد علی جعل السنة بهذا المعنی العام موضوعاً لعلم الأُصول إشکال خروج البحث عن حجیة خبر الواحد و أحد الخبرین المتعارضین عن المسائل و دخوله فی المبادئ، إذ المفروض صدق السنة بهذا المعنی علی الخبر، فالبحث عن حجیته بحث عن عوارض السنة، فیندرج فی المسائل دون المبادئ، لکن یبقی إشکال آخر و هو الأعمیة بالنسبة إلی سائر المسائل الأصولیة، حیث إنّ العارض بواسطة أمر أعم لا یکون عند المحققین من الأعراض الذاتیّة، فلا تکون سائر المسائل من مسائل علم الأُصول، مثلا کون الأمر حقیقة فی الوجوب أو الندب أو الجامع بینهما من عوارض ما یکون علی هیئة «افعل» سواء کان من الکتاب و السنة أم لا، و کذا مسألة الملازمة بین وجوب شی‏ء و وجوب مقدمته، أو الملازمة بین وجوبه و حرمة ضده، أو جواز اجتماع الحکمین المتضادین فی موضوع واحد ذی جهتین أو استحالته، و نظائر ذلک. و قد تنبه صاحب الفصول لهذا الإشکال و أجاب عنه بأنّ البحث عنها باعتبار وقوعها فی الکتاب و السنة، و لا یقدح فی ذلک تعرضهم لوضعه اللغوی أو العرفی، إذ المقصود بیان مدالیل تلک الألفاظ بأی وجه کان... إلخ، لکن لا یندفع به إشکال أعمیة الواسطة من المعروض.

السنة بهذا المعنی، إلاّ أنّ البحث فی غیر واحدة من مسائلها کمباحث الألفاظ و جملة من غیرها (1) لا یخص الأدلة بل یعم غیرها (2) و ان کان المهم معرفة أحوال خصوصها (3) کما لا یخفی. و یؤید ذلک (4) تعریف الأصول بأنّه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحکام الشرعیة و ان کان الأولی (5) تعریفه بأنّه صناعة یعرف -


(1). کمباحث الاستلزامات.

(2). لکون المفروض عروض هذه العوارض بواسطة أمر أعم، فلا تخرج عن العرض الغریب.

(3). أی: خصوص الأدلة، هذا إشارة إلی الجواب المتقدم عن الفصول.

(4). أی: کون موضوع علم الأصول الطبیعی المتحد مع موضوعات مسائله المتشتتة لا خصوص الأدلة الأربعة، وجه التأیید هو ظهور القواعد فی العموم، فیراد بها کل قاعدة مهدت للاستنباط سواء کان موضوعها من الأدلة الأربعة أم غیرها. و لعل التعبیر بالتأیید دون الأدلة لأجل احتمال کون اللام للعهد، فالمراد حینئذٍ هو القواعد التی تکون موضوعاتها من الأدلة الأربعة، أو لاحتمال کون التعریف بذلک تعریفاً بالأعم و اللَّه العالم.

(5). هذه الأولویة تعیینیة کالأولویة فی قوله تعالی: «و أُولوا الأرحام بعضهم أولی ببعض» لفساد تعریف المشهور عند المصنف من وجوه:

(الأول): اشتماله علی العلم و هو فاسد، لما تقدم من أنّ علم الأصول عبارة عن نفس المسائل لا العلم بها. و یمکن أن یکون نظرهم فی أخذ العلم فی تعریفه إلی أن الغرض من کل علم لا یترتب إلاّ علی العلم بقواعده و مسائله، فإنّ القدرة علی الاستنباط مثلا تتوقف علی العلم بالقواعد الأُصولیة لا علی تلک القواعد

.......... -بوجودها الواقعی

«-»

.

(الثانی): أن تعریف المشهور ظاهر فی أنّ المناط فی کون المسألة أُصولیة هو فعلیة وقوعها فی طریق الاستنباط، و عدم کفایة شأنیة الوقوع کذلک فی أُصولیة المسألة، و لما کان ذلک فاسداً عدل عنه المصنف إلی قوله: «یمکن أن یقع» لوضوح أنّ المسائل الأصولیة کبریات لا یترتب علیها الاستنباط الفعلی إلاّ بعد انضمام صغریاتها إلیها، فلو لم تنضم إلیها صغری لم یقدح ذلک فی أُصولیتها، فعدول المصنف عن تحدید المشهور إلی إمکان الوقوع فی طریق الاستنباط فی محله.

(الثالث): أنّ تعریف المشهور لا یشمل جمیع المسائل الأصولیة، لاختصاصه بما یقع فی طریق الاستنباط کمسألة حجیة خبر الواحد و حجیة أحد الخبرین المتعارضین و حجیة الظواهر و ما شابهها، و عدم شموله لما لا یقع فی طریق الاستنباط کالأصول العملیة التی هی وظائف للشاک فی مقام العمل من دون استنباط حکم منها لأنّها بأنفسها أحکام بناءً علی إمکان الجعل للحکم الظاهری و ترخیص فی ترک الواقع بناءً علی عدمه، فلا تقع الأصول العملیة کحجیة الخبر فی طریق استنباط الحکم أصلا. و کمقدمات الانسداد بناءً علی الحکومة، فانّه لا علم بالحکم فی مورده‏ (-). لکن لا یخفی ما فی التعبیر بالصناعة من الإشکال أیضا، لأنّ المراد بها ظاهراً هو الملکة، و لازمه خروج نفس القواعد عن علم الأصول، و هو کما تری، فالأولی تعریفه بنفس القواعد. و لعلّ الداعی إلی أخذ الصناعة فی التعریف دون العلم کما صنعه المشهور هو: أنّه لیس لعلم الأصول قواعد مضبوطة کسائر العلوم حتی یعرَّف بالعلم بالقواعد، بل علم الأصول صناعة یقتدر بها علی تأسیس قواعد یمکن وقوعها فی طریق الاستنباط، فتدبر.

بها القواعد التی یمکن أن تقع فی طریق استنباط الأحکام أو التی (1) ینتهی إلیها فی مقام العمل بناء (2) علی أن مسألة حجیة الظن علی الحکومة و مسائل الأصول العملیة فی الشبهات الحکمیة (3) من الأصول (4) کما هو کذلک (5)، ضرورة أنّه لا وجه لالتزام الاستطراد فی مثل هذه المهمات.

(الأمر الثانی): الوضع

(الأمر الثانی): الوضع(6) هو نحو اختصاص اللفظ بالمعنی و ارتباط خاص بینهما -لا واقعیاً و لا ظاهریاً. أمّا الأوّل، فلأنّ المفروض انسداد باب العلم بالاحکام الواقعیة، و أمّا الثانی: فلعدم جعلٍ للشارع فیه بعد فرض عدم حجیة الظن شرعاً، و هذا بخلاف تعریف المصنف (قده) المشتمل علی قوله: «أو التی ینتهی إلیها فی مقام العمل» فإنّه یشمل ما لا یقع فی طریق الاستنباط کالأصول العملیة و حجیة الظن حکومة.


(1). معطوف علی قوله: «التی یمکن ان تقع... إلخ».

(2). متعلق بقوله: «أو التی ینتهی».

(3). دون الأصول الجاریة فی الشبهات الموضوعیة، فإنّها خارجة عن علم الأصول، لعدم استنباط حکم کلی منها.

(4). خبر لقوله: «ان مسألة حجیة الظن... إلخ».

(5). یعنی: بحسب الواقع و نفس الأمر.

(6). هذا ثانی الأمور المبحوث عنها فی المقدمة، و قبل الخوض فی بیان الوضع لا بأس بالتنبیه علی أمر، و هو: أنّهم اختلفوا فی دلالة الألفاظ علی معانیها علی أقوال ثلاثة: (الأول) کون الدلالة ذاتیة صرفة. (الثانی) کونها جعلیة کذلک. (الثالث) کونها بالذات و الجعل کلیهما، و الأوّل و الثالث باطلان، لما ذکر فی الکتب المبسوطة، فخیرها أوسطها إذا عرفت هذا فاعلم: أنّه قد وقع الخلاف فی معنی الوضع، فمنهم من فسّره بالالتزام و التعهد کالفاضل النهاوندی و من تبعه، و منهم من فسّره‏

.......... -بأنّه تعیین اللفظ للدلالة علی المعنی بلا اعتماد علی معنی کما عن الفصول، أو تعیین اللفظ للدلالة علی المعنی بنفسه کما عن غیره، و منهم من فسره بجعل اللفظ علامة لإرادة المعنی، و منهم من فسره بجعل الهوهویة و الاتحاد بین اللفظ و المعنی.

فحقیقة الوضع علی هذا هی الاتحاد الاعتباری بینهما الناشئ عن الجعل أو کثرة الاستعمال. ثم اختلفوا أیضا فی أنّ الواضع هل هو اللَّه تعالی شأنه کما عن جماعة و منهم أبو الحسن الأشعری أم هو البشر کیعرب بن قحطان کما عن غیرهم؟ و الغرض الإشارة إلی هذه الجهات دون التعرض لها تفصیلا، فإنّه ینافی وضع التعلیقة و ان کان الحق أنّ الواضع هو المخلوق لقوة أودعها فیه خالق الموجودات جلّ و علا یضعون بها ألفاظاً لإبراز ما فی ضمائرهم من المعانی، کما یخترعون بتلک القوة صناعات عجیبة ثم یضعون لها ألفاظاً کالرادیو و التلفن و التلغراف و غیر ذلک. و کیف کان فلنعطف عنان البحث إلی ما أفاده المصنف (قده) و محصله: أنّه (لمّا لم تکن) التعریفات المذکورة فی کتب القوم للوضع خالیة عن المسامحة إمّا لأخذ فائدة الوضع و هی الدلالة علی المعنی فی مفهومه، و إمّا لجعل الوضع بمعناه المصدری غیر الشامل للوضع التعینی (عدل) عنها إلی تعریفه بما فی المتن، و هو یرجع إلی معنی اسم المصدر القابل للانقسام إلی التعیینی و التعینی، لأنّ الوضع ان لوحظ باعتبار صدوره فهو مصدر، و ان لوحظ باعتبار نفسه فهو اسم مصدر، و الفرق بینهما اعتباری.

و کیف کان فالوضع کما یکون له وجود تکوینی کجعل حجر علی حجر کذلک یکون له وجود تشریعی یوجد بإنشاء من بیده الاعتبار نظیر سائر الأُمور الاعتباریة المتحققة بالإنشاء کالملکیة و الزوجیة و غیرهما. ثم إنّ الوضع بالمعنی المذکور فی المتن یکون من صفات اللفظ، لصحة توصیف اللفظ به بأن یقال: اللفظ الموضوع، کما أنّه بمعنی تعهد الواضع أو تخصیص اللفظ بالمعنی من صفات الواضع.

ناشئ من تخصیصه (1) به تارة و من کثرة استعماله فیه أُخری، و بهذا المعنی (2) صح تقسیمه إلی التعیینی و التعینی کما لا یخفی. ثم إنّ الملحوظ (3) حال الوضع إمّا یکون معنی عاماً فیوضع اللفظ له تارة و لأفراده و مصادیقه أُخری، و إمّا یکون معنی خاصاً لا یکاد یصح إلاّ وضع اللفظ له دون العام، فتکون الأقسام ثلاثة، و ذلک لأنّ العام (4) یصلح لأن یکون آلة للحاظ أفراده و مصادیقه -


(1). أی: تخصیص الواضع اللفظ بالمعنی.

(2). أی: اختصاص اللفظ بالمعنی.

(3). لما کان الوضع من الأمور الإنشائیة المتقومة بالتصور و اللحاظ کسائر الإنشائیات التی لا توجد إلا بذلک و کان أمراً نسبیاً متقوماً باللفظ و المعنی، فلا بد من أن یلاحظ الواضع حین الوضع کلاًّ من اللفظ و المعنی. ثم إنّ الوجوه المتصورة عقلاً فی الوضع أربعة، لأنّ المعنی الملحوظ إمّا کلّی و إمّا جزئی، و علی الأوّل إمّا أن یضع اللفظ بإزائه، و إمّا أن یضعه بإزاء أفراده، و یسمی أوّلهما بالوضع العام و الموضوع له العام، و ثانیهما بالوضع العام و الموضوع له الخاصّ. و علی الثانی إمّا یضع اللفظ بإزائه و إمّا بإزاء الکلی الجامع بین ذلک المعنی الجزئی الملحوظ حین الوضع و بین غیره من الجزئیات المشارکة له فی ذلک الکلی، و یسمی الأول بالوضع الخاصّ و الموضوع له الخاصّ، و الثانی بالوضع الخاصّ و الموضوع له العام، و الممکن من هذه الأربعة هو ما عدا الأخیر لما سیذکره المصنف (قده).

(4). هذا تعلیل لإنکار القسم الرابع - و هو الوضع الخاصّ و الموضوع له العام - خلافاً لجماعة منهم المحقق صاحب البدائع، و ملخص ما أفاده المصنف فی وجه الإنکار هو: أنّ الخاصّ بما هو خاص - کزید - لا یصلح لأن یکون وجهاً للعام کالإنسان، و لذا لا یصح حمل الخاصّ علیه، فلا یقال: «الإنسان زید» بخلاف العام، فإنّه‏

بما هو کذلک (1)، فإنّه (2) من وجوهها (3) و معرفة وجه الشی‏ء معرفته بوجه، بخلاف الخاصّ، فإنّه بما هو خاص لا یکون وجهاً للعام و لا لسائر الأفراد، فلا یکون معرفته و تصوره معرفة له و لا لها أصلا و لو بوجه، نعم ربما یوجب تصوره تصور -یصلح لأن یکون وجهاً للخاص، و لذا یصح حمله علیه فیقال: «زید إنسان».

و بالجملة: خصوصیة الخاصّ توجب مباینته للعام کمباینته لسائر الافراد، فکما یباین زید عمراً و بکراً و غیرهما من أفراد الإنسان لتباین خصوصیاتها کذلک یباین الإنسان الّذی هو الطبیعة اللا بشرط، لما بین الماهیة بشرط شی‏ءٍ: و بین الماهیة اللا بشرط القسمی من التنافی المانع عن الاتحاد المقوِّم للحمل و عن کونه وجهاً للماهیة اللا بشرط و هی العام. و ان شئت فقل فی تقریب المنع عن هذا القسم الرابع: بأنّ المعنی الملحوظ حین الوضع ان کان جزئیاً حقیقیاً فکیف یعقل أن یضع الواضع اللفظ بإزاء المعنی العام الشامل له و للأفراد المتماثلة له؟ إذ لازمه الوضع لمعنی لم یتصوره حال الوضع أصلا، لأنّ المفروض عدم کون الخاصّ وجهاً للعام حتی یکون تصوره تصور العام بوجه، فلا یعقل الوضع الخاصّ و الموضوع له العام، هذا

«-»

.


(1). أی: بما هو عام، لأنّه باعتبار لا بشرطیته متحد مع الأفراد وجوداً فیصح أن یکون آلة للحاظها.

(2). یعنی: فإنّ العام لأجل لا بشرطیته....

(3). أی: من وجوه الأفراد و المصادیق. (-). إلا أن یقال: إنّ التصور التفصیلیّ التحلیلی للخاص تصور إجمالی للعام، و هذا المقدار کافٍ فی صحة الوضع له و إن لم یکن الخاصّ وجهاً له کما یکشف عنه عدم صحة حمله علی العام، فمجرد علّیة تصور الخاصّ لتصور العام یکفی فی صحة الوضع للمعنی العام، فتدبر.

العام بنفسه فیوضع له اللفظ فیکون الوضع عاماً کما کان الموضوع له عاماً، و هذا بخلاف ما فی الوضع العام و الموضوع له الخاصّ، فإنّ الموضوع له و هی الافراد لا یکون متصوراً إلاّ بوجهه و عنوانه و هو العام، و فرق

«-»

واضح بین تصور الشی‏ء بوجهه (1) و تصوره بنفسه (2) و لو کان بسبب تصور أمر آخر (3)، و لعل خفاء ذلک علی بعض الأعلام و عدم تمییزه بینهما کان موجباً لتوهم إمکان ثبوت قسم رابع و هو أن یکون الوضع خاصاً مع کون الموضوع له عاماً، مع أنّه واضح لمن کان له أدنی تأمل (4). ثم إنّه لا ریب فی ثبوت الوضع الخاصّ و الموضوع له الخاصّ کوضع الأعلام (5) و کذا الوضع العام و الموضوع له العام -


(1). کما فی الوضع العام و الموضوع له الخاصّ.

(2). کما فی الوضع و الموضوع له العامین إذا استلزم تصور الخاصّ تصور العام کتصور الخاصّ بکنهه المستلزم لتصور العام الّذی فی ضمنه.

(3). کتصور الإنسان الناشئ عن تصور زید، فإنّ تصوره علة لتصور الإنسان.

(4). قد عرفت آنفاً إمکان هذا القسم الرابع و إن لم یکن الخاصّ وجهاً للعام کالعکس، لکن التصور الإجمالی کافٍ فی الوضع، و المفروض أنّ التصور التحلیلی للخاص یستلزم تصور العام إجمالاً، و به یندفع إشکال عدم تصور المعنی العام لا تفصیلا و لا إجمالا إذا کان المعنی الملحوظ حین الوضع خاصاً. فالحق إمکان القسم الرابع وفاقاً لصاحب البدائع و غیره کإمکان الأقسام الثلاثة الأُخری‏.

(5). أی: الأعلام الشخصیة کوضع زید مثلا، فإنّ الوضع و هو المعنی الملحوظ (-). وضوح الفرق بینهما کصحة الحمل فی أحدهما - و هو ما إذا کان العام وجهاً للخاص دون الآخر - لا یمنع عن التصور الإجمالی الکافی فی الوضع.

کوضع أسماء الأجناس (1). و أمّا الوضع العام و الموضوع له الخاصّ فقد توهم (2) أنّه وضع الحروف و ما ألحق بها من الأسماء (3)، کما توهم أیضا (4) أنّ المستعمل فیه

جزئی کجزئیة الموضوع له، إذ اللفظ موضوع لنفس ذلک المعنی المتصور، فکل من الوضع و الموضوع له خاص. -


(1). سواء کانت أسماءً لما اخترعه أهل هذه الأعصار کالطیارات و السیارات و المکائن و غیرها، أم لما خلقه اللَّه سبحانه و تعالی کالماء و الحنطة و الشعیر و غیرها.

(2). المتوهم جماعة منهم السید الشریف.

(3). المشابهة للحروف شباهة افتقاریة أو وضعیة أو معنویة کأسماء الإشارات و الموصولات و غیرهما.

(4). المتوهم هو التفتازانی علی ما قیل

«-»

. (-). و لا بأس بالتعرض إجمالاً للأقوال المذکورة فی وضع الحروف.

(منها) ما عن نجم الأئمة الشیخ الرضی من أنّ الحرف لا معنی له أصلا، بل جعل علامة علی خصوصیة معنی مدخوله، فکما یکون الرفع علامة علی فاعلیة زید مثلا فی قولنا: «قام زید» کذلک یکون - فی - علامة علی ظرفیة مدخوله کالدار فی قولنا «زید فی الدار» هذا. و فیه (أولا) أنّه مجرد دعوی لا برهان علیه، و صِرف إمکانه لا یکفی فی الوقوع. (و ثانیاً) أنّه خلاف ما اتفقوا علیه من انقسام الکلمة إلی اسم و فعل و حرف، و عزل الحرف عن المعنی یستلزم انحصار الکلمة فی الأولین. (و ثالثاً) أنّه یستلزم التجوز فی الاستعمالات، توضیحه: أنّ «الدار» مثلا وضعت لذات معناها و هی البناء الموجود العینی الجوهری، و خصوصیة ظرفیتها لزید مثلا خارجة عنه، و حینئذٍ فان لم یکن لکلمة «فی» معنی الظرفیة یلزم التجوز فی استعمال کلمة «الدار» فی معناها المتخصص بهذه الخصوصیة، و هو کما تری، فلا بد أن تکون الخصوصیة مدلولة لکلمة «فی».

نعم قیل بصحة دعوی العلامیة فی علائم الإعراب کالرفع، إذ الدال علی الفاعلیة التی هی النسبة الصدوریة أو الحلولیة هی الهیئة الکلامیة. فمقایسة الحروف علی مثل الرفع فی غیر محلها، بل هذه الدعوی فی المشبه به أعنی به علائم الإعراب أیضا فی حیز المنع، فتدبر.

و منها: الأقوال المترتبة علی وضع الحروف لمعانٍ فی مقابل قول من جعلها علامة لخصوصیة مدخولها.

(أحدها): أنّها وضعت لمعنی لوحظ حالة للغیر و نعتاً له بحیث لا یتصور فی الذهن بنفسه و مع الغض عن الغیر کالأعراض الخارجیة التی لا توجد مستقلة بل فی موضوعاتها، حتی قیل: «إنّ وجوداتها فی أنفسها عین وجوداتها لموضوعاتها» فالمعنی الحرفی حالة لمعنی آخر و قائم به کالعرض، و لیس کالمعنی الاسمی القائم بنفسه، هذا.

و فیه: أنّ المعنی الحرفی لو کان کذلک لم یکن محتاجاً إلی طرفین بل إلی طرف واحد کالأعراض الخارجیة.

(ثانیها): أنّها وضعت للنسب و الارتباطات المتقومة بالطرفین مثلا قولنا:

«سرت من البصرة» یدل علی مفهومی السیر و البصرة اللذین هما مدلولا «سرت» و البصرة» و النسبة الابتدائیة بینهما التی هی معنی «من» فلو لم تکن کلمة «من» فی الکلام لم یکن لهذه النسبة دال، فمعنی «من» هی النسبة الابتدائیة، کما أنّ معنی «إلی» هی النسبة الانتهائیة، و هکذا سائر الحروف.

و من هنا یظهر: أنّ حال الهیئات - لدلالتها علی النسب و الارتباطات من الصدوریة و القیامیة و الإیجادیة و الطلبیة و غیرها - حال الحروف بناءً علی هذا القول.

و بالجملة: فالأسماء تدل علی المعانی الاستقلالیة، و الحروف تدل علی النسب و الارتباطات التی بینها، و لا فرق بین أقسام الحروف من الجارة و غیرها فی الدلالة علی النسب، فإنّ لفظة «یا» مثلا تدل علی النسبة الندائیة المتقومة بالمنادی و المنادی. و قد ظهر مما ذکرنا: أنّ المعنی الحرفی بذاته غیر مستقل و غیر متصور بالاستقلال کالمعنی الاسمی، إذ النسبة متقومة بالمنتسبین، فلیس عدم استقلاله ناشئاً من اللحاظ کما هو مقتضی القول الآتی.

(ثالثها) ما فی المتن تبعاً للفصول: من أنّ المعنی إذا لوحظ آلیاً فهو معنی حرفی و إذا لوحظ استقلالیاً فهو معنی اسمی، فالتفاوت بین المعنی الحرفی و الاسمی إنّما هو باللحاظ من دون فرق بینهما فی نفس المعنی و هویته، إذ الموضوع له فی کل من الاسم و الحرف هو الماهیة المبهمة المعرّاة عن قید الاستقلال و عدمه. فکما لم تلاحظ الاستقلالیة جزءاً فی معانی الأسماء لا فی الموضوع له و لا فی المستعمل فیه، فکذلک لم تلاحظ الآلیة التی هی کون المعنی حالة للغیر جزءً لمعانی الحروف، لما سیذکره المصنف (قده) من الوجوه الثلاثة الدالة علی عدم أخذ لحاظ الآلیة جزءً للمعانی الحرفیة.

(رابعها) ما أفاده شیخ مشایخنا المحقق النائینی (قده) و هو یعتمد علی أربعة أرکان:

(الأول): أنّ المعانی الحرفیة إیجادیة لا إخطاریة، توضیحه: أنّه لیس للمعنی الحرفی مفهوم متصور فی الذهن کالمفاهیم الاسمیة، بل المعانی الحرفیة هی النسب و الارتباطات التی توجد فی موطن الاستعمال، فکلمة «من» مثلا وضعت

لإیجاد الربط الابتدائی بین السیر و البصرة فی مثل قولک: «سر من البصرة إلی الکوفة» و کلمة «علی» لإیجاد النسبة الاستعلائیة بین زید و السطح، فی مثل «زید علی السطح»، و هیئة «زید قائم» لإیجاد النسبة القیامیة بین زید و قائم، و مثلها سائر الحروف و الهیئات. و بالجملة: فلا تقرر للمعنی الحرفی فی الذهن حتی یتصور، بل تقرره و تحصله موطن الاستعمال، فالحروف آلات لإیجاد معانیها لا کواشف عن مدالیلها.

(الثانی): أنّ المعانی الحرفیة لا استقلال لها فی هویة ذاتها، بل هی قائمة بغیرها، بداهة أنّ النسب و الارتباطات التی تحکیها الحروف و الهیئات لا تقوم بذاتها، لکونها قائمة بالطرفین، و إلی هذا ینظر قولهم «الحرف ما دل علی معنی فی غیره»، فإنّ معنی کلمة «من» هی الابتدائیة التی تقوم بما یلیها من البصرة و نحوها.

(الثالث): أنّ تلک المعانی الإیجادیة لا موطن لها إلاّ وعاء الاستعمال، و لا تقرر لها فی شی‏ء، من أوعیة الواقع و الاعتبار و الذهن، فلیس الموضوع له فی الحروف مفاهیم النسب و الارتباطات، بل مصادیقها الموجودة فی موطن الاستعمال فی مقابل القول بالإخطاریة المنوطة باللحاظ و التصور و تعدد وعاء التحصل و التقرر، فإنّ لازم الإیجادیة هو وحدة عالم التقرر و التحصل، فوجود المعنی الحرفی حدوثاً و بقاء یدور مدار الاستعمال.

(الرابع): أنّ المعانی الحرفیة مغفول عنها و غیر ملتفت إلیها حال إیجادها، کالألفاظ التی یراد بها معانیها، فإنّ النّظر إلی الألفاظ حینئذٍ آلیّ کالنظر إلی المرآة ان کان الغرض معرفة حال المرئی، فإنّ المعنی الحرفی بناءً علی کونه إیجادیاً لا یمکن

أن یکون ملتفتاً إلیه قبل الاستعمال أصلا، لتوقف الالتفات إلیه علی تصوره فی الذهن و المفروض أنّه لا وجود له فی غیر موطن الاستعمال، فکیف یمکن تصوره قبل الاستعمال؟ و یترتب علی عدم وجوده قبل الاستعمال امتناع الإطلاق و التقیید اللحاظیین فیه، هذا. ثم استدل المحقق النائینی (قده) علی القول بالإیجادیة علی ما یستفاد من کلمات مقرری بحثه الشریف بوجوه ثلاثة:

(الأول): الخبر الّذی رواه أبو الأسود الدؤلی عن مولانا أمیر المؤمنین علیه أفضل صلوات المصلین، قال: «قال علیه السّلام: الاسم ما أنبأ عن المسمی، و الفعل ما أنبأ عن حرکة المسمی، و الحرف ما أوجد معنی فی غیره‏» تقریب الاستدلال به: أنّ فی العدول عن الإنباء فی الحرف إلی الإیجاد دلالة علی عدم تقرُّر لمعنی الحرف فی غیر وعاء الاستعمال حتی یدل علیه الحرف و یحکی عنه کحکایة أخویه عن معنییهما، بل الحرف آلة لإیجاد معناه، هذا.

(الثانی): أنّ حرف النداء فی مثل «یا زید» لا یمکن أن یکون حاکیاً عن النسبة الندائیة المتقررة فی غیر موطن الاستعمال، إذ لا نداء و لا منادی و لا منادی قبل الاستعمال، بل هذه العناوین توجد بنفس الاستعمال، فلا وجود لها قبله، فیوجد بحرف النداء مصداق لمفهوم النداء، فالمعنی الحرفی مصداق للمعنی الاسمی.

(الثالث): أنّه لا شک فی أنّ مفاهیم أجزاء الجمل سواء کانت تامة أم ناقصة و اسمیة أم فعلیة و خبریة أم إنشائیة مفاهیم بسیطة مستقلة فی الأذهان غیر مرتبطة بعضها ببعض کالماء و الکوز، فإنّهما موضوعان لمفهومین متغایرین

لا یرتبط أحدهما بالآخر بحیث لا یمکن تألیف کلام منهما، فلو استعملت کلمة - فی - فی مفهوم النسبة الظرفیة لا فی حقیقتها فما الرابط بین هذین المفهومین الاسمیین المستقلین؟ فلا بد أن تکون الحروف و الهیئات موضوعة لمصادیق النسب و الارتباطات لیتحقق الربط بینهما، فالموجد للارتباط بین المفاهیم المتغایرة هی الحروف و الهیئات، هذا. و أنت خبیر بما فی الجمیع، إذ فی الأول و هو الخبر أولا: أنّه مرویّ عن طرق العامة. و ثانیاً: اختلاف متنه، لأن المحکی عن بعض النسخ هکذا: «و الحرف ما أنبأ عن معنی لیس باسم و لا فعل» و الترجیح بعلوّ المضمون علی فرض صحته فی نفسه غیر ثابت هنا، لما سیظهر من وهن إیجادیة المعانی الحرفیة. و ثالثاً: أنّه یمکن أن یکون وجه العدول عن الإنباء فی الحروف إلی الإیجاد ملاحظة کون النسب و الارتباطات التی هی المعانی الحرفیة الرابطة بین المفاهیم الاسمیة علة لتحقق الهیئة فی الذهن کعلیة النسب و الارتباطات الخارجیة لتحقق هیئة فی الخارج، کالهیئة السریریة الحاصلة بارتباطات خاصة بین قطعات الخشب. و لمّا کانت الحروف حاکیة عن النسب التی هی علة لوجود تلک الهیئة، صحت إضافة الإیجاد عنایة إلی نفس الحروف الحاکیة عنها، فتدبر.

و فی الثانی - و هو عدم إمکان حکایة حرف النداء عن النسبة الندائیة - أوّلا:

أنّه أخص من المدعی، لعدم تطرقه فی الجمل الخبریة المشتملة علی النسب التحقیقیة، لحکایة الهیئة فیها عن الارتباط الذهنی المتحقق قبل وعاء الاستعمال، فلاحظ.

و ثانیاً: أنّ الفرق بین مثل «یا زید» و بین سائر الجمل الإنشائیة تحکُّم، لامتناع تألیف الکلام من حرف و اسم، فلهذا الکلام مقدر و هو کلمة «أدعو» مثلا

کما قدّره النحویون.

و من الواضح أنّ للدعوة نسبة صدوریة إلی المتکلم الّذی یقال له المنادی (بالکسر) و الدال علی هذه النسبة هیئة «أدعو» و نسبة المدعویة إلی طرفه و هو زید فی المثال المدعو بالمنادی (بالفتح) و الدال علی هذه النسبة هی لفظة «یا»، و لا بد من تصور أجزاء الکلام بما لها من المفاهیم الاستقلالیة و الروابط الموجبة لارتباطها و تألف الکلام منها لیتحقق التطابق بین القضیة المعقولة و الملفوظة، من غیر فرق فی ذلک بین الجمل الإنشائیة و الاخباریة.

و الحاصل: أنّه کما یعتبر تصور المفاهیم الاستقلالیة التی تدل علیها أطراف القضیة من المسند و المسند إلیه کذلک یعتبر تصور النسب و الارتباطات التی تدل علیها الحروف و الهیئات، فإنّ کل متکلم لا یلقی کلامه إلی مخاطبه إلا بعد تصور مضمونه من المفاهیم المستقلة و روابطها، فالکلام الملقی إلی الطرف کما یشتمل علی الألفاظ التی تدل علی المفاهیم المستقلة، کذلک یشتمل علی الحروف و الهیئات التی تحکی عن الارتباطات و النسب، و هل یمکن إلقاء کلام مفید بدون التصور المزبور بعد وضوح لزوم التطابق بین القضیة المعقولة و الملفوظة کما أشرنا إلیه آنفاً؟ و ثالثاً: أنّه لا معنی لمصداقیة النسبة الندائیة الموجدة بحرف النداء فی موطن الاستعمال لمفهوم النداء الّذی هو معنی اسمی، و ذلک لعدم انطباق ضابط المصداقیة علی المعنی الحرفی، فإنّ ضابطها هو صحة وقوع المصداق مسنداً إلیه و المفهوم مسنداً نظیر «زید إنسان»، و من المعلوم عدم صحته فی المقام، ضرورة عدم صحة وقوع الحرف مسنداً إلیه، و إلاّ لخرج عن کونه حرفاً کما هو واضح

و فی الثالث - و هو کون مفاهیم أجزاء الجمل بسائط مستقلة فی الذهن - أولا: ما مر آنفاً من أنّ القضیة الملفوظة کما تحتاج إلی وجود رابط یربط أطرافها، کذلک القضیة المعقولة تتوقف علی وجود رابط بین أجزائها الذهنیة، فالملقی للکلام المفید یحتاج أوّلاً إلی تصور الأطراف و الربط بینها لیتمکن من إلقائه ثانیاً. و ببیان أوضح: کما أنّ الماهیات المبهمة اللابشرط المقسمی التی وضعت لها الألفاظ - بناءً علی المذهب الصحیح الّذی اختاره السلطان فی وضع أسامی الأجناس - تحتاج إلی حاکٍ یحکی عنها، کذلک الخصوصیات الطارئة علیها کتخصص السیر بکونه من البصرة فی قوله: «سر من البصرة»، و تقیّد الصوم بکونه من الطلوع إلی الغروب فی قوله: «صم من الطلوع إلی الغروب» و غیر ذلک، فإنّ الحاکی عن نفس الطبیعة المهملة لا یغنی عما یحکی عن خصوصیتها، لعدم دلالته علیها، فکلّ من الطبیعة و خصوصیاتها تحتاج إلی دالٍ یخصها، و لذا نحتاج فی إثبات الإطلاق إلی مقدمات الحکمة، إذ المفروض أن اللفظ لا یدل إلاّ علی نفس الطبیعة المهملة المعراة عن کل خصوصیة و ارتباط. فنتیجة هذا البیان کون مدالیل الحروف و الهیئات کمدالیل الأسماء إخطاریة لا إیجادیة.

و ثانیاً: أنّ إیجادیة المعانی الحرفیة تستلزم محذوراً لم یلتزم به أحد، و هو خروج جمیع القیود عن حیّز الطلب المنشأ بالهیئة و توضیحه منوط بتقدیم أمرین مسلّمین:

أحدهما: أنّ الطلب لا یتعلق إلاّ بما یکون مقدماً علیه رتبة، لتأخر الحکم عن موضوعه تأخر المعلول عن علته.

ثانیهما أنّ وحدة رتبة علّتین تستلزم وحدة رتبة معلولیهما، إذا عرفت

هذین الأمرین فاعلم: أنّه إذا قال المولی: «سِر من البصرة إلی الکوفة» ففیه دلالات: «إحداها» دلالته علی مفهومین اسمیین و هما مفهوما: السیر و البصرة.

(ثانیتها) دلالته علی الارتباط الخاصّ بینهما، و هو تقیّد السیر بکون مبدئه البصرة و منتهاه الکوفة. (ثالثتها) دلالته علی الطلب، و لما کان الطلب و الارتباط بین السیر و البصرة معلولین للأداة و الهیئة اللتین هما فی رتبة واحدة، فلا محالة یکون نفس الطلب و الارتباط أیضا فی رتبة واحدة و متأخرین عن مفهومی السیر و البصرة، و قد مرّ فی الأمر الأول: أنّ الطلب لا یتعلق إلا بما یتقدم علیه رتبة، فلا یتعلق بما هو فی رتبته أو متأخر عنه، و لازم وحدة رتبتی الطلب و الإضافة بین مفهومی السیر و البصرة هو عدم تعلق الطلب بالإضافة، و کون المطلوب مطلق السیر و إن لم یکن ابتداؤه من البصرة، و هذا مما لم یلتزم به أحد، إذ المسلم عندهم فی مثل هذه القضیة هو جعل القید متعلق الطلب، و کون المطلوب السیر المتخصص بخصوصیة کذائیة لا مطلق السیر. و لا یرد هذا المحذور علی القول بإخطاریة المعانی الحرفیة، لأنه یتصور المعنی الاسمی مقیداً بالخصوصیة و یطلبه کذلک، فیکون القید متصوراً قبل تعلق الطلب به. نعم فی مقام الدلالة یکون الدالان علی القید و الطلب فی رتبة واحدة، لکنه لا یقدح، لعدم استلزام عرضیة الکاشفین لعرضیة المنکشفین کما لا یخفی. و ثالثاً: أنّه یلزم تأخر الارتباط المترتب علی الحروف أو الهیئات عما یقوم به من المفهومین الاسمیین و عدم کونه فی رتبتهما، توضیحه:

أنّ الارتباط المعلول للأداة یوجد فی وعاء الاستعمال، و هو متأخر عن تصور المفهومین اللذین یقوم بهما الارتباط، فمع تصور مفهوم زید بدون ارتباطه بالقیام

و تصور مفهوم القیام بدون ارتباطه بزید کیف یحصل الارتباط بینهما بالحروف أو الهیئات مع عدم انقلاب الواقع عما هو علیه من الإطلاق و عدم الارتباط؟ إذ المفروض وجود کل منهما غیر مرتبط بالآخر، فلا یرتبطان بما یوجد فی مرحلة الاستعمال المتأخر عن مقام التصور، فتدبر. و رابعاً: أنّه یلزم من إیجادیة المعنی الحرفی إنکار القضیة المعقولة، لعدم رابط ذهنی یربط الطرفین، أو الالتزام بإمکان تألف القضیة من دون ارتباط بین طرفیها، و کلاهما کما تری. و خامساً: أنّ إیجادیة المعنی الحرفی تستلزم تحصیل الحاصل، لأن مقتضی القضیة المعقولة هو ثبوت الارتباطات و النسب الخاصة بین طرفی القضیة قبل وعاء الاستعمال، فعلی القول بالإیجادیة یلزم إیجاد الارتباط الموجود قبل الاستعمال، و هذا بخلاف القول بالإخطاریة، إذ الحروف أو الهیئات لیست إلا حاکیة عن النسب و الارتباطات الموجودة قبل الاستعمال کما لا یخفی.

خامسها: ما عن صاحب الحاشیة من التفصیل بین الحروف بالإیجادیة فی بعضها کحروف النداء و الترجی، و الإخطاریة فی بعضها الآخر. و قد ظهر فساد هذا التفصیل مما ذکرناه فی بطلان القول الرابع فلا نعیده. فتحصل من جمیع ما ذکرنا:

أنّه لا وجه للقول بإیجادیة المعانی الحرفیة أصلا، لا فی الکل و لا فی البعض.

و أمّا کیفیة وضع الحروف و أنّها من أی قسم من الأقسام الثلاثة الممکنة، فالحق أنّها من قبیل الوضع العام و الموضوع له العام. (و توهم) عدم إمکان عمومیة الموضوع له فیها، لعدم جامع ذاتی قابل للتعقل فی الذهن بدون أطرافه بین الارتباطات التی هی المعانی الحرفیة، بحیث ینطبق علیها انطباق الکلی الطبیعی

علی مصادیقه، إلاّ مفهوم الربط الّذی هو معنی اسمی، و لذا ذهب المشهور علی ما قیل إلی کون الموضوع له فی الحروف خاصاً (فاسد)، لأنّ الجامع المفهومی الذاتی بین المعانی الحرفیة بحیث یکون نسبته إلیها نسبة الکلی إلی مصادیقه و ان کان غیر ممکن لاستلزامه انقلاب المعنی الحرفی إلی الاسمی، إلاّ أنّ جهة الاشتراک بین أشخاص صنف کالنسبة الابتدائیة المدلول علیها بکلمة - من - التی هی الجهة المشترکة بین أفراد هذا الصنف تجدی فی عمومیة الموضوع له، لأنّ المفهوم العام الاسمی المتصور حین الوضع کما یکون مرآة للخصوصیات و الأفراد کذلک یکون مرآة لتلک الجهة المشترکة، فلا مانع من جعل الموضوع له کالوضع فی الحروف عاماً، لأنّ عمدة مستند المنکر لعموم الموضوع له فی الحروف هو عدم إمکان وجود جامع ذاتی بین هذه النسب الخاصة بحیث یکون ذلک کلیّاً طبیعیاً و تلک النسب مصادیقه، و بَعد إمکانه و مساعدة الوجدان علیه لا بد من الالتزام به.

و أمّا عدم خصوصیة کل من الوضع و الموضوع له فی الحروف، فلعدم قابلیة أشخاص المعانی الحرفیة للتصور بدون توسیط معنی اسمی، و إلاّ خرجت عن کونها معانی حرفیة، و لعدم تناهیها و عدم تعقل استحضار ما لا نهایة له بالصور التفصیلیة کما هو شأن الوضع الخاصّ. و أمّا الوضع العام و الموضوع له الخاصّ فلا مجال له أیضا، لأنّ عمدة نظر القائل به کما مر آنفاً إلی عدم إمکان وجود جامع ذاتی بین هذه النسب الخاصة بحیث یکون ذلک کلیاً طبیعیاً و تلک النسب مصادیقه، و لکن قد عرفت إمکانه و مساعدة الوجدان علی الالتزام به. و أمّا الوضع العام و الموضوع له العام و المستعمل فیه الخاصّ، ففساده غنی عن البیان، إذ لازمه لغویة

فیها خاص مع کون الموضوع له کالوضع عاماً (1). و التحقیق حسبما یؤدی إلیه النّظر الدّقیق: أنّ حال المستعمل فیه و الموضوع له فیها (2) حالهما (3) فی الأسماء (4) و ذلک لأنّ (5) الخصوصیة المتوهمة ان کانت هی الموجبة لکون المعنی المتخصص بها جزئیاً خارجیاً، فمن الواضح أنّ کثیراً ما لا یکون المستعمل فیه فیها کذلک (6) -


(1). فالمتحصل من عبارة المتن و غیرها: أنّ الأقوال فی کیفیة وضع الحروف ثلاثة: (الأول) الوضع العام و الموضوع له الخاصّ، و هو المنسوب إلی جماعة منهم السید الشریف. (الثانی) عمومیة کل من الوضع و الموضوع له، مع خصوصیة المستعمل فیه، و هو المعزی إلی التفتازانی. (الثالث) عمومیة کل واحد من الثلاثة، و هو الّذی أشار إلیه المصنف (قده) بقوله: «و التحقیق... إلخ».

(2). أی: فی الحروف.

(3). أی: حال الموضوع له و المستعمل فیه.

(4). یعنی: أسماء الأجناس فی کون الموضوع له و المستعمل فیه فیها عامین.

(5). تعلیل لکون الموضوع له فی الحروف عاماً، و سیأتی توضیحه.

(6). أی: جزئیاً خارجیاً بل کلیاً کلفظة - من - فی قوله: «سر من البصرة الوضع و بطلان حکمته، لأن المفروض عدم استعمالها فی المعنی الموضوع له، و قبح وضع لفظ لمعنی لا یستعمل فیه أصلا ظاهر. فتلخص من جمیع ما ذکرنا: أنّ المعانی الحرفیة إخطاریة لا إیجادیة، و أنّها نسب و ارتباطات، و أنّ کلاًّ من الوضع و الموضوع له و المستعمل فیه فی الحروف عام، و أنّ المعانی الحرفیة و ان کانت قائمة بالمفاهیم الاسمیة کقیام الاعراض بموضوعاتها، إلا أنّ بینهما فرقاً واضحاً، و هو: أنّ الاعراض بما أنّها من الماهیات قابلة للتصور بالاستقلال، کتصور مفهوم السواد و البیاض، بخلاف المعانی الحرفیة، فإنّها غیر قابلة له کذلک، بل تتصور مع الأطراف.

بل کلیاً، و لذا التجأ بعض الفحول (1) إلی جعله جزئیاً إضافیاً، و هو کما تری (2) و ان کانت هی الموجبة لکونه جزئیاً ذهنیاً، حیث إنّه لا یکاد یکون المعنی حرفیاً إلاّ إذا لوحظ حالة لمعنی آخر و من خصوصیاته القائمة به، و یکون حاله --إلی الکوفة»، فإنّ الابتداء الّذی استعمل فیه لفظة - من - کلی ذو مصادیق کثیرة، و من المعلوم أنّها قد استعملت فی الابتداء الکلی بلا عنایة، فلو کان الموضوع له الابتداء الجزئی لما کان استعمالها فی الابتداء الکلی بلا عنایة، هذا و ملخص ما أفاده بقوله: «لأن الخصوصیة المتوهمة... إلخ» هو أنّه ان أُرید بها لوازم الوجود الخارجی، ففیه: أنّه غیر مطرد، لکثرة استعمال الحروف فی المعنی الکلی بدون علاقة مجازیة، مثل لفظة - من - فی مثل قوله: «سر من البصرة إلی الکوفة» لکون المعنی المستعمل فیه لفظة - من - هو الابتداء الکلی.

و إن أُرید بالخصوصیة المتوهمة: اللحاظ الذهنی الّذی هو - کلوازم الوجود الخارجی - موجب لجزئیة المعنی الملحوظ ذهناً، و لصیرورة المعنی الحرفی القائم بالغیر، کقیام العرض بموضوعه جزئیاً ذهنیاً، ففیه: أنّ المعنی الحرفی و ان کان یصیر باللحاظ جزئیاً ذهنیاً، إلاّ أنّ هذا اللحاظ یمتنع أن یکون دخیلا فی المستعمل فیه، لما یرد علیه من الإشکالات الثلاثة الآتیة فی کلام المصنف (قده).


(1). و هو المحقق التقی صاحب الحاشیة علی ما قیل أو صاحب الفصول علی ما قیل أیضا.

(2). لأنّ مناط الکلیة و هو قابلیة الانطباق علی الکثیرین موجود فی الجزئی الإضافی، فیرجع الأمر إلی ما أفاده المصنف من کون الحروف موضوعة بالوضع العام و الموضوع له العام.

کحال العرض (1) فکما لا یکون (2) فی الخارج إلا فی الموضوع کذلک هو (3) لا یکون فی الذهن (4) إلا فی مفهوم آخر، و لذا (5) قیل فی تعریفه بأنّه ما دل علی معنی فی غیره، فالمعنی (6) و ان کان (7) لا محالة یصیر جزئیاً بهذا اللحاظ بحیث یباینه (8) إذا لوحظ ثانیاً کما لوحظ أولا و لو کان اللاحظ واحداً (9) إلا أنّ هذا اللحاظ (10) لا یکاد یکون مأخوذاً فی المستعمل فیه، و إلا فلا بد من لحاظ آخر متعلق بما هو ملحوظ بهذا اللحاظ (11) -


(1). فی القیام بالغیر، لکن قد عرفت آنفاً المائز بین العرض و بین المعنی الحرفی، فلاحظ.

(2). أی: العرض.

(3). أی: المعنی الحرفی.

(4). و فی الخارج، و به یفترق المعنی الحرفی عن العرض، إذ الأول تابع للغیر تصوراً و خارجاً، و الثانی تابع له خارجاً دون التصور.

(5). أی: و لأجل عدم تحقق المعنی الحرفی فی الذهن إلاّ فی مفهوم آخر، و حاصله: أنّ المعنی الحرفی کائن فی غیره، ضرورة قیام الربط الّذی هو المعنی الحرفی بطرفی القضیة، فهو مثل کینونة العرض فی الموضوع.

(6). جزاءٌ لقوله: «و ان کانت هی الموجبة.. إلخ».

(7). حین لحاظه مع تلک الخصوصیة الذهنیة.

(8). أی: یباین المعنی نفسه إذا لوحظ ثانیاً، لکون الملحوظات الذهنیة کالجزئیات الخارجیة متباینات.

(9). لأنّ وحدته واقعاً لا توجب انثلام تعدده لحاظاً.

(10). هذا أوّل الإشکالات الثلاثة الواردة علی دخل اللحاظ فی المستعمل فیه.

(11). أی: اللحاظ الّذی هو جزء المعنی.

بداهة (1) أنّ تصور المستعمل فیه مما لا بد منه فی استعمال الألفاظ، و هو کما تری (2).

مع أنّه (3) یلزم أن لا یصدق علی الخارجیات، لامتناع صدق الکلی العقلی (4) -


(1). هذا تقریب الإشکال، و حاصله: أنّ الاستعمال متقوم بلحاظ اللفظ و المعنی، سواء کان بسیطاً أم مرکباً، فإذا (فرض) ترکب معنی کلمة - من - مثلا من الابتداء و اللحاظ، و المفروض تقوم الاستعمال بلحاظ اللفظ و المعنی (لزم) تعدد اللحاظ فی الاستعمال، حیث إنّ أحد اللحاظین جزء المعنی و الآخر مقوم للاستعمال، و من المعلوم: أنّ تعدد اللحاظ خلاف الوجدان، فلا بد من کون المستعمل فیه ذات المعنی بدون اللحاظ.

(2). لما مر آنفاً من أنّ تعدد اللحاظ خلاف الوجدان.

(3). هذا ثانی الإشکالات الثلاثة المشار إلیها، و ملخصه: أنّ ترکّب المستعمل فیه من المعنی و اللحاظ یستلزم عدم صدق المعنی علی الخارجیات، و امتناع امتثال الأمر فی مثل قوله: «سر من البصرة» لأنّ اللحاظ الّذی موطنه الذهن یوجب تقید المعنی بالوجود الذهنی، و من المعلوم مباینة الموجود الذهنی للموجود الخارجی و عدم صدق أحدهما علی الآخر، فلا بد من تجرید المعنی عن خصوصیة اللحاظ لیخرج مثل قوله: «سر من البصرة» عن التکلیف بما لا یطاق، لصیرورة المأمور به حینئذٍ کلیاً طبیعیاً قابلا للانطباق علی الخارجیات.

(4). الکلی العقلی باصطلاح أهل المیزان هو مجموع العارض و المعروض کالإنسان الکلی، و تسمیته بالکلی العقلی لأجل تخصّص المفهوم بالتخصّص العقلی و هو الکلیة التی لا موطن لها إلاّ العقل، و الکلی العقلی بهذا المعنی لا ینطبق علی المقام، لأنّ قید - المعنی - هو اللحاظ دون وصف الکلیة، فالأولی التعبیر عنه بالجزئی الذهنی، و لعل التعبیر عنه بالکلی العقلی لأجل کون نفس المعنی کلیاً و قیده أعنی اللحاظ عقلیاً، إذ موطنه العقل.

علیها حیث لا موطن له إلا الذهن، فامتنع امتثال مثل - سر من البصرة - إلا بالتجرید و إلغاء الخصوصیة، هذا. مع (1) أنّه لیس لحاظ المعنی حالة لغیره فی الحروف إلا کلحاظه فی نفسه فی الأسماء، و کما لا یکون هذا اللحاظ (2) معتبراً فی المستعمل فیه فیها (3) کذلک ذاک اللحاظ (4) فی الحروف کما لا یخفی.

و بالجملة: لیس المعنی فی کلمة - من - و لفظ الابتداء مثلا إلا الابتداء، فکما لا یعتبر فی معناه (5) لحاظه فی نفسه (6) و مستقلا کذلک لا یعتبر -


(1). هذا ثالث الإشکالات علی دخل اللحاظ فی المعنی المستعمل فیه و هو إشکال نقضی، توضیحه: أنّ لحاظ المعنی الحرفی حالة لغیره لیس إلا کلحاظ المعنی الاسمی مستقلا، و کما لا یکون اللحاظ الاستقلالی مأخوذاً فی المعنی الاسمی کذلک اللحاظ الآلی لیس مأخوذاً فی المعنی الحرفی، فلا یصیر المعنی الحرفی باللحاظ الآلی جزئیاً حتی نلتزم بکون المستعمل فیه فی الحروف خاصاً، و التفکیک بین اللحاظین تحکّم.

(2). أی: لحاظ النفسیّة و الاستقلالیة.

(3). أی: فی الأسماء.

(4). أی: اللحاظ الآلی، فالمتحصل من جمیع ما ذکره المصنف (قده): أنّ کلاًّ من الوضع و الموضوع له و المستعمل فیه فی الحروف عام، و لو أُرید أحیاناً معنی خاص یکون ذلک بدالٍ آخر من قبیل تعدد الدال و المدلول، نظیر تقیید المطلق فی مثل: «أعتق رقبة مؤمنة». و بالجملة: فلا فرق بین المعنی الاسمی و الحرفی أصلا، بل المعنی فیهما واحد.

(5). أی: معنی لفظ الابتداء، فالضمیر راجع إلی لفظ الابتداء.

(6). الضمیران راجعان إلی معنی لفظ الابتداء.

فی معناها (1) لحاظه فی غیرها (2) آلة، و کما لا یکون لحاظه فیه (3) موجباً لجزئیّته (4) فلیکن کذلک فیها (5).

إن قلت: علی هذا (6) لم یبق فرق بین الاسم و الحرف فی المعنی، و لزم کون مثل کلمة - من - و لفظ الابتداء مترادفین صح استعمال کل منهما فی موضع الآخر، و هکذا سائر الحروف مع الأسماء الموضوعة لمعانیها، و هو باطل بالضرورة کما هو واضح. قلت: الفرق بینهما (7) إنّما هو فی اختصاص کل منهما بوضع -


(1). أی: معنی کلمة - من -.

(2). الضمیر الأول راجع إلی المعنی و الثانی إلی کلمة - من -.

(3). أی: لحاظ الاستقلال فی معنی لفظ الابتداء.

(4). أی: جزئیّة معنی لفظ الابتداء.

(5). أی: فلیکن لحاظ الآلیة فی معنی کلمة - من - غیر موجب لجزئیّته.

(6). أی: بناءً علی هذا التحقیق الّذی ذکره بقوله: «و التحقیق حسبما یؤدی إلیه النّظر الدّقیق... إلخ» و محصل التحقیق هو: دعوی اتحاد المعنی الموضوع له فی الاسم و الحرف. و ملخص الإشکال علی هذا التحقیق هو: لزوم ترادف مثل کلمة - من - و لفظة - الابتداء - المستلزم لصحة استعمال أحدهما مکان الآخر کغیرهما من الألفاظ المترادفة مع وضوح بطلانه، لعدم صحة استعمال «سرت ابتداء البصرة» بدل «سرت من البصرة».

(7). حاصل ما أفاده جواباً عن الإشکال بعد الاعتراف بالترادف و وحدة المعنی الموضوع له فی الاسم و الحرف هو: أنّ اختلاف کیفیة الوضع فیهما أوجب عدم صحة استعمال أحدهما مکان الآخر، بیانه: أنّ الاسم وُضع لیراد به المعنی فی نفسه، و الحرف وضع آلة لملاحظة حال مدخوله، فالاستقلالیة فی الأسماء.

حیث إنّه وضع الاسم لیراد منه معناه بما هو هو و فی نفسه، و الحرف لیراد منه -و الآلیة فی الحروف ملحوظتان للواضع فی کیفیة وضع الاسم و الحرف

«-»

. (-). لا یخفی أنّ مرجع ذلک ان کان إلی الشرط علی المستعملین کما توهم لیکون علی حذوِ الشروط الواقعة فی ضمن العقود، فیرد علیه: أنّه لا وجه للزوم الوفاء بهذا الشرط بعد البناء علی کون الموضوع له فی کل من الاسم و الحرف ذات المعنی بدون تقیده بشی‏ءٍ من لحاظی الاستقلالیة و الآلیة، فیلغو هذا الشرط، و قضیة لغویته جواز استعمال کل منهما فی مکان الآخر، مع أنّ المسلّم عدم جوازه. و ان کان مرجعه إلی الالتزام الخارجی المتحقق بعد تمامیة الوضع، فلا وجه لاعتباره بالأولویة، لأنّ الواضع إنّما یتبع فی وضع الألفاظ للمعانی، لا فی تعیین الوظیفة للمستعملین فی کیفیة الاستعمال بعد تحقق الوضع، لعدم تقیّد الوضع المتحقق أوّلا بالالتزام الجدید الحاصل ثانیاً، لعدم انقلاب ما وقع مطلقاً عمإ؛للَّه‏للَّه‏للَّه‏للَّه؛ وقع علیه، فإنّه نظیر تقیید البیع بعد إنشائه مطلقاً فی عدم الأثر للتقیید الواقع بعد تمامیة البیع. و ان کان مرجعه إلی أخذ اللحاظ بنحو الداعی، بأن یکون داعی الواضع فی وضع الحرف للمعنی هو کونه حالة لغیره، ففیه أیضا: أنّه لا دلیل علی اعتبار الدواعی، و لذا لا یقدح تخلفها، و لکن عدم تحقق التخلف فی المقام المستکشف من عدم جواز استعمال الحرف مکان الاسم یکشف عن عدم کونه بنحو الداعی. نعم یمکن توجیه ما أفاده (قده): «بأنّ ضیق الأغراض الداعیة إلی الإنشاءات موجب لضیق دائرة المنشآت و المجعولات، نظیر الأوامر العبادیة، فإنّ ضیق الأغراض الداعیة لها یوجب ضیقاً فی ناحیة المتعلقات بحیث لا یبقی لها إطلاق یعم صورة خلوها عن قصد دعوة الأمر. و فی المقام لمّا کان غرض الواضع من وضع الحروف دلالتها علی معانیها حال کونها ملحوظة باللحاظ الآلی، فلا محالة

معناه لا کذلک، بل بما هو حالة لغیره کما مرت الإشارة إلیه غیر مرة. فالاختلاف بین الاسم و الحرف فی الوضع یکون موجباً لعدم جواز استعمال أحدهما فی موضع الآخر و ان اتفقا فیما له الوضع (1)، و قد عرفت بما لا مزید علیه: أنّ نحو إرادة المعنی (2) لا یکاد یمکن أن یکون من خصوصیاته و مقوماته. ثم لا یبعد أن یکون الاختلاف فی الخبر و الإنشاء (3) أیضا -


(1). یعنی: ذات المعنی الموضوع له.

(2). من النفسیّة و الآلیة، فتلخص من جمیع ما ذکره المصنف: أنّ وضع الحروف، کوضع أسماء الأجناس فی کون کل من الوضع و الموضوع له و المستعمل فیه فیها عاماً.

(3). توضیحه: أنّه بعد أن أثبت خروج قصد الاستقلالیة و الآلیة عن حیّز الموضوع له و المستعمل فیه و أنّهما من شئون الاستعمال نفی البعد عن کون تتضیق دائرة موضوع وضعه أیضا، لکن لا بنحو التقیید، لما مر من استحالة تقید المعنی باللحاظ المتأخر عنه، و من المعلوم أنّ من لوازم تضیق دائرة الوضع عدم صحة استعمال أحدهما موضع الآخر» هذا ملخص ما یستفاد من بیان بعض أعاظم أساتیذنا (قده). لکن هذا التوجیه لا یمنع عن نتیجة التقیید، کما لا یمنع عن ذلک تأخر قصد الأمر عن المتعلق فی العبادات. نعم ذلک مانع عن التقیید اللحاظی، ففیما نحن فیه یمکن دعوی تقید الموضوع له لُبّاً باللحاظ، فاختلف المعنی الاسمی و الحرفی باختلاف القید الملحوظ فیهما، لکن لازم هذا التقیید صحة استعمال الحرف مکان الاسم و بالعکس مجازاً مع وضوح بطلانه و غلطیته. فالأولی ما ذکرناه سابقاً من: أنّ المعانی الحرفیة لیست إلاّ الارتباطات و النسب، و أنّها من الوجود الرابط، و أنّها بذاتها مباینة للمعانی الاسمیة، فتدبر.

کذلک (1)، فیکون الخبر (2) موضوعاً لیستعمل (3) فی حکایة ثبوت معناه فی موطنه، و الإنشاء لیستعمل فی قصد تحققه و ثبوته و ان اتفقا فیما استعملا فیه فتأمل (4). ثم إنّه قد انقدح --الاخباریة و الإنشائیة أیضا من شئون الاستعمال من دون دخلهما فی الموضوع له أو المستعمل فیه، فالاختلاف بین الخبر و الإنشاء إنما هو فی قصد المتکلم، و علیه فالمتکلم بکلمة - بعت - ان قصد بها الحکایة عن ثبوت نسبة البیع إلی نفسه فی موطنها - و هو وعاء الاعتبار - فذلک إخبار، و ان قصد بها إیجاد البیع و نقض عدمه المحمولی بوجوده کذلک، فذلک إنشاء، فإخباریة لفظة - بعت - و إنشائیتها منوطتان بالقصد، فهما من أطوار الاستعمال.


(1). أی: فی کیفیة الوضع مع اتفاقهما فی نفس المعنی الموضوع له.

(2). و هو فی الاصطلاح: الکلام الّذی یکون لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه، و الإنشاء کلام لیس لنسبته خارج کذلک.

(3). لیست الحکایة جزءً للمعنی، بل اللفظ یستعمل فی معناه بقصد الحکایة، فالعبارة لا تخلو عن مسامحة.

و بالجملة: فالمعنی فی الاخبار و الإنشاء واحد، لأنّه عبارة عن نسبة المبدأ إلی الذات، فان قصد بالکلام الحکایة عن النسبة فیکون خبراً، و ان قصد به إیجادها یکون إنشاءً.

(4). لعله إشارة إلی: أنّ مجرد إمکان کون الاخباریة و الإنشائیة من شئون الاستعمال من دون دخلهما فی المعنی لا یستلزم الوقوع و لا یصلح لإثباته.

أو إلی: أنّ هذه الدعوی لا تسمع إلاّ فی خصوص الألفاظ المشترکة التی تستعمل تارة فی الإخبار و أُخری فی الإنشاء کصیغة - بعت -، و أمّا المختصة بإحداهما،

.......... -کالجملة الاسمیة المختصة بالأخبار، و صیغة - افعل - و ما شاکلها المختصة بالإنشاء، فلا تصح الدعوی المزبورة فیها، لعدم معهودیة صحة قصد الإخباریة بالألفاظ المختصة بالإنشاء، و الإنشائیة بالألفاظ المختصة بالأخبار

«-»

.أو إلی: أنّه لا بد من الالتزام بخروج قصد الإنشاء و الاخبار عن حیّز الموضوع له، لما مر فی المعنی الحرفی من استحالة أخذ اللحاظ فیه، لکونه من شئون الاستعمال، فلو کان قصد (-). الظاهر أنّ مورد البحث هو الجمل التی یراد بها الإنشاء تارة و الاخبار أُخری، و أمّا ما یختص بأحدهما، کصیغة - افعل - التی تستعمل دائماً فی إنشاء المادة علی اختلاف الأغراض الداعیة إلی الإنشاء، و کالجملة الاسمیة مثل - زید قائم - التی یراد بها الاخبار دائماً، فهو خارج عن هذا البحث، فالمبحوث عنه فعلاً هو ما یراد به الإنشاء فی استعمال و الاخبار فی آخر کلفظ - بعت -، و ملخص الکلام فیه: أنّ المعنی فی مثله واحد و هو نسبة المبدأ إلی الذات، و الإخباریة و الإنشائیة من الأغراض الداعیة إلی الاستعمال، فان قصد المستعمل حکایته عن النسبة الواقعیة فهو إخبار، و ان قصد الإیجاد فهو إنشاء. و علیه فلا یکون الاستعمال فی الإنشاء مجازاً، إذ المفروض أنّه قد استعمل فی الموضوع له، و الإنشائیة من أغراض الاستعمال و دواعیه، خلافاً لبعض المحققین، حیث ذهب إلی المجازیة. نعم لمّا کان الرابط بین حاشیتی القضیة مرآةً للخارج سواء قصد به المستعمل حکایته عن الخارج أم لا، و لذا یتبادر من لفظة - بعت - مثلاً الصادرة من النائم أو الساهی الحکایة عن الثبوت فی الخارج یحمل کلام المتکلم إذا أحرز کونه فی مقام البیان علی ما یقتضیه طبع القضیة من الاخبار، و لا یحمل علی الإنشاء إلاّ مع القرینة، هذا.

مما حققناه (1) أنّه یمکن أن یقال: إنّ المستعمل فیه فی مثل أسماء الإشارة و الضمائر أیضا عام، و أنّ تشخصه (2) إنّما نشأ من قبل طور استعمالها، حیث إنّ أسماء الإشارة وضعت لیشار بها إلی معانیها، و کذا بعض الضمائر (3)، و بعضها (4) لیخاطب بها ---الأخبار و الإنشاء کلحاظ الآلیة و الاستقلالیة، فلا محیص عن الالتزام بخروجهما أیضا، و لا وجه حینئذٍ لنفی البعد عن ذلک کما أفاده المصنف (قده) بقوله: «ثم لا یبعد.. إلخ» لأنّ ظاهره إمکان أخذ قصد الاخباریة و الإنشائیة فی المعنی.


(1). فی الحروف و الأسماء و الاخبار و الإنشاء من خروج قصد الآلیة و الاستقلالیة فی الأولین، و قصد حکایة ثبوت المعنی فی موطنه أو إیجاده فی الأخیرین عن دائرة الموضوع له و المستعمل فیه، و کونها من شئون الاستعمال المتأخر عن المعنی، فإنّ من الممکن أن یکون المستعمل فیه کالموضوع له فی أسماء الإشارة و الضمائر أیضا عاماً، خلافاً لمن قال بخصوصیة المعنی فیهما، استناداً إلی اقتضاء الإشارة و التخاطب تشخّص المشار إلیه و المخاطب، فلا محالة یکون المستعمل فیه فی أسماء الإشارة و الضمائر خاصاً.

(2). هذا دفع للقول بخصوصیة المستعمل فیه فیهما، و حاصله: أنّ الموضوع له فی لفظة - هذا - هو کلّیّ المفرد المذکر الصالح للإشارة، لا المعنی المتصف بکونه مشاراً إلیه، بحیث تکون الإشارة إلیه قیداً له، فالإشارة من کیفیات الاستعمال مثل الاستقلالیة و الآلیة فی الأسماء و الحروف، فکلّ من الوضع و الموضوع له فی أسماء الإشارة عام کالحروف.

(3). کضمیر الغائب، فإنّه وضع لکلی المفرد المذکر.

(4). أی: و بعضها الآخر کضمیر المخاطب، فإنّه وضع لکلّی المفرد المذکر أو المؤنث، فتشخص المعنی فی اسم الإشارة و ضمیر الخطاب نشأ من الإشارة

المعنی و الإشارة و التخاطب یستدعیان التشخص کما لا یخفی. فدعوی أنّ المستعمل فیه فی مثل «هذا» أو «هو» أو «إیاک» إنّما هو المفرد المذکر، و تشخّصه إنّما جاء من قبل الإشارة أو التخاطب بهذه الألفاظ إلیه، فإنّ الإشارة أو التخاطب لا یکاد یکون إلاّ إلی الشخص (1) أو معه (2) غیر مجازفة (3). فتلخص مما حققناه: أنّ التشخص الناشئ من قبل الاستعمالات لا یوجب تشخص المستعمل فیه سواء کان تشخصاً خارجیاً کما فی مثل أسماء الإشارة، أو ذهنیاً کما فی أسماء الأجناس و الحروف و نحوهما (4) من غیر فرق فی ذلک (5) أصلا بین الحروف و أسماء الأجناس، ---و التخاطب اللذین هما من أطوار الاستعمال و شئونه من دون دخلهما فی الموضوع له لیکون خاصاً. کما أنّ تشخص الموصولات لنشوه عن الصلة خارج عن الموضوع له و المستعمل فیه.


(1). کما فی الإشارة، فإنّ الإشارة بالید فی مقام استعمال أسماء الأجناس کلفظة - رجل إذا أُطلقت و أُشیر إلی مسماها بالید کما لا توجب جزئیة المعنی کذلک الإشارة بلفظ هذا.

(2). کما فی التخاطب، فتعیّن معنی الموصول و تشخصه ناشٍ عن صلته و خارج عن حیز الموضوع له.

(3). خبر - دعوی -

«-»

. (4) من المعانی الکلیة.

(5). یعنی: فی عدم تشخص المعنی بسبب التشخص الناشئ عن الاستعمال. (-). لا یخفی أنّ مجرد عدم المجازفة لیس برهاناً علی المدعی بعد إمکان دخل الإشارة و التخاطب فی نفس الموضوع له، لعدم دلیلیة مجرد الإمکان علی الوقوع، مع أنّه اجتهاد فی اللغة

و لعمری هذا واضح، و لذا (1) لیس فی کلام القدماء من کون الموضوع له أو المستعمل فیه خاصاً فی الحروف عین و لا أثر، و إنّما ذهب إلیه بعض من تأخر، و لعله (2) لتوهم کون قصده بما هو فی غیره من خصوصیات الموضوع له أو المستعمل فیه، و الغفلة عن أنّ قصد المعنی من لفظه علی أنحائه (3) لا یکاد یکون من شئونه و أطواره (4)، و إلا (5) فلیکن قصده بمإ؛++للَّه‏للَّه؛ هو هو -


(1). یعنی: و لأجل عدم سرایة التشخص الناشئ عن الاستعمال إلی المعنی.

(2). أی: و لعل ذهاب من تأخر إلی کون الموضوع له أو المستعمل فیه خاصاً نشأ من توهم أنّ قصد المعنی من خصوصیات أحدهما، لکن دفع هذا التوهم بقوله: «و الغفلة» و حاصله: لزوم الدور - بناءً علی أخذ قصد الاستقلالیة و الآلیة و الاخباریة و الإنشائیة و غیرها من الخصوصیات فی الموضوع له، أو المستعمل فیه - و ذلک لتوقفها علی الاستعمال، إذ المفروض نشوؤها عنه، و من المعلوم تأخر الاستعمال عن المعنی و خصوصیته، فلو کانت دخیلة فی المعنی یلزم توقف المعنی علی الاستعمال، و من البدیهی تأخر الاستعمال عن المعنی و قیده، فیصیر المعنی موقوفاً علی الاستعمال و بالعکس.

(3). من الاستقلالیة و الآلیة، و الاخباریة و الإنشائیة و غیرها.

(4). یعنی: بحیث یکون دخیلا فی المعنی و موجباً لخصوصیته و جزئیته، لما عرفت من تأخر هذه الخصوصیات المترتبة علی القصد عن المعنی، فیمتنع دخلها فیه.

(5). یعنی: و ان کان قصد المعنی من شئونه فلیکن قصده بما هو هو کما فی الأسماء من شئون المعنی و موجباً لجزئیته، مع أنّه لم یقل أحد بکون المعنی فی أسماء الأجناس خاصاً، فالخصوصیات المترتبة علی قصد المعنی لا توجب

و فی نفسه کذلک (1) فتأمل فی المقام، فإنّه دقیق و قد زلّ فیه أقدام غیر واحد من أهل التحقیق و التدقیق.

(الثالث) صحة استعمال اللفظ فیما یناسب ما وضع له

هل هو بالوضع أو الطبع؟ وجهان بل قولان، أظهرهما أنّها بالطبع، بشهادة الوجدان بحسن الاستعمال فیه (2) و لو مع منع الواضع عنه (3)، و باستهجان الاستعمال فیما لا یناسبه و لو مع ترخیصه (4)، و لا معنی لصحته إلا ------خصوصیته، سواء کان المعنی اسمیاً أم حرفیاً، فکل من الموضوع له و المستعمل فیه فیهما عام.


(1). أی: دخیلاً فی المعنی و موجباً لتشخصه و جزئیته. فتحصل من جمیع ما أفاده المصنف (قده): أنّ کلاًّ من الوضع و الموضوع له و المستعمل فیه فی الحروف و أسماء الإشارة و الضمائر کأسماء الأجناس عام، لکون التشخص فیها ناشئاً من قبل الاستعمالات، و یستحیل تشخص المعنی بالخصوصیات الناشئة من قبلها، لما مر آنفاً من استلزامه الدور

«-»

.

(2). أی: فیما یناسب ما وضع له.

(3). أی: عن الاستعمال، فحسنه مع المنع دلیل علی عدم توقف صحة الاستعمال المجازی علی وضع الواضع.

(4). فلو کان صحة الاستعمال المجازی منوطة بالوضع لم یکن وجه لاستهجان (-). لا یخفی أنّه بناءً علی خروج الإشارة و التخاطب و غیرهما عن حیز الموضوع له و المستعمل فیه - ینهدم أساس الشبه المعنوی الّذی جعله النحویون موجباً لبناء جملة من الأسماء و ان کان لا یلزم منه إعراب تلک الأسماء، لوجود ما عدا الشبه المعنوی فیها مما یوجب بناءها کما لا یخفی.

.......... -الاستعمال فیما لا یناسب المعنی الموضوع له، مع فرض ترخیص الواضع له، هذا.

و المراد بالوضع فی المقام هو إذن الواضع فی استعمال کل لفظ فی معنی یناسب معناه الحقیقی، کما إذا وضع لفظ - الأسد - مثلا، للحیوان المفترس، ثم أذن فی استعماله فی کل معنی یناسب معناه الموضوع له. و المراد بکون الاستعمال المجازی بالطبع هو: عدم توقف صحته علی الإذن المزبور کما سیأتی من المصنف (قدس سره) التنبیه علی ذلک، بل المعتبر فی صحة الاستعمال المجازی هو المناسبة التی یقبلها طبع أهل الاستعمال و جبلّتهم الغریزیة و ان نسب إلی الجمهور کونه بالوضع

«-»

مع اختلافهم فی مقدار العلائق الملحوظة بین المعنی الحقیقی و بین المجازی الموجبة لإذن الواضع باستعمال اللفظ فیما یناسب المعنی الحقیقی المسماة هذه الإذن بالوضع النوعیّ، لأنّ الواضع باعتبار نوع العلائق أذن فی ذلک. (-). لا یخفی أنّ المراد بهذا الوضع لیس هو الوضع الشخصی، کالأعلام الشخصیة الملحوظ فیه کل من مادة اللفظ و هیئته و خصوصیة المعنی، و لا الوضع النوعیّ الملحوظ فیه الهیئة فقط مع الغض عن المادة کما فی وضع هیئة فاعل و غیرها من هیئات المشتقات، و لا وضع المادة فقط مع الغض عن هیئة خاصة، نظیر - ض ر ب -، بل المراد بالوضع هنا وضع اللفظ بمادته و هیئته لکل معنی یناسب ما وضع له أولا من المعانی، کوضع لفظ - أسد - ثانیاً لکل معنی یناسب معناه الموضوع له أولا - و هو الحیوان المفترس - فی الشجاعة أو غیرها، و هذا الوضع الثانوی یوجب الاشتراک اللفظی، فیصح استعماله فی کل معنی یکون بینه و بین المعنی الموضوع له أوّلا إحدی‏ العلائق المعهودة، و هذا وضع نوعی باعتبار عدم خصوصیة المعنی، و شموله لکل معنی مناسب للمعنی الأوّلی، کنوعیة وضع

الهیئات باعتبار عدم لحاظ خصوصیة مادة من المواد فیها.

و بالجملة: فعدم تعین المعنی فی المقام یوجب نوعیة الوضع. لکن فیه:

أولا: أنّه مجرد إمکان لا دلیل علی وقوعه، بل مقتضی الأصل عدمه.

و ثانیاً: أنّه مخالف لما ذکره علماء العربیة من تعریف المجاز بأنّه الکلمة المستعملة فی غیر ما وضع له، إذ لازم الوضع النوعیّ للمجاز هو إنکار المجاز رأساً، مع أنّهم قسّموا الاستعمال إلی الحقیقی و المجازی. و دعوی إرادتهم الوضع الشخصی فی تعریف المجاز خالیة عن البرهان، مضافاً إلی أنّ إرادته تهدم أساس الوضع النوعیّ فی سائر الموارد، و توجب انحصار الحقیقة فی الوضع الشخصی، و صیرورة الاستعمال فی المعانی الموضوعة بالوضع النوعیّ مجازیاً، و هو کما تری.

و أمّا ترخیص الواضع للاستعمال فی غیر المعنی الموضوع له أولا، فان أُرید به الوضع النوعیّ المتقدم فقد عرفت ما فیه، و ان أُرید به الاذن - کما هو الظاهر - فلا وجه لتوقف صحة الاستعمال المجازی علیه، إذ لا دلیل علی هذا التوقف بعد انحصار وظیفة الواضع فی جعل اللفظ حاکیاً عن المعنی و قالباً له بحیث یکون إلقاء اللفظ إلقاءً للمعنی. إلا أن یقال: إنّ هذا الترخیص من شئون الوضع الّذی هو وظیفة الواضع، لکن هذا بمجرده لا یثبت الوقوع، لأعمیة الإمکان منه، بل الأصل عدمه.

فالحق أن یقال: إنّ الاستعمال فیما یناسب المعنی الموضوع له لیس بالوضع و الترخیص، بل بالطبع، فکل ما یستحسنه الطبع من الاستعمال یصح و إن لم یکن شی‏ء من العلائق المجازیة المذکورة فی کتب القوم موجوداً، و کل

حسنه (1)، و الظاهر أنّ صحة استعمال اللفظ فی نوعه (2) أو مثله (3) من قبیله (4) کما تأتی الإشارة إلی تفصیله (5).

(الرابع)

لا شبهة فی صحة إطلاق اللفظ و إرادة نوعه (6) به کما إذا قیل: -


(1). مرجع الضمیرین الاستعمال، ثم إنّه لمّا کان البرهان علی صحته شهادة الوجدان بحسنه، فالأولی أن یقال: «و لا معنی لحسنه إلاّ صحته» فتدبر.

(2). ک - ضرب - فی قولنا: «ضرب فعل ماضٍ» إذا أردنا به هیئة - فعل - من أی مادة کانت.

(3). کقولنا: زید فی - ضرب زید - فاعل، إذا أردنا به مثله.

(4). أی: من قبیل استعمال اللفظ فیما یناسب ما وضع له بالطبع.

(5). أی: فی الأمر الآتی.

(6). یعنی: إرادة نوع اللفظ باللفظ المذکور فی الکلام، فیکون اللفظ حاکیاً عن اللفظ، و المحکی تارة نوع اللفظ المذکور فی القضیة، کهیئة - فعل - فی قولنا: «ضرب فعل ماض» و ان کان فی هذا المثال مسامحة، ضرورة عدم شمول النوع لشخص - ضرب - المذکور فی الکلام الحاکی عنه، لأنّ الحاکی اسم و لیس فعلا حتی یشمله النوع المحکی به. نعم لا بأس بأن یکون مثالا للمثل.

فالمثال لإرادة النوع هو أن یقال: «ضرب کلمة» أو «ثلاثی» و أُخری صنفه، «کزید فی - ضرب زید - فاعل» إذا أُرید به کل اسم یقع عقیب فعل یقوم به قیاماً صدوریاً ک - ضرب زید - أو حلولیاً ک - مرض عمرو - غایته أنّ الصنف ___=============== ما لا یستحسنه الطبع لا یصح و ان کان مع وجود بعض تلک العلائق، کاستعمال - الحمار - فی - زید - إذا فُرض رکوبه علی الحمار دائماً أو غالباً، فإنّ عدم حُسنه بدیهی مع وجود علاقة الحال و المحل.

«ضرب مثلا فعل ماض» أو صنفه کما إذا قیل: «زید فی ضرب زید فاعل» إذا لم یقصد به (1) شخص القول (2) أو مثله (3) ک - ضرب - فی المثال (4) فیما إذا قصد (5)، و قد أشرنا إلی (6)أنّ صحة الإطلاق کذلک (7) و حسنه (8) إنّما کان بالطبع لا بالوضع، و إلا (9) کانت المهملات موضوعة ------تارة یشمل الملفوظ کقوله: زید فی صدر الجملة الاسمیة مبتدأ، لکون زید فی هذا المثال مبتدأ، و أخری لا یشمله کقوله: زید فی - ضرب زید - فاعل، لکون زید حینئذٍ مبتدأ لا فاعلا، فلا یشمل الصنف هذا الملفوظ.


(1). أی: بزید الواقع عقیب - ضرب -، إذ مع قصد شخصه یخرج عن الصنف و یندرج فی حکایة الشخص عن نفسه.

(2). و هو زید الثانی المحکی بزید الأوّل، و محصل مراده: أنّ التمثیل بهذا المثال للصنف منوط بعدم إرادة الشخص من - زید - المحکی و هو الثانی.

(3). معطوف علی - نوعه - یعنی: لا شبهة فی إطلاق اللفظ و إرادة مثله کإرادة نوعه.

(4). و هو المثال الأوّل الّذی ذکره لإرادة النوع.

(5). یعنی: فیما إذا قصد المثل. و الحاصل: أنّ حکایة - ضرب - مثلاً عن نوعه أو مثله منوطة بقصد المتکلم.

(6). أی: فی الأمر الثالث.

(7). أی: إلی صحة إطلاق اللفظ و إرادة النوع أو الصنف أو المثل منه.

(8). أی: و قد أشرنا إلی: أنّ حُسن هذا الإطلاق إنّما کان بالطبع لا بالوضع.

(9). أی: و ان لم یکن إطلاق اللفظ و إرادة النوع و أخویه منه بالطبع،

لذلک (1) لصحة الإطلاق کذلک (2) فیها (3)، و الالتزام بوضعها لذلک (4) کما تری (5). و أمّا إطلاقه و إرادة شخصه، کما إذا قیل: «زید لفظ» و أُرید منه شخص نفسه، ففی صحته بدون تأویلٍ (6) نظر، لاستلزامه اتحاد الدال‏ ----بل کان بالوضع - کما نسب إلی المشهور - لزم منه الالتزام بوضع المهملات للنوع أو الصنف، و هو خلف، إذ المفروض عدم الوضع للمهملات، مع وضوح صحة قولنا: «دیز مقلوب زید» و «جسق مهمل» و غیرهما مما یصح أن یراد به النوع و أخواه.


(1). أی: للنوع أو الصنف أو المثل.

(2). أی: بأحد الأنحاء الثلاثة من النوع و أخویه.

(3). أی: فی المهملات کما عرفت.

(4). أی: لما أُرید من المهملات کإرادة المثل فی قوله: «دیز مقلوب زید» و جسق مهمل.

(5). لأنّه مستلزم لعدم صحة تقسیمهم اللفظ إلی الموضوع و المهمل، إذ اللازم حینئذٍ عدم اللفظ المهمل، ضرورة اشتراک جمیع الألفاظ فی هذه الدلالة، فلو کان للمجاز وضع یلزم فساد التقسیم المذکور، لثبوت الوضع لجمیع الألفاظ، و یلزم الاشتراک اللفظی لها، لکون وضع المجاز نوعیاً و وضع المعنی الموضوع له أولا شخصیاً، فلا محیص عن الالتزام بکون المجاز منوطاً بحسن الاستعمال طبعاً لا وضعاً، و حینئذٍ لا یتوجه علی تقسیم اللفظ إلی الموضوع و المهمل محذور الخلف و انتفاء المهمل أصلا کما لا یخفی.

(6). هذه العبارة توهم صحة الإطلاق و إرادة شخصه مع التأویل، مع أنّه لیس کذلک، لخروجه حینئذٍ عن إرادة شخص نفس اللفظ.

و المدلول (1) أو ترکّب القضیة من جزءین (2) کما فی الفصول، بیان ذلک (3):

أنّه إن اُعتبر دلالته علی نفسه حینئذٍ (4) لزم الاتحاد (5)، و إلا (6) لزم ترکبها من جزءین، لأنّ القضیة اللفظیة - علی هذا (7) - إنّما تکون حاکیة عن المحمول و النسبة لا الموضوع، فتکون القضیة المحکیة بها مرکبة من جزءین (8)، مع امتناع‏ -


(1). توضیحه: أنّ لفظ زید فی المثال إن دل علی نفسه یلزم اتحاد الدال و المدلول، و هو ممتنع، ضرورة أنّ الحاکی فانٍ فی المحکی، فیکون النّظر إلیه آلیاً، و إلی المحکی استقلالیاً، و لازم اتحادهما اجتماع النظرین المتضادین، و هو محال.

و إن لم یدل علی نفسه لزم ترکّب القضیة المعقولة المحکیة بالقضیة الملفوظة من جزءین، إذ المفروض عدم دلالة لفظ زید علی معنی لیکون ذلک المعنی موضوعاً للقضیة المعقولة، فلا محیص حینئذٍ عن ترکّبها من جزءین:

(أحدهما) المحمول و هو لفظ (و الآخر) النسبة، و ذلک ممتنع، لاستحالة تحقق النسبة الکلامیة بدون المنتسبین.

(2). قد عرفت تقریبه آنفاً.

(3). أی: بیان الملازمة بین إرادة الشخص و بین أحد المحذورین، و هما:

اتحاد الدال و المدلول، و ترکّب القضیة من جزءین.

(4). أی: حین إرادة شخصه.

(5). و هو المحذور الأول المتقدم آنفاً.

(6). أی: و ان لم تعتبر دلالته علی نفسه لزم المحذور الثانی، و هو ترکب القضیة من جزءین، مع لزوم ترکبها من ثلاثة أجزاء کما لا یخفی.

(7). أی: علی تقدیر عدم الدلالة.

(8). و هما: المحمول و النسبة، إذ المفروض عدم دلالة - زید - علی معنی یکون هو الموضوع.

الترکیب إلا من الثلاثة (1)، ضرورة استحالة ثبوت النسبة بدون المنتسبین (2)، قلت: یمکن أن یقال (3): إنّه یکفی تعدد الدال و المدلول اعتباراً و ان اتحدا -


(1). التی منها الموضوع المفروض عدمه هنا.

(2). و هما: الموضوع و المحمول، فیمتنع الحکایة عن النسبة مع عدم الموضوع

(3). فی دفع نظر الفصول علی کل واحد من التقدیرین:

(أمّا التقدیر الأول) و هو دلالته علی نفسه المستلزمة لمحذور اتحاد الدال و المدلول، فیمکن دفعه بکفایة تغایرهما اعتباراً، و عدم الحاجة إلی تغایرهما ذاتاً، و المفروض تحقق التغایر الاعتباری بینهما فی المثال، ضرورة أنّ للفظ - زید - حیثیتین (إحداهما): حیثیة صدوره من المتکلم، (و الأخری): حیثیة خطوره فی ذهن السامع، فبلحاظ الجهة الأولی یکون دالا، و بلحاظ الجهة الثانیة یکون مدلولا.

و بالجملة: فمن حیث کونه مخطِراً (بالکسر) دال، و من حیث کونه مخطَراً (بالفتح) مدلول، فتعدد الدال و المدلول اعتباراً کافٍ

«-»

. (و أمّا التقدیر الثانی) و هو الّذی أشار إلیه بقوله: «مع ان حدیث ترکب القضیة... إلخ» فتوضیحه: أنّه یمکن منع ترکّب القضیة من جزءین علی فرض (-). یرد علیه: لزوم اجتماع اللحاظ الآلی و الاستقلالی، لأنّ لحاظه من حیث کونه دالا آلیٌّ و من حیث کونه مدلولا استقلالی، مع أنّ دلالة اللفظ علی معناه لیست متقومة بحیثیة صدوره، بل هی متقومة بالعلم بوضع اللفظ لمعناه. و أیضا لا تناط مدلولیة المعنی بکونه مراداً للمتکلم، إذ المحکی ذات المعنی لا بوصف کونه مراداً له، فالتغایر الاعتباری غیر کافٍ، و لا یندفع به إشکال الاتحاد.

ذاتاً، فمن حیث إنّه لفظ صادر عن لافظه کان دالا، و من حیث إنّ نفسه و شخصه مراده کان مدلولا، مع أنّ حدیث ترکّب القضیة من جزءین - لو لا اعتبار الدلالة فی البین - إنّما یلزم إذا لم یکن الموضوع نفس شخصه، و إلا کان أجزاؤها الثلاثة تامة، و کان المحمول فیها منتسباً إلی شخص اللفظ و نفسه، غایة الأمر أنّه نفس الموضوع، لا الحاکی عنه (1)، فافهم فإنّه لا یخلو عن دقة (2)، و علی هذا لیس من باب استعمال اللفظ بشی‏ء (3)، بل یمکن أن یقال: إنّه لیس أیضا عدم دلالة اللفظ علی نفسه بأن یقال: إنّ هذا المحذور یلزم إذا لم یکن شخص اللفظ موضوعاً واقعاً للقضیة، و إلا کانت أجزاؤها ثلاثة، لترکّب القضایا المتعارفة من موضوع و محمول لفظیین و معنویین، مثلا - زید قائم - یشتمل علی موضوع لفظی و هو - زید -، و معنوی و هو معنی - زید -، و محمول کذلک و هو لفظ - قائم - و معناه، فالموضوع اللفظی و کذا المحمول اللفظی حاکیان عن الموضوع و المحمول المعنویین، و لا یلزم فی المقام - علی تقدیر عدم دلالة لفظ «زید» علی معنی - إلاّ خلوّ القضیة عن الموضوع اللفظی المسمی ب - الصناعی - الحاکی عن الموضوع الواقعی، إذ المفروض موضوعیة نفس لفظ - زید - لا معناه، و لا ضیر فی خلوّ القضیة عن اللفظ الحاکی عن الموضوع الواقعی، و الضائر إنّما هو خلوّ القضیة عن الموضوع الواقعی، فاللازم - و هو عدم الحاکی - غیر مستحیل، و المستحیل - و هو عدم الموضوع بحسب الواقع - غیر لازم، هذا توضیح ما أفاده بقوله: «و إلا کان أجزاؤها الثلاثةُ تامة... إلخ».


(1). أی: عن الموضوع الواقعی، کما هو الشأن فی القضایا المتعارفة.

(2). لأنّ جعل - زید - بلفظه موضوعاً دون معناه خلاف القضایا المتعارفة.

(3). یعنی: علی تقدیر کون الموضوع شخص اللفظ لیس من باب استعمال

من هذا الباب (1) ما ذا أُطلق اللفظ و أُرید به نوعه أو صنفه، فإنّه (2) فرده -اللفظ أصلا، لتوقف الاستعمال علی لفظ و معنی، و المفروض إرادة شخص اللفظ لا معناه، فلیس فی البین معنی حتی یندرج المقام فی استعمال اللفظ فی المعنی، بل یکون من باب إیجاد الموضوع و الحکم علیه، إذ الموضوع حقیقة هو نفس اللفظ دون معناه.


(1). أی: باب استعمال اللفظ فی المعنی.

(2). أی: فإنّ اللفظ فرد النوع أو صنفه، لا لفظ النوع أو الصنف، توضیحه: أنّه - بعد أن تبین عدم کون إطلاق اللفظ و إرادة شخصه من باب الاستعمال - یمکن أن یدعی عدم کون إطلاق اللفظ و إرادة نوعه أو صنفه أیضا من وادی الاستعمال، بتقریب أنّ اللفظ الّذی أُطلق إنّما هو فرد حقیقة للنوع أو الصنف، لا أنّه لفظ و النوع أو الصنف معناه حتی یندرج فی باب الاستعمال، بل یکون من قبیل إطلاق الفرد و إرادة نوعه أو صنفه، بحیث یکون اللفظ نفس الموضوع، لا الحاکی عن المعنی الّذی هو الموضوع، فعلی هذا یکون - ضرب - فی قولنا: «ضرب زید کلمة» أو زید فی قولنا: «زید قائم مبتدأ» نفس الموضوع قد حکم علیه بما هو مصداق النوع أو الصنف بحکم یترتب علیهما مثل کونه کلمة فی إرادة النوع، أو مبتدأ فی إرادة الصنف، لسرایة حکم الطبیعی إلی أفراده، لاتحادهما خارجاً. لا أنّه حاکٍ عن معنی کی یندرج فی باب استعمال اللفظ فی المعنی، فیکون إطلاق اللفظ و إرادة النوع أو الصنف أجنبیاً عن الاستعمال الّذی حقیقته فناء اللفظ فی المعنی، و إیجاد المعنی بالوجود اللفظی الّذی هو أحد الوجودات کما لا یخفی.

و بالجملة: فینطبق النوع أو الصنف علی الملفوظ ک - ضرب - و - زید -

و مصداقه حقیقة، لا لفظه و ذاک معناه کی یکون مستعملا فیه استعمال اللفظ فی المعنی، فیکون اللفظ نفس الموضوع الملقی إلی المخاطب خارجاً قد أُحضر فی ذهنه بلا واسطة حاکٍ (1) و قد حکم علیه ابتداءً بدون واسطة أصلا، لا لفظه (2) کما لا یخفی، فلا یکون فی البین لفظ قد استعمل فی معنی، بل فرد قد حکم فی القضیة علیه بما هو مصداق لکلی اللفظ، لا بما هو خصوص جزئیة (3)، نعم (4) فیما إذا أُرید به فرد آخر مثله کان من قبیل استعمال اللفظ فی المعنی. اللهم (5) -فی المثالین علی حذوِ انطباقهما علی غیرهما من أفرادهما ک - نصر - و - قعد - و - حسن - و - عمرو - و - بشر - و - بکر - مثلا.


(1). کما هو شأن القضایا المتعارفة.

(2). معطوف علی قوله: «نفس الموضوع» یعنی: لا لفظ الموضوع الحاکی عنه.

(3). أی: جزئی کلی اللفظ، غرضه: عدم لحاظ لوازم التشخص، فشخص - ضرب - ینطبق علیه النوع کانطباقه علی - نصر - و - قعد - و منع - و غیرها، و یحکم علیه لاتحاده مع النوع أو الصنف بما یحکم علیهما، فإنّ الحکم المترتب علیهما ثابت للفرد المتحد معهما من باب الانطباق، فشخص - ضرب - فرد للنوع و لیس معنی له.

(4). غرضه أنّ ما ذکرناه - من إمکان عدم کون إطلاق اللفظ و إرادة النوع أو الصنف منه من باب الاستعمال - لا یتطرّق فیما إذا أُرید باللفظ فرد آخر مثله، و ذلک لعدم کون الشخص الملفوظ مصداقاً لمثله، لتباین الأمثال و عدم علقة بینها لیطلق أحدها علی الآخر، فلا محیص عن کونه من باب الاستعمال، فیکون لفظ - ضرب - حاکیاً عن مثله و دالا علیه.

(5). استدراک علی قوله: «بل یمکن أن یقال... إلخ» و غرضه جعل إطلاق

إلا أن یقال: إنّ لفظ - ضرب - و ان کان فرداً له، إلاّ أنّه إذا قصد به حکایته و جعل عنواناً له و مرآته کان لفظه (1) المستعمل فیه (2) و کان حینئذٍ (3) کما إذا (4) قصد به فرد مثله.

و بالجملة (5): فإذا أطلق و أرید به نوعه، کما إذا أرید به فرد مثله، کان من باب استعمال اللفظ فی المعنی، و ان کان فرداً منه (6) و قد حکم فی القضیة بما یعمه (7) و ان -اللفظ و إرادة نوعه أو صنفه من باب الاستعمال و إخراجه عن حیّز إیجاد الموضوع، بتقریب: أنّ لفظ - ضرب - الواقع فی الکلام و ان کان فرداً للنوع، لکنه إذا قصد به حکایته عن النوع و دلالته علیه یصیر من باب الاستعمال، نظیر ما إذا قصد به فرد مثله، لما عرفت آنفاً من امتناع انطباق المباین علی مثله، فلا محالة یکون من باب الاستعمال، لا إیجاد الموضوع، فیختص إمکان کل من إیجاد الموضوع و الاستعمال بما إذا أُطلق اللفظ و أُرید به النوع أو الصنف.


(1). أی: لفظ النوع أو الصنف.

(2). أی: فی النوع أو الصنف.

(3). أی: و کان لفظ - ضرب - حین قصد الحکایة.

(4). خبر - کان - یعنی: و کان لفظ - ضرب - حینئذٍ مثل مإ؛66للَّه‏للَّه؛ إذا قصد به فرد مثله فی کونه من باب الاستعمال.

(5). هذا محصل ما أفاده (قده) بقوله: «اللهم إلا أن یقال... إلخ».

(6). یعنی: و ان کان اللفظ الواقع فی الکلام فرداً للنوع.

(7). أی: بحکم یعم اللفظ المذکور فی الکلام و غیره من أفراد النوع، إذ المفروض کون الحکم ثابتاً للنوع المنطبق علی الملفوظ و غیره.

أُطلق (1) لیحکم علیه بما هو فرد کلیّه و مصداقه (2)، لا بما هو لفظه (3) و به حکایته، فلیس من هذا الباب (4)، لکن الإطلاقات المتعارفة ظاهراً لیست کذلک (5) کما لا یخفی، و فیها (6) ما لا یکاد یصح أن یراد منه ذلک مما کان الحکم فی القضیة لا یکاد یعم شخص اللفظ، کما فی مثل - ضرب فعل ماض -. -


(1). معطوف علی قوله: «فإذا أُطلق» و غرضه بیان الاحتمال الآخر و هو عدم کون إرادة النوع أو الصنف من اللفظ من باب الاستعمال، بأن یکون من قبیل إطلاق الفرد و إرادة الطبیعة.

(2). أی: فرد النوع أو الصنف.

(3). أی: لفظ النوع أو الصنف، لیکون حاکیاً عنهما حتی یندرج فی باب استعمال اللفظ فی المعنی.

و بالجملة: فإن قُصد باللفظ الحکایة عن النوع أو الصنف کان من باب الاستعمال، و ان قُصد به کونه موضوعاً - لأجل مصداقیته للنوع - کان ذلک أجنبیاً عن الاستعمال کما لا یخفی.

(4). أی: باب الاستعمال.

(5). أی: من باب إطلاق اللفظ و الحکم علیه بما أنه فرد لکلی النوع أو الصنف، بل الإطلاقات المتعارفة تکون ظاهراً من باب الاستعمال، بل فیها ما لا یمکن أن یکون من غیر الاستعمال، کما إذا لم یکن محمول القضیة شاملا لشخص اللفظ، لعدم انطباق الطبیعة علیه، کقولنا: «ضرب فعل ماضٍ» فإنّ المحمول و هو - فعل ماض - لا یشمل شخص - ضرب - لکونه اسماً لا فعلا، فلا بد من کونه من باب الاستعمال، و الحکایة عن النوع.

(6). أی: فی الإطلاقات المتعارفة.

(الخامس)

(الخامس)(1) لا ریب فی کون الألفاظ موضوعة بإزاء معانیها من حیث هی، لا من حیث هی مرادة للافظها، لما (2) عرفت بما لا مزید علیه من أنّ قصد المعنی علی أنحائه من مقوّمات الاستعمال، فلا یکاد یکون من قیود المستعمل فیه، هذا. مضافاً (3) إلی ضرورة صحة الحمل و الإسناد فی الجمل بلا تصرف فی -


(1). الغرض من عقد هذا الأمر دفع ما توهم من کون الألفاظ موضوعة للمعانی بوصف کونها مرادة للافظیها، بحیث یکون هذا الوصف دخیلا جزءً أو قیداً فی المعنی الموضوع له.

(2). هذا برهان لکون الموضوع له و المستعمل فیه ذات المعنی، و حاصله ما تقدم فی المعنی الحرفی من المحذورین:

أحدهما: کون قصد المعنی من مقوِّمات الاستعمال، فلو کان ذلک دخیلا فی نفس المعنی لزم تعدد اللحاظ، و هو خلاف الوجدان کما تقدم تفصیله هناک.

لکن قوله: «فلا یکاد... إلخ» قرینة علی إرادة استحالة ذلک، حیث إنّ دخل القصد فی المعنی مستحیل، إذ هو ناشٍ عن الاستعمال المتأخر عن المعنی، کاستحالة دخل قصد الأمر فی متعلقه المتقدم علیه رتبة، فإنّ الأمر متأخر عن متعلقه، فإذا توقف شی‏ء من المتعلق علی الأمر لزم الدور.

(3). هذا هو المحذور الثانی، و محصله: أنّه علی تقدیر دخل الإرادة جزءً أو شرطاً فی المعانی لا یصح الحمل و الإسناد فی مثل قولنا: «نصر زید» و «زید قائم» بدون التصرف فی ألفاظ الأطراف، ضرورة أنّه مع دخل الإرادة فی المعانی لا بد من تجرید ألفاظ الأطراف عن الإرادة، لوضوح أنّ المسند فی المثالین نفس النصر و القیام لا بما هما مرادان، و هذا التجرید خلاف الوجدان.

ألفاظ الأطراف، مع (1) أنّه لو کانت موضوعة لها بما هی مرادة لما صح بدونه (2)، بداهة (3) أنّ المحمول علی زید فی - زید قائم - و المسند إلیه (4) فی - ضرب زید - مثلا هو نفس القیام و الضرب لا بما هما مرادان (5). مع (6) أنّه یلزم کون وضع -


(1). هذا متمم الإشکال و لیس وجهاً آخر.

(2). أی: بدون التصرف، مع أنّ صحة الحمل بدون التصرف مما لا إشکال فیه.

(3). بیان للزوم عدم صحة الحمل و الإسناد بدون التصرف، لأنّه بعد وضوح کون المحمول و المسند إلیه فی المثالین نفس القیام و الضرب، لا بما هما مرادان، فلا محیص عن التصرف فیهما بالتجرید، و إلقاء الإرادة عنهما.

(4). معطوف علی قوله: «المحمول» و ضمیر - إلیه - راجع إلی زید.

(5). إذ مع دخل الإرادة جزءاً أو شرطاً فی المعانی لا یتحقق شرط صحة الحمل إلا بالتجرید.

توضیحه: أنّ الحمل منوط بالاتحاد الوجودیّ و بدونه لا یصح الحمل، و المفروض أنّ معنی - زید - مقیّداً بالإرادة الحقیقیة مغایر لمعنی - القائم - المقیّد أیضا بالإرادة الحقیقیة، لتغایر الإرادتین وجوداً الموجب لتغایر المعنیین المقیدین بهما أیضا، و مع هذا التغایر الوجودیّ لا یصح الحمل أصلا.

(6). هذا ثالث الوجوه التی أُقیمت علی تجرّد المعانی الموضوع لها عن الإرادة، و حاصله: أنّه یلزم من دخل الإرادة فی المعانی الموضوع لها إنکار الوضع العام و الموضوع له العام، و کون الموضوع له خاصاً دائماً، إذ المفروض تقیده بالإرادة الحقیقیة الحاصلة للنفس الموجبة لصیرورته جزئیاً. و هذا المحذور و إن لم یکن من المحالات، لکنه خلاف ما ذهبوا إلیه فی مقام تقسیم الوضع من

عامة الألفاظ عاماً و الموضوع له خاصاً، لمکان اعتبار خصوص إرادة اللافظین فیما وضع له اللفظ، فإنّه لا مجال لتوهم أخذ مفهوم الإرادة فیه (1) کما لا یخفی (2)، و هکذا الحال فی طرف الموضوع (3). و أمّا ما حُکی عن العلمین الشیخ الرئیس (4) --تسالمهم علی ثبوت الوضع العام و الموضوع له العام کأسماء الأجناس، فإنّ دخل الإرادات الشخصیة الحاصلة للمتکلمین فی المعانی ینافی ذلک التسالم

«-»

.


(1). أی: فیما وضع له، فإذا کان مفهوم الإرادة دخیلا فی المعنی لا یلزم إنکار عمومیة الموضوع له، لکون مفهوم الإرادة کلیاً

(2). إمّا لکون المتبادر هی الإرادات الحقیقیة القائمة بالمتکلمین، و إما لاستلزامه کون الموضوع له عاماً فی جمیع موارد عمومیة الوضع، و هو کما تری.

(3). أی: موضوع القضیة و هو - زید - فی المثال المذکور، هذا تتمة المحذور الثانی الّذی تعرض له بقوله: «مضافاً إلی ضرورة صحة الحمل و الإسناد... إلخ» فکان المناسب تقدیمه علی المحذور الثالث و ذکره فی ذیل المحذور الثانی، فلاحظ.

(4). و هو أبو علی سینا الملقب برئیس العقلاء. (-). و یدل أیضا علی عدم دخل الإرادة فی الموضوع له تبادر ذات المعنی من اللفظ من دون اتصافه بالمرادیة، بل هذا الوصف مغفول عنه رأساً، و استلزامه لترکّب جمیع المعانی الموضوع لها من المعنی و الإرادة، فلا یبقی‏ معنی بسیط، و هو معلوم البطلان. و عدم صدق المعانی علی الخارجیات، لتقیّدها بقید ذهنی لا بد من تجریدها عنه، لاستحالة تحققه فی الخارج، فیلزم کون الاستعمالات طرّاً من المجاز، لاستعمال الألفاظ حینئذٍ فی غیر ما وضعت له، فیلغو حکمة الوضع.

و تسالمهم علی توقف إحراز کون المعنی مراداً للمتکلم علی الأصول المرادیة، فلو کان الموضوع له المعنی بوصف کونه مراداً لم یکن وجه للتوقف المزبور کما لا یخفی.

و المحقق الطوسی (1) من مصیرهما إلی أنّ الدلالة تتبع الإرادة (2) فلیس ناظراً إلی کون الألفاظ موضوعة للمعانی بما هی مرادة (3) کما توهمه بعض الأفاضل (4)، بل ناظر إلی أنّ دلالة الألفاظ علی معانیها بالدلالة التصدیقیة (5) أی دلالتها علی -


(1). و هو نصیر الدین الطوسی قدس سره الملقب بأُستاذ البشر.

(2). کما حکی هذا عن غیرهما من أکثر المحققین من علماء المعقول و المنقول.

(3). بحیث تکون الإرادة شطراً أو شرطاً للمعنی الموضوع له.

(4). و هو صاحب الفصول (قده) قال فیما حکی عنه: «و الظاهر أنّ ما حُکی عن الشیخ الرئیس و المحقق الطوسی من مصیرهما إلی أنّ الدلالة تتبع الإرادة ناظر إلی هذا، و تحقیقه: أنّ اختصاص الوضع بالمعنی الّذی تعلق به إرادة اللافظ یوجب انتفاءه عند انتفائه، فتنتفی الدلالة المستندة إلیه» انتهی.

(5). توضیح ما أفاده المصنف (قده) فی محمل کلام العلمین هو: أنّ للکلام الصادر من المتکلم دلالتین:

(إحداهما) تصوریة، و هی خطور المعنی فی الذهن بمجرد سماع اللفظ، و هذه الدلالة قهریة لا تتوقف علی غیر العلم بالوضع.

و (ثانیتهما) تصدیقیة، و هی کون المعنی المتحصل من الکلام بعد انضمام القرائن إلی المعانی الإفرادیة مراداً للمتکلم، و هذه الدلالة تتوقف علی إرادة المتکلم لمضمون کلامه، فإذا قال: «البیع حلال» مثلا لا یصح أن یسند إرادته لهذه الجملة إلیه إلاّ بعد إحراز کونه فی مقام بیان مراده، نعم یصح إسناد مضمون الجملة إلیه، بأنْ یقال: إنّ المتکلم قال بحلیة البیع، و أمّا کونه مراداً له، فهو مبنی علی الإحراز المزبور لیدل الکلام علی أنّ مضمونه مقصود له، لا أنّه تکلم به تقیة مثلا.

کونها مرادة للافظها تتبع إرادتها منها (1) و تتفرع علیها (2) تبعیة مقام الإثبات للثبوت، و تفرع الکشف علی الواقع المکشوف، -


(1). یعنی: أنّ دلالة الألفاظ علی کون معانیها مرادة للافظیها تتبع إرادة اللافظ للمعانی من الألفاظ.

(2). قوله: «و تتفرع» معطوف علی - تتبع - یعنی: و تتفرع الدلالة التصدیقیة علی الإرادة

«-»

لتوقفها علی کون المتکلم بصدد بیان مراده. (-). الحق أنّ لمثل قوله تعالی: أحل اللَّه البیع‏ دلالات ثلاثاً:

إحداها: خطور المعانی الإفرادیة من ألفاظها، و هذه الدلالة کمإ؛؛؛للَّه‏للَّه؛ تقدم لا تتوقف علی أزید من العلم بوضع الألفاظ لمعانیها.

ثانیتها: حضور المعنی المتحصل الجملی فی الذهن المنوط بضمّ المعانی الإفرادیة بعضها إلی بعض، و ملاحظة القرائن، و المترتب علی هذه الدلالة هو صحة نسبة مضمون الکلام إلی المتکلم، بأن یقال: إنّه قال بجواز البیع مثلا، و لا بأس بتسمیة هذه الدلالة بالتصدیقیة، نظراً إلی دلالته علی المعنی المتحصل المتوقف علی إسناد المحمولات إلی موضوعاتها، و الإذعان بأنّ مفاد کلامه کذا و کذا، و أمّا تسمیتها بالتصدیقیة - لأجل الدلالة علی کون مضمون الکلام و ظاهره مراداً للمتکلم - فلا وجه لها.

ثالثتها: دلالة الکلام علی کون المعنی المتحصل منه مقصوداً للمتکلم، بحیث صح للمخاطب أن یحتج بها علیه. و هذه الدلالة تتوقف علی إحراز کون المتکلم فی مقام البیان، و الدلالة التصدیقیة التی تکون تابعة للإرادة هی هذه الدلالة، و لا ینبغی الارتیاب فی تبعیتها لها، کیف لا؟ و صحة احتجاج العبد علی مولاه بظاهر کلامه منوطة بإثبات کون المولی فی مقام البیان و لو بأصل

فإنّه (1) لو لا الثبوت فی الواقع لما کان للإثبات و الکشف و الدلالة مجال، -


(1). هذا تقریب التبعیة، فإنّ ترتب مقام الکشف و الإثبات علی مقام الثبوت بمکان من الوضوح. عقلائی، فلو لم تکن التبعیة ثابتة لم یکن وجه لهذه الإناطة. (و توهم) کون الدلالة الوضعیّة تابعة للإرادة، لأجل ضیق دائرة الغرض من الوضع - و هو تفهیم المعنی المقید بإرادته دون المعنی المطلق - و ضیق الغرض یسری إلی دائرة الوضع، فلا یبقی له إطلاق یعم صورة عدم الإرادة، و علیه فالدلالة تابعة للإرادة دائماً (مدفوع) بمنع کون الغرض من الوضع تفهیم المعنی المراد بحیث یکون الإرادة قیداً للمعنی، بل الغرض الداعی إلی الوضع هو إیجاد علقة و ربط بین اللفظ و المعنی، لینتقل الذهن بمجرد سماع اللفظ إلی المعنی انتقالا تصوریاً و لو کان صادراً من لافظ غیر ذی شعور، هذا. مضافاً إلی: أنّ الداعی خارج عن حیّز الموضوع له و غیر موجب لتقیده کما لا یخفی. و مثله فی الضعف ما یقال من: «أنّ الدلالة لیست مطلق التفات النّفس إلی المعنی، بل هو التفات مخصوص، و هو التفات النّفس إلی المعنی، من جهة أنّه هو الّذی صار للمتکلم داعیاً إلی التکلم لأجل الإعراب عما فی الضمیر، و هذه لا یتصور فیها الانقسام إلی التصوریة و التصدیقیة» انتهی. توضیح وجه الضعف: أنّ إنکار دلالة اللفظ للعالم بالوضع علی ذات معناه مجردة عن الجهة التی صارت داعیه للمتکلم إلی التکلم خلاف الوجدان، فإنّ حقیقة الدلالة هی إخطار المعنی فی ذهن السامع، و لا ریب فی أنّ سماع اللفظ یوجب ذلک، و الجهة الداعیة إلی إلقاء الکلام من الجهات التعلیلیة للتکلم دون التقییدیة، و هی خارجة عن حیّز المعنی، و لا دخل لها فی الدلالة أصلا، فما أُفید لا یتم فی الدلالة التصوریة، و إنّما یتم فی التصدیقیة کما اعترف به القائل، فصحّ انقسام الدلالة إلی التصوریة و التصدیقیة.

و لذا (1) لا بد من إحراز کون المتکلم بصدد الإفادة فی إثبات إرادة ما هو ظاهر کلامه و دلالته (2) علی الإرادة، و إلا (3) لما کانت لکلامه هذه الدلالة (4) و ان کانت له الدلالة التصوریة أی کون سماعه (5) موجباً لإخطار معناه الموضوع له و لو کان من وراء الجدار (6) أو من لافظ بلا شعور و لا اختیار (7).

ان قلت: علی هذا (8) یلزم أن لا یکون هناک دلالة عند الخطأ و القطع (9) -


(1). أی: و لأجل هذه التبعیة لا بد فی إثبات الدلالة التصدیقیة، و کون مضمون الکلام مراداً للمتکلم من إحراز کونه بصدد البیان و لو بالأصل العقلائی کما یأتی إن شاء اللَّه تعالی فی مبحث المطلق و المقید، و إلاّ فلا مجال للدلالة التصدیقیة. و ان شئت فقل: إنّ الظهور النوعیّ الکاشف عن المراد منوط بإحراز کون المتکلم فی مقام البیان.

(2). معطوف علی - إثبات - یعنی: لا بد من إحراز کون المتکلم بصدد الإفادة فی دلالة کلامه علی الإرادة، و یمکن أن یعطف علی قوله: «إرادة».

(3). یعنی: و إن لم یحرز کون المتکلم فی مقام الإفادة و البیان و لو بأصل عقلائی، فلا تتحقق لکلامه هذه الدلالة التصدیقیة.

(4). أی: الدلالة التصدیقیة.

(5). مع العلم بالوضع کما تقدم، فإنّ الدلالة التصوریة لا تتوقف علی أزید منه.

(6). الأولی إسقاط کلمة - وراء - أی: و لو کان سماعه من الجدار.

(7). کالنائم و الساهی و المجنون.

(8). أی: بناءً علی تبعیة الدلالة التصدیقیة للإرادة.

(9). معطوف علی - الخطأ - یعنی: عند القطع بما لیس بمراد للمتکلم، کما إذا قال: «زید قائم» بدل «زید نائم».

بما لیس بمراد أو الاعتقاد (1) بإرادة شی‏ء و لم یکن له (2) من اللفظ مراد.

قلت: نعم لا یکون حینئذٍ (3) دلالة، بل یکون هناک جهالة و ضلالة یحسبها الجاهل دلالة، و لعمری ما أفاده العلمان من التبعیة علی ما بیّناه واضح (4) -


(1). کما إذا کان إخباره بسعر کتاب الکفایة بدینارین مثلا کنایة عن سعر کتاب الجواهر، فإنّه حینئذٍ أراد معنی أجنبیاً عن مضمون کلامه بحیث لا یکون شی‏ء من مضمونه مراداً له.

(2). أی: للمتکلم مراد من اللفظ کما عرفت. توضیح ما أفاده بقوله: «إن قلت:... إلخ» هو: أنّه إذا علمنا من الخارج فقدان الإرادة، و أنّ المتکلم أراد معنی أجنبیاً عن المعنی الّذی هو ظاهر الکلام، کمثال الإخبار عن سعر الکفایة علی ما مر آنفاً، فلازمه انتفاء الدلالة، لترتبها علی الإرادة المفروض فقدانها فی موردی الخطأ و الاعتقاد بغیر ظاهر الکلام مع وجود الدلالة فیهما قطعاً، فتخلّف الدلالة عن الإرادة یکشف عن عدم التبعیة.

(3). أی: حین الخطأ أو القطع بما لیس مراداً للمتکلم، و محصل ما أجاب به عن الإشکال هو: أنّ الدلالة التصدیقیة التابعة للإرادة تبعیة الکاشف للمنکشف مفقودة، لفقدان متبوعها، فلا محذور فی الالتزام بعدم الدلالة التصدیقیة فی مورد السؤال، و أنّ ما ظنّه الجاهل من الدلالة ضلالة و جهالة. فتلخص من جمیع ما ذکره المصنف (قده): أنّ الإرادة لیست جزءاً و لا قیداً للموضوع له حتی تکون الدلالة الوضعیّة تابعة لها، و ذلک لما مرّ من کون الإرادة من أنحاء الاستعمال، کالاستقلالیة و الآلیة و غیرهما، و کلام العلمین أجنبی عن الدلالة الوضعیّة، للتوجیه الّذی أفاده المصنف تبعاً للمحقق القمی (قدهما).

(4). وضوح صحة التوجیه المزبور فی نفسه مما لا إشکال فیه، إذ لا محیص

لا محیص عنه، و لا یکاد ینقضی تعجبی کیف رضی المتوهم أن یجعل کلامهما ناظراً إلی ما لا ینبغی صدوره عن فاضل فضلاً عمن هو علم فی التحقیق و التدقیق؟.

(السادس)

لا وجه لتوهم (1) وضع للمرکبات غیر وضع -عن الالتزام بتبعیة الدلالة التصدیقیة للإرادة کما عرفت آنفاً، لکنه خلاف ظاهر کلام العلمین، فإنّ ظاهره تبعیة الدلالة التصوریة للإرادة، فلاحظ عبارتی الشفاء و جوهر النضید.


(1). غرضه من عقد هذا الأمر: دفع ما یتوهم من وضع ثالث للمرکبات مضافاً إلی وضع شخصی و نوعی لمفرداتها، توضیحه: أنّه لا إشکال فی أنّ للمرکّب أجزاء یعبر عنها بالمفردات، و هی مادیة و صوریة، و لکل منهما وضع یخصه، غایة الأمر أنّ وضع المواد شخصی، و وضع الصور المعبر عنها بالهیئات نوعی. فقولنا مثلا: «زید قائم» یشتمل علی جزءین:

(أحدهما) مادی و هو «زید» و «قائم» و لکل منهما وضع شخصی و نوعی، أمّا الشخصی فهو: وضع کل منهما لمعنی، فزید وضع لحصة من الإنسان متشخصة بمشخصات خاصة، و قائم وضع لذات متصفة بالقیام. و أمّا النوعیّ فهو: وضع هیئة - زید - الناشئة من إعرابه رفعاً بالابتداء، و وضع هیئة - قائم - الحاصلة من رفعه بالخبریّة.

و (ثانیهما) صوری، و هو الهیئة الحاصلة من ضم أحدهما بالآخر. فإنّه بعد ضم - قائم - ب - زید - یتحقق هیئة الجملة الاسمیة، و هی الجزء الصوری للمرکّب، و بها یحصل الارتباط بینهما، و لولاها لکان کل منهما أجنبیاً عن الآخر.

فقد ظهر: أنّ لکلّ من المواد وضعاً شخصیاً و نوعیاً، و لمجموع المواد وضعاً، نوعیاً، و بعد هذین الوضعین لا حاجة إلی وضع ثالث لمجموع المرکب، لوفائهما بتفهیم غرض المتکلم.

المفردات (1)، ضرورة عدم الحاجة إلیه بعد وضعها بموادها (2) فی مثل - زید قائم - و ضرب عمرو بکراً - شخصیاً (3)

«-»



(1). و هی أجزاء المرکب، أعنی الموضوع و المحمول و الهیئة العارضة لهما و هی هیئة الجملة الاسمیة أو الفعلیة، غایة الأمر أنّ کلاًّ من الموضوع و المحمول جزءٌ مادی، و الهیئة جزءٌ صوری، و لولاها لم یکن ارتباط بین - زید - و بین - قائم - فی المثال المذکور، فبالهیئة یتولد الارتباط بین الأجزاء المادیة، فلکل من الجزء المادی و الصوری وضع لمعنی لا یغنی أحدهما عن الآخر، و هذا مما لا کلام فیه، و النزاع إنّما هو فی وضع ثالث لمجموع المادة و الهیئة.

(2). أی: بمواد المفردات، یعنی: بعد وضع مواد المفردات شخصیاً و وضع هیئاتها نوعیاً، کما عرفت فی مثال - زید قائم -، فإنّ لکل من - زید و قائم - وضعاً شخصیاً.

(3). المراد بالوضع الشخصی هو: أنّ کل مادة بشخصیتها الذاتیّة وضعت لمعنی کالجوامد و الأعلام الشخصیة، فإنّها بهیئاتها و موادها موضوعة بالوضع الشخصی ف - زید - مثلا وضع بمادته و هیئته وضعاً واحداً شخصیاً لمعنی شخصی. (-). شخصیة وضع المواد مختصة بالجوامد، و أمّا المشتقات فوضعها بالنسبة إلی کل من المادة و الهیئة نوعی، إذ المراد بالنوعیة هو عدم الاختصاص بمادة أو هیئة، فکما یکون وضع هیئة - فاعل - لمن قام به المبدأ من أی مادة کانت نوعیاً، فکذلک یکون وضع مادة - ن - ص - ر - للحدث الخاصّ بأی هیئة کانت نوعیاً، فملاک نوعیة وضع الهیئات - و هو عدم اختصاصها بمادة دون مادة - موجود فی وضع المواد أیضا، لعدم اختصاصها بهیئة دون هیئة. و کما لا یمکن وضع الهیئة بلا مادة، کذلک لا یمکن وضع المادة بلا هیئة.

و بهیئاتها المخصوصة (1) من خصوص إعرابها نوعیاً، و منها (2) خصوص هیئات المرکبات الموضوعة لخصوصیات النسب و الإضافات بمزایاها الخاصة من تأکید و حصر و غیرهما نوعیاً (3) -


(1). أی: هیئات تلک المواد العارضة لها من ناحیة الإعراب.

(2). أی: و من الهیئات العارضة للمواد هیئات المرکبات، کهیئة الجمل الاسمیة و الفعلیة، فللمواد وضع شخصی و نوعی باعتبار الإعراب، و نوعی آخر باعتبار هیئة المرکب، کالجملة الاسمیة الحاصلة من انضمام المفردات، کانضمام «القائم» فی المثال إلی «زید» فإنّ هذه الهیئة تعرض المواد أیضا، ک - زید - و - قائم - فی المثال.

و بالجملة: فلا حاجة إلی وضع ثالث للمرکبات بعد وضع مفرداتها شخصیاً و نوعیاً، و بعد وضع الهیئة الحاصلة من ضمّ المفردات المسماة تلک الهیئة بالجملة الاسمیة أو الفعلیة.

(3). أی: وضعاً نوعیاً، و الأولی إضافة کلمة - أیضا - بعد - نوعیاً - یعنی: کما أنّ وضع الهیئات الناشئة عن إعراب المواد نوعی، کذلک وضع هیئات المرکبات، و المراد بالوضع النوعیّ هو الانحلال إلی أوضاع عدیدة، کوضع هیئة - فاعل - لمعنی، فإنّ هذا الوضع ینحل بتعدد أفراده - کالقائم و العالم و العادل و غیرها - إلی أوضاع متعددة. و هیئة المرکب کالجملة الاسمیة من هذا القبیل، لعدم اختصاصها بموادٍ دون مواد، فهیئة الجملة الاسمیة - سواء کانت موادها «زید قائم» أم «عمرو جالس» أم غیرهما - وضعت لإفادة الاستمرار مثلا. (فدعوی) استقلال المادة فی الوجود و إمکان وضعها لمعنی مع الغض عن هیئة، بخلاف الهیئة لعدم استقلالهما فی الوجود، فلا بد من لحاظها فی ضمن مادة من المواد (غیر مسموعة) إذ لا محصل لها بعد امتناع وجود المادة بدون هیئة ما کالعکس.

بداهة (1) أنّ وضعها (2) کذلک (3) وافٍ بتمام المقصود منها کما لا یخفی من غیر حاجة إلی وضع آخر لها بجملتها، مع استلزامه (4) الدلالة علی المعنی تارة بملاحظة وضع نفسها (5)، و أُخری بملاحظة وضع مفرداتها (6)، و لعل المراد -


(1). توضیح لقوله: «ضرورة عدم الحاجة.. إلخ» الراجع إلی أوّل محذوری الالتزام بوضع ثالث، و محصله: أنّه - بعد وضع المفردات شخصیاً و نوعیاً و وضع هیئة المرکّب من الجملة الاسمیة أو الفعلیة نوعیاً أیضا - لا حاجة إلی وضع ثالث، لوفاء الوضعین المزبورین بحکمة الوضع، و هی الإعراب عمّا فی الضمیر، لإفادة الموضوع و المحمول اللذین هما الجزء المبادی معنی أفرادیاً، و إفادة الهیئة الخصوصیات المطلوبة عند المتکلم من إثبات شی‏ء لشی‏ء أو نفیه عنه علی وجه الاستمرار أو التجدد، فعلی هذا یصیر الوضع الثالث لمجموع المادة و الهیئة من حیث المجموع لغواً.

(2). أی: المرکبات.

(3). أی: بموادّها و هیئاتها، فإنّ هذا الوضع وافٍ بتمام المقصود من المرکبات.

(4). أی: استلزام وضع آخر، و هذا هو المحذور الثانی، و حاصله: أنّه یلزم من وضع ثالث دلالة اللفظ علی معناه مرتین، و هو خلاف الوجدان، إذ لازم هذا الوضع الثالث فی مثل - زید قائم - هو دلالة هذین اللفظین علی معناهما تارة بملاحظة وضع نفسهما و أُخری بملاحظة وضع مجموعهما مع هیئة المرکب مع وحدة الدلالة قطعاً، إذ لا یخطر ببالنا إلاّ قیام - زید - مع الاستمرار مرة واحدة لا مرتین.

(5). أی: المرکبات.

(6). أی: مفردات المرکبات.

من العبارات الموهمة لذلک (1): هو وضع الهیئات علی حدة غیر وضع المواد، لا وضعها بجملتها علاوة علی وضع کل واحد منهما (2).

(السابع)

لا یخفی أنّ تبادر المعنی من اللفظ و انسباقه إلی الذهن من نفسه (3) و بلا قرینة علامة کونه حقیقة فیه، بداهة أنّه لو لا وضعه (4) له لما تبادر.

لا یقال (5): کیف -


(1). أی: لوضع المرکب بجملته، غرضه توجیه العبارات الموهمة لوضع آخر للمرکب من حیث المجموع، و حاصل التوجیه هو: أنّه یمکن أن یراد بها وضع الهیئات کالجملة الاسمیة التی هی جزء صوری للمرکب

«-»

.

(2). أی: کل واحد من المواد و الهیئات.

(3). أی: من نفس اللفظ، ثم إنّه لمّا فرغ من بیان حقیقة الوضع و أقسامه شرع فی أمارات الوضع و مثبتاته، و أمارات المجاز عند عدم العلم بالحال، و إلاّ فمع العلم لا معنی لأماریّتها کما لا یخفی.

(4). أی: وضع اللفظ للمعنی لمَا تبادر المعنی منه، فالتبادر یکشف - إنّاً - عن کون اللفظ موضوعاً للمعنی المتبادر، فیخرج بالتبادر المستند إلی حاق اللفظ التبادر الناشئ عن القرینة الحالیة أو المقالیة، و علی هذا فلا یکون التبادر الناشئ عن الشهرة أو مقدمات الحکمة الموجبة للإطلاق أو العموم علامة الحقیقة.

و بالجملة: یعتبر فی أماریة التبادر علی الحقیقة أن یکون مستنداً إلی نفس اللفظ لا إلی القرینة و لو کانت هی الشهرة الناشئة عن الغلبة.

(5). توضیح إشکال أماریة التبادر علی الحقیقة هو: أنّه (لمّا کان) المفروض (-). قد عرفت أنّه لا بد من هذا الوضع، فلا ینبغی جعله مورداً للنزاع، و لتلاحظ کلماتهم.

یکون (1) علامة مع توقفه علی العلم بأنه موضوع له کما هو واضح؟ فلو کان العلم به موقوفاً علیه لدار (2). فإنّه یقال (3): -انحصار منشأ التبادر بالوضع، دون المناسبة الذاتیّة بین الألفاظ و المعانی التی لا نقول بها، و کان انسباق معنی خاص من المعانی المتشتتة منوطاً بالعلم بالوضع له، و إلاّ لزم الترجیح بلا مرجح، و الانسباق بلا وجه (لزم) الدور، لتوقف التبادر علی العلم بالوضع، و توقف العلم به علی التبادر کما هو المفروض، إذ المقصود ترتب العلم بالوضع علی التبادر الّذی جعل أمارة علیه.


(1). أی: التبادر.

(2). قد عرفت تقریب الدور، فلا یصلح التبادر حینئذٍ لإثبات العلم بالوضع.

(3). هذا دفع الإشکال، و حاصله: أنّ العلم بالوضع الّذی یتوقف علی التبادر هو العلم التفصیلیّ به، و العلم بالوضع الّذی یتوقف التبادر علیه هو العلم الإجمالی، حیث إنّه نعلم إجمالاً بأنّ للفظ - صعید - مثلا معنی من المعانی المتعددة المعلومة تفصیلا عندنا، و ارتکازیة هذا العلم إنّما هی لأجل وجود صورة العلقة و الارتباط بین اللفظ و المعنی فی الذهن من دون التفات إلیها، و بعد مراجعة الوجدان و حصول الالتفات ینسبق هذا المعنی بنفسه إلی الذهن من ذات اللفظ، فإنّ العلم تارة یکون مورداً للالتفات، و یسمی بالعلم التفصیلیّ و العلم المرکب، و أُخری لا یکون مورداً له، و یسمی بالعلم الإجمالی و العلم البسیط.

و بالجملة: فالمترتب علی التبادر هو العلم التفصیلیّ، و المترتب علیه التبادر هو العلم الإجمالی الارتکازی، و هذا التغایر بین العلمین یرفع غائلة الدور

«-»

.و مرجع هذا (-). بل لا ترتفع به، لأنّ العلم الإجمالی بکون أحد المعانی المعلومة تفصیلا هو ما وُضع له اللفظ لا یوجب تبادر خصوص الموضوع له من بین

الموقوف علیه (1) غیر الموقوف علیه، فان العلم التفصیلیّ بکونه موضوعاً له موقوف علی التبادر و هو (2) موقوف علی العلم الإجمالی الارتکازی به لا التفصیلیّ، فلا دور. هذا (3) إذا کان -الجواب إلی الإجمال و التفصیل، کما قیل بذلک فی دفع إشکال الدور فی الشکل الأوّل، هذا.


(1). المراد باللام الموصولة هو - العلم - و ضمیر - علیه - راجع إلی التبادر، یعنی: أنّ العلم الموقوف علی التبادر غیر العلم الموقوف علیه التبادر، لأنّ الأول تفصیلی و الثانی إجمالی کما مر آنفاً.

(2). أی: التبادر، یعنی: أنّ التبادر موقوف علی العلم الإجمالی الارتکازی بالمعنی الموضوع له، و لیس موقوفاً علی العلم التفصیلیّ حتی یلزم الدور.

(3). یعنی: هذا الجواب الّذی دفعنا به غائلة الدور عن التبادر إنّما یکون تلک المعانی قطعاً، بل جهل السامع بالمعنی الموضوع له معیّناً بعد سماع اللفظ کجهله به قبل سماعه، و العلم الإجمالی لا یؤثّر فی انسباق خصوص المعنی الموضوع له، فینحصر سبب الانسباق فی العلم التفصیلیّ بالوضع، هذا. مضافاً إلی أنّ التبادر علی هذا یکون أخص من المدعی، لاختصاصه حینئذٍ بما إذا علم بالوضع تفصیلا، ثم نسی و بقیت صورة ارتباط الألفاظ بالمعانی موجودة فی خزانة النّفس، و بعد المراجعة إذا تبادر معنی من المعانی الموجودة فی النّفس کان ذلک أمارة الوضع.

و أمّا إذا لم یعلم بالوضع تفصیلا، فلا تکون صورة الارتباط موجودة فی خزانتها، فلا تبادر حینئذٍ حتی یکون علامة للوضع، فالأَولی إنکار التبادر رأساً حتی فی صورة سبق العلم الإجمالی بالوضع، لعدم تحقق التبادر إلاّ مع العلم التفصیلیّ بالموضوع له کما مر آنفاً.

المراد به (1) التبادر عند المستعلم، و أمّا إذا کان المراد به التبادر عند أهل المحاورة، فالتغایر أوضح من أن یخفی. ثم إنّ هذا (2) فیما لو علم استناد الانسباق --فیما إذا أُرید به التبادر عند المستعلم. و أمّا إذا أُرید به التبادر عند أهل المحاورة العالمین بالأوضاع، بأن یکون تبادرهم علامة الوضع للجاهل بها، فالتغایر بین العلمین حینئذٍ أوضح منه فی الصورة السابقة، لأنّ العلم المنوط به التبادر هو علم العالم بالوضع، و العلم المنوط بالتبادر هو علم الجاهل بالوضع.


(1). أی: التبادر، و ضمیر - به - فی قوله: «و اما إذا کان المراد به» یرجع أیضا إلی التبادر.

(2). أی: کون التبادر علامة للوضع و محرِزاً له، و غرضه التنبیه علی شرط التبادر و هو: کونه مستنداً إلی حاق اللفظ بحیث علم هذا الاستناد، فإذا لم یحرز ذلک، و شک فی نشئه عن نفس اللفظ أو القرینة، فلا یکون هذا التبادر علامة الوضع، و لا یمکن إحراز الشرط المزبور بأصالة عدم القرینة، و ذلک لأنّ هذا الأصل مما لا دلیل علی اعتباره فی تمییز المعنی الحقیقی عن المجازی - کما هو المقصود -، إذ لا یترتب علیه أثر شرعی حتی یشمله دلیل الاستصحاب لأن المستصحب - و هو عدم القرینة - إنْ أُرید به العدم المحمولی، فهو و إن کان له حالة سابقة، لکنه لا یترتب علیه أثر شرعی، حیث إنّه مترتّب علی المعنی الموضوع له، و إثباته بالعدم المحمولی مبنی علی الأصل المثبت. و إنْ أُرید به العدم النعتیّ، فلیس له حالة سابقة حتی یجری فیه الاستصحاب، فأصالة عدم القرینة لا بد أن تکون حجیتها ببناء العقلاء، و لمّا کان هذا البناء دلیلا لبیاً فلا بد من الأخذ بالمتیقن منه، و هو اعتبارها فی تشخیص المراد، لا تمییز المعنی الحقیقی عن غیره کما هو المطلوب فی المقام، مثلا إذا علمنا بوضع لفظ - أسد -

إلی نفس اللفظ، و أمّا فیما احتمل استناده إلی قرینة، فلا تجدی أصالة عدم القرینة فی إحراز کون الاستناد إلیه (1) لا إلیها (2) کما قیل (3)، لعدم الدلیل علی اعتبارها (4) إلاّ فی إحراز المراد، لا الاستناد (5). ثم إنّ عدم صحة سلب اللفظ بمعناه المعلوم المرتکز فی الذهن (6) إجمالا (7) کذلک (8) للحیوان المفترس، و شککنا فی أنّ هذا المعنی الحقیقی هو مراد المتکلم أو معناه المجازی و هو الرّجل الشجاع، فبأصالة عدم القرینة یثبت أنّ مراده هو المعنی الحقیقی. و أمّا إذا کان المراد معلوماً و شک فی أنّه هل هو معناه الحقیقی أم المجازی؟ فلا یثبت بأصالة عدم القرینة کونه موضوعاً له، و أنّ التبادر مستند إلی حاق اللفظ، علی أن الشک فی حجیتها حینئذٍ کافٍ فی عدمها کما لا یخفی.

فتلخص: أنّه لا مجال لإحراز کون التبادر مستنداً إلی حاق اللفظ بأصالة عدم القرینة.


(1). أی: استناد التبادر إلی اللفظ حتی یکون علامة للوضع.

(2). أی: لا إلی القرینة.

(3). القائل هو المحقق القمی (قده).

(4). أی: اعتبار أصالة عدم القرینة، و قوله: «لعدم الدلیل» تعلیل لقوله:

«فلا یجدی أصالة عدم القرینة».

(5). کما هو المطلوب فی کون التبادر علامة للوضع.

(6). هذا إشارة إلی وجه اندفاع الدور المتطرق فی عدم صحة السلب بالتقریب المتقدم فی التبادر.

(7). قید - المعلوم -.

(8). یعنی: کالإجمال المذکور فی التبادر.

عن معنی (1) یکون علامة کونه (2) حقیقة فیه، کما أنّ صحة سلبه (3) عنه علامة کونه مجازاً فی الجملة (4)، و التفصیل (5): أنّ عدم صحة السلب عنه و صحة -


(1). یعنی: عن المعنی الّذی قد استعمل فیه اللفظ، و ملخص الکلام: أنّ من علائم الوضع و محرزاته عدم صحة السلب المسمی بصحة الحمل أیضا. و قد أُورد علیه بما تقدم فی التبادر من الدور، حیث إنّ عدم صحة سلب لفظ - الأسد - عن الحیوان المفترس موقوف علی العلم بوضعه لهذا المعنی، فإذا توقف العلم بوضعه له علی عدم صحة سلبه عنه لدار، کما جعل صحة السلب علامة المجاز بالتقریب الآتی عند تعرضه (قده) له.

(2). أی: کون اللفظ حقیقة فی المعنی الّذی استعمل فیه کالأسد - فی المثال.

(3). أی: صحة سلب اللفظ عن معنی علامة کون اللفظ مستعملا فیه مجازاً.

(4). قید لقوله: «مجازاً» یعنی: أنّ صحة السلب علامة لکونه مجازاً علی نحو الإجمال سواء کان مجازاً فی الکلمة، کما هو المشهور و هو المسمی بالمجاز اللغوی، أم مجازاً فی غیرها کما هو مذهب السکاکی علی ما سیأتی إن شاء اللَّه تعالی.

(5). یعنی و تفصیل کون عدم صحة السلب أمارة علی المعنی الحقیقی هو:

أنّ صحة الحمل التی هی من علائم الوضع علی قسمین:

أحدهما الحمل الأوّلی الذاتی، و هو کون الموضوع و المحمول فیه متحدین مفهوماً و وجوداً و متغایرین اعتباراً کقولنا: «الإنسان حیوان ناطق» فإنّ مفهوم الإنسان و مفهوم - حیوان ناطق - واحد، کما أنّ وجوده مع وجودهما متحد، و التغایر بینهما إنّما هو باعتبار إجمال أحدهما - و هو الموضوع - و تفصیل الآخر - و هو المحمول - کما هو الشأن فی سائر الحدود التامة، و سمی بالحمل الأولی

الحمل علیه بالحمل الأوّلی الذاتی الّذی کان ملاکه الاتحاد مفهوماً علامة کونه نفس --لکونه أوّلی الصدق و الکذب، أو أوّل مراتب الحمل، و بالذاتی لکونه جاریاً فی الذاتیات، بل فی تمام الذاتی.

ثانیهما: الحمل الشائع الصناعی و هو کون الموضوع و المحمول فیه متغایرین مفهوماً و متحدین وجوداً، کقولنا: «زید إنسان» فإنّ زیداً و کذا غیره من الأفراد التی یحمل علیها الطبیعة متحد معها، فإنّ الطبیعی متحد مع فرده وجوداً و مغایر له مفهوماً، لأنّ مفهوم الفرد غیر مفهوم الکلی، سواء کان المحمول من ذاتیات الموضوع کقولنا: «الإنسان ناطق أو حیوان»، أم من عوارضه کقولنا: «الإنسان ضاحک»، و سواء کان الموضوع نوعاً من المحمول کقولنا: «الإنسان حیوان» أم صنفاً له کقولنا: «العبد إنسان» أم فرداً له ک «زید إنسان»، و سواء کان المحمول ثابتاً لنفس مفهوم الموضوع من دون سرایته إلی الأفراد ک «الإنسان نوع و الحیوان جنس» و نحوهما من القضایا الطبیعیة، أم ثابتاً لأفراده کقولنا: «زید إنسان و کل إنسان حیوان» و نحو ذلک من القضایا الشخصیة و المحصورة، و یعبر عن جمیع هذه الأنحاء بالحمل الشائع الصناعی العرضی، و تسمیته بالشائع الصناعی لشیوعه فی العلوم و الصناعات، و بالعرضی لکون مناط هذا الحمل الاتحاد فی الوجود فقط، و قد قرر فی محله: أنّ الوجود عارض علی الماهیات، و أنّه عرض یعرضها تصوراً. إذا عرفت قسمی الحمل فاعلم: أنّ المناط فی صحة الحمل التی هی علامة الوضع إنّما هو فی صحته بالحمل الأوّلی الذاتی، لأنّه الّذی یعتبر فیه اتحاد الموضوع و المحمول مفهوماً و المجدی لکون أحدهما عین الآخر، فالمحمول هو نفس الموضوع، مثلا حمل البشر علی الإنسان یکون أمارة علی کون معنی البشر حقیقة هو الإنسان. و أمّا الحمل الشائع الصناعی فلا یکون

المعنی، و بالحمل الشائع الصناعی الّذی ملاکه الاتحاد وجوداً بنحوٍ من أنحاء الاتحاد علامة کونه (1) من مصادیقه و أفراده (z) الحقیقیة، کما أنّ صحة سلبه (2) کذلک (3) علامة أنّه لیس منهما (4) و إن لم نقل بأنّ إطلاقه

علامة لشی‏ء من الحقیقة و المجاز، سواء کان المحمول کلیاً و الموضوع فرداً له کقولنا: «زید إنسان»، أم کان کلاهما کلیاً سواء کانا متساویین کقولنا: «الإنسان ناطق»، أم أعم و أخص مطلقاً کقولنا: «الإنسان حیوان»، أم من وجه کقولنا: «الإنسان أبیض»، غایة الأمر: أنّ صحته فی هذه الموارد أمارة علی اتحاد الموضوع و المحمول فی الخارج فقط. نعم فیما إذا کان المحمول کلّیاً و الموضوع فرداً له تکون صحة الحمل علامة لکون الموضوع من أفراد المحمول و مصادیقه، کما فی مثال: - زید إنسان -. فتلخص: أنّ صحة الحمل أمارة علی الحقیقة فی خصوص الحمل الأوّلی، و لیست صحة الحمل فی الحمل الشائع بأنحائه علامة الوضع.


(1). أی: کون المحمول علیه من مصادیق المحمول ک - زید إنسان -.

(2). أی: سلب اللفظ بما له من المعنی المرتکز فی الذهن إجمالا عن المعنی المشکوک فیه الّذی استعمل فیه اللفظ، کصحة سلب لفظ - الأسد - بماله من المعنی عن الرّجل الشجاع، بأن یقال: «الرّجل الشجاع لیس بأسد». و الحاصل: أنّ صحة السلب علامة المجاز، کما أنّ عدم صحته علامة الحقیقة.

(3). یعنی: بأیّ نحو من أنحاء الحمل.

(4). أی: لیس المسلوب من القسم الأول - و هو کونه نفس المعنی - و لا ==============‌ (z). فیما إذا کان المحمول و المحمول علیه کلّیاً و فرداً، لا فیما إذا کانا کلّیین متساویین أو غیرهما کما لا یخفی.

علیه (1) من باب المجاز فی الکلمة، بل من باب الحقیقة، و أنّ التصرف فیه فی أمر عقلی - کما صار إلیه السکاکی - و استعلام حال اللفظ، و أنّه حقیقة أو مجاز فی هذا -الثانی و هو کونه من مصادیقه کقولنا: «زید لیس بحجر»، فإنّ صحة هذا السلب علامة أنّ الموضوع لیس نفس معنی الحجر و لا من أفراده، و إلاّ لم یصح السلب و کان الحمل صحیحاً.


(1). یعنی: و إن لم نقل بأنّ صحة هذا السلب - أعنی سلب لفظ الأسد مثلا عن معنی کالرجل الشجاع - یوجب أن یکون حمله علیه - لو حمل علیه أحیاناً - من باب المجاز فی الکلمة کما هو مذهب المشهور، بل قلنا: بأنّه من باب الحقیقة کما هو مذهب السکاکی. و غرضه من هذه العبارة دفع توهم، و ملخصه: أنّ صحة السلب إنّما تکون علامة للمجاز بناءً علی مسلک المشهور من تسلیم المجاز فی الکلمة، دون مسلک السکاکی من إنکار المجاز فی الکلمة، و ادّعاء أنّ إطلاق اللفظ علی المعنی فی جمیع الموارد إنّما هو علی نحو الحقیقة، و أنّ المجاز إنّما هو فی الإسناد و الأمر العقلی. و محصل دفعه: أنّه لا فرق فی علامیة صحة السلب للمجاز بین مسلکی المشهور و السکاکی، ضرورة صحة سلب لفظ - الأسد - بمعناه المرتکز فی الذهن عن الرّجل الشجاع، بأن یقال: «الرّجل الشجاع لیس بأسد»، فیکون الرّجل الشجاع حینئذٍ معنی مجازیاً للأسد عند المشهور و ان کان حقیقة ادّعائیة عند السکاکی، فصحة السلب عنده علامة عدم کون المعنی المسلوب معنی حقیقیاً و ان کان الاستعمال حقیقة بنحو من الادّعاء، و الغرض من کون صحة السلب علامة هو معرفة کون المسلوب عنه غیر المعنی الموضوع له حقیقة سواء کان الاستعمال فیه علی نحو الحقیقة ادّعاءً کما هو مذهب السکاکی، أم المجاز کما هو مذهب المشهور.

المعنی بهما (1) لیس علی وجه دائر، لما عرفت فی التبادر من التغایر بین الموقوف و الموقوف علیه بالإجمال و التفصیل، أو الإضافة إلی المستعلم و العالم، فتأمل جیداً (2). ثم إنّه قد ذکر الاطراد و عدمه علامة للحقیقة و المجاز أیضا (3) -


(1). أی: بعدم صحة السلب و صحته.

(2). لعله إشارة إلی عدم تمامیة هذین الجوابین، لا فی التبادر و لا فی عدم صحة السلب. أمّا فی التبادر، فلما عرفت هناک

«-»

.و أمّا فی عدم صحة السلب، أمّا فی الحمل الشائع فلما مر، و أمّا فی الحمل الأوّلی، فلأنّ وحدة الموضوع و المحمول ماهیة لیست أمارة علی الوضع کما هو المطلوب، و إنّما هی علامة لوحدة حقیقتی الموضوع و المحمول التی هی أجنبیة عن المقام، إذ المقصود معرفة المعنی الموضوع له لیشار إلیه فی مقام التفهیم، و هو غیر حقیقة الشی‏ء باصطلاح الحکیم.

و ببیان أوضح: أنّ حمل اللفظ علی المعنی الموضوع له لغة أو عرفاً إنّما هو من باب ترجمة لفظ بلفظ آخر، کتبدیل لفظ - العنب - ب - أنگور - فی اللغة الفارسیة، و أین هذا من باب حقیقة العنب و ماهیته، کما هو شأن الحمل الأوّلی الذاتی کما لا یخفی؟.

و بالجملة: فلم یثبت علامیة شی‏ء من التبادر و عدم صحة السلب.

(3). یعنی: کعلامیة التبادر و عدم صحة السلب، و تقریب أماریته علی الحقیقة هو: شیوع استعمال اللفظ فی المعنی من دون اختصاص بمقام کلفظ - الإنسان و زید - فإنّ استعمالهما فی معنییهما لا یختص بمورد، بخلاف استعمال (-). و أمّا عدم علامیة تبادر العالم للمستعلم، فلأنّ استناد هذا التبادر إلی الوضع دون القرینة مما لا سبیل إلی إحرازه، و أصالة عدم القرینة لا تجدی لما مرَّ.

و لعله (1) بملاحظة نوع العلائق المذکورة فی المجازات، حیث لا یطرد صحة -- رقبة - فی الذات، لصحة - أعتق رقبة - و عدم صحة - نامت رقبة - أو - قالت رقبة - و هکذا.


(1). أی: و لعل عدم الاطراد، و غرضه: التنبیه علی إشکال أُورد علی علامیة الاطراد علی الوضع، و حاصل الإشکال: أنّ الاطراد لیس لازماً مساویاً للوضع حتی یکون أمارة علیه، بل هو لازم أعم من الوضع، فلیس دلیلا علیه، لعدم دلالة العام علی الخاصّ. و وجه أعمیته هو: وجود الاطراد فی المجاز أیضا، حیث إنّ علاقة المشابهة فی أظهر الأوصاف - کشجاعة الأسد مثلا - توجب جواز استعمال لفظ - الأسد - فی جمیع موارد وجود هذه العلاقة، فالاطراد حینئذٍ بلحاظ کل واحدة من العلائق الموجودة حاصل، مع أنّ استعمال اللفظ فی المعانی بلحاظ تلک العلائق مجاز، فاطراد الاستعمال أعم من کونه علی نحو الحقیقة، هذا.

و ملخص ما أفاده المصنف (قده) فی دفعه، هو: أنّ الاطراد فی المجازات إنّما یکون بملاحظة أشخاص العلائق بحیث یکون شخص المستعمل فیه دخیلا فی صحة الاستعمال و حُسنه، لا بملاحظة أنواعها کما هو شأن الاطراد فی الحقائق، فاستعمال لفظ - الأسد - مثلا فی الرّجل الشجاع بعلاقة المشابهة بینهما و ان کان مطرداً، إلاّ أنّ اطّراده هذا إنّما هو بملاحظة شخص هذه العلاقة أعنی علاقة المشابهة بینه و بین الرّجل الشجاع بخصوصه، و لذا لا یحسن استعماله فی - العصفور الشجاع - مع وجود الشجاعة. و هذا بخلاف الاطراد فی الحقائق، فإنّه یکون بملاحظة أنواع العلائق من دون خصوصیته لمورد الاستعمال فیه، و لذا نری أنّ لفظ - العالم - مثلا بلحاظ وضعه یصح و یطرد استعماله فی کل من اتصف بالإدراک من دون خصوصیة لمن استعمل فیه، فیطرد استعماله فی - زید -

استعمال اللفظ معها (1)، و إلا فبملاحظة خصوص ما یصح معه الاستعمال (2) فالمجاز مطرد کالحقیقة (3) و زیادة قید من غیر تأویل، أو علی وجه الحقیقة (4) و إن کان موجباً لاختصاص الاطراد کذلک (5) بالحقیقة، إلا أنّه -و - عمرو - و غیرهما من الذوات المتصفة بالإدراک، فیکون هذا کاشفاً عن أنّه حقیقة فی هذا المعنی - أعنی: الذات المتصفة بالإدراک - فالاطراد علامة للحقیقة، و عدمه بالنسبة إلی نوع العلاقة علامة المجاز.


(1). أی: مع نوع العلائق.

(2). و هو شخص العلاقة، فالمراد ب - ما - الموصولة - العلاقة، و ضمیر - معه - راجع إلیه.

(3). فالاطراد الحقیقی ینفی الاطراد المجازی بالنسبة إلی نوع کل علاقة لا شخصها.

(4). لا یخفی أنّه قد أجاب بعض عن الإشکال المزبور حتی لا ینتقض الاطراد الحقیقی بالاطراد المجازی بما حاصله: أنّ تقیید الاطراد بکونه من غیر تأویل أو علی وجه الحقیقة یوجب اختصاص الاطراد الّذی هو أمارة علی الوضع بالحقیقة، و عدم انتقاضه بالاطراد فی المجاز بملاحظة شخص العلاقة، لأنّ هذا الاطراد محتاج إلی التأویل و هو لحاظ العلاقة، بخلاف الاطراد فی الوضع، فإنّه لا یحتاج إلاّ إلی لحاظ المستعمل فیه. لکن المصنف (قده) لم یلتزم بهذا الجواب، و قال: إنّ هذا القید و ان کان موجباً لاختصاص الاطراد بالمعنی الحقیقی لکنه مستلزم للدور، لأنّ الاطراد علی هذا الوجه موقوف علی معرفة الموضوع له، و المفروض توقف هذه المعرفة علی الاطراد، حیث إنّه علامة الوضع.

(5). یعنی: من غیر تأویل، أو علی وجه الحقیقة.

حینئذٍ (1) لا یکون علامة لها (2) إلا علی وجه دائر (3)، و لا یتأتی‏ التفصی عن الدور بما ذکر فی التبادر هنا (4)، ضرورة أنّه مع العلم بکون الاستعمال علی نحو -


(1). یعنی: إلاّ أنّ الاطراد حین کونه علی وجه الحقیقة لا یکون علامة لها.

(2). أی: للحقیقة.

(3). بالتقریب الّذی عرفته آنفاً.

(4). یعنی: فی الاطراد، و الظرف متعلق ب - لا یتأتی - یعنی: و لا یتأتی هنا التفصی عن الدور بما ذکر فی التبادر من الإجمال و التفصیل، و من کون التبادر علامة عند العالمین بالأوضاع علامة للوضع عند الجاهلین بها. وجه عدم إمکان التفصی بالإجمال و التفصیل هو: عدم کفایة العلم الإجمالی بکون معنی اللفظ أحد المعانی المحصورة المرتکزة فی النّفس فی کون الاستعمال علی نحو الحقیقة، بداهة توقفه علی العلم التفصیلیّ بکون المستعمل فیه موضوعاً له. و وجه عدم إمکان التفصی عن الدور بجعل الاطراد عند العالم بالوضع علامة للوضع عند الجاهل به هو: أنّه لا سبیل للجاهل إلی إحراز کون الاطراد عند العالم لأجل الوضع و علی وجه الحقیقة، و لا یمکن إحرازه بأصالة عدم القرینة، لما مر فی التبادر، و المفروض أنّ علامیته للحقیقة منوطة بکون الاستعمال علی سبیل الحقیقة، و مع العلم بکونه علی هذا الوجه لا یکون الاطراد علامة، لأنّه من تحصیل الحاصل المحال، بل من أردإ وجوهه، لکونه من إحراز ما هو محرز وجداناً بالتعبد.

و الحاصل: أنّ الاطراد کالتبادر و عدم صحة السلب لا یصلح علامة للحقیقة

«-»

. (-). لا یخفی أنّه علی هذا ینحصر طریق معرفة الأوضاع بتنصیص الواضع و هو أیضا مفقود، لأنّ اللغویین لا یتعرّضون إلاّ لموارد الاستعمالات، و لیس شأنهم إلاّ ذلک، إذ لا طریق لهم إلی العلم بالأوضاع کما لا یخفی. ثم إنّ الظاهر

الحقیقة لا یبقی مجال لاستعلام حال الاستعمال بالاطراد أو بغیره.

(الثامن)

أنّه للفظ أحوال خمسة، و هی: التجوز و الاشتراک و التخصیص و النقل و الإضمار، لا یکاد یصار إلی أحدها، فیما إذا دار الأمر بینه (1) و بین المعنی الحقیقی إلاّ بقرینة صارفة عنه إلیه (2)، و أمّا إذا دار الأمر بینها (3) فالأُصولیون و ان ذکروا لترجیح بعضها علی بعض وجوهاً (4)، إلا -


(1). أی: بین أحد الأحوال الخمسة و بین المعنی الحقیقی.

(2). أی: عن المعنی الحقیقی إلی أحد الأحوال الخمسة، فضمیر - عنه - راجع إلی المعنی الحقیقی، و الوجه فی تعین الحمل علی المعنی الحقیقی فی صورة عدم القرینة الصارفة هو: أصالة الحقیقة التی لا یعدل عنها إلاّ بها.

(3). أی: بین الأحوال الخمسة فی أنفسها، لا بینها و بین المعنی الحقیقی.

(4). کترجیح المجاز علی الاشتراک، لکثرته و توسع بابه فی الکلام دونه، لتیسر مراعاة الجهات الفصاحیة و البلاغیة و البدیعیة مع المجاز دون الحقیقة، __=============== عدم ترتب ثمرة عملیة علی العلم بالحقائق حتی یتشبث فی إثباته بإحدی العلائم المتقدمة. (و توهم) أنّ الثمرة المترتبة علیه هی ظهور الألفاظ الواقعة فی الکتاب و السنة، کلفظ الظاهر و الباطن و الصعید و غیرها مما أُخذ موضوعاً للأحکام الشرعیة فی معانیها مع العلم بالأوضاع، فتحمل الألفاظ علیها، و إجمالها مع الجهل بها، فینسد باب الاستنباط حینئذٍ (فاسد)، لعدم حاجة إلی معرفة المعنی الحقیقی حتی فی هذه الألفاظ أیضا، ضرورة أنّها بین ما لَها قدر متیقن، و بین ما یظهر المراد منها بمعونة الروایات، و علی التقدیرین لا حاجة إلی العلم بالوضع، لوضوح الأمر فی الثانی، و لزوم الأخذ بالمتیقن فی الأوّل، و إجراء الأصل فی المشکوک فیه، فتدبر.

أنّها استحسانیة لا اعتبار بها، إلاّ إذا کانت موجبة لظهور اللفظ فی المعنی، لعدم (1) مساعدة دلیل علی اعتبارها بدون ذلک (2)، کما لا یخفی. ----أی أحد معانی المشترک أو معنییه، و لکونه أکثر فائدة من الاشتراک، لعدم توقف مع المجاز، إذ مع القرینة علیه یصار إلیه، و بدونها یحمل اللفظ علی المعنی الحقیقی، فلا توقف معه. بخلاف المشترک، فإنّه یتوقف معه فی استظهار المراد، و لا یُحمل اللفظ علی أحد معنییه أو معانیه إلاّ بالقرینة، إلی غیر ذلک من الوجوه المرجحة المذکورة فی الکتب المبسوطة، فلاحظ.

و الظاهر أنّ الدوران بین الاشتراک و المجاز لیس المراد به الدوران بینهما فی لفظ واحد، بأن یکون مجازاً فی أحد معنیین أو مشترکاً بینهما، لأنّ هذا داخل فی العنوان المعروف و هو: أنّ الأصل فی الاستعمال الحقیقة - کما نُسب إلی السید (قده) - أو أعم منه کما عن المشهور، بل المراد به هو الدوران بین المجاز فی لفظ و بین الاشتراک فی لفظ آخر، کالنکاح الّذی هو حقیقة فی العقد، فلو أُرید هذا المعنی منه فی قوله تعالی: و لا تنکحوا ما نکح آباؤکم‏ دلّ علی حرمة معقودة الأب - و لو بالعقد الفاسد - علی الابن، و هو خلاف الإجماع، فلا محیص حینئذٍ عن الالتزام إمّا باشتراک لفظ النکاح بین العقد و الوطء، و حمله فی الآیة علی الوطء، و إمّا بالتجوز فی النهی بإرادة القدر المشترک بین الحرمة و الکراهة، فیتعارض حینئذٍ المجاز و الاشتراک، و یمکن أن تکون کلتا الصورتین داخلتین فی محل النزاع.


(1). تعلیل لقوله: «لا اعتبار بها».

(2). أی: بدون إیجابها لظهور اللفظ فی المعنی، ضرورة أنّ العبرة فی باب الألفاظ إنّما هی بالظهور الّذی هو حجة ببناء العقلاء، دون غیره من الوجوه الاستحسانیة التی غایتها إفادة الظن الّذی لا دلیل علی اعتباره. و لعلّ استنادهم

(التاسع)

أنّه اختلفوا فی ثبوت الحقیقة الشرعیة (1) و عدمه علی أقوال (2) -فی الترجیح إلی الوجوه الاعتباریة لأجل إفادتها الظهور الّذی ثبت اعتباره ببناء العقلاء، و إلاّ فلا أثر لتلک الوجوه أصلا کما عرفت.


(1). المراد بالحقیقة الشرعیة - التی هی محل النزاع دون الحقیقة المتشرعیة - ما هو أعم من الوضع التعیینی و الوضع التعیینی الحاصل فی زمان الشارع بکثرة الاستعمال.

(2). و هی ستة: الأوّل: الثبوت مطلقاً.

الثانی: العدم کذلک.

الثالث: التفصیل بین العبادات و المعاملات بالثبوت فی الأولی و العدم فی الثانیة.

الرابع: التفصیل بین الألفاظ الکثیرة الدوران کالصلاة و الصوم و نحوهما، و بین غیرها، بالثبوت فی الأولی و ان کانت معاملة، و النفی فی الثانیة و ان کانت عبادة.

الخامس: التفصیل بین عصر النبی صلی اللَّه علیه و آله و بین عصر الصادقین علیهما الصلاة و السلام بالنفی فی الأوّل و الثبوت فی الثانی، لکن تسمیته علی هذا بالحقیقة المتشرعیة أولی من تسمیته بالحقیقة الشرعیة.

السادس: التفصیل بین الألفاظ الکثیرة الدوران فی زمان الشارع و ما بعده من عصر الصادقین علیهما السلام و ما بعده من سائر الأعصار، و بین غیرها بالعدم فی تلک الألفاظ. لکن عدّ هذا من أقوال ثبوت الحقیقة الشرعیة لا یخلو من غموض، لعدم أثر لکثرة الدوران فی غیر عصر الشارع فی ثبوت الحقیقة الشرعیة کما لا یخفی.

و قبل الخوض فی تحقیق الحال لا بأس بتمهید مقال، و هو: أنّ الوضع التعیینی کما یحصل بالتصریح بإنشائه کذلک یحصل باستعمال اللفظ فی غیر ما وضع له کما إذا وضع له، بأن یُقصد الحکایة عنه و الدلالة علیه بنفسه (1) لا بالقرینة و إن کان لا بد حینئذٍ (2) من نصب قرینة، إلاّ أنّه (3) للدلالة علی ذلک، لا علی إرادة المعنی کما فی المجاز (4)، -


(1). أی بنفس اللفظ لیمتاز عن الدلالة علی المعنی المجازی الّذی یکون بمعونة القرینة، و محصل ما أفاده فی المقام هو: أنّ الوضع التعیینی خفیف المئونة، لأنّه کما یتحقق بتصریح الواضع بإنشائه کأن یقول: إنی وضعت اللفظ الکذائی للمعنی الفلانی، کذلک یتحقق بنفس استعمال لفظ فی معنی یقصد الوضع له و الحکایة عنه، فبنفس هذا الاستعمال یحصل الوضع، کما إذا قال لولده الّذی لم یُعیّن له اسماً بعد: - ناولونی ولدی هذا زیداً - قاصداً به تسمیة ولده بزید، فقبل الاستعمال لا یکون المستعمل فیه موضوعاً له، و بنفس الاستعمال یصیر معنی حقیقیاً للفظ.

و بالجملة: (لمّا کانت) دعوی الوضع التعیینی هنا فی غایة الإشکال، إذ لو کان لبان، لعدم کونه من الأُمور التی أُخفیت لدواعٍ، و عدم کونه من قبیل عدم الوجدان لا یدل علی عدم الوجود (ادعی) المصنف (قده) إمکانه بالنحو الثانی أی بنفس الاستعمال.

(2). یعنی: حین قصد إنشاء الوضع بنفس الاستعمال.

(3). أی: نصب القرینة إنّما هو للدلالة علی قصد الوضع بهذا الاستعمال.

(4). فإنّ القرینة فیه تکون علی إرادة المعنی المجازی، لأنّ اللفظ لا یدل علیه إلاّ مع القرینة الصارفة له عن المعنی الحقیقی.

فافهم (1). و کون (2) استعمال اللفظ فیه -


(1). لعله إشارة إلی امتناع الوضع التعیینی بنفس الاستعمال، لاستلزامه اجتماع الضدین، و ذلک لأنّ الوضع یقتضی تصور اللفظ استقلالا، و الاستعمال الّذی حقیقته إفناء اللفظ فی المعنی یقتضی تصور اللفظ مرآتاً، فقصد إنشاء الوضع بنفس الاستعمال یستلزم الجمع بین لحاظی الاستقلالیة و الآلیة، و هو ممتنع لتضاد اللحاظین

«-»

.

(2). هذا إشکال علی إنشاء الوضع بهذا النحو، و حاصله: أنّه یلزم أن لا یکون هذا الاستعمال حقیقیاً و لا مجازیاً، إذ (الأول) عبارة عن استعمال اللفظ فیما وضع له، و هو یقتضی سبق الوضع علی الاستعمال، و المفروض إنشاء الوضع بنفس هذا الاستعمال، فلا یکون هذا الاستعمال بحقیقی. و (الثانی) عبارة عن الاستعمال فی غیر ما وضع له مع العلاقة المعتبرة بین المعنی الحقیقی و المجازی، و هذه العلاقة مفقودة هنا، فلیس هذا الاستعمال مجازیاً أیضا، فلا یصح مثله. (-). هذا واضح بناءً علی أنّ المراد بالاستعمال المحقق للوضع إفناء اللفظ فی معناه، و أمّا بناءً علی کون المراد به إلقاء اللفظ بقصد إیجاد العلقة بینه و بین المعنی مع نصب قرینة علی کونه بصدد إیجاد تلک العلقة - و هی الوضع - و هذا إنشاء للوضع بالفعل - کإنشاء التملیک بالمعاطاة - فلا بأس به و لا محذور فیه و بالجملة: فلیس هذا من باب الاستعمال المنقسم إلی الحقیقی و المجازی، و لذا اعترف المصنف (قده) بأنّ عدم کونه حقیقیاً و لا مجازیاً غیر ضائر. فالإشکال علیه بأنّ إنشاء الوضع بنفس الاستعمال یستلزم اجتماع اللحاظین المتضادین غیر ظاهر، هذا. مضافاً إلی أنّه - علی فرض غلطیة هذا الاستعمال - لا وجه لمنع إنشاء الوضع به، لتحقق العلقة الوضعیّة به قهراً من دون إناطة بشی‏ء، کاللحن غیر المغیر للمعنی فی إنشاء العقود، فإنّه غیر مانع عن إنشائها.

کذلک (1) فی غیر ما وضع له بلا مراعاة ما اعتبر فی المجاز، فلا یکون بحقیقة و لا مجاز غیر (2) ضائر بعد ما کان مما یقبله الطبع و لا یستنکره، و قد عرفت سابقاً (3) أنّه فی الاستعمالات الشائعة فی المحاورات ما لیس بحقیقة و لا مجاز (4).

إذا عرفت هذا (5) فدعوی الوضع التعیینی فی الألفاظ المتداولة فی لسان الشارع هکذا (6) قریبة جداً

«-»

و مدعی القطع به غیر مجازف قطعاً

«--»


(1). یعنی: کون استعمال اللفظ فی غیر الموضوع له کاستعماله فی الموضوع له فی قصد الحکایة عنه بنفس اللفظ مجرداً عن القرینة.

(2). خبر قوله «و کون»، و هذا دفع الإشکال، و حاصله: أنّ عدم کون الاستعمال حقیقیاً و لا مجازیاً لیس من اللوازم الباطلة، لما تقدم فی الأمر الرابع من أنّ العبرة فی صحة الاستعمال باستحسان الطبع له، و مع استحسانه له لا مانع منه و لو لم یکن شی‏ء من العلائق المعتبرة فی المجاز موجوداً، فلا وجه لحصر الاستعمال فی الحقیقی و المجازی، و إلاّ لم یصح استعمال اللفظ فی النوع أو الصنف أو المثل، لعدم کونه حقیقیاً کما هو واضح، و لا مجازیاً لعدم العلاقة.

(3). أی: فی الأمر الرابع.

(4). کاستعمال اللفظ فی نوعه أو صنفه أو مثله کما تقدم.

(5). أی: التمهید الّذی تعرض له فی صدر المبحث بقوله: «لا بأس بتمهید مقال».

(6). أی: وضعه بنفس الاستعمال مع القرینة علی کونه فی مقام إنشاء الوضع. (-). لم یظهر وجه وجیه لقربها، فإنّ ما أفاده من کون إنشاء الوضع بنفس الاستعمال لا یترتب علیه إلا إمکانه، و هو أعم من الوقوع، فلا یرتفع الشک فی ثبوت الحقیقة الشرعیة بهذه الدعوی.

(--). لم یظهر منشأ لهذا القطع، و مجرد عدم برهان علی خلافه لا یصلح لأن یکون موجباً للقطع بوقوعه.

و یدل علیه (1) تبادر المعانی الشرعیة منها فی محاوراته. و یؤید ذلک (2) -


(1). أی: علی الوضع التعیینی الحاصل بنفس الاستعمال علی النحو المتقدم فی الألفاظ المتداولة فی لسان الشارع، و حاصله: أنّ انسباق المعانی الشرعیة من تلک الألفاظ علامة الحقیقة

«-»

.

(2). أی: الوضع التعیینی المتحقق بنفس الاستعمال، و محصل وجه التأیید هو: أنّ استعمال الشارع لتلک الألفاظ فی المعانی الشرعیة لو کان علی نحو المجاز لزم أن یکون ذلک مع العلاقة بینها و بین معانیها اللغویة، و هی مفقودة، إذ العلاقة التی یمکن فرضها فی المقام هی: علاقة الکل و الجزء، حیث إنّ الصلاة بمعناها الشرعی تشتمل علی الدعاء الّذی هو معناها اللغوی، و هی مشروطة بشرطین:

(الأول) کون المرکب حقیقیاً.

و (الثانی) کون الجزء رکناً، بأن یکون مما ینتفی بانتفائه الکل کالرقبة، و کلاهما مفقود فی المقام. أمّا الأوّل فواضح. و أمّا الثانی فلعدم کون الدعاء جزءاً رئیسیاً للصلاة، فعلاقة الکل و الجزء المصحِّحة للاستعمال مجازاً مفقودة.

ثم إنّه (قده) جعل هذا مؤیِّداً لا دلیلاً، لاحتمال کفایة استحسان الطبع فی صحة الاستعمال، و عدم الحاجة إلی العلائق المذکورة فی کتب القوم. (-). إنْ أُرید به التبادر فی زماننا فلا إشکال فیه، لکن الثابت به هو الحقیقة فی الجملة، و ذلک لا یجدی، لأنّ المقصود هو صیرورة الألفاظ حقیقة فی المعانی الشرعیة فی زمان الشارع، و هذا لا یثبت بالتبادر عندنا، و إنّما یثبت بالتبادر فی زمان الشارع، و ذلک أوّل الکلام، و استصحاب القهقری‏ معارَض بأصالة عدم النقل عن المعانی اللغویة، فالتبادر یُثبت الحقیقة المتشرعیة دون الشرعیة، و هو خلاف المقصود.

أنّه ربما لا یکون علاقة معتبرة بین المعانی الشرعیة و اللغویة، فأیّ علاقة بین الصلاة شرعاً و الصلاة بمعنی الدعاء (1)، و مجرد اشتمال الصلاة علی الدعاء لا یوجب ثبوت ما یعتبر من علاقة الجزء و الکل بینهما (2) کما لا یخفی (3)، هذا (4) کله بناءً علی کون معانیها مستحدثة فی شرعنا. و أمّا بناءً علی کونها ثابتة فی الشرائع السابقة کما هو قضیة غیر واحدة من الآیات، مثل قوله تعالی: «کتب علیکم الصیام کما کتب... إلخ» و قوله تعالی: «و أذّن فی الناس بالحج»، و قوله تعالی: «و أوصانی بالصلاة و الزکاة ما دمت حیاً» إلی غیر ذلک، فألفاظها (5) حقائق لغویة لا شرعیة (6)، و اختلاف الشرائع (7) فیها -


(1). الّذی هو معنی الصلاة لغة.

(2). یعنی: بین المعنیین اللغوی و الشرعی للصلاة.

(3). لفقدان الشرطین المعتبرین فی علاقة الکل و الجزء فی الصلاة، کما مر.

(4). أی: للنزاع فی ثبوت الحقیقة الشرعیة و عدمه - بناءً علی کون المعانی الشرعیة مستحدثة فی شرعنا - مجال واسع، و أمّا بناءً علی وجودها فی الشرائع السابقة - کما هو مقتضی غیر واحدة من الآیات الشریفة - فلا مجال للنزاع فی ثبوتها فیها، لأنّ تلک الألفاظ علی هذا لم تستعمل فی شرعنا إلاّ فی المعانی التی کانت ألفاظ العبادات مستعملة فیها فی الشرائع السالفة، فلیست هذه المعانی مما اخترعها الشارع حتی یقال: إنّ استعماله لها هل کان علی نحو الحقیقة، بأنّ وضع تلک الألفاظ لهذه المعانی أم علی نحو المجاز؟.

(5). أی: ألفاظ العبادات.

(6). لعدم اختراع الشارع لتلک المعانی، بل استعملها فی المعانی التی کانت فی الشرائع الماضیة.

(7). إشارة إلی توهم و دفع، أمّا التوهم، فحاصله: أنّه کیف یمکن أن

جزءاً و شرطاً لا یوجب اختلافها فی الحقیقة و الماهیة، إذ لعله کان من قبیل ---تکون معانی ألفاظ العبادات من الصلاة و الزکاة و غیرهما فی الشرائع السابقة و فی شریعتنا واحدة، مع الاختلاف الفاحش بینهما فی الأجزاء و الشرائط؟ فهذا الاختلاف یکشف عن اختلاف المعانی، فتکون معانی ألفاظ العبادات فی تلک الشرائع متغایرة لمعانیها فی شریعتنا، فیبقی للنزاع فی ثبوت الحقیقة الشرعیة مجال.

و أمّا الدفع - و هو الّذی أشار إلیه بقوله: «إذ لعله کان... إلخ» فملخصه: أنّ هذا الاختلاف لا یکشف عن التغایر المذکور، إذ یمکن أن یکون هذا الاختلاف بحسب المصداق لا الماهیة، کما إذا فرض أنّ الصلاة لغة هی ما یوجب القرب إلیه سبحانه و تعالی، فإنّ اختلاف مصادیقه بحسب الشرائع لا یوجب اختلافاً فی ذلک المعنی الواحد، و لا یضر بوحدته

«-»

فإنّ الاختلاف فی المصادیق بحسب (-). إذا کانت الألفاظ المستعملة فی تلک المعانی فی الشرائع السابقة هی نفس ألفاظ الصلاة و الصوم و غیرهما من الألفاظ المستعملة فیها فی شریعتنا، فدعوی اتحاد الماهیة و کون الاختلاف فی المصادیق حینئذٍ قریبة جداً. (و أمّا إذا کانت) الألفاظ المستعملة فی الشرائع السابقة غیر الألفاظ المستعملة فی شریعتنا، و لم تکن هذه الألفاظ فی القرآن المجید إلاّ حاکیة عن وجود هذه المعانی فی تلک الشرائع من دون دلالتها علی کون الألفاظ المستعملة فیها هی هذه الألفاظ المتداولة فی شریعتنا، بل المقطوع به مغایرة لغاتهم للغة العربیة، (فللنزاع) فی ثبوت الحقیقة الشرعیة حینئذٍ مجال، لأنّ التسمیة بهذه الأسامی العربیة تکون من الشارع، لکن فی بعض الروایات أنّ سلیمان بن داود علیه السلام کان یتکلم مع زوجاته و ندمائه و فی الحروب باللغات المختلفة، و کان یسمی العبادات بالألفاظ العربیة المتداولة عندنا، بل و کذلک غیره من الأنبیاء علیهم السلام، فلاحظ.

الاختلاف فی المصادیق و المحقِّقات، کاختلافها (1) بحسب الحالات فی شرعنا کما لا یخفی. ثم لا یذهب علیک أنّه مع هذا الاحتمال (2) لا مجال لدعوی الوثوق فضلا عن القطع بکونها (3) حقائق شرعیة، و لا (4) لتوهم دلالة الوجوه التی ذکروها علی ثبوتها (5) لو سلم دلالتها (6) علی الثبوت لولاه (7)، و منه (8) -حالات المکلف موجود فی شرعنا أیضا، فکما لا یقدح اختلافها فی شرعنا فی وحدة الماهیة، فکذلک لا یضرّ اختلافها بوحدتها بحسب الشرائع السابقة أیضا، فلا یبقی حینئذٍ مجال للقول بثبوت الحقیقة الشرعیة.


(1). أی: اختلاف المعانی.

(2). أی: احتمال کون المعانی لغویة، و أنّ الاختلاف یکون فی المصادیق، و قد ذهب - الباقلانی - إلی هذا الاحتمال الّذی لا یبقی معه مجال لدعوی الوثوق فضلاً عن القطع بکون ألفاظ العبادات حقائق شرعیة.

(3). أی: یکون ألفاظ العبادات.

(4). یعنی: و لا مجال أیضا لتوهم دلالة الوجوه التی أقاموها علی ثبوت الحقیقة الشرعیة، فإنّها - بعد تسلیم دلالتها فی أنفسها علی ثبوتها - لا یمکن الاستناد إلیها فی إثباتها أیضا، و ذلک لفرض وجود الاحتمال المزبور، و هو کون المعانی حقائق لغویة، و قد اشتهر: إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.

(5). أی: ثبوت الحقیقة الشرعیة.

(6). أی: دلالة تلک الوجوه علی ثبوت الحقیقة الشرعیة، یشیر بهذه العبارة إلی کون دلالتها فی أنفسها مخدوشة.

(7). أی: لو لا هذا الاحتمال، یعنی: أنّ تلک الوجوه لو فرض دلالتها علی ثبوت الحقیقة الشرعیة، فلا یمکن الاستدلال بها لأجل هذا الاحتمال.

(8). یعنی: و من هذا الاحتمال، و ضمیر - معه - راجع إلیه أیضا.

انقدح حال دعوی الوضع التعیّنی معه (1)، و مع الغض عنه (2) فالإنصاف أنّ منع حصوله (3) فی زمان الشارع فی لسانه و لسان تابعیه مکابرة، نعم (4) حصوله فی خصوص لسانه ممنوع، فتأمل (5)، و أمّا الثمرة بین القولین (6) -


(1). أی: مع هذا الاحتمال، فإنّه لا یبقی‏ حینئذٍ وثوق بالوضع التعیینی.

(2). أی: عن هذا الاحتمال.

(3). أی: الوضع التعیّنی، فإنّ کثرة استعمال ألفاظ العبادات فی المعانی الشرعیة توجب الوضع التعینی فی زمان الشارع، و إنکاره مکابرة، فنفی الوضع بنحو السلب الکلی غیر سدید، بل الوضع التعینی بنحو الإیجاب الجزئی ثابت.

(4). هذا استدراک علی ثبوت الوضع التعینی فی زمانه مطلقاً حتی فی لسانه صلّی اللَّه علیه و آله بالخصوص، یعنی: أنّ الوضع التعینی فی خصوص لسانه صلّی اللَّه علیه و آله لم یثبت و إن ثبت فی لسان غیره من تابعیه سواء أ کان صحابیاً أم غیره، و إذا شک فی ثبوته فی لسانه صلّی اللَّه علیه و آله فأصالة عدم النقل تنفیه.

(5). لعله إشارة إلی: أنّ منع الوضع التعینی فی لسانه صلّی اللَّه علیه و آله مع طول زمان استعماله صلّی اللَّه علیه و آله لألفاظ العبادات فی هذه المعانی الشرعیة خصوصاً لفظ - الصلاة - فی غایة البعد. أو إلی: أنّ منع الوضع فی لسانه صلّی اللَّه علیه و آله ینافی ما أفاده من قُرب دعوی الوضع التعیینی فی لسانه صلّی اللَّه علیه و آله، و أنّ المدعی للقطع بها غیر مجازف.

(6). أی: القول بثبوت الحقیقة الشرعیة و القول بعدمه، و تقریب الثمرة:

أنّه علی القول بعدم ثبوتها یلزم حمل الألفاظ الواقعة فی کلام الشارع المجردة عن القرائن علی معانیها اللغویة، و علی القول بثبوتها فإنْ عُلم تأخر الاستعمال عن زمان الوضع سواء کان تعیینیاً أم تعینیاً یلزم حملها علی المعانی الشرعیة، و ان شک فی تاریخه و أنّه هل کان قبل وضع هذه الألفاظ للمعانی الشرعیة أم

فتظهر فی لزوم حمل الألفاظ الواقعة فی کلام الشارع بلا قرینة علی معانیها اللغویة - مع عدم الثبوت - و علی معانیها الشرعیة علی الثبوت فیما إذا عُلم تأخر الاستعمال (1)، و فیما إذا جهل التاریخ (2) ففیه إشکال (3)، و أصالة (4) تأخر --بعده؟ فهل تحمل علی المعانی اللغویة، لأصالة تأخر الوضع عن الاستعمال، أو أصالة عدم النقل إلی زمان استعمالها، أم تحمل علی المعانی الشرعیة، لأصالة تأخّر الاستعمال عن الوضع؟ فیه إشکال سیأتی.


(1). أی: تأخر الاستعمال عن النقل إلی المعانی الشرعیة.

(2). أی: تاریخ الاستعمال، و أنّه هل کان قبل النقل إلی المعانی الشرعیة لتحمل علی المعانی اللغویة، أم بعده لتحمل علی المعانی الشرعیة؟.

(3). من أصالتی تأخر الوضع و عدم النقل إلی زمان استعمالها، فتحمل علی المعانی اللغویة، و من أصالة تأخر الاستعمال عن الوضع، فتحمل علی المعانی الشرعیة، کما مر آنفاً.

(4). غرضه: عدم جواز حملها علی المعانی الشرعیة اعتماداً علی أصالة تأخر الاستعمال، لوجهین:

الأول: أنّها معارضة بأصالة تأخر الوضع الموجبة لحمل الألفاظ علی المعانی اللغویة.

الثانی: أنّه مع الغض عن المعارضة المذکورة لا دلیل علی اعتبار أصالة تأخر الحادث فی نفسها أصلا، إذ لو أُرید بها الاستصحاب الشرعی بأن یستصحب عدم الاستعمال إلی زمان الوضع، ففیه: أنّه یکون مثبتاً، و ذلک لأنّ وصف تأخر الحادث - و هو تأخر الاستعمال عن الوضعِ - لازم عقلی للمستصحب، و هو عدم تحقق الاستعمال إلی زمان الوضع، و المفروض: أنّ الأثر - و هو الحمل علی

الاستعمال مع معارضتها بأصالة تأخر الوضع لا دلیل علی اعتبارها تعبداً إلاّ علی القول بالأصل المثبت، و لم یثبت بناء من العقلاء علی التأخر مع الشک (1)، و أصالة عدم النقل (2) إنّما کانت معتبرة فی ما إذا شک فی أصل النقل، لا فی تأخره، -المعانی الشرعیة - لا یترتب علی نفس المستصحب، بل علی لازمه العقلی، و هو تأخر الاستعمال عن الوضع، و قد قرر فی محله عدم حجیة الأصل المثبت، و لو أُرید بها الأصل العقلائی أی بناؤهم علی ترتیب آثار التأخر عن الحادث الّذی شک فی تقدمه و تأخره، فان ثبت هذا البناء منهم فلا کلام، و الا فلا وجه لاعتباره، و الشک فی اعتباره کافٍ فی القطع بعدم الثبوت.


(1). فعلی هذا لا یمکن حمل تلک الألفاظ الواقعة فی کلام الشارع علی المعانی الشرعیة مع الشک فی تقدم استعمالها علی نقلها عن المعانی اللغویة إلی الشرعیة، و تأخره عنه.

(2). غرضه: تضعیف احتمال حمل الألفاظ علی معانیها اللغویة اعتماداً علی أصالة عدم النقل مع الشک فی تقدم استعمال الشارع لها علی الوضع و تأخره عنه، بأن یقال: إنّه یشک فی نقل الألفاظ عن معانیها إلی المعانی الشرعیة قبل هذا الاستعمال أو بعده، فیستصحب عدم النقل فتحمل علی معانیها اللغویة.

وجه الضعف: أنّ أصالة عدم النقل لم یثبت اعتبارها إلاّ فی أصل النقل بمعنی أنّه إذا شک فی نقل لفظ عن معناه إلی معنی آخر، فحینئذٍ یجری فیه الأصل، و أمّا إذا علم بالنقل و شک فی تاریخه، فلم یثبت اعتبار أصالة عدم النقل فیه، و المفروض فی المقام هو الجهل بتاریخ النقل لا بأصله

«-»

فیعامل مع تلک الألفاظ معاملة المجمل. (-). الظاهر عدم الفرق فی حجیة أصالة عدم النقل بین الشک فی أصل النقل و تاریخه، فسقوطها إنّما هو للمعارضة، لا لعدم حجیتها فی الجهل بتاریخ النقل.

فتأمل (1).

(العاشر)

اشارة

أنّه وقع الخلاف فی أنّ ألفاظ العبادات أسامٍ لخصوص الصحیحة أو الأعم منها؟

و قبل الخوض فی ذکر أدلة القولین یذکر أُمور:

(منها)

أنّه لا شبهة فی تأتی الخلاف علی القول بثبوت الحقیقة الشرعیة (2) و فی جریانه (3) علی القول بالعدم (4) إشکال (5)، و غایة ما یمکن أن یقال فی تصویره (6) -


(1). لعله إشارة إلی أنّه لا فرق فی اعتبار أصالة عدم النقل بین الجهل بأصل النقل، و بین الجهل بتاریخه مع العلم بأصله. أو إشارة إلی سقوط الثمرة المذکورة، لما عن بعض المتتبعین من العلم بکون هذه المعانی الشرعیة مرادة للشارع فی جمیع الاستعمالات، سواء أ کان استعمالها قبل النقل أم بعده، فلا یبقی مورد للشک فی المراد الاستعمالی من هذه الألفاظ حتی تترتب علیه هذه الثمرة.

(2). لوضوح صحة أن یقال: إنّ ألفاظ العبادات هل وضعها الشارع لخصوص الماهیات الصحیحة أم لما یعمّ الفاسدة؟ و هذا الخلاف لا ینافی مطلوبیة خصوص الصحیحة شرعاً، لأنّ النزاع هنا فی التسمیة لا فی متعلق الأمر الشرعی.

(3). أی: فی جریان الخلاف.

(4). أی: عدم ثبوت الحقیقة الشرعیة.

(5). لاعتراف الأعمی - لو ثبت لدیه أنّ الشارع استعملها مجازاً فی الأعم - بصحة استعمالها مجازاً فی الصحیحة أیضا، و اعتراف الصحیحی - أیضا لو ثبت لدیه أنّه استعملها مجازاً فی الصحیح - بصحة الاستعمال المجازی فی الفاسدة أیضا، فلا یتصور حینئذٍ بینهما نزاع، و لکن مع ذلک قیل بإمکان تصویره.

(6). أی: تصویر الخلاف، توضیحه: أنّ المنسوب إلی شیخنا الأعظم الأنصاری قدس سره فی تقریب النزاع - بناءً علی عدم ثبوت الحقیقة الشرعیة - هو:

أنّ النزاع وقع علی هذا (1) فی أنّ الأصل فی هذه الألفاظ المستعملة مجازاً فی کلام الشارع هو استعمالها فی خصوص الصحیحة أو الأعم، بمعنی أنّ أیّهما (2) قد اعتبرت العلاقة بینه و بین المعانی اللغویة ابتداء، و قد استعمل فی الآخر بتبعه و مناسبته؟، کی ینزل کلامه علیه مع القرینة الصارفة عن المعانی اللغویة و عدم قرینة أُخری معینة للآخر (3)، و أنت خبیر بأنّه لا یکاد یصح هذا (4) إلا إذا -أنّ العلاقة المجازیة هل اعتبرت ابتداءً بین المعانی اللغویة و بین المعانی الشرعیة الصحیحة، ثم استعملت ألفاظ العبادات فیما یعم الفاسدة بالتبع و المناسبة لیکون من قبیل سبک مجاز فی مجاز؟، أم اعتبرت ابتداءً بینها و بین المعانی الشرعیة الجامعة بین الصحیحة و الفاسدة؟ فعلی الأوّل تحمل الألفاظ مع القرینة الصارفة عن المعانی اللغویة و عدم قرینة معینة لأحد المعنیین علی الصحیحة، و علی الثانی تحمل کذلک علی الأعم.


(1). أی: علی القول بعدم ثبوت الحقیقة الشرعیة، فنزاع الصحیح و الأعم یجری علی کل من القول بثبوت الحقیقة الشرعیة و عدمه.

(2). یعنی: أیّاً من الصحیح و الأعم، فانْ لوحظت العلاقة بین المعنی اللغوی و بین الصحیح، فاستعمالها فی الأعم محتاج إلی مئونة زائدة، و ان لوحظت بینه و بین الأعم، فاستعماله فی الصحیح کذلک.

(3). یعنی: عدم قرینة معیِّنة للمعنی الآخر الّذی لم یلاحظ العلاقة ابتداءً بینه و بین المعنی اللغوی، و هذه القرینة غیر القرینة الصارفة عن المعنی اللغوی.

(4). أی: هذا التصویر، فإنّه و إن کان بحسب الثبوت ممکناً، لکنه لا یُجدی فی مقام الإثبات حتی تحمل الألفاظ علی أحد المعنیین بالخصوص، بل لا بد فی ترتیب الأثر المقصود - و هو: حمل الألفاظ علی خصوص أحد المعنیین - من

علم أنّ العلاقة إنّما اعتبرت کذلک (1)، و أنّ بناء الشارع فی محاوراته استقر عند عدم نصب قرینة أُخری (2) علی إرادته (3) بحیث کان هذا (4) قرینة علیه من غیر حاجة إلی قرینة معینة أُخری (5)، و أنّی لهم بإثبات ذلک (6).

و قد انقدح بما ذکرنا (7) تصویر النزاع علی ما نُسب إلی -العلم بوقوع هذا التصویر لا مجرد إمکانه، فما أفاده الشیخ (قده) من التصویر المزبور یجدی فی مقام الثبوت دون الإثبات.


(1). یعنی: بین خصوص الصحیح أو خصوص الأعم و بین المعنی اللغوی.

(2). یعنی: غیر القرینة الصارفة.

(3). أی: إرادة أحد المعنیین بالخصوص الّذی اعتبرت العلاقة ابتداءً بینه و بین المعنی اللغوی، فقوله: «علی إرادته» متعلق ب - استقر -، و ضمیر - إرادته - راجع إلی أحد المعنیین.

(4). یعنی: هذا البناء الّذی قد استقر عنده صلّی اللَّه علیه و آله.

(5). الأولی تقدیم - أخری - علی - معینة -، کما لا یخفی.

(6). أی: إثبات هذا البناء من الشارع، حاصله: أنّه لا دلیل لهؤلاء علی إثبات البناء المذکور من الشارع لیکون مستنداً لهذا التصویر فی مقام الإثبات، و مجرد إمکانه ثبوتاً لا یسوِّغ المصیر إلیه إثباتاً. هذا تمام الکلام فی تصویر النزاع علی القول بعدم ثبوت الحقیقة الشرعیة، و أنّ استعمال ألفاظ العبادات فی المعانی المخترعة مجاز.

(7). یعنی: من تصویر النزاع علی القول بعدم الحقیقة الشرعیة ظهر

«-»

. (-). لم یظهر مما تقدم إلاّ تصویر النزاع فی نفس ألفاظ العبادات بناءً علی إنکار الحقیقة الشرعیة، و البناء علی کون استعمالها فی الماهیات المخترعة مجازاً،

الباقلانی (1)، و ذلک بأن یکون النزاع فی أنّ قضیة القرینة المضبوطة التی لا یتعدی عنها إلا بالأُخری (2). -


(1). من أنّ ألفاظ العبادات لم تستعمل فی المعانی الشرعیة، بل استعملت فی معانیها اللغویة، و أنّ المعانی الشرعیة أُریدت بالقرائن من قبیل تعدُّد الدال و المدلول، بأن استعمل الشارع لفظ الصلاة فی معناه اللغوی، و أراد الخصوصیات التی اعتبرها فی متعلق الأمر بها من دوال أُخری، بیان ذلک: أنّ النزاع کما یتصور بناءً علی نفی الحقیقة الشرعیة، و کون الاستعمال فی المعانی المخترعة مجازاً کذلک یتصور بناءً علی مذهب الباقلانی، غایة الأمر: أنّ مرکز النزاع حینئذٍ هو القرائن الدالة علی المعانی الشرعیة، لا نفس الألفاظ المستعملة فی الماهیات المخترعة مجازاً - بناءً علی إنکار الحقیقة الشرعیة - بأن یقال: إنّ القرینة الدالة علی الخصوصیات الزائدة علی المعنی اللغوی هل تدل علی الخصوصیات الصحیحة أم الأعم منها؟ فمحل النزاع تلک القرائن لا نفس ألفاظ العبادات.

(2). یعنی بالقرینة الأُخری الدالة علی خلاف ما تدل علیه تلک القرینة، کما إذا فرض دلالة القرینة الأُولی علی خصوص الصحیح، فإنّه لا یعدل عنها إلی إرادة الأعم إلا بقرینة أُخری دالة علیه. ___=============== و أمّا تصویره فی القرائن الدالة علی الأمور الزائدة التی اعتبرها الشارع فی معنی الصلاة لغة - کما هو مذهب الباقلانی - فلم یظهر مما تقدم، إلاّ أن یکون مراده (قدس سره) مثل التصویر المتقدم فی نفس ألفاظ العبادات، و هو و ان کان صحیحاً لکنه خارج عن مورد البحث، فإنّ مورد النزاع فی بحث الصحیح و الأعم هی ألفاظ العبادات دون غیرها. مضافاً إلی أنّه مجرد فرض ممکن، و لا دلیل علی وقوعه، فالأولی تحریر النزاع علی القول بثبوت الحقیقة الشرعیة فقط.

الدالة (1) علی أجزاء المأمور به و شرائطه هو تمام الأجزاء و الشرائط (2)، أو هما (3) فی الجملة، فلا تغفل.

(و منها)

أنّ الظاهر أنّ الصحة عند الکل بمعنی واحد و هو التمامیة (4)، و تفسیرها بإسقاط القضاء کما عن الفقهاء أو بموافقة الشریعة کما عن المتکلمین أو غیر ذلک إنّما هو بالمهم من -


(1). صفة لقوله: «القرینة المضبوطة».

(2). و هو معنی الصحیح حتی تختص بالصحیحة.

(3). أی: الأجزاء و الشرائط فی الجملة، و هو معنی الأعم من الفاسد حتی یثبت کونها للأعم.

(4). غرضه: التنبیه علی عدم اختلاف فی معنی الصحة، و أنّ اختلاف التعبیرات عنها لا یرجع إلی اختلاف فی مفهومها، بل لمّا کانت الأغراض مختلفة عبّر کلٌّ عن الصحة بلازمها الموافق لغرضه، و الاختلاف فی التعبیر عن اللازم لا یوجب اختلافاً فی الملزوم، فنقول: إنّ الصحة معناها التمامیة، لکن لمّا کان غرض الفقیه البحث عن حال فعل المکلف الّذی هو موضوع علمه عرّف الصحة بإسقاط القضاء أو الإعادة أو نظائرهما. (و لمّا کان) غرض المتکلم البحث عما یرجع إلی المبدأ و صفاته و أفعاله التی منها أوامره و نواهیه، و موافقتها الموجبة لاستحقاق المثوبة و مخالفتها الموجبة لاستحقاق العقوبة (عرّف) الصحة بموافقة الأمر أو الشریعة، و هکذا عرّفها کلٌّ بما یوافق غرضه، و من المعلوم: أنّ التمامیة التی هی معنی الصحة تستلزم سقوط القضاء و الإعادة، و موافقة الأمر أو الشریعة.

و بالجملة: فالصحة عند الکل بمعنی واحد و هو التمامیة من حیث الأجزاء و الشرائط، لا من حیث الأجزاء فقط کما عن الوحید البهبهانی (قده).

لوازمها (1)، لوضوح -


(1). أی: من لوازم الصحة

«-»

. (-). مع وحدة معناها. ثم إنّ النسبة بین لازمیها - و هما إسقاط القضاء و موافقة الأمر - عموم من وجه، لاجتماعهما فی صلاة المختار، فإنّها - لموافقتها للشریعة و إسقاطها القضاء - یترتب علیها هذان الأثران، و تفارقهما فی الصلاة الجهریة التی أخفت فیها جهلاً بالحکم، أو الإخفاتیة التی أجهر فیها کذلک، فإنّها صحیحة عند الفقیه، لکونها مسقطة للقضاء، و فاسدة عند المتکلم، لعدم موافقتها للأمر، و لذا قیل باستحقاق العقوبة علی ترک الجهر أو الإخفات جهلا، و کذا الإتمام فی موضع القصر کذلک، و فی الصلوات العذریة المحرزة شرائطها بالأمارات الشرعیة أو الأصول العملیة، کإتیان الصلاة إلی الجهة التی شهدت البینة بکون القبلة فیها، أو إتیانها فی لباس شهدت البینة بطهارته، أو بعدم کونه من الحریر للرجل أو مما لا یؤکل، أو إتیان الصلاة باستصحاب الطهارة الحدثیة مع انکشاف الخلاف، فإنّ الصلاة فی هذه الموارد موافقة للأمر و الشریعة، نظراً إلی وجود الأمر الظاهری فیها، و لیست مسقطة فی بعض تلک الموارد للقضاء. و بالجملة: فقد یترتب علی الصحة أثران، و قد یترتب علیها أثر واحد، و مع ذلک لا یختلف معناها و هو التمامیة. ثم لا یخفی انّ الفساد فی العبادات بناءً علی وضعهإ؛چ‏چ‏للَّه‏للَّه؛ للصحیح غیر الفساد فی الأعیان الخارجیة کالبطیخ و الرمان و غیرهما، و ذلک لأنّ الفساد فی الماهیات المخترعة مساوق لعدمها، لعدم انطباق المسمی بالصلاة مثلا علی فاقد جزء أو شرط حقیقة، و هذا بخلاف البطیخ و أمثاله، فإنّ عنوانها صادق علی الفاسد حقیقة، کصدقه کذلک علی الصحیح. و بالجملة: فالناقص جزءاً أو شرطاً من الماهیات المخترعة لیس من أفرادها حقیقة، فمرادهم بالفساد عدم انطباق المأمور به علی المأتی به الکاشف عن عدم فردیة الفاسد للطبیعی المأمور به.

اختلافه (1) بحسب اختلاف الأنظار، و هذا (2) لا یوجب تعدّد المعنی، کما لا یوجبه (3) اختلافها بحسب الحالات من السفر و الحضر و الاختیار و الاضطرار إلی غیر ذلک، کما لا یخفی (4). و منه (5) ینقدح أنّ الصحة و الفساد أمران إضافیان، فیختلف شی‏ء واحد صحة و فساداً بحسب الحالات، فیکون تاماً بحسب حالة و فاسداً بحسب أُخری (6)، فتدبر جیداً.

(و منها)

أنّه لا بد (7) علی کلا القولین من قدر جامع فی البین کان هو -


(1). أی: اختلاف المهم من لوازم الصحة بحسب اختلاف الأنظار، کما مر آنفاً.

(2). أی: و هذا الاختلاف لا یوجب تعدد معنی الصحة.

(3). أی: کما لا یوجب تعدد معنی الصحة اختلافها بحسب حالات المکلف کالسفر و الحضر، فإنّ صلاة المسافر غیر صلاة الحاضر، و الأُولی صحیحة بالنسبة إلی المسافر و باطلة فی حق الحاضر، و کذا الاختیار و الاضطرار، فإنّ الصلاة مع الطهارة الترابیة صحیحة للمضطر، و فاسدة للمختار.

(4). فإنّ هذه الاختلافات ترجع إلی الاختلاف فی المصادیق، لا إلی الاختلاف فی المفهوم أعنی التمامیة التی هی معنی الصحة.

(5). أی: و من اتحاد معنی الصحة عند الکل و اختلافه بحسب اختلاف حالات المکلف.

(6). فإنّ الصلاة عن جلوس صحیحة للعاجز عن القیام، و فاسدة للقادر علیه، فالصحة و الفساد من الأُمور الإضافیة المختلفة بحسب الحالات، و لیستا من الأمور الحقیقیة غیر المختلفة بحسبها.

(7). وجه اللابدیة هو: التسالم علی عدم کون وضع ألفاظ العبادات من

المسمی بلفظ کذا (1)، و لا إشکال فی وجوده بین الأفراد الصحیحة و إمکان الإشارة إلیه بخواصه و آثاره (2)، فإنّ الاشتراک فی الأثر کاشف عن الاشتراک فی جامع واحد (3) یؤثر الکل -قبیل وضع المشترک اللفظی، بأن تکون موضوعة لکل فرد من أفراد المعانی بوضع علی حدة، بل المسلم بینهم أنّها من قبیل المشترک المعنوی، و أنّ صدق - الصلاة - مثلا علی الأفراد إنّما هو من باب انطباق الکلی علی أفراده، فلا بد من قدر جامع بین الافراد یکون هو المسمی بلفظ الصلاة مثلا، فتکون نتیجة ذلک أنّ ألفاظ العبادات حینئذٍ من باب الوضع العام و الموضوع له العام سواء أقلنا بوضعها للصحیح أم للأعم، و الشاهد علی هذه النتیجة هو: نزاعهم فی تصویر الجامع علی کلا القولین لیکون ذلک الجامع الکلی موضوعاً له، فإنّ ظاهره التسالم علی عمومیة الموضوع له و اختصاص نزاعهم فی تعیینه و عنوانه.


(1). بأن یقال: الموضوع له للفظ الصلاة مثلا هو ذلک الکلّی.

(2). بحیث تکون الخواصّ و الآثار المذکورة فی الروایات عناوین مشیرة إلی معنون واحد یکون جامعاً بین الأفراد و إن لم نعرفه بعینه، لأنّ معرفته بشخصه لا دخل لها فی مؤثریته.

(3). بناءً علی قاعدة عدم إمکان صدور الواحد إلا عن الواحد، و امتناع صدور معلول واحد عن علل متعددة، و حیث إنّ الأثر المترتب علی الصلاة بما لها من الأفراد المتعددة واحد، فلا بد أن یکون المؤثر فیه أیضا واحداً، إذ لو کان الأثر الوحدانیّ مستنداً إلی خصوصیة کل فرد لزم تأثیر العلل المتعددة فی معلول واحد، و هو ممتنع حسب الفرض، فلا بد من کون المؤثر واحداً، و هو الجامع المنطبق علی جمیع الأفراد الصحیحة

«-»

. (-). قد أُورد علی هذه القاعدة بأنّ موردها هو: ما إذا کان الأثر

فیه (1) بذلک الجامع، فیصح تصویر المسمی بلفظ الصلاة مثلا بالناهیة عن الفحشاء و ما هو معراج المؤمن و نحوهما . و (2)الإشکال فیه (3) بأنّ الجامع لا یکاد -


(1). أی: فی ذلک الأثر الوحدانیّ، کالنهی عن الفحشاء.

(2). مثل «ما هو خیر موضوع» و قربان کل تقی‏ و غیرهما ممّا جُعل اسماً لذلک الجامع الذاتی الّذی به یؤثّر جمیع أفراده فی ذلک الأثر الوحدانیّ.

(3). أی: فی هذا التصویر، ثم إنّ هذا الإشکال قد حُکی عن تقریرات بحث شیخنا الأعظم الأنصاری (قده)، و حاصله: أنّ هذا الجامع المفروض بین الأفراد الصحیحة إمّا مرکب و إمّا بسیط، و لا یصح الالتزام بشی‏ء منهما، ضرورة أنّه إن کان مرکّباً فلا ینطبق علی جمیع الأفراد الصحیحة المختلفة زیادة و نقصاً بحسب حالات المکلف، مثلا إذا فرض کون ذلک الجامع أربع رکعات فهی صحیحة بالنسبة إلی أفراد صلاة الحاضر و فاسدة بالنسبة إلی أفراد صلاة المسافر، و کذا الحال بالنسبة إلی الصلوات الاضطراریة، فإنّ القیام جزءٌ لصلاة القادر علیه و لیس جزءاً لصلاة العاجز عنه، فإذا کانت أجزاء الصلاة تسعة مثلا تکون للعاجز عن القیام ثمانیة، فأیُّ مرکّب یکون جامعاً بین جمیع الأفراد الصحیحة فی تمام حالات المکلف بحیث ینطبق بوزان واحد علی کل من الفاقد و الواجد. _=============== واحداً شخصیاً، دون ما إذا کان واحداً نوعیاً کالنهی عن الفحشاء و غیره المترتب علی الصلاة، فإنّ لهذا الأثر و غیره مراتب متفاوتة بالشدة و الضعف، و لیس واحداً شخصیاً حتی یلزم وجود جامع بین عللها، کالحرارة المختلفة عللها من الشمس و النار و الحرکة، فقاعدة عدم صدور الواحد إلاّ عن الواحد أجنبیة عن المقام، و لو سُلِّم جریان هذه القاعدة فی الواحد النوعیّ أیضا فإنّما هو فیما إذا کان المؤثر علة تامة لا مُعدّاً کالمقام، فإنّ العبادات مُعدّات لآثارها لا علل تامة.

یکون أمراً مرکباً، إذ کل ما فرض جامعاً یمکن أن یکون صحیحاً و فاسداً لما عرفت (1). و لا أمراً بسیطاً، لأنّه لا یخلو إمّا أن یکون هو عنوان المطلوب - (1). من کون الصحة و الفساد أمرین إضافیین مختلفین بحسب اختلاف حالات المکلف، هذا کله إذا کان الجامع مرکباً. و ان کان بسیطاً فلا یخلو إمّا أن یکون هو عنوان المطلوب، أو ملزوماً مساویاً له کعنوان المحبوب أو ذی المصلحة أو نحوهما. و کلاهما غیر ممکن، أمّا (الأول) فلما یرد علیه من إشکالات ثلاثة: أحدها: أنّه غیر معقول، لأنّ هذا الجامع الّذی هو عنوان المطلوب المسمی بالصلاة مثلا إنّما یتحقق بتعلق الأمر و الطلب به، و بهذا الاعتبار یکون متأخراً رتبة عن الطلب، و حیث إنّ الطلب یتعلق به فهو موضوع للطلب، و الموضوع مقدم رتبة علی الحکم، فبهذا الاعتبار یکون متقدماً رتبة علی الطلب.

و نتیجة هذا التقریب: أن یکون عنوان المطلوب حین کونه متأخراً متقدّماً، و هو المقصود بما ذکرناه من عدم المعقولیة، لکونه مستلزماً للدور.

ثانیها: أنّه یستلزم أن یکون لفظ الصلاة مثلا و لفظ المطلوب مترادفین، و لازم ترادفهما صحة استعمال کل منهما موضع الآخر، کما فی لفظی - البشر - و - الإنسان - و غیرهما من الألفاظ المترادفة، فلا بد حینئذٍ من صحة استعمال لفظ المطلوب مکان الصلاة و بالعکس، مع عدم التزامهم بذلک، فهذا کاشف عن عدم کون الموضوع له عنوان المطلوب.

ثالثها: أنّ لازم هذا العنوان البسیط الجامع بین الأفراد الصحیحة عدم جریان البراءة إذا شک فی جزئیة شی‏ء أو شرطیته للعبادة، لکون الشک حینئذٍ فی المحصِّل، إذ لا إجمال فی المأمور به و هو العنوان البسیط، و قد قرر فی محله عدم جریان البراءة فی المحصل، فینسد باب البراءة فی العبادات، و ینفتح فیها باب الاحتیاط، و هذا خلاف ما اشتهر بینهم من جریان البراءة فی العبادات.

أو ملزوماً مساویاً له، و الأوّل (1) غیر معقول، لبداهة استحالة أخذ ما لا یأتی إلاّ من قبل الطلب فی متعلقه، مع (2) لزوم الترادف بین لفظة الصلاة و المطلوب، و عدم (3) جریان البراءة مع الشک فی أجزاء العبادات و شرائطها، لعدم الإجمال حینئذٍ (4) فی المأمور به فیها (5)، و إنّما الإجمال فیما یتحقق به (6)، و فی مثله لا مجال لها (7) کما حقق فی محله، مع أنّ المشهور القائلین بالصحیح قائلون بها (8) فی الشک فیها، و بهذا (9) یشکل لو کان البسیط هو ملزوم المطلوب -


(1). و هو کون الجامع عنوان المطلوب.

(2). إشارة إلی الإشکال الثانی و هو الترادف.

(3). معطوف علی - الترادف - و هو إشارة إلی الإشکال الثالث أعنی انسداد باب البراءة فی العبادات.

(4). أی: حین کون المسمی عنوان المطلوب، و قوله: «لعدم» تعلیل لعدم جریان البراءة، و قد تقدم تقریبه آنفاً.

(5). أی: فی العبادات.

(6). أی: فیما یتحقق به المأمور به، و هو المحصِّل.

(7). أی: للبراءة، لکون الشک فی محقق المأمور به و محصِّله، لا نفسه.

(8). أی: البراءة، فإنّهم قائلون بها فی الشک فی العبادات.

(9). أی: و بعدم جریان البراءة فی العبادات یشکل لو کان الجامع البسیط ملزوم المطلوب أیضا کعنوان المحبوب، لکون الشک فیه فی المحصِّل أیضا، لا نفس المأمور به

«-»

. (-). لا یخفی: أنّ إشکال الترادف أیضا وارد علی فرض کون الجامع ملزوم المطلوب. و یمکن أن یقال بعدم لزوم المحذور المذکور من عدم جریان البراءة فی

أیضا (1) مدفوع (2) بأنّ الجامع إنّما هو مفهوم واحد منتزع (3) عن هذه -


(1). یعنی: کورود هذا الإشکال علی ما إذا کان الجامع البسیط هو عنوان المطلوب.

(2). خبر لقوله: «و الإشکال» و دفع له، و حاصله: أنّا نختار الشق الثانی - و هو: کون الجامع ملزوماً مساویاً للمطلوب - من الشق الثانی - و هو:

کون الجامع بسیطاً لا مرکباً - من دون أن یترتب علیه محذور انسداد البراءة فی العبادات. توضیحه: أنّ المأمور به (تارة) یکون ممتازاً عن محصّله بحیث لا یتحدان وجوداً، نظیر تغایر وجود المسبب لوجود سببه، کالطهارة الحدثیة، فإنّها - بناءً علی کونها حالة نفسانیة - مغایرة وجوداً لأسبابها من الغسل و الوضوء و نحوهما، و حینئذٍ فإذا شک فی دخل شی‏ءٍ جزءاً أو شرطاً فی أسباب الطهارة جرت فیه قاعدة الاشتغال دون البراءة. (و أُخری) یکون متحداً مع محصّله وجوداً کاتحاد الطبیعی مع أفراده، حیث إنّه لا وجود له إلاّ بوجود أفراده، ففی هذه الصورة لمّا کان المأمور به متحداً مع محصله، فالشک لا محالة یرجع إلی الشک فی دخل شی‏ءٍ فی نفس المأمور به، فتجری فیه البراءة، فالجامع حینئذٍ هو ما یتحد مع الأفراد المختلفة زیادة و نقصاً، کصلاة الحاضر و المسافر و الصلوات الاضطراریة بمراتبها.

(3). قد ظهر مما ذکرنا: أنّه لیس المراد بالمنتزع معناه المصطلح، و هو ما لا وجود له لنفسه و إنّما الوجود لمنشإ انتزاعه. أجزاء العبادات و شرائطها و ان کان خلاف المشهور، و ذلک لکفایة الإطلاقات المقامیة فی دفع الشک فی الجزئیة و الشرطیة فیها، و معها لا تصل النوبة إلی الأصل العملی، کما لا یخفی.

المرکبات المختلفة زیادة و نقیصة بحسب اختلاف الحالات متحد (1) معها نحو اتحاد (2)، و فی مثله (3) یجری البراءة، و إنّما لا تجری فیما إذا کان المأمور به أمراً واحداً خارجیاً مسبباً عن مرکب مردد بین الأقل و الأکثر کالطهارة المسببة عن الغسل و الوضوء فیما إذا شک فی أجزائهما، هذا علی الصحیح (4). و أمّا علی الأعم، فتصویر الجامع فی غایة الإشکال (5)، و ما قیل فی تصویره أو یقال وجوه: -


(1). صفة ل - مفهوم - و ضمیر - معها - راجع إلی المرکبات.

(2). و هو اتحاد الکلی مع أفراده.

(3). أی: و فی مثل المتحد مع الافراد تجری البراءة، فلا یتوجه قولکم: «بعدم جریان البراءة مع الشک فی أجزائها و شرائطها... إلخ»، لأنّ مورد عدم جریانها هو: صورة تعدد وجود السبب و المسبب و امتیازهما وجوداً، لا فی مثل المقام مما یتحد المحصِّل مع المأمور به وجوداً، فإنّ الفرد لیس مقدمة للکلی حتی یکون الشک فی طریق الامتثال کی تجری فیه قاعدة الاشتغال، بل هو عین الکلی، فیکون الشک فی نفس المأمور به، و هو مجری البراءة.

(4). أی هذا الّذی ذکرناه إنّما هو علی القول بوضع ألفاظ العبادات لخصوص الصحیحة.

(5). بل غیر معقول، لعدم تعقل دخل الزیادة و النقص فی الجامع، فإنّه ان کان للزائد دخل فی الجامع امتنع أن یکون الناقص فرداً له، و لمّا کان المفروض انطباق الجامع علی الواجد و الفاقد معاً کان ذلک ممتنعاً، لکونه من اجتماع النقیضین، لأنّ مرجعه حینئذٍ إلی دخل الزائد و عدم دخله فی الجامع، فیلزم أن یکون ماهیة واحدة زائدة و ناقصة، و أن یتردّد جنس شی‏ء أو فصله بین شیئین، مع امتناع التردد فی ذاتیات الشی‏ء و دخل الزائد فی الفرد بحیث یکون من

(أحدها) (1): أن یکون عبارة عن جملة من أجزاء العبادة کالأرکان فی الصلاة مثلا، و کان الزائد علیها معتبراً فی المأمور به لا فی المسمی (2).

و فیه ما لا یخفی، فإنّ التسمیة بها حقیقة لا تدور مدارها (3)، ضرورة صدق خصوصیاته و لا یکون دخیلا فی الجامع خلاف الفرض، إذ المبحوث عنه هو المسمی، أعنی الموضوع له المنطبق بهویته علی مصادیقه

«-»

.


(1). حکی هذا التصویر عن المحقق القمی (قده) بتفاوت یسیر، و حاصله:

أنّ الصلاة مثلا اسم لجملة خاصة - کالأرکان - من أجزاء الماهیة المخترعة الشرعیة، فإنّ تلک الجملة جامعة بین الأفراد الصحیحة و الفاسدة، و سائر الأجزاء و الشرائط معتبرة فی المأمور به، فانتفاؤها لغیر عذر یوجب انتفاء المأمور به، لا المسمی الّذی هو المبحوث عنه، و الأرکان موجودة فی جمیع الأفراد صحیحة کانت أم فاسدة.

(2). و هو الموضوع له مع الغض عن کونه مأموراً به.

(3). أی: مدار الأرکان، و ملخص ما أفاده من الإشکال علی هذا التصویر یرجع إلی وجهین:

أحدهما: أنّ لازم کون الصلاة اسماً للأرکان عدم صدقها علی فاقد بعضها (-). مضافاً إلی أنّه یلزم أن یکون استعماله فی الزائد مجازاً، إذ المفروض خروج الزیادة عن المسمی، فیلغو حکمة الوضع، و أمارات الحقیقة کلها مفقودة، بل أمارة المجاز - و هی: صحة سلب الصلاة عن الأرکان الفاقدة لجمیع ما عداها من الاجزاء و الشرائط - موجودة، فلا سبیل إلی استکشاف کون المسمی مجرد الأرکان، لعدم أثر للفاسد حتی یجری فیه البرهان المتقدم فی استکشاف الجامع بین الأفراد الصحیحة.

الصلاة مع الإخلال ببعض الأرکان، بل و عدم الصدق علیها مع (1) الإخلال بسائر الأجزاء و الشرائط عند الأعمی، مع أنّه (2) یلزم أن یکون الاستعمال فیما هو المأمور به بأجزائه و شرائطه مجازاً -کالقیام المتصل بالرکوع، و صدقها علی واجد الأرکان و فاقد جمیع ما عداها، و کلا اللازمین باطل. أمّا الأوّل، فلعدم کون هذا الجامع حینئذٍ منعکساً، لوضوح مصداقیة فاقد بعض الأرکان بل کلها - کصلاة الغریق - للصلاة، فلا یکون هذا الجامع منعکساً. و أمّا الثانی، فلعدم کونه مطّرداً، لوضوح عدم صدق الصلاة علی مجرد الأرکان مع فقدان تمام ما عداها من الأجزاء و الشرائط، و من المعلوم أنّ مقتضی کون المسمی خصوص الأرکان صدق الصلاة علیه، فلا یکون هذا الجامع مطرداً أیضا. و بالجملة: فتخلفه عنها وجوداً و عدماً یکشف عن عدم کون المسمی خصوص الأرکان.


(1). أی: علی الأرکان، فعدم صدق الصلاة علیها مع الإخلال بغیرها یدل علی بطلان هذا القول.

(2). هذا ثانی وجهی الإشکال علی هذا التصویر، و حاصله: لزوم لغویة الوضع، حیث إنّ المستعمل فیه - أعنی المأمور به - غیر المسمی الّذی وضع له اللفظ، إذ المفروض أنّ الموضوع له خصوص الأرکان، و المأمور به هو المجموع منها و من غیرهإ؛خ‏خ‏للَّه‏للَّه؛ من الأجزاء و الشرائط، فاستعمال اللفظ فی هذا المجموع مجاز من باب استعمال اللفظ الموضوع للجزء فی الکل، و لیس من باب إطلاق الکلی علی الفرد کما هو المقصود فی المقام، لعدم کون المجموع فرداً لخصوص الأرکان بعد وضوح مباینتها لسائر الأجزاء و الشرائط، فکیف تنطبق الأرکان علیها انطباق الکلیات علی أفرادها؟، بل من إطلاق الجزء علی الکل.

عنده (1)، و کان من باب استعمال اللفظ الموضوع للجزء فی الکل، لا من باب إطلاق الکلی علی الفرد و الجزئی کما هو واضح، و لا یلتزم به (2) القائل بالأعم فافهم (3).

(ثانیها) (4): أن تکون موضوعة لمعظم الأجزاء التی تدور مدارها التسمیة عرفاً، فصدق الاسم کذلک (5) یکشف عن وجود المسمی، و عدم صدقه عن -


(1). أی: عند الأعمی، لأنّه کالصحیحی یرید بالجامع ما ینطبق علی الصلوات، کسائر الکلیات.

(2). أی: یکون الاستعمال مجازاً، بل الأعمی مدعٍ لکون الاستعمال فی المأمور به حقیقة.

(3). لعله إشارة إلی: أنّ المجازیة إنّما تلزم بناءً علی کون الأرکان مقیدة بعدم انضمام شی‏ء معها هی المسماة، و أمّا إذا کانت لا بشرط، فتکون منطبقة علی الصلاة المأمور بها، کانطباق المطلق علی المقید، فتأمل.

(4). حاصله: أنّ الموضوع له هو معظم الأجزاء سواء أ کانت هی الأرکان أم غیرها أم المرکب منهما، فصدق الصلاة مثلا و عدمه یدوران مدار وجود ذلک المعظم و عدمه. و منه یظهر الفرق بین هذا الوجه و سابقه، لابتناء هذا الوجه علی الصدق العرفی المنوط بوجود المعظم، بخلاف الوجه المتقدم، لکون المسمی فیه جملة خاصة من الأجزاء من دون إناطة بالمعظم الّذی یناط به الصدق العرفی، فلا ینفک الصدق العرفی عن المعظم، و لذا لا یرد علی هذا الوجه الإشکال الأوّل الّذی أورده المصنف (قده) علی الوجه السابق من عدم الاطراد و الانعکاس.

(5). أی: عرفاً.

عدمه. و فیه مضافاً إلی ما أُورد علی الأول أخیراً (1) أنّه (2) علیه یتبادل ما هو المعتبر فی المسمی، فکان شی‏ء واحد داخلا فیه تارة و خارجاً عنه أُخری، بل (3) مردداً بین أن یکون هو الخارج أو غیره عند اجتماع تمام الأجزاء، و هو -


(1). قد أورد علی هذا الوجه بوجوه:

الأوّل: ما أشار إلیه بقوله: «مضافاً»، و حاصله: أنّ الإشکال الأخیر الوارد علی الوجه الأوّل جار هنا أیضا، إذ یلزم أن یکون استعمال اللفظ الموضوع لجملة خاصة من الأجزاء فی المأمور به الجامع لتلک الجملة و غیرها مجازاً بعلاقة الکل و الجزء، و أن لا یکون إطلاق الصلاة مثلا علی المأمور به من باب إطلاق الکلی علی الفرد الّذی هو مطلوب الأعمی من فرض الجامع.

(2). هذا هو الإشکال الثانی، و حاصله: عدم تعیّن الجامع و تردده بین أُمور، فإنّ المعظم الّذی فرض کونه المسمی یکون فی صلاة المختار هو النیة و التکبیرة و الرکوع و السجود و القیام و التشهد مثلا، و فی صلاة العاجز عن القیام هی تلک الأُمور مجردة عن القیام، فقد یکون معظم الأجزاء ستة، و قد یکون أکثر، فشی‏ءٌ واحد تارة یکون داخلا فی المعظم الّذی هو المسمی، و أُخری یکون خارجاً عنه، و المفروض صدق لفظ الصلاة علی المعظم مطلقاً، فلا یعلم أنّ التشهد مثلا داخل فی المعظم، أو خارج عنه و أنّ المعظم مرکّب من غیره.

و بالجملة: فیصیر المسمی بسبب التبادل و التردد مجهولا، لاختلاف المعظم بحسب حالات المکلف.

(3). هذا إشکال ثالث علی التصویر المزبور، و حاصله: أنّه یلزم أن یتردد شی‏ء واحد بین دخله فی المسمی و عدم دخله فیه، فلا یعلم حینئذٍ أنّ المعظم مرکّب منه و من غیره، أو من غیره فقط و هو أجنبی عن المعظم، و ذلک کالقیام أو

کما تری (1)، سیما إذا لوحظ هذا (2) مع ما علیه العبادات من الاختلاف الفاحش بحسب الحالات.

(ثالثها) أن یکون وضعها کوضع الاعلام الشخصیة - کزید - (3) القراءة مثلا عند اجتماع تمام الأجزاء و الشرائط - کما فی صلاة المختار -، و هذا الإشکال غیر الإشکال المتقدم، لأنّ ما قبله ناظر إلی العلم بدخل شی‏ءٍ واحد فی المسمی بحسب حالة و عدم دخله فیه بحسب أُخری، و هذا ناظر إلی الجهل بالمعظم فیما إذا اجتمعت الأجزاء و الشرائط.


(1). لأنّ التردد و الجهل خلاف حکمة الوضع و هی إفهام الأغراض، فإنّ تعین الموضوع له و العلم به معتبر فی إفهامها.

(2). أی: التبادل، یعنی: أنّ إشکال التردد مما لا محیص عنه - بناءً علی اختلاف حالات المکلف الموجبة لاختلاف الصلاة کمّاً و کیفاً - و مع هذا الاختلاف تتغیر ذاتیات المسمی الّذی هو الجامع بین الأفراد، مع أنّ الذاتیات لا تتغیر و لا تتبدل.

(3). توضیحه: أنّه یمکن أن یکون وضع ألفاظ العبادات کوضع الاعلام الشخصیة فی عدم قدح تبادل الحالات فی التسمیة، فکما أنّ - زیداً - مثلاً إذا وضع لشخص لا یقدح فی تسمیته به تبادل حالاته المختلفة کصغره و کبره و فقره و غناه و صحته و مرضه و غیر ذلک من الحالات المتبادلة، فکذلک ألفاظ العبادات بالنسبة إلی مسمیاتها، فیکون المسمی بلفظ الصلاة مثلا کالمسمی بلفظ - زید - فکما لم یقدح اختلاف حالات مسماه فی تسمیته به کذلک لا یقدح اختلاف مسمی الصلاة بحسب اختلاف حالات المکلف من السفر و الحضر و القدرة و العجز و نحوها فی تسمیته بها فی عدم قدح اختلاف الصلاة بحسب اختلاف حالات المکلف من السفر و الحضر و الصحة و المرض و غیر ذلک فی التسمیة.

فکما لا یضر فی التسمیة فیها (1) تبادل الحالات المختلفة من الصغر و الکبر و نقص بعض الأجزاء و زیادته کذلک فیها (2). و فیه: أنّ الأعلام إنّما تکون موضوعة للأشخاص (3)، و التشخص إنّما یکون بالوجود الخاصّ، و یکون الشخص حقیقة -


(1). أی: فی الأعلام الشخصیة.

(2). یعنی: کذلک لا یضرّ تبادل الحالات بالتسمیة فی العبادات.

(3). حاصله: أنّ قیاس وضع ألفاظ العبادات بوضع الأعلام الشخصیة قیاس مع الفارق، و ذلک لأنّ الموضوع له فی العلم الشخصی - کزید - مثلا هو الحصة الخاصة من الطبیعة المتشخصة بوجودها الخاصّ، فما دام هذا الوجود الخاصّ باقیاً یصدق علیه - زید - و إن تغیرت العوارض الطارئة علیه من حیث الکم کالصغر و الکبر، أو الکیف کالبیاض و نحوهما، أو الأین مثل کونه فی مکان کذا، أو الوضع إلی غیر ذلک، لأنّ هذه العوارض إنّما تطرأ علی وجود واحد، و هی أمارات التشخص و لیست نفسه، فکما لا یضرّ طروُّ هذه العوارض و اختلافها بتشخصه، لخروجها عن المسمی و الموضوع له، کذلک لا یضرّ بالتسمیة. و هذا بخلاف ألفاظ العبادات، فإنّها موضوعة لنفس المرکبات المؤلّفة من الأشیاء المختلفة کمّاً و کیفاً بحسب اختلاف حالات المکلف، فإنّک لا تجد ما یکون جامعاً بین جمیع الأفراد الصحیحة المختلفة زیادة و نقصاً، فضلا عن أن یکون جامعاً بین الأفراد الصحیحة و الفاسدة. ففرق واضح بین الأعلام الشخصیة و بین ألفاظ العبادات، فإنّ الأعلام وُضعت للوجود الخاصّ المحفوظ بین العوارض، و لذا لا یختلف المسمی بتبدل الحالات. و ألفاظ العبادات وضعت للمرکبات، و لا جامع بینها، إذ لا أثر للفاسد حتی یستکشف منه الجامع بین الأفراد الصحیحة و الفاسدة.

باقیاً ما دام وجوده باقیاً و ان تغیرت عوارضه من الزیادة و النقصان و غیرهما من الحالات و الکیفیات، فکما لا یضرّ اختلافها فی التشخص لا یضرّ اختلافها فی التسمیة. و هذا (1) بخلاف مثل ألفاظ العبادات مما کانت موضوعة للمرکبات و المقیدات، و لا یکاد یکون موضوعاً له (2) إلاّ ما کان جامعاً لشتاتها و حاویاً لمتفرقاتها، کما عرفت فی الصحیح منها (3).

(رابعها) (4): أنّ ما وضعت له الألفاظ ابتداءً هو الصحیح التام الواجد -


(1). هذا بیان الفارق بین المقیس و المقیس علیه، و قد مرت تقریبه عند شرح قول المصنف - قده - -: «و فیه ان الاعلام».

(2). یعنی: و لا یکاد یکون شی‏ء موضوعاً له إلاّ ما کان جامعاً لشتات الأفراد لینطبق علیها انطباق الکلی علی مصادیقه.

(3). یعنی: فی التصویر المذکور بین الأفراد الصحیحة المستکشف بقاعدة وحدة الأثر.

(4). محصل هذا الوجه: أنّ ألفاظ العبادات وضعت ابتداءً للمعانی الصحیحة التامة الواجدة لجمیع الأجزاء و الشرائط، لکن العرف - لبنائهم علی المسامحة فی استعمال الألفاظ - أطلقوا تلک الألفاظ علی المعانی الناقصة الفاقدة لبعض الأجزاء و الشرائط تنزیلاً لها منزلة الواجد له، بمعنی ادّعائهم أنّ الموضوع له معنی جامع بین الواجد و الفاقد کما هو دیدنهم فی سائر الموارد، و لأجل هذا التنزیل و الادّعاء لا یکون إطلاقهم هذا من المجاز فی الکلمة - و هو استعمال اللفظ فی غیر ما وضع له بأن یکون من باب تسمیة الجزء باسم الکل -، بل هو حقیقة ادّعائیّة، بمعنی استعمال للفظ فی معناه الحقیقی ادعاءً، و المجاز إنّما هو فی الإسناد فقط، کما هو مذهب السکاکی فی باب الاستعارة، حیث أنکر کون المجاز فیها فی الکلمة و ادعی

لتمام الأجزاء و الشرائط، إلاّ أنّ العرف یتسامحون کما هو دیدنهم و یطلقون تلک الألفاظ علی الفاقد للبعض تنزیلاً له منزلة الواجد، فلا یکون مجازاً فی الکلمة علی ما ذهب إلیه السکاکی فی الاستعارة، بل یمکن (1) دعوی صیرورته حقیقة فیه (2) بعد الاستعمال فیه کذلک (3) دفعة أو دفعات من (4) دون حاجة إلی الکثرة و الشهرة، للأُنس (5) الحاصل من جهة المشابهة فی الصورة، أو -الحقیقة فیها، و أنّ المجاز یکون فی الإسناد بتقریب: أنّ الموضوع له معنی جامع للواجد و الفاقد، فلفظ الصلاة مثلا وضع أوّلاً لمرکب ذی عشرة أجزاء، لکن العرف أطلقوه مسامحة علی الناقص عنها بجزء أو جزءین مثلا تنزیلا له منزلة الواجد بمعنی أنّهم ادّعوا أنّ الموضوع له هو الجامع بین التام و الناقص. و هذا نظیر أسامی المعاجین الموضوعة بإزاء الواجد لتمام ما له دخل فیها ثم تطلق عرفاً علی فاقد بعض الأجزاء مسامحة تنزیلا له منزلة الواجد.


(1). غرضه: الترقی من کونها حقائق ادعائیة فی فاقد بعض الأجزاء و الشرائط علی مذهب السکاکی إلی کونها حقائق اصطلاحیة فیه بنحو الوضع التعینی بسبب الأُنس الحاصل من المشابهة فی الصورة و الأثر الموجب لانسباق الفاقد إلی الذهن کانسباق الواجد.

(2). أی: صیرورة إطلاق تلک الألفاظ علی الفاقد حقیقة فی الفاقد.

(3). یعنی: بعد الاستعمال فی الفاقد تنزیلاً له منزلة الواجد.

(4). متعلق بقوله: «صیرورته».

(5). تعلیل لعدم الحاجة إلی الکثرة و الشهرة، یعنی: أنّ الأنس الحاصل فی الوضع التعیینی بسبب کثرة الاستعمال یحصل هنا بمجرد المشابهة فی الصورة أو المشارکة فی الأثر.

المشارکة فی التأثیر، کما فی أسامی المعاجین الموضوعة ابتداءً لخصوص مرکبات واجدة لأجزاء خاصة، حیث یصح إطلاقها (1) علی الفاقد لبعض الأجزاء المشابه (2) له (3) صورة، و المشارک فی المهم أثراً تنزیلا (4) أو حقیقة (5).

و فیه (6): أنّه إنّما یتم فی مثل أسامی المعاجین و سائر المرکبات الخارجیة -


(1). أی: إطلاق أسامی المعاجین ثانیاً.

(2). نعت ل - الفاقد -.

(3). الضمیر یرجع إلی - التام - المفهوم من العبارة، فمرجعه حکمی، و إلا فالصواب تأنیث الضمیر لرجوعه إلی - مرکبات - فلاحظ.

(4). قید لإطلاقها فی قوله: «حیث یصح إطلاقها» و هو ناظر إلی الحقیقة الادعائیة.

(5). هذا ناظر إلی الحقیقة التعینیة الحاصلة هنا بکثرة الاستعمال کما مر.

(6). ملخصه: أنّ هذا أیضا قیاس مع الفارق، حیث إنّ أسماء المرکبات الخارجیة - کالمعاجین - إنّما وُضعت لخصوص التام المشتمل علی جمیع ما له دخل فیه من الأجزاء، ثم أطلقت علی غیر التام، للاشتراک فی الأثر، أو المشابهة فی الصورة، فالصحیح بنحو الإطلاق موجود فی المرکبات الخارجیة، و هو الموضوع له فیها، و هذا بخلاف العبادات التی هی مرکبات اعتباریة، إذ لا یفرض فیها صحیح علی الإطلاق، بل هو مختلف بحسب اختلاف حالات المکلف من الحضر و السفر و القدرة و العجز و غیرها، فالصلاة ذات الأربع رکعات صحیحة فی حق الحاضر و فاسدة فی حق المسافر، و الصلاة عن جلوس صحیحة فی حق العاجز عن القیام و فاسدة فی حق القادر علیه و هکذا، فلیس فی العبادات ما یکون صحیحاً مطلقاً و فی جمیع حالات المکلف لیکون هو الموضوع له أولا حتی ینسب إلیه غیره مما هو

مما یکون الموضوع له فیها ابتداءً مرکباً خاصاً، و لا یکاد یتم فی مثل العبادات التی عرفت أنّ الصحیح منها یختلف حسب اختلاف الحالات، و کون الصحیح بحسب حالة فاسداً بحسب حالة أُخری (1) کما لا یخفی، فتأمّل جیّداً (2).

(خامسها) (3): أن یکون حالها حال أسامی المقادیر و الأوزان، مثل -دونه من المراتب النازلة. و الحاصل: أنّه لا یعلم الصحیح الّذی وضع له اللفظ أوّلاً لینسب إلیه غیره من المراتب المختلفة بحسب اختلاف الحالات و العوارض.


(1). کصلاة الحاضر علی ما مرّ آنفاً، فإنّها صحیحة بالنسبة إلیه و فاسدة بالنسبة إلی المسافر.

(2). لعله إشارة إلی: أنّه - بناءً علی استعمال ألفاظ العبادات فی فاقد بعض الأجزاء و الشرائط علی وجه الحقیقة التعینیة - یلزم الاشتراک اللفظی، إذ المفروض عدم مهجوریة المعنی الحقیقی الأوّلی، و لازم الاشتراک مع فرض عدم القرینة الإجمال المنافی لإطلاق الخطاب، و هو خلاف مقصود الأعمی من التمسک بالإطلاق لرفع الشک فی الجزئیة أو الشرطیة، کما سیأتی فی بیان ثمرة النزاع.

(3). محصل هذا الوجه هو: أنّ الموضوع له فی ألفاظ العبادات کالموضوع له فی أسامی المقادیر و الأوزان، فکما أنّ الموضوع له فیها هو الجامع بین الزائد و الناقص، حیث إنّ الواضع و إن لاحظ حین الوضع مقدارا خاصا لتحدید الکر - کألف و مائتی رطل عراقی - لکن لم یضع لفظ الکر بإزاء خصوص هذا المقدار، بل وضعه للجامع بینه و بین الزائد و الناقص فی الجملة، و کذا الوزنة و الحقة و المثقال و الرطل و غیرها من أسامی الأوزان، فکذلک الموضوع له فی ألفاظ العبادات، فإنّ الشارع و إن لاحظ جمیع الأجزاء و الشرائط، لکنه لم یضع لفظ الصلاة مثلا بإزائها بالخصوص، بل وضعها بإزاء الجامع بینها

المثقال و الحقة و الوزنة إلی غیر ذلک مما لا شبهة فی کونها حقیقة فی الزائد و الناقص فی الجملة، فإنّ الواضع و إن لاحظ مقدارا خاصا، إلا أنّه لم یضع له بخصوصه، بل للأعم منه و من الزائد و الناقص، أو أنّه (1) و إن خص به (2) أوّلا، إلاّ أنّه بالاستعمال کثیرا فیهما (3) بعنایة أنّهما منه (4) قد صار حقیقة فی الأعم ثانیا (5). و فیه (6): أنّ الصحیح - کما عرفت فی الوجه السابق - یختلف -و بین الناقص فی الجملة، فیکون اللفظ حقیقة فی التام و الزائد و الناقص فی الجملة، فلا یکون إطلاق اللفظ علی الزائد و الناقص مجازا.


(1). معطوف علی - أنّه - من قوله: «إلاّ أنّه» و حاصله: أنّه و إن قلنا بوضع اللفظ أوّلا بإزاء خصوص المقدار الّذی لاحظه الواضع، لا بإزاء الجامع بینه و بین الزائد و الناقص فی الجملة، لکنه لسبب کثرة الاستعمال فی الزائد و الناقص صار اللفظ حقیقة فی الأعم

«-»

.

(2). أی: بالمقدار الخاصّ الّذی لاحظ الواضع فی مقام الوضع.

(3). أی: فی الزائد و الناقص.

(4). أی: بعنایة أنّ الزائد و الناقص من ذلک المقدار الخاصّ، و غرضه تنزیلهما منزلة المعنی الحقیقی.

(5). لکون الوضع التعینی للأعم الحاصل بکثرة الاستعمال متأخرا عن المعنی الأولی، فیکون معنی ثانویا له.

(6). هذا الإشکال هو الإشکال المتقدم فی الوجه الرابع، و حاصله: أنّ (-). الفرق بین هذا الوضع التعینی و بین الوضع التعینی فی الوجه المتقدم هو: أنّ الوضع التعینی فی الوجه السابق ناشٍ من الأُنس، و فی هذا الوجه ناشٍ من کثرة الاستعمال، لکنه لیس بفارق فی الآثار المترتبة علی الوضع التعینی.

زیادة و نقیصة، فلا یکون هناک ما یلحظ الزائد و الناقص بالقیاس إلیه کی یوضع -قیاس ألفاظ العبادات بألفاظ المقادیر و الأوزان قیاس مع الفارق أیضا، لمعلومیة التام فی المقادیر الّذی یلاحظ حین الوضع و یوضع اللفظ بإزائه بالخصوص، أو یوضع اللفظ أوّلا للجامع بین التام و الزائد و الناقص، ثم بکثرة الاستعمال فی الزائد و الناقص یصیر المعنی الحقیقی أعم منهما، و هذا بخلاف الصحیح فی العبادات، فإنّه غیر ثابت، لاختلافه باختلاف حالات المکلف، کما مر مفصلا.

فلیس فی العبادات تام فی جمیع الحالات حتی یضاف إلیه الزائد و الناقص، فیوضع اللفظ للأعم أو لخصوص ذلک الصحیح، ثم یصیر اللفظ بکثرة الاستعمال فی الأعم حقیقة فیه

«-»

. (-). لا یخفی أنّه حینئذٍ یصیر مشترکا لفظیا، لفرض عدم مهجوریة المعنی الحقیقی الأوّل، و بدون القرینة المعینة للمراد یصیر اللفظ مجملا، و هذا ینافی غرض الأعمّی من التمسک بإطلاق الخطاب لدفع الشک فی الجزئیة و الشرطیة کما لا یخفی. ثم إنّ الحق عدم وضع أسماء الأوزان و المقادیر للأعم أوّلا أو ثانیا، بل لیس الموضوع له إلاّ خصوص المقدار الملحوظ حال الوضع، و الاستعمال فی الناقص یکون تنزیلا و عنایة، و لذا لا یُعامِل الفقهاء مع أسماء الأوزان المأخوذة موضوعا فی الخطابات الشرعیة معاملة وضعها للکم الخاصّ الملحوظ حین الوضع، سواء أ استعملت فی الزائد أو الناقص أم لم تستعمل، بل یعاملون معها معاملة وضعها للمقدار الخاصّ المحروس عن الزیادة و النقصان، و إطلاق العرف لتلک الألفاظ علی الناقص قلیلا من باب المسامحة فی التطبیق لا فی المفهوم، و الأوّل لیس بحجة قطعا کما هو ظاهر بأقل تأمل. ثم إنّ هنا تصویرات أُخر للجامع، لکنها غیر خالیة عن المناقشات، فراجع الکتب المبسوطة. و الحق أن یقال: بناء

اللفظ لما هو الأعم، فتدبر جیدا -.......... علی ثبوت الحقیقة الشرعیة للماهیات المخترعة - أنّ الموضوع له هو خصوص التام الأجزاء و الشرائط للقادر المختار، و غیر التام بدل عنه، و إطلاق لفظ - الصلاة - علیه مبنی علی عنایة، و لازم ذلک تعدد الوضع فیه، لاختلاف الصحیح المجعول للمختار، فصلاة المغرب و الصبح غیر الرباعیات، و کلُّها وظیفته.

فدعوی وضعها لصلاة الصبح تارة، و للمغرب أُخری، و للرباعیات ثالثة غیر بعیدة و لا دلیل علی منعها. و أمّا سائر الصلوات المختلفة بحسب حالات المکلف - حتی السفر - فاستعمال لفظ الصلاة فیها کان مجازا، غایته أنّه بکثرة الاستعمال صار حقیقة ثانویة، و هی غیر وضع الشارع الّذی هو المبحوث عنه.

فان قلت: کیف یمکن وضع اللفظ للصحیح المشتمل علی جمیع الأجزاء و الشرائط مع تأخر بعض شرائطها عن مقام التسمیة برتبتین، کقصد القربة لترتبه علی الأمر المتأخر عن متعلقه الّذی هو المسمی، و کالشروط الناشئة عن التزاحم، لتأخرها عن تنجز التکلیف، فیمتنع وضع ألفاظ العبادات للصحیح الواجد لجمیع الأجزاء و الشرائط.

قلت: إمکان الوضع للصحیح بهذا المعنی فی غایة الوضوح، ضرورة أنّه یکفی فی مقام التسمیة تصور المعنی فقط، و لا ریب فی إمکان تصور جمیع الأجزاء و الشرائط العرضیة و الطولیة، و وضع اللفظ بإزائها. نعم هذا الإشکال إنّما یتم فی تعلُّق الطلب بالصلاة و نحوها من العبادات بالنسبة إلی قصد القربة و نحوه مما یترتب علی الأمر، کما سیأتی فی محله إن شاء اللَّه تعالی، و لا یتم فی وضع الأسامی لها، لما تقدم من کفایة تصور المعنی الموضوع له و لحاظه فی وضع الاسم له، و أنّه لا ریب فی إمکانه.

(و منها)

(1):أنّ الظاهر أن یکون الوضع و الموضوع له فی ألفاظ العبادات عامین، و احتمال کون الموضوع له خاصا بعید جدا، لاستلزامه (2) کون استعمالها فی الجامع فی مثل «الصلاة تنهی عن الفحشاء» و «الصلاة معراج المؤمن‏» و «عمود الدین‏» و «الصوم جنة من النار» مجازا، أو منع (3) استعمالها فیه فی مثلها (4)، و کل منهما (5) بعید إلی الغایة کما لا -


(1). أی: و من الأُمور المتقدمة علی ذکر أدلة القولین.

(2). أی: لاستلزام کون الموضوع له فی ألفاظ العبادات خاصا، و هذا أحد الوجهین اللذین أُقیما علی عدم کون الموضوع له فیها خاصا، و حاصله: أنّه یلزم من کون الموضوع له فی ألفاظ العبادات خاصا صیرورة استعمال ألفاظ العبادات فی الجامع مجازا، لکونه من استعمال اللفظ فی غیر ما وضع له، و ذلک فی غایة البعد، فإنّ الالتزام بکون إطلاق الصلاة و الصوم فی مثل: - الصلاة تنهی عن الفحشاء و المنکر -، و - الصوم جنة من النار - مجازا کما تری.

(3). معطوف علی قوله: «کون» یعنی: لاستلزام الوضع للخاص مجازیة الاستعمال فی الجامع، أو منع استعمال تلک الألفاظ فی الجامع، و هذا ثانی الوجهین اللذین استدل بهما علی کون الموضوع له عاما، و محصله: منع استعمال ألفاظ العبادات فی الجامع فی مثل الأمثلة المذکورة بناء علی خصوصیة الموضوع له، و الالتزام بأنّها قد استعملت فی الأفراد لا فی الجامع بینها.

(4). أی: مثل الأمثلة المذکورة.

(5). أی: کلٌّ من المجازیة و منع الاستعمال فی الجامع و دعوی کونها مستعملة فی الخصوصیات بعیدة إلی الغایة، أمّا بُعدُ المجازیة فلاحتیاج استعمال تلک الألفاظ الموضوعة للأفراد فی الجامع إلی قرینة، و لم نعثر علیها، بل المعلوم عدم‏

یخفی علی أُولی النهایة

«-»

.

(و منها)

(1):أنّ ثمرة النزاع إجمالُ الخطاب علی القول الصحیحی، و عدم -القرینة علی استعمالها فی الجامع. و أمّا بعدُ منع استعمالها فی الجامع، فلأنّ الظاهر کون القضیة فی أمثال المقام طبیعیة، لکون الآثار من المعراجیة و نحوها مترتبة علی طبیعی الصلاة من دون لحاظ الخصوصیة من السفر و الحضر و غیرهما، فمنع استعمالها فی الجامع فی غایة البعد.


(1). أی: و من الأُمور المتقدمة علی ذکر أدلة القولین، و حاصل هذا الأمر هو: أنّ ثمرة النزاع فی هذه المسألة هی إجمال الخطاب و عدم إطلاق له علی القول بوضع ألفاظ العبادات للصحیح، لعدم إحراز المسمی مع الشک فی الجزئیة فلا یصح التمسک به لنفی الشک فی جزئیة شی‏ءٍ أو شرطیته للمأمور به، لاحتمال دخوله فی المسمی، و مع هذا الشک لا یحرز الصحیح الّذی هو موضوع الخطاب حتی یجوز التشبث به لنفی ما شک فی اعتباره فیه، بل التمسک به حینئذٍ یکون من التشبث بالدلیل فی الشبهة المصداقیة. و هذا بخلاف القول بالأعم، فإنّ موضوع الخطاب إذا لم یکن المشکوک محتمل الدخل فی المسمی بل کان محتمل الدخل فی المأمور به محرز، فلا مانع من التمسک بإطلاق الخطاب بعد اجتماع شرائط الإطلاق المعتبرة فی التشبث به فی کل مقام، و بدون اجتماعها یرجع إلی ما هو المرجع فی دوران الأمر بین الأقل و الأکثر الارتباطیین من البراءة أو الاشتغال علی الخلاف. (-). الصواب: - أولی النهی - و هو جمع نُهیة - کعقد جمع عُقدة - بمعنی العقول، لعدم ورود النهایة فی اللغة بمعنی العقل أو العقول، فلاحظ.

فالأولی لرعایة القافیة أن یقال: «أُولی الدرایة».

جواز الرجوع إلی إطلاقه فی رفع ما إذا شُکّ فی جزئیة شی‏ء للمأمور به و شرطیته أصلا، لاحتمال (1) دخوله فی المسمی کما لا یخفی، و جواز الرجوع إلیه (2) فی ذلک علی القول الأعمی فی غیر ما احتمل دخوله فیه (3) مما (4) شک فی جزئیته أو شرطیته. نعم لا بد فی الرجوع إلیه (5) فیما ذکر من کونه (6) واردا مورد البیان، کما لا بد منه (7) فی الرجوع إلی سائر المطلقات، -


(1). تعلیل للإجمال.

(2). أی: إلی إطلاق الخطاب فی الشک فی الجزئیة أو الشرطیة.

(3). یعنی: دخول الشی‏ء المشکوک فیه فی المسمی.

(4). بیان ل (ما) الموصولة فی قوله: «ما احتمل».

(5). أی: إلی الإطلاق فیما ذکر من الشک فی الجزئیة أو الشرطیة.

(6). أی: الإطلاق.

(7). أی: من کونه واردا مورد البیان. ثم إنّ قوله: «نعم لا بد...» إشارة إلی دفع توهم، أمّا التوهم، فملخصه: أنّه لا یمکن للأعمی الرجوع إلی الإطلاق أیضا کالصحیحی، لعدم الإطلاق بدعوی عدم کون المتکلم فی مقام البیان، أو دعوی الانصراف إلی خصوص الصحیح المانع عن تحقق الإطلاق، لکون الانصراف کالقرینة الحافة بالکلام مانعا عن ظهوره فی الإطلاق، هذا. و أمّا الدفع، فحاصله: أنّ کون المتکلم فی مقام البیان من شرائط التمسک بالإطلاق فی جمیع موارده من دون خصوصیة للمقام. توضیحه: أنّ التمسک بالإطلاق منوط بمقدمات:

إحداها: کون المتکلم فی مقام البیان، لا فی مقام التشریع فقط.

ثانیتها: عدم قرینة أو ما یصلح للقرینیة علی التقیید.

ثالثتها: کون الحکم متعلّقا بالطبیعة لا بحصة خاصة منها، کما هو کذلک

و بدونه (1) لا مرجع أیضا إلاّ البراءة أو الاشتغال علی الخلاف فی مسألة دوران الأمر بین الأقل و الأکثر الارتباطیین. بناء علی قول الصحیحی، لأنّ متعلق الأمر حینئذٍ خصوص الصحیح، فمع الشک فی دخل شی‏ءٍ فیه جزءا أو شرطا لا یحرز موضوع الخطاب حتی یصح التمسک بالإطلاق، فهذه المقدمة الثالثة - بناء علی وضع ألفاظ العبادات لخصوص الصحیح - مفقودة. و هذا بخلاف القول بوضعها للأعم، لتحقق موضوع الخطاب - و هو الطبیعة الجامعة بین الصحیح و الفاسد - حینئذٍ، فیصدق علیه لفظ العبادة ک - الصلاة - مثلا، فمع الشک فی الجزئیة أو الشرطیة لا بأس بالتمسک بإطلاقه، لکون الشک فی اعتبار أمر زائد علی الموضوع. فالمتحصل: أنّه لا إطلاق بناء علی الصحیح، لعدم إحراز موضوع الخطاب، فعدم الإطلاق حینئذٍ یکون من السالبة بانتفاء الموضوع، و هذا بخلاف الوضع للأعم، فإنّ الموضوع معه محرز، فمع تمامیة المقدمتین الأُولیین - و هما کون المتکلم فی مقام البیان، و عدم ما یصلح للقرینیة - یتمسک بالإطلاق

«-»

.


(1). أی: بدون کونه واردا فی مقام البیان لا بدّ من الرجوع أیضا إلی الأصل العملی و هو البراءة أو الاحتیاط. و بالجملة: فالرجوع إلی إطلاق الخطاب - بناء علی قول الأعمی - منوط باجتماع شرائط الإطلاق، و إلاّ فلا فرق فی الرجوع إلی الأصل بین القولین، لفقد الدلیل الاجتهادی حینئذٍ. (-). لا یخفی أنّ هاتین المقدمتین کافیتان فی صحة الرجوع إلی الإطلاق علی قول الصحیحی أیضا، و ذلک لأنّ الموضوع و ان کان مجملا ذاتا لکنه بالإطلاق المقامی یصیر مبیّنا عرضا. و الحاصل: أنّ الإطلاق محکَّم علی کلا القولین غایة الأمر أنّه علی الصحیح مقامی و علی الأعم لفظی، فلیس إجمال.

و قد انقدح بذلک (1) أنّ الرجوع إلی البراءة أو الاشتغال فی موارد -


(1). المشار إلیه هو ما ذکره: من أنّ شرط الرجوع إلی الإطلاق ورودُه فی مقام البیان، غرضه ردّ الثمرة التی فرّعوها علی القولین، و هی: أنّ المرجع بناء علی القول بالصحیح هو الاشتغال، و بناء علی القول بالأعم هو البراءة. محصل تقریب الرد:

أنّ مورد الأصل هو عدم الإطلاق من دون تفاوت فی ذلک بین القولین، ففی الشک فی جزئیة شی‏ءٍ أو شرطیته للمأمور به مع عدم إطلاق للدلیل یرجع إلی الأصل العملی، لکونه من صغریات الأقل و الأکثر الارتباطیین، و المرجع فیه إمّا البراءة و إمّا الاحتیاط علی الخلاف الآتی فی محله إن شاء اللَّه تعالی

«-»

. (-). لعل نظر من جعل الثمرة مرجعیة الاحتیاط علی الصحیح و البراءة علی الأعم إلی أنّه - بناء علی الصحیح - یرجع الشک فی الجزئیة و الشرطیة إلی الشک فی المحصّل، لا إلی دخل شی‏ءٍ فی نفس المأمور به لیندرج فی کبری الأقل و الأکثر بتقریب: أنّ المأمور به عنوان الصحیح و هو أمر بسیط، و محصِّله مردد بین الأقل و الأکثر، بخلاف القول بالأعم، فإنّ المردد بینهما هو نفس المأمور به، فصغرویة المقام لکبری المأمور به المردد بین الأقل و الأکثر مبنیة علی القول بالأعم، إذ علی الصحیح یندرج المقام فی الشک فی محصِّل المأمور به لا نفسه، هذا. لکن فیه أوّلا: أنّ ما نحن فیه علی کلا القولین من صغریات المأمور به المردد بین الأقل و الأکثر، لکون الشک فی نفس المأمور به لا فی محقِّقه، لما تقدم فی تصویر الجامع الّذی اختاره المصنف (قده) من أنّه متحد مع المأمور به وجودا اتحاد الطبیعی مع أفراده، و لیس وجوده مغایرا له حتی یکون الشک فی المحصل. و ثانیا: - بعد تسلیم کون الشک بناء علی الوضع للصحیح فی محقِّق المأمور به لا نفسه - أنّ المسلّم من عدم جریان البراءة فی المحصل إنّما هو المحصل

إجمال (1) الخطاب أو إهماله (2) علی القولین (3)، فلا وجه لجعل الثمرة هو الرجوع إلی البراءة علی الأعم و الاشتغال علی الصحیح، و لذا (4) ذهب المشهور إلی البراءة مع ذهابهم إلی الصحیح. و ربما قیل بظهور الثمرة فی النذر أیضا (5)، قلت و ان کان تظهر فیما لو نذر لمن یصلی إعطاء درهم فی البر (6) فیما لو أعطاه لمن صلّی -


(1). الإجمال هو قصور الدلیل بحسب الدلالة علی کیفیة تشریع الحکم علی موضوعه، کما إذا کان اللفظ مشترکا لفظیا و لم یکن فی البین قرینة معینة.

(2). الإهمال هو تشریع الحکم علی موضوعه فی الجملة مع تعلق غرض المتکلم بعدم تعرض جمیع الجهات الدخیلة فی الحکم، و قیل بالفرق بینهما بوجه آخر.

(3). أی: الصحیح و الأعم.

(4). یعنی: و لأجل عدم الوجه فی جعل ثمرة النزاع الرجوع إلی البراءة بناء علی الأعم و إلی الاحتیاط بناء علی الصحیح ذهب المشهور القائلون بالصحیح إلی البراءة.

(5). هذه هی الثمرة الثالثة، و ملخصها: أنّه إذا نذر شخص أن یعطی من یصلی درهما، فأعطی الدرهم لمن یصلّی، فعلی القول بالأعم تبرأ ذمته و ان علم بفساد صلاته، و علی القول بالصحیح لا تبرأ إلاّ إذا أحرز صحة صلاته.

(6). بالتشدید بمعنی الإطاعة و هو متعلق بقوله: «تظهر» و حاصل ما أفاده:

أنّ الثمرة و ان کانت تظهر فی البرّ و لو مع علم الناذر ببطلان الصلاة، لکنها لیست ثمرة مقصودة لبحث الصحیح و الأعم، و ذلک لأنّ ثمرة المسألة الأصولیة عبارة عما یقع کبری لقیاس استنباط الحکم الفرعی الکلی، کما تقدم فی أوائل الکتاب، ________________________________ العقلی، لفقد شرطه فیه - و هو کون المشکوک فیه من‏ المجعولات الشرعیة -، أمّا المحصِّل الشرعی - کما فی المقام - فالحق جریانها فیه، لوجود شرطه المذکور.

و لو علم بفساد صلاته، لإخلاله بما لا یعتبر فی الاسم علی الأعم، و عدم (1) البرّ علی الصحیح (2)، إلاّ أنّه لیس بثمرة لمثل هذه المسألة، لما عرفت (3) من أنّ ثمرة المسألة الأصولیة هی أن تکون نتیجتها (4) واقعة فی طریق استنباط الأحکام الفرعیة -

و هذه الثمرة لیست نتیجة تقع کبری لقیاس استنباط الحکم، إذ لا یترتب علی هذه الثمرة - بعد ضمها إلی صغری - حکم کلی، بل جواز الإعطاء و عدمه حکم فرعی یترتب علی مسألة الصحیح و الأعم، و لیس مسألة أُصولیة. مضافاً إلی أنّ حصول الوفاء بالنذر و عدمه تابعان لکیفیة نذر الناذر، فإن نذر أن یعطی درهماً للمصلّی مطلقاً و ان کانت صلاته باطلة، فلا ریب فی حصول البرّ بإعطائه و ان قلنا بوضع ألفاظ العبادات للصحیح بشرط کون النذر جامعاً لشرائط صحته التی منها رجحان متعلقة، و ان نذر ذلک لمن یصلّی صلاة صحیحة، فلا یحصل البرّ بإعطائه لمطلق المصلّی و إن قلنا بوضع ألفاظ العبادات للأعم.


(1). معطوف علی «البر»، یعنی: و ان کانت الثمرة تظهر فی حصول البر بإعطاء الدرهم للمصلّی مطلقاً و ان علم ببطلان صلاته بناءً علی الأعم، و عدم حصول البرّ بذلک بناءً علی الصحیح، لکنها لیست ثمرة للمسألة الأُصولیة.

(2). أی: بناءً علی وضع الألفاظ للصحیح.

(3). فی تعریف علم الأصول، ثم إنّ هذا تعلیل لعدم کونه ثمرة للمسألة الأُصولیة.

(4). ظاهر العبارة من حیث السیاق رجوع الضمیر إلی - ثمرة - لکنه فی غایة الغموض، لأنّه یقتضی مغایرة النتیجة للثمرة.

و مقتضی کون القواعد الأصولیة مسائل علم الأصول کما یعطیه تعریف العلم «بأنّه صناعة یعرف بها القواعد... إلخ» کحجیة خبر الواحد، و الظواهر،

فافهم (1).

و کیف کان فقد استدل للصحیحی بوجوه:

(أحدها): التبادر

، و دعوی (2) أنّ المنسبق إلی الأذهان منها هو الصحیح، و لا منافاة بین دعوی ذلک (3) و بین کون الألفاظ علی هذا القول (4) مجملات، -و الاستصحاب هو إسقاط لفظ - ثمرة -، إلاّ أن یقال: إنّ إضافة الثمرة إلی المسألة الأصولیة بیانیة، فالمراد بالثمرة نفس المسألة - و هی حجیة الخبر مثلا - و بالنتیجة الوقوع فی طریق الاستنباط بأن یقع کبری لقیاس الاستنباط، لکنه تکلّف فی العبارة، فتأمّل فیها حقه.


(1). لعله إشارة إلی دفع توهم أنّه لا بد من القول بأنّ جواز الإعطاء حکم کلّی فرعی یترتب علی مسألة الصحیح و الأعم، کترتب سائر الأحکام الکلیة الفرعیة علی نتائج المسائل الأصولیة، وجه الدفع: أنّ نتیجة المسألة الأصولیة لم تقع هنا فی طریق استنباط نفس الحکم الفرعی، بل فی طریق استنباط موضوع الحکم بجواز الإعطاء، و هو کون الإعطاء وفاءً بالنذر. إلاّ أن یقال: إنّ الموضوع المستنبط کنفس الحکم.

(2). هذا تقریب التبادر، یعنی: أنّ المنسبق إلی الأذهان من ألفاظ العبادات هو الصحیح.

(3). أی: دعوی التبادر، و غرضه من هذه العبارة الإشارة إلی توهم، و هو: أنّه کیف تصح دعوی تبادر الصحیح من ألفاظ العبادات مع کونها مجملات علی ما تقدم فی الثمرة الأولی؟ فالجمع بین تبادر الصحیح منها و بین الإجمال جمع بین المتنافیین، لمنافاة التبادر مع إجمال المفهوم.

(4). أی: قول الصحیحی.

فإنّ المنافاة (1) إنّما تکون فیما إذا لم تکن معانیها علی هذا (2) مبیّنة بوجه (3)، و قد عرفت (4) کونها (5) مبینة بغیر وجه. -


(1). إشارة إلی دفع التوهم المزبور، و حاصله: أنّ المنافاة بینهما إنّما تتحقق فیما إذا کان المجمل مجملا من جمیع الجهات بحیث لا یکون مبیّناً لا مفهوماً و لا مصداقاً، (أمّا) إذا لم یکن کذلک بأن کان مجملا من جهة - مثل کونه مشکوک الصدق و الانطباق الخارجی - و مبیناً من جهة أُخری - و هی المفهوم حیث إنّ مفاهیم ألفاظ العبادات من حیث منشئیّتها للآثار کالمعراجیة و غیرها من الفوائد و الآثار مبیّنة - (کفی‏) ذلک فی صحة دعوی التبادر

«-»

.

(2). أی: بناءً علی وضعها للصحیح.

(3). یعنی: بوجه من الوجوه.

(4). أی: فی مقام تصویر الجامع.

(5). أی: کون المعانی مبینة بغیر وجه واحد، بل بوجوه عدیدة، و هی (-). لا ینبغی الإشکال فی أصل التبادر و انسباق الصحیح، لکن الکلام فی أنّه مستند إلی نفس اللفظ و حاقّه أو إلی غیره، الظاهر هو الثانی، لأنّ المقصود بهذه الألفاظ هو ما یقوم به الغرض، و من المعلوم أنّه خصوص المعانی الصحیحة، لقیام الأغراض و الفوائد بها دون غیرها، فتکون هذه المعانی الصحیحة هی المتبادرة عند إطلاق ألفاظها، و مثل هذا التبادر لا یصلح لأن یکون أمارة علی الحقیقة - کما تقدم فی محله -، و من هنا یمکن الإشکال فی تصویر الجامع بین الأفراد الصحیحة و الفاسدة، فإنّه یحمل بهذه القرینة علی کونه خصوص ما ینطبق علی الصحیحة، فتأمّل جیّداً.

(ثانیها) صحة السلب عن الفاسد (1)

بسبب (2) الإخلال ببعض أجزائه أو شرائطه بالمداقة (3) و إن صح الإطلاق علیه بالعنایة.

(ثالثها) الأخبار

الظاهرة فی إثبات بعض الخواصّ و الآثار للمسمیات (4) مثل: (الصلاة عمود الدین‏) -اللوازم، مثل کونها ناهیة عن الفحشاء، و معراج المؤمن، و قربان کل تقی و غیرها.


(1). تقریب صحة السلب: أنّ لفظ الصلاة مثلا إن کان موضوعاً للجامع بین الصحیح و الفاسد لم یصح سلبه عن الفاسد، مع صحته قطعاً، لصحة قولنا: - صلاة الحائض مثلا لیست بصلاة - فإطلاق لفظ الصلاة علی الفاسدة لا بد أن یکون بعنایة.

(2). متعلق بالفاسد.

(3). متعلق بصحة السلب، یعنی: یصح سلب اسم - الصلاة - عن الفاسدة بالمداقة و إن لم یصح بالمسامحة، لرعایة المشابهة فی الصورة أو غیرها لما عرفت فی محله من أنّ صحة السلب و عدمها علامتان للحقیقة و المجاز إذا لوحظا بحسب الدقة و نفس الأمر، لا مطلقاً و لو بالعنایة.

(4). محصله: أنّه قد استدل علی کون ألفاظ العبادات أسامی للصحیح بطائفتین من الروایات: (الأُولی): الأخبار المثبتة لبعض الآثار و الخواصّ للمسمیات، مثل کون الصلاة عموداً للدین‏ و غیر ذلک، و «الصوم جنة من النار» إلی غیر ذلک، تقریب الاستدلال بها: أنّ الصلاة و غیرها من أسامی العبادات إن کانت موضوعة للجامع بین الصحیحة و الفاسدة لزم قیام تلک الآثار بالفاسدة أیضا، و هو خلاف الضرورة، فالمراد خصوص الصحیحة لا الأعم، لأنّ الظاهر ترتّب الآثار علی هذه العناوین من الصلاة و الصوم

أو (معراج المؤمن‏) و (الصوم جنة من النار) إلی غیر ذلک، أو نفی (1) ماهیتها و طبائعها (2) مثل: «لا صلاة إلا بفاتحة الکتاب‏» و نحوه ممّا کان ظاهراً فی نفی الحقیقة بمجرد فقد ما یعتبر فی الصحة شطراً أو شرطاً، و إرادة (3) -و غیرهما بما أنّها معانٍ لتلک الأسامی، و إلا لزم التصرف فی هذه الألفاظ بإضمار الصحیح، و إرادة الخاصّ من لفظ العام، کأن یقال: «الصلاة الصحیحة معراج المؤمن» و هکذا، و هو خلاف الأصل.


(1). معطوف علی قوله: «إثبات».

(2). هذه هی الطائفة الثانیة من الروایات التی استدل بها علی الوضع للصحیح، و حاصل تقریبه: أنّ الأخبار النافیة لتلک الماهیات و الطبائع عن الفاقد لجزءٍ أو شرط ظاهرة فی نفی الطبیعة - علی ما هو قضیة کلمة «لا» الداخلة علی اسم الجنس ک «لا صلاة إلا بطهور» و نحوه - لا نفی الصفة، فلو کانت ألفاظ العبادات موضوعة للجامع بین الصحیح و الفاسد لم یصح نفی الماهیة عن فاقد الجزء أو الشرط، بل الصحیح هو نفی الصفة - و هی الصحة - لا نفی الطبیعة، فصحة نفی الطبیعة حینئذٍ دلیل علی وضع ألفاظ العبادات لخصوص الصحیحة.

(3). هذا إشکال علی الاستدلال بالأخبار، و حاصله: أنّ الاستدلال المزبور بالطائفتین المثبتة و النافیة مبنی علی حمل الألفاظ علی المعانی الحقیقیة، و من المعلوم: أنّ الحمل علیها منوط بعدم قرینة علی إرادة خلاف الحقیقة و هی موجودة فی المقام - أعنی بها: شیوع إرادة الصحیح بالخصوص من الطائفة المثبتة، و نفی الصحة أو الکمال من الطائفة النافیة -، و هذا الشیوع یوجب شهرة الاستعمال فی نفی الصحة و الکمال، و هذه الشهرة قرینة مانعة عن إرادة الطبیعة، و معها لا تدل الطائفتان المزبورتان علی إرادة الطبیعة، فلا یتم الاستدلال بهما علی الوضع لخصوص الصحیح.

خصوص الصحیح من الطائفة الأولی (1) و نفی الصحة من الثانیة (2)، لشیوع (3) استعمال هذا الترکیب (4) فی نفی مثل الصحة أو الکمال خلاف (5) الظاهر لا یُصار إلیه مع عدم نصب قرینة علیه، بل و استعمال (6) هذا الترکیب‏ ------------------------------- (1). و هی الأخبار المثبتة للآثار، مثل - الصلاة عمود الدین‏-.

(2). و هی الأخبار النافیة ک - لا صلاة إلا بطهور-.

(3). تعلیل لإرادة نفی الصحة من الثانیة.

(4). أی: لا النافیة للجنس مع مدخولها، کلا صلاة إلا بطهور -.

(5). خبر لقوله: «و إرادة» و دفع للإشکال المزبور، و محصله: أنّ الظاهر من الأخبار المثبتة للآثار هو ثبوتها للمسمّیات و هی خصوص المعانی الصحیحة، لا أنّه أُرید منها خصوص الصحیح و إن لم یکن اللفظ موضوعاً له، و کذا الأخبار النافیة، فإنّ الظاهر من «لاء» نفی الجنس هو نفی الطبیعة، فإرادة الصحة بالخصوص من دون أن یکون ذلک موضوعاً له خلاف الظاهر، فلا محیص من دلالة الروایات علی کون الموضوع له خصوص الصحیح، لأنّ إرادة غیره تتوقف علی القرینة.

(6). غرضه: نفی منشأ توهم إرادة نفی الصفة من الأخبار النافیة، حیث إنّ نفی الصفة کان یتوهم شیوع استعمال لا النافیة للجنس فی نفی الصحة أو الکمال و یرید المصنف بقوله: «بل و استعمال هذا الترکیب» إبطال شیوع الاستعمال فی نفی الصفة، بدعوی: أنّ هذا الترکیب لا یستعمل إلاّ فی نفی الطبیعة، غایة الأمر أنّ نفی الطبیة تارة یکون علی وجه الحقیقة ک - لا صلاة إلا بطهور - و «لا رجل فی الدار»، و أُخری علی وجه المبالغة و الادعاء، ک - لا صلاة لجار المسجد إلاّ فی المسجد -، فتوهم کون استعمال هذا الترکیب شائعاً فی غیر نفی الحقیقة فاسد.

فی نفی الصفة ممکن المنع حتی فی مثل: - لا صلاة لجار المسجد إلا فی المسجد - مما یعلم أنّ المراد نفی الکمال، بدعوی (1) استعماله فی نفی الحقیقة فی مثله (2) أیضا (3) بنحوٍ من العنایة، لا علی الحقیقة، و إلاّ (4) لما دلّ علی المبالغة، فافهم (z).

(رابعها)

دعوی القطع بأنّ طریقة الواضعین و دیدنهم وضع الألفاظ للمرکبات التامة (5) -


(1). الباء للسببیة، یعنی: یمکن منع استعمال هذا الترکیب فی الصفة بسبب دعوی استعماله فی نفی الحقیقة ادّعاءً.

(2). أی: فی مثل - لا صلاة لجار المسجد - ممّا عُلم بعدم إرادة نفی الحقیقة من هذا الترکیب فیه.

(3). یعنی: کالموارد التی عُلم بإرادة نفی الحقیقة من هذا الترکیب فیها.

(4). أی: و إن لم یکن هذا الترکیب مستعملاً فی نفی الحقیقة لما دلّ علی المبالغة.

(5). محصل هذا الوجه الاعتباری هو: أنّ حکمة الوضع (لمّا کانت) إفهام الأغراض، و هی مترتبة علی التام، لأنّه منشأ الآثار و محط الأغراض (جرت) طریقة الواضعین علی وضع الألفاظ لخصوص الصحیح، و الشارع لم یتجاوز عن هذه الطریقة، بل سلک مسلکهم و وضع الألفاظ لخصوص الصحیح، إذ وضعها ================ (z). إشارة إلی: أنّ الأخبار المثبتة للآثار و إن کانت ظاهرة فی ذلک لمکان أصالة الحقیقة، و لازم ذلک کون الموضوع للأسماء هو الصحیح، ضرورة اختصاص تلک الآثار به، إلاّ أنّه لا یثبت بأصالتها کما لا یخفی، لإجرائها العقلاء فی إثبات المراد، لا فی أنّه علی نحو الحقیقة أو المجاز، فتأمّل جیّداً.

کما هو (1) قضیة الحکمة الداعیة إلیه (2)، و الحاجة (3) و ان دعت أحیاناً إلی استعمالها فی الناقص أیضا (4)، إلاّ أنّه (5) لا یقتضی أن یکون بنحو الحقیقة، بل و لو کان مسامحة تنزیلا للفاقد منزلة الواجد، و الظاهر أنّ الشارع غیر متخطٍّ عن هذه الطریقة (6). و لا یخفی أنّ هذه الدعوی (7) و ان کانت غیر بعیدة

«-»

-للجامع بین الصحیح و الفاسد ینافی الحکمة المذکورة، لعدم انفهام الصحیح تعیّنیّاً لیترتب علیه الغرض إلاّ بالقرینة، فلا بد من وضع الألفاظ للمرکبات التامة.


(1). الضمیر راجع إلی: - وضع الألفاظ -.

(2). أی: إلی الوضع، و المراد بالحکمة الداعیة إلی الوضع هو التفهیم.

(3). إشارة إلی توهم، و هو: أنّ الحاجة لا تختص باستعمالها فی الصحیح حتی یدّعی وضعها له، بل الحاجة إلی استعمالها فی الفاسد أیضا موجودة، فالداعی إلی وضعها للأعم متحقق، فدعوی وضعها للأعم غیر بعیدة.

(4). یعنی: کاستعمالها فی التام.

(5). هذا دفع التوهم المذکور، و حاصله: أنّ الحاجة المزبورة لا تقتضی کون الاستعمال فی الناقص علی وجه الحقیقة لیثبت بها الوضع للأعم، لإمکان أن یکون الاستعمال فی الناقص بالعنایة، و تنزیل الفاقد منزلة الواجد.

(6). أی: طریقة الواضعین.

(7). أی: دعوی القطع بکون طریقة الواضعین وضع الألفاظ للمرکبات التامة (-). بل بعیدة جداً، لأنّها تخرّص بالغیب، حیث إنّها موقوفة علی أُمور لم تثبت (أحدها) کون وضع ألفاظ العبادات کأسماء المرکبات الخارجیة، و قد مرّ فی تصویر الجامع فساده. (ثانیها) أن تکون حکمة الوضع منحصرة فی

إلا أنّها قابلة للمنع (1)، فتأمل. (2)

و قد استدل للأعمی أیضا بوجوه:

اشارة
(منها)

تبادر الأعم (3)،

و فیه: أنّه قد عرفت الإشکال (4) فی تصویر الجامع الّذی لا بد منه، فکیف یصح -


(1). إذ مجرد نفی البعد عن إفادته للقطع لیس موجباً للقطع الفعلی، مضافاً إلی أنّه علی تقدیر إفادة هذا الوجه الاعتباری للقطع یختص اعتباره بالقاطع دون غیره، و قد عرفت عدم انحصار حکمة الوضع بالوضع لخصوص الصحیح، فدعوی وضعها للأعم غیر مجازفة.

(2). لعلّه إشارة إلی بعض ما ذکرنا أو کله.

(3). أی: الجامع بین الصحیح و الفاسد.

(4). من أنّه کیف یتصور الجامع بین الافراد الصحیحة و الفاسدة؟ فإنّ لازمه دخل المفقود فی المسمی و عدمه، و لیس ذلک إلاّ من اجتماع النقیضین، و مع هذا الإشکال کیف تصح دعوی تبادر الأعم؟ لأنّ تبادر معنی من لفظ موقوف علی تحققه فی عالم التصور، و بدون ذلک لا یتصور التبادر. _______________________________ تفهیم الصحیح لیکون المقام کذلک، و هو ممنوع، لعدم الوجه فی انحصار حکمة الوضع فی المقیس علیه فی ذلک، و علی فرض التسلیم لم یحرز کون حکمة الوضع الشرعی فی ألفاظ العبادات ذلک، لقوة احتمال کون الغرض من التسمیة الأعم من الصحیح و إن کانت الآثار المعنویة مترتبة علی الصحیح لترتبها علی المأمور به.

(ثالثها) العلم بعدم تخطّی الشارع عن طریقة الواضعین بعد تسلیم بنائهم علی الوضع لخصوص الصحیح لتصح دعوی القطع بوضع الشارع لألفاظ العبادات للصحیح فقط، و فیه: أنّه لا سبیل إلی هذا العلم لا عقلاً و لا نقلاً.

معه (1) دعوی التبادر.

و (منها) عدم صحة السلب عن الفاسد (2)

و فیه منع، لما عرفت (3).

و (منها) صحة التقسیم إلی الصحیح و السقیم (4)،

و فیه (5) -


(1). أی: مع الإشکال المتقدم فی تصویر الجامع بین الصحیح و الفاسد.

(2). یعنی: عدم صحة سلب الصلاة بما لَها من المعنی عن الصلاة الفاسدة، فلا یصح أن یقال: الصلاة الفاسدة کصلاة الحائض لیست بصلاة، بل یصح حملها علیها، فیقال: الصلاة الفاسدة صلاة، کما یقال: الصلاة الصحیحة صلاة.

(3). فی الدلیل الثانی من أدلة الصحیحی من صحة سلب الصلاة عن الفاسدة بالمداقة و إن صح إطلاقها علیها بالمسامحة.

(4). بتقریب: أنّ الانقسام إلی الصحیح و الفاسد دلیل علی الوضع للأعم و أنّ الفاسد موضوع له أیضا، و إلاّ یلزم انقسام الشی‏ء إلی نفسه و إلی غیره، و هو باطل، للزوم اشتمال المقسم علی الأقسام، و لذا یصح حمله علیها، فیقال الاسم کلمة و الفعل کلمة، ففی المقام لو لم یکن الفاسد قسماً من الموضوع له أیضا لم یکن المقسم مشتملاً علیه، فلا یصح التقسیم، و قد عرفت صحته.

(5). حاصله: أنّ مجرد الاستعمال فی الأعم لا یشهد بالوضع له إلاّ من باب کون الأصل فی الاستعمال الحقیقة، و من المعلوم: أنّ قِوام اعتبار الأصل بعدم قیام دلیل علی خلافه، و قد عرفت الأدلة الدالة علی وضع ألفاظ العبادات لخصوص الصحیح، و معها لا وجه للتشبث بکون الأصل فی الاستعمال الحقیقة، هذا

«-»

فلا بد أن یکون الاستعمال فی الأعم بلحاظ المعنی المجازی، لا بلحاظ الموضوع له. (-). ظاهر کلام المصنف (قده) تسلیم کون الأصل فی الاستعمال الحقیقة لو لا الوجوه الدالة علی الوضع للصحیح، لکنه مبنیّ علی حجیة

أنّه إنما یشهد علی أنّها للأعم لو لم تکن هناک دلالة علی کونها (1) موضوعة للصحیح، و قد عرفتها (2)، فلا بد أن یکون التقسیم بملاحظة ما یستعمل فیه اللفظ و لو بالعنایة. (و منها) استعمال الصلاة و غیرها فی غیر واحد من الأخبار فی الفاسدة (3) کقوله علیه الصلاة و السلام: «بنی الإسلام علی الخمس: الصلاة و الزکاة و الحج و الصوم و الولایة، و لم یناد أحد بشی‏ءٍ کما نودی بالولایة، فأخذ الناس بأربع و ترکوا هذه، فلو أنّ أحداً صام نهاره و قام لیله و مات بغیر ولایة لم یقبل له صوم و لا صلاة» فإنّ (4) الأخذ بالأربع -


(1). أی: ألفاظ العبادات.

(2). أی: الدلالة علی کونها موضوعة للصحیح، فلا یشهد التقسیم إلاّ بالاستعمال فی الجامع بین الصحیح و الفاسد، و لا یشهد بالوضع للأعم أصلا.

(3). ملخص هذا الدلیل: أنّ لفظ - الصلاة - و غیره من ألفاظ العبادات قد استعمل فی غیر واحدة من الروایات فی الفاسدة، حیث إنّ الأخذ بالأربع فی الروایة الأُولی مع البناء علی اعتبار الولایة فی صحة العبادات - کما هو الحق علی ما یظهر من بعض الروایات و أفتی به جماعة من الأصحاب - یدل علی الاستعمال فی الفاسدة، لعدم تمشّی العبادة الصحیحة حینئذٍ من غیر أهل الولایة، فلا بد أن تکون ألفاظ العبادات موضوعة للأعم لیصدق أخذهم بالأربع، لوضوح عدم صدق أخذهم بها مع البناء علی الوضع للصحیح.

(4). هذا تقریب الاستدلال بالروایة علی الوضع للأعم، و قد عرفته أصالة الحقیقة مطلقا حتی مع العلم بالمراد، و الشک فی کونه حقیقة، و هو خلاف مختاره (قده)، فإنّ أصالة الحقیقة حجة فی الشک فی المراد مع العلم بالمعنی الحقیقی.

لا یکون بناءً علی بطلان عبادات تارکی الولایة إلا إذا کانت أسامی للأعم (1) و قوله علیه السّلام: «دعی الصلاة أیام أقرائک‏» ضرورة (2) أنّه لو لم یکن المراد منها الفاسدة لزم عدم صحة النهی عنها، لعدم قدرة الحائض علی الصحیحة منها. و فیه أنّ الاستعمال أعم من الحقیقة (3)، مع أنّ المراد فی الروایة الأُولی (4) -


(1). إذ لو کانت أسامی للصحیح لم یکونوا آخذین بها، لفرض فساد عباداتهم، و صریح الروایة هو أخذهم بها.

(2). هذا تقریب الاستدلال، و حاصله: أنّ الوضع للصحیح یستلزم عدم صحة النهی، إذ المفروض عدم تمشّی الصلاة الصحیحة من الحائض، فلا تقدر علیها، و من المعلوم اعتبار القدرة فی متعلق النهی کالأمر، و بدونها لا یصح النهی، فعلی القول بالوضع للصحیح یمتنع النهی، فلا بد من الوضع للأعم لیصح النهی عنها، فهذه الروایة تدل علی الوضع للأعم.

(3). إذ لم تثبت حجیة أصالة الحقیقة مطلقا و لو مع العلم بالمراد و الشک فی کونه معنی حقیقیا و إن نسب القول بحجیتها مطلقا إلی السید علم الهدی (قدس سره) فکون الأصل فی الاستعمال الحقیقة غیر ثابت، و المفروض أنّ الاستدلال مبنیّ علی ذلک.

(4). هذا الجواب مختص بالروایة الأُولی، و حاصله: منع استعمال لفظ - الصلاة - و غیرها فی تلک الروایة فی الأعم، بل قامت القرینة - و هی بناءُ الإسلام علی الخمس - علی الاستعمال فی خصوص الصحیحة، فلا وجه للاستدلال بها علی الوضع للأعم، فالجواب عن الروایة الأُولی یکون من وجهین:

أحدهما: کون الاستعمال أعم من الحقیقة، و هو مشترک بینها و بین غیرها من الروایات.

هو خصوص الصحیح، بقرینة أنّها مما بُنی علیها الإسلام، و لا ینافی ذلک (1) بطلان عبادة منکری الولایة، إذ لعل (2) أخذهم بها (3) إنّما کان بحسب اعتقادهم لا حقیقة، و ذلک (4) لا یقتضی استعمالها فی الفاسد أو الأعم، و الاستعمال فی (5) -ثانیهما منع استعمال ألفاظ العبادات فی الأعم، و هو مختص بها و لا یعم سائر الروایات.


(1). یعنی: و لا یُنافی إرادة خصوص الصحیح من العبادات المذکورة فی الروایة بطلانُ عبادة منکری الولایة، غرضه من ذلک: دفع توهم، أمّا التوهم فحاصله: أنّ دعوی إرادة خصوص الصحیح بقرینة بناء الإسلام علی الخمس تنافی أخذ الناس بالأربع، مع البناء علی بطلان عبادة تارکی الولایة، إذ لا یمکن الجمع بین إرادة خصوص الصحیح، و بین فساد عباداتهم کما لا یخفی. و أما الدفع فسیأتی.

(2). هذا دفع التوهم المذکور، و محصله: منع استعمال ألفاظ العبادات - فی روایة بناء الإسلام علی خمس - فی الأعم، بل فی خصوص الصحیح، إذ الناس أخذوا بالأربع معتقدین بصحتها، فالألفاظ لم تستعمل إلاّ فی الصحیح، غایة الأمر أنّ تارکی الولایة أخطئوا فی تطبیق الصحیح علی عباداتهم.

(3). أی: بالأربع.

(4). یعنی: و أخذهم بالأربع بحسب اعتقادهم لا یقتضی استعمال الألفاظ فی الفاسد أو الأعم حتی تثبت دعوی القائل بوضعها للأعم.

(5). حاصله: أنّ دعوی الاستعمال فی خصوص الصحیح و کون الخطأ فی مقام التطبیق لا تختص بقوله علیه السّلام فی الروایة الأُولی: «فأخذ الناس بأربع‏» بل تعم غیره مثل قوله علیه السّلام فی تلک الروایة أیضا: «فلو أنّ أحدا صام نهاره‏... إلخ»

قوله علیه السّلام: «فلو أنّ أحدا صام نهاره‏... إلخ» کان کذلک - أی بحسب اعتقادهم - أو للمشابهة (1) و المشاکلة، و فی (2) الروایة الثانیة النهی للإرشاد إلی عدم القدرة علی الصلاة، و إلاّ (3) کان الإتیان بالأرکان و سائر ما یعتبر فی الصلاة، -فإنّ صوم الفاقد للولایة و إن کان فاسدا، إلا أنّ إطلاق الصوم علیه إنّما هو لاعتقاده الصحة، فالمستعمل فیه هو الصحیح، غایة الأمر أنّه وقع الخطأ فی التطبیق کما تقدم.


(1). معطوف علی قوله: «کذلک» فیکون الاستعمال فی الفاسد مجازا بعلاقة المشابهة الصوریة، فالمتحصل: أنّ هذه الروایة لا تدل علی وضع ألفاظ العبادات للأعم.

(2). معطوف علی قوله: «فی الروایة» لکن العبارة علی هذا لا تخلو عن حزازة، إذ مقتضی هذا العطف هو أن یقال: مع أنّ المراد فی الروایة الأُولی النهی للإرشاد، و هذا کما تری، فحق العبارة أن تکون هکذا: «مع أنّ المراد فی الروایة الثانیة أیضا هو خصوص الصحیح، لأنّ النهی للإرشاد... إلخ».

و کیف کان فغرضه من ذلک: ردّ الاستدلال بالروایة الثانیة علی الوضع للأعم، بتقریب: أنّ الصلاة قد استعملت فی صلاة الحائض الفاسدة قطعا. و محصل الرد:

أنّ الصلاة لم تستعمل إلا فی الصحیحة، لأنّ النهی للإرشاد إلی مانعیة الحیض، کالنهی عن لبس ما لا یؤکل لحمه فی الصلاة فی کونه إرشادا إلی المانعیة، و من المعلوم: أنّ المانعیة ملحوظة فی الصحیحة دون الفاسدة، و لیس النهی مولویا حتی یقال: إنّ الصلاة الصحیحة مع النهی غیر مقدورة، فلا بد من إرادة الفاسدة حتی لا یلغو النهی.

(3). أی: و إن لم یکن النهی للإرشاد إلی المانعیة لَزِم من کون النهی مولویا حرمةُ الصلاة ذاتا علی الحائض، کما ذهب إلیه بعض.

بل بما یسمی فی العرف بها، و لو أخل بما لا یضر الإخلال به بالتسمیة (1) عرفا محرما علی الحائض ذاتا و إن لم تقصد به القربة (2)، و لا أظن أن یلتزم به المستدل بالروایة، فتأمّل جیّدا (3).

(و منها)

: أنّه لا شبهة فی صحة تعلق النذر و شبهه (4) بترک الصلاة فی -


(1). متعلق بقوله: «یضر» و قوله: «محرما» خبر «کان الإتیان».

(2). لامتناع قصد القربة بما یکون منهیا عنه بالنهی المولوی الکاشف عن المفسدة الموجبة للمبغوضیة المنافیة للمحبوبیة و المقربیة، و النهی المولوی یکشف عن کون متعلقه ذا مفسدة و حراما ذاتیا، و لا یظن من المستدل بالروایة الالتزام بالحرمة الذاتیّة.

(3). لعله إشارة إلی: أنّه لا محذور فی الالتزام بالحرمة الذاتیّة للعبادة علی الحائض کما اختاره المصنف علی ما هو ببالی فی کتابه شرح التبصرة، فالعمدة فی الجواب عن الاستدلال بهذه الروایة هی: دعوی ظهور خطاب «دعی الصلاة أیام أقرائک» فی المانعیة، کما ثبت ذلک فی أمثال هذا النهی.

(4). کالعهد و الیمین، و محصل هذا الوجه الّذی استدل به الأعمی هو: أنّه لا شبهة فی صحة تعلق النذر و نحوه بترک الصلاة فی الأمکنة التی تکره فیها الصلاة کالحمام و المقابر و غیرهما، کما لا شبهة فی تحقق الحنث بإتیان الصلاة فی تلک الأمکنة، و من تسلُّم هاتین المقدمتین نستکشف کون الصلاة اسما للأعم من الفاسد، إذ لو کانت اسما لخصوص الصحیح لزم منه إشکالان: (الأول): عدم تحقق الحنث، لعدم القدرة علی إتیان الصلاة الصحیحة فی تلک الأمکنة بعد صیرورتها بسبب النذر منهیا عنها، و فاسدة لاقتضاء النهی عن العبادة فسادها، مع أنّ المسلّم حصول الحنث بفعلها فی تلک الأمکنة، فلا بد أن تکون الصلاة اسما للأعم.

مکان تکره فیه، و حصول الحنث بفعلها، و لو کانت الصلاة المنذور ترکها خصوص الصحیحة لا یکاد یحصل به (1) الحنث أصلا، لفساد الصلاة المأتی بها، لحرمتها (2) کما لا یخفی، بل یلزم المحال (3)، فإنّ النذر (4) حسب الفرض قد تعلق بالصحیح منها (5)، و لا تکاد تکون معه (6) صحیحة، و ما یلزم من فرض -


(1). أی: بفعل الصلاة.

(2). الناشئة من النذر، لأنّ النذر أوجب النهی عن الصلاة فی الأمکنة المکروهة، و قد ثبت فی محله: اقتضاء النهی عن العبادة لفسادها.

(3). هذا هو الإشکال الثانی، و حاصله: أنّ الصلاة إن کانت اسما لخصوص الصحیح یلزم المحال، ضرورة أنّ الصلاة المنذور ترکها هی الصحیحة، و بالنذر صارت محرمة و فاسدة، فلا یمکن فعلها علی وجه صحیح، فینحل النذر، لخروج الصلاة بسبب هذا النهی المفسِد للعبادة عن متعلق النذر - و هو خصوص الصحیح - فیلزم من وجود النذر عدمه.

(4). هذا تقریب المحالیة و قد عرفته مفصلا، و الحاصل: أنّه من تسلُّم الأمرین - و هما صحة النذر، و حصول الحنث - یستفاد کون الصلاة اسما للأعم، و إلاّ یلزم أن یکون موجودا و معدوما فی زمان واحد، و هو محال.

(5). أی: من الصلاة.

(6). أی: مع النذر المذکور، حاصله: أنّه لا یمکن بقاء الصلاة الصحیحة - المنذور ترکها فی الأمکنة المکروهة - علی صحتها بعد تعلق النذر بها، و أمّا بناء علی الأعم فلا یلزم شی‏ء من الإشکالین المتقدمین، لکون متعلق النذر حینئذٍ نفس الطبیعة الجامعة بین الصحیح و الفاسد، و من المعلوم: أنّ انتفاء أحد الفردین - و هو الصحیح - بسبب النهی الناشئ عن النذر لا یوجب انتفاء الطبیعة، فیحصل الحنث بالصلاة الصحیحة لو لا النذر.

وجوده عدمه محال. قلت: لا یخفی أنّه لو صحّ ذلک (1) لا یقتضی إلاّ عدم صحة تعلق النذر بالصحیح لا عدم وضع اللفظ له شرعا، مع (2) أنّ الفساد -


(1). یعنی ذلک الاستدلال، و حاصل جواب المصنف (قده) عن هذا الاستدلال هو: أنّ تعلق النذر بالصحیح و إن کان یستلزم الإشکالین المتقدمین، لکن لیس مقتضاه وضع اللفظ شرعا للأعم کما هو المدعی، إذ لو فرض وضع اللفظ له و قصد الناذر خصوص الصلاة الصحیحة لم ینعقد النذر أیضا، فامتناع نذر الصلاة الصحیحة لا یکشف عن الوضع للصحیح أصلا.

و إن کان غرض المستدل إثبات الوضع للأعم لسبب الاستعمال فیه فی باب النذر استنادا إلی کون الأصل فی الاستعمال الحقیقة، ففیه ما مر مرارا: من أنّ الاستعمال أعم من الحقیقة.

(2). هذا جواب آخر عن الدلیل المذکورة، و حاصله: أنّ الصلاة فی الأمکنة المکروهة قبل تعلق النذر صحیحة، و لذا لو أتی بها قبل انعقاد النذر صحت بلا إشکال، و الفساد الناشئ عن النذر لا یمکن دخله فی موضوعه، لتأخره عنه رتبة، فالنذر لا یتعلق إلاّ بتلک الصلاة الصحیحة المتقدمة رتبة علی النذر، فلا یلزم المحال، إذ المراد بصحة الصلاة المنذورة صحتُها قبل النذر و إن صارت فاسدة بالنذر، فیتحقق الحنث بإتیان الصحیحة لو لا النذر، نعم لا یتحقق الحنث بإتیان الفاسدة من غیر ناحیة النذر، کاختلال شرط من شرائطها من الطهارة و قصد القربة و غیرهما. و الحاصل: أنّ الاستحالة التی ادعاها القائل بالأعم علی تقدیر الوضع للصحیح إنّما تلزم إذا کان المنذور ترک الصلاة الصحیحة مطلقا یعنی حتی بعد تعلق النذر بها، لما تقدم فی وجهه. أمّا إذا کان المنذور ترک الصلاة الصحیحة قبل تعلق النذر و إن صارت فاسدة بعد تعلقه، فلا یستلزم

من قبل النذر لا ینافی صحة متعلقه، فلا یلزم من فرض وجودها عدمها (1).

و من هنا (2) انقدح: أن حصول الحنث انما یکون لأجل الصحة لو لا تعلقه (3).

نعم (4) لو فرض تعلقه (5) بترک الصلاة المطلوبة بالفعل (z) لکان منع

المحال، و سیأتی استدراک المصنف (قده) لهذه الصورة بقوله: «نعم لو فرض... إلخ» و بهذا الجواب یظهر وجه اندفاع الاستحالة التی ادعاها القائل بالأعم علی تقدیر الوضع للصحیح، لاستعمال الصلاة فی الصحیحة لو لا النذر. -


(1). الضمیران راجعان إلی: - الصحة - و وجه عدم اللزوم: أنّ المراد الصحة هو الصحة قبل تعلق النذر، و الفساد الناشئ عن النذر لا یؤثِّر فی متعلّقه حتی یوجب انحلاله، و إذ لا یعقل أن یکون أثر الشی‏ء رافعا لذلک الشی‏ء، لاستحالة رفع المعلول لعلته، فلا یعقل ارتفاع النذر بالفساد الناشئ من قبله کما لا یخفی.

(2). یعنی: و من کون الصحة المقصودة فی النذر هی الصحة السابقة علی النذر.

(3). أی: تعلق النذر.

(4). هذا استدراک علی قوله: «و من هنا انقدح» و حاصله: أنّ منع حصول الحنث فی محله إذا کان المنذور ترک الصلاة الصحیحة بالفعل یعنی:

الصحة بقول مطلق و لو بعد تعلق النذر، بداهة عدم القدرة علی فعل الصلاة الصحیحة بالفعل مع فرض صیرورتها بسبب النذر منهیا عنها، کما تقدم سابقا.

(5). أی: النذر. ================= (z). أی و لو مع النذر، و لکن صحته کذلک مشکل، لعدم کون الصلاة معه صحیحة مطلوبة، فتأمل جیّدا.

حصول الحنث بفعلها بمکان من الإمکان (1).

بقی أُمور

اشارة
الأول

: أنّ أسامی المعاملات إن کانت موضوعة للمسببات (2) فلا مجال (3) للنزاع فی کونها (4) موضوعة للصحیحة أو الأعم، لعدم اتصافها بهما (5) کما لا یخفی، بل بالوجود تارة و بالعدم أُخری، و أما إن کانت موضوعة للأسباب، فللنزاع فیه (6) مجال (7)، لکنه لا یبعد دعوی -


(1). یعنی: فقول المستدل: «أنه لا شبهة فی حصول الحنث» ممنوع و المفروض أنّ هذا کان أحد الأمرین اللّذین توقف علیه دلیله علی الوضع للصحیح.

(2). کالزوجیة و الملکیة، و الحریة و الرقیة، و غیرها من الاعتباریات المترتبة علی العقود و الإیقاعات.

(3). لأنّه - بناء علی کون ألفاظ المعاملات أسامی للمسببات - لا یتصور فیها نزاع الصحیح و الأعم، حیث إنّ المسببات کالملکیة و نحوها أُمور بسیطة دائرة بین الوجود و العدم، و لیست مرکبات حتی یتصف التام و الناقص منها بالصحّة و الفساد.

(4). أی: أسامی المعاملات.

(5). أی: لعدم اتصاف المسببات بالصحّة و الفساد، لما عرفت آنفا من بساطتها، بل هی تتصف بالوجود تارة و العدم أُخری، فالملکیة مثلا إمّا موجودة و إمّا معدومة، و لا معنی لاتصافها بالصحّة و الفساد.

(6). أی: فی کونها موضوعة للصحیحة أو الأعم.

(7). لکون الأسباب کالبیع المرکب من الإیجاب و القبول و غیرهما مرکبات، فیمکن اتصافها بالصحّة تارة إذا استجمعت جمیع الأجزاء

کونها (1) موضوعة للصحیحة أیضا (2)، و أنّ الموضوع له هو العقد المؤثر لأثر کذا شرعا و عرفا، و الاختلاف بین الشرع و العرف (3) -و الشرائط، و بالفساد أُخری إذا لم تکن.


(1). أی: أسامی المعاملات.

(2). یعنی: کألفاظ العبادات، و حاصله: أنّ المختار فی المعاملات هو المختار فی العبادات، فکما أنّ ألفاظ العبادات موضوعة لخصوص الصحیحة، فکذلک ألفاظ المعاملات، فإنّهإ؛ططللَّه‏للَّه؛ أسام للعقود الصحیحة - أی المؤثّرة - کالبیع، فإنّه اسم لخصوص ما هو المؤثر فی الملکیة، و کالنکاح، فإنّه اسم لخصوص ما هو المؤثر فی علقة الزوجیة، و هکذا سائر العقود.

و بالجملة: فألفاظ المعاملات وضعت لما هو المؤثِّر واقعا فی الآثار المرغوبة منها من دون تفاوت فی ذلک بین العرف و الشرع.

(3). دفع لما قد یتوهم: من أنّه کیف یکون معنی العقد هو الصحیح بنظر کل من الشرع و العرف؟ مع أنّ الشرع قد خالف العرف فی بعض الموارد کبیع الصبی الممیز، فإنّه صحیح بنظر العرف و فاسد بنظر الشرع، و هکذا سائر العقود، و هذا دلیل علی عدم کون الصحة عند الشرع و العرف بمعنی واحد، بل یدل علی أنّ ألفاظ المعاملات أسامٍ للصحیحة شرعا و للأعم عرفا، و لیست موضوعة للصحیح شرعا و عرفا، هذا حاصل التوهم. و قد دفعه المصنف (قده) بأنّ هذا الاختلاف بین الشرع و العرف لا یرجع إلی الاختلاف فی المعنی، حتی یقال: إنّ المعاملات أسامٍ للصحیحة شرعا و للأعم عرفا، بل یکون الاختلاف فی محقِّق الصحیح و مصداقه، فالشارع یخطّئ العرف فیما یراه صحیحا و ینبهه علی أنّ الشی‏ء الفلانی دخیل فی العقد المؤثر و لو کان العرف

فیما یعتبر (1) فی تأثیر العقد لا یوجب الاختلاف بینهما (2) فی المعنی، بل (3) الاختلاف فی المحققات و المصادیق، ملتفتاً إلی دخل ذلک فی صحة العقد لما خالف الشرع، فالعرف قد یشتبه فی تطبیق الصحیح الواقعی الّذی هو الموضوع له علی ما لا یکون مؤثراً واقعاً، و الشارع ینبهه علی خطائه، فالصحیح شرعاً هو الصحیح عرفاً، فلا یکون الأول أخص من الثانی.


(1). کبلوغ المتعاقدین و القبض فی بعض العقود، و غیر ذلک.

(2). أی: بین الشرع و العرف، لکون المؤثر واقعاً الّذی هو المسمی واحداً.

(3). یعنی: بل یوجب الاختلاف بین الشرع و العرف الاختلاف فی المحقِّقات دون المعنی الموضوع له

«-»

. (-). الظاهر: أنّ الاختلاف بینهما إنّما هو فی نفس المعنی الموضوع له لا فی محقِّقاته، ضرورة أنّ العرف یری عدم دخل البلوغ أو القبض فی المجلس مثلا فی بعض العقود فی مفهوم البیع و غیره، و الشارع یری دخلهما فیه، فلا محیص عن کون الاختلاف فی نفس المعنی لا فی المصداق، فحینئذٍ یکون العقد العرفی أعم من الشرعی بناء علی کون ألفاظ المعاملات أسامی لخصوص الصحیح. و أمّا بناءً علی کونها أسامی للأعم - کما لا یبعد ذلک - فلا یکون العرفی أعم من الشرعی، بل کلاهما موضوعان للأعم من الصحیح و الفاسد.

و لا ینافی الوضع للأعم تبادر الصحیحة منها، لأنّ التبادر المثبت للوضع لا بدّ أن یستند إلی حاقِّ اللفظ، و ذلک غیر ثابت هنا، و مع الشک فی کونه مستنداً إلی حاقِّ اللفظ أو الإطلاق لا یکون أمارة علی الوضع، و إجراء أصالة عدم القرینة لا یجدی فی أماریة التبادر کما تقدم فی بحثه.

و تخطئة (1) الشرع العرف فی (2) تخیل کون العقد بدون ما اعتبره فی تأثیره محققاً لِما هو المؤثر کما لا یخفی، فافهم (3).

الثانی (4)

: انّ کون ألفاظ المعاملات أسامی للصحیحة لا یوجب إجمالها - کألفاظ العبادات - کی لا یصح التمسک بإطلاقها عند الشک فی اعتبار -


(1). معطوف علی - الاختلاف الثالث - یعنی: الاختلاف بین الشرع و العرف یوجب الاختلاف فی المحقِّق، و یوجب تخطئة الشرع العرف فی تخیل کون العقد المؤثر واقعاً بدون ما اعتبره الشارع فی تأثیره محققاً و مصداقاً لِما هو المؤثر، فیکون التخطئة فی التطبیق لا فی نفس المعنی.

(2). متعلق بقوله: «و تخطئة».

(3). لعله إشارة إلی: أنّ الاختلاف فی المصداق مبنیّ علی أن یکون هناک مفهوم مبیّن عند الشرع و العرف، و هذا غیر ظاهر، لقوة احتمال کون الاختلاف بینهما فی نفس المفهوم، فلا مجال حینئذٍ للتخطئة فی المصداق، فتدبر.

(4). الغرض من عقد هذا الأمر: دفع إشکال أورد علی القائلین بالصحیح فی المعاملات. أمّا الإشکال فحاصله: أنّه - بناءً علی هذا القول - تکون ألفاظ المعاملات مجملة، فلا یصح التمسک بإطلاق أدلتها، مع وضوح استقرار دیدنهم علی التمسک بإطلاقها عند الشک فی اعتبار شی‏ءٍ فی المعاملة.

و أمّا الدفع، فمحصله: أنّه فرق واضح بین العبادات و المعاملات، حیث إنّ العبادات بناءً علی الوضع للصحیح ماهیات مخترعة شرعیة غیر معلومة للعرف، فمع عدم معرفة تلک الماهیات لا یصح التمسک بالإطلاق، لکون الشک فی الموضوع الّذی لا یتصور معه الإطلاق کما لا یخفی. و هذا بخلاف المعاملات، فإنّها أمور عرفیة و لیست مخترعة شرعیة، و الأدلة الشرعیة کقوله تعالی:

.......... -أحل اللَّه البیع‏ و نحوه إمضائیة لا تأسیسیة، و الممضی هو المعاملة العرفیة، فالشارع لم یخترع مفهوم المعاملة حتی یکون مجملاً و یرجع الشک فیه إلی موضوع الإطلاق کی لا یمکن التمسک به، بل زاد علی المعاملة العرفیة قیوداً لا ترتبط بالمفهوم، فإذا کان الشارع فی مقام البیان صح التمسک بالإطلاق إذا شک فی شرطیة شی‏ءٍ فی تأثیر المعاملة العرفیة، و علی هذا فلا یلزم إجمال الخطاب حتی لا یجوز التمسک بالإطلاق بناءً علی کون ألفاظ المعاملات أسامی للصحیح، کما یلزم ذلک فی العبادات بناءً علی کونها أسامی للصحیحة، لما عرفت من إجمال معنی الصحیح فی العبادات الموجب لعدم جواز التمسک بالإطلاق، و وضوح معنی الصحیح فی المعاملات، لکونه عرفیّاً و الإمضاء الشرعی وارداً علیه من دون تصرف للشارع فی المفهوم العرفی

«-»

. (-). لا یخفی: أنّه - بناءً علی کون ألفاظ المعاملات أسامی شرعاً لخصوص الصحیحة - لا محیص عن دخل الأمور التی جعلها الشارع شروطاً للتأثیر فی معنی المعاملة، فحینئذٍ یختلف معناها عرفاً و شرعاً و لا یمکن التمسک بالإطلاق، لعدم إحراز موضوعه و هو الصحیح. نعم لا بأس بالإطلاق المقامی - بعد إحراز کونه فی مقام البیان، و بیّن دخل أمور فی المعاملة - کما تقدم نظیره فی العبادات بناءً علی وضعها للصحیحة، إذ عدم البیان حینئذٍ مخلٌّ بالغرض، هذا و الحق أن یقال: إنّ أدلة المعاملات لا یستفاد منها أزید من کونها إمضاءً للمعاملات العرفیة، و لم یستعمل الشارع ألفاظها إلاّ فی مفاهیمها العرفیة من دون تصرف منه فیها، و دخل القیود فی تأثیرها شرعاً إنّما استفید من دوال أخری، و لیست مقوِّمة لمفاهیمها، فقوله تعالی: أحل اللَّه البیع‏، و کذا ما دل

شی‏ء فی تأثیرها شرعاً، و ذلک (1) لأنّ إطلاقها لو کان مسوقاً فی مقام البیان (2) ینزّل (3) علی أنّ المؤثّر عند الشارع هو المؤثر عند أهل العرف، و لم یعتبر فی تأثیره عنده (4) غیر ما اعتبر فیه عندهم (5)، کما ینزّل علیه (6) إطلاق کلام غیره، حیث إنّه منهم (7) -


(1). تعلیل لقوله: «لا یوجب إجمالها»، و دفع لإشکال الإجمال علی القول بالصحیح.

(2). هذا شرط التمسک بالإطلاق، إذ لو کان فی مقام الإهمال أو الإجمال فلا یصح التمسک به.

(3). إذ لو کان المؤثر عنده غیر ما هو المؤثر عند العرف لَکان علیه البیان، و إلاّ لأخلّ بالغرض، فمقتضی الإطلاق المقامی هو الرجوع إلی ما یراه العرف مؤثراً.

(4). یعنی: فی تأثیر المؤثر العرفی عند الشارع.

(5). أی: غیر ما اعتبر فی المؤثر عند العرف.

(6). أی: علی المؤثر عند العرف کلام غیر الشارع.

(7). یعنی: حیث إنّ الشارع من العرف، فینزّل کلامه علی ما عند العرف. ________________________________ علی عدم نفوذ بیع المنابذة و الربا، و قوله علیه السّلام: «الصلح جائز» و غیر ذلک من أدلة المعاملات لا یفهم منه کالماء و الحنطة و الخمر و الخل و غیرها مما أخذ فی الأدلة موضوعاً للحکم إلاّ مفهومه العرفی، فإنّ الشارع لم یتصرف فی هذه الموضوعات، بل جعلها بمفاهیمها العرفیة موضوعات للأحکام، فلا فرق بین أحل اللَّه البیع‏ و غیره من أدلة إمضاء المعاملات و عدمه، و بین أدلة حلیة الماء و الحنطة و حرمة الخمر و الخنزیر فی کون الموضوع فی الجمیع عرفیاً، و عدم التصرف الشرعی فیه أصلا، فالموضوع فی أدلة الإمضاء و عدمه واحد، و هو المنسبق إلی أذهان العرف.

لو اعتبر (1) فی تأثیره ما شکّ فی اعتباره کان علیه البیان و نصب القرینة علیه، و حیث لم ینصب بانَ عدم اعتباره عنده أیضا (2)، و لذا (3) یتمسکون بالإطلاق فی أبواب المعاملات مع ذهابهم إلی کون ألفاظها (4) موضوعة للصحیح، نعم (5) لو شک فی اعتبار شی‏ء فیها عرفاً، فلا مجال للتمسک بإطلاقها فی عدم اعتباره، بل لا بد من اعتباره، لأصالة عدم -


(1). هذا تقریب التمسک بالإطلاق، یعنی: و لو اعتبر الشارع شیئاً فی تأثیر المؤثر العرفی کان علیه البیان، لأنّه فی مقامه.

(2). یعنی: ظهر عدم اعتبار ما شک فی اعتباره عند الشارع کعدم اعتباره عند العرف، و وجه ظهور عدم دخله شرعاً فی مؤثریته هو الإطلاق.

(3). أی: و لأجل کون المؤثر الشرعی هو العرفی من دون تفاوت بینهما إلاّ فیما أحرز فیه تخطئة الشارع للعرف یتمسکون فی المعاملات بإطلاقاتها، مع بنائهم علی وضع ألفاظ المعاملات للصحیحة.

(4). أی: ألفاظ المعاملات.

(5). استدراک علی جواز التمسک بالإطلاق، و حاصله: أنّ الشک فی دخل شی‏ء فی المعاملة علی نحوین:

أحدهما: الشک فی دخله فی المعاملة العرفیة، بأن یشک فی صدق مفهوم المعاملة عرفاً علی فاقد ذلک الشی‏ء.

ثانیهما: الشک فی دخله فی تأثیر المعاملة شرعاً مع صدق المفهوم العرفی بدونه، فإنْ کان الشک علی النحو الأوّل، فلا مجال للتمسک بالإطلاق، لعدم إحراز موضوعه و هو المعاملة العرفیة، بل یرجع إلی استصحاب عدم ترتب الأثر. و إن کان علی النحو الثانی، فلا بأس بالتمسک به.

الأثر بدونه (1)، فتأمّل جیداً.

الثالث (2)

: أنّ دخل شی‏ءٍ وجودی أو عدمی فی المأمور به تارة، بأن یکون داخلا فیما یأتلف منه (3) و من غیره -


(1). أی: بدون ذلک الشی‏ء المشکوک فیه.

(2). غرضه من عقد هذا الأمر: التنبیه علی ما یکون من الأجزاء و الشرائط دخیلا فی المسمّی بحیث ینتفی بانتفائه، و ما لا یکون دخیلا فیه بحیث لا ینتفی المسمی بانتفائه، بل یصدق و لو بدونه، و ذلک لیتضح حال التفصیل الّذی التزم به بعض فی مسألة الصحیح و الأعم من الذهاب إلی الصحیح فی الأجزاء و إلی الأعم فی الشرائط.

توضیحه: أنّ کیفیة دخل شی‏ءٍ فی المسمی مختلفة بها یختلف صدق الاسم و عدم صدقه، و ذلک لأنّ ما له دخل فیه قد یکون دخیلاً فی الماهیة و قد یکون دخیلا فی الفرد، و علی التقدیرین: تارة یکون الدخل بنحو الجزئیة و أخری بنحو الشرطیة، فالصور أربع: الأولی: أن یکون دخیلا فی الماهیة بنحو الجزئیة، کتکبیرة الإحرام و الرکوع و السجود و التشهد، فإنّها أجزاء للصلاة، و کالتروک العشرة أو الزائدة علیها الدخیلة فی ماهیة الصوم بنحو الجزئیة بناءً علی تفسیره بنفس هذه التروک.

(3). یعنی: یأتلف المأمور به من ذلک الشی‏ء الوجودیّ أو العدمی

«-»

و من غیره، و هذه هی الصورة الأولی. (-). قد یستشکل فی دخل العدم فی المأمور به بتقریب:

أنّ العدم لا یؤثر فی المصلحة، و من المعلوم: أنّ الجزء هو المؤثر فی المصلحة، فالعدم لا یصلح لأن یکون جزءاً للمأمور به، کما أنّ الشرط قد

و جعل (1) جملته متعلّقاً للأمر، فیکون جزءاً له و داخلا فی قوامه، و أخری (2) بأن یکون خارجاً عنه، لکنه کان مما لا یحصل الخصوصیة المأخوذة فیه بدونه کما -


(1). مبنیاً للمفعول معطوف علی: - یأتلف -.

(2). هذه هی الصورة الثانیة، و حاصلها: أنّ الشی‏ء قد یکون خارجاً عن الماهیة جزءاً لکنه داخل فیها شرطاً، کما إذا أخذ فی الماهیة خصوصیة لا تتحقق إلاّ بذلک الشی‏ء الدخیل شرطاً، و هذا یتصور علی وجوه ثلاثة:

أحدها: أن تکون تلک الخصوصیة ناشئة عن أمر یعتبر سبقه علی فسِّر بأمر وجودی، فلا یصدق علی العدمی، و علیه فالعدم لا یصلح للجزئیة و لا للشرطیة. و لکن یمکن دفعه:

أولا: بعدم کون المصلحة دائماً من المتأصلات، فیمکن أن تکون من الأمور الاعتباریة، فتأمل.

و ثانیا بعد تسلیم تأصل المصلحة دائماً بعدم تسلیم کون المصلحة فی المأمور به، لإمکان کونها فی نفس الأمر.

و ثالثاً: بإمکان ترتب المصلحة علی المرکب من وجودی و عدمی، لا العدم فقط، و إنّما الممتنع هو ترتب المصلحة علی العدم المحض. و أمّا فی الشرط، فبأنّه مجرد اصطلاح، لأنّ الشرط حقیقة هو: ما له دخل فی تأثیر المقتضی بنحو من الأنحاء سواء أ کان وجودیاً أم عدمیاً، و لذا یعدّ عدم المانع شرطاً، فالشروط تارة تکون وجودیة و أخری عدمیة، و الممتنع تأثیره هو العدم المطلق لا المضاف، و المفروض کون الشرائط العدمیة من الأعدام المضافة لا المطلقة. و من هنا یظهر حال الصوم بناءً علی کونه نفس التروک، و أمّا بناءً علی کونه الکف عن أمور خاصة فلا إشکال أصلا، لکونه حینئذ أمراً وجودیاً کما لا یخفی.

إذا أخذ شی‏ءٌ مسبوقاً (1) أو ملحوقاً به (2) أو مقارناً له (3) متعلقاً للأمر، فیکون (4) -الماهیة المأمور بها کالخصوصیة المعتبرة فی الصلاة الناشئة عن الطهارات الثلاث المتقدمة علی الصلاة بناءً علی کون الطهارة هی نفس الأفعال، و أمّا بناءً علی کونها هی الأثر الحاصل منها فتصیر من الشرط المقارن.

ثانیها: أن تکون الخصوصیة ناشئة عن أمر یعتبر کونه لاحقاً للماهیة المأمور بها کغسل المستحاضة فی اللیلة الآتیة بالنسبة إلی صوم الیوم المقدم علیها، فإنّ کون صوم المستحاضة مع الغسل خصوصیة مأخوذة فی صومها ناشئة عن الغسل اللاحق للیوم الّذی صامته، و کصلاة الاحتیاط التی شک فیها بأحد الشکوک الموجبة لصلاة الاحتیاط، فتأمل.

ثالثها: أن تکون الخصوصیة ناشئة من أمر یعتبر کونه مقارناً للماهیة المأمور بها کالستر و الاستقبال، فإنّ المستوریة و وقوع أجزاء الصلاة إلی القبلة خصوصیتان مأخوذتان فی الصلاة ناشئتان عن الستر و الاستقبال المعتبر مقارنتهما للصلاة.


(1). المراد بالشی‏ء هو المأمور به، یعنی: کما إذا أخذ المأمور به مسبوقاً، و هذا هو الوجه الأول.

(2). أی: بالشی‏ء الخارج عن ماهیة المأمور به، و هذا هو الوجه الثانی.

(3). یعنی: کما إذا أخذ المأمور به مقارناً لذلک الشی‏ء الخارج عن ماهیة المأمور به، و هذا هو الوجه الثالث، و قد تقدمت أمثلة جمیع هذه الوجوه الثلاثة.

(4). هذه نتیجة ما ذکره فی الأمر الخارج عن الماهیة، و حاصلها: أنّ الشی‏ء الخارج عن الطبیعة المأمور بها قد یکون مقدمة لوجود الخصوصیة المعتبرة فی

من مقدماته لا مقوماته (1).

و ثالثة (2) بأن یکون مما یتشخص به المأمور به بحیث یصدق علی المتشخص به عنوانه (3)، و ربما یحصل له بسببه (4) مزیة أو نقیصة، الماهیة، فإنّ المقدمة تارة تکون مقدمة لوجود أصل الواجب و أخری لوجود وصفه، فإنّ الصلاة المقیدة بالطهارة تتوقف علی إحدی الطهارات الثلاث، و من المعلوم أنّ المقدمة خارجة عن المأمور به، و لیست مقوِّمة له کما تقدم.


(1). الضمیران راجعان إلی - الشی‏ء - و هو المأمور به، یعنی: أنّ ذلک الخارج عن المأمور به یکون من مقدماته لا مقوِّماته.

(2). هذه هی الصورة الثالثة أعنی: کون ما له الدخل جزءاً للفرد الّذی ینطبق علیه الطبیعی المأمور به و موجباً لتشخصه، کتثلیث الذّکر و تخمیسه و غیر ذلک من موارد التخییر بین الأقل و الأکثر.

(3). أی: عنوان المأمور به.

(4). یعنی: و ربما یحصل للمأمور به بسبب الشی‏ء الموجب لتشخصه مزیة، کإتیان الطبیعة بفردها المتشخص بالقنوت أو بتکرر الأذکار، أو بالأمکنة الراجحة، أو یحصل للمأمور به بسبب ذلک الشی‏ء نقص، کالتکتف بناءً علی کراهته، و غیره مما یؤتی به من مکروهات الصلاة جزءاً للفرد

«-»

و قد لا یحصل للمأمور به بسبب جزء فرده لا مزیة و لا نقص کما إذا أتی بالصلاة مثلا فی بیته. (-). ظاهر عبارة المصنف (قده): اعتبار وجود ما یحصل به النقص فی المأمور به، و لیس کذلک، إذ عدمه معتبر فیه، فوجود التکتف الموجب للنقصان لیس معتبراً فی الصلاة، إذ لا معنی لدخله فیها، فلا محالة یکون عدمه معتبراً فیها، فالعبارة لا تخلو عن مسامحة.

و دخل هذا (1) فیه (2) أیضا (3) طوراً بنحو الشطریة، و أخری (4) بنحو الشرطیة، فیکون (5) الإخلال بما له دخل -


(1). أی: و دخل ما یتشخص به المأمور به.

(2). أی: فی المأمور به.

(3). یعنی: کدخل ما یکون دخیلا فی نفس الماهیة فی الانقسام إلی الجزئیة و الشرطیة، یعنی: أنّ الموجب لتشخص الفرد تارةً یکون جزءاً للفرد و أخری یکون شرطاً له.

(4). هذه هی الصورة الرابعة و هی: کون ما یوجب التشخص شرطاً لا جزءاً، و الشرط قد یکون موجباً لمزیة ک - الصلاة جماعة - أو - فی المسجد - کما قیل. و لعل الأولی التمثیل - بالأذان و الإقامة، لعدم کونهما جزءاً للفرد مع إیجادهما مزیة، و قد یکون موجباً لنقصانه ک - الصلاة فی الحمام - و غیره من الأمکنة التی تکره فیها الصلاة.

(5). بعد أن تعرّض المصنف (قده) للصور الأربع المذکورة شرع فی بیان أحکامها، و محصل ما أفاده فی ذلک: أنّ الإخلال بما یکون دخیلا فی نفس الماهیة سواء أ کان جزءاً أم شرطاً یوجب الفساد، لعدم تحقق المسمی حینئذٍ، إذ الدخیل فی الماهیة لیس إلاّ دخیلا فی المسمی، فلا ینبغی التفصیل فی الإخلال بالمسمی بین جزء الماهیة و شرطها ذهاباً إلی الصحیح بالنسبة إلی الأجزاء و إلی الأعم بالنسبة إلی الشرائط کما قیل. بخلاف الإخلال بما له دخل فی تشخص المأمور به سواء أ کان جزءاً أم شرطاً، و السِّر فی ذلک: أنّ الإخلال به لیس إخلالا بنفس الماهیة، بل بالخصوصیة التی لا یقدح انتفاؤها، إذ المفروض إمکان وجود الماهیة بخصوصیة أخری، مثلا انتفاء خصوصیة کون المکان مسجداً

بأحد النحوین (1) فی حقیقة المأمور به و ماهیته (2) موجباً لفساده لا محالة، بخلاف ما له الدخل فی تشخصه و تحققه مطلقاً شرطاً کان أو شطراً، حیث (3) لا یکون الإخلال به إلاّ إخلالا بتلک الخصوصیة مع تحقق الماهیة بخصوصیة أُخری غیر موجبة لتلک المزیة. بل کانت (4) موجبة لنقصانها، کما أشرنا إلیه (5) کالصلاة فی الحمام. (6) ثم إنّه (7) ربما یکون الشی‏ء مما یندب -لا یوجب انتفاء طبیعة الصلاة مطلقاً حتی فی غیر المسجد. و الحاصل: أنّ الموجب لانتفاء الماهیة التی تدور التسمیة مدارها هو: انتفاء جزئها أو شرطها دون جزء الفرد أو شرطه، لإمکان وجود الماهیة بخصوصیة أُخری، فانتفاءُ ما له دخل جزءاً أو شرطاً فی الفرد لا یوجب إلاّ انتفاء ذلک الفرد.


(1). و هما الشطریة و الشرطیة.

(2). یعنی: لا فی تشخصه و فردیته.

(3). تعلیل لعدم کون الإخلال بما له دخل فی التشخص موجباً لفساده.

(4). یعنی: بل کانت الخصوصیة الأُخری موجبة لنقصان الماهیة.

(5). أشار إلیه بقوله: «و ربما یحصل له بسببه مزیة أو نقیصة».

(6). و غیره من الأمکنة المکروهة للصلاة الموجبة لنقصان مصلحتها القائمة بنفس الطبیعة من حیث هی. فتلخص مما ذکره المصنف (قده): أنّ الدخیل فی التسمیة هو جزءُ الماهیة و شرطها دون جزء الفرد و شرطه، فلا وجه للتفصیل بین أجزاء الماهیة و شرائطها بالذهاب إلی الصحیح فی الأجزاء و إلی الأعم فی الشرائط، بل أجزاء الماهیة و شرائطها علی وزان واحد، لدخل کل منهما فی التسمیة.

(7). هذه صورة خامسة خارجة عن حیِّز الجزء و الشرط، توضیحه: أنّه قد یکون شی‏ءٌ واجباً فی واجب کلبس ثوبی الإحرام و تروک الإحرام بناءً علی

إلیه فیه (1) بلا دخل له (2) أصلا - لا شطراً و لا شرطاً - فی حقیقته، و لا فی خصوصیته و تشخصه (3)، بل له (4) دخل ظرفاً فی مطلوبیّته (5) بحیث لا یکون -کونهما واجبین نفسیین فی واجب و هو الإحرام، و کوجوب المتابعة فی صلاة الجماعة بناءً علی کون وجوبها نفسیاً کما نسب إلی المشهور، لا شرطیاً - کما نسب إلی بعض -، و لازم هذا الوجوب عدم بطلان الصلاة بالإخلال به و لو عمداً، إذ المفروض کونه واجباً مستقلا و إن کان ظرفه الصلاة. نعم الإخلال به یوجب الإثم، و لا یبطل الصلاة إلاّ إذا استلزم بطلانها من جهة أُخری، کما إذا قلنا باقتضاء الأمر بالشی‏ء للنهی عن ضده، فانّ ترکه و الاشتغال بالصلاة یبطل ما یأتی به، لکونه منهیاً عنه، فتبطل الصلاة من جهة النهی. و قد یکون شی‏ءٌ مستحباً نفسیاً فی واجب، کالقنوت و تکریر الأذکار فی الصلوات الواجبة. و قد یکون مستحباً فی مستحب کاستحباب القنوت فی الصلوات المندوبة.


(1). أی: یندب إلی الشی‏ء فی المأمور به.

(2). أی: بلا دخل لذلک الشی‏ء أصلا فی المأمور به لا جزئیاً و لا شرطیاً.

(3). أی: فی حقیقة المأمور به، و لا فی خصوصیته و تشخصه.

(4). سوق الکلام یقتضی رجوع الضمیر إلی: - الشی‏ء الّذی یندب إلیه فی المأمور به - لکن لا محصل له حینئذٍ، إذ معناه علی هذا: أنّ لذلک الشی‏ء دخلا ظرفیاً فی مطلوبیة نفسه، و هذا لا معنی له، إذ الأمر بالعکس، فإنّ المأمور به شرط لمطلوبیة ذلک الّذی ندب إلیه، فلا بدّ من إرجاع الضمیر إلی المأمور به، یعنی: أنّ للمأمور به دخلاً ظرفیاً فی مطلوبیة ذلک الشی‏ء کالمتابعة فی صلاة الجماعة، فإنّ وجوبها نفسی، و للصلاة دخل ظرفی فی مطلوبیتها.

(5). أی: فی مطلوبیة ذلک الشی‏ء الّذی ندب إلیه.

مطلوباً إلاّ إذا وقع فی أثنائه (1)، فیکون مطلوباً نفسیاً (2) فی واجب أو مستحب کما إذا کان مطلوباً کذلک (3) قبل أحدهمإ؛غ‏غ‏للَّه‏للَّه؛ (4) أو بعده (5)، فلا یکون الإخلال به (6) موجباً للإخلال به (7) ماهیة و لا تشخصاً و خصوصیة أصلا. -


(1). أی: فی أثناء المأمور به.

(2). سواء أ کان واجباً فی واجب أم مستحباً فی واجب أو مستحب، و قد تقدمت أمثلة الکل.

(3). أی: نفسیاً.

(4). أی: الواجب و المستحب کالمضمضة و الاستنشاق قبل الوضوء الواجب و المستحب بناءً علی عدم کونهما جزءاً منه.

(5). یعنی: أو بعد أحدهما، و محصل غرض المصنف (قده): تشبیه المطلوب النفسیّ الّذی جعل ظرفه واجباً أو مستحباً بما وجب أو استحب قبل واجب أو مستحب أو بعد أحدهما فی عدم الارتباط، فکما لا ربط بین مطلوبیة الواجب النفسیّ أو المستحب کذلک قبل واجب أو مستحب أو بعد أحدهما، فکذلک لا ربط بین المطلوب النفسیّ و بین ظرفه الّذی یکون هو أیضا مطلوباً نفسیاً من واجب أو مستحب.

(6). أی: بالشی‏ء الّذی ندب إلیه فی أثناء المأمور به.

(7). أی: بالمأمور به، غرضه: بیان حکم هذا القسم الخامس - و هو الّذی یکون مطلوباً نفسیاً فی واجب أو مستحب - و حاصله: أنّ الإخلال بهذا المطلوب النفسیّ لا یوجب إخلالاً بالطبیعة المأمور بها و لا بفردها، إذ المفروض عدم دخله فی شی‏ء منهما لا شطراً و لا شرطاً.

إذا عرفت هذا (1) کله، فلا شبهة فی عدم دخل ما ندب إلیه فی العبادات نفسیاً فی (2) التسمیة بأسامیها (3) و کذا (4) فیما له دخل فی تشخصها مطلقا (5)، و أمّا ما له الدخل شرطاً (6) فی أصل ماهیتها، -


(1). أی: ما ذکرناه من الاعتبارات الخمسة و هی الدخل فی الماهیة جزءاً و شرطاً، و الدخل فی الفرد کذلک، و عدم الدخل أصلا و هو القسم الخامس.

(2). متعلق بقوله: «دخل» یعنی: لا شبهة فی عدم دخل المطلوب النفسیّ الّذی جعل ظرفه العبادات فی تسمیتهإ؛غغللَّه‏للَّه؛ بأسامیها، فإنّ ذلک أجنبی عن المسمی، لفرض عدم دخل له فی العبادة لا جزءاً و لا شرطاً.

(3). أی: أسامی العبادات.

(4). یعنی: و کذا لا شبهة فی عدم الدخل فی التسمیة بالنسبة إلی ما له دخل فی تشخص المأمور به بأن یکون له دخل جزئی أو شرطی فی الفرد، فإنّ انتفاءه لا یوجب انتفاء المسمّی الّذی هو المأمور به، فظهر من الاعتبارات الخمسة حال ثلاثة أقسام:

أحدها: المطلوب النفسیّ المشروع فی المأمور به.

ثانیها و ثالثها: جزء الفرد و شرطه، و قد اتضح حال هذه الأقسام الثلاثة من عبارات المصنف (قده) و لم یکن حاجة إلی إعادتها المنافیة للإیجاز.

(5). یعنی: تشخص العبادات مطلقاً سواء أ کان ما له الدخل جزءاً أم شرطاً.

(6). هذا هو القسم الرابع - و هو الدخل الشرطی فی أصل الماهیة - و محصله:

أنّه یمکن أن یقال بعدم دخله فی التسمیة، فانتفاؤه لا یوجب انتفاء المسمی و إن قلنا بکون الجزء دخیلا فی المسمی، و أنّ انتفاءه موجب لانتفائه، ففرق بین جزء الماهیة و شرطها بدخل الأوّل فی التسمیة دون الثانی

فیمکن الذهاب أیضا (1) إلی عدم دخله فی التسمیة بها (2) مع الذهاب (3) إلی دخل ما له الدخل جزءاً فیها (4)، فیکون الإخلال بالجزء مُخلا بها (5) دون الإخلال بالشرط (6)، لکنک عرفت (7) أنّ الصحیح اعتبارهما فیها (8).

(الحادی عشر)

الحق: وقوع الاشتراک (9) -


(1). یعنی: کشرط الفرد الّذی لیس دخیلا فی التسمیة.

(2). أی: بأسامی العبادات.

(3). نسب إلی الوحید البهبهانی (قده) ذهابه إلی دخل جزء الماهیة فی التسمیة دون شرط الماهیة، لخروجه عن المسمی، فهو قائل فی أجزاء الماهیة بالصحیح و فی الشرائط بالأعم.

(4). أی: فی التسمیة.

(5). أی: بالتسمیة.

(6). فإنّ الإخلال بالشرط لیس إخلالاً بالتسمیة.

(7). یعنی: فی أدلة القائلین بالصحیح، حیث إنّه ذکر صحة سلب الصلاة مثلا عن الفاسدة بالإخلال ببعض أجزائها أو شرائطها، و الأخبار المثبتة لبعض الآثار الظاهرة فی کون الصحیح هو الجامع للأجزاء و الشرائط معاً، فلاحظ.

(8). أی: اعتبار الجزء و الشرط معاً فی التسمیة، لاعتبار کلیهما فی الصحة، فمختار المصنف هو: کون ألفاظ العبادات موضوعة لِما هو الواجد لجمیع الأجزاء و الشرائط الدخیلة فی الماهیة لا التشخص.

(9). اعلم: أنّه وقع الخلاف فی إمکان الاشتراک اللفظی و عدمه، فمنهم من ذهب إلی استحالته مطلقاً، و منهم من قال بإمکانه کذلک بدون وقوعه، و منهم من فصّل بین القرآن و غیره، فمال إلی الاستحالة فیه دون غیره، و منهم من التزم

للنقل (1) و التبادر (2) و عدم (3) صحة السلب بالنسبة إلی (4) معنیین أو أکثر للفظ واحد و إن (5) أحاله بعض، بإمکانه و وقوعه مطلقاً فی القرآن و غیره، و المصنف (قده) اختار هذا القول، و استدل علیه بوجوه.


(1). هذا أوّل الوجوه، و حاصله: أنّ أهل اللغة نقلوا الاشتراک فی جملة من الألفاظ - کالقرء - للطهر و الحیض، و - المولی - للسید و العبد، و - العین - للباکیة و الجاریة و غیرهما، و - البیع و الشراء - لفعل الموجب و القابل، إلی غیر ذلک من الألفاظ المذکورة فی الکتب اللغویة، و کما یکون نقل اللغویین متّبعاً فی الألفاظ المتحدة المعانی کذلک فی الألفاظ المتعددة المعانی.

(2). هذا ثانی الوجوه، و حاصله: أنّ انسباق المعنیین أو المعانی إلی الذهن یدلّ علی وضع اللفظ لهما أو لها و إن لم یتعین المراد إلاّ بالقرینة.

(3). هذا ثالث الوجوه، تقریبه: أنّه لا یصح سلب المعنیین أو المعانی عن اللفظ، فلا یصح أن یقال: «الذهب و الفضة لیسا بعین»، أو «الطهر و الحیض لیسا بقُرء» إلی غیر ذلک من الألفاظ التی لا یصح سلبها عن المعنیین أو المعانی، و کذا یتبادر منها المعانی المتعددة، و من المعلوم: أنّ کُلاًّ من التبادر و عدم صحة السلب علامة الحقیقة.

(4). الجار متعلق بکل من التبادر و عدم صحة السلب معاً، بل لا یبعد تعلقه بالنقل أیضا، یعنی: أنّ کلا من النقل و التبادر و عدم صحة السلب حاصل فی معنیین أو أکثر.

(5). کلمة - إن - وصلیة، و لم أظفر بمن أحاله، و لیس المراد بالاستحالة هی الاستحالة الذاتیّة کاجتماع النقیضین و ارتفاعهما، بل المراد بها الاستحالة العرضیة المانعة عن الإمکان الوقوعی، کما یظهر من دلیل الاستحالة الآتی.

لإخلاله (1) بالتفهم المقصود من الوضع، لخفاء القرائن (2)، لمنع (3) الإخلال أوّلاً، لإمکان الاتّکال علی القرائن الواضحة، و منع کونه (4) مخلاً بالحکمة ثانیاً -


(1). تعلیل للقول باستحالة الاشتراک، و حاصله: أنّ الاشتراک ینافی حکمة الوضع و هی التفهیم و إبراز ما فی الضمائر، و ذلک لأنّ الاشتراک یوجب إجمال المعنی المقصود للمتکلم و عدم دلالة اللفظ علیه، لأنّ نسبة الوضع إلی کل من المعنیین أو المعانی علی حد سواء، فتبطل حکمة الوضع، فمنافاة الاشتراک لحکمة الوضع توجب عدم إمکانه الوقوعی الّذی أُرید بالاستحالة.

(2). تعلیل للإخلال بالتفهم، یعنی: أنّ الاشتراک مخلّ بالتفهم، لخفاء قرائن المراد

«-»

.

(3). غرضه: ردّ إخلال الاشتراک بالتفهم الّذی هو دلیل من ذهب إلی الاستحالة، و سوق العبارة یقتضی أن تکون هکذا: «لکنه فاسد لمنع الإخلال أولا... إلخ»، و کیف کان فحاصل ما أفاده فی ردّ الدلیل علی استحالة الاشتراک وجهان: أحدهما: إمکان الاتکال فی تفهیم المعنی الّذی أراده علی القرائن الواضحة الدلالة، فلا یلزم منافاة لحکمة الوضع.

(4). أی: کون الاشتراک، و هذا هو الوجه الثانی، و حاصله: منع منافاته لحکمة الوضع، إذ لم یثبت انحصار حکمته فی التفهیم، لإمکان تعلق الغرض أحیاناً بالإجمال و عدم نصب دلالة علی المراد، فیمکن أن تکون حکمة الوضع هی جعل مقتضی الدلالة للفظ علی المعنی المراد، لا الدلالة الفعلیة غیر المنفکة عن اللفظ لیکون (-). هذا التعلیل أخص من المدعی، لاختصاصه بصورة خفاء القرائن، فلا یصلح لأن یکون دلیلاً علی منع الاشتراک مطلقاً و لو فیما إذا کانت قرائن المراد جلیّة بحیث کانت دلالتها علی المقصود واضحة.

لتعلق الغرض بالإجمال أحیاناً، کما أنّ استعمال المشترک فی القرآن لیس بمحال کما توهم (1)، لأجل (2) لزوم التطویل بلا طائل مع الاتکال علی القرائن، و الإجمال فی المقال لو لا الاتکال علیها (3)، و کلاهما غیر لائق بکلامه تعالی جل شأنه کما لا یخفی، و ذلک (4) لعدم لزوم التطویل فیما کان الاتکال علی حال أو مقال أتی الاشتراک منافیاً لها، فحینئذٍ إذا تعلق الغرض بالدلالة الفعلیة فلا محالة تنصب قرینة واضحة الدلالة علی المراد، و إلاّ فلا.


(1). هذا أحد الأقوال المتقدمة فی صدر البحث، و حاصله: التفصیل بین القرآن و غیره باستحالته فی الأوّل دون الثانی، و جعل العنوان الاستعمال دون الوضع، لأنّ الغرض من الوضع الاستعمال، فاستحالته دلیل إنّی علی استحالة الوضع.

(2). هذا برهان استحالة الاشتراک فی القرآن، و حاصله: لزوم التطویل بلا طائل أو الإجمال، و کلاهما غیر لائق بکلامه تعالی، توضیحه: أنّه مع الاتّکال علی القرائن یلزم التطویل بلا طائل، إذ المفروض إمکان التفهیم بلفظ متحد معناه، فلا وجه لاستعمال المشترک، لأنّه حین استعماله ان اعتمد فی تعیین المراد علی القرائن الدالة علیه لزم التطویل غیر المحتاج إلیه، و إن لم یعتمد علیها فی تعیین المراد لزم الإجمال، و کلا الأمرین غیر لائق بکلامه جلّ و علا، فهذان المحذوران أوجبا امتناع الاشتراک فی القرآن.

(3). أی: علی القرائن.

(4). أی: و عدم محالیته، و لا یخفی أنّ المصنف (قده) تصدّی لردّ کلا الوجهین: (أمّا لزوم التطویل بلا طائل) فبإمکان أن یکون نصب القرینة لغرض آخر غیر تعیین المراد من المشترک، لکن کانت تلک القرینة دالة بالدلالة الالتزامیة

به لغرض آخر (1)، و منع (2) کون الإجمال غیر لائق بکلامه تعالی مع کونه (3) مما یتعلق به الغرض، و إلاّ (4) لما وقع المشتبه فی کلامه، و قد أخبر فی کتابه الکریم بوقوعه فیه (5) قال اللَّه تعالی: فیه آیات محکمات هنّ أم الکتاب و أُخر متشابهات‏. و ربما توهم (6) وجوب وقوع الاشتراک فی اللغات لأجل عدم تناهی -علی المعنی المراد من اللفظ المشترک، فلا یلزم التطویل بلا طائل

«-»

.(و أمّا الإجمال) فبمنع کونه غیر لائق بکلامه تعالی، لإمکان تعلق الغرض بالإجمال و عدم البیان کما فی الآیات المتشابهات.


(1). غیر تعیین المراد.

(2). معطوف علی قوله: «عدم لزوم التطویل» و هو الوجه الثانی، و قد عرفت تقریبه.

(3). أی: الإجمال.

(4). أی: و ان لم یکن الإجمال لائقاً بکلامه تعالی لما وقع اللفظ المشتبه المراد فی کلامه جلّ شأنه، و من المعلوم: أنّ وقوع الشی‏ء أدلّ دلیل علی إمکانه، و معه لا وجه للامتناع الّذی ادعاه الخصم.

(5). أی: فی کتابه الکریم.

(6). إشارة إلی قول آخر فی الاشتراک، و حاصله: وجوب الاشتراک فی اللغات فی مقابل القول بامتناعه، و محصل وجه وجوبه مرکّب من مقدمتین:

إحداهما: تناهی الألفاظ، لترکُّبها من الحروف الهجائیة المتناهیة، و المرکب من المتناهی متناهٍ. (-). بل قد یقتضی المقام التطویل کما إذا کان الکلام مع الحبیب، فلزوم التطویل أعم من المدعی.

المعانی و تناهی الألفاظ المرکبات (1)، فلا بدّ (2) من الاشتراک فیها (3)، و هو (4) فاسد، لوضوح امتناع الاشتراک فی هذه المعانی (5)، ثانیتهما: أنّ المعانی غیر متناهیة، و من المعلوم: عدم وفاء المتناهی بغیر المتناهی، فلا بدّ من الاشتراک فی الألفاظ

«-»

حتی تکون الألفاظ وافیة بالمعانی.


(1). أی: الألفاظ المرکّبة من الحروف الهجائیة.

(2). هذه نتیجة دعوی تناهی الألفاظ و عدم تناهی المعانی.

(3). أی: فی الألفاظ.

(4). یعنی: و توهُّم وجوب الاشتراک فی اللغات فاسد، ثم إنّ ما یستفاد من العبارة فی رد هذا القول وجوه:

أحدها: ما أشار إلیه بقوله: «لوضوح» و حاصله: أنّ اشتراک الألفاظ فی المعانی غیر المتناهیة یستدعی أوضاعاً غیر متناهیة أیضا، بداهة احتیاج کل معنی من المعانی إلی وضع مختص به، فإذا کانت المعانی غیر متناهیة کانت الأوضاع غیر متناهیة أیضا، و حیث إنّ الأوضاع متناهیة، لوقوعها فی زمان متناهٍ، و الواقع فی زمان متناهٍ متناهٍ أیضا، فالمعانی أیضا متناهیة، فلا حاجة إلی الاشتراک فی ألفاظها.

(5). أی: المعانی غیر المتناهیة. (-). لا یخفی أنّ الاشتراک لا یدفع محذور عدم وفاء المتناهی بغیر المتناهی، لأنّ وضع لفظ واحد لمعانٍ متعددة لا یوجب تناهی المعانی لتفی بها الألفاظ، إلاّ أن یقال: إنّ المراد تناهی المعانی التی تمس الحاجة إلی استعمال الألفاظ فیها، لکن لا نحتاج حینئذٍ إلی الاشتراک اللفظی، لوفاء الألفاظ المرکبة بأنحاء التراکیب من الحروف الهجائیة بالمعانی المحتاجة إلی إفهامها، لصیرورة المعانی حینئذٍ متناهیة، فلا داعی إلی الاشتراک أصلا.

لاستدعائه (1) الأوضاع الغیر المتناهیة، و لو سُلِّم (2) لم یکد یُجدی (3) إلاّ فی مقدار متناهٍ، مضافاً (4) إلی تناهی المعانی الکلیة، و جزئیاتها (5) و ان کانت غیر متناهیة إلاّ أنّ وضع الألفاظ بإزاء کلیّاتها یغنی عن وضع لفظ بإزائها (6) -


(1). أی: استدعاء الاشتراک اللفظی.

(2). هذا ثانی الوجوه یعنی: لو سُلِّم إمکان الاشتراک حینئذٍ بدعوی أنّ الواضع هو اللَّه تعالی، فنقول: لا یُجدی وضع الألفاظ للمعانی غیر المتناهیة، لأنّ مقدار الحاجة فی مقام الاستعمال هو المقدار المتناهی من المعانی، ضرورة کون الاستعمالات - لصدورها عن البشر غیر القادر إلاّ علی استعمال متناهٍ - متناهیة، فلا بد أن تکون المعانی التی تستعمل فیها الألفاظ بحسب الأوضاع متناهیة أیضا، فیصیر الوضع فی الزائد علی المتناهی لغواً، و حینئذٍ فإن کان الواضع هو اللَّه تعالی امتنع علیه الوضع فی هذا الزائد، و إن کان غیره عُدّ خارجاً عن طریقة العقلاء و قبیحاً عندهم، إذ لا یترتب علی الوضع للزائد علی المتناهی غرض التفهیم و التفهم، فیکون منافیاً لحکمة الوضع.

(3). یعنی: لم یکد یُجدی إمکان الاشتراک فی المعانی غیر المتناهیة إلاّ فی مقدارها المتناهی کما عرفت آنفاً.

(4). هذا ثالث الوجوه، و حاصله: أنّ المعانی الجزئیة و إن کانت غیر متناهیة، لکنها لا تقتضی الأوضاع غیر المتناهیة، لإغناء الوضع للمعانی الکلیة المتناهیة عن الوضع للمعانی الجزئیة غیر المتناهیة، فلا داعی إلی وجوب الاشتراک.

(5). أی: و جزئیات المعانی.

(6). أی: بإزاء الجزئیات، لشیوع استعمال اللفظ الموضوع للکلی فی أفراده.

کما لا یخفی، مع (1) أنّ المجاز باب واسع، فافهم (2).

(الثانی عشر)

اشارة

: أنّه قد اختلفوا فی جواز استعمال اللفظ فی أکثر من معنی (3) علی سبیل الانفراد و الاستقلال بأن یراد منه کل واحد (4) کما إذا لم یستعمل -


(1). هذا رابع الوجوه، و حاصله: أنّ باب التفهیم و التفهم لیس منحصراً بالاستعمال الحقیقی، بل یمکن إفهام المعانی بالاستعمال المجازی، لکون المجاز واسعاً، فلا موجب لوجوب الاشتراک فی الألفاظ.

(2). لعلّه إشارة إلی عدم العلاقة أو المناسبة المصحِّحة للاستعمال المجازی فی جمیع المعانی، فلا یُغنی المجاز عن الاشتراک. أو إلی: أنّ الألفاظ - نظراً إلی إمکان ترکیبها بهیئات مختلفة - تصیر غیر متناهیة، فلا حاجة إلی الاشتراک بعد کون الألفاظ کالمعانی غیر متناهیة.

(3). لَمّا کان هذا البحث جاریاً فی المتعدد من المعنی مطلقاً - سواء أ کان الجمیع حقیقیاً أم مجازیاً أم مختلفاً - کان عنوان المتن أولی من سائر العناوین المذکورة فی کتب القوم، لاختصاصها بالمعانی الحقیقیة، بخلاف عنوان المتن، لکونه شاملا للمعانی المجازیة أیضا.

(4). هذا تفسیر الاستقلال، و حاصله أن یکون اللفظ قالباً لکل من المعنیین أو المعانی کما یکون قالباً للواحد إذا استعمل فیه فقط، فلا یکون من استعمال اللفظ فی أکثر من معنی إذا استعمل فی مجموع المعنیین أو المعانی بحیث یکون کل منهما أو منها جزء المستعمل فیه، نظیر العام المجموعی، بل المبحوث عنه فی المقام هو کون اللفظ قالباً لکل منهما أو منها بأن یکون کل منهما أو منها مدلولاً مطابقیاً للفظ نظیر العام الاستغراقی.

إلاّ فیه (1) علی أقوال (2) أظهرها عدم جواز الاستعمال فی الأکثر عقلا (3)، و بیانه (4): أنّ حقیقة الاستعمال لیس مجرد جعل اللفظ علامة لإرادة المعنی، بل -


(1). أی: فی کل واحد فقط بأن لم یکن اللفظ مستعملا إلاّ فیه.

(2). متعلق بقوله: «اختلفوا» و لا بأس قبل شرح مختار المصنف (قده) بالتعرض لصور استعمال اللفظ فی أکثر من معنی حتی یظهر ما هو محل النزاع بینهم، فنقول و به نستعین: إنّ استعمال اللفظ فی أکثر من معنی یتصور علی وجوه:

أحدها: استعماله فی الجامع بین المعنیین أو المعانی، بحیث یکون کل منهما أو منها فرداً لذلک الجامع، کاستعمال صیغة الأمر فی جامع الطلب الّذی یکون کل من الطلب الوجوبیّ و الندبی فرداً له.

ثانیها: استعماله فی مجموع المعنیین أو المعانی، بحیث یعد کل منهما أو منها جزءاً للمستعمل فیه کالعام المجموعی.

ثالثها: استعماله فی واحد منهما أو منها لا بعینه، بحیث یکون المعنی الفرد المردّد بین المعنیین أو المعانی کما فی النکرة رابعها: استعماله فی کل واحد منهما أو منها علی نحو الاستقلال، کما عرفت آنفاً فی شرح کلام المصنف (قده)، و هذا هو مورد البحث و النزاع بین الأُصولیین کما عن الفصول و غیره. أمّا الأوّل و الثالث، فهما خارجان عنه، و لیسا من استعمال اللفظ فی أکثر من معنی بل فی معنی واحد. و أمّإ؛ققللَّه‏للَّه؛ الثانی، فهو خارج عنه أیضا، و لا نزاع فی جوازه فی الجملة کما فی الفصول، فتأمّل.

(3). مطلقاً من غیر فرق فی ذلک بین المفرد و التثنیة و الجمع کما سیظهر.

(4). یعنی: و بیان عدم جواز الاستعمال فی أکثر من معنی عقلاً منوط بتقدیم مقدمة، و هی: أنّ حقیقة الاستعمال عبارة عن جعل اللفظ فانیاً فی المعنی

.......... -و عنواناً له بحیث یعد اللفظ وجوداً لفظیاً للمعنی فی مقابل سائر وجوداته من الکتبی و العینی و الذهنی.

و بالجملة: فالاستعمال إیجاد المعنی بالوجود اللفظی بحیث یعدّ المعنی هو الملقی إلی المخاطب و اللفظ مرآتاً له، حیث إنّ الاستعمال منوط بتصور کل من اللفظ و المعنی، فالوجود الذهنی متحقق للمعنی قبل الاستعمال، و من المعلوم: أنّه یترتب علی استعمال اللفظ فیه غیر وجوده الذهنی، و لا یکون ذلک إلاّ وجوده اللفظی، بداهة عدم صلاحیة الاستعمال لإیجاد المعنی تکویناً فی الخارج، و لا کتباً، فلیس حقیقة الاستعمال إلاّ إیجاد المعنی باللفظ

«-»

و لیس حقیقته کون اللفظ علامة للمعنی بأن یرید المتکلم المعنی من غیر ناحیة اللفظ، ثم جعل اللفظ علامة علی إرادته بحیث عدّ اللفظ قرینة علی المراد. (-). یمکن الاستدلال علی کون حقیقة الاستعمال فناء اللفظ فی المعنی بوجوه:

أحدها: أنّ الوجود اللفظی من أنحاء الوجود، و حینئذٍ فإن کان الاستعمال فناء اللفظ فی المعنی الموجب لصیرورته وجوداً لفظیاً له تحقق للمعنی وجودٌ لفظی، و لا إشکال فی ذلک، لکون اللفظ حینئذٍ هو المعنی، فتتحقق الهوهویة الاعتباریة الموجبة لصیرورة اللفظ وجوداً لفظیاً للمعنی. و إن کان الاستعمال جعل اللفظ علامة للمعنی فلا یتحقق له ذلک، لأنّ الهوهویة الاعتباریة الموجبة لکون اللفظ وجوداً لفظیاً للمعنی لا تتحقق حینئذٍ، لعدم الاتحاد بین العلامة و ذیها.

ثانیها: أنّه لا شک فی أنّ المتکلم یلقی المعانی التی یرید بیانها بالألفاظ، و إلقاؤها بها یتوقف علی الاتحاد و الهوهویة بینهما، إذ لیس إلقاء أحد الأجنبیین إلقاءً للآخر، و هذه الهوهویة منوطة بکون الاستعمال فناء اللفظ فی المعنی، إذ لو کان

جعله وجهاً و عنواناً له، بل بوجه نفسه کأنّه الملقی، و لذا (1) یسری إلیه قُبحه و حُسنه کما لا یخفی، و لا یکاد یمکن جعل اللفظ کذلک (2) -


(1). أی: و لکون اللفظ وجه المعنی بل نفسه بوجه یسری إلیه حُسن المعنی و قبحه.

(2). أی: وجهاً و عنواناً للمعنی، و حاصل استدلاله علی عدم جواز استعمال اللفظ فی أکثر من معنی بعد بیان المقدمة المتکفلة لحقیقة الاستعمال هو: أنّ لحاظ اللفظ وجهاً للمعنی و فانیاً فیه ینافی لحاظه وجهاً لمعنی آخر، بل لیس ذلک إلاّ جمعاً بین المتضادین، لأنّ فناء لفظ واحد فی معنی کذلک ینافی فناءه فی معنی آخر مع فرض وحدة اللحاظ، فإنّ اللفظ الواحد کقلنسوة واحدة، فکما لا یمکن جعلها فی آنٍ واحد علی رأسین بحیث تکون محیطة بتمام کل منهما، فکذلک لا یمکن جعل لفظ واحد فی آنٍ واحد فانیاً فی اثنین و وجوداً و وجهاً لهما معاً، فالمتحصل من هذا البیان: امتناع استعمال لفظ واحد فی أکثر من معنی

«-»

.علامة یکون کل منهما أجنبیاً عن الآخر، و قد عرفت عدم کون إلقاء أحد الأجنبیین إلقاءً للآخر.

ثالثها: أنّ المناسب للوضع الخارجی المقولی الّذی هو هیئة تعرض الجسم باعتبار نسبتین أن یکون الوضع الاعتباری الإنشائیّ جعل الهوهویة و الاتحاد بین اللفظ و المعنی، لأنّ الهیئة الاعتباریة لا تحصل إلاّ بهذا الاتحاد، و لا یحصل هذا الاتحاد إلاّ بفناء اللفظ فی المعنی، فلا تحصل تلک الهیئة بجعل اللفظ علامة له، إذ التغایر بینهما مانع عن حصولها، فتدبر

(-). لا یخفی أنّه یترتب علی هذا البیان أمور:

الأوّل: لزوم تبدیل عنوان البحث ب «استعمال اللفظ فی أکثر من معنی

إلاّ لمعنی واحد، ضرورة (1) أنّ لحاظه هکذا (2) فی إرادة معنی ینافی لحاظه (3) -


(1). تعلیل لقوله: «و لا یکاد یمکن».

(2). أی: لحاظ اللفظ وجهاً و عنواناً، و حاصله: اجتماع اللحاظین المتضادین کما مر تقریبه آنفاً.

(3). أی: لحاظ اللفظ. حقیقی» إذ الاستعمال بالمعنی المذکور لا یتأتّی فی غیر المعنی الحقیقی، لعدم صلاحیة اللفظ لأن یکون فانیاً فی غیره، لکون الصلاحیة ناشئة عن الوضع، و لا وضع فی غیر المعنی الحقیقی.

الثانی: کون مورد النزاع هو المعانی الإفرادیة دون الترکیبیة لأنّ الألفاظ موضوعة للمعانی الإفرادیة، و تستفاد المعانی الجملیة من ضمّ المفردات بعضها إلی بعض.

الثالث: عدم تصور المجاز فی الکلمة، لأنّه بعد العلم بالوضع لا ینسبق من اللفظ إلاّ المعنی الموضوع له، و لا یمکن سلب هذا الانسباق عنه، فلا بد من إنکار المجاز فی الکلمة الّذی هو صیرورة اللفظ وجهاً للمعنی و فانیاً فیه کفنائه فی المعنی الحقیقی، و الالتزام بکون القرائن معیِّنة للمراد، لا صارفة للفظ عن معناه الحقیقی کما هو المقصود من قرینة المجاز فی الکلمة. و یمکن الاستئناس لذلک أیضا بظاهر هیئة الاستعمال، لأنّها تناسب جعل اللفظ فانیاً فی المعنی، إذ مقتضاها جعل اللفظ عاملاً فی المعنی، فإن کان الاستعمال فناء اللفظ فیه، فلا إشکال حینئذٍ فی تحقق عمل من اللفظ فی المعنی، لکونه موجداً له وجوداً لفظیاً، و ان کان أماریة اللفظ علی المعنی فلا یتحقق عمل من اللفظ فیه إذ مجرد کونه علامة لیس عملاً فی المعنی، فتأمل.

کذلک (1) فی إرادة الآخر (2)، حیث إنّ لحاظه (3) کذلک (4) لا یکاد یکون إلاّ بتبع لحاظ المعنی فانیاً فیه (5) فناء الوجه فی ذی الوجه و العنوان فی المعنون، و معه (6) کیف یمکن إرادة معنی آخر معه کذلک فی (7) استعمال واحد؟ مع (8) استلزامه للحاظ آخر غیر لحاظه کذلک (9) فی هذا الحال (10) ------


(1). أی: وجهاً و عنواناً.

(2). أی: فی إرادة المعنی الآخر.

(3). أی: لحاظ اللفظ.

(4). أی: وجهاً.

(5). أی: حال کون اللفظ فانیاً فی المعنی کفناء المرآة فی المرئی.

(6). أی: و مع لحاظ اللفظ وجهاً و عنواناً للمعنی کیف یمکن إرادة معنی آخر مع المعنی الأول بنحو یکون اللفظ فانیاً فیه کفنائه فی المعنی الأوّل فی استعمال واحد؟

(7). متعلق بقوله: «إرادة».

(8). الظرف متعلق بقوله: «إرادة» و هذا تقریب الاستحالة، و لیس وجهاً آخر، و الأولی: تأنیث ضمیر «استلزامه»، لرجوعه إلی «إرادة معنی آخر» و حاصله: أنّه کیف یمکن إرادة معنی آخر فی استعمال واحد مع استلزام إرادته لحاظ اللفظ ثانیاً غیر لحاظه أوّلاً، و هذان اللحاظان متضادان یمتنع اجتماعهما فی استعمال واحد، فلا محیص عن القول بعدم جواز استعمال اللفظ فی أکثر من معنی.

(9). أی: لحاظ اللفظ وجهاً و عنواناً للمعنی.

(10). أی: فی حال وحدة الاستعمال.

(و بالجملة) لا یکاد یمکن فی حال استعمال واحد لحاظه (1) وجهاً لمعنیین و فانیاً فی الاثنین إلا أن یکون اللاحظ أحول العینین (2). فانقدح بذلک (3) امتناع استعمال اللفظ مطلقاً مفرداً کان أو غیره (4) فی أکثر من معنی بنحو الحقیقة أو المجاز (5)، و لو لا امتناعه (6) فلا وجه لعدم جوازه، فإنّ اعتبار الوحدة فی الموضوع له (7) -


(1). أی: اللفظ.

(2). إذ الأحول یری الواحد اثنین، فإذا رأی اللفظ الواحد اثنین فیلاحظ کلاًّ منهما فانیاً فی معنی.

(3). أی: بامتناع إرادة معنیین من لفظ فی استعمال واحد.

(4). هذا تفسیر - الإطلاق - و المراد بغیر المفرد: - التثنیة و الجمع - و حاصله: أنّ امتناع إرادة معینین عقلا فی استعمال واحد لا یتفاوت فیه بین المفرد و بین التثنیة و الجمع، و ذلک لأنّ علامة التثنیة و الجمع لا تدلّ إلاّ علی تکرر ما أرید من المفرد، و قد عرفت آنفاً: امتناع إرادة معنیین من المفرد. و علیه فلا تدل التثنیة و الجمع إلاّ علی المتعدد مما أرید من مفردهما، و هو معنی واحد کما عرفت.

(5). لجریان محذور اجتماع اللحاظین فی کلیهما.

(6). أی: و لو لا امتناع الاستعمال عقلاً لامتناع تعدد اللحاظ لم یکن وجه لعدم جواز الاستعمال فی أکثر من معنی و بالجملة: فالمانع هو المحذور العقلی المتقدم أعنی: اجتماع اللحاظین المتضادین الممتنع عقلا، لا ما سیذکر من اعتبار الوحدة فی الموضوع له.

(7). أشار بذلک إلی ما ذکره صاحب المعالم من وجه عدم الجواز بنحو

واضح المنع (1)، و کون الوضع فی حال وحدة المعنی. و توقیفیته (2) لا یقتضی عدم الجواز بعد ما لم تکن الوحدة قیداً للوضع و لا للموضوع له کما لا یخفی. -الحقیقة، و حاصله: أنّ اللفظ وضع للمعنی مقیداً بالوحدة، فاستعماله فی المعنیین یستلزم إلغاء قید الوحدة، فیکون مستعملاً فی غیر الموضوع له معنی حقیقیاً.


(1). هذا دفع الوجه المزبور، و وجه وضوحه: أنّ المتّبع من فعل الواضع هو ما یرجع إلی اللفظ و المعنی الموضوع له دون غیرهما، و لا دلیل علی اعتبار الواضع قید الوحدة فی المعنی، بل لو أرید لحاظ المستعملین للوحدة فأخذه فی الموضوع له ممتنع، لما تقدم فی محله من امتناع دخل اللحاظ الناشئ من الاستعمالات فی الموضوع له

«-»

.

(2). أی: و توقیفیة الوضع، و هو إشارة إلی وجه آخر استدل به بعض (-). لا یخفی أنّ الوحدة تارة تکون قیداً للموضوع له، و أخری قیداً للاستعمال بأن شرط الواضع علی المستعملین أن لإ؛ککللَّه‏للَّه؛ یستعملوا اللفظ فی الموضوع له إلاّ فی حال انفراد المعنی و وحدته، و مرجعه إلی شرط تعبدی، و ثالثة قیداً لنفس الوضع بأن یکون وحدة المعنی شرطاً لتحقق الوضع کشرط الوجوب، فإن کانت قیداً للموضوع له فلا محیص عن اتباع الواضع فیه، لکن لم یثبت ذلک. و ان کانت قیداً للاستعمال، فلا دلیل علی لزوم الوفاء به بعد فرض کون الموضوع له طبیعة المعنی عاریة عن قید الوحدة. و إن کانت قیداً لنفس الوضع بحیث یتوقف الوضع علی الاستعمال فی المعنی مقیداً بالوحدة، فیرد علیه: أنّه مستلزم للاستحالة، ضرورة أنّ الاستعمال الحقیقی متأخر عن الوضع، لأنّه - کما تقدم - فناء اللفظ فی المعنی الموضوع له، فإذا توقف الوضع علیه لدار، فالحق أنّ اللفظ وضع لذات المعنی من دون قید من الوحدة و غیرها، فلا محذور فی استعمال اللفظ فی أکثر

.......... -المحققین - کصاحب القوانین (قده) - علی عدم الجواز، و حاصله: أنّ الوضع قد حصل فی حال وحدة المعنی و انفراده، و لمّا کانت اللغات توقیفیة فلا بد من مراعاة انفراد المعنی حین استعمال اللفظ فیه، فاستعماله فی أکثر من معنی ینافی توقیفیة اللغات، فلا یجوز. و محصل جواب المصنف (قده) عنه هو: أنّ تحقق الوضع فی حال وحدة المعنی و انفراده لا یمنع عن استعمال اللفظ فی أکثر من معنی. و بعبارة أخری: کون انفراد المعنی من حالات الوضع لا یوجب متابعته و الالتزام به حتی یلزم استعمال اللفظ فی المعنی المنفرد، و إلاّ وجب متابعة سائر الحالات المقارنة للوضع کوقوعه فی اللیل أو النهار و فی الصیف أو الشتاء أو فی حال شباب الواضع أو غناه أو فقره إلی غیر ذلک من الخصوصیات المقارنة للوضع، و کان فقدان خصوصیة من الخصوصیات المقارنة له مانعاً عن صحة الاستعمال، و من المعلوم عدم کون شی‏ء منها مانعاً عنها.

فالمتحصل: أنّ الانفراد حال الوضع غیر مانع عن جواز الاستعمال فی الأکثر. نعم إنّما یتصور المنع إذا کان الانفراد قیداً للوضع، بأن اشترط الواضع علی المستعملین أن لا یستعملوا اللفظ فی المعنی إلاّ فی حال انفراده بعد کون ______________________________ من معنی من ناحیة اعتبار الوحدة، و إنّما المانع تعدد اللحاظ المتضاد مع وحدة الاستعمال، هذا کله فی الوحدة اللحاظیة المانعة عن الاستعمال فی المعنیین. و أمّا الوحدة المفهومیة فیکذبها الوجدان، إذ اللازم من ذلک دلالة اللفظ دائماً علی نفس المعنی تضمناً لا مطابقة، لأنّ المفروض کون طبیعة المعنی جزء الموضوع له لا تمامه. و أمّا الوحدة الخارجیة المساوقة للوجود و التشخص، فهی محفوظة و لو مع استعماله فی ألف معنی کما لا یخفی.

ثم إنّه لو تنزّلنا عن ذلک (1) فلا وجه للتفصیل بالجواز علی نحو الحقیقة فی التثنیة و الجمع، و علی نحو المجاز فی المفرد مستدلاًّ علی کونه (2) بنحو الحقیقة فیهما لکونهما (3) بمنزلة تکرار اللفظ، و بنحو المجاز فیه (4) لکونه (5) موضوعاً للمعنی بقید الوحدة، فإذا استعمل -الموضوع له طبیعة المعنی نظیر الشرط فی ضمن العقد، أو کان الانفراد قیداً للموضوع له، بأن وضع اللفظ بإزاء المعنی المقید بالانفراد، لکن هذا الشرط علی هذین النحوین أیضا غیر مانع، لعدم ثبوت الثانی و استحالة الأوّل کما بینا ذلک فی التعلیقة، فراجع.


(1). یعنی: و لو تنزّلنا عن الامتناع العقلی الناشئ من اجتماع اللحاظین المتضادین فی استعمال واحد، و قلنا بإمکان الاستعمال فی أکثر من معنی، فلا وجه لتفصیل صاحب المعالم من الجواز علی نحو الحقیقة فی التثنیة و الجمع و علی نحو المجاز فی المفرد، استناداً فی المفرد إلی أنّ الاستعمال فی أکثر من معنی یستلزم إلغاء قید الوحدة و صیرورة المستعمل فیه جزء المعنی الموضوع له، فیکون هذا الاستعمال مجازاً بعلاقة الکل و الجزء، و فی التثنیة و الجمع إلی أنّهما بمنزلة تکرار اللفظ، و لا مانع من استعمال أحد اللفظین أو الألفاظ فی معنی أو معانٍ غیر ما استعمل فیه اللفظ الآخر أو الألفاظ الأُخری، فیکون استعمال التثنیة و الجمع فی المعنیین المختلفین أو المعانی المختلفة علی نحو الحقیقة، بخلاف المفرد، فإنّه علی نحو المجاز کما تقدم.

(2). أی: الاستعمال.

(3). الضمیران راجعان إلی - التثنیة و الجمع -.

(4). أی: فی المفرد.

(5). أی: لکون اللفظ، و هذا تعلیل لکون الاستعمال بالنسبة إلی المفرد مجازاً کما ذکره فی المعالم.

فی الأکثر لزم إلغاء قید الوحدة (1) فیکون مستعملا فی جزء المعنی (2) بعلاقة الکل و الجزء فیکون مجازاً، و ذلک (3) لوضوح أنّ الألفاظ لا تکون موضوعة إلاّ لنفس المعانی بلا ملاحظة قید الوحدة، -


(1). لا یخفی أنّ هذا دلیل علی کون الوحدة علی تقدیر اعتبارها هی الوحدة اللحاظیة، لأنّها المانعة عن الاستعمال فی الأکثر، دون الوحدة المفهومیة و الخارجیة، فتدبر.

(2). و هو نفس المعنی بدون قید الوحدة، و المصحح لهذا الاستعمال المجازی هو علاقة الکل و الجزء، إذ المفروض کون الموضوع له مجموع المعنی و الوحدة، فاستعمال اللفظ فی المعنی عاریاً عن الوحدة استعمال له فی جزء معناه کاستعمال سائر الألفاظ الموضوعة للکل فی الجزء

«-»

.

(3). تعلیل لقوله: «فلا وجه للتفصیل بالجواز علی نحو الحقیقة... إلخ» و محصل ما أفاده فی ردّ التفصیل المزبور وجهان:

أحدهما: أنّ الموضوع له ذات المعنی من دون تقیده بالوحدة، فاستعمال اللفظ فیه لیس مجازاً بل حقیقة، لکونه استعمالاً فی تمام ما وضع له. و لا یخفی أنّ هذا الجواب لا یلائم حمل قوله: «ثم إنّه لو تنزّلنا عن ذلک» علی تسلیم اعتبار الوحدة فی الموضوع له، إذ تسلیمه یُنافی ردّه بأنّ الوحدة لیست معتبرة فی الموضوع له، فلاحظ. (-). یمکن أن یقال بعد تسلیم اعتبار الوحدة فی الموضوع له: إنّ علاقة الکل و الجزء المصحِّحة للاستعمال المجازی مختصة بالمرکب الخارجی لا التحلیلی الذهنی کالمعنی المقید بالوحدة اللحاظیة، حیث إنّ الوحدة جزءٌ ذهنی، فعلاقة الکل و الجزء مفقودة هنا، فلا یصح استعمال المفرد فی أکثر من معنی و لو مجازاً

و إلاّ (1) لما جاز الاستعمال فی الأکثر، لأنّ الأکثر لیس جزء المقید بالوحدة، بل یباینه مباینة الشی‏ء بشرط شی‏ء و الشی‏ء بشرط لا کما لا یخفی، و التثنیة و الجمع (2) و إن کانا بمنزلة التکرار فی اللفظ، إلاّ أنّ الظاهر أنّ اللفظ فیهما (3) کأنّه کُرِّر و أُرید من کل لفظ فرد من أفراد معناه، -


(1). أی: و إن کانت الوحدة قیداً للموضوع له، و هذا ثانی وجهی الرد، و حاصله: أنّه - بعد تسلیم اعتبار الوحدة فی المعنی - لا یجوز استعمال المفرد فی أکثر من معنی و لو مجازاً، إذ لیس الأکثر جزء الموضوع له لیصح استعمال اللفظ فیه مجازاً بعلاقة الکل و الجزء، و ذلک لأنّ المستعمل فیه - و هو الأکثر - مباین للمعنی الحقیقی و هو المعنی مقیداً بالوحدة، لمباینة المشروط بشی‏ءٍ للمشروط بعدمه، فإنّ الأکثر یکون بشرط شی‏ء و المقید بالوحدة یکون بشرط لا، و من المعلوم منافرتهما، فأین الکل و الجزء حتی یصح الاستعمال المجازی بلحاظهما؟ فدعوی استعمال المفرد فی أکثر من معنی واحد مجازاً غیر مسموعة.

(2). بعد أن ردّ کلام المعالم فی المفرد أخذ فی ردِّ الجزء الثانی من تفصیله و هو: جواز الاستعمال فی التثنیة و الجمع علی نحو الحقیقة، و حاصل ما أفاده المصنف (قده) فی رده هو: أنّ التثنیة و الجمع و إن کانا بمنزلة تکرار المفرد کما هو مبنی حجة المفصل علی کون استعمالهما فی أکثر من معنی علی نحو الحقیقة، إلاّ أنّ علامة التثنیة و الجمع تدل علی تعدد أفراد ما أُرید من المدخول، و من المعلوم:

أنّ المراد من المفرد معنی واحد، فالتعدد یکون فی أفراد ذلک المعنی الواحد، فإذا أُرید من العین مثلاً الذهب فلا یراد من تثنیتها و جمعها إلاّ فردان و أفراد من الذهب، و علی هذا فوزان التثنیة و الجمع وزان المفرد فی عدم جواز استعمالهما فی أکثر من معنی واحد علی نحو الحقیقة.

(3). أی: فی التثنیة و الجمع.

لا أنّه أُرید منه (1) معنی من معانیه، فإذا قیل مثلا: - جئنی بعینین - أُرید فردان من العین الجاریة لا العین الجاریة و العین الباکیة، و التثنیة و الجمع فی الأعلام (2) إنما هو بتأویل المفرد إلی المسمی بها (3). -


(1). یعنی: لا أنّه أُرید من کل لفظ معنی من معانیه حتی یکون المراد بالتثنیة و الجمع التعدد فی المعنی، لا التعدد فی مصداق معنی واحد، و علیه:

فیراد من قوله: «جئنی بعینین» مثلا فردان من العین الباکیة لا معنیان کالعین الباکیة و الجاریة.

(2). هذا اعتراض علی ما ذکره: من أنّ علامة التثنیة و الجمع لا تدلّ علی تعدد المعنی، و إنّما تدل علی تعدد مصداق المعنی الواحد الّذی أُرید من المفرد.

توضیح الاعتراض: أنّ لازم ذلک عدم صحة دخول علامة التثنیة و الجمع علی الأعلام، لعدم کون معنی العلم الّذی یُثنّی و یجمع ذا أفراد حتی یراد فی تثنیته و جمعه فردان أو أفراد من معناه، فإنّ - زیدین - مثلا یراد بهما معنیان، لا فردان من معنی واحد، فعلی تقدیر دلالة علامة التثنیة و الجمع علی تعدد مصداق معنی واحد لا یصح تثنیة الأعلام و جمعها مع أنّ من البدیهی صحتهما، و لذا قال فی المعالم: «فکما یجوز إرادة المعانی المتعددة من الألفاظ المفردة المتحدة المتعاطفة علی أن یکون کل واحد منها مستعملاً فی معنی بطریق الحقیقة فکذا ما هو فی قوته» أقول: و مراده بما هو فی قوّته هو التثنیة و الجمع کما لا یخفی.

(3). أی: بالأعلام، هذا دفع الاعتراض المذکور، و حاصله: أنّ الأعلام التی تلحقها علامة التثنیة و الجمع لا تستعمل فی معانیها الحقیقیة غیر القابلة للتعدد، بل تستعمل فی معنی مجازی - و هو المسمی - ثم تثنی و تجمع، فزید مثلا یؤوّل بالمسمی

مع (1) أنّه لو قیل بعدم التأویل و کفایة الاتحاد فی اللفظ فی استعمالها (2) حقیقة بحیث جاز إرادة عین جاریة و عین باکیة من تثنیة العین حقیقة لما کان هذا (3) من باب استعمال اللفظ فی الأکثر، لأن (4) هیئتهما إنما تدل علی إرادة المتعدد مما یراد من مفردهما فیکون استعمالهما و إرادة المتعدد -ثم یثنی و یجمع، و من المعلوم: أنّ المسمی ذو أفراد و مصادیق، فیصیر - زید - بعد هذا التأویل کالعین التی یکون لکل واحد من معانیه أفراد.


(1). هذا وجه آخر لدفع الاعتراض المزبور و هو کفایة الاتحاد فی اللفظ فی لحوق علامة التثنیة و الجمع، و حاصله: أنّه - بناءً علی دلالة علامة التثنیة و الجمع علی مطلق التعدد لا تعدد خصوص مصداق المعنی المراد من المفرد - یلزم خروج التثنیة و الجمع عن حریم النزاع و هو استعمال اللفظ فی أکثر من معنی واحد، ضرورة أنّ التثنیة و الجمع بعد أن کانا بمنزلة تکرار المفرد، فلا بأس بأن یراد من کل لفظ معنی غیر المعنی الّذی أُرید من لفظ آخر، و من المعلوم: أنّ هذا لیس من استعمال اللفظ فی أکثر من معنی حتی ینازع فی کونه علی نحو الحقیقة أو المجاز، فإرادة العین الجاریة من لفظ - عین - و إرادة العین الباکیة من لفظ عین آخر لیست من استعمال اللفظ فی أکثر من معنی.

(2). أی: استعمال التثنیة و الجمع حقیقة.

(3). أی: الاستعمال.

(4). تعلیل لعدم کون استعمال التثنیة و الجمع فی المعنیین أو المعانی من باب استعمال اللفظ فی أکثر من معنی، و حاصله: أنّ التثنیة و الجمع وضعاً للمتعدد من المعنی الّذی أُرید من المفرد، فإذا أُرید بالعین مثلا - الباکیة - فیراد بالتثنیة اثنان من العین الباکیة، و إن أُرید بالعین - الباکیة و الجاریة - فالمراد بالتثنیة حینئذٍ هذان المعنیان.

من معانیه (1) استعمالاً لهما فی معنی واحد، کما إذا استعملا و أُرید المتعدد عن معنی واحد منهما (2) کما لا یخفی. نعم (3) لو أُرید مثلا من عینین فردان -


(1). یعنی: من معانی المفرد.

(2). الضمیر راجع إلی التثنیة و الجمع، لکن المناسب إفراد الضمیر لیرجع إلی - المعانی - و حاصله: أنّ استعمال التثنیة و الجمع و إرادة المتعدد من معانی المفرد کاستعمالهما و إرادة المتعدد من مصادیق معنی واحد من معانی المفرد، إلاّ أنّ یقال: إنّ قوله: «منهما» متعلق بقوله: «و أُرید» فیکون معناه حینئذٍ: کما إذا استعملا و أُرید منهما المتعدد من معنی واحد، لکنه خلاف الظاهر.

(3). استدراک علی قوله: «مع أنّه لو قیل بعدم التأویل... إلخ» و غرضه:

إبداء صورة استعمال التثنیة و الجمع فی أکثر من معنی بحیث لا تکون من استعمالهما فی معنی واحد، و تلک الصورة هی ما إذا استعملت التثنیة مثلا فی فردین من معنیین کفردین من العین الباکیة و فردین من العین الجاریة، فإنّ هذا من الاستعمال فی معنیین لا معنی واحد، و لا یجدی فی کون هذا الاستعمال علی نحو الحقیقة تکرُّرُ المفرد، کما استدل به صاحب المعالم علی کون الاستعمال فی التثنیة و الجمع علی نحو الحقیقة. وجه عدم الإجداء: وجود مناط المجازیة و هو إلغاء قید الوحدة المعتبرة فی الموضوع له فی هذا الاستعمال، إذ المفروض أنّ التثنیة وضعت لطبیعتین أو لفردین من طبیعة واحدة، فاستعمالها فی أربعة أفراد فردین من طبیعة، و فردین من طبیعة أُخری استعمالٌ لها فی غیر الموضوع له، لإلغاء قید الوحدة فیها، حیث إنّ الموضوع له فردان من طبیعة واحدة أو طبیعتان، لدلالة المفرد المکرّر علیهما، و علی التقدیرین تکون الوحدة محفوظة.

و أمّا إذا استعملت التثنیة فی أربعة أفراد من طبیعتین، فلا محالة تلغی الوحدة

من الجاریة و فردان من الباکیة کان من استعمال العینین فی المعنیین، إلاّ أنّ حدیث التکرار (1) لا یکاد یُجدی فی ذلک (2) أصلا، فإنّ فیه (3) إلغاء قید الوحدة المعتبرة أیضا (4)، ضرورة أن التثنیة عنده إنّما تکون لمعنیین أو لفردین بقید الوحدة (5)، و الفرق بینها (6) و بین المفرد إنّما یکون فی أنّه موضوع للطبیعة -المعتبرة فی الموضوع له، فلا فرق حینئذٍ بین المفرد و بین التثنیة و الجمع فی کون الاستعمال فی الجمیع علی نحو المجاز.


(1). أشار بذلک إلی ما استدل به صاحب المعالم من أنّهمإ؛للللَّه‏للَّه؛ بمنزلة تکرار اللفظ، و قد مرّ.

(2). أی: فی کون الاستعمال علی نحو الحقیقة.

(3). أی: فی استعمال التثنیة فی أفراد أربعة کلّ فردین منها من طبیعة واحدة، و هذا تعلیل لقوله: «لا یکاد یجدی» و حاصله: إلغاء قید الوحدة فی التثنیة.

(4). یعنی: کإلغاء قید الوحدة فی المفرد.

(5). قید لکل من قوله: «لمعنیین أو لفردین».

(6). أی: بین التثنیة و بین المفرد، ثم إنّه لمّا توهم من اعتبار قید الوحدة فی کل من المفرد و التثنیة عدم الفرق بینهما فی الوضع نبّه علی الفرق بینهما بأنّ المفرد موضوع للطبیعة بقید الوحدة و التثنیة لفردین من تلک الطبیعة المقیدة بالوحدة أو لمعنیین من معانی المفرد مع تقید کل من المعنیین بالوحدة لیکون معنی - عینین - العین الجاریة الواحدة و العین الباکیة الواحدة، أو فردین من الجاریة أو الباکیة، لا فردین من کل منهما

«-»

. (-). الّذی یستفاد من جملة من کلمات النحویین: أنّ علامة التثنیة تدل علی تعدد ما یراد من المفرد، فالعلامة أمارة تعدد مصداق الجنس الّذی أُرید من المفرد

و هی (1) موضوعة لفردین منها (2) أو معنیین کما هو أوضح من أن یخفی

(وهم و دفع)

لعلّک تتوهم (3) أنّ الأخبار الدالة علی أنّ للقرآن بطوناً سبعة أو سبعین تدل علی وقوع استعمال اللفظ فی أکثر من معنی واحد فضلا -


(1). أی: التثنیة، و هی من باب المثال، و إلاّ فالجمع أیضا کذلک.

(2). أی - من الطبیعة -.

(3). محصل هذا التوهم: أنّ ما تقدم فی وجه امتناع استعمال اللفظ فی أکثر من معنی واحد یُنافی ما دلّ من الروایات علی أنّ للقرآن بطوناً سبعة أو سبعین بطناً. وجه المنافاة: دلالة تلک الروایات علی وقوع استعمال اللفظ فی تلک البطون، و لیس ذلک إلاّ من باب استعمال اللفظ فی أکثر من معنی، و من المعلوم:

منافاة الوقوع للامتناع العقلی. _=============== سواء أ کان المصداقان من مصادیق ماهیتین کالأبیضین - لإنسان و فرس - حیث إنّ الجامع بینهما فی نظر الواضع هو البیاض من دون نظر إلی متعلقه من حیث تعدد الماهیة و وحدتها، أم من مصادیق ماهیة واحدة کقولک: - الأبیضان لإنسانین - و لمّا کان المراد بالمفرد جنساً واحداً و جامعاً فارداً مشترکاً بین الأفراد، فعلامة التثنیة تحدِّد مصادیق ذلک الجنس بفردین، و هذا هو المتبادر من علامة التثنیة.

و ربما یدل علیه ما عن ابن الحاجب: «المثنی ما أُلحق آخره ألف أو یاء مفتوح ما قبلها و نون مکسورة لیدل علی أنّ معه مثله من جنسه» أقول: و فسّر الشارح الرضی: الجنس بمعنی جامع صالح لأن ینطبق علی أکثر من فرد واحد. و بالجملة:

فعلامة التثنیة لیست بمنزلة تکرار اللفظ فی إرادة معنیین من لفظین، بل وضعت لإرادة المتعدد من أفراد المعنی الّذی أُرید من المفرد، ففرق واضح بین قوله:

«جئنی بعین و عین» و بین «جئنی بعینین»، حیث إنّه یصح إرادة معنیین فی الأوّل دون الثانی.

عن جوازه (1). و لکنک غفلت عن أنّه لا دلالة لها (2) أصلاً علی أنّ إرادتها کان من باب إرادة المعنی من اللفظ، فلعلّه کان بإرادتها فی أنفسها حال الاستعمال فی المعنی لا من اللفظ (3) کما إذا استعمل فیها، أو کان المراد من البطون لوازم معناه المستعمل فیه اللفظ (4) -


(1). أی: جواز الاستعمال فی أکثر من معنی.

(2). أی: و تلک الأخبار، هذا دفع التوهم المزبور، و حاصله: أنّه لا دلالة لتلک الأخبار علی أنّ إرادة تلک البطون کانت من باب استعمال اللفظ فی المعنی حتی تنافی ما تقدم: من امتناع الاستعمال فی أکثر من معنی، وجه عدم دلالتها تطرق احتمالات فیها یمنع عن ظهورها فی کون إرادة البطون من باب استعمال اللفظ فی أکثر من معنی، و المصنف (قده) ذکر احتمالین منها:

أحدهما: ما أشار إلیه بقوله: «فلعله کان... إلخ» و حاصله: إمکان أن تکون البطون مرادة بالاستقلال من دون دلالة للألفاظ علیها، لکنها تکون مقارنة لاستعمال الألفاظ فی معانیها، کما إذا قال: - قدم الحجاج - مثلاً و أراد مقارناً لهذا الکلام معانی أُخری ک - انتقال الشمس من برج إلی برج - أو حلول زمان الحصاد أو غیرهما من المعانی المستقلة التی تراد مقارنة لاستعمال اللفظ فی معناه من دون دلالة لذلک اللفظ و لو بالالتزام علیها.

(3). یعنی: لا بإرادة البطون من اللفظ کاستعماله فیها حتی تکون إرادتها منه من باب استعمال اللفظ فی المعنی.

(4). هذا ثانی الاحتمالین اللذین ذکرهما المصنف (قده) فی أخبار البطون و حاصله: أنّه یمکن أن تکون البطون من لوازم المعنی المستعمل فیه اللفظ، فلا یکون اللفظ مستعملاً فیها و إن کان یدل علیها بالدلالة الالتزامیة، نظیر ما إذا فرض

و إن کان أفهامنا قاصرة عن إدراکها (1).

(الثالث عشر)

اشارة

أنّه اختلفوا فی أنّ المشتق (2) حقیقة فی خصوص ما تلبس بالمبدإ فی الحال (3) أو فیما یعمه (4) و ما انقضی عنه علی‏ -کون مجی‏ء - زید - ملازماً عادة لنزول البرکات، فإنّ قوله حینئذٍ «جاء زید» لم یستعمل إلاّ فی معناه، لکنه یدل التزاماً علی نزول البرکات، و الدلالة الالتزامیة أجنبیة عن الاستعمال.


(1). أی: إدراک لوازم المعنی المستعمل فیه، و الحاصل: أن کثرة احتمالات أخبار البطون تمنع عن دلالتها علی کون إرادة البطون من باب استعمال اللفظ فی أکثر من معنی

«-»

.

(2). المراد به بعض المشتقات کما یصرح به المصنف (قده) فیما سیجی‏ء.

(3). یعنی: حال النسبة و الجری، لا الحال المقابل الماضی و المستقبل لما سیأتی.

(4). أی: یعم حال النسبة و حال انقضاء المبدأ عن الذات، بحیث یکون استعمال المشتق فی الحالتین علی نحو الحقیقة إمّا بالاشتراک اللفظی کما ظهر من المحقق القمی (قده)، و إمّا بالاشتراک المعنوی - کما هو ظاهر المتن -، بل قیل:

إنّ الظاهر أنّ الأعمی لا یدعی الوضع لکل من المتلبس بالمبدإ و المنقضی عنه حتی یکون المشتق مشترکاً لفظیاً بینهما، بل یدعی الوضع للجامع بین الذات المتلبسة (-). لا یخفی أنّه علی فرض دلالة أخبار البطون علی کون إرادتها من باب الاستعمال فی أکثر من معنی لا بدّ من رفع الید عن هذه الدلالة و ارتکاب التأویل فی تلک الأخبار، لعدم معارضة النقل لحکم العقل الضروری، و هو ما تقدم من استحالة استعمال اللفظ فی أکثر من معنی عقلا، نعم إذا جعلنا الاستعمال من باب العلامة فلا استحالة کما مر، فلاحظ.

أقوال (1) بعد الاتفاق (2) علی کونه مجازاً فیما یتلبس به فی الاستقبال، و قبل الخوض فی المسألة و تفصیل الأقوال فیها و بیان الاستدلال علیها

ینبغی تقدیم أُمور

اشارة
أحدها

: أنّ المراد بالمشتق هاهنا (3) لیس مطلق المشتقات، بل خصوص

بالمبدإ حال الجری و بین الذات الفاقدة له حاله

«-»

. -


(1). متعلق ب - اختلفوا -.

(2). غرضه: تحریر محل النزاع و مصب الأقوال، و حاصله: أنّ مورد النفی و الإثبات إنّما هو بعد اتصاف الذات بالمبدإ، و أمّا قبله فلا خلاف بینهم فی کون جری المشتق فعلاً علی الذات من دون لحاظ التلبس بالمبدإ فی المستقبل مجازاً کقولک: «زید ضارب غداً» بإرادة الجری فعلاً و جعل - غداً - ظرفاً للتلبس لا قیداً للجری و النسبة، فالجری فعلی و التلبس استقبالی.

(3). أی: فی هذا المبحث، و إلاّ فالمشتق - کما فی البدائع - «یطلق لغة علی مطلق أخذ شی‏ء من شی‏ء و اقتطاع فرع من أصل یقال: - اشتق النهر من الوادی - إذا أُخذ شی‏ء منه، فالمشتق هو شق الشی‏ء المأخوذ منه» انتهی، و یطلق فی اصطلاح الأدباء علی لفظ یؤخذ من لفظ آخر، و مجمله: أنّه ینقسم إلی ثلاثة أقسام أصغر و صغیر و أکبر، و یعتبر فی الأوّل الموافقة فی الحروف الأصلیة، بأن یکون الفرع مشتملاً علی حروف الأصل و زیادة، و کذا یعتبر فیه الموافقة (-). لا یخفی: أنّ دعوی الاشتراک سواء أ کان لفظیاً أم معنویاً مبنیة علی ترکب المشتق من الذات و المبدأ حتی یتصور الجامع بین حالتی التلبس و الانقضاء، و أمّا بناءً علی بساطته فلا وجه لها أصلا، لعدم جامع بین الوجود و العدم، إذ مرجع الاشتراک حینئذٍ إلی وضع اللفظ لکل من وجود معناه و هو المبدأ و عدمه، و هو باطل.

ما یجری منها (1) علی فی ترتیب حروف الأصل و معناه ک - مقتل - المشتق من القتل، و یندرج فی الأصغر أسماء الفاعلین و المفعولین و الأزمنة و الأمکنة و الأفعال و المصادر المزید فیها و المجردة بناءً علی مذهب الکوفیین من کون الأصل هو الفعل، و أنّ المصدر مأخوذ منه. و یعتبر فی الثانی خصوص الموافقة فی الحروف دون الترتیب فیها و الموافقة فی المعنی أو المناسبة، فیشمل مثل - جذب و جبذ - المتحدین فی المعنی و غیرهما من المتناسبین فیه. و یعتبر فی الثالث المناسبة فی اللفظ و المعنی دون الموافقة فیهما ک - ثلم و ثلب - و - نهق و نعق، و لیس المشتق علی إطلاقه داخلا فی محل النزاع کما سیأتی إن شاء اللَّه تعالی.


(1). أی: من المشتقات، حاصله: أنّ المراد بالمشتق فی هذا البحث لیس مطلق المشتق المصطلح الشامل للمصادر المزید فیها و الأفعال الثلاثة، بل خصوص ما یکون مفهومه منتزعاً عن ذات، لاتصافها بما هو خارج عنها کالضارب، فإنّه یجری علی الذات و یکون عنواناً لها و یتحد معها نحو اتحاد، فیخرج سائر المشتقات عن هذا المبحث

«-»

.(-). و علی هذا فالنسبة بین المشتق الأُصولی و بین المشتق النحوی عموم من وجه، لاجتماعهما فی أسماء الفاعلین و المفعولین و الصفات المشبهة بالفعل، و افتراقهما فی الجوامد الجاریة علی الذوات باعتبار اتصافها بالمبادئ الجعلیة کالزوج و الحر و الرق و نحوها، و فی الأفعال و المصادر، لصدق المشتق الأُصولی علی الزوج و نحوه من الجوامد دون المشتق النحوی، و صدق النحوی علی الأفعال و المصادر المزید فیهإ؛ممللَّه‏للَّه؛ دون الأُصولی. ثم إن قضیة ما ذکر هی: عدم دخل عنوان المشتق النحوی فی موضوع البحث أصلا، إذ المفروض أنّ المبحوث عنه هو کل مفهوم ینتزع

الذوات (1) مما (2) یکون مفهومه منتزعاً عن الذات بملاحظة اتصافها (3) بالمبدإ و اتحادها (4) معه بنحو من الاتحاد، کان بنحو الحلول (5) أو الانتزاع (6) أو -


(1). المراد بها هنا ما یعمّ الجوهر و العرض، فیدخل فی نزاع المشتق الأوصاف الجاریة علی الأعراض کالشدة و السرعة العارضتین علی السواد، و الحرکة کالأوصاف الجاریة علی الجواهر کالعلم و العدالة و الشجاعة المحمولة علی زید مثلاً.

و بالجملة: فوزان الأوصاف الجاریة علی الأعراض وزان الأوصاف الجاریة علی الجواهر فی جریان نزاع المشتق فیها.

(2). بیان ل - ما - الموصولة فی قوله: «ما یجری» یعنی: من المشتقات التی یکون مفهومها منتزعاً عن الذات بلحاظ اتصافها بالمبدإ.

(3). أی: اتصاف الذات.

(4). معطوف علی - اتصافها - أی: بملاحظة اتحاد الذات مع المبدأ، و هذا مفسر للاتصاف، یعنی: أنّ المراد بالاتصاف هو الاتحاد الوجودیّ بین المبدأ و الذات، إذ المراد بجریان المشتق علی الذات هو الحمل علیها المنوط باتحادهما وجوداً.

(5). کالمرض و الحسن و القبح و السواد و البیاض و نحوها، فإنّ اتصاف الذوات بها و اتحادها معها یکون بنحو الحلول.

(6). کالفوقیة و التحتیة، فإنّ اتصاف الذات بهما یکون بنحو الانتزاع، لکونهما من الأُمور الانتزاعیة، و أمّا الملکیة و الزوجیة فهما من الأُمور الاعتباریة __=============== عن الذات بملاحظة اتصافها بما یکون خارجاً عن الذاتیات سواء أ کان ذلک مشتقاً کأسماء الفاعل و المفعول و المکان و غیرها، أم جامداً کالزوج و الحرّ و الرق و غیرها، فجعل عنوان المشتق موضوع البحث مع عدم دخله فیه غیر مناسب.

الصدور أو الإیجاد (1) کأسماء (2) الفاعلین و المفعولین و الصفات المشبهات، بل (3) و صیغ المبالغة و أسماء الأزمنة و الأمکنة و الآلات کما هو ظاهر العنوانات (4)، و صریح بعض المحققین (5)، مع عدم صلاحیة ما یوجب اختصاص النزاع بالبعض -التی لها تقرر فی وعاء الاعتبار الّذی هو برزخ بین الوجود الخارجی و الذهنی، فالتمثیل بهما للاتحاد بنحو الانتزاع کما فی عبارة بعض المحشین غیر مناسب،


(1). کالضارب و الآکل، فإنّ الفعل الصادر إن کان قائماً بالفاعل کالأکل و الشرب سُمّی إیجاداً، و إن کان قائماً بغیره کالضرب و الإعطاء سُمِّی صدوراً.

(2). هذه الأمثلة کلّها أمثلة لما ذکره بقوله: «بل خصوص ما یجری».

(3). لم یظهر وجه لتغییر الأُسلوب و الإتیان بکلمة - بل - بعد کون شمول البحث لصیغ المبالغة و ما بعدها مما ذکره فی المتن لأجل إطلاق المشتق فی عناوین کثیر منهم کالحاجبی و غیره، إذ لا فرق حینئذٍ فی ذلک بین جمیع المشتقات الجاریة علی الذوات لاتصافها بما هو خارج عنها، فلا وجه لتغییر الأسلوب. إلاّ أن یقال:

إن غرضه التغییر بالنسبة إلی خصوص صیغ المبالغة، لاحتمال اختصاص نزاع المشتق بما یتکفل مجرد التلبس بالعرض دون کثرة التلبس به کما هو شأن صیغ المبالغة، حیث إنّها وُضعت للدلالة علی وقوع الفعل عن الفاعل کثیراً کما لا یخفی.

(4). لإطلاق لفظ المشتق فیها الشامل لکل مشتق یجری علی الذات و یکون عنواناً لها، و ظهور عنواناتهم فی ذلک إنّما هو بملاحظة انطباق المشتق علی الذات، و إلاّ فظاهر لفظ المشتق یشمل جمیع صیغ المشتق النحوی و إن لم یجرِ علی الذات کالأفعال.

(5). قال المحقق التقی (قده) فی حاشیته علی المعالم: «الثانیة عشرة:

إلاّ التمثیل به (1)، و هو غیر صالح کما هو واضح (2)، فلا وجه لما زعمه بعض الأجلة (3) من الاختصاص باسم الفاعل و ما بمعناه من الصفات المشبهة و ما یلحق -لا خلاف ظاهراً فی کون المشتقات من الصفات کاسم الفاعل و المفعول و الصفة المشبهة و نحوها حقیقة فی الحال» انتهی، و قال فی البدائع: «قضیة ظاهر العنوانات و تصریح المحقق القمی (قده) عموم النزاع لسائر المشتقات، لعدم صلاحیة الأمثلة الممثل بها للتخصیص، إلاّ أنّ لبعضهم وسوسة فی بعضها» انتهی، و لم أظفر بتصریح القمی، نعم إطلاق عنوان المشتق فی کلامه بعد البناء علی عدم صلاحیة التمثیل باسم الفاعل و المفعول و الصفة المشبهة للتخصیص یقتضی عموم النزاع لسائر المشتقات، و أمّا صاحب البدائع فهو کالمصرح بعموم النزاع، فلاحظ.


(1). أی: بذلک البعض، غرضه: أنّ ظاهر العنوانات - و هو کون النزاع فی المشتق جاریاً فی کل ما یجری علی الذات المتصفة بأمر خارج عنها و عدم اختصاصه ببعض المشتقات - معتبر، إذ لم یقم ما یکون علی خلاف هذا الظاهر، لأنّ مجرد التمثیل ببعض المشتقات بعد إطلاق لفظ المشتق لا یصلح لأن یکون قرینة علی الاختصاص بذلک البعض.

(2). لأنّ قولهم مثلا: «المشتق کاسم الفاعل و المفعول» ظاهر عرفاً فی کون اسم الفاعل و المفعول من باب المثال، لا من باب اختصاص المشتق بهما.

(3). و هو صاحب الفصول (قده) حیث قال: «فهل المراد به ما یعم بقیة المشتقات من اسمی الفاعل و المفعول و الصفة المشبهة و ما بمعناها و أسماء الزمان و المکان و الآلة و صیغ المبالغة کما یدل علیه إطلاق عناوین کثیر منهم کالحاجبی و غیره، أو یختص باسم الفاعل و ما بمعناه کما یدل علیه تمثیلهم به، و احتجاج بعضهم بإطلاق اسم الفاعل علیه دون إطلاق بقیة الأسماء علی البواقی مع إمکان

بها (1) و خروج سائر الصفات (2)، و لعل منشأه (3) توهم کون ما ذکره لکل منها (4) من المعنی مما اتفق علیه الکل‏ -التمسک به أیضا - وجهان - أظهرهما الثانی، لعدم ملائمة جمیع ما أورده فی المقام علی الأول» انتهی موضع الحاجة من کلامه زید فی علو مقامه.


(1). کالأوصاف اللازمة المصوغة علی هیئة - فاعل - کطاهر و قائم و جالس و جاء و نائم، و کالمصادر المستعملة بمعنی اسم الفاعل، و کالأسماء المنسوبة کالأصبهانی و الشیرازی و البغدادی و غیر ذلک.

(2). قال المحقق النقی (قده) فی محکی حاشیته علی المعالم: «و ربما یقال بخروج اسم المفعول عن محل البحث و کذا الصفة المشبهة و اسم التفضیل لظهور الوضع للأعم فی الأول و لخصوص الحال فی الأخیر» انتهی.

(3). أی: منشأ زعم بعض الأجلة.

(4). أی: من الصفات، قال فی الفصول: «ثم اعلم أنهم أرادوا بالمشتق الّذی تشاجروا علی دلالته فی المقام اسم الفاعل و ما بمعناه من الصفات المشبهة و ما یلحق بها علی ما سنحققه»، ثم أخذ فی بیان معنی سائر المشتقات و ذکر لکل منها معنی من دون نقل خلاف فی ذلک، فکأنّ تلک المعانی بنظره مما اتفق علیه الکل، لوجهین:

أحدهما: مقابلتها للمشتق الّذی تشاجروا فی دلالته.

ثانیهما: عدم نقل خلاف فی تلک المعانی، و لم أقف علی تصریحه فی الفصول بکون ما ذکره من المعانی لسائر المشتقات اتفاقیاً کما نسب ذلک إلیه بعض المحشین (قده) فراجع، و کیف کان فمحصل ما أفاده فی المتن فی وجه خروج سائر المشتقات عن مورد النزاع هو زعم صاحب الفصول (قده) اتفاقهم علی

و هو کما تری (1)، و اختلاف (2) أنحاء التلبسات حسب تفاوت مبادئ المشتقات ------------------------------- معانی سائر المشتقات التی هی محل الخلاف بیننا و بینه أعنی اسم المفعول و صیغة المبالغة و اسم الزمان و المکان و اسم الآلة، حیث قال فی تقریب خروجها عن محل النزاع: «إن من اسم المفعول ما یطلق علی الأعم کقولک: هذا مقتول زید أو مصنوعه أو مکتوبة، و منه ما یطلق علی خصوص المتلبس نحو هذا مملوک زید أو مسکونه أو مقدوره، و لم نقف فیه علی ضابطة کلیة، و المرجع فیه إلی العرف، و یعرف بعض الکلام هنا بالمقایسة علی ما سیأتی فی اسم الفاعل، و اسم الزمان حقیقة فی الأعم، و کذلک اسم المکان، و اسم الآلة حقیقة فیما أُعد للآلیة أو اختص بها حصل المبدأ أو لم یحصل بعد، و صیغة المبالغة فیما کثر اتصافه بالمبدإ عرفاً» انتهی، و ظاهر إحالة باب اسم المفعول علی باب اسم الفاعل - کما یدل علیه ما ذکره من الأمثلة - هو الفرق بین کون المبدأ متعدّیاً فیکون حقیقة فی الأعم اتفاقاً، و بین کونه لازماً فهو حقیقة فی خصوص المتلبس اتفاقاً. و قد عرفت فی الوجهین المتقدمین: کیفیة استظهار الاتفاق من کلام الفصول، و مع زعم الاتفاق المزبور علی خروج سائر المشتقات عن محل النزاع کیف یقع الخلاف فی کونها حقیقة فی خصوص المتلبس أو الجامع بینه و بین المنقضی عنه المبدأ؟


(1). إشارة إلی: أنّ زعم الاتفاق المذکور لیس فی محله، لعدم تبیُّن مفهوم سائر المشتقات، لکونها محلا للخلاف أیضا، فلا فرق بینها و بین اسم الفاعل و ما بمعناه. مضافاً إلی أنّ تسلیم تبین المفهوم عند أبناء المحاورة لا یوجب تسالم العلماء علی ذلک، فتأمل.

(2). الظاهر: أنّه جواب عما فی الفصول من خروج أحد قسمی اسم المفعول، و هو ما إذا أخذ المبدأ فیه خصوص الفعلیة مع إطلاقه علی الذات بعد

.......... -انقضاء المبدأ عنها، و کذا أسماء الزمان و المکان و الآلة و صیغ المبالغة، فلا بد من کون المشتق فی هذه الموارد موضوعاً للأعم، فاختلاف مبادئ المشتقات الموجب لاختلاف أنحاء التلبسات یوجب خروج ما عدا اسم الفاعل و الصفات المشبهة و ما یلحق بها عن حریم النزاع. و محصل الجواب: أنّ جهة البحث هنا هی وضع هیئة المشتق لخصوص حال التلبس أو الأعم من دون تفاوت فی ذلک بین المبادئ، و الاختلاف إنما یکون فی کیفیة التلبس بها، فإن قلنا بوضع هیئة المشتق لخصوص المتلبس بالمبدإ فحینئذٍ نقول: إن المبدأ إن کان فعلیاً یزول بسرعة کالشرب مثلا، فالتلبس به هو الاشتغال بالشرب و بانتهائه ینقضی المبدأ، و إن کان ملکة کالاجتهاد، فالتلبس به هو بقاءُ ملکه و إن لم یکن له استنباط فعلی، و إن کان الشأنیة، فالتلبس به هو بقاءُ شأنیته کالمفتاح، فإنّ التلبس بالمفتاحیة بقاؤه علی هیئة المفتاحیة، فاختلاف هذه المبادئ من حیث الفعلیة و الشأنیة و غیرهما لا یوجب اختلافاً فیما هو المبحوث عنه فی المقام أعنی وضع هیئة المشتق، و إطلاقه علی الذات بعد انقضاء المبدأ الفعلی عنها یکون علی نحو الحقیقة إن کان الجری بلحاظ حال النسبة، و مجازاً إن لم یکن بلحاظها. و إن قلنا بوضع هیئة المشتق للأعم، فنقول: إنّ الانقضاء فیما إذا کان المبدأ فعلیاً هو انتهاؤه کالشرب و الأکل و القیام و القعود و غیرها من الأفعال، و فیما إذا کان ملکة و نحوها، فانقضاء المبدأ فیه هو ارتفاع الملکة و الشأنیة، فملکة الاجتهاد تزول بزوال القدرة علی الاستنباط، و شأنیة المفتاح تزول بزوال هیئته، و الصنائع تزول بإعراض أربابها عنها، هذا.

و یحتمل أن یکون قول المصنف (قده): «و اختلاف أنحاء التلبسات حسب تفاوت... إلخ» جواباً عما ذکره فی الفصول فی الأمر الثالث من الفصل الثانی

بحسب الفعلیة (1) و الشأنیة (2) -----حیث قال: «فالحق أنّ المشتق إن کان مأخوذاً من المبادئ المتعدیة إلی الغیر کان حقیقة فی الحال و الماضی أعنی فی القدر المشترک بینهما، و إلاّ کان حقیقة فی الحال فقط» إلی أن قال: «و اعلم أنّه قد یطلق المشتق و یراد به المتصف بشأنیة المبدأ و قوته کما یقال: هذا الدواء نافع کذا أو مضر، و شجرة کذا مثمرة، و النار محرقة إلی غیر ذلک، و قد یطلق و یراد به المتصف بملکة المبدأ و باتخاذه حرفة و صناعة کالکاتب و الصانع و التاجر و الشاعر و نحو ذلک، و یعتبر فی المقامین حصول الشأنیة و الملکة و الاتخاذ حرفة فی الزمان الّذی أُطلق المشتق علی الذات باعتباره، و فی الثانی خاصة سبق مزاولة مع عدم الاعراض» انتهی کلامه رفع مقامه. و محصله: التفصیل فی وضع المشتق بین المبادئ، فإن کان المبدأ من المبادئ المتعدیة کان المشتق حقیقة فی الأعم من التلبس و الانقضاء، و إن کان من المبادئ اللازمة أو الملکات و الصنائع کان المشتق حقیقة فی خصوص الحال. و المصنف (قده) أجاب عن ذلک بأنّ اختلاف أنحاء التلبسات بحسب اختلاف المبادئ لإ؛ووللَّه‏للَّه؛ یوجب تفاوتاً فی وضع هیئة المشتق، فلا فرق فی وضعها لخصوص حال التلبس أو الأعم بین المبادئ، نعم التفاوت یکون فی التلبس، فإنّه فی الملکات عبارة عن بقائها، و فی الصنائع عبارة عن سبق المزاولة و عدم الإعراض عنها کما مر آنفاً. فتلخّص من جمیع ذلک: أنّ اختلاف المبادئ فی الفعلیة و الشأنیة و غیرهما لا یوجب اختلافاً فی وضع هیئة المشتق و إن کان یوجب اختلافاً فی کیفیة التلبس کما عرفت.


(1). کالحیاة، فإنّ المعتبر فی تلبس الذات بها هو الفعلیة.

(2). کالإثمار، فإنّ اتصاف الشجریة یتحقق بحصول الشأنیة له.

و الصناعة (1) و الملکة (2) حسبما یشیر إلیه (3) لا یوجب تفاوتاً فیما هو المهم (4) من محل النزاع هاهنا (5) کما لا یخفی. ثم إنّه لا یبعد (6) أن یراد بالمشتق فی محل النزاع (7) مطلق ما کان مفهومه و معناه جاریاً علی الذات و منتزعاً عنها بملاحظة اتصافها بعرض (8) أو -


(1). کالخیاطة و النجارة و نحوهما، فإنّ التلبس بها یتحقق بالمزاولة و الممارسة، و لا تنقضی إلاّ بالإعراض، فیصدق الخیاط و النجار و العطار و البقال علی تارک هذه المبادئ لا بقصد الإعراض عنها.

(2). کالاجتهاد، فإنّ التلبس به عبارة عن حصول ملکته، و انقضائها إنما هو بزوال الملکة، لا عدم الاستنباط الفعلی مع بقائها.

(3). أی: فی الفصول، و قد نقلنا عبارته المتضمنة لذلک.

(4). و هو البحث عن وضع هیئة المشتق، فإنّ أنحاء التلبسات لا تؤثر فی وضعها کما عرفت آنفاً.

(5). أی: فی مبحث المشتق.

(6). غرضه: تعمیم النزاع لغیر المشتق من بعض الجوامد مما یجری علی الذات بلحاظ اتصافها بما هو خارج عنها، فإنّ عموم النزاع و خصوصه تابعان لعموم الغرض و خصوصه، و قد تقدم فی الأمر الأوّل: أنّ الغرض یعمّ بعض الجوامد کالزوج و الرِّق و الحرّ و غیرها.

(7). لا فی سائر المقامات، إذ المشتق المصطلح أجنبی عن الجوامد المندرجة فی هذا البحث، فالمبحوث عنه هنا غیر المشتق المصطلح علیه فی سائر المقامات.

(8). المراد به هی المقولات التسع التی هی فی مقابل الجوهر، و بعبارة أُخری هو نفس المبدأ المتأصّل کالبیاض.

عرضی (1) و لو کان جامداً کالزوج و الزوجة و الرق و الحر، فان أبیتَ (2) إلاّ عن اختصاص النزاع المعروف بالمشتق کما هو قضیة الجمود علی ظاهر -


(1). المصطلح منه هو المشتق من العرض کالأبیض و الأسود، و لکنه بهذا المعنی غیر مراد هنا، لأنّه نفس المشتق، فلا یناسب جعله مما ینتزع بلحاظه مفهوم المشتق، بل یراد به بقرینة ما بعده من الزوج و الزوجة و غیرهما الأمر الاعتباری، فإنّ مفهوم الزوج ینتزع عن الذات بلحاظ اتصافها بالزوجیة التی هی أمر اعتباری.

و بالجملة: فالمراد بالعرض هو المتأصّل، و بالعرضی الأمر الاعتباری الموجود فی وعاء الاعتبار الّذی هو برزخ بین الوجود العینی و الذهنی، فالمشتق المبحوث عنه فی المقام هو المفهوم المنتزع عن ذات متصفة بعرض متأصل کالسواد و البیاض، أو عرضی أی أمر اعتباری کالزوجیة و الملکیة و الرقیة و نحوها من الأمور الاعتباریة التی لا وجود لها إلاّ فی وعاء الاعتبار.

(2). غرضه: أنّه قد ظهر مما ذکرنا: أنّ مرادهم بالمشتق المبحوث عنه هنا ما یخالف مصطلح الأدباء، فیراد به ما یعمّ بعض الجوامد الّذی یندرج فی مورد النزاع، فإن أبیت عن هذا التعمیم فی لفظ المشتق، بدعوی اختصاصه بما هو مصطلح الأدباء کما هو الظاهر من لفظ المشتق، فلا یعم الجوامد، فلا مشاحة، لکن لا یوجب ذلک اختصاص النزاع به، بل یجری فی هذا القسم من الجوامد أیضا و ان لم یشملها لفظ المشتق، هذا - و لا یخفی ما فی العبارة من القصور عن تأدیة هذا الغرض، فالأولی أن یقال: «و إن أبیت إلاّ عن إرادة المشتق المصطلح کما هو قضیة الجمود علی ظاهر لفظه، لکن هذا القسم من الجوامد أیضا داخل فی محل النزاع».

لفظه (1)، فهذا القسم من الجوامد أیضا محل النزاع، کما یشهد به (2) ما عن صاحب الإیضاح فی باب الرضاع فی مسألة من کانت له زوجتان کبیرتان أرضعتا زوجته الصغیرة ما هذا لفظه: «تحرم المرضعة الأولی و الصغیرة مع الدخول بالکبیرتین (3)، -


(1). أی: لفظ المشتق المذکور فی عنواناتهم.

(2). أی: یشهد بدخول هذا القسم من الجوامد فی محل النزاع ما عن الإیضاح، تقریب شهادته: أنّه ابتنی بعض الأصحاب حرمة المرضعة الثانیة علی نزاع المشتق، فعلی القول بالأعم تحرم، و علی القول بخصوص حال التلبس لا تحرم. توضیحه: أنّ المرتضعة الصغیرة بالارتضاع من المرضعة الأولی بطلت زوجیتها، لأنّها صارت بنت الزوجة المدخول بها، کما أنّ هذه المرضعة صارت أمّ الزوجة، و کلٌّ من بنت الزوجة و أمّها حرام قطعاً. و أمّا المرضعة الثانیة فحرمتها علی الزوج مبنیة علی وضع المشتق للأعم، لأنّ منشأ حرمتها علیه هو صدق أمّ الزوجة علیها، و من المعلوم: أنّ زوجیة الصغیرة قد انقضت بالرضاع الأول و صارت بنتاً له، فعلی القول بوضع المشتق للأعم یصدق علی المرضعة الثانیة أنّها أمّ الزوجة، فتحرم أیضا، و علی القول بوضعه لخصوص حال التلبس لا یصدق علیها أمّ الزوجة حتی تحرم، بل یصدق علیها أمّ من کانت زوجة، لانقضاء الزوجیة عن المرتضعة و صیرورتها بنتاً له فلا تحرم.

و بالجملة: فابتناء حرمة المرضعة الثانیة علی المشتق مع کون الزوجة من الجوامد یدل علی جریان نزاع المشتق فی بعض الجوامد.

(3). هذا هو الموجود فیما ظفرنا به من نسخ الکفایة، لکن عبارة الإیضاح المحکیة فی البدائع و فی مشتق فوائد المصنف (قده) هکذا: «مع الدخول بإحدی الکبیرتین بالإجماع» انتهی، و هو الصحیح، لأنّ حرمة أمّ الزوجة

و أمّا المرضعة الآخرة ففی تحریمها خلاف، فاختار والدی المصنف (ره) و ابن إدریس -أبداً غیر مبنیة علی الدخول، بل نفس عنوان أمّ الزوجة من موجبات الحرمة الأبدیة، نعم حرمة الصغیرة أبداً منوطة بالدخول بأمّها، و المفروض حصوله بالدخول بإحدی الکبیرتین، فلا تتوقف حرمة المرضعة و المرتضعة إلاّ علی الدخول بالمرضعة الأولی أو الثانیة

«-»

. (-). لا بأس بالتعرض إجمالا للجهة الفقهیة المتعلقة بهذه المسألة و ان کانت خارجة عن الفن، لتزیّن الأصول بالفقه، فنقول و به نستعین و بولیه صلی اللَّه علیه و علی آبائه الطاهرین و عجل فرجه الشریف و جعلنا فداه نتوسل و نستجیر: إنّ الرضاع من موجبات الحرمة کالنسب کتاباً و سنة مقبولة کالنبوی «الرضاع لحمة کلحمة النسب‏» و متواترة کقوله صلی اللَّه علیه و آله و سلم: «یحرم من الرضاع ما یحرم من النسب‏» و إجماعاً، بل ضرورة من المذهب بل الدین، فکما أنّ العناوین الخاصة النسبیة توجب الحرمة، فکذلک مثل تلک العناوین إذا حصلت بالرضاع، فالأمّ و البنت و الأخت و غیرهن من الرضاعة یحرمن کحرمتهن من النسب، و من جملة المحرمات بالنسب أمّ الزوجة، فإنّها تحرم علی الزوج أبداً، فتحرم الأمّ الرضاعیة لها أیضا، لکون الرضاع لحمة کلحمة النسب، و من جملتها بنت الزوجة نسباً، فتحرم مؤبّداً مع الدخول بأمها. و جمعاً مع الأمّ بدون الدخول بها، فبنتها الرضاعیة أیضا کذلک. إذا عرفت هذا فاعلم: أنّه یعتبر فی نشر الرضاع للحرمة أن یکون اللّبن حاصلا من وطی جائز شرعاً، لنکاح بقسمیه، أو ملک یمین أو تحلیل، و یلحق به وطی الشبهة علی الأقوی، فلو درّ اللبن من المرأة بغیر وطی جائز أو کان اللبن من الزنا لم ینشر الحرمة، نعم لا یعتبر فی النشر بقاء المرأة فی حبال الرّجل فلو فارقها بطلان مثلاً مع کونها ذات لبن منه و أرضعت به رضیعاً

تحریمها، لأنّ هذه یصدق -.......... نشر الحرمة و ان تزوجت و دخل بها الزوج الثانی. و کیف کان، فللمسألة المبحوث عنها فی المقام صور:

الأولی: أن یدخل الزوج بکلتا الکبیرتین.

الثانیة: أن لا یدخل بواحدة منهما.

الثالثة: أن یدخل بالمرضعة الأولی دون الثانیة.

الرابعة عکس الثالثة.

(أما الأولی) و هی دخول الزوج بکلتا الکبیرتین، فحکمها بالنسبة إلی المرتضعة هو الحرمة، لصیرورتها بنته من الرضاعة ان کان اللبن منه، و ربیبته من الزوجة المدخول بها ان کان اللبن من غیره.

قال فی الشرائع: «و لو کان له زوجتان کبیرتان و زوجة رضیعة فأرضعتها إحدی الزوجتین أوّلاً، ثم أرضعتها الأخری حرمت المرضعة الأولی و الصغیرة» انتهی، و قال فی التحریر: «لو أرضعت إحدی زوجتیه الأخری، فان کان بلبنه حرمتا مؤبّداً، و ان کان من غیره فالأم کذلک و البنت أیضا ان کان دخل بالأم، و إلاّ حرمت جمعاً» انتهی، و قال فی المستند: «الوجه فی تحریم الصغیرة مؤبداً علی الفرضین واضح، لصیرورتها بنتاً له علی الأوّل و بنت الزوجة المدخول بها علی الثانی» انتهی، و مراده بالفرضین کون اللبن من الزوج، أو من غیره مع الدخول. و قریب منها غیرها من المتون.

و بالجملة: فلا یبتنی حرمة المرتضعة علی نزاع المشتق أصلا، لاتصافها فعلاً بکونها بنتاً له ان کان اللبن منه، و بنتاً للزوجة المدخول بها ان کان اللبن من

غیره، و من المعلوم: حرمة الربیبة مؤبداً بالدخول بأمّها، و لا یقدح مقارنة حدوث أمومة المرضعة لارتفاع زوجیتها و کونهما فی رتبة واحدة، لترتبهما معاً علی الرضاع، فلا یصدق علی المرتضعة بنت الزوجة المدخول بها فعلاً، بل یصدق علیها بنت من کانت زوجة قبل الرضاع، فیبتنی حرمة المرتضعة علی وضع المشتق للأعم، لیصدق علیها الزوجة فعلا حتی تکون هی بنت الزوجة.

وجه عدم القدح: أنّه لا یعتبر فی حرمة الربیبة بقاء الأم علی الزوجیة، بل یکفی فی حرمتها اتصاف أمّها بالزوجیة فی زمان مع الدخول بها و لو لم تکن البنت موجودة حال زوجیة الأم، بل تولدت بعد خروج الأم عن الزوجیة، کما إذا فارقت الزوج و تزوجت بغیره و ولدت منه بنتاً، فإنّها تحرم علی الزوج الأوّل، للنصوص:

کصحیح«» محمد بن مسلم قال: «سألت أحدهما علیهما السلام عن رجل کانت له جاریة و کان یأتیها فباعها فأعتقت و تزوجت فولدت ابنته، هل تصلح ابنتها لمولاها الأوّل؟ قال علیه السّلام: هی علیه حرام‏» و زاد فی طریق آخر بعد قوله هی حرام علیه: «و هی ابنته و الحرة و المملوکة فی هذا سواء» و غیره مما هو قریب منه، و استشهد الإمام علیه السلام فی بعضها بقوله تعالی: و ربائبکم اللاتی فی حجورکم من نسائکم اللاتی دخلتم بهن‏ حیث إنّ الآیة الشریفة سیقت لبیان مناط حرمة الربیبة و هو الدخول بأمّها کما یشیر إلیه قوله فی - ف -: «إذا دخل بالأم حرمت البنت علی التأبید سواء کانت فی حجره أو لم تکن، و به قال

جمیع الفقهاء» انتهی، فإذا تحقق هذا المناط حرمت الربیبة مؤبداً سواء بقیت أمّها علی الزوجیة أم لا، و سواء کانت الربیبة موجودة حین زوجیة أمّها أم لا، و لذا لو فارقت زوجها بطلاق و نحوه و تزوجت برجل آخر فولدت منه بنتاً حرمت تلک البنت علی زوجها الأوّل، لکونها ربیبته. فالمتحصل: أنّ حرمة الصغیرة المرتضعة أجنبیة عن نزاع المشتق و غیر مبنیة علیه أصلا، فعدم صدق الزوجة فعلاً علی المرضعة لا یضرّ بحرمة المرتضعة قطعاً، هذا حکم المرتضعة.

(و أمّا المرضعة الأولی) فظاهر المشهور حرمتها، بل مقتضی إرسالهم ذلک إرسال المسلّمات هو الاتفاق علیها، فالحکم من حیث الفتوی کأنّه مسلم لکنه من حیث الدلیل لا یخلو من الغموض، لاستدلال جملة من الفقهاء رضوان اللَّه علیهم علی ذلک بکونها أم الزوجة، فیشملها قوله تعالی: «و أمهات نسائکم‏» و من المعلوم: أنّ صدق هذا العنوان علی المرضعة موقوف علی بقاء زوجیة المرتضعة بعد حدوث الأمومة للمرضعة، و لا شک فی ارتفاعها بالرضاع، لأنّه علّة لحدوث الأمومة للمرضعة، و زوال الزوجیة عن المرتضعة و حدوث البنتیة لها فی زمان واحد، فأمومة المرضعة و زوال زوجیة المرتضعة معلولان للرضاع، و معه لا یتصور زمان یجتمع فیه زوجیة المرتضعة و أمومة المرضعة لیصدق علی المرضعة أم الزوجة، فصدق أمّ الزوجة فعلا علی المرضعة موقوف علی وضع المشتق للأعم.

و لا یندفع هذا الغموض فراراً عن الالتزام بوضع المشتق للأعم، بدعوی: أنّ أمّ الزوجة تصدق علی المرضعة عرفاً و إن لم تصدق علیها دقة، و لا بدعوی: «أنّ المستفاد من دلیل حرمة أمّ الزوجة کون موضوعها ما هو أعم من اقتران الأمومة

و الزوجیة یعنی: أنّ أم الزوجة تحرم سواء کانت أمومتها و زوجیة الزوجة مقترنتین أم متعاقبتین متصلتین نظیر اتصال وجود الشی‏ء بعدمه کما هو مورد البحث. و لا بدعوی: أنّ ارتفاع زوجیة الصغیرة و حدوث بنتیتها للکبیرة لیسا فی رتبة واحدة حتی لا یصدق علی المرضعة أم الزوجة، بل هما فی رتبتین، و أنّ حدوث بنتیتها للکبیرة متقدم رتبة علی ارتفاع زوجیتها، فتصیر الصغیرة بنتاً قبل ارتفاع الزوجیة عنها، فیصدق علی الکبیرة أمّ الزوجة.

توضیحه: أنّ منشأ خروج الصغیرة عن الزوجیة هو حرمتها الناشئة عن صدق بنت الزوجة علیها بسبب الرضاع، و هذه الحرمة متأخرة عن هذا الصدق تأخر المعلول عن علته، و علی هذا فیکون صدق البنت متقدماً رتبة علی الحرمة التی هی متقدمة أیضا علی خروجها عن الزوجیة، و حینئذٍ فیصدق علی الصغیرة بنت الزوجة قبل أن تخرج عن الزوجیة قبلا رتبیاً، فیصدق علیها کل من الزوجة و بنت الزوجة فی زمان واحد، فلا تحتاج إلی دعوی وضع المشتق للأعم. وجه عدم الاندفاع: ما فی جمیع هذه الدعاوی من الإشکال، (إذ فی الأولی): أنّ المسامحة العرفیة غیر معتبرة فی مقام التطبیق، و إنّما هی معتبرة فی تشخیص المفهوم العرفی، و الموضوع فی المقام مبیّن المفهوم، فلا عبرة بمسامحة العرف فی تطبیقه علی ما لیس فرداً حقیقة له، و علیه: فالصغیرة بعد خروجها عن الزوجیة حقیقة بسبب الرضاع لا ینطبق علی مرضعتها أم الزوجة إلاّ بالمسامحة العرفیة، فالمقام نظیر إطلاق الکر علی ما ینقص عن ألف و مائتی رطل عراقی بمثقالین مثلا فی کونه مبنیاً علی ضرب من المسامحة، و لمّا کان مرجع التطبیق المسامحی إلی ادّعاء فردیة ما لیس

بفرد للموضوع حقیقة فلا یشمله الدلیل کما لا یخفی.

(و فی الثانیة) أنّ المستفاد من الدلیل المتضمن لاعتبار أمرین وجودیین فی موضوع الحکم هو: کون المناط فی ترتب الحکم علیه اجتماعهما فی الزمان علی نحو التقارن، و عدم کفایة اجتماعهما علی نحو التعاقب و اتصال حدوث أحدهما بارتفاع الآخر، من غیر فرق بین کون هذین الوجودیین بنحو الإضافة کأمّ الزوجة و أخت الزوجة و غیر ذلک، و بین کونهما بنحو التوصیف کالعالم العادل و الشاعر الکاتب و نحو ذلک، فان کانا علی نحو الإضافة - کما فی مورد البحث - فأدنی الملابسة و إن کان کافیاً فی صحتها، إلاّ أنّ مجرد ذلک لا یوجب ظهور الکلام فی الأعم من التلبس الفعلی بالإضافة لیشمل صورة تعاقب أحدهما بالآخر - أی المضاف إلیه بالمضاف - حتی یکونا موضوعاً للحکم حقیقة، و لا نحتاج إلی وضع المشتق للأعم، فوزان أم الزوجة وزان أخت الزوجة و سائر الأمثلة، و لا ینبغی الارتیاب فی ظهور الکل فی اجتماع المضاف و المضاف إلیه فی الزمان علی نحو التقارن، فظاهر دلیل حرمة أخت الزوجة هو حرمتها ما دامت الزوجة فی حباله، و لا یشمل فرض حدوث الزوجیة للأخت و ارتفاع الزوجیة عن الزوجة فی زمان واحد، بل فی مثل هذا الفرض یرجع إلی عمومات الحل و إطلاقات أدلة النکاح. و کذا الحال فیما إذا کان الأمران الوجودیان بنحو التوصیف، فإنّ دلیل جواز تقلید العالم العادل مثلا یکون ظاهراً فی اجتماع العلم و العدالة فی زمان الحکم، و لا یشمل فرض حدوث العلم مقارناً لارتفاع العدالة.

و بالجملة: فظهور الدلیل فی اعتبار اجتماع الأمرین الوجودیین زماناً علی

نحو التقارن فی ترتب الحکم علیهما مما لا مساغ لإنکاره، فما أفاده المحقق سید الأساطین مد ظله فی منتهی الأصول بقوله: «و لکن یمکن أن یقال: إنّ حصول الزوجیة و لو کان فی زمان متقدم کافٍ لحرمة أمها أبداً و لو بعد طلاق بنتها، فلیکن الأمر فی الأمومة الحاصلة من الرضاع أیضا کذلک. و بعبارة أخری: فی باب النسب تحرم أم من کانت زوجته فکذلک فی باب الرضاع. و بناءً علی هذا لا تکون حرمة المرضعة الثانیة أیضا مبنیة علی مسألة المشتق» انتهی لا یخلو من غموض، لأنّه یرجع إلی عدم اعتبار بقاء الموضوع فی بقاء الحکم، و بعبارة أخری: مرجع ذلک إلی نفی الملازمة بین الموضوع و الحکم فی مرحلة البقاء، و کفایة تحقق العنوان - و لو آناً ما - فی تشریع الحکم و استمراره کسائر العناوین المأخوذة کذلک کالسارق و شارب الخمر و غیرهما من دون دخل لبقائها فی بقاء الحکم، و هو أجنبی عما نحن فیه من حدوث الموضوع الّذی هو عنوان أم الزوجة حین ارتفاع زوجیة الصغیرة، فإنّ هذا العنوان لیس مقارناً لزوجیة البنت، حتی یجتمع عنوان أمّ الزوجة للمرضعة و عنوان الزوجیة للمرتضعة فی زمان واحد کما یجتمعان فی النسب و إن لم یکن حرمة أمّ الزوجة نسباً بقاءً منوطة ببقاء هذا العنوان، لِما دلّ علی کون عنوان أمّ الزوجة من العناوین التی یکفی فی موضوعیتها للحکم وجودها فی آنٍ من الآنات، بمعنی کفایة اجتماع الأمومة للمرأة و الزوجیة لبنتها فی زمان فی ثبوت الحرمة، و هذا بخلاف المقام، فإنّ حدوث هذا العنوان مقارن لارتفاع الزوجیة بحیث لا یتصور اجتماع عنوان الأمومة للمرضعة و الزوجیة للمرتضعة فی زمان کاجتماعهما فی الأم النسبیة للزوجة، فحرمة المرضعة حینئذٍ مبنیة علی وضع المشتق

للأعم. و الحاصل: أنّ الأمیّة النسبیة للزوجة لا تتخلف عن عنوان الزوجیة، فالأم الرضاعیة المنزلة منزلتها أیضا کذلک، فإنّ الفرع لا یزید عن الأصل، و علیه: فحرمة المرضعة الأولی فضلاً عن الثانیة مبنیة علی المشتق. نعم إذا أرضعت زوجته الصغیرة امرأة أجنبیة حرمت علیه المرضعة، لصیرورتها أمّاً رضاعیة للزوجة الحقیقیة کأمها النسبیة، و أمّا إذا أرضعتها بعد ارتفاع زوجیة الصغیرة، فصیرورتها حراماً علی من کان زوجاً للصغیرة - لانطباق عنوان أم الزوجة علیها - مبنیّة علی المشتق.

(و فی الثالثة) أنّ التضاد الاعتباری کالحقیقی فی استحالة الاجتماع، و من المعلوم: أنّ الزوجیة و البنتیّة من الأمور الاعتباریة المتضادة المستحیل اجتماعها فی آنٍ واحد، فوجود إحداهما طارد للأخری، ففی المقام: ترتفع الزوجیة فی آن حدوث البنتیة، لتضادهما شرعاً، فارتفاع الزوجیة و حدوث البنتیة یکونان فی رتبة واحدة، لأنّهما مسبّبان عن سبب واحد و هو الرضاع، و من المعلوم: أنّ سببیة السبب متساویة الأقدام بالنسبة إلی مسبّباته المتعددة، و إذاً فهما یحصلان فی رتبة واحدة، فلیس ارتفاع الزوجیة ناشئاً عن حرمة بنت الزوجة حتی یصدق علی الصغیرة قبل ارتفاع الزوجیة عنها قبلا رتبیاً - کل - من عنوانی الزوجیة و البنتیة فی آنٍ واحد، بل ارتفاع الزوجیة ناشٍ عن نفس عنوان البنتیة المضادة للزوجیة، فلا تجتمعان فی زمان واحد حتی تحرم المرضعة، لصدق أمّ الزوجة علیها، و لذا استشکل فی وجه حرمة الکبیرة جماعة منهم صاحب المستند (قده) حیث قال فی وجه الإشکال ما لفظه: «فلأنّ صیرورة الکبیرة أمّ الزوجة موقوفة علی کون

الصغیرة زوجة فی آن صیرورة الکبیرة أمّاً لها، و کون الصغیرة زوجة علی عدم صیرورة الکبیرة أمّاً، فیمتنع اجتماعهما فی آنٍ. و الحاصل: أنّه یرتفع زوجیة الصغیرة و یتحقق أمومة الکبیرة فی آنٍ واحد، فلم تکن الکبیرة أمّ الزوجة أصلا» انتهی. و من تمسک جملة من الأصحاب لحرمة الکبیرة بکونها أمّ الزوجة یظهر أنّ الإجماع علی الحرمة - علی فرض تحققه - موهون، لاحتمال کونه مدرکیاً، إلاّ أن یقال: إنّ التمسک المزبور إنّما هو لتطبیق الحکم علی القاعدة و التنبیه علی أنّه لیس تعبداً محضاً، فان لم یتم تقریب موافقته للقاعدة، فالحکم مسلّم للإجماع.

لکن الإنصاف أنّ إحراز کون استدلالهم ناظراً إلی تطبیق الحکم علی القاعدة مما لا سبیل إلیه إلاّ أن یصرحوا بکون الحکم إجماعیاً، مضافاً إلی أنّه علی طبق القاعدة، و لا یحضرنی تصریحهم بذلک، بل ظاهر استدلالهم علی حرمة الکبیرة بکونها أمّ الزوجة عدم استنادهم فیها إلی الإجماع، و لا أقلّ من احتمال مدرکیته الموجب لوهنه و عدم صحة الاستناد إلیه. نعم یدل علی حرمة الکبیرة ما رواه«» الکلینی (ره) عن علی بن محمد عن صالح بن أبی حماد عن علی بن مهزیار عن أبی جعفر علیه السّلام قال: «قیل له: إنّ رجلا تزوج بجاریة صغیرة فأرضعتها امرأته ثم أرضعتها امرأة له أخری، فقال ابن شبرمة: حرمت علیه الجاریة و امرأتان، فقال أبو جعفر علیه السّلام: أخطأ ابن شبرمة، تحرم علیه الجاریة و امرأته التی أرضعتها أوّلا، فأمّا الأخیرة فلم تحرم علیه کأنها أرضعت ابنته‏» و رواه الشیخ فی التهذیب بإسناده عن الکلینی (ره) و لا بأس بسنده، أمّا الکلینی فجلالة شأنه

و علو قدره فی غایة الظهور، و أمّا علی بن محمد بن إبراهیم بن أبان الرازی الکلینی فقد و ثقة جش بقوله عقیب اسمه و اسم أبیه و جده «یکنی أبا الحسن ثقة عین» انتهی، و وثقه أیضا فی الخلاصة و الوجیزة و البلغة و غیرها، نعم هنا شی‏ء ربما یوجب التوقف فیه، و هو أنّه استأذن الصاحب علیه الصلاة و السّلام و عجل اللَّه تعالی فرجه الشریف فی الحج فخرج «توقف عنه فی هذه السنة» فخالف، و قتل بطریق مکة فی تلک السنة، و لعله فهم کون النهی إرشادیاً أو تنزیهیاً لقرائن کانت فی البین، و لا بد من التوجیه بعد تسالمهم علی توثیقه و عدم قدحهم فیه بهذه المخالفة مع اطلاعهم علیها، و قد ذکر غیر واحد «أنّ الرّجل أستاذ الکلینی و خاله» انتهی.

و أمّا صالح بن حماد أبو الخیر الرازی فقد عده الشیخ فی رجاله تارة من أصحاب الجواد علیه السّلام و أخری من أصحاب الهادی علیه السّلام و ثالثة من أصحاب العسکری علیه السّلام، قال النجاشی: «و کان أمره ملتبساً یعرف و ینکر له کتب» انتهی، و قال ابن الغضائری: «صالح بن أبی حماد الرازی أبو الخیر ضعیف» انتهی، و توقف العلامة فیه فی الخلاصة حیث قال: «و المعتمد عندی التوقف فیه لتردد النجاشی و تضعیف ابن الغضائری له»، و عدّه الجزائری فی الحسان، و فی رجال الکشی: «قال علی بن محمد القتیبی سمعت الفضل بن شاذان یقول فی أبی الخیر و هو صالح بن سلمة أبی حماد الرازی: أبو الخیر کما کنّی، و قال علی:

کان أبو الفضل یرتضیه و یمدحه» انتهی. «و علی بن محمد القتیبی هذا نیشابوری فاضل و هو تلمیذ الفضل بن شاذان (ره)» کما عن رجال الشیخ، و اختلفت فیه

کلماتهم، قال جش: «علی بن محمد بن قتیبة النیشابوری علیه اعتمد أبو عمرو الکشی فی کتاب الرّجال» انتهی، و جعله صاحبا البلغة و الوجیزة ممدوحاً حسناً علی ما حکی، و عدّه العلامة و ابن داود فی المعتمدین، و نحوه من المدح المدرج له فی الحسان، و وثقه الأمین الکاظمی فی المشترکات علی ما قیل، و هو مقتضی عدّ الفاضل الجزائری إیاه فی فصل الثقات، و هو غریب منه جداً، لأنّ سیرته القدح فی الراوی بأدنی سبب، و لذا أثبت جملة من الثقات و الحسان و الموثقین فی الضعفاء، و عن السید الداماد (قده) «مدح الرّجل بما یبلغ حد التوثیق» و ضعفه - سیدک - حیث قال فی رد روایته: «إنّ علی بن محمد بن قتیبة غیر موثق و لا ممدوح مدحاً یعتد به» انتهی، لکنه لا یعارض التوثیق بعد کون الموثِّق الفاضل الجزائری الّذی هو بطی‏ء الجزم بوثاقة الأشخاص، و سیرته القدح فی الراوی بأدنی سبب له، فالرجل ینبغی أن یعد من الثقات أو الحسان،

و حینئذ فیکون ثقة فیما نقله عن الفضل بن شاذان من مدحه و ارتضائه لصالح بن أبی حماد أبی الخیر الرازی. و أمّا النجاشی فلم یضعفه بل توقف فیه، و لیس التوقف جرحاً حتی یندرج المقام فی الجرح و التعدیل و یقدّم الأوّل علی الثانی، و ذلک لأنّ مرجع التوقف إلی عدم العلم، لا إلی الجرح و الذم، و تضعیف ابن الغضائری له غیر معتد به، لاعتراف غیر واحد من علماء الرّجال بعدم الوقوف علی شی‏ءٍ من جرح و لا تعدیل فی شأن أحمد بن الحسین بن عبد اللَّه بن إبراهیم الغضائری نفسه، فکیف یعتمد علی تعدیله أو جرحه لغیره من الرّجال، بل عن المجلسی (قده) «أنّ الاعتماد علی هذا الکتاب - أی کتاب ابن الغضائری -

یوجب ردّ أکثر أخبار الکتب المشهورة» انتهی، و عن الوحید فی ترجمة إبراهیم بن عمر الصنعانی «أنّ أحمد هذا غیر مصرح بتوثیقه، و مع ذلک قلّ أن یسلم أحد من جرحه أو ینجو ثقة من قدحه، و جرح أعاظم الثقات و أجلاء الرواة الذین لا یناسبهم ذلک، و هذا یشیر إلی عدم تحقیقه حال الرّجال کما هو حقه أو کون أکثر ما یعتقده جرحاً لیس فی الحقیقة جرحاً» انتهی المهم من کلام الوحید (قده)، فعلی هذا لا یمکن الاعتماد علی جرح ابن الغضائری أصلا خصوصاً بعد توثیق من عرفت توثیقه له، و لا سیما الفضل بن شاذان الّذی هو فی غایة الجلالة، قال فی الخلاصة: «و کان ثقة جلیلا فقیهاً متکلماً له عظم شأن فی هذه الطائفة، قیل: إنّه صنف مائة و ثمانین کتاباً و ترحّم علیه أبو محمد علیه السّلام مرتین و روی ثلاثاً ولاءً، و نقل الکشی عن الأئمة علیهم السّلام مدحه، ثم ذکر ما ینافیه و قد أجبنا عنه فی کتابنا الکبیر، و هذا الشیخ أجل من أن یغمز علیه، فإنّه رئیس طائفتنا (رضی اللَّه عنه)» انتهی. و بالجملة: یظهر لمن تتبع کتب الرّجال:

أنّ للفضل بن شاذان شأناً عظیماً حتی قال فیه جش: «إنّه أجل أصحابنا الفقهاء و المتکلمین، و له جلالة فی هذه الطائفة و هو فی قدره أشهر من أن نصفه» انتهی.

و علی هذا فالأرجح قبول روایة صالح بن أبی حماد. و أمّا علی بن مهزیار الأهوازی الدورقی الأصل فهو من أجلاء أصحاب الرضا و الجواد و الهادی علیهم الصلاة و السّلام، و قد وثّقه کل رجالی تعرض لترجمته، «فالرجل ثقة صحیح له ثلاثة و ثلاثون کتاباً» - ست -، و عن جش و صه «أبو الحسن دورقی الأصل مولی کان أبوه نصرانیاً فأسلم و قد قیل إنّ علیاً أیضا أسلم و هو صغیر، و منَّ

اللَّه تعالی علیه بمعرفة هذا الأمر و تفقه - إلی أن قالا - و خرجت إلی الشیعة فیه توقیعات بکل خیر، و کان ثقة فی روایته لا یطعن علیه صحیح الاعتقاد» انتهی، و عن حمدویه بن نصیر «لمّا مات عبد اللَّه بن جندب قام علی بن مهزیار مقامه» انتهی.

و من أراد الوقوف علی تفصیل حاله و جلالة شأنه فعلیه بمراجعة کتب الرّجال.

فقد تحصل مما ذکرنا: أنّه لا قدح فی سند الروایة المزبورة. (و المناقشة) فیها کما عن المسالک «تارة بضعف سندها بصالح بن أبی حماد و أخری بالإرسال، لأنّ المراد بأبی جعفر المطلق هو الباقر علیه السّلام، مضافاً إلی أنّ قول ابن شبرمة فی مقابله، لکونه فی زمانه علیه السّلام قرینة علی إرادة الباقر علیه السّلام، و حیث إنّ ابن مهزیار لم یدرک الباقر علیه السّلام فلا محالة یکون هناک إرسال، بل لو أرید به الجواد علیه السّلام لا تسلم الروایة عن الإرسال أیضا، إذ لیس فیها ما یدل علی أنّ ابن مهزیار سمع ذلک منه علیه السّلام بلا واسطة، فالإرسال متحقق علی التقدیرین» انتهی ملخصاً (مندفعة) أمّا تضعیف السند بصالح بن حماد فبما عرفت من أنّ الأرجح قبول روایته، و أمّا الإرسال لکون أبی جعفر المطلق علیه السّلام هو الباقر علیه السّلام، ففیه أنّه قد یطلق أبو جعفر و یراد به الجواد علیه السّلام، قال المیرزا (قده) فی الفائدة الأولی من فوائد خاتمة جامع الرّواة: «و إذا ورد فی الروایة عن أبی جعفر علیه السّلام فالظاهر منه الباقر علیه السّلام، و عن أبی جعفر الثانی فهو الجواد علیه السّلام، و قد یطلق و یراد منه الجواد علیه السّلام فالتمیز یظهر من الرّجال» انتهی، و التمیز یقتضی إرادة الجواد علیه السّلام من أبی جعفر فی هذه الروایة، لما مرّ من أنّ علی بن مهزیار من أصحابه علیه السّلام. و أمّا کون ابن شبرمة فی زمان الباقر علیه السّلام، فلیس قرینة علی أنّه

هو المراد بأبی جعفر علیه السّلام، لکفایة نفوذ فتوی ابن شبرمة و رواجها فی ذلک العصر فی التعرض لها کما لا یخفی.

و أمّا إرسال الروایة لأجل عدم ما یدل علی سماع ابن مهزیار عنه (علیه السّلام) بلا واسطة، ففیه: أنّ هذا من الاحتمالات المخالفة للظاهر جداً، لأنّ الظاهر من الروایة عن شخص هو السماع عنه، و لذا یکون التعبیر المتداول فی الروایة عن شخص مع الواسطة (روی فلان بإسناده عن فلان) و إلاّ کان ذلک تدلیساً، مضافاً إلی أنّ هذا الاحتمال متطرق فی نفس الرّواة أیضا، فلا سبیل حینئذٍ إلی إحراز روایة کل منهم عن آخر بلا واسطة لتسلم عن إشکال الإرسال، فتدبّر.

و بالجملة: فالروایة سلیمة عن کل سقم، فتکون حجة، و دلالتها علی حرمة المرضعة الأولی واضحة، و لو فرض عدم الوثوق بها - الّذی هو مدار الحجیة و عدم ثبوت الإجماع أیضا - فمقتضی عمومات الحلّ عدم حرمة المرضعة الأولی.

و أمّا المرضعة الثانیة، ففی حرمتها خلاف، قال فی الشرائع: «و لو کان له زوجتان و زوجة رضیعة فأرضعتها إحدی الزوجتین أوّلا ثم أرضعتها الأخری حرمت المرضعة الأولی و الصغیرة دون الثانیة، لأنّها أرضعتها و هی بنته، و قیل: بل تحرم أیضا، لأنّها صارت أمّا لمن کانت زوجته، و هو أولی» انتهی، و قال فی التحریر: «و لو أرضعت زوجته الصغیرة إحدی الکبیرتین ثم الأخری حرمن کلهن، و قیل تحرم المرتضعة و أولی المرضعتین، و قوّاه الشیخ و هو ضعیف» انتهی، و عن المسالک:

«نسبة التحریم إلی ابن إدریس و المحقق فی - فع - و أکثر المتأخرین، بل لم یحک القول الأوّل - و هو الحلیة - إلاّ عن الشیخ فی النهایة و ابن الجنید» انتهی،

و الوجه فی التحریم ما أشار إلیه فی الشرائع من أنّ المرضعة صارت بالرضاع أمّ من کانت زوجته فتندرج فی أمّهات النساء، و قد ثبت حرمة الأمّ الرضاعیة للزوجة کالأم النسبیة لها، هذا، و فی - هر -: «المحکی عن الإسکافی و الشیخ فی النهایة، و ظاهر الکلینی حلیة الثانیة، بل هو خیرة الریاض و - سیدک - حاکیا له عن جماعة، بل هو ظاهر الأصفهانی فی کشفه أو صریحه أیضا، بل ربما کان ظاهر ما حکاه فیه عن ابن إدریس أیضا» انتهی، و أنت خبیر بأنّه بعد اعتبار روایة ابن مهزیار المتقدمة لا مجال للحکم بحرمة المرضعة الثانیة، و ابتناؤها علی مسألة المشتق أشبه شی‏ء بالاجتهاد فی مقابل النص، هذا تمام الکلام فی الصورة الأولی.

(و أمّا الصورة الثانیة) و هی عدم الدخول بالکبیرتین، ففیها مقامات ثلاثة:

الأوّل: تحرم علیه الصغیرة المرتضعة مؤبدا إن کان اللبن منه، لصیرورتها بالرضاع بنتا رضاعیة له، و جمعا بینها و بین مرضعتها إن کان اللبن من غیره، لأنّ حرمة الربیبة مؤبّدا منوطة بالدخول بأمها المفروض هنا عدمه.

المقام الثانی: تحرم المرضعة الأولی، لروایة ابن مهزیار المتقدمة إن کان اللبن من هذا الزوج کما هو ظاهر ذیلها، حیث علّل الإمام علیه السّلام ذلک بقوله:

«لأنّها أرضعت ابنته‏» و لیست حرمتها مبنیّة علی وضع المشتق للأعم، و لا علی کفایة المسامحة العرفیة فی صدق عنوان أمّ الزوجة علیها، مع ارتفاع زوجیة الصغیرة و حدوث أمّیة المرضعة لها فی زمان واحد، لترتبهما علی الرضاع، و ذلک لما مرّ من الإشکال فیهما. و إن کان اللبن من غیره، فحرمتها مبنیة علی الدخول بها المفروض هنا عدمه، أو صدق أمّ الزوجة علیها حقیقة بناء علی وضع المشتق للأعم، أو

مسامحة علی ما مر. و لا یمکن الاستدلال علیها بروایة ابن مهزیار المذکورة، لاختصاص موردها بصورة الدخول، بل و کون اللبن من هذا الزوج.

المقام الثالث: لا تحرم المرضعة الثانیة إلاّ بناء علی وضع المشتق للأعم، لأنّه حینئذٍ یصدق علیها أمّ الزوجة، و أمّا بناء علی وضعه لخصوص حال التلبس فلا یصدق علیها هذا العنوان فعلا، بل یصدق علیها أمّ من کانت زوجة له، و هذا المقدار لا یکفی فی الحرمة، إذ لو کان اللبن منه فقد أرضعت به بنته التی بطلت زوجیتها بالرضاع الأوّل، و لو کان اللبن من غیره فالمرتضعة و ان صارت ربیبة له، إلاّ أنّه لمّا کان المفروض عدم الدخول بالمرضعة فلا تحرم علیه إلاّ جمعا بینها و بین المرضعة، و قد عرفت تصریح روایة ابن مهزیار المتقدمة بعدم حرمتها، و لا مجال معها لابتناء الحرمة علی وضع المشتق للأعم کما لا یخفی.

(و أمّا الصورة الثالثة) و هی ما إذا دخل بالمرضعة الأولی دون الثانیة، ففیها أیضا مقامات ثلاثة:

الأوّل: تحرم الصغیرة علی الزوج مطلقا سواء کان اللبن منه أم من غیره، لصیرورتها بنتا له علی الأوّل، و ربیبة له من زوجته المدخول بها علی الثانی.

الثانی: تحرم المرضعة الأولی، لروایة ابن مهزیار المتقدمة سواء کان اللبن منه أم من غیره.

الثالث لا تحرم المرضعة الثانیة سواء کان اللبن من هذا الزوج أم من غیره، إذ علی الأوّل لم ترضع إلاّ بنت زوجها، حیث إنّ زوجیة الصغیرة ارتفعت بالرضاع الأوّل، و إرضاع بنت الزوج لیس محرِّما للمرضعة علی زوجها

هذا، مضافا إلی صراحة روایة ابن مهزیار المتقدمة فی عدم حرمتها. (و علی الثانی) حیث لم یدخل بها الزوج فلا تحرم علیه إلاّ جمعا.

(و أمّا الصورة الرابعة) و هی ما إذا دخل بالمرضعة الثانیة دون الأولی ففیها أیضا مقامات ثلاثة:

الأوّل: تحرم الصغیرة مطلقا سواء أ کان اللبن من هذا الزوج أم من غیره، لصیرورتها علی الأوّل بنته بالرضاع، و علی الثانی ربیبة له من الزوجة المدخول بها.

الثانی: تحرم المرضعة الأولی مؤبّدا، لروایة ابن مهزیار المتقدمة إن کان اللبن من هذا الزوج کما تقدم فی الصورة الثانیة، و لا تحرم ان کان اللبن من غیره إلاّ جمعا، لصیرورة الرضیعة ربیبة له من الزوجة غیر المدخول بها.

الثالث: لا تحرم المرضعة الثانیة سواء کان اللبن من هذا الزوج أم من غیره، إذ علی الأوّل ارتفعت زوجیة الصغیرة بالرضاع الأوّل، و صارت بنتا لزوجها، فالمرضعة الثانیة أرضعت بنت زوجها کما هو صریح روایة ابن مهزیار المتقدمة، و هو لا یوجب الحرمة، فلا یصدق علیها أمّ الزوجة حتی تحرم إلاّ بناء علی وضع المشتق للأعم.

و علی الثانی لا توجب بنتیة الصغیرة للمرضعة حرمة أمّها المدخول بها، بل توجب حرمة نفسها مؤبّدا، لصیرورتها ربیبة من الزوجة المدخول بها، فما فی التحریر من تحریم المرضعة الثانیة بقوله: «و لو أرضعت زوجته الصغیرة إحدی الکبیرتین ثم الأخری حر من کلّهن، و قیل: تحرم المرتضعة و أولی المرضعتین، و قوّاه

علیها أمّ زوجته، لأنّه لا یشترط فی المشتق بقاء المشتق منه هکذا هنا» (1)، و ما (2) عن المسالک فی هذه المسألة من ابتناء الحکم فیها علی الخلاف فی مسألة المشتق، فعلیه (3) کل ما کان مفهومه منتزعا من الذات بملاحظة اتصافها بالصفات‏ ----


(1). قد عرفت تصریح روایة ابن مهزیار المتقدمة بعدم حرمة المرضعة الثانیة فی صورة کون اللبن من الزوج، فلا ینبغی ابتناء حرمتها علی نزاع المشتق.

(2). معطوف علی قوله: «ما عن الإیضاح».

(3). أی: فعلی تعمیم النزاع لبعض الجوامد، محصله: أنّه - بعد ما تبیّن عدم اختصاص النزاع بالمشتق الاصطلاحی - ینبغی تحریر محل البحث هکذا: «کل عنوان جار علی ذات بلحاظ اتصافها بما هو خارج عن الذات سواء کان مشتقا مصطلحا أم جامدا، و سواء کان ذلک الخارج من المقولات التسع العرضیة أم من الأمور الاعتباریة التی لیس لها ما یحاذیها فی الخارج، و یکون وعاء وجودها الاعتبار الّذی هو برزخ بین وعاءی الوجودین الذهن و العین، و یترتب علی وجودها فی صقع الاعتبار أحکام و آثار کالزوجیة و الملکیة و الرقیة و غیرها من الاعتبارات التی اعتبرها الشارع تأسیسا أو إمضاء، ثم یقع الکلام فی أنّ جریان ذلک العنوان الحاکی عن اتصاف الذات بعرض مقولی أو اعتباری بعد انقضائه و تجرد الذات عنه هل یکون علی نحو الحقیقة أم المجاز؟ ______________________________ الشیخ و هو ضعیف» انتهی لم یظهر له وجه، فلاحظ و تأمل، فإنّ للبحث فی المسألة مقاما آخر، و قد خرجنا فیها عن وضع التعلیقة و نسأل اللَّه سبحانه و تعالی التوفیق و الإخلاص فی القول و العمل و العصمة عن الخطأ و الزلل.

الخارجة عن الذاتیات (1) کانت (2) عرضاً أو عرضیاً (3) کالزوجیة و الرقیة و الحریة و غیرها (4) من الاعتبارات و الإضافات کان (5) محل النزاع و إن کان جامداً، و هذا بخلاف ما کان مفهومه منتزعاً عن مقام الذات (6) و الذاتیات (7) -


(1). الذاتیات علی قسمین: الذاتی فی باب الإیساغوجی و هو الجنس و الفصل و الحد التام، و الذاتی فی باب البرهان و هو المحمول الّذی ینتزع عن نفس الذات بلا ضمّ ضمیمة کإمکان الممکن مثل الإنسان، و المراد بها هنا ما یعم القسمین، فکلاهما خارجان عن هذا البحث، لانتفاء الموضوع بانتفائه فی الإیساغوجی، و امتناع ارتفاع الذاتی البرهانی الّذی هو من لوازم الذات مع بقاء الملزوم أعنی الذات کما هو المقصود فی بحث المشتق.

(2). یعنی: تلک الصفات الخارجة.

(3). قد تقدم تفسیر العرض و العرضی، و أنّ المراد بالأوّل المبادئ المتأصلة کالبیاض و السواد، و بالثانی الأُمور الاعتباریة کالزوجیة و الملکیة و الحریة و الرقیة و نحوها.

(4). قد عرفت أنّ الزوجیة و نحوها من الأُمور الاعتباریة، و أنّها لیست من العرضی المصطلح و هو المشتق من المبدأ الّذی هو العرض المقابل للجوهر.

(5). خبر قوله: «کل ما کان مفهومه».

(6). و هو المنتزع عن تمام الذات کالإنسانیة المنتزعة عن الإنسان.

(7). کالإنسانیة المنتزعة عن الجنس أو الفصل، و وجه خروج هذین القسمین عن حریم النزاع هو کون مورد البحث الذات التی لها حالتان:

إحداهما: اتصافها بالمبدإ الخارج عن الذاتیات، و الأُخری حالة انقضاء المبدأ عنها، فحینئذٍ یبحث عن أنّ الجری علی الذات بعد زوال تلبسها بالمبدإ هل

فإنّه لا نزاع فی کونه حقیقة فی خصوص ما إذا کانت الذات باقیة بذاتیاتها.

(ثانیها)

قد عرفت (1) أنّه لا وجه لتخصیص النزاع ببعض المشتقات --یکون حقیقة أم مجازاً، فالمفهوم المنتزع عن الذاتیات کالإنسانیة المنتزعة عن الإنسان و الحیوانیة المنتزعة عن الحیوان و الحجریة المنتزعة عن الحجر و نحو ذلک من العناوین الذاتیّة خارج عن مورد البحث، لأنّ انتفاء المبدأ فیها کالإنسانیة یوجب انتفاء العنوان کالإنسان بحیث تتبدل الحقیقة بانتفاء المبدأ بحقیقة أُخری، فإنّ الإنسان بعد انتفاء إنسانیته یندرج فی الجماد و الجسم المطلق، و لذا لا یجری علیه أحکام الإنسان، بل قیل بعدم جواز استعمال الإنسان فیه مجازاً أیضا، فلا یصح أن یقال: الممسوخات أو الأموات إنسان، و کذا لا یجری الاستصحاب فی موارد الاستحالة، لتبدل الصورة النوعیة فیها بصورة أُخری الموجب للعلم بعدم بقاء الموضوع، و لذا لا یجری الاستصحاب فی نجاسة الکلب الّذی صار مِلحاً بوقوعه فی المملحة.

و بالجملة: فنزاع المشتق لا یجری فی العناوین الذاتیّة، للاتفاق علی کونها حقیقة فی المتلبس.


(1). أی: فی أوّل الأمر المتقدم. الغرض من عقد هذا الأمر هو دفع الإشکال الّذی أُورد علی دخول اسم الزمان فی نزاع المشتق، تقریب الإشکال هو: أنّ مورد الکلام و البحث فی المشتق هی الذات الباقیة فی حالتی التلبس و الانقضاء، إذ لا یعقل هذا النزاع بدون وجود الذات فی کلتا الحالتین ک - زید العالم -، حیث إنّ الذات فیه باقیة بعد ارتفاع المبدأ - أعنی العلم - عنها، فیصح النزاع حینئذٍ فی أنّ جری العالم علی زید بعد زوال العلم عنه هل هو علی نحو الحقیقة أم العنایة و المجاز؟ و لیس فی الزمان و نحوه من

الجاریة علی الذوات، إلاّ أنّه (1) ربما یشکل بعدم إمکان جریانه فی اسم الزمان، لأنّ الذات فیه (2) و هی الزمان بنفسه ینقضی و ینصرم فکیف یمکن أن یقع النزاع فی أنّ الوصف الجاری علیه (3) حقیقة فی خصوص المتلبس بالمبدإ فی الحال (4) أو فیما یعم المتلبس به فی المضی. و یمکن حلّ الإشکال: بأنّ (5) انحصار -التدریجیات ذات محفوظة فی حالتی التلبس و الانقضاء، إذ الزمان بنفسه ینقضی و ینصرم، و المفروض أنّه بنفسه الذات المتصفة بالمبدإ کالزمان الّذی وقع فیه القتل مثلا، فکیف یصح حمل المقتل فعلاً علیه فیقال: «یوم الجمعة مثلا مقتل فلان» فلا بد من خروج اسم الزمان عن حریم نزاع المشتق کخروج العناوین الذاتیّة.


(1). الضمیر للشأن.

(2). أی: فی اسم الزمان.

(3). أی: علی اسم الزمان کالمقتل الّذی یحمل علی یوم عاشوراء مثلا مع انقضاء الزمان المتلبس بالقتل.

(4). سیأتی بیان المراد بالحال إن شاء اللَّه تعالی.

(5). متعلق بقوله: «حلّ»، توضیح ما أفاده فی الجواب هو: أنّ هذا الإشکال مبنی علی کون النزاع فی المصداق، لأنّه حینئذٍ لا یتصور النزاع فی وضع اسم الزمان لخصوص حال التلبس أو الأعم، ضرورة أنّه لیس للزمان أفراد ثلاثة فرد تلبسی و فرد انقضائی و فرد استقبالی حتی یتمشی فیه نزاع المشتق، بل لا فرد له إلاّ التلبسی، فانحصار مصداق الزمان فی المتلبس یقتضی خروجه عن نزاع المشتق، و هذا بخلاف ما إذا کان مورد البحث فی المشتق هو المفهوم، فالنزاع حینئذٍ جار فی اسم الزمان کسائر المشتقات، فیقال: إنّ الموضوع له هل هو مفهوم عام یشمل المتلبس و المنقضی أم لا؟ و انحصاره فی فرد لا یمنع عن جریان

مفهوم عام بفرد کما فی المقام لا یوجب أن یکون وضع اللفظ بإزاء الفرد دون العام، و إلاّ (1) لما وقع الخلاف فیما وضع له لفظ الجلالة، مع أنّ الواجب موضوع -النزاع فیه و لا یصادم کلیة المفهوم، کما هو الشأن فی کثیر من المفاهیم الکلیة التی لا مصداق لها فی الخارج أو انحصر مصداقها فی واحد کالشمس، فإنّ مفهومها کلّی مع انحصار أفراده فی واحد، فلا تنثلم کلیة المفهوم بذلک، إذ لو کان کاسراً لسورة کلیته لما وقع النزاع فی معنی لفظ الجلالة، و أنّه خصوص الذات المقدسة لیکون اللفظ علماً، أو مفهوم الواجب المقابل للممکن و الممتنع لیکون هذا اسم جنس، فلو لم یعقل وضع لفظ بإزاء مفهوم کلی منحصر مصداقه فی واحد لم یکن لهذا النزاع مجال، و علی هذا فاسم الزمان بناءً علی وضعه للأعم یکون من هذا القبیل، لکون الموضوع له فیه مفهوماً کلیّاً منحصراً فرده فی الخارج بواحد و هو خصوص حال التلبس، لعدم تعقل فرد آخر له و هو المنقضی عنه المبدأ کما لا یخفی

«-»

.


(1). أی: و ان کان انحصار مفهوم عام بفرد موجباً لوضع اللفظ بإزاء ذلک الفرد دون الکلی لما وقع الخلاف فی أنّ المعنی الّذی وضع له لفظ الجلالة هل هو مفهوم واجب الوجود الّذی هو کلّی أم فرده و هو الباری تعالی شأنه (-). لکنک خبیر بما فی هذا التوجیه، لفساد مقایسته بالمفاهیم الکلیة التی لیس لها فی الخارج إلاّ فرد واحد، ضرورة أنّ الجامع بین الأفراد المتصورة مما لا بد منه فی کلیة المفهوم، و من المعلوم: أنّه لا جامع فی اسم الزمان بین الفرد التلبسی و الانقضائی، حیث إنّ الجامع بینهما - و هو الزمان - قد انعدم، فیمتنع انطباق مفهوم الزمان علی الفرد الانقضائی، و هذا بخلاف سائر المفاهیم الکلیة التی تنحصر أفرادها فی واحد کالشمس و غیرها، لإمکان انطباقها علی

للمفهوم العام (1) مع انحصاره فیه تبارک و تعالی. -


(1). هذا وجه آخر لإثبات أنّ انحصار الکلی فی فرد لا یوجب وضع اللفظ للفرد، بتقریب: أنّ لفظ الواجب وضع لمفهوم عام بلا إشکال مع انحصار مصداقه فی واحد. _=============== الأفراد المفروضة الوجود، هذا. و قد یدفع الإشکال بوجوه أُخر لا بأس بالإشارة إلی بعضها: (منها) أنّ أسماء الزمان الجامدة کأوّل الشهر و یوم الجمعة و نصف شعبان و عاشوراء و غیر ذلک موضوعة للکلی الّذی له فردان - تلبسی و انقضائی -، فلفظ عاشوراء وضع لکل عاشر من کل محرم و له أفراد:

أحدها: المتلبس بالفاجعة الکبری المورثة فی الصدور أشد الأحزان و الکروب إلی یوم النشور، و مفهوم عاشوراء ینطبق علیه کانطباقه علی غیره من الأفراد، فیصح إجراء بحث المشتق فیها و یقال: إنّ لفظ عاشوراء هل وضع لخصوص فردها المتلبس بتلک الفجائع المهونة علی کل مصاب ما أصابه أم للأعم لیکون إطلاقه علی غیر الفرد المتلبس بتلک المصائب العظیمة حقیقة؟ و بالجملة: فأسماء الزمان الجامدة یجری فیها نزاع المشتق، بخلاف أسماء الزمان المشتقة، فإنّه - کالمقتل و المضرب - لا یجری فیها ذلک، لأنّ لفظ - المقتل - مثلاً وضع للزمان المتلبس بالقتل، و من المعلوم: انعدام نفس ذلک الزمان، فلا بقاء للذات فی حالتی التلبس و الانقضاء حتی یتمشی فیه بحث المشتق، هذا. و فیه:

أنّه لا فرق فی عدم جریان النزاع فی اسم الزمان بین المشتق و الجامد، و ذلک لأنّ المتصف بالعرض هو الفرد لا المفهوم، و لذا قیل فی الفرق بین المبدأ و المشتق بأنّ الأوّل هو العرض بشرط لا أی الملحوظ بما أنّه ماهیة عرضیة فی مقابل الماهیة الجوهریة، و لذا یعبر عن المبدأ بالعرض غیر المحمول.

و الثانی هو العرض لا بشرط - أی الملحوظ هو العرض بما أنّه متحد مع المحل و مندک فیه -، و لذا یحمل و یعبّر عنه بالعرض المحمول، و هو المقصود فی المشتق. و علی هذا فالزمان المتلبس بالعرض فرد من مفهوم الزمان، و المفروض تصرمه و انعدامه کانعدام العرض القائم به، و الفرد غیر المتلبس به مباین للفرد المتلبس، و من المعلوم: أنّ التلبس و الانقضاء إنّما یلاحظان بالنسبة إلی ذات واحدة کالتلبس و الانقضاء الملحوظین بالإضافة إلی زید الّذی کان متلبساً بالعلم مثلا ثم زال عنه، و أمّا فی الزمان فلا یمکن لحاظهما کذلک، لأنّ المفروض انعدام المتلبس منه بالعرض، و الزمان الآخر لیس ذلک الفرد حتی یلاحظ الانقضاء بالنسبة إلیه، فإنّ المتلبس من عاشوراء بأعظم المصائب هو الزمان الخاصّ، و غیره من أفراد کلّی عاشوراء لیس فرداً انقضائیاً، بل هو مباین للفرد المتلبس کمباینة زید و عمرو و غیرهما من أفراد الإنسان، و إذا تلبس زید مثلا بعرضٍ و زال عنه یضاف الانقضاء إلیه لا إلی عمرو مثلا، فکذلک الزمان، فإنّ المتلبس منه بالعرض غیر الفرد الّذی لم یتلبس به، و کل منهما مباین للآخر، فکیف یلاحظ الانقضاء بالنسبة إلی غیر المتلبس.

فتلخص مما ذکرنا: أنّ أسماء الزمان خارجة عن حریم نزاع المشتق، لعدم تصور التلبس و الانقضاء فی الزمان مع انعدامه، بل خروج الزمان عنه أولی من خروج العناوین الذاتیّة عنه، لبقاء الجامع فیها بالدقة العقلیة و هو المادة المشترکة بین الصور النوعیة المتبادلة، بخلاف الزمان، إذ لا یبقی فیه جامع بین حالتی وجود العرض و عدمه عقلاً و لا عرفاً، لانعدام الزمان و عارضه حقیقة، کما لا یخفی.

و منها: أنّ الزمان علی قسمین:

أحدهما: ما ینطبق علی الحرکة القطعیة، و الآخر ما ینطبق علی الحرکة التوسطیة، و المتصرم الّذی لا یتصور فیه النزاع هو الأوّل دون الثانی، لأنّه عبارة عن مجموع الآنات المتخللة بین المبدأ و المنتهی کطلوع الشمس و غروبها أو غروبها و طلوعها التی یعبر عنها فی الأوّل بالنهار و فی الثانی باللیل، و بهذا الاعتبار الموجب للوحدة یصح الاستصحاب فی الزمان و غیره من التدریجیات علی ما یأتی فی بحث الاستصحاب إن شاء اللَّه تعالی، و علیه فإذا اتصف جزءٌ من أجزاء النهار أو اللیل بعرض کقتل أو شتم أو غیرهما صح أن یقال بلحاظ ذلک الجزء:

الیوم یوم القتل أو الشتم، مع أنّ الآن المتصف بذلک العرض قد تصرم و انعدم.

و بالجملة: ففی الحرکة التوسطیة یکون مجموع الزمان المتخلل بین المبدأ و المنتهی فرداً واحداً من أفراد الزمان کفردیة زید مثلا لطبیعی الإنسان، فکما یصح جری المشتق علیه بلحاظ تلبسه بعرض متأصل أو اعتباری بعد انقضاء العرض عنه کأن یقال: زید شارب بعد انقضاء الشرب عنه، فکذلک الزمان بالتقریب المتقدم آنفاً، فلیس اسم الزمان خارجاً عن نزاع المشتق، هذا. و فیه: أنّ هذا الجواب أخص من المدعی - و هو مطلق اسم الزمان مشتقاً کان أم جامداً -، و ذلک لاختصاصه بالجوامد کالنهار و اللیل و الأسبوع و الشهر و نحوها من الأزمنة المحدودة بحدّین، لأنّ الحرکة التوسطیة ملحوظة فیها، لکونها بین المبدأ و المنتهی کما بین الهلالین فی الشهر، و ما بین الطلوع و الغروب و بالعکس فی النهار و اللیل، فإنّ اتصاف جزءٍ من الأزمنة المتخللة بین الحدین بعرض یکون کاتصاف زید بمبدإ عرضی

(ثالثها)

(1) :أنّ من الواضح خروج الأفعال و المصادر -


(1). هذا توضیح لما أجمله سابقاً فی بیان ضابط المشتق المبحوث عنه فی المقام، و حاصله: أنّ مورد النزاع هو کل ما یجری علی الذات بلحاظ اتصافها بمبدإ عرضی متأصل أو اعتباری، فیخرج عن حریم النزاع کل ما لا ینطبق علی الذات و انقضائه عنه فی صحة النزاع و کون حمله علیه بعد زوال العرض عنه بنحو الحقیقة أو المجاز، و هذا بخلاف اسم الزمان المشتق کالمقتل، فإنّ زمان القتل هو نفس زمان التلبس به الّذی لا ینطبق إلاّ علی الحرکة القطعیة المتصرم حقیقة، فلا یجری فیه خلاف المشتق، هذا. ثم إنّ فی اسم الزمان الجامد کعاشوراء مثلا یصح الجری فیما بعد الانقضاء بلحاظ تلبس جزءٍ منها بالمبدإ کقتل سید شباب أهل الجنة صلوات اللَّه علیه و أرواحنا فداه فیه، و أمّا فی غیر عاشوراء سنة وقوع تلک الفاجعة العظمی من سائر أفراد عاشوراء فالجری فیها مجاز علی کل حال، ضرورة مباینة سائر أفراد طبیعی العاشوراء للعاشوراء التی وقعت فیها تلک الرزیة، کمباینة زید مثلا لسائر أفراد الإنسان، فاتصاف سائر أفراد عاشوراء بکونها مقتل سید الشهداء علیه أفضل الصلاة و السلام مجاز بلا إشکال، لکونها مماثلة لتلک العاشوراء لا عینها حتی یمکن ادعاء کون إطلاق مقتل أبی عبد اللَّه علیه الصلاة و السلام علیها بلحاظ تلبس جزءٍ منها به حقیقة بناءً علی وضع المشتق للأعم.

فالمتحصل: أنّ أسماء الزمان الجامدة داخلة فی محل النزاع، بخلاف المشتقة منها، فإنّها خارجة عن ذلک. ثم إنّ الإشکال المزبور لا یختص باسم الزمان، بل یتطرّق فی سائر الأُمور التدریجیة کجریان الماء و الدم و غیرهما مما ینطبق علی الزمان، و الجواب المذکور جار فیها أیضا، و یأتی تفصیل ذلک فی مبحث الاستصحاب ان شاء اللَّه تعالی شأنه.

المزید فیها (1) عن حریم النزاع، لکونها (2) غیر جاریة علی الذوات -سواء کان مشتقاً کالأفعال بأسرها و المصادر المزید فیها أم لا کنفس المشتق منه و هو المصدر المجرد علی مذهب جماعة، و ان کان الحق بعد تسلیم أصل الاشتقاق کون المشتق منه اسم المصدر لا نفسه، لأنّ الدال علی نفس المبدأ مجرداً عن کل نسبة هو اسم المصدر کما ثبت فی محله.


(1). قید للمصادر دون الأفعال، لعدم الفرق فی خروجها عن مورد النزاع بین مجردها و مزیدها بلا شبهة، لجریان علة الخروج و هی عدم الجری علی الذات فی کلیهما بوزان واحد کما سیأتی إن شاء اللَّه تعالی، و قد مرت الإشارة إلی خروج المصدر المجرد عن حریم النزاع، فلا ینبغی تقیید المصدر بالمزید فیه، و لعل التقیید به لأجل اختصاص الاشتقاق به - کما قیل - لکن الحق کما عرفت کون المصادر المجردة أیضا من المشتقات، لأنّ المشتق منه هو اسم المصدر لا نفسه.

(2). تعلیل لخروج الأفعال مطلقاً و المصادر المزید فیها عن حریم النزاع، و ملخص التعلیل هو خروجها موضوعاً عن ضابط المشتق المبحوث عنه فی المقام، لما مرّ من أنّ ضابطه هو ما کان مفهومه منتزعاً عن ذات متصفة بمبدإ خارج عن مقام الذات و الذاتیات، فإذا لم یکن کذلک فلیس بالمشتق الّذی یبحث عنه فی المقام موضوعاً، و بما أنّ الأفعال و المصادر کما سیأتی لا تجری علی الذوات حتی تکون مفاهیمها منتزعة عن الذوات المتصفة بها، فلا جرم

«-»

تکون خارجة موضوعاً عن المشتق المبحوث عنه، و علی هذا فخروجها غیر مستند إلی الاتفاق کما قیل (-). إذ المعتبر فی المشتق المبحوث عنه صحة حمله علی الذات المتصفة بالمبدإ کحمل - عالم - علی - زید - المتصف بالعلم فی قولنا: «زید عالم» و لا ریب فی أنّ

ضرورة (1) أنّ المصادر المزید فیها کالمجردة (2) فی الدلالة علی ما یتصف به (3) الذوات و یقوم بها کما لا یخفی، و أنّ (4) الأفعال إنّما تدل علی قیام -


(1). هذا تقریب عدم جریان المصادر المزید فیها علی الذوات، و ملخصه:

أنّها لا تدل إلاّ علی نفس المبادئ کالمصادر المجردة التی لا تدل إلاّ علی ذلک و سیأتی - إن شاء اللَّه تعالی - عدم جری المبادئ و حملها علی الذوات.

(2). أی: کالمصادر المجردة، فخروج المصادر مطلقاً عن حریم النزاع إنما یکون لوجهین:

أحدهما: عدم جری المبادئ علی الذوات، و الآخر: عدم جامع بین حالتی التلبس و الانقضاء حتی یمکن إجراء نزاع المشتق فی المصادر، إذ المفروض عدم دلالة المبادی علی الذوات الباقیة فی حالتی التلبس و الانقضاء، و لا جامع بین وجود المبدأ و عدمه، فخروج المصادر بقسمیها یکون خروجاً تخصیصاً، کما أشرنا إلیه آنفاً.

(3). الضمیر راجع إلی - ما - الموصولة المراد بها المبادئ.

(4). معطوف علی - أنّ المصادر - غرضه: تقریب عدم جریان الأفعال علی الذوات، و حاصله: أنّ للأفعال مادة و هیئة (أمّا المادة) فلا تدل إلاّ علی نفس الطبیعة المبهمة المعراة عن کل خصوصیة خارجة عنها و هی المعبر عنها فی بحث المشتق بالمبدإ، و سیأتی إن شاء اللَّه تعالی عدم صحة حمل المبدأ علی الذات. (و أمّا الهیئة) فلا تدل إلاّ علی کیفیة قیام المبدأ بالذات، و أنّه بأیّ نحو یقوم بها و ینتسب إلیها، فلا تدل الأفعال لا بمادتها و لا بهیئتها علی ذات متلبسة بالمبدإ حتی یصح ___=============== صحة حمله علی الذات موقوفة علی اتحادهما وجوداً، إذ بدونه لا یصح الحمل کما لا یخفی.

المبادئ بها (1) قیام صدور (2) أو حلول (3) أو طلب فعلها أو ترکها (4) منها (5) علی اختلافها (6). إزاحة شبهة، قد اشتهر فی ألسنة النحاة دلالة الفعل علی الزمان حتی أخذوا الاقتران بها (7) فی تعریفه (8)، -----جریها علیها علی حذوِ جریان اسم الفاعل و نحوه علیها، بل ظاهر عبارة البدائع عدم دلالة الفعل إلاّ علی نفس النسبة، حیث قال فیها: «الأفعال إنّما تدل علی نسبة المعنی إلی الذات لا المعنی و لا الذات و إن کانا مدلولا علیهما التزاماً، لأنّ الدال علی النسبة یدل علی المنتسبین بالضرورة دلالة التزامیة» انتهی، و علی هذا فوجه عدم جریان الأفعال علی الذوات فی غایة الوضوح، لکن صحة ما أفاده فی البدائع مبنیة علی إنکار الاشتقاق، و إلاّ فدلالة الفعل علی المبدأ ضروریة.


(1). أی: بالذوات.

(2). مثل - ضرب و یضرب - و - أعطی و یعطی - و نحوها مما یصدر منه.

(3). ک - مرض و حسن - و غیرهما من الأفعال اللازمة، هذا فی الاخبار.

(4). الضمیران راجعان إلی المبادئ، أمّا طلب الفعل فهو مثل - صلِّ و حجّ و زکّ -، و أمّا طلب الترک فهو مثل - لا تسرق و لا تغتب مؤمناً - و نحو ذلک، و هذا فی الإنشاء.

(5). أی: من الذوات.

(6). أی: اختلاف المبادئ بحسب الفعلیة و الشأنیة و الملکة و الحرفة و غیرها.

(7). أی: بدلالة الفعل علی الزمان.

(8). قال شیخنا البهائی (قده) فی الصمدیة بعد تعریف الاسم: «و الفعل کلمة معناها مستقل مقترن بأحدها - أی أحد الأزمنة الثلاثة - و یختص بقد إلخ».

و هو (1) اشتباه، ضرورة عدم دلالة الأمر و لا النهی علیه، بل علی إنشاء طلب الفعل أو الترک، غایة الأمر نفس الإنشاء بهما فی الحال (2) -و فی الهدایة «و حد الفعل أنّه کلمة تدل علی معنی فی نفسه مقترنا بأحد الأزمنة الثلاثة کضرب و یضرب و اضرب» انتهی. و عن نجم الأئمة (ره) فی حدّ الفعل ما لفظه: «هو ما دلّ علی معنی فی نفسه مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة أی علی معنی واقع فی أحد الأزمنة الثلاثة معیناً بحیث یکون ذلک الزمان المعین أیضا مدلول اللفظ الدال علی ذلک المعنی بوضعه له أوّلا، فیکون الظرف و المظروف مدلولی لفظ واحد بالوضع الأصلی» - انتهی -، بل قیل: إنّ دلالة الفعل علی الزمان مما اتفق علیه علماء المعقول و المنقول، فلاحظ کلماتهم، فالاقتران بالزمان فی حدّ الفعل مسلّم.


(1). أی: و أخذهم اقتران الفعل بالزمان فی حده اشتباه، أمّا فی الأمر و النهی فلعدم دلالتهما علی الزمان، إذ الدال علی ذلک منحصر فی المادة أو الهیئة، و شی‏ء منهما لا یدل علیه. أمّإ؛ک‏ک‏للَّه‏للَّه؛ المادة، فلأنّها لا تدلّ إلاّ علی نفس الطبیعة المجردة علی الخصوصیة التی منها الزمان، و أمّا الهیئة فلأنّها لا تدلّ إلاّ علی نسبة المادة إلی الفاعل، لِما تقرّر عندهم من أنّ مد اللیل الهیئات معانٍ حرفیة، و الزمان معنی استقلالی اسمی، فلا تدل علیه الهیئة. و هذا الوجه غیر مختص بالأمر و النهی، بل یجری فی غیرهما من الأفعال، فمعنی الأمر و النهی هو إنشاء طلب الفعل أو الترک من دون دلالته علی الزمان، غایة الأمر: أنّ الإنشاء بهما لمّا کان من الزمانیات التی لا تنفک عن الزمان - کعدم انفکاک المکانی عن المکان - یقع فی زمان الحال، لکنه لا یقتضی کون الزمان جزءاً لمدلول الفعل کما هو مقصود النجاة.

(2). و هو المقابل للماضی و المستقبل، فإنّ حال التکلم لیس إلاّ زمان الحال.

کما هو الحال (1) فی الاخبار بالماضی أو المستقبل أو بغیرهما (2) کما لا یخفی، بل یمکن (3) -


(1). یعنی: کما أنّ إخبار المخبر بفعل الماضی أو المستقبل أو بغیرهما کالجملة الاسمیة یقع فی حال التکلم، فالزمان الّذی یقع فیه الإنشاء بالأمر أو النهی أو غیرهما یکون کإخبار المخبر الّذی یقع فیه بالماضی أو المستقبل أو بغیرهما فی عدم کون الزمان جزءاً لمدلول الأفعال. و الحاصل: أنّ ظرفیة زمان الحال للإنشاء و الاخبار بالأفعال المذکورة لیست دلیلاً علی کونه جزءً لمدلولها، و إلاّ کان جزءاً لمدلول الجملة الاسمیة الخبریة التی اتفق النحویون علی خروج الزمان عن مدلولها

«-»

.

(2). کالجملة الاسمیة علی ما مرت الإشارة إلیه آنفاً.

(3). مقتضی الوجه المتقدم - أعنی عدم دلالة الفعل لا بوضعه المادی و لا بوضعه الصوری علی الزمان - هو: عدم دلالة الفعل الماضی و المضارع أیضا علیه، فاستدراکهما غیر مناسب، لأنّ ذلک الوجه برهان متین علی عدم دلالة الفعل بجمیع أقسامه علی الزمان. (-). یستدل لأخذ الزمان فی مدلول الفعل تارة باتفاق النحویین علی ذلک، و أُخری بالتبادر، و فی کلیهما ما لا یخفی، (إذ فی الأوّل): أنّ الاتفاق المعتبر هو ما یکون کاشفاً عن قول المعصوم علیه السّلام، و من المعلوم: أنّه مفقود هنا، إلاّ أنّ یکون هذا الاتفاق کاشفاً عن تنصیص الواضع لهم علیه أو ناشئاً عن التبادر، لکن شیئاً منهما غیر ثابت، لاحتمال کون اتفاقهم مستنداً إلی اجتهادهم، و مع هذا الاحتمال لا یبقی إلاّ الظن بتنصیص الواضع لهم، أو بکون اتفاقهم لأجل التبادر، و هو لا یغنی من الحق شیئاً. (و فی الثانی): أنّ التبادر المعتبر و هو المستند إلی حاق اللفظ غیر ثابت، و إثباته بأصالة عدم القرینة غیر وجیه، لما مرّ سابقاً.

منع دلالة غیرهما (1) من الأفعال علی الزمان إلا بالإطلاق و الإسناد إلی الزمانیات (2)، و إلاّ (3) لزم القول بالمجاز و التجرید عند الإسناد إلی غیرها (4) من نفس الزمان (5) -


(1). و هو الفعل الماضی و المضارع، و حاصله: أنّ دلالة الماضی و المستقبل علی الزمان بالوضع بحیث یکون جزءاً لمدلولهما ممنوعة، لما مرّ من البرهان علی عدم دلالة شی‏ء من الأفعال علی الزمان، نعم إذا أسندت إلی الزمانیات، فتدل علی الزمان، لکن هذه الدلالة مستندة إلی الإطلاق، لا إلی الوضع الّذی یقول به النحاة بل و غیرهم فی مقابل الاسم و الحرف، لما سیأتی فی شرح کلام المصنف (قده) من ورود الإشکال لو کان بالوضع.

(2). المراد بالزمانیات ما کان الزمان ظرفاً لوجوده کغالب الموجودات کزید و عمرو فی قولنا: «ضرب زید» و «أعطی عمرو» و یقابله المجردات عن الزمان کذات الباری تعالی و نفس الزمان.

(3). أی: و إن لم تکن دلالة الفعل علی الزمان بالإطلاق مع الإسناد إلی الزمانی بل کانت بالوضع لَزِم التجرید عن الزمان و الالتزام بالمجازیة فیما إذا أُسند إلی نفس الزمان مثل - مضی الزمان - و - خلق اللَّه الزمان - أو الصباح أو المساء، و ذلک لأنّ الزمان لا یکون فی زمان آخر، فلا بد من التجرید عن الزمان، و هو خلاف الوجدان، لعدم فرق بین إسناد الفعل إلی الزمانی و بین إسناده إلی نفس الزمان و المجردات.

(4). أی: الزمانیات.

(5). کقوله:«أشاب الصغیر و أفنی الکبیر کرُّ الغداة و مرُّ العشی»«مضی الدهر و الأیام و الذنب حاصل‏و جاء رسول الموت و القلب غافل» و غیره مما أُسند الفعل فیه إلی نفس الزمان.

و المجردات (1). نعم (2) لا یبعد أن یکون لکل من الماضی و المضارع بحسب المعنی -


(1). عن المادة سواء کان من صفات الذات مثل - علم اللَّه تعالی - أم من صفات الفعل مع کون مفعوله مجرداً أیضا مثل - خلق اللَّه الأرواح - أو غیر مجرد مثل - خلق اللَّه الأجسام -، فإنّ الزمان ان کان مأخوذاً فی مدلول الفعل، فلا بد من تجریده عنه فی هذه الأمثلة و کون استعماله فیها مجازاً، و انحصار استعماله فی المعنی الحقیقی بما إذا أُسند إلی الزمانی - کضرب زید -، و هو خلاف الوجدان، لما عرفت من عدم الفرق بین موارد إسناده و کونه حقیقة فی الکل، و هذا دلیل علی عدم أخذ الزمان فی مدلول الفعل.

و بالجملة: فلا دلیل علی کون الزمان مأخوذاً فی الفعل بحیث یدل علیه تضمناً کما هو ظاهر کلمات النحاة بل و غیرهم.

(2). بعد أن نفی المصنف (قده) جزئیة الزمان لمدلول الفعل و أنکر دلالته علیه تضمناً استدرک علی ذلک و اعترف بدلالته علیه التزامیا بتقریب: أنّ لمعنی الفعل الماضی و المضارع خصوصیة تستلزم الزمان، و یمتاز بها کل منهما عن الآخر، و هی فی الماضی تحقق النسبة و خروج الحدث من القوة إلی الفعل و من العدم إلی الوجود، و فراغ الفاعل عن شغله، و من المعلوم أنّ هذه الخصوصیة تلازم الوقوع فی الزمان الماضی، و فی المضارع الحالی التلبس بالمبدإ و الاشتغال به فعلاً، و هذه الخصوصیة تلازم زمان الحال، و فی المضارع الاستقبالی مثل - سوف ینصر - التهیؤ و التصدّی لإیجاد مقدّمات حصول المبدأ، و هذه الخصوصیة تلازم زمان الاستقبال.

و بالجملة: فلا یدل الفعل الماضی و المضارع علی الزمان تضمناً، و لکنهما یدلان علیه التزاماً، لمکان هذه الخصوصیات التی صارت منشئاً لتوهم جزئیة الزمان لمدلول الفعل.

خصوصیة أُخری (1) موجبة للدلالة علی وقوع النسبة فی الزمان الماضی فی الماضی (2) و فی الحال أو الاستقبال فی المضارع (3) فیما کان الفاعل من الزمانیات (4).

و یؤیّده (5) أنّ المضارع یکون مشترکاً معنویاً بین الحال و الاستقبال -


(1). یعنی: غیر خصوصیة الاخبار الّذی قد تقدم أنّه فی الجمیع یکون فی الحال.

(2). أی: فی الفعل الماضی، لأنّه کما عرفت من لوازم خصوصیة معناه.

(3). أی: فی المضارع، لما مرّ آنفاً من کونه من لوازم خصوصیة معنییه.

(4). کضرب زید، إذ لو أُسند إلی المجردات أو إلی نفس الزمان فلا یدل علی الزمان حتی التزاماً، لما تقدم.

(5). أی: و یؤیّد عدم کون الزمان جزءً مدلول الفعل، و أنّ دلالته علیه إنّما هی بالالتزام لا التضمن: أنّ جُلّ أهل العربیة ذهبوا إلی أنّ الفعل المضارع مشترک معنوی بین الحال و الاستقبال.

توضیحه: أنّ مرادهم بالزمان الّذی یقترن به الفعل هو مصداقه، لأنّه الّذی یقارنه وقوع الحدث لا مفهومه، و لا جامع بین الحال و الاستقبال إلاّ مفهوم الزمان، و المفروض عدم أخذه فی مدلول الفعل، فما أُخذ فی مدلوله لا یکون جامعاً بینهما، و ما هو جامع بینهما لم یؤخذ فی مدلوله، فکیف یجمع بین کلامیهم و هما الاشتراک المعنوی فی المضارع و کون الزمان المأخوذ فی معنی الفعل مصداقه؟، فان قلنا بالوضع لکل من المصداقین یلزم الاشتراک اللفظی، و ان قلنا بالوضع لأحدهما یلزم التجوز فی الآخر، و کلاهما منافٍ لما صرّحوا به من الاشتراک المعنوی، فلا یمکن الجمع بین هذین الکلامین إلاّ بأن یکون مرادهم من اقتران الفعل بالزمان اقترانه بخصوصیة تستلزم الزمان، و هی التلبس الفعلی بالمبدإ فی الحال و الإشراف علی التلبس به فی الاستقبال، و یکون استلزام هاتین الخصوصیّتین

و لا معنی له (1) إلاّ أن یکون له (2) خصوص معنی صحّ انطباقه علی کل منهما (3) -للزمان هو الجامع بین الحال و الاستقبال

«-»

. (1). أی: للاشتراک المعنوی، و قد تقدم وجه قوله: «و لا معنی له».

(2). أی: للمضارع.

(3). أی: الحال و الاستقبال. (-). لا یخفی أنّ التأیید المزبور مبنی علی الاشتراک المعنوی، و هو غیر ثابت، لأنّه أحد الأقوال فی الفعل المضارع، و قال جمع منهم فی تقسیم الزمان علی الأفعال: «انّ الماضی یدل علی الزمان الماضی و المضارع یدل علی زمان الحال و الأمر علی زمان الاستقبال»، و قال جمع آخر: «إنّ المضارع یدل علی زمان الاستقبال»، و قال نجم الأئمة (ره) بعد القول بأنّه حقیقة فی الحال مجاز فی الاستقبال: «و هو أقوی، لأنّه إذا خلا من القرائن لم یحمل إلاّ علی الحال، و لا یصرف إلی الاستقبال إلاّ لقرینة، و هذا شأن الحقیقة و المجاز» انتهی، و قال التفتازانی فی شرحه علی التصریف ما لفظه: «قیل: إنّ المضارع موضوع للحال، و الاستعمال فی الاستقبال مجاز، و قیل بالعکس، و الصحیح أنّه مشترک بینهما، لأنّه یطلق علیهما إطلاق کل مشترک علی أفراده، هذا، و لکن تبادر الفهم إلی الحال عند الإطلاق من غیر قرینة ینبئ عن کونه أصلا فی الحال» انتهی. نعم حُکی عن جار اللَّه العلامة فی المفصل فی المضارع: «و یشترک فیه الحاضر و المستقبل».

و بالجملة: فکلماتهم فی المضارع مختلفة جداً، و المفروض أنّ التأیید المذکور مبنیّ علی الاشتراک المعنوی الّذی قد عرفت إجمالاً حاله، بل قد یدّعی ظهور کلماتهم فی الاتفاق علی کون المضارع حقیقة فی الحال، و أنّه لا یدل علی الاستقبال إلاّ بدخول مثل سین و سوف من أدوات الاستقبال علیه.

لا أنّه یدل علی مفهوم زمان یعمهما (1)، کما (2) أنّ الجملة الاسمیة کزید ضارب یکون لها معنی صحّ انطباقه علی کل واحد من الأزمنة مع عدم دلالتها (3) علی واحد منها (4) أصلا، فکانت الجملة الفعلیة مثلها (5). و ربما یؤیّد ذلک (6) أنّ -


(1). لما عرفت من أنّ المقارن للحدث هو مصداق الزمان لا مفهومه.

(2). یعنی: کما أنّ الجملة الاسمیة لا تدل وضعاً باتفاق النحویین علی الزمان بحیث یکون الزمان جزء مدلوله، بل تدل علیه لأجل دلالته علی معنی صح انطباقه علی کل واحد من الأزمنة، کذلک الجملة الفعلیة.

(3). أی: الجملة الاسمیة، و المنفی هو - دلالتها وضعاً -.

(4). أی: من الأزمنة.

(5). أی: مثل الجملة الاسمیة فی عدم دلالتها وضعاً علی الزمان، و أنّ دلالتها علیه تکون بالإطلاق.

(6). المشار إلیه هو: عدم دلالة الفعل بالوضع علی الزمان، توضیح وجه التأیید هو: أنّ فعلی الماضی و المضارع یستعملان فی الزمان الماضی و المستقبل الإضافیین اللّذین هما الماضی و المستقبل الحقیقیان، مع عدم کون هذا الاستعمال عند أبناء المحاورة مجازاً، فلو کان الزمان الماضی فی فعله و المستقبل فی المضارع جزءاً لمدلولهما - لکان - هذا الاستعمال لا محالة مجازاً، فعدم المجازیة عندهم کاشف عن عدم جزئیة الزمان لمعنی الفعل الماضی و المضارع. و أمّا علی ما ذکرناه من کون الزمان مستفاداً من الإطلاق مع الإسناد إلی الزمانیات فلا یلزم تجوز و عنایة أصلا، و ذلک لأنّ دلالتهما علی الزمان الماضی و المستقبل الحقیقیّین لم تکن بالوضع حتی تکون دلالتهما علی الإضافیین مجازاً، بل کانت لانصراف الإطلاق إلیهما، و من المعلوم: انتفاء الإطلاق بقیام قرینة علی إرادة الإضافیین، فلا تکون الدلالة علی الإضافیین مجازاً.

الزمان الماضی فی فعله و زمان الحال أو الاستقبال فی المضارع لا یکون ماضیاً أو مستقبلا حقیقة لا محالة، بل ربما یکون فی الماضی (1) مستقبلا حقیقة و فی المضارع ماضیاً کذلک (2)، و إنّما یکون ماضیاً أو مستقبلا فی فعلهما (3) بالإضافة کما یظهر من مثل - یجی‏ء زید بعد عام و قد ضرب قبله بأیام - (4)، و قوله: - جاء زید فی شهر کذا و هو یضرب فی ذلک الوقت أو فیما بعده (5) مما مضی (6) - فتأمل جیداً (7). ثم لا بأس بصرف عنان الکلام إلی بیان ما به یمتاز الحرف عما عداه (8) -


(1). أی: فی الفعل الماضی.

(2). أی: حقیقة.

(3). أی: فی الفعل الماضی و المضارع.

(4). هذا مثال استعمال الماضی و هو - ضرب - فی الزمان المستقبل حقیقة.

(5). هذا مثال استعمال المضارع و هو - یضرب - فی الزمان الماضی حقیقة، لأنّ المفروض مضی الشهر الّذی هو أو ما بعده ظرف الضرب.

(6). أی: من الزمان الّذی مضی.

(7). لعله إشارة إلی: أنّه یمکن أن یکون مراد النحاة بالزمان الماضی أعم من الماضی الحقیقی و الإضافی، فلا یکون هذا الوجه الّذی تعرض له بقوله: «و ربما یؤید ذلک... إلخ» مؤیّداً لعدم دلالة الفعل وضعاً علی الزمان.

فالمتحصل مما ذکره المصنف (قده): أنّ الزمان لیس جزءاً لمدلول الفعل مطلقاً، غایة الأمر أنّ هیئة الفعل الماضی تدل علی خصوصیة تستلزم الوقوع فی الزمان الماضی، و هیئة المضارع تدل علی خصوصیة تستلزم الوقوع فی الزمان الحال أو المستقبل، لا أنّ الفعل یدل علی الزمان تضمناً.

(8). و هو الاسم و الفعل.

بما (1) یناسب المقام لأجل (2) الاطراد فی الاستطراد فی تمام الأقسام (3)، فاعلم أنّه و ان اشتهر بین الأعلام أنّ الحرف ما دل علی معنی فی غیره (4) و قد بیّناه فی الفوائد بما لا مزید علیه، إلاّ أنّک عرفت فیما تقدم (5) عدم الفرق بینه و بین الاسم بحسب المعنی (6)، و أنّه (7) -


(1). المظنون أنّ العبارة فی النسخة الأصلیة هکذا «مما» بدل «بما» لیکون بیاناً ل - ما - الموصولة فی قوله: «ما به یمتاز» إلاّ أن یراد به بمقدار یناسب المقام.

(2). تعلیل لقوله: «لا بأس»، و الاستطراد: سوق الکلام علی وجه یلزم منه کلام آخر غیر مقصود ذاتاً بل عرضاً، و مقصود المصنف بهذا الکلام: أنّه لَمّا کان المقصود الأصلی بیان وجه خروج الأفعال عن حریم نزاع المشتق و کان بیان الفرق بین الاسم و الفعل لأجل الاستطراد فینبغی اطّراد هذا الاستطراد و تعمیمه ببیان الفرق بین جمیع أقسام الکلمة، لیتضح المائز بین کل من الاسم و أخویه.

(3). أی: تمام أقسام الکلمة من الاسم و الفعل و الحرف.

(4). الظرف مستقر و هو صفة ل - معنی - یعنی: أنّ الحرف ما دلّ علی معنی کائن فی غیره - أی قائم بذلک الغیر وجوداً - کقیام العرض بموضوعه مع فرق بین العرض و المعنی الحرفی تقدم فی شرح المعانی الحرفیة، فراجع.

(5). أی: فی بیان المعنی الحرفی.

(6). أی: بحسب ذات المعنی.

(7). أی: المعنی، و یمکن أن یکون الضمیر للشأن، نعم یتعین رجوعه إلی المعنی بناءً علی کون العبارة کما فی بعض النسخ هکذا: «و أنّه فیهما ما لم یلحظ فیه»، و المراد بالموصول هو المعنی أیضا.

فیهما (1) لم یلحظ فیه (2) الاستقلال بالمفهومیة و لا عدم الاستقلال بها، و إنّما الفرق هو أنّه (3) وُضِع لیستعمل و أُرید منه معناه حالة و لغیره بما هو فی الغیر، و وضع غیره (4) لیستعمل و أُرید منه معناه بما هو هو، و علیه (5) یکون کل من الاستقلال بالمفهومیة (6) و عدم الاستقلال بها (7) إنّما اعتبر فی جانب الاستعمال لا فی المستعمل فیه (8) لیکون بینهما تفاوت بحسب المعنی، فلفظ الابتداء لو -


(1). أی: فی الاسم و الحرف.

(2). أی: فی المعنی فالموضوع له فی الاسم و الحرف واحد، لأنّه ذات المعنی و لحاظ الاستقلال بالمفهومیة کما فی الأسماء کلحاظ عدم الاستقلال کما فی الحروف خارجان عن المعنی، لما تقدم هناک من امتناع أخذ اللحاظ فی الموضوع له.

(3). أی: الحرف، غرضه: أنّ المعنی فی الاسم و الحرف واحد و أنّ لحاظ الآلیة لیس دخیلا فی المعنی الحرفی، کما أنّ لحاظ الاستقلالیة لیس دخیلا فی المعنی الاسمی، و الفرق بینهما إنّما هو فی کیفیة الاستعمال، و أنّ الحرف یمتاز عن الاسم فی کیفیة الاستعمال لا فی المستعمل فیه، فإن أُرید المعنی بما هو حالة لغیره یکون حرفاً و إن أرید بما هو هو و فی نفسه فهو اسم.

(4). أی: غیر الحرف و هو الاسم و الفعل.

(5). أی: و علی هذا الفرق بین المعنی الاسمی و الحرفی.

(6). یعنی: فی الاسم.

(7). یعنی: فی الحرف.

(8). یعنی: حتی یکون التفاوت بین المعنی الاسمی و الحرفی بحسب المعنی، کما هو قضیة جملة من الأقوال المتقدمة فی المعانی الحرفیة، و لازم اتحاد المعنی فی الاسم و الحرف و کون الاختلاف فی کیفیة الوضع فقط هو: أنّ لفظ الابتداء

استعمل فی المعنی الآلی و لفظة من فی المعنی الاستقلالی لما کان مجازاً و استعمالاً له فی غیر ما وضع له و إن کان بغیر ما وضع له (1)، فالمعنی فی کلیهما (2) فی نفسه کلّی (3) طبیعی (4) یصدق علی کثیرین (5)، و مقیّداً باللحاظ الاستقلالی أو الآلی کلّی عقلی (6) و ان کان بملاحظة أنّ -إذا استعمل فی المعنی الآلی، و لفظة «من» فی الاستقلالی لم یکن ذلک استعمالا فی غیر الموضوع له، بل هو استعمال فی الموضوع له، لکنه مخالف لکیفیة الاستعمال التی قرّرها الواضع فی الاسم و الحرف.


(1). أی: بغیر النهج الّذی اعتبره الواضع فی مقام الاستعمال.

(2). أی: الاسم و الحرف.

(3). لقابلیته للانطباق علی کثیرین التی هی ضابطة کلیة المفهوم، فإنّ الابتداء سواء کان مدلولا لکلمة «من» أم لفظ «الابتداء» قابل لأنّ ینطبق علی کثیرین.

(4). الکلّی الطبیعی اصطلاحاً هو معروض الکلی المنطقی، لکنه غیر مقصود هنا، بل المراد به هو نفس المعنی الّذی إذا اعتبر فی نفسه مع الغض عن لحاظ معروضیته للکلیة لم یکن مانعاً عن الشرکة فیه، فان کان کذلک فهو کلی طبیعی، و إلاّ فهو جزئی طبیعی.

و بالجملة: المقصود بالکلی الطبیعی هنا هو نفس طبیعة المعنی الّذی لا یمنع عن الشرکة فیه، لا طبیعته المعروضة للکلیة بما هی معروضة لها کالجنس و الفصل الطبیعیین.

(5). و بهذا الاعتبار یتصف المعنی المتصور بالکلیة.

(6). الکلی العقلی اصطلاحاً هو مجموع العارض و المعروض کما قیل: «مفهوم الکلی یسمی کلیاً منطقیاً و معروضه طبیعیاً و المجموع عقلیاً» و تسمیته بالکلیة إنّما

لحاظه (1) وجوده ذهناً کان

«-»

جزئیاً ذهنیاً (2)، فإنّ الشی‏ء ما لم یتشخص -هی بلحاظ جزئه و هو العارض، و قد یطلق الکلی العقلی علی معنی کلی مقید بأمر ذهنی غیر الکلیة المذکورة، و هذه التسمیة إنّما تکون بعلاقة المشابهة بینه و بین الکلی العقلی المصطلح فی کون موطن کل منهما العقل، و إطلاق المصنف (قده) الکلی العقلی علی المعانی الکلیة المقیدة باللحاظ الاستقلالی - کما فی المعنی الاسمی - و باللحاظ الآلی - کما فی المعنی الحرفی - یکون من هذا الباب.


(1). أی: أنّ لحاظ المعنی الکلی وجوده ذهناً، فقوله: «وجوده» خبر - لحاظه -.

(2). توضیحه منوط بتقدیم أمرین:

الأوّل: أنّ الشی‏ء ما لم یتشخص لم یوجد سواء کان وجوداً ذهنیاً أم خارجیاً.

الثانی: أنّ الوجود الذهنی لَمّا کان نفس لحاظ النّفس و تصورها لا غیره فلا محالة یکون تشخص اللحاظ بتشخص النّفس، لکونه من عوارضها، و لا یکون حینئذٍ منافاة بین کون الشی‏ء جزئیاً ذهنیاً و بین کونه کلیاً فی نفسه، لا بمعنی الصدق و الانطباق علی ما فی الخارج، لوضوح عدم صدق ما فی الذهن علیه، بل بمعنی الحکایة عن الکثیرین فی الخارج. إذا عرفت هذین الأمرین یظهر لک: عدم المنافاة بین کون المعنی کلیاً و بین کونه جزئیاً ذهنیاً، إذ کلّیته بمعنی (-). لا یخفی أنّ لفظة - کان - هذه مستغنی عنها، و قوله (قده): «جزئیاً» خبر قوله: «کان» فی: «و ان کان بملاحظة» کما هو فی غایة الوضوح، نعم - بناءً علی کون کلمة - ان - شرطیة - لا تکون - کان - زائدة بل جواباً للشرط، لکن هذا الاحتمال فی غایة البعد.

لم یوجد و إن کان بالوجود الذهنی، فافهم و تأمل فیما وقع فی المقام من الأعلام من الخلط و الاشتباه (1)، و توهم (2) کون الموضوع له أو المستعمل فیه فی الحروف خاصاً بخلاف ما عداه (3) فإنّه عام، و لیت شعری إن کان قصد الآلیة فیها (4) موجباً لکون المعنی جزئیاً فَلِمَ لا یکون قصد الاستقلالیة فیه (5) موجباً له (6)، و هل یکون ذلک (7) إلاّ لکون هذا القصد لیس مما یعتبر فی --حکایته عن الکثیرین فی الخارج، و جزئیته باعتبار کونه ملحوظاً للنفس و قائماً بها، و الوجود الذهنی لیس إلاّ لحاظ النّفس.

و المتحصل: أنّ الوضع و الموضوع له فی الحروف و الأسماء غیر الأعلام کلیات طبیعیة، و الوضع و الموضوع له فی الأعلام جزئیات طبیعیة، و اللحاظ من الآلی و الاستقلالی خارج عن المعنی قیداً و تقیداً، لِما مرّ فی شرح المعانی الحرفیة من امتناع دخل اللحاظ فیه.


(1). حیث جعلوا اللحاظ دخیلا فی المعنی الحرفی، فذهبوا إلی جزئیّته غافلین عن کون هذا اللحاظ ناشئاً من الاستعمال، و امتناع دخله فی نفس المعنی، لما مرّ فی المعنی الحرفی.

(2). معطوف علی - الاشتباه -.

(3). و هو الاسم، و الأولی تأنیث الضمیر، لرجوعه إلی الحروف و الأمر سهل.

(4). أی: فی الحروف.

(5). أی: فیما عدا الحروف و هو الاسم.

(6). أی: لکون المعنی جزئیاً.

(7). الاستفهام للإنکار، یعنی: و لا یکون عدم إیجاب قصد الاستقلالیة لجزئیة المعنی الاسمی إلاّ لکون هذا القصد ناشئاً من الاستعمال، و عدم إمکان

الموضوع له و لا المستعمل فیه، بل فی الاستعمال (1) فَلِم لا یکون فیها کذلک (2) کیف (3)؟ و إلاّ لَزِم أن یکون معانی المتعلقات غیر منطبقة علی الجزئیات دخله فی الموضوع له و لا المستعمل فیه، و لیکن قصد الآلیة فی المعنی الحرفی أیضا کذلک، فلا یفرق بین هذین القصدین فی عدم إیجابهما جزئیة المعنی بعد کون کلیهما من أطوار الاستعمال، فالالتزام بدخل قصد الآلیة فی المعنی الحرفی الموجب لجزئیته و عدم دخل قصد الاستقلالیة فی المعنی الاسمی الموجب لکلیته بلا ملزم.

و علی هذا، فالموضوع له فی الأسماء و الحروف عام کالوضع، و الفرق بینهما عرضیّ ناشٍ عن أخذ قصد الاستقلالیة فی الأوّل و الآلیة فی الثانی، لا حقیقی بأن یؤخذ القصد فی نفس الموضوع له، لکون المعنی فیهما واحداً حقیقة، و التفاوت بینهما إنّما هو فی کیفیة الوضع - کما تقدم - فی بیان المعانی الحرفیة.


(1). یعنی: بل القصد معتبر فی الاستعمال، لا فی الموضوع له و لا فی المستعمل فیه.

(2). یعنی: فَلِم لا یکون قصد الآلیة فی الحروف کقصد الاستقلالیة فی الأسماء؟.

(3). یعنی: کیف لا یکون قصد الآلیة فی الحروف کقصد الاستقلالیة فی الأسماء فی عدم الدخل فی الموضوع له؟ و الحال أنّه لو لم یکن کذلک بأن کان قصد الآلیة دخیلا فی الموضوع له لکان موجباً لجزئیة المعنی، فیلزم منه محذور، و هو امتناع انطباق المعانی الحرفیة علی الخارجیات، ضرورة أنّه بناءً علی دخل اللحاظ الآلی فیها - الّذی هو قید عقلی لا موطن له إلاّ العقل - تکون المعانی المقیدة بها ککلیات عقلیة، فلا تنطبق علی ما فی الخارج، فیمتنع السیر المأمور به، لتقیّده بالابتداء الحرفی المقید باللحاظ الآلی الّذی یمتنع وجوده فی الخارج، فإنّ قید القید قید، فیصیر السیر الّذی هو معنی اسمی - لأجل تقیده بالمعنی الحرفی - کلیّا عقلیاً

الخارجیة، لکونها (1) علی هذا (2) کلیات عقلیة (3)، و الکلی العقلی لا موطن له إلاّ الذهن، فالسیر و البصرة و الکوفة فی - سرت من البصرة إلی الکوفة - لا یکاد یصدق علی السیر و البصرة و الکوفة، لتقیّدها (4) بما اعتبر فیه القصد، فتصیر عقلیة (5)، فیستحیل انطباقها (6) علی الأُمور الخارجیة، و بما حققناه (7) (z) -بالمعنی المتقدم لا بمعناه المصطلح، و من المعلوم: امتناع انطباق المقید بقید ذهنی علی الخارجیات، فالأمر بالسیر فی المثال یصیر ممتنع الامتثال، فالمراد بقوله:

«معانی المتعلقات» هی معانی الأسماء و الأفعال.


(1). أی: لکون معانی المتعلقات.

(2). أی: علی تقدیر دخل اللحاظ الآلی فی المعانی الحرفیة، لما عرفت من صیرورتها قیوداً للمعانی الاسمیة، فاللحاظ الآلی یصیر أیضا قیداً للمعانی الاسمیة، لکون قید القید قیداً.

(3). قد عرفت أنّ المراد بالکلی العقلی هنا غیر معناه المصطلح.

(4). أی: لتقیّد السیر و البصرة و الکوفة بالمعنی الحرفی الّذی اعتبر فیه القصد الآلی، فالمراد ب - ما - الموصولة فی قوله: «بما اعتبر» المعنی الحرفی.

(5). یعنی: فیصیر السیر و أخواه کلّیات عقلیة، لما عرفت من کون قید القید قیداً، فإنّ اللحاظ الآلی قید لمعنی الحرف الّذی هو قید للمعنی الاسمی.

(6). أی: انطباق السیر و أخویه.

(7). من أنّ المعنی بنفسه فی کل من الاسم و الحرف کلی طبیعی قابل للصدق علی کثیرین، و بلحاظ تقیده باللحاظ الآلی أو الاستقلالی جزئی، لکون الشی‏ء ما لم یتشخص لم یوجد، و لمّا کان هذان اللحاظان من شئون الاستعمال فلا تنثلم بهما کلیة المعنی، و لذا قلنا: إنّ الموضوع له فی کل من الاسم و الحرف کالوضع عام. ================= (z).ثم إنّه قد انقدح بما ذکرنا: أنّ المعنی بما هو هو معنی اسمی و

یوفق بین جزئیة المعنی الحرفی بل الاسمی و الصدق علی الکثیرین، و انّ الجزئیة باعتبار تقیید المعنی باللحاظ فی موارد الاستعمالات آلیاً أو استقلالیاً، و کلّیته بلحاظ نفس المعنی (1). و منه (2) ظهر: عدم اختصاص الإشکال و الدفع بالحرف‏ -


(1). أی: بدون لحاظ الاستقلالیة و الآلیة فیه کما عرفت.

(2). أی: و من التوفیق بین کلیة المعنی الاسمی و الحرفی و بین جزئیته ظهر عدم اختصاص الإشکال و الدفع بالحرف و ورودهما فی غیره.

أمّا ورود الإشکال، فلأنّ مناطه لزوم محذور اجتماع الضدین - أعنی الکلیة و الجزئیة فی معنی واحد -، و هذا المناط موجود فی المعنی الاسمی، فإنّ لحاظ الاستقلالیة موجب لجزئیّته و عدمه موجب لکلیته، فیجری فیه الإشکال.

و أمّا ورود الدفع، فلابتنائه علی کون اللحاظ من شئون الاستعمال و أطواره، لا من قیود نفس المعنی حتی یصیر جزئیاً، لامتناع ذلک علی ما مرّ تحقیقه فی المعانی الحرفیة، و لا فرق فی اللحاظ بین کونه آلیاً کما فی الحروف و استقلالیاً کما فی الأسماء. و علی هذا فکما کان إشکال کلیة المعنی الواحد و جزئیته مندفعاً فی الحرف بکون اللحاظ الآلی من شئون الاستعمال دون المعنی حتی یستلزم جزئیته و کلیته معاً و فی آنٍ واحد، کذلک یندفع فی الاسم بأنّ اللحاظ الاستقلالی من شئون الاستعمال لا المعنی، فلا یلزم جزئیة المعنی الکلّی.

و الحاصل: أنّ المعنی فی الاسم و الحرف واحد، و اللحاظ فی کلیهما من شئون الاستعمال، و لذا لا یوجبان الجزئیة. ================‌ ملحوظ استقلالی أو بما هو معنی حرفی و ملحوظ آلی کلی عقلی فی غیر الأعلام الشخصیة، و فیها جزئی کذلک و بما هو هو أی بلا أحد اللحاظین کلی طبیعی أو جزئی خارجی (نسخة بدل).

بل یعم غیره (1)، فتأمل فی المقام، فإنّه دقیق و مزالّ الأقدام للأعلام (2)، و قد سبق فی بعض الأُمور (3) بعض الکلام ، و (4) الإعادة مع ذلک (5) لما (6) فیها من الفائدة و الإفادة، فافهم.

(رابعها)

(7):أنّ اختلاف المشتقات فی المبادئ و کون (8) المبدأ فی -


(1). أی غیر الحرف - و هو الاسم - کما عرفت تقریب عدم الاختصاص.

(2). حیث إنّهم جعلوا اللحاظ موجباً لجزئیة المعنی و غفلوا عن کون هذا اللحاظ من أطوار الاستعمال، و یستحیل دخله فی المعنی لیصیر جزئیاً.

(3). و هو الأمر الثانی المعقود لبیان الوضع من الأُمور المذکورة فی المقدمة

(4). و هو الّذی ذکره فی الفرق بین المعنی الاسمی و الحرفی

«-»

.

(5). أی: مع السبق.

(6). خبر لقوله: «و الإعادة». ثم إنّ الفائدة المترتبة علی الإعادة أمران:

أحدهما: عدم المنافاة بین کون الشی‏ء کلیاً طبیعیاً و کونه جزئیاً ذهنیاً.

ثانیهما: عدم المنافاة بین کون الشی‏ء کلّیاً عقلیاً و جزئیاً ذهنیاً.

(7). الغرض من عقد هذا الأمر التنبیه علی ضعف التفصیل المنسوب إلی الفاضل التونی (ره) الّذی محصله: أنّ المبدأ إن کان من قبیل الملکة و الصناعة و الحرفة فهیئة المشتق حینئذٍ موضوعة للأعم، فإطلاقه علی المنقضی عنه المبدأ کإطلاقه علی المتلبس به حقیقة، و إن کان من قبیل الأفعال کالأکل و الشرب و الضرب و نحوها، فیکون إطلاق المشتق علی المنقضی عنه مثل هذه الأفعال مجازاً.

(8). معطوف علی - اختلاف -. (-). قد عرفت فی الأمر الثانی ما ینبغی المصیر إلیه فی المعانی الحرفیة، و أنّها بهویّتها مغایرة للمعنی الاسمی، فراجع.

بعضها حرفة و صناعة (1)، و فی بعضها قوة و ملکة (2)، و فی بعضها فعلیاً (3) لا یوجب (4) اختلافاً فی دلالتها (5) بحسب الهیئة أصلا و لا تفاوتاً فی الجهة المبحوث عنها کما لا یخفی، غایة الأمر أنّه یختلف التلبس به فی المضی أو الحال، فیکون التلبس به (6) -


(1). کالبقل و السقایة و النجارة و الصیاغة و غیرها مما اتخذ حرفة و إن لم یکن من الملکات کالبزازة و السقایة.

و بالجملة: الحرفة تارة ملکة کالنجارة، و أُخری غیرها کالسقایة، و الصناعة إن کانت من قبیل العطف التفسیری فلا فرق بینها و بین الحرفة، و إلاّ فتختص الصناعة بالملکات کالخیاطة و الصیاغة.

(2). کالاجتهاد.

(3). کالضرب و الأکل و الشرب و نحوها من الأفعال.

(4). خبر - إن -، و ردّ للتفصیل المزبور.

و حاصله: أنّ اختلاف المبادئ فیما ذکر لا یوجب اختلافاً فی دلالة هیئة المشتق، و لا تفاوتاً فی الجهة المبحوث عنها و هی کون دلالة الهیئة بحسب اختلاف المبادئ حقیقة و مجازاً.

(5). أی: دلالة المشتقات.

(6). أی: بالمبدإ، و غرضه: أنّ اختلاف المبادئ حرفة و صناعة و قوة و فعلیة لا یوجب اختلافاً فی دلالة هیئة المشتق، لکنّه یوجب اختلاف التلبس بالمبدإ، فإن کان ملکة أو حرفة، فالتلبس به عبارة عن وجودهما و إن لم یتلبس بهما بعدُ، أو انقضتا عنه بعد التلبس بهما و إن لم یکن حین النطق متلبساً بهما کالمجتهد إذا نام مثلا.

فعلاً لو أخذ حرفة (1) أو ملکة (2) و لو لم یتلبس به إلی الحال (3) أو انقضی عنه (4) و یکون مما مضی أو یأتی لو أُخذ فعلیاً (5)، فلا یتفاوت فیها (6) أنحاء التلبسات و أنواع التعلقات کما أشرنا إلیه.

(خامسها)

:أنّ المراد بالحال فی عنوان المسألة هو حال التلبس (7) لا حال و الحاصل: أنّ التلبس بهما لیس إلاّ وجودهما سواء لم یتلبس بهما فعلا أم انقضتا عنه و إن کان فعلا کالضرب و الأکل و الشرب، فالتلبس بالمبدإ هو الاشتغال به، فإطلاق المشتقات علی من لم یتلبس بمبادئها أو انقضت عنه یکون مجازاً.

و بالجملة: فلا یختلف مدلول هیئة المشتق باختلاف المبادئ حرفة و ملکة و غیرهما، إذ لا یترتب علی اختلاف المبادئ غیر طول زمان التلبس بها و قِصَره، و من المعلوم: أنّ ذلک أجنبی عن مدلول الهیئة.


(1). بأن جعلت وسیلة للتعیش و کسب المال، فتقیّد الملکة حینئذٍ بکونها حرفة أو صنعة.

(2). بأن لم تجعل وسیلة لإمرار معاشه فتسمی ملکة مطلقة.

(3). کما إذا لم یتصد المجتهد بعدُ للاستنباط، فإنّ التلبس الفعلی فیه متحقق بنفس حصول الملکة.

(4). کما إذا استنبط سابقاً و لم یکن متلبساً فعلا بالاستنباط لنوم أو غیره، فیکون إطلاق المشتق فی کلتا الصورتین حقیقة.

(5). کالضرب و الأکل و الشرب علی ما تقدم آنفاً.

(6). أی: فی دلالة هیئة المشتق، لأنّ وضع المبدأ أجنبی عن وضع الهیئة.

(7). و هی حالة الاتصاف بالمبدإ المعبر عنها بفعلیة التلبس، و هی تنطبق تارة علی الزمان الماضی، و أُخری علی الحال، و ثالثة علی المستقبل.

النطق (1)، ضرورة أنّ مثل - کان زید ضارباً أمس - و - سیکون غداً ضارباً - -


(1). و هی زمان الحال المقابل للماضی و المستقبل، و هنا حالة ثالثة و هی حال الإطلاق و جری المشتق علی الذات، و هذه الحالات الثلاث إن اتفقت کقولنا:

«زید عالم الآن» مع کونه عالماً فی حال النطق، فلا خلاف و لا إشکال فی کون المشتق حینئذٍ حقیقة، و إن اختلفت: فإن اتفق حالا التلبس و الإطلاق - أی حمل المشتق علی الذات - سواء کان زمانهما ماضیاً کقولنا: «کان زید ضارباً أمس» إذا جعل أمس قیداً لکل من التلبس و الجری، أم کان مستقبلا کقولنا:

«زید سیکون غداً ضارباً» إذا جعل غد ظرفاً للإطلاق و الجری معاً لیتحد زمانا التلبس و الإطلاق، فلا إشکال فی کون استعمال المشتق حقیقة أیضا، إذ المفروض کون الجری بلحاظ حال التلبس لا حال النطق، فاختلاف حال النطق عنهما غیر قادح فی کون استعمال المشتق علی وجه الحقیقة.

و بالجملة: فالعبرة فی کون المشتق حقیقة بالاتفاق هو اتحاد زمانی التلبس و الجری، سواء اتحدا مع زمان النطق أیضا - کما مرّ فی مثال زید عالم الآن -، أم اختلفا عنه بأن کانا ماضیین عنه أو مستقبلین إلیه کالمثالین المتقدمین» ففی هذه الصور الثلاث یکون استعمال المشتق حقیقة بلا إشکال و لا خلاف و ان اختلف حالا التلبس و الجری، فان اتحد زمانا الجری و النطق و لم یتحقق التلبس بعدُ بأن کان مستقبلاً کقولنا: «زید ضارب غداً» إذا جعل الغد قیداً للتلبس فقط دون الجری، کان استعمال المشتق مجازاً بلا خلاف و لا إشکال أیضا.

و ان اتحد زمانا الجری و النطق و قد تحقق التلبس فی الزمان الماضی کقولنا: «زید ضارب أمس» إذا جعل - الأمس - قیداً للتلبس فقط دون

حقیقة إذا کان متلبساً بالضرب فی الأمس فی المثال الأوّل (1) و متلبساً به فی الغد فی الثانی (2)، فجری المشتق حیث کان بلحاظ حال التلبس (3) و ان مضی زمانه فی أحدهما (4) و لم یأت (5) بعدُ فی آخر (6) کان حقیقة (7) بلا خلاف، و لا ینافیه (8) الاتفاق علی أنّ مثل - زید ضارب غداً - مجاز الجری، فهو محل الخلاف، و أنّ استعماله هل هو علی نحو الحقیقة أم المجاز؟.

و المتحصل مما ذکرنا: أنّ العبرة فی کون استعمال المشتق حقیقة أو مجازاً إنّما هی بحال التلبس دون غیره، فإن کان الجری بلحاظه بأن اتحد زمانهما کان حقیقة، سواء کانا ماضیین أم مستقبلین أم حالین - أی متحدین مع زمان التکلم - و إلاّ فإن کان الجری فعلاً و التلبس مستقبلا کان مجازاً بلا خلاف، و إن کان الجری فعلا و التلبس ماضیاً کان محلا للخلاف، و أنّ استعمال المشتق حینئذٍ حقیقة أو مجاز.

و الحاصل: أنّ المراد بالحال فی عنوان المسألة هو حال التلبس لا زمان النطق و لا زمان الجری.


(1). و هو قوله: - کان زید ضارباً أمس -.

(2). أی: فی المثال الثانی، و هو قوله: - سیکون غداً ضارباً -.

(3). و هو اتصاف الذات بالمبدإ.

(4). و هو المثال الأوّل.

(5). أی: لم یأت زمان التلبس بالمبدإ.

(6). أی: فی المثال الآخر، و هو - سیکون غداً ضارباً -، و الأولی أن یقال: «فی الآخر» کما فی جملة من النسخ.

(7). أی: من دون حاجة إلی تصرف و عنایة.

(8). أی: و لا یُنافی کون الإطلاق باعتبار حال التلبس فی المثالین المزبورین

فإنّ (1) الظاهر أنّه (2) فیما إذا کان الجری فی الحال (3) کما هو (4) قضیة الإطلاق، و الغد إنّما یکون لبیان زمان التلبس (5)، فیکون الجری و الاتصاف فی الحال و التلبس فی الاستقبال. و من هنا (6) ظهر الحال فی مثل - زید ضارب أمس - و أنّه داخل فی محل الخلاف و الإشکال و لو کانت -علی نحو الحقیقة الاتفاق علی مجازیة مثل - زید ضارب غداً - مما یکون زمان التلبس فیه بعد زمان النطق.


(1). بیان لدفع المنافاة.

و حاصله: أنّ مورد الاتفاق علی المجازیة هو ما إذا کان الجری بلحاظ حال النطق لا بلحاظ حال التلبس و هو الغد، فمورد الاتفاق علی المجازیة أجنبی عما ذکرناه من اتحاد زمانی التلبس و الجری الموجب لکون المشتق حقیقة.

(2). أی: الاتفاق علی کونه مجازاً إنّما هو فیما إذا کان... إلخ.

(3). أی: فی حال النطق فی مقابل حال التلبس.

(4). الضمیر راجع إلی الجری فی الحال، یعنی: کما أنّ مقتضی إطلاق الجری و عدم تقیّده بقید هو کون الجری فی الحال، فالغد حینئذٍ ظرف للتلبس فقط، بخلاف مثال - سیکون غداً ضارباً -، حیث إنّ کُلاًّ من الجری و التلبس فیه یکون فی الغد.

(5). فقط، فالجری حالی، لأنّه مقتضی الإطلاق، و التلبس استقبالی، و علیه فلا تنافی بین هذا الاتفاق علی المجازیة، و بین الاتفاق علی کون - زید سیکون غداً ضارباً - حقیقة، لأنّ الجری فیه کالتلبس یکون فی الغد.

(6). أی: و من الفرق بین زمانی الجری و التلبس ظهر الحال فی مثل - زید ضارب أمس - مما یکون الجری فیه فعلیاً و التلبس انقضائیاً.

لفظة أمس (1) أو غد (2) قرینة علی تعیین زمان النسبة و الجری أیضا (3) کان المثالان حقیقة (4).

(و بالجملة) (5): لا ینبغی الإشکال فی کون المشتق حقیقة فیما إذا جری علی الذات بلحاظ حال التلبس (6) و لو کان فی المضی أو الاستقبال، و إنّما الخلاف -


(1). فی مثال «زید ضارب أمس» الّذی قلنا: إنّه داخل فی محل الخلاف و الإشکال.

(2). فی مثال - زید ضارب غداً - الّذی اتفقوا علی کونه مجازاً.

(3). یعنی: إذا قامت قرینة علی کون لفظتی - أمس و غد - زماناً للجری علی حدِّ کونهما زماناً للتلبس. کان المثالان حقیقة، لاتحاد زمانی الجری و التلبس فیهما، و قد عرفت عدم الإشکال فی کون المشتق حقیقة مع اتحاد زمانی الجری و التلبس، فیخرج المثال الأوّل الّذی اتفقوا علی کونه مجازاً - و هو: زید ضارب غداً - عن المجازیة، کما یخرج المثال الثانی - و هو مثل قوله: زید ضارب أمس - عن محل الخلاف و الإشکال.

(4). لما عرفت من اتحاد حالتی التلبس و الجری.

(5). هذا محصل ما تقدم: من أنّ العبرة فی کون المشتق حقیقة بوحدة زمانی التلبس و الجری، و إشارة إلی الصور الثلاث المتقدمة الحاصلة من وحدة زمانیهما، و أنّ المشتق حقیقة فی جمیعها.

(6). سواء کان الجری و التلبس فی الزمان الماضی أم الحال أم المستقبل، ففی هذه الصور الثلاث یکون المشتق حقیقة، لاتحاد زمانی الجری و التلبس الموجب لکون المشتق حقیقة.

فی کونه (1) حقیقة فی خصوصه (2) أو فیما یعم (3) ما إذا جری علیها (4) فی الحال (5) بعد ما انقضی عنه التلبس بعد الفراغ عن کونه (6) مجازاً فیما إذا جری علیها (7) فعلا (8) بلحاظ حال التلبس فی الاستقبال، و یؤید ذلک (9) اتفاق أهل‏ -


(1). أی: المشتق، أشار بهذا إلی صورة الخلاف و هی اختلاف زمانی التلبس و الجری.

(2). أی: فی خصوص حال التلبس.

(3). أی: فیما یعم حال التلبس.

(4). أی: علی الذات.

(5). أی: حال النطق، و هو متعلق بقوله: «جری» فیکون الجری فی زمان النطق و التلبس فی الماضی، و هذه الصورة محل الخلاف فی کونها حقیقة أو مجازاً، فعلی القول بکون المشتق حقیقة فی خصوص حال التلبس تکون مجازاً، و علی القول بکونه حقیقة فی الأعم تکون حقیقة.

(6). أی: کون المشتق مجازاً فیما إذا جری المشتق فعلاً - أی: فی حال النطق - بلحاظ اتصاف الذات بالمبدإ فی الاستقبال، و ذلک لاختلاف زمانی الجری و التلبس.

(7). أی: علی الذات.

(8). أی: فی حال النطق.

(9). أی: کون المراد بالحال فی عنوان المسألة هو حال التلبس التی تنطبق تارة علی الزمان الماضی، و أُخری علی الزمان الحال، و ثالثة علی الزمان المستقبل.

و محصل تقریب التأیید هو: اتفاق أهل العربیة علی عدم دلالة الاسم علی الزمان، و من المعلوم: أنّ المشتقات الجاریة علی الذوات من أقسام الاسم،

العربیة علی عدم دلالة الاسم علی الزمان، و منه (1) الصفات الجاریة علی الذوات، و لا ینافیه (2) اشتراط العمل فی بعضها (3) بکونه (4) بمعنی الحال أو الاستقبال، ضرورة (5) أنّ المراد الدلالة علی أحدهما (6) بقرینةٍ، کیف لا (7) و قد -فلو أُرید بالحال حال النطق لا حال التلبس، فلازمه دلالة المشتق علی الزمان الحال المقابل للماضی و المستقبل، و هو خلاف اتفاقهم علی خلوِّ مدلول الاسم عن الزمان.


(1). أی: و من الاسم.

(2). أی: لا ینافی اتفاق أهل العربیة علی عدم دلالة الاسم علی الزمان ما ذکره النحویون من اشتراط العمل فی بعضها کاسمی الفاعل و المفعول بالدلالة علی زمان الحال أو الاستقبال، و أنّه لو دلّ علی الماضی لا یعمل عمل الفعل.

وجه المنافاة: أنّ الاتّفاق علی عدم الدلالة علی الزمان ینافی الاشتراط المزبور، حیث إنّه ظاهر فی دلالة بعض المشتقات الاسمیة علی زمان الحال أو الاستقبال.

(3). أی: بعض الصفات کاسمی الفاعل و المفعول.

(4). أی: بکون بعض الصفات.

(5). تعلیل لقوله: «و لا ینافیه» و حاصل تقریب عدم المنافاة هو: أنّ الاتفاق إنّما قام علی عدم دلالة الاسم وضعاً علی الزمان، لا مطلقاً و لو بالقرینة، فلا مانع من قیام قرینة علی دلالة الاسم علی الزمان، و الاتفاق المزبور لا یمنع عن هذه الدلالة.

(6). أی: أحد الزمانین من الحال أو الاستقبال.

(7). یعنی: کیف لا یکون مرادهم بدلالة اسمی الفاعل و المفعول علی

اتفقوا علی کونه (1) مجازاً فی الاستقبال؟ لا یقال (2): یمکن أن یکون المراد بالحال فی العنوان زمانه (3) کما هو (4) الظاهر منه عند إطلاقه، و ادّعی أنّه (5) الظاهر فی المشتقات، إمّا لدعوی الانسباق من -أحد الزمانین دلالتهما علیه بالقرینة؟ مع أنّهم اتّفقوا علی کون المشتق مجازاً فی المستقبل، فلو کان الزمان داخلا فی مفهوم المشتق لم یکن للاتفاق علی المجازیة مجال، لمنافاته له.

و بالجملة: فهذا الاتفاق شاهد علی خروج الزمان عن مدلول الاسم.


(1). أی: المشتق.

(2). توضیحه: أنّه یمکن أن یکون مرادهم بالحال فی عنوان البحث زمان النطق و هو الحال المقابل للماضی و المستقبل، لا زمان التلبس، لوجهین: الأول:

أنّ الظاهر من الحال عند إطلاقه هو الزمان المقابل للماضی و المستقبل لا حال التلبس.

(3). أی: زمان الحال المقابل لأخویه.

(4). هذا إشارة إلی الوجه الأول، و ضمیر - هو - راجع إلی - زمان الحال، و ضمیر - منه و إطلاقه - راجع إلی - الحال -.

(5). أی: زمان الحال، و هذا إشارة إلی الوجه الثانی.

و حاصله: دعوی ظهور المشتقات - بل و غیرها من الصفات الجاریة علی الذوات کالزوج و الحر و الرق و غیرها من الجوامد - فی زمان الحال أیضا، و منشأ هذا الظهور: إمّا انصراف إطلاق المشتقات إلی زمان الحال، و إمّا مقدمات الحکمة، بأن یقال: إنّ المتکلم فی مقام البیان، و لیس فی البین قدر متیقن فی مقام التخاطب و لا ما یدل علی خصوص حال التلبس، و نتیجة هذه المقدمات هی الحمل علی الزمان المقابل للزمانین الماضی و المستقبل، لأنّ إرادة حال التلبس تحتاج

الإطلاق (1) أو بمعونة قرینة الحکمة (2).

لأنّا نقول (3). هذا الانسباق و إن کان مما لا ینکر، إلاّ أنّهم فی هذا -إلی التنبیه علیها، بأن یقال: حال التلبس

«-»

بالإضافة، إذ لا تدل الحال بدون هذه الإضافة علی حال التلبس.


(1). هذا إشارة إلی المنشأ الأوّل للظهور.

(2). هذا إشارة إلی المنشأ الثانی للظهور.

(3). هذا دفع الإشکال الّذی تعرض له بقوله: - لا یقال -.

و محصل الدفع: أنّ انسباق الحال المقابل لزمانی الماضی و الاستقبال و ان کان مما لا سبیل إلی إنکاره، إلاّ أنّه لیس أمارة علی وضع المشتق له، حیث إنّ التبادر المثبت للوضع هو ما یکون مستنداً إلی حاقِّ اللفظ، دون ما هو مستند إلی الإطلاق کالمقام، فإنّ مثل هذا التبادر لا یصلح إلاّ لتعیین المراد، دون تشخیص الموضوع له الّذی هو مورد البحث فی مسألة المشتق. و بالجملة: فالتبادر المستند إلی الإطلاق أو قرینة الحکمة لا یُجدی فی إثبات الوضع حتی یکون انسباق الحال المقابل للماضی و المستقبل المستند إلی الإطلاق أو الحکمة أمارة علی وضع المشتق لحال النطق لا حال التلبس. (-). لا یقال: إنّ للحال المقابل للزمانین نحو تعیُّن أیضا، و هو یتوقف علی البیان، فمقدمات الحکمة لا تقتضی حمل الحال علیه أیضا.

فانه یقال: إنّه یکفی فی المصیر إلیه کون نفس لفظ الحال بلا قید قالباً له بحیث لا یصرف عنه إلی حال التلبس إلاّ بقرینة صارفة، بخلاف حال النسبة، فإنّ لفظ الحال لیس قالباً لها لیحمل علیها بدون القرینة.

العنوان (1) بصدد تعیین ما وضع له المشتق، لا تعیین ما یراد بالقرینة منه (2).

(سادسها)

: أنّه لا أصل (3) فی نفس هذه المسألة (4) یعوّل علیه عند الشک، و أصالة عدم ملاحظة الخصوصیة (5) -


(1). یعنی: عنوان المشتق فی قولهم: هل المشتق حقیقة فی خصوص ما تلبس بالمبدإ فی الحال أم فی الأعم؟.

(2). أی: من المشتق، فإنّ تعیین المراد مقام، و تمییز المعنی الحقیقی عن غیره مقام آخر.

(3). أی: لا أصل لفظی، و الغرض من عقد هذا الأمر: بیان أنّه هل یمکن تعیین الموضوع له فی المشتق من کونه خصوص حال التلبس أو أعم منه و مما انقضی عنه المبدأ بالأصل اللفظی عند الشک و عدم نهوض الأدلة علی أحد هذین المعنیین أم لا؟ و حاصل ما أفاده فی ذلک: أنّه لا أصل فی البین یعیِّن أحد المعنیین، لأنّ کلاًّ من الخصوص و العموم خصوصیة مسبوقة بالعدم، و مع الشک فیهما لا یجری الأصل فی شی‏ء منهما کما سیأتی إن شاء اللَّه تعالی.

(4). أی: مسألة المشتق بحیث یکون مجری الأصل نفس معناه، لا ما یترتب علیه من الحکم الفرعی کما سیأتی بیانه إن شاء اللَّه تعالی.

(5). أی: خصوصیة حال التلبس.

توضیحه: أنّه یرد علی استصحاب عدم لحاظ هذه الخصوصیة إشکالان:

أحدهما: أنّه معارض باستصحاب عدم لحاظ العموم للمنقضی عنه المبدأ، فإنّ کُلاًّ من خصوصیتی التلبس و الانقضاء مما یحتاج إلی التصور و اللحاظ، و کلٌّ منهما حادث مسبوق بالعدم، فمع الشک فی کلٍّ منهما یجری فیه أصل عدمه، فیسقط الأصلان بالمعارضة، لعدم کون أحدهما أثراً للآخر حتی لا یتحقق التعارض بین

مع (1) معارضتها

«-»

بأصالة عدم ملاحظة الأصلین الجاریین فیهما.

ثانیهما: أنّه لا دلیل علی اعتباره فی تعیین الموضوع له، لأنّ الثابت عند العقلاء هو اعتباره فی تعیین المراد لا فی تشخیص الموضوع له، فلا سبیل إلی إحرازه بالأصل المزبور. و ان شئت فقل: إنّ الأصل المذکور حجة فی تعیین المراد، لا فی کیفیة الإرادة، و أنّها بنحو الحقیقة أو المجاز مع العلم بالمراد، فالمشتق إذا استعمل فی المنقضی عنه المبدأ فالمراد معلوم و کیفیة الإرادة مجهولة.


(1). هذا هو الإشکال الأوّل، و قد عرفت تقریبه. (-). لا یخفی أنّه إن أُرید بأصالة عدم لحاظ الخصوصیة الاستصحاب، فلا یجری حتی تصل النوبة إلی التعارض، لعدم ترتب أثر شرعی علیه، و ذلک لأنّ موضوع الأثر - و هو الوضع للأعم - لا یثبت باستصحاب عدم لحاظ الخصوصیة إلاّ بناءً علی الأصل المثبت، لکون الخصوصیة و العموم متضادین، و إثبات أحدهما بنفی الآخر من الأصل المثبت. نعم بناءً علی کونهما من قبیل الأقل و الأکثر لا تجری أصالة عدم لحاظ العموم، حیث إنّه لأقلیته یعلم بلحاظه علی کل حال سواء لوحظ الخاصّ أو العام، حیث إنّ لحاظ الخاصّ یقتضی لحاظ العام مع أمر زائد و هو خصوصیة الخاصّ.

و الحاصل: أنّ العموم ملحوظ قطعاً، فلا یجری فیه الأصل فلا تعارض فی البین، هذا. إلاّ أن یقال: إنّ الخصوص ان کان هو الملحوظ فمن المعلوم أنّ العام المتصور فی ضمنه هو ذاته لا بوصف العموم، و علیه فلا مانع من جریان الأصل فی العموم، لکون لحاظه بهذا الوصف مشکوکاً فیه. و إن أُرید بها الأصل العقلائی الّذی هو من الأُصول اللفظیة فالمثبت منها و ان کان حجة، إلاّ أنّ الشأن

العموم (1) - لا دلیل - علی اعتبارها فی تعیین الموضوع له (2). و أمّا (3) ترجیح الاشتراک المعنوی علی الحقیقة و المجاز إذا دار الأمر بینهما (4) لأجل (5) الغلبة - فممنوع -، لمنع الغلبة (6) أوّلاً، و منع نهوض حجة علی الترجیح بها (7) -


(1). الشامل للتلبس و الانقضاء معاً.

(2). الّذی هو المقصود هنا، لأنّ البحث إنّما هو فی المعنی الّذی وضع له المشتق لا فیما یراد به.

(3). إشارة إلی ما قد یتوهم من إمکان إثبات وضع المشتق للأعم بأصل آخر و هو الغلبة، تقریب التوهم: أنّه إذا دار أمر اللفظ بین کونه مشترکاً معنویاً بین معنیین أو أزید و بین کونه حقیقة فی أحدهما و مجازاً فی الآخر حُکم بالأوّل، لغلبته أی کونه أکثر من الثانی، ففی المقام یثبت وضع المشتق للأعم للغلبة.

(4). أی: بین الحقیقة و المجاز و بین الاشتراک المعنوی.

(5). متعلق بقوله: «ترجیح» و قد دفع المصنف (قده) هذا التوهم بوجهین.

(6). إشارة إلی الوجه الأوّل، و حاصله: منع الصغری و هی الغلبة، إذ لم یثبت أکثریة المشترک المعنوی من الحقیقة و المجاز حتی یصار إلیه بقاعدة - الظن یلحق الشی‏ء بالأعم الأغلب -.

(7). أی: الغلبة، هذا إشارة إلی الوجه الثانی، و حاصله: منع الکبری، و تقریبه: أنّه بعد البناء علی ثبوت الغلبة نمنع حجیتها، إذ لا دلیل علی اعتبار الظن الحاصل من الغلبة حتی یرجح به القول بالاشتراک المعنوی، فإنّ الترجیح فرع الحجیة، و الشک فی اعتباره کافٍ فی عدم جواز الترجیح به کما لا یخفی. فی أصل حجیتها فی إثبات الوضع، إذ لم یثبت بناءُ من العقلاء علی اعتبارها فی إثباته. ثم إنّ ظاهر کلام المصنف (قده) بقرینة تعرُّضه فیما بعد للأصل العملی هو: أنّ مراده بأصالة عدم الخصوصیة الأصل اللفظی.

ثانیاً

«-»

.(و أمّا الأصل العملی) فیختلف فی الموارد، فأصالة البراءة فی مثل - أکرم کل عالم - (1) یقتضی عدم وجوب إکرام ما انقضی عنه المبدأ قبل الإیجاب، کما أنّ قضیة الاستصحاب وجوبه (2) لو کان الإیجاب قبل الانقضاء

«--»

. فإذا -


(1). مما یکون الشک فیه فی حدوث التکلیف.

توضیحه: أنّه - بعد أن نفی الأصل اللفظی المثبت لوضع المشتق للأعم أو الأخص - تعرّض لما یقتضیه الأصل العملی من الحکم الفرعی، فقال: إنّ تشریع الحکم تارة یکون بعد انقضاء البداء کما إذا قال: «أکرم کل عالم» مثلا بعد انقضاء العلم عن الذات المتصفة به، و أُخری یکون قبل انقضائه عنها. فان کان بعده، فمقتضی أصل البراءة عدم الوجوب، لأنّ المشتق ان کان حقیقة فی الأعم فوجوب إکرامه ثابت، و إن کان حقیقة فی خصوص حال التلبس فإکرامه غیر واجب، فالشک فی معنی المشتق أوجب الشک فی حدوث الوجوب، و مقتضی أصالة البراءة عدمه. و إن کان تشریعه قبل انقضاء العلم عنها، فمقتضی الاستصحاب بقاء وجوبه، إذ المفروض القطع بوجوب إکرامه قبل زوال العلم عنه، فبعده یشکّ فی ارتفاع الوجوب، إذ علی تقدیر وضع المشتق للأعم فالحکم باقٍ، و علی تقدیر وضعه للأخص فالحکم مرتفع، و حیث إنّ الحکم مشکوک فیه، فالاستصحاب یقتضی بقاءه.

(2). أی: وجوب الإکرام. (-). لا یخفی أنّ المناسب تقدیم التعرض للغلبة علی أصالة عدم الخصوص أو العموم إن أراد بها الأصل العملی أعنی الاستصحاب، لترتب جریانه علی فقد الدلیل من الغلبة و غیرها من الأدلة التی لا یرجع معها إلی الأُصول العملیة.

(--). بل الأصل الجاری فی هذه الصورة لیس إلاّ البراءة أیضا، ضرورة أنّ منشأ الشک فی بقاء الحکم هو إجمال المفهوم و عدم تبیّن حدوده، و لا مجال لجریان

عرفت ما تلوناه علیک، فاعلم: أنّ الأقوال فی المسألة و ان کثرت (1) إلاّ أنّها حدثت بین المتأخرین بعد ما کانت ذات قولین (2) بین المتقدمین، لأجل (3) توهم اختلاف المشتق باختلاف مبادئه فی المعنی (4) -


(1). و صارت ستة، خمسة منها باعتبار المبادئ، و واحد منها باعتبار الأحوال الطارئة فی الاستعمال کما سیأتی إن شاء اللَّه تعالی.

(2). و هما: القول بکون المشتق حقیقة فی خصوص المتلبس بالمبدإ و مجازاً فی غیره، و القول بکونه حقیقة فی الأعم منه و مما انقضی عنه المبدأ.

(3). متعلق بقوله: «حدثت» و غرضه من هذه العبارة: بیان منشأ حدوث الأقوال بین المتأخرین.

(4). من حیث الفعلیة و الشأنیة و الملکیة و غیرها، و هو المنشأ الأوّل لحدوث بعض الأقوال بین المتأخرین، حیث إنّهم تخیّلوا أنّ المشتق حقیقة فی المنقضی عنه التلبس إذا کان المبدأ ملکة أو قوة أو صنعة، فإنّ المشتق یطلق حقیقة علی الذات الاستصحاب فیه، لکون إجمال المفهوم موجباً للشک فی بقاء الموضوع الموجب لعدم جریان الاستصحاب، لأنّ إحراز بقاء الموضوع مما لا بدّ منه فی جریانه، و لذا لا نقول بجریانه فی جمیع موارد تبدُّل حال و زوال وصف من أوصاف الموضوع، لاحتمال دخله فیه، و لذا یشکل جریان الاستصحاب فی مثل الماء المتغیر الزائل تغیُّره من قِبَل نفسه و إن أمکن دفعه فیه بإرجاع الشک إلی کیفیة علّیة التغیُّر للنجاسة، و أنّه علة لها حدوثاً و بقاءً أو حدوثاً فقط، إذ بهذا الاعتبار یصیر الحکم مشکوکاً فیه فیستصحب.

و بالجملة: ففی المفهوم المردد کالمقام لا یجری الاستصحاب، بل الجاری فی کلتا الصورتین إنّما هو البراءة.

أو بتفاوت (1) ما یعتریه (2) من الأحوال (3)، و قد مرّت الإشارة (4) إلی أنّه (5) لا یوجب التفاوت فیما نحن بصدده (6)، و یأتی له مزید بیان فی أثناء الاستدلال علی ما هو المختار و هو اعتبار (7) التلبس فی الحال (8) وفاقاً لمتأخری الأصحاب و الأشاعرة، و خلافاً لمتقدمیهم و المعتزلة، و یدلّ علیه (9) تبادر خصوص -بعد انقضاء المبدأ عنه إذا کان المبدأ من هذا القبیل، و أمّا إذا کان من قبیل الفعل کالقیام و القعود، فیطلق المشتق علی من انقضی عنه المبدأ مجازاً.


(1). معطوف علی قوله: «باختلاف» و هو المنشأ الثانی لحدوث بعض الأقوال بین المتأخرین.

(2). أی: ما یعتری المشتق.

(3). یعنی: الأحوال الطارئة علی المشتق مثل کونه محکوماً علیه أو محکوماً به، فقال بعضهم باشتراط البقاء فی الثانی دون الأول.

(4). مرّت فی الأمر الرابع حیث قال: «رابعها: أنّ اختلاف المشتقات... إلخ» لکنّه کان فی خصوص اختلاف المبادئ دون الأحوال.

(5). أی: اختلاف المبادئ لا یوجب التفاوت فی وضع هیئة المشتق الّذی نحن بصدده.

(6). من کون الموضوع له خصوص المتلبس بالمبدإ أو الأعم.

(7). هذا شروع فی بیان المذهب المختار.

(8). أی: فی حال الجری بأن یتحد زمانا التلبس و الحمل کما تقدم.

(9). أی: علی المختار، یعنی: أنّه لا ریب فی أنّ قولنا: «زید قائم» مثلا ظاهر فی تلبس زید بالقیام حین الحمل و الإطلاق، و هو المتبادر منه وجداناً، دون الذات الجامعة بین زمانی التلبس و الانقضاء، و قد قرر فی محله: انّ التبادر أمارة

المتلبس بالمبدإ فی الحال (1)، و صحة السلب مطلقاً (2) عما انقضی عنه کالمتلبس به فی الاستقبال، و ذلک (3) لوضوح أنّ مثل - القائم - و الضارب - و - العالم - و ما یرادفها من سائر اللغات لا یصدق علی من لم (4) یکن متلبساً بالمبادئ و ان کان متلبساً بها قبل الجری و الانتساب (5) --الحقیقة

«-»

.


(1). أی: حال الحمل و الإطلاق.

(2). أی: بلا قید یوجب صرفه عن معناه کتقیید المشتق بالأمس و الغد و غیرهما، فإنّ صحة سلبه بما له من المعنی المرتکز عن الذات التی انقضی عنها المبدأ أمارة کون حمل المشتق علیه مجازاً، کصحة سلبه فعلاً عمن یتلبس به فی المستقبل، فتبادر خصوص المتلبس بالمبدإ فی الحال علامة کون المشتق حقیقة فیه، کما أنّ صحة سلب المشتق عما انقضی عنه المبدأ علامة کون المعنی المسلوب مجازاً.

و بالجملة: فالتبادر یثبت الوضع بالنسبة إلی خصوص حال التلبس، و صحة السلب تثبت المجازیة بالنسبة إلی المنقضی عنه المبدأ.

(3). تقریب لصحة السلب عما انقضی عنه المبدأ.

(4). الصواب: «من لا یکون متلبساً فعلا بالمبادی... إلخ»، إذ غرضه (قدس سره) صحة السلب عمن لا یکون متصفاً فعلا بالمبادئ و إن کان متلبساً بها قبله و انقضت عنه.

(5). أی: قبل الحمل و الإطلاق. (-). لا ینبغی الإشکال فی أصل التبادر، لکن الکلام فی أنّه مستند إلی حاق اللفظ أو الإطلاق، و لا سبیل إلی إحراز الأوّل، فلا یکون أمارة، و قد تقدم فی علائم الوضع الإشکال فی أماریة التبادر للجاهل به.

و یصح (1) سلبها (2) عنه (3) کیف (4)؟ و ما یضادها (5) بحسب ما ارتکز من (6) معناها (7) فی الأذهان یصدق علیه (8)، ضرورة صدق القاعد علیه (9) فی حال تلبُّسه بالقعود بعد انقضاء تلبسه بالقیام مع وضوح التضاد بین -


(1). معطوف علی قوله: «یصدق».

(2). أی: سلب القائم و الضارب و العالم و ما یرادفها من سائر اللغات.

(3). أی: عمّن لا یکون متلبّساً بالمبادئ فعلا و ان کان متلبساً بها قبل ذلک.

(4). غرضه من هذه العبارة: بیان ما هو السِّر فی صحة السلب عمن انقضی عنه المبدأ.

توضیحه: أنّه کیف لا یصح السلب المذکور عنه مع صدق ما یضاد المشتقات المذکورة أعنی القائم و ما بعده من القاعد علیه؟ و صدق القائم و القاعد حقیقة علی ذات واحدة فی آنٍ واحد مستلزم لجواز اجتماع الضدین، فلا بد من صحة سلب القائم عنه حتی یصح حمل القاعد علیه.

(5). أی: و ما یضاد القائم و الضارب و العالم و ما یرادفها.

(6). بیان للموصول فی قوله: «ما ارتکز».

(7). الضمیر راجع إلی - ما - الموصولة فی قوله: «ما یضادها» و التأنیث باعتبار ما أُرید منه أعنی الصفات کالقاعد و نحوه.

(8). یعنی: یصدق ما یضاد القائم و ما بعده علی غیر المتلبس فعلاً بالقیام و الضرب و العلم، ففاعل - یصدق - ضمیر راجع إلی - ما یضاده -.

(9). أی: علی غیر المتلبس بالقیام و ما بعده مع تلبسه بالقعود فعلاً، فیصدق علیه القاعد، فلو صدق علیه القائم أیضا لزم اجتماع الضدین، لکون القائم و القاعد بحسب ما لهما من المعنی المرتکز متضادین.

القاعد و القائم بحسب ما ارتکز لهما من المعنی کما لا یخفی. و قد یقرّر هذا (1) وجهاً علی حدة (2) و یقال (3): لا ریب فی مضادة الصفات المتقابلة المأخوذة من المبادئ المتضادة علی ما ارتکز لها من المعانی، فلو کان المشتق حقیقة فی الأعم لما کان بینها (4) مضادة بل مخالفة، لتصادقها فیما انقضی عنه المبدأ و تلبس بالمبدإ الآخر (5). و لا یرد علی هذا التقریر (6) ما أورده بعض الأجلة من -


(1). أی: لزوم اجتماع المتضادین.

(2). أی: دلیلا مستقلا فی مقابل صحة السلب، و یسمی ببرهان التضاد، فیمکن إثبات هذا المدعی به من دون أن یکون ضمیمة لصحة السلب و متمِّما لها.

(3). یعنی: و یقال فی تقریب برهان التضاد ما ملخصه: أنّه لا شبهة فی مضادة الصفات المأخوذة من المبادئ التی یکون بین معانیها تضاد ارتکازی کالقائم و القاعد و العالم و الجاهل، و حینئذٍ فإذا انقضت صفة عن ذات متصفة بها ثم تلبست الذات بضد تلک الصفة، فإذا بنینا علی کون المشتق موضوعاً للأعم لَزِم صدق الصفة المنقضیة علی الذات حین اتصافها بضدها، کصدق القائم علی من انقضی عنه القیام و تلبس بالقعود فی حین اتصافه بالقعود، و بدیهی: أنّ صدق الصفات المتقابلة علی موضوع واحد فی آنٍ واحد علامة کونها صفات متخالفة، لا متضادة، لأنّ جواز اجتماعها من شأن الصفات المتخالفة کالبیاض و الحموضة، لا المتضادة، و هو خلاف ما فرضناه من کون المبادئ متضادة.

(4). أی: بین الصفات المأخوذة من المبادئ المتضادة.

(5). یعنی: مع أنّ مقتضی تضاد المبادئ تضاد الصفات المأخوذة منها أیضا.

(6). أی: تقریب تضاد الصفات المأخوذة من المبادئ المتضادة ارتکازاً.

المعاصرین (1) من عدم التضاد علی القول بعدم الاشتراط (2)، لما (3) عرفت -


(1). و هو المحقق الرشتی (قده) فی البدائع، فإنّه بعد تقریر الاستدلال بأنّ مفهوم أبیض بعد عروض السواد إن کان فانیاً کان الصدق مجازیاً، و إلاّ لزم تصادق المتضادین، قال ما لفظه: «قلت: و هذا الاستدلال فی غایة السقوط و نهایة الفساد، لأنّ مفهوم أبیض علی القول بعدم اشتراط بقاء المبدأ فی صدق المشتق لیس مضاداً لمفهوم أسود، بل النسبة بینهما علی هذا القول نسبة التخالف بطریق العموم من وجه لا نسبة التضاد کما لا یخفی، فالجسم العارض له السواد بناءً علی هذا القول مادة لاجتماع المفهومین فلا إشکال» انتهی. و ملخص ما یستفاد من کلامه (قده) فی رد برهان التضاد هو لزوم الدور، لأنّ الوضع لخصوص المتلبس بالمبدإ منوط بالتضاد، إذ المفروض کونه دلیلا علی الوضع لخصوص حال التلبس، فإذا توقف التضاد علی الوضع للمتلبس بالخصوص لزم الدور، فإنّ قول المحقق الرشتی (قده):

«لأنّ مفهوم أبیض علی القول بعدم اشتراط بقاء المبدأ... - إلی قوله -: لیس مضاداً لمفهوم أسود» کالصریح فی توقف التضاد علی اشتراط بقاء المبدأ فی صدق المشتق، و المراد ب - اشتراط بقاء المبدأ - هو الوضع لخصوص حال التلبس، فهذا البرهان لا یخلو عن محذور الدور، و ان شئت فقل: إنّ التضاد لا یصلح لأن یکون برهاناً علی الوضع للأخص.

(2). أی: عدم اشتراط التلبس، و المراد به الوضع للأعم، إذ لا تضاد حینئذٍ، بل تکون الصفات مثل - القائم و القاعد - متخالفة لا متضادة.

(3). تعلیل لقوله: «و لا یرد علی هذا التقریر... إلخ» و محصل وجه عدم الورود هو: أنّ التضاد لا یتوقف علی الوضع لخصوص حال التلبس حتی یلزم الدور، بل التضاد یکون ارتکازیاً بین الصفات کارتکازیته بین مبادیها، فلا یرد علی برهان التضاد إشکال الدور أصلا.

من ارتکازه بینها (1) کما فی مبادیها (2). ان قلت: لعل ارتکازها (3) لأجل الانسباق من الإطلاق لا الاشتراط (4). قلت: لا یکاد یکون لذلک (5) -


(1). أی: من ارتکاز التضاد بین الصفات.

(2). أی: مبادئ الصفات کالقیام و القعود و العلم و الجهل و غیرها.

(3). أی: ارتکاز المضادة بین الصفات، و هذا إشکال علی ما ذکره المصنف (قدس سره) من کون التضاد ارتکازیاً و غیر منوط بالوضع لخصوص حال التلبس.

و حاصل الإشکال: أنّ ارتکاز التضاد لعلّه ناشٍ من الانسباق الإطلاقی لا من حاق اللفظ، و بتقریب أوضح: أنّ ارتکاز التضاد لا یُثبت الوضع لخصوص حال التلبس إلاّ إذا نشأ من الوضع، و هذا غیر ثابت، لاحتمال کونه ناشئاً من الإطلاق، لا من حاق اللفظ حتی یکون دلیلاً علی الوضع للأخص، و من المعلوم:

أنّ التبادر الإطلاقی لیس من أمارات الوضع، فمجرد ارتکازیة التضاد لا یصلح لإثبات الوضع لخصوص حال التلبس.

(4). أی: لا لأجل کون التلبس شرطاً فی صدق المشتق بحسب الوضع، و الأولی تبدیله ب - حاق اللفظ -، یعنی: أنّ الارتکاز لعلّه لأجل الانسباق من الإطلاق، لا من حاق اللفظ حتی یکون دلیلا علی الوضع لخصوص حال التلبس.

(5). أی: لأجل الانسباق الإطلاقی. و محصل ما أفاده فی دفع الإشکال هو:

أنّ الانسباق الإطلاقی مشروط بشرط و هو کثرة استعمال المشتق فی خصوص حال التلبس حتی تکون هذه الکثرة سبباً لانصراف الإطلاق إلیه، و المفروض فقدان هذا الشرط فی المقام، ضرورة کثرة استعمال المشتق فی موارد الانقضاء لو لم یکن بأکثر، و هذه الکثرة مانعة عن انصراف الإطلاق إلی خصوص حال التلبس، و علی هذا فلا بد أن یکون انسباق حال التلبس مستنداً إلی حاقِ اللفظ، فیکون حینئذٍ أمارة علی الوضع لخصوص المتلبس بالمبدإ.

لکثرة استعمال المشتق فی موارد الانقضاء لو لم یکن بأکثر. إن قلت: علی هذا (1) یلزم أن یکون فی الغالب (2) أو الأغلب (3) مجازاً، و هذا (4) بعید ربما لا یلائمه حکمة الوضع. لا یقال (5): -


(1). أی: بناءً علی کثرة استعمال المشتق أو أکثریته فی موارد الانقضاء یلزم أن یکون استعماله فیها مجازاً فی الغالب إذا کان کثیراً، و فی الأغلب إذا کان أکثر، و من المعلوم أنّ المجاز خلاف الأصل.

(2). هذا فی صورة کثرة الاستعمال.

(3). هذا فی صورة أکثریة استعماله فی موارد الانقضاء من استعماله فی موارد التلبس بالمبدإ الّذی هو الموضوع له حسب الفرض.

(4). أی: و کون الاستعمال فی الغالب أو الأغلب مجازاً بعید، إذ لا یلائمه حکمة الوضع التی هی إبراز المعانی المحتاج إلیها فی المحاورات بالألفاظ الموضوعة لها. وجه عدم الملاءمة أنّ هذه الحکمة تقتضی وضع الألفاظ لتلک المعانی لمسیس الحاجة إلیها دون المعانی التی یکون الابتلاء بها نادراً أو الحاجة إلیها قلیلة، فإنّ الوضع لهذه المعانی دون المعانی الکثیرة الابتلاء لا یلائم حکمة الوضع، و علیه فالحکمة تقتضی الوضع للأعم من التلبس و الانقضاء، لا لخصوص المتلبس الّذی یکون نادراً بالنسبة إلی المنقضی عنه المبدأ.

(5). هذا إشکال علی ما ذکره من استبعاد مجازیة استعمال المشتق فی موارد الانقضاء فی الغالب أو الأغلب.

و حاصله: أنّه لا وجه لاستبعاد ذلک بعد وضوح کون أکثر المحاورات مجازات، فالاستبعاد المزبور الّذی جعل غیر ملائم لحکمة الوضع لا یُثبت وضع المشتق للأعم.

کیف (1) و قد قیل بأنّ أکثر المحاورات مجازات، فإنّ ذلک - (2) لو سُلِّم - فإنّما هو لأجل تعدد المعانی المجازیة بالنسبة إلی المعنی الحقیقی الواحد، نعم ربما یتفق ذلک (3) بالنسبة إلی معنی مجازی لکثرة الحاجة إلی التعبیر عنه، لکن أین -


(1). یعنی: کیف یکون هذا الاستعمال المجازی الکثیر بعیداً غیر ملائم لحکمة الوضع و قد قیل: إنّ أکثر المحاورات مجازات؟

(2). المشار إلیه هو کون أکثر المحاورات مجازات، و هذا إشارة إلی دفع الإشکال الّذی ذکره بقوله: «لا یقال».

و حاصله: - بعد تسلیم مجازیة أکثر المحاورات - أنّ المقصود بهذه الکثرة هو تعدُّد المعانی المجازیة بالنسبة إلی معنی حقیقی واحد کلفظ الأسد الموضوع لمعنی واحد مع استعماله فی معانٍ مجازیة عدیدة کالرجل الشجاع و غیره، و من المعلوم: أنّ هذه الکثرة الموجودة فی المحاورات غیر قادحة فی الوضع لمعنی واحد، و غیر موجبة لکون الوضع للجمیع بل المقصود بالکثرة القادحة فی حکمة الوضع و غیر الملائمة لها هو کون استعمال کل لفظ فی المعنی المجازی الواحد أکثر من استعماله فی معناه الحقیقی الواحد، فإنّ هذه الکثرة لا تلائم حکمة الوضع و هی وضع اللفظ للمعنی الّذی تکثر الحاجة إلیه، و المفروض کون الحاجة إلی المعنی الانقضائی فی المشتق أکثر من المعنی التلبُّسی، فحکمة الوضع تقتضی وضع المشتق للأعم، و کون استعماله فی المنقضی عنه المبدأ حقیقة لا مجازاً.

(3). المشار إلیه: أکثریة الاستعمال فی معنی اللفظ المجازی الواحد من الاستعمال فی معناه الحقیقی کذلک.

و حاصله: أنّه کما لا ینافی کثرة المجازات بالنسبة إلی معنی واحد حکمة الوضع و لا توجب الوضع للجمیع، کذلک لا یُنافی حکمة الوضع کثرة الاستعمال

هذا (1) مما إذا کان دائماً کذلک (2)، فافهم (3). قلت (4) -فی معنی مجازی واحد، لکثرة الحاجة إلیه إذا کانت من باب الاتفاق، و لا توجب هذه الکثرةُ الاتفاقیة الوضعَ للأعم، لکن إذا کان الاستعمال المجازی فی المعنی الواحد دائماً کثیراً جداً کاستعمال المشتق فی المنقضی عنه المبدأ، فحکمة الوضع حینئذٍ تقتضی وضع اللفظ له أو للأعم منه و من المتلبس بالمبدإ، حیث إنّ مجازیته فی المنقضی عنه تنافی حکمة الوضع.


(1). یعنی: لکن أین استعمال اللفظ فی معنی مجازی - إذا کان أکثر من معناه الحقیقی من باب الاتفاق - من استعماله فیه دائماً کالمشتق المستعمل فی المنقضی عنه المبدأ؟ فإذا کان استعماله فی المجازی دائمیاً لا اتفاقیاً، فلا بد من البناء علی کون استعماله فی المنقضی عنه المبدأ علی نحو الحقیقة، لکون کثرة استعماله فیه دائمیة لا اتفاقیة.

(2). أی: کثیراً أو أکثر.

(3). لعلّه إشارة إلی: أنّ هذه الکثرة الدائمیة أیضا لا توجب الوضع للأعم، إذ بعد مراعاة العلاقة بین المعنی الحقیقی و المجازی فلا محالة یکون الوضع دخیلا فی صحة الاستعمال المجازی، فکثرة المجاز لا تنافی حکمة الوضع. إلاّ أن یقال:

بعدم الاعتداد بالعلاقة المزبورة، لکون الاستعمال المجازی منوطاً باستحسان الطبع له، فلا یکون حینئذٍ للوضع دخل فیه، فتبطل حکمته بکثرة الاستعمال المجازی.

أو إلی: أنّ عدم جواز مخالفة حکمة الوضع لا فرق فیه بین الواحد و الکثیر.

أو إلی وجه آخر.

(4). هذا دفع الإشکال الّذی تعرض له بقوله: «إن قلت: علی هذا یلزم أن یکون فی الغالب... إلخ» و کان محصله: منافاة مجازیة استعمال المشتق فی

مضافاً (1) إلی أنّ مجرد الاستبعاد غیر ضائر بالمراد (2) بعد مساعدة الوجوه المتقدمة علیه (3) أنّ الغالب أو الأغلب فی المنقضی عنه المبدأ لحکمة الوضع، فلا بد من الالتزام بوضع المشتق للأعم، ثم سجّل هذا الإشکال بقوله: «لا یقال کیف و قد قیل... إلی قوله: دائماً کذلک» و الغرض من الکل: إثبات وضع المشتق للأعم، و إلاّ یلزم لغویة الوضع و بطلان حکمته. و کیف کان فقد أجاب المصنف عن الإشکال المزبور بوجهین:

أحدهما: أنّ مجرد استبعاد کون استعمال المشتق فی المنقضی عنه المبدأ فی الغالب أو الأغلب مجازاً غیر ضائر، لأنّه لا یُقاوِم الأدلة التی أقیمت علی وضعه لخصوص المتلبس بالمبدإ، و أمّا المنافاة لحکمة الوضع، فلا بأس بها بعد وقوع تخلف الحکمة فی الأوضاع کثیراً، فمرجع هذا الوجه إلی تسلیم کثرة المجازات و عدم قدحها فی المدعی.

ثانیهما: أنّ کثرة المجازات ممنوعة، لأنّها إنّما تلزم بناءً علی عدم إمکان استعمال المشتق فیما انقضی عنه المبدأ بلحاظ حال التلبس، و أمّا بناءً علی إمکانه بلحاظه، فلا یغلب الاستعمال المجازی علی الحقیقی أصلا، لما تقدم سابقاً من أنّ إطلاق المشتق علی المنقضی عنه المبدأ بلحاظ حال التلبس یکون علی وجه الحقیقة اتفاقاً، فإذا قال: - جاء الضارب - مثلاً بعد انقضاء الضرب عنه و أراد حال التلبس - یعنی: من کان قبل مجیئه ضارباً - کان هذا الإطلاق إطلاقاً حقیقیاً لا مجازیاً.


(1). إشارة إلی الوجه الأوّل.

(2). و هو الوضع لخصوص المتلبس بالمبدإ.

(3). یعنی: علی المراد - و هو الوضع لخصوص حال التلبس -، و المراد بالوجوه المتقدمة هو التبادر، و صحة السلب، و التضاد الارتکازی.

ذلک (1) إنّما یلزم لو لم یمکن استعماله فیما انقضی بلحاظ حال التلبس، مع أنّه (2) بمکان من الإمکان، فیراد من - جاء الضارب أو الشارب و قد انقضی عنه الضرب و الشرب - جاء الّذی کان ضارباً و شارباً قبل مجیئه (3) حال التلبس بالمبدإ، لا حینه (4) بعد الانقضاء کی یکون الاستعمال بلحاظ هذا الحال (5) و جعله (6) معنوناً بهذا ----


(1). إشارة إلی الوجه الثانی، و المشار إلیه هو غلبة المجاز الناشئة عن استعماله فی المنقضی عنه المبدأ.

(2). أی: مع أنّ استعماله بلحاظ حال التلبس - لیتحد زمانا الإطلاق و التلبس و یکون علی وجه الحقیقة - بمکان من الإمکان، و معه لا داعی إلی ارتکاب المجاز بسبب استعماله فی المنقضی عنه المبدأ، لا بلحاظ حال التلبس، و علیه فیمکن فرض کون جمیع استعمالات المشتق علی نحو الحقیقة عدا استعماله فیما سیتلبس به فی المستقبل الّذی هو مجاز بالاتفاق.

(3). الأولی تقدیمه بأن یقال: جاء الّذی کان قبل مجیئه ضارباً أو شارباً حال التلبس بالمبدإ.

(4). یعنی: لا حین المجی‏ء بحیث یکون زمان المجی‏ء ظرفاً للجری و النسبة مع فرض انقضاء المبدأ عنه، إذ لو کان کذلک لکان مجازاً، لمغایرة زمانی الجری و التلبس.

(5). أی: حال الانقضاء، فإذا کان الجری بهذا اللحاظ، فلا محیص عن کونه مجازاً.

(6). معطوف علی قوله: «الاستعمال» و الضمیر راجع إلی الموصول فی قوله: «جاء الّذی کان ضارباً»، یعنی: کی یکون جعل من صدر عنه الضرب

العنوان (1) فعلاً (2) بمجرد تلبسه قبل مجیئه، ضرورة أنّه (3) لو کان للأعم لصح استعماله بلحاظ کلا الحالین (4).

(و بالجملة) (5): کثرة الاستعمال فی حال الانقضاء تمنع عن دعوی انسباق -و الشرب قبل مجیئه معنوناً بعنوان کونه ضارباً و شارباً فعلاً بسبب تلبسه بالضرب و الشرب قبل المجی‏ء، فإنّه إذا کان کذلک یصیر الجری فعلیاً و التلبس انقضائیاً، و حیث إنّ الجری لم یکن بلحاظ حال التلبس، فلا محالة یکون مجازاً.


(1). أی: عنوان الضاربیة و الشاربیة.

(2). الباء للسببیة یعنی: أنّ جعله معنوناً بهذا العنوان یکون بسبب تلبسه بالمبدإ.

(3). أی: المشتق، و هذا تعلیل لِما أفاده من إمکان کون الاستعمال فی موارد الانقضاء بلحاظ حال التلبس حتی لا یلزم مجاز.

و حاصله: أنّ المشتق لو کان موضوعاً للأعم من حالة التلبس لصحّ لحاظ کل من التلبس و الانقضاء فی موارد الانقضاء، و کان الاستعمال علی نحو الحقیقة، لاختصاص المجازیة بوضع المشتق لخصوص حال التلبس، و عدم کون الاستعمال فی موارد الانقضاء بلحاظه.

(4). أی: التلبس و الانقضاء، لکون کلٍّ منهما فرداً للمعنی الحقیقی.

(5). هذا ملخص ما أفاده فی دفع إشکال المعترض، حیث اعترض علی التبادر باحتمال کونه ناشئاً من الإطلاق، فلا یصلح لأن یکون علامة للوضع، لأنّ التبادر المثبت للوضع هو المستند إلی حاق اللفظ لا إلی إطلاقه.

و محصل ما ذکره فی دفع هذا الاعتراض هو: أنّ التبادر الإطلاقی فی مورد البحث مشروط بعدم کثرة الاستعمال فی موارد الانقضاء، و المفروض وقوعها فیها

خصوص حال التلبس من الإطلاق (1)، إذ (2) مع عموم المعنی و قابلیة -و مع ذلک یکون تبادر خصوص حال التلبس متحققاً، فلا محیص عن کونه مستنداً إلی حاقِ اللفظ دون الإطلاق، و إلاّ لکان المتبادر هو خصوص حال الانقضاء، لأنّه الّذی ینصرف إلیه إطلاق اللفظ نظراً إلی کثرة الاستعمال فی موارده، و علیه فهذا التبادر من أمارات الوضع.


(1). یعنی: فلا یکون هذا التبادر ناشئاً من إطلاق اللفظ حتی لا یثبت به الوضع، بل هو ناشٍ عن حاقّه، فیثبت به.

(2). تعلیل لقوله: «تمنع عن دعوی انسباق... إلخ» لکنّه لا ینطبق علی المدّعی، و هو عدم کون تبادر حال التلبس إطلاقیاً مع کثرة الاستعمال فیما انقضی عنه المبدأ، و العلّة عبارة عن أنّ الاستعمال فی حال الانقضاء لا یستلزم أن یکون مجازاً حتی یرد علیه الإشکال المتقدم و هو کونه خلاف حکمة الوضع، وجه عدم لزوم المجازیة مطلقاً هو: أنّه علی القول بالأعم یمکن أن یکون استعماله فی المنقضی عنه المبدأ حقیقة و لو لأجل انطباق المعنی العام الموضوع له علیه، و علی القول بالأخص یمکن أن یکون الجری بلحاظ حال التلبس، بل لا بد أن یکون بهذا اللحاظ، لأنّه من صغریات دوران الأمر بین المعنی الحقیقی و المجازی الّذی یقدم فیه الحقیقة علی المجاز، حیث إنّ المعنی المستعمل فیه لفظ المشتق مردّد بین المعنی الحقیقی إذا کان الاستعمال بلحاظ حال التلبس و بین المعنی المجازی إذا کان بلحاظ حال الانقضاء، فلا یُعلم أنّ لفظ المشتق قد استعمل فی معناه الحقیقی أو المجازی، و فی مثله لا بدّ من الحمل علی المعنی الحقیقی کما هو قضیة أصالة الحقیقة.

و بالجملة: فإشکال لزوم المجازیة التی هی خلاف مقتضی حکمة الوضع - بناءً علی وضع المشتق لخصوص حال التلبس - مندفع بعدم لزومها أصلا، لما عرفت.

کونه (1) حقیقة فی المورد (2) و لو بالانطباق (3) لا وجه لملاحظة حالة أُخری (4) کما لا یخفی، بخلاف ما إذا لم یکن له (5) العموم، فان -و الحاصل: أنّ التعلیل المذکور لا ینطبق علی المعلل، فلا بدّ أن یکون علة لمقدّر - و هو أنّ کثرة الاستعمال فی موارد الانقضاء لا توجب کون أکثر استعمالات المشتق مجازاً کما ادعاه المتوهم - و ذلک لأنّه مع فرض وضعه لمعنی عام یکون حقیقة فی المنقضی عنه المبدأ بالانطباق، و مع فرض وضعه لمعنی خاص و هو حال التلبس یمکن أن یکون الاستعمال حینئذٍ أیضا علی وجه الحقیقة إذا کان الجری بلحاظ حال التلبس، بل لا بد من البناء علی کونه بهذا اللحاظ، لما عرفت من أنّه مقتضی أصالة الحقیقة.

و المتحصل: أنّ کثرة الاستعمال فی حال الانقضاء تمنع عن دعوی کون انسباق خصوص حال التلبس ناشئاً عن الإطلاق، و لا تستلزم مجازیة المشتق فی الأکثر، و علیه فتبادر خصوص المتلبس بالمبدإ یکون من حاقِ اللفظ، فهو أمارة الوضع.


(1). أی: المشتق.

(2). أی: مورد الانقضاء.

(3). أی: من باب انطباق الکلی علیه، إذ بناءً علی وضع المشتق للأعم یکون الموضوع له الکلی الصادق علی کل من المتلبّس و المنقضی.

(4). و هی حال التلبس، لأنّ المشتق حینئذٍ یکون حقیقة فی المنقضی ککونه حقیقة فی المتلبس بالمبدإ، فلا وجه لملاحظة حال التلبس فی استعماله فی موارد الانقضاء.

(5). أی: للمعنی، هذا فی مقابل قوله: «إذ مع عموم المعنی... إلخ».

استعماله (1) حینئذٍ (2) مجازاً بلحاظ حال الانقضاء (3) و إنّ کان ممکناً، إلاّ أنّه (4) لَمّا کان بلحاظ حال التلبس علی نحو الحقیقة بمکان من الإمکان، فلا وجه لاستعماله و جریه (5) علی الذات مجازاً و بالعنایة و ملاحظة العلاقة، و هذا (6) غیر -و الأولی أن یقال: «و مع خصوص المعنی» و قد عرفت توضیحه بقولنا: «إذ مع عموم المعنی یکون حقیقة فی المنقضی... إلخ».


(1). أی: استعمال المشتق فی موارد الانقضاء.

(2). أی: حین عدم عموم المعنی.

(3). بأن یکون الجری بلحاظ حال الانقضاء، فإنّ استعمال المشتق حینئذٍ یکون مجازاً لا محالة.

(4). أی: الاستعمال، حاصله: أنّ استعمال المشتق فی موارد الانقضاء یمکن أن یکون مجازاً إذا کان بلحاظ حال الانقضاء، و أن یکون حقیقة إذا کان بلحاظ حال التلبس، و مع دوران الاستعمال بین کونه حقیقة و بین کونه مجازاً یقدّم الأوّل علی الثانی، ففی موارد الانقضاء یلاحظ حال التلبس لیکون استعمال المشتق فیها حقیقة.

(5). الضمیران راجعان إلی المشتق، و حاصله: أنّه - بعد إمکان کون الاستعمال علی وجه الحقیقة بأن یکون بلحاظ حال التلبس - لا وجه لجری المشتق علی الذات مجازاً، لأنّه مع الشک فی المعنی المراد مع العلم بالمعنی الحقیقی و المجازی یکون الأصل حمل اللفظ علی المعنی الحقیقی، و هو هنا حال التلبس، فوضع المشتق لخصوص حال التلبس لا یستلزم کثرة الاستعمالات المجازیة حتی یرد علیها اعتراض الخصم ببُعدها و عدم ملائمتها لحکمة الوضع کما تقدم.

(6). أی: إمکان استعمال اللفظ فی المعنی الحقیقی کما فیما نحن فیه، لفرض

استعمال اللفظ فیما لا یصح استعماله فیه حقیقة کما لا یخفی، فافهم (1). ثم إنّه ربما أُورد علی الاستدلال بصحة السلب (2) بما حاصله: أنّه إن أُرید بصحة السلب صحته (3) -صحة کون الاستعمال فی موارد الانقضاء بلحاظ حال التلبس أجنبی عن استعمال اللفظ فی معنی لا یصح أن یکون علی وجه الحقیقة، کاستعمال لفظ أسد فی الرّجل الشجاع، إذ لا محیص حینئذٍ عن کونه علی وجه المجاز. فتحصل من جمیع ما ذکره المصنف (قده): صحة ما ادعاه من التبادر، و اندفاع ما أُورد علیه من کونه ناشئاً عن الإطلاق.


(1). لعله إشارة إلی: أنّ لحاظ حال التلبس فی موارد الانقضاء یخرج الاستعمال فیها عن الاستعمال المجازی، لکونه حینئذٍ مستعملاً فی المعنی الموضوع له.

(2). التی جعلت أمارة علی مجازیة استعمال المشتق فی المنقضی عنه المبدأ، و محصل هذا الإیراد: أنّ الاستدلال بعدم صحة السلب إمّا غیر صحیح، و إمّا غیر مفید، إذ لو أُرید صحة سلب المشتق عن المنقضی عنه المبدأ علی الإطلاق کأن یقال: «زید لیس بضارب فی شی‏ء من الأزمنة» فهو غیر سدید - أی: غیر صحیح -، لکذبه، ضرورة صحة قولنا: «انّه ضارب أمس»، و لو أُرید صحة سلب المشتق عنه مقیداً کأن یقال: «زید لیس بضارب الآن» فهو و إن کان صحیحاً، إذ المفروض انقضاء المبدأ عنه و عدم اتصافه فعلاً بالضرب، لکنّه غیر مفید، لأنّ علامة المجاز هی صحة السلب المطلق لا المقید، فیسقط الاستدلال بها علی کون المشتق حقیقة فی خصوص حال التلبس.

(3). أی: السلب.

مطلقاً (1) فغیر سدید (2)، و إن أُرید مقیداً فغیر مفید، لأنّ علامة المجاز هی صحة السلب المطلق (3). (و فیه): أنّه إن أُرید بالتقیید تقیید المسلوب (4) الّذی یکون سلبه أعم من سلب المطلق (5) -


(1). أی: غیر مقید بحال انقضاء المبدأ.

(2). أی: غیر صحیح، لکذبه کما عرفت.

(3). لا المقید.

(4). و هو المحمول کالضارب فی قولنا: «زید لیس بضارب الآن».

(5). کقولنا: «زید لیس بضارب» من دون تقییده بزمان، و وجه أعمّیته: ما قرِّر فی علم المیزان من کون نقیض الأخص أعم من نقیض الأعم، فإنّ نقیض الإنسان - و هو اللا إنسان - أعم من نقیض الحیوان و هو اللا حیوان، و لذا یصح أن یقال: کل لا حیوان لا إنسان» و لا عکس، و کذلک یقال فی المقام:

کل ما لیس بضارب مطلقاً لیس بضارب فی حال الانقضاء.

و توضیح ما أفاده المصنف (قده) فی الجواب عن الإشکال هو: أنّ القید تارة یکون قیداً للمسلوب - أعنی المشتق - نحو «زید لیس بضارب فی حال الانقضاء».

و أُخری یکون قیداً للموضوع - أعنی المسلوب عنه - نحو «زید المنقضی عنه الضرب لیس بضارب».

و ثالثة یکون قیداً للسلب نحو - زید لیس فی حال الانقضاء بضارب - یعنی: أنّ عدم الضاربیة متحقق لزید فی حال الانقضاء.

فإن کان قیداً للمشتق بأن یکون المسلوب المشتق المقیّد بحال الانقضاء، فلا یکون صحة السلب حینئذٍ علامة للمجاز، إذ یعتبر فی علامیّتها صحة سلب اللفظ بما له من المعنی، و المفروض هنا تقییده بحال الانقضاء، و سلب المقیّد لا یستلزم

کما هو واضح (1)، فصحة سلبه (2) و ان لم تکن علامة علی کون المطلق مجازاً -سلب المطلق لیکون علامة المجاز، إذ یصدق - زید لیس بضارب فعلاً - و لا یصدق - زید لیس بضارب مطلقاً -، لصدق کونه ضارباً أمس، فصحة هذا السلب الّذی یکون المسلوب فیه مقیداً علامة لعدم وضع المشتق لخصوص المنقضی عنه المبدأ، و إلاّ لم یصح سلبه، و لیس علامة، لعدم وضع المشتق للجامع بین المتلبس و المنقضی الّذی هو المقصود. فالمستشکل إن أراد تقیید المشتق فما أفاده متین، إذ لیس هذا السلب علامة عدم الوضع للجامع بین التلبس و الانقضاء، لکن یرد علیه: أنّه لا دلیل علی تقیید المشتق بحال الانقضاء، هذا.

و إن کان قیداً للموضوع بأن یقال: إنّ الموضوع - و هو زید المنقضی عنه الضرب لیس بضارب - فصحة سلبه علامة المجاز، إذ المفروض کون المسلوب مطلقاً بلحاظ حال الانقضاء، فیصح أن یقال: إنّ زیداً المنقضی عنه الضرب لیس بضارب، فتقیید الموضوع لا یضرّ بکون صحة السلب أمارة علی المجاز، إذ لو کان زید المنقضی عنه الضرب من مصادیق الضارب المطلق لم یصح سلبه بنحو الإطلاق عنه.

و إن کان قیداً للسلب، فصحة السلب حینئذٍ علامة للمجاز، إذ المفروض أنّه یصح سلب الضارب مطلقاً عن زید بلحاظ حال الانقضاء، کما أنّه لا یصح سلبه عنه بلحاظ حال التلبس.


(1). إشارة إلی ما ثبت فی علم المیزان من کون نقیض الأخص أعم کما عرفت آنفاً.

(2). أی: المسلوب المقیّد، و وجه عدم علامیّتها علی کون المطلق مجازاً هو:

أنّ العبرة فی صحة السلب إنّما هی بسلب اللفظ عن المعنی مع الغض عن الضمائم الخارجة عن حیِّز معناه کالتقیید المذکور فی المقام.

فیه (1)، إلاّ أنّ تقییده ممنوع (2)، و إن أُرید تقیید السلب فغیر ضائر بکونها (3) علامة، ضرورة (4) صدق المطلق علی أفراده علی کل حال، مع إمکان منع تقییده (5) أیضا (6) بأن یلحظ حال الانقضاء فی طرف الذات الجاری علیها -


(1). أی: فی المسلوب المقیّد بحال الانقضاء.

(2). لعدم الدلیل علی رجوع القید إلیه حتی یلزم الإشکال علی کون صحة السلب علامة المجازیة.

(3). أی: صحة السلب، و حاصله: أنّ القید إن کان قیداً للسلب مع بقاء الموضوع و المحمول علی الإطلاق کأن یقال: «إنّ زیداً لیس الآن بضارب» فلا ضیر فی کونها علامة، إذ لو کان المنقضی عنه المبدأ من أفراد المطلق لم یصح سلبه عنه، لعدم صحة سلب المطلق عن فرده فی شی‏ء من الأزمنة، فصحته دلیل علی مجازیة إطلاق المشتق علی المنقضی عنه المبدأ.

(4). تعلیل لقوله: «فغیر ضائر» و قد عرفت توضیحه بقولنا: إذ لو کان المنقضی عنه المبدأ من افراد المطلق... إلخ.

(5). یعنی: تقیید السلب، حاصله: أنّه یمکن منع الشرطیة الأُولی فی کلام المورد و هی قوله: «ان أرید بصحة السلب صحته مطلقاً فغیر سدید» بأن یلاحظ التقیید فی طرف الذات مع إطلاق کلٍّ من السلب و المسلوب، مثل قولنا: «زید الضارب فی الأمس لیس بضارب الآن» بجعل - الآن - ظرفا للإخبار، لا قیداً للسلب و لا للمسلوب، فلا بأس بإلقاء قید - الآن -.

و بالجملة: فقید الانقضاء ملحوظ فی ناحیة الموضوع.

(6). یعنی: کمنع تقیید المسلوب أعنی المشتق، فیکون التقیید و هو لحاظ الانقضاء فی طرف الذات، لا فی السلب و لا فی المسلوب، فیقال: - زید الضارب فی الأمس لیس بضارب -.

المشتق، فیصح سلبه مطلقاً (1) بلحاظ هذا الحال (2)، کما لا یصح سلبه بلحاظ حال التلبس، فتدبّر جیّداً. ثم لا یخفی انّه لا یتفاوت فی صحة السلب عما انقضی عنه المبدأ بین کون المشتق لازماً و کونه متعدیاً (3)، لصحة (4) سلب الضارب -


(1). أی: سلب المشتق مطلقاً یعنی فی جمیع الأزمنة

«-»

.

(2). أی: حال الانقضاء المأخوذ قیداً فی الموضوع، لا فی السلب و لا فی المسلوب.

(3). هذا التفصیل منسوب إلی الفصول، و حاصله: أنّ المبدأ إن کان من المصادر المتعدیة کالضرب و القتل، فالمشتق حینئذ حقیقة فی الأعم، و ان کان من اللازمة کالحسن و القبح فهو حقیقة فی المتلبس و مجاز فی المنقضی عنه المبدأ.

و لعلّ وجه هذا التفصیل هو: أنّ المشتق ان کان مأخوذاً من المبادئ اللازمة القائمة بنفس الذات غیر المتعدیة إلی غیرها اعتبر فی صدق المشتق علیها بقاءُ المبدأ القائم بها، فانقضاء المبدأ یوجب مجازیة إطلاق المشتق علی الذوات المنقضیة عنها تلک المبادئ اللازمة، و ان کان مأخوذاً من المبادئ المتعدیة، فلمّا لم یکن المبدأ قائماً بنفس الذات بل بغیرها لفرض التعدی عنها إلی غیرها و هو المفعول به، لم یعتبر فی صدق المشتق علی الذوات اتصافها بها فعلاً، فیکون إطلاقه علیها بعد الانقضاء حقیقة أیضا.

(4). هذا إشارة إلی فساد توهم التفصیل المزبور، و حاصل تقریب فساده هو: (-). هذا فی غایة الغموض، إذ لا یتصور صحة سلب الضاربیة فی جمیع الأزمنة عن ذات متصفة فی الأمس مثلا بالضرب، مع وضوح صحة حمل الضارب علیه بلحاظ الأمس، فلا بد أن یکون سلبه عنها مقیداً لا مطلقاً، و مثل هذا السلب لا یکون علامة کما مرّ آنفاً، فتأمّل.

عمن یکون فعلا غیر متلبس بالضرب و کان متلبساً به سابقاً، و أمّا إطلاقه (1) علیه (2) فی الحال فان کان (3) بلحاظ حال التلبس -عدم الفرق فی کون إطلاق المشتق علی المنقضی عنه المبدأ مجازاً بین کون المبدأ متعدیاً کالضرب و لازماً کالحسن، و الفرق بین المبادئ إنّما هو فی کیفیة قیامها بالذوات، فإنّ قیام المبادئ المتعدیة بها إنّما هو بنحو الصدور و الإیجاد، و قیام المبادئ اللازمة بها إنّما هو بنحو الحلول، و اختلاف کیفیة القیام لا یوجب تفاوتاً فی الجهة المبحوث عنها و هی وضع هیئة المشتق، و یشهد بعدم التفاوت المزبور صحة سلب الضارب عمّن لا یکون فعلاً متلبساً بالضرب، فلو کان التفصیل المذکور صحیحاً لما صحّ هذا السلب مع کون المبدأ - و هو الضرب - فیه متعدیاً.


(1). أی: إطلاق المشتق.

(2). أی: علی من کان متلبساً سابقاً بالمبدإ، غرضه من هذه العبارة دفع توهم و هو: أنّ ما ذُکر - من کون صحة سلب المشتق عن المنقضی عنه المبدأ علامة المجاز - یُنافی صدقه علیه فی الحال، لأنّ صدقه حینئذ أمارة الحقیقة، فلا یکون صحة سلبه عن المنقضی عنه المبدأ مجازاً.

و محصل دفعه: أنّ إطلاق المشتق علی المنقضی عنه المبدأ تارة یکون بلحاظ حال التلبس، و لا إشکال فی کونه حینئذ علی نحو الحقیقة، و أُخری یکون بلحاظ الحال بحیث یکون الجری حال النطق و لم یثبت کونه حینئذ بنحو الحقیقة کما مرّ، و مجرّد الاستعمال لا یثبت الحقیقة، لأنّه أعم منها، نعم لو کان الاستعمال مثبتاً للحقیقة لَکان منافیاً لصحة سلبه عن المنقضی عنه المبدأ کما لا یخفی.

(3). هذا دفع التوهم و قد عرفت تقریبه.

فلا إشکال (1) کما عرفت، (2) و إن کان بلحاظ الحال (3) فهو (4) و ان کان صحیحاً، إلاّ أنّه لا دلالة علی کونه (5) بنحو الحقیقة، لکون (6) الاستعمال أعم منها (7) کما لا یخفی (8)، کما لا یتفاوت (9) فی صحة السلب عنه (10) بین تلبسه (11) بضد المبدأ و عدم تلبسه، لِما (12) عرفت من وضوح -


(1). أی: فلا إشکال فی کونه حقیقة.

(2). یعنی: فی الأمر الخامس و فی أثناء بعض مباحثه بالمناسبة.

(3). أی: حال النطق بأن یکون الجری بلحاظه لا بلحاظ حال التلبس.

(4). یعنی: فالإطلاق و ان کان صحیحاً، لکنه لا دلیل علی کونه بنحو الحقیقة.

(5). أی: کون الإطلاق.

(6). تعلیل لعدم کون الإطلاق بنحو الحقیقة، و محصل تقریبه: أنّ الاستعمال أعم من الحقیقة، و لیس لازماً مساویاً لها حتی یکون دلیلاً و أمارة علیها.

(7). أی: من الحقیقة.

(8). إشارة إلی: أنّ أصالة الحقیقة لا تجری فیما علم بالمراد و شک فی کونه معنی حقیقیاً أو مجازیاً، و إنّما تجری فیما إذا علم بالمعنی الحقیقی و شک فی المراد.

(9). إشارة إلی تفصیل آخر، و هو: کون المشتق حقیقة فی الأعم ان لم یتصف الذات بعد انقضاء المبدأ عنها بضدّ ذلک المبدأ کعروض القیام لها بعد مضیِّ القعود عنها، و إلاّ فیکون حقیقة فی خصوص حال التلبس و مجازاً فیما بعد الانقضاء.

(10). أی: عن المنقضی عنه المبدأ.

(11). أی: بین تلبس المنقضی عنه المبدأ و بین عدم تلبسه به.

(12). تعلیل لقوله: «کما لا یتفاوت» و ردّ للتفصیل المزبور، و حاصله:

أنّ السلب صحیح فی کلا المقامین علی وزان واحد، لأنّ المدار فی صحته زوال المبدأ و انقضائه المتحقق فی صورتی طروِّ الضدّ الوجودیّ علی الذات و عدمه.

صحته (1) مع عدم التلبس أیضا و ان کان معه (2) أوضح. و مما ذکرنا (3) ظهر حال کثیر من التفاصیل، فلا نطیل بذکرها علی التفصیل.

حجة القول بعدم الاشتراط (4) وجوه:

الأوّل: التبادر (5)
•

(1). أی: صحة السلب مع عدم التلبس بالضد کصحته مع التلبس به.

(2). أی: مع التلبس بالضد أوضح، حیث إنّ عدم صحة سلبه الملازم لصحة حمل المشتق علی الذات المتلبسة بضد المبدأ الزائل عنها مستلزم لاجتماع الضدین، نظیر حمل القاعد و القائم علی الذات المنقضی عنها القیام و المتلبسة فعلاً بالقعود.

(3). أی: من صحة السلب فی المنقضی عنه المبدأ، و من اختلاف أنحاء قیام المبادئ بالمشتقات ظهر عدمُ صحة کثیر من التفاصیل، کالفرق بین المبدأ المتعدی و اللازم بکون المشتق حقیقة فی الأعم فی الأوّل و حقیقة فی الأخص فی الثانی، و کالفرق بین کون المبدأ سیّالاً و غیره بکونه حقیقة فی الأعم فی الأوّل و فی خصوص المتلبس فی الثانی، و کالفرق بین کون المشتق محکوماً علیه و بین کونه محکوماً به بأنّه حقیقة فی الأعمّ فی الأوّل و فی خصوص حال التلبس فی الثانی، و غیر ذلک من التفاصیل المذکورة فی الکتب المبسوطة، فإنّ صحة السلب و غیرها من الأدلة تنفی جمیع تلک التفاصیل.

(4). أی: عدم اشتراط خصوص حال التلبس و کون معنی المشتق عاماً للتلبس و الانقضاء.

(5). استدل القائلون بوضع المشتق للأعم بوجوه:

أوّلها: التبادر، بتقریب: أنّ المنسبق من المشتق هو المعنی العام الشامل للمتلبس بالمبدإ و المنقضی عنه.

و قد عرفت (1) أنّ المتبادر هو خصوص حال التلبس.

الثانی (2): عدم صحة السلب

فی مضروب و مقتول عمن انقضی عنه المبدأ.

و فیه (3): أنّ عدم صحته فی مثلهما (4) إنّما هو لأجل أنّه أُرید من المبدأ معنی یکون التلبس به باقیاً فی الحال (5) -


(1). هذا جواب الاستدلال بالتبادر، و حاصله: أنّه قد تقدم فی أدلة القائلین بوضع المشتق لخصوص المتلبس بالمبدإ: أنّ المنسبق منه خصوص المتلبس بالمبدإ دون الأعم.

(2). هذا ثانی الوجوه، و حاصله: عدم صحة سلب المقتول و المضروب بما لهما من المعنی المرتکز فی الذهن عمّن انقضی عنه المبدأ، فیصح أن یقال: «عمرو مضروب زید أو مقتوله» بدون رعایة علاقة، و عدم صحة السلب علامة الحقیقة.

(3). هذا ردّ الاستدلال بعدم صحة السلب، و محصله: أنّه یراد من القتل فی المقتول و من الضرب فی المضروب غیر معناهما الحقیقی الحدثی، فیراد من الأوّل:

زهوق الروح الّذی هو بمنزلة الملکة فی البقاء، و یراد بالضرب وقوعه علی شخص لا تأثیره حین صدوره، و هذان المعنیان و إن کانا مجازیین لکنّهما لا یوجبان المجاز فی الهیئة بل المجاز فی المادة، و من المعلوم: أنّ المبدأ بهذا المعنی باق، فعدم صحة سلبهما إنّما هو لأجل بقاء التلبس بهما فعلاً، فلا یلزم من إطلاقهما حینئذ مجاز فی هیئة المشتق أصلاً، لعدم کونهما من إطلاق المشتق علی ما انقضی عنه المبدأ.

(4). أی: مثل المضروب و المقتول.

(5). یعنی: فلا یکون من باب الإطلاق علی المنقضی عنه المبدأ أصلا، فعدم صحة السلب لا یدلّ علی الوضع للأعم من المتلبس و المنقضی کما هو المدعی، إذ المفروض أنّ الإطلاق یکون فی حال التلبس بالمبدإ لا فی حال انقضائه عنه.

و لو مجازاً (1)، و قد انقدح من بعض المقدمات (2): أنّه لا یتفاوت الحال

«-»

فیما هو المهم فی محل البحث و الکلام و مورد النقض و الإبرام (3) اختلاف ما یراد من المبدأ فی کونه (4) حقیقة أو مجازاً، و أمّا لو أُرید -


(1). بالتصرف فی المبدأ بجعله عبارة عن معنی یکون التلبس به باقیاً فی حال النطق، و هذا التصرف لا یستلزم التصرف فی معنی الهیئة الّذی هو محل البحث، قال فی البدائع: «و لک أنّ توجه عدم صحة السلب فی موارده بأنّ المراد بالمبدإ أمر باق و لو مجازاً کما فی الصناعات، فیخرج عن موارده حینئذ، لأنّ المنقضی إنّما هو المعنی الحدثی لا الملکة».

(2). و هی المقدمة الرابعة، حیث إنّه (قده) ذکر هناک أنّ تفاوت ما یراد بالمبادئ من حیث الفعلیة و الشأنیة لا یوجب تفاوتاً فی الجهة المبحوث عنها و هی وضع هیئة المشتق لخصوص المتلبس أو الأعم.

(3). قد ظهر من المباحث السابقة: أنّ مورد النقض و الإبرام هو وضع هیئة المشتق لخصوص المتلبس بالمبدإ أو الأعم من دون نظر إلی اختلاف المبادئ من حیث إرادة معانیها الحقیقیة أو المجازیة.

(4). متعلق بقوله: «اختلاف» یعنی: أنّ اختلاف المعنی الّذی یُراد من (-). لا یخفی أنّ العبارة لا تخلو عن حزازة، إذ لو کان الحال فاعلاً لقوله:

«یتفاوت» کما هو کذلک لخَلا قوله: «اختلاف» عن عامل، و لا بد حینئذ من إدخال الباء الجارة علیه لتکون العبارة هکذا «لا یتفاوت الحال فیما هو المهم باختلاف ما یراد من المبدأ... إلخ».

و بالجملة: فلا محیص عن أحد أمرین: إمّا سقوط الحال لیکون - اختلاف - فاعلا لقوله: «یتفاوت»، و إمّا دخول الباء علی - اختلاف -، فتأمّل فی العبارة.

منه (1) نفس ما وقع علی الذات ممّا صدر عن الفاعل فإنّما لا یصح السلب فیما لو کان بلحاظ حال التلبس و الوقوع کما عرفت، لا بلحاظ الحال (2) أیضا (3)، لوضوح (4) صحة أن یقال: إنّه لیس بمضروب الآن، بل کان الثالث (5) استدلال الإمام علیه السّلام (6) المبدأ من حیث کونه حقیقیاً أو مجازیاً لا یوجب تفاوتاً فی مورد البحث و هو وضع هیئة المشتق للخصوص أو العموم، و ذلک لعدم التلازم بین التصرف فی المادة و بین التصرف فی الهیئة کما لا یخفی.


(1). أی: من المبدأ فی مثل المضروب و المقتول، حاصله: أنّه إن أُرید من المبدأ فی مثل - المضروب و المقتول - نفس ما یصدر عن الفاعل و یقع علی المفعول به - لا الأثر الّذی یبقی کما مر فی الشق الأول - فعدم صحة السلب حینئذ ممنوع جداً، بداهة صحة قولنا: «عمرو لیس بمقتول زید فعلا» إلاّ إذا کان الحمل بلحاظ حال التلبس، فإنّ السلب حینئذ غیر صحیح، لکون جری المشتق بلحاظ حال التلبس حقیقة کما مر مراراً.

(2). أی: حال النطق الّذی هو حال الجری و الإطلاق.

(3). یعنی: عدم صحة السلب مختص بما إذا کان بلحاظ حال التلبس فقط بدون لحاظ حال النطق معها.

(4). تعلیل لانحصار عدم صحة السلب بحال التلبس، حیث إنّه یصح السلب بالنظر إلی حال الانقضاء، و یقال: «إنّه لیس بمضروب الآن» کما یصح أن یقال: «إنّ ضاربه لیس بضارب الآن».

(5). هذا ثالث الوجوه التی استدل بها القائلون بوضع المشتق للأعم.

(6). روی فی الکافی عن الصادق علیه السّلام أنّه قال: «من عبد صنماً أو وثناً

تأسیاً (1) بالنبی صلوات اللَّه علیه کما عن غیر واحد من الأخبار بقوله تعالی: -لا یکون إماماً».

و عن العیون عن مولانا الرضا علیه السّلام فی حدیث طویل «انّ الإمامة خصّ اللَّه عزّ و جل بها إبراهیم الخلیل بعد النبوة و الخلّة مرتبة ثالثة و فضیلة شرّفها بها، و أشار بها جلّ ذکره، فقال عز و جل: إنّی جاعلک للناس إماماً، فقال الخلیل سُروراً بها: و من ذریتی؟ قال اللَّه عز و جل: لا ینال عهدی الظالمین‏، فأبطلت هذه الآیة إمامة کل ظالم إلی یوم القیامة و صارت فی الصفوة».


(1). لم أظفر إلی الآن باستدلاله صلی اللَّه علیه و آله و سلم بالآیة الشریفة علی عدم لیاقة عابد الصنم للخلافة، و لا بدّ من التتبع، توضیح الاستدلال بالآیة الشریفة: أنّ الإمام علیه السّلام لَمّا کان فی مقام إبطال خلافة الثلاثة فذلک یتوقف علی أُمور:

الأوّل: کون الاستدلال مبنیاً علی اعتقادهم بمضی المبدأ و هو عبادة الصنم عنهم حین التصدی للإمامة، ضرورة أنّه مع اعتقادنا ببقاء المبدأ - أعنی الظلم فیهم حین تقمص الخلافة - لا یمکن إلزامهم بذلک.

الثانی: أن یکون إطلاق الظالم علی المنقضی عنه الظلم علی وجه الحقیقة، إذ لو کان علی وجه المجاز لقرینة لا یحصل الإلزام أیضا، لعدم صدق الظالم حینئذ حقیقة علیهم.

الثالث: کون الاستدلال مبنیاً علی الظهور، بأن یکون إرادة الظالم حقیقة مع انقضاء المبدأ عنهم من ظواهر القرآن لا بطونه، إذ لو کان من البطون لا یحصل إلزام الخصم أیضا، فإلزامه یتوقف علی أن یکون للآیة ظهور عرفی فی إطلاق المشتق علی المنقضی عنه المبدأ لئلا یکون له مجال للرّد، و اعترافه بذلک موقوف علی وضع المشتق للأعم.

لا ینال عهدی الظالمین‏ علی عدم لیاقة من عبد صنماً أو وثناً لمنصب الإمامة و الخلافة تعریضاً بمن تصدی لها ممن عبد الصنم مدة مدیدة (1)، و من الواضح توقف ذلک (2) علی کون المشتق موضوعاً للأعم، و إلاّ (3) لما صح التعریض، لانقضاء تلبسهم بالظلم و عبادتهم للصنم حین التصدی للخلافة. و الجواب منع التوقف علی ذلک (4) بل یتم الاستدلال و لو کان موضوعاً لخصوص المتلبس، و توضیح ذلک (5) یتوقف علی تمهید مقدمة، و هی: أنّ الأوصاف العنوانیة التی -


(1). بل تمام عمره.

(2). أی: الاستدلال المزبور.

(3). أی: و إن لم یکن موضوعاً للأعم بل کان موضوعاً للأخص لما صحّ التعریض بمن تصدی للخلافة الباطلة، لأنّ إطلاق الظالم علیه حینئذٍ یکون مجازاً، فلا یلزم به الخصم.

(4). أی: علی وضع المشتق للأعم، و حاصل ما أفاده المصنف (قده) فی الجواب: أنّ الاستدلال المذکور لا یتوقف علی وضع المشتق للأعم، بل یتم و لو علی القول بوضعه لخصوص المتلبس بالمبدإ، و توضیحه منوط بتقدیم مقدمة و هی:

أنّ الأوصاف - و منها المشتقات المأخوذة فی الخطابات - لا تخلو عن أحد وجوه ثلاثة:

الأوّل: أن تکون لمحض الإشارة إلی ما هو الموضوع من دون دخل لها فی موضوعیته أصلا، فالعنوان ملحوظ مشیراً إلی الموضوع و معرِّفاً له، فلحاظ المشار إلیه حینئذٍ استقلالی، و المشیر - و هو العنوان - آلی کقوله: «أکرم من فی الصحن» إذا کان المقصود ذواتهم لا عنوانهم و هو کونهم فی الصحن.

(5). أی: و توضیح تمامیة الاستدلال و لو علی القول بوضع المشتق لخصوص المتلبس بالمبدإ.

تؤخذ فی موضوعات الأحکام تکون علی أقسام:

أحدها (1): أن یکون أخذ العنوان لمجرّد الإشارة إلی ما هو فی الحقیقة موضوع للحکم، لمعهودیته (2) بهذا العنوان من دون دخل لاتصافه به (3) فی الحکم أصلا.

ثانیها (4): أن یکون لأجل الإشارة إلی علّیة المبدأ للحکم مع کفایة مجرد صحة جری المشتق علیه و لو فیما مضی.

ثالثها (5): أن یکون -


(1). هذا هو الوجه الأوّل و قد عرفت توضیحه.

(2). أی: لمعهودیة الموضوع بهذا العنوان، هذا وجه أخذ العنوان معرِّفاً للموضوع، و یمکن أن یکون له وجوه أُخری کخطور العنوان ببال الحاکم حین تشریع الحکم من بین العناوین المشیرة إلی الموضوع، أو لاختیاره لهذا العنوان اقتراحاً، أو لمرجِّح فی نظره أو فی نظر المحکوم کأخذ الکاتب معرِّفاً للموضوع فی قوله: - أکرم کل کاتب - مریداً به نفس الذوات المتصفة بالکتابة من دون دخل لها فی الموضوع.

(3). أی: من دون دخل لاتصاف الموضوع بالعنوان فی الحکم أصلا.

(4). هذا ثانی الوجوه الثلاثة، و حاصله: أنّ أخذ المشتق عنواناً للموضوع إنّما هو لأجل الإشارة إلی علّیة مبدئه للحکم بحیث یکون اتصاف الذات به... آناً ما... کافیاً فی تشریع الحکم من دون دورانه مدار المبدأ بقاءً، فصدق المشتق علی الذات کافٍ فی الحکم حدوثاً و بقاءً، نظیر موضوعیة السارق و الزانی و شارب الخمر و الجانی و نحو ذلک لوجوب الحد.

(5). هذا ثالث الوجوه، و حاصله: أنّ أخذ المشتق عنواناً للموضوع

لذلک (1) مع عدم الکفایة (2) بل کان الحکم دائراً مدار صحة الجری علیه (3) و اتصافه (4) به حدوثاً و بقاءً، إذا عرفت هذا فنقول: إنّ الاستدلال بهذا الوجه (5) إنّما یتم لو کان أخذ العنوان فی الآیة الشریفة علی النحو -إنّما هو لأجل الإشارة إلی علّیة مبدئه للحکم حدوثاً و بقاءً، نظیر العالم و العادل فی دوران الحکم من جواز التقلید و الاقتداء و غیرهما مدار وجود العلم و العدالة و عدم کفایة وجودهما - آناً ما - فی بقاء الحکم، بخلاف الوجه السابق، فإنّ مجرد وجود المبدأ کان کافیاً فی بقاء الحکم و استمراره.


(1). أی: لأجل الإشارة إلی علّیة المبدأ للحکم.

(2). أی: عدم کفایة مجرد صحة جری المشتق فیما مضی، و اعتبار بقاء المبدأ فی استمرار الحکم، فینتفی بانتفاء المبدأ الموجب لعدم صدق المشتق علی الذات.

(3). أی: صحة جری المشتق علی ما هو موضوع الحکم حقیقة.

(4). معطوف علی - الجری - یعنی: و صحة اتصاف الموضوع بالمبدإ بحیث یدور الحکم مدار اتصافه بالمبدإ، فلا ینتفی الحکم إلاّ بانتفاء الموضوع.

(5). أی: الوجه الثالث، و هو استدلال الإمام علیه السّلام بالآیة الشریفة.

و حاصل ما أفاده: أنّ الاستدلال بالآیة المبارکة علی وضع المشتق للأعم متجه بناءً علی أخذ العنوان بنحو یدور الحکم مداره وجوداً و عدماً بحیث یناط الحکم بصدق المشتق و عدمه، فلو فرض جری المشتق علی الذات مع انقضاء المبدأ عنها کان ذلک دلیلا علی الوضع للأعم، و یترتب علیه الحکم، لترتّبه علی صدق المشتق، لکن لم یثبت ذلک، لاحتمال کون المبدأ - و هو التلبس بالظلم آناً ما - علة لعدم النیل بالخلافة دائماً، فیکون الظلم علّة له حدوثاً و بقاءً، و مع هذا الاحتمال یسقط الاستدلال بالآیة الشریفة علی کون المشتق موضوعاً للأعم.

الأخیر (1)، ضرورة أنّه لو لم یکن المشتق للأعم لما تمّ (2) بعد عدم التلبس بالمبدإ ظاهراً حین التصدی، فلا بد أن یکون (3) للأعم لیکون حین التصدی حقیقة من الظالمین و لو انقضی عنهم التلبس بالظلم. و أمّا إذا کان (4) علی النحو الثانی (5) فلا (6) کما لا یخفی، و لا قرینة علی --و بالجملة: ففی الآیة المبارکة احتمالان:

أحدهما: أن یراد بالظالمین مجرد التلبس بالظلم، و عدم اعتبار بقائه فی استمرار الحکم.

و الآخر: أن یراد به من یصدق علیه الظالم حقیقة، و علی کلا الاحتمالین یثبت عدم لیاقة المتلبس بالظلم حتی بعد انقضائه عنه لمنصب الخلافة، و الاحتمال الأول یبطل الاستدلال بالآیة علی الوضع للأعم، لکونه مصادماً له فی الظهور.


(1). و هو دوران الحکم حدوثاً و بقاءً مدار صدق المشتق و عدمه.

(2). یعنی: لما تمّ الاستدلال بهذا الوجه الثالث علی وضع المشتق للأعم.

(3). أی: المشتق للأعم لیصدق علیه الظالم حقیقة.

(4). أی: أخذ العنوان فی الآیة المبارکة.

(5). و هو کون المبدأ بوجوده - آناً ما - علة لتشریع الحکم مستمراً.

(6). یعنی: فلا یتم الاستدلال بالآیة الشریفة علی وضع المشتق للأعم، لعدم توقف استدلال الإمام علیه السّلام بها علی عدم لیاقة هؤلاء للخلافة علی وضعه للأعم، إذ المفروض کون المبدأ - و هو الظلم - بمجرد حدوثه - آناً ما - علّة لعدم لیاقتهم لهذا المنصب الشامخ إلی الأبد، و من المعلوم: تسلیم الخصم تلبُّسهم بالظلم قبل الإسلام.

و الحاصل: أنّ الاستدلال بالآیة المبارکة علی عدم صلاحیتهم للخلافة

أنّه (1) علی النحو الأوّل (2) لو لم نقل بنهوضها (3) علی النحو الثانی (4)، فإنّ (5) الآیة الشریفة فی مقام بیان جلالة قدر الإمامة و الخلافة و عظم خطرها و رفعة محلّها، و أنّ لها خصوصیة من بین المناصب الإلهیة، و من المعلوم أنّ المناسب‏ -لا یتوقف علی وضع المشتق للأعم، بل یتم ذلک و لو علی القول بوضعه لخصوص المتلبس بالمبدإ.


(1). یعنی: و لا قرینة علی أخذ العنوان بإحدی الکیفیتین، فمع احتمال العنوان لکل واحدة منهما لا مجال للاستدلال المذکور علی وضع المشتق للأعم لأجل الإجمال.

(2). و هو الّذی أشار إلیه بقوله: «علی النحو الأخیر» و هو ثالث الأقسام التی ذکرها فی المقدمة.

(3). أی: نهوض القرینة و هی مناسبة الحکم و الموضوع التی هی من القرائن المعتبرة.

(4). و هو کون وجود المبدأ - آناً ما - علّة محدثة و مبقیة.

(5). هذا تقریب نهوض القرینة علی النحو الثانی، و حاصله: أنّ الآیة الشریفة فی مقام بیان جلالة منصب الإمامة و عظم شأنها، و أنّها من أعظم المناصب الشامخة الإلهیة التی لا یلیق بها کل أحد، فلا بد أن یکون المتقمص بها منزّها فی تمام عمره عن کل رذیلة فضلاً عن الکفر الّذی هو لصاحبه أعظم بلیّة، فمن اتصف فی آنٍ من آنات عمره برذیلة من الرذائل لا یلیق بأن تناله الخلافة، فهذه قرینة علی کون عنوان الظالمین فی الآیة المبارکة مأخوذاً علی النحو الثانی، و هو کفایة وجود المبدأ - آناً ما - فی عدم اللیاقة لمنصب الخلافة إلی الأبد، فلا یتم استدلال القائلین بالأعم بالآیة الشریفة.

لذلک (1) هو: أن لا یکون المتقمِّص بها (2) متلبّساً بالظلم أصلا (3) کما لا یخفی.

إن قلت (4): نعم و لکن الظاهر أنّ الإمام علیه السّلام إنما استدلّ بما هو قضیة ظاهر العنوان وضعاً لا بقرینة المقام مجازا، فلا بد أن یکون للأعم و إلاّ لما تم (5). قلت (6): -


(1). أی: لعظم هذا المنصب و جلالته.

(2). أی: بالإمامة.

(3). فی شی‏ءٍ من أزمنة عمره، یعنی: لا بدّ أن یکون طاهراً عن لوث المعصیة فی جمیع آنات عمره.

(4). غرضه: أنّ القرینة المقامیة المزبورة و إن اقتضت علّیة المبدأ حدوثاً و بقاءً و کون إطلاق الظالم علی المنقضی عنه المبدأ مجازاً، لکن الظاهر أنّ الاستدلال علی عدم لیاقة المتلبس بالظلم - آناً ما - للإمامة و لو بعد انقضاء الظلم عنه إنّما یکون بما یقتضیه الوضع، لا بقرینة المجاز، إذ الأصل عدم العدول عن الحقیقة إلی المجاز، فعلیه یکون الظاهر وضع المشتق للأعم لئلا یلزم مجازیة إطلاقه علی المنقضی عنه المبدأ.

(5). یعنی: و إن لم یکن المشتق للأعم لما تمّ الاستدلال، لکون خصوص المتلبس خلاف الظهور الوضعی الّذی هو مبنی الاستدلال.

(6). هذا دفع الإشکال، و یستفاد من کلامه وجهان فی الجواب عنه:

الأوّل: أنّه یمکن منع ابتناء استدلال الإمام علیه الصلاة و السّلام علی الظهور الوضعی، لکفایة الظهور العرفی المعتد به عند العقلاء و لو کان بمعونة القرینة کما فی المقام، لأنّ الآیة بعد کونها مسوقة لبیان عُلوّ منصب الإمامة ظاهرة فی علّیة الظلم و لو بعد انقضائه لعدم نیل من تلبس به للإمامة أبداً، و یصح الاستدلال

لو سُلِّم (1) لم یکن (2) یستلزم جری المشتق علی النحو الثانی (3) کونه مجازاً، بل یکون حقیقة لو کان بلحاظ حال التلبس کما عرفت، فیکون معنی الآیة و اللَّه العالم «من کان ظالماً و لو آناً فی الزمان السابق لا ینال عهدی أبداً» و من الواضح: أنّ إرادة هذا المعنی لا تستلزم الاستعمال لا بلحاظ حال التلبس (4). ---بهذا الظهور العرفی، و إن کان مجازاً، فلا یتوقف الاستدلال بالآیة علی وضع المشتق للأعم.

الثانی: أنّه بعد تسلیم کون الاستدلال مبنیاً علی الظهور الوضعی نقول:

إنّ جری المشتق علی النحو الثانی - و هو علیة المبدأ للحکم مستمراً و إن انقضی عن الذات - لا یستلزم مجازاً أصلا، لما مرّ غیر مرة من کون جریه علی نحو الحقیقة ان کان بلحاظ حال التلبس و مجازاً إن لم یکن بلحاظه، فلا یتوقف الاستدلال علی وضع المشتق للأعم، و لا علی ارتکاب مجاز بناءً علی الوضع لخصوص المتلبس بالمبدإ، فمعنی الآیة علی هذا الوجه هو: عدم لیاقة المتلبس بالظلم و لو فی آنٍ لمنصب الإمامة إلی الأبد من دون توقفه علی وضع المشتق للأعم حتی یلزم من عدم البناء علیه مجاز، و یرد علیه: أنّه خلاف ظاهر الاستدلال، لکون ظاهره بناء علی الظهور الوضعی حتی نلتجئ إلی وضعه للأعم.


(1). إشارة إلی الوجه الأوّل، و قد عرفت تقریبه.

(2). إشارة إلی الوجه الثانی، و قد عرفته أیضا.

(3). و هو کون وجود المبدأ - آناً ما - علّة لتشریع الحکم علی وجه الاستمرار.

(4). یعنی: أنّ إرادة علّیة المبدأ للحکم حدوثاً و بقاءً لا تستلزم الاستعمال فی المنقضی عنه المبدأ حتی نلتزم بکون المشتق حقیقة فی الأعم و یثبت مدعی الخصم، بل یصح الاستعمال بلحاظ حال التلبس، فلا یلزم مجاز و لا وضع للأعم.

و منه (1) قد انقدح ما فی الاستدلال علی التفصیل بین المحکوم علیه و المحکوم به باختیار عدم الاشتراط فی الأوّل (2) ب‏آیة حد السارق و السارقة و الزانی و الزانیة، و ذلک (3) حیث ظهر أنّه (4) لا یُنافی إرادة (5) خصوص حال التلبس دلالتها (6) علی ثبوت القطع و الجلد مطلقاً و لو بعد (7) انقضاء -


(1). أی: و من ردِّ الوجه الثالث - بأنّ الجری بلحاظ حال التلبس یکون حقیقة فلا یلزم مجاز أصلاً - ظهر ما فی الاستدلال بمثل قوله تعالی: السارق و السارقة و الزانی و الزانیة علی وضع المشتق للأعم إذا وقع محکوماً علیه و للأخص إذا وقع محکوماً به من الإشکال الّذی حاصله: أنّ الجری فی حال الانقضاء بلحاظ حال التلبس یکون حقیقة، فلا یلزم مجاز أصلا.

(2). و هو المحکوم علیه.

(3). تعلیل لقوله: «انقدح».

(4). الضمیر للشأن.

(5). فاعل - ینافی - و حاصله: أنّه قد ظهر مما تقدم عدمُ منافاة إرادة خصوص حال التلبس من المشتق دلالة الآیة الشریفة علی ثبوت القطع و الجلد و لو بعد الانقضاء، بل لا بد من انقضاء المبدأ، ضرورة أنّ إجراء الحدّ علیهما منوط بثبوت السرقة و الزنا عند الحاکم، و ثبوتهما عنده یکون بعد الانقضاء. وجه عدم المنافاة: أنّ استعمال المشتق بلحاظ حال التلبس فی موارد الانقضاء مما لا شبهة فی جوازه، و معه کیف یکون المشتق موضوعاً للأعم؟.

(6). أی: دلالة الآیة.

(7). بیان للإطلاق فی قوله: «مطلقاً» و قد عرفت أنّه لا محیص عن انقضاء المبدأ فیهما.

المبدأ

«-»

.مضافاً (1) إلی وضوح بطلان تعدُّد الوضع حسب وقوعه (2) محکوماً علیه أو به کما لا یخفی. و من مطاوی ما ذکرنا هاهنا (3) و فی -


(1). هذا جواب آخر عن الاستدلال ب‏آیتی السرقة و الزنإ؛ للَّه‏للَّه؛ علی وضع المشتق للأعم إذا کان محکوماً علیه و للأخص إذا کان محکوماً به، و محصل هذا الجواب: أنّا نقطع بعدم تعدُّد الوضع للمشتق بهذین الاعتبارین، و أنّه بما له من المعنی یقع محکوماً علیه و محکوماً به، هذا

«--»

.

(2). أی: وقوع المشتق.

(3). من التفصیل بین المحکوم علیه و المحکوم به. (-). لا یخفی أنّه یمکن أن یجاب عن الاستدلال بالآیات المتقدمة بأنّ غایة ما یستفاد منها هی کون المراد بها - بقرینة مواردها - خصوص حال الانقضاء، فهو المراد منها قطعاً، و الشک إنّما هو فی کیفیة الإرادة، و أنّها هل هی علی نحو الحقیقة أم المجاز؟ و إثبات کونها علی نحو الحقیقة منوط بجعل الأصل فی الاستعمال الحقیقة، و قد مر مراراً أنّه أعم منها. و دعوی: أنّ الظاهر ابتناء الاستدلال بالآیات علی الظهور الوضعی خالیة عن البینة، إذ المسلّم ابتناؤه علی الظهور العرفی و ان کان ناشئاً من قرینة المورد، فتدبّر.

(--). مضافاً إلی: أنّه یلزم خلوُّ هیئة المشتق عن الوضع إذا وقع فضلة و لم یقع رکناً فی الکلام من کونه محکوماً علیه أو به، إذ مقتضی ظاهر استدلالهم هو انحصار وضعه فی کونه محکوماً علیه أو به. و إلی: أنّه خارج عن موضوع البحث الّذی هو وضع هیئة المشتق، لا وضعه بحسب الهیئة الترکیبیة الکلامیة، فلاحظ.

المقدمات (1) ظهر حال سائر الأقوال (2) و ما ذکر لها من الاستدلال، و لا یسع المجال لتفصیلها، و من أراد الاطلاع علیها فعلیه بالمطولات.

بقی أُمور:

الأوّل (3)
اشارة

: أنّ مفهوم المشتق علی ما حقّقه المحقق الشریف فی بعض حواشیه (4) بسیط منتزع عن الذات باعتبار تلبسها بالمبدإ، و اتصافها به غیر مرکب -


(1). التی عمدتها المقدمة الرابعة المتکفلة لاختلاف مبادئ المشتقات الّذی نشأ منه بعض الأقوال و التفاصیل کما مرّ.

(2). الناشئة إمّا من اختلاف المبادئ من الفعلیة و غیرها، و إمّا من الأوصاف الطارئة علی المشتق مثل کونه محکوماً علیه و به، و قد مرّ عدم تأثیرها فی وضع هیئة المشتق.

(3). الغرض من عقد هذا الأمر التنبیه علی بساطة مفهوم المشتق و ترکبه.

(4). و هی حاشیته علی شرح المطالع، و قد ذکر ذلک بعد تعریف الماتن للنظر بکونه ترتیب أُمور، و بعد قول الشارح: «إنّما قال أُمور، لأنّ الترتیب لا یتصور فی الأمر الواحد... إلی أن قال: و الإشکال الّذی استصعبه قوم من أنّه لا یشمل التعریف بالفصل وحده أو بالخاصة وحدها فلیس فی تلک الصعوبة فی شی‏ء، لأنّ التعریف بالمفردات إنّما یکون بالمشتقات، و المشتق و ان کان فی اللفظ مفرداً، إلاّ أنّ معناه شی‏ء له النطق فیکون من حیث المعنی مرکباً».

و أورد الشریف فی حاشیته علیه بما ملخصه: أنّ الشی‏ء الّذی هو جزء مفهوم المشتق إن أُرید به مفهومه لزم منه دخول العرض العام فی الفصل، لأنّ مفهوم «الشی‏ء» من الأعراض العامة، لصدقه علی الأُمور المتباینة من جمیع الجهات، و علیه، فمعنی الناطق الّذی هو فصل الإنسان... شی‏ء له النطق... و إن أُرید به مصداقه لزم انقلاب القضیة الممکنة ضروریة، لاستلزامه حمل الشی‏ء علی نفسه

و قد أفاد فی وجه ذلک (1) أنّ مفهوم الشی‏ء لا یعتبر فی مفهوم الناطق (2) مثلا، و إلاّ (3) لکان العرض العام داخلا فی الفصل (4)، و لو اعتبر فیه (5) ما صدق علیه الشی‏ء انقلبت مادة الإمکان الخاصّ ضرورة، فإنّ (6) الشی‏ء الّذی له الضحک هو الإنسان، و ثبوت الشی‏ء لنفسه ضروری، هذا ملخص ما أفاده الشریف علی ما لخصه بعض الأعاظم (7). و قد أورد علیه فی الفصول «بأنّه یمکن أن یختار الشق و هو ضروری، توضیحه: أنّ قولنا: «الإنسان کاتب» قضیة ممکنة بالإمکان الخاصّ، و المصداق الّذی له الکتابة هو عین الإنسان، فبالتحلیل یرجع إلی قولنا:

«الإنسان إنسان له الکتابة» و من المعلوم: أنّ حمل الشی‏ء علی نفسه ضروری، فانقلب الإمکان إلی الضرورة، فلا بد من الالتزام ببساطة المشتق لئلا یلزم شی‏ء من هذین المحذورین، هذا محصل إشکال الشریف علی ترکُّب المشتق.


(1). أی: وجه البساطة.

(2). و هو المشتق المفروض فصلا.

(3). یعنی: و إن کان مفهوم الشی‏ء معتبراً فی مفهوم الناطق لَکان العرض العام داخلاً فی الفصل کما مر تقریبه، و هذا هو المحذور الأوّل من محذوری ترکُّب المشتق.

(4). یعنی: فیلزم تقوُّم الذاتی بالعرض، و هو محال، لأنّ الفصل مقوم للنوع، و العرض خارج عنه غیر مقوِّم له، فیلزم کون الفصل مقوِّماً للنوع و غیر مقوِّم له.

(5). أی: فی مفهوم المشتق کالناطق مصداق الشی‏ء، و هذا هو المحذور الثانی المتقدم تقریبه.

(6). هذا تقریب الانقلاب الّذی لازمه انتفاء القضایا الممکنة، و بطلانه ضروری.

(7). و هو صاحب الفصول (قده).

الأوّل (1)، و یدفع الإشکال بأنّ (2) کون الناطق مثلا فصلا مبنی علی عرف المنطقیین، حیث اعتبروه مجرّداً عن مفهوم الذات، و ذلک (3) لا یوجب وضعه لغة کذلک (4». و فیه (5): أنّه من المقطوع أنّ مثل الناطق قد اعتبر فصلا بلا تصرف فی معناه (6) أصلا، بل بما له من المعنی کما لا یخفی. و التحقیق (7) -


(1). و هو أخذ مفهوم الشی‏ء فی مفهوم المشتق.

(2). توضیحه: أنّ نزاع ترکُّب المشتق و بساطته إنّما هو فی المعنی الّذی وضع له اللفظ لغة لا معناه عند غیر أهل اللغة، و علی هذا فیمکن أن یکون - الناطق - مثلا الّذی جعل فصلا عند المنطقیین مجرّداً عن مفهوم الشی‏ء، و ترکُّب معنی المشتق لغة لا یستلزم ترکُّبه عند المیزانیین حتی یلزم محذور دخول العرض العام فی الفصل کما ذکره الشریف، فالاستدلال المزبور علی بساطة المشتق غیر وجیه، لعدم استلزام بساطة معناه المنطقی لبساطة معناه اللغوی.

(3). یعنی: و تجرُّده عن مفهوم الذات عند المنطقیین لا یوجب وضعه للمعنی المجرد عن الذات عند اللغویین، لعدم ما یوجب الملازمة بینهما.

(4). أی: مجرّداً عن مفهوم الذات.

(5). هذا جواب إیراد الفصول، و حاصله: أنّا نقطع بأنّ - الناطق - بما له من المعنی اللغوی جُعل عند أهل المیزان فصلاً من دون تصرف منهم فی معناه حتی یکون معناه المنطقی مغایراً لمعناه اللغوی إمّا بتعدد الوضع، و إمّا بالحقیقة و المجاز.

و بالجملة: فإیراد الفصول علی استدلال الشریف غیر وارد.

(6). أی: معناه اللغوی.

(7). هذا إیراد المصنف علی الشریف بوجه آخر غیر ما أورده الفصول علیه و حاصله: أنّه علی تقدیر اختیار الشق الأوّل - و هو أخذ مفهوم الشی‏ء فی معنی

أن یقال: إنّ مثل الناطق لیس بفصل حقیقی (1)، بل لازم ما هو الفصل و أظهر خواصّه، و إنّما یکون فصلا مشهوریاً منطقیاً یوضع مکانه (2) إذا لم یعلم ---المشتق لا یلزم دخول العرض العام فی الفصل و تقوّم الذاتی بالعرض، بل یلزم دخول العرض العام فی الخاصة، و هذا لا محذور فیه.

توضیح کلام المصنف (قده): أنّ الفصل إمّا حقیقی و إمّا مشهوری منطقی، و الأوّل ما یکون ذاتیاً للشی‏ء، و مبدأ لصورته النوعیة التی بها شیئیته.

و الثانی ما لا یکون ذاتیاً للشی‏ء، بل من أظهر خواصه و لوازمه الحاکیة عنه، و إشکال دخول العرض فی الفصل مبنی علی کون - الناطق - مثلاً فصلاً حقیقیاً لیکون معناه شیئاً له النطق، و لیس الأمر کذلک، ضرورة أنّ النطق - سواء کان بمعنی الإدراک أم بمعنی التکلم - لا یکون من الذاتیات المقوِّمة للماهیة، بل من الأعراض العارضة للأشیاء بعد تمامیة ذاتیاتها، فإنّ النطق بمعنی الإدراک من مقولة الکیف النفسانیّ أو الإضافة أو الانفعال علی الخلاف فی ماهیة العلم، و بمعنی التکلم من مقولة الکیف المسموع، و علی التقدیرین یکون النطق عرضاً، فیستحیل أن یکون مقوِّماً للذاتی و هو الفصل.

فالمتحصل: أنّ الناطق لیس فصلا حقیقیاً حتی یلزم تقوُّم الذاتی بالعرض، بل هو فصل منطقی مشهوری، و لا یلزم من أخذ مفهوم الشی‏ء فی معنی المشتق إلاّ دخول العرض العام فی الخاصة، لا بمعنی دخوله فی حقیقة الخاصة، ضرورة مباینته للخاصة کمباینته للفصل، بل بمعنی دلالة هیئة المشتق علی العرض العام المقرون بالخاصة، کدلالة الماشی المستقیم القامة علی المشی المقرون باستقامة القامة.


(1). لأنّه من الأعراض علی کل حال کما عرفت.

(2). یعنی: یوضع الناطق الّذی هو فصل منطقی مکان الفصل الحقیقی.

نفسه (1)، بل لا یکاد یعلم (2) - کما حُقِّق فی محله -، و لذا (3) ربما یجعل لا زمان مکانه إذا کانا متساویی النسبة إلیه کالحساس و المتحرک بالإرادة فی الحیوان، و علیه (4) فلا بأس بأخذ مفهوم الشی‏ء فی مثل الناطق، فإنّه (5) و ان کان عرضاً عاماً لا فصلا مقوِّماً للإنسان إلاّ أنّه بعد تقییده بالنطق و اتصافه به کان من أظهر -


(1). أی: نفس الفصل الحقیقی.

(2). یعنی: بل لا یکاد یعلم نفس الفصل الحقیقی: إمّا لما ذکره المحقق الشریف فی کتاب الکبری من أنّ معرفة حقائق الأشیاء من الأجناس و الفصول فی غایة الإشکال، و فی حاشیته علی شرح الشمسیة من أنّ «الحقائق الموجودة یتعسر الاطلاع علی ذاتیاتها و التمییز بینها و بین عرضیاتها تعسراً تاماً و أصلا إلی حد التعذر» انتهی، و إمّا لما عن صدر المتألهین من أن «الفصول الحقیقیة أنحاء الوجودات و الوجود غیر معلوم بالکنه لغیر علاّم الغیوب نعم هو معلوم بالعناوین» انتهی.

(3). غرضه: إقامة الشاهد علی عدم فصلیة ما ادّعی کونه فصلا، یعنی:

و لأجل عدم کون مثل الناطق فصلا حقیقیاً یُجعل لا زمان مکان الفصل الحقیقی کالحساس و المتحرک بالإرادة فی تعریف الحیوان، تقریب الشهادة هو: أنّ المقرّر عدم تفصل ماهیة واحدة بفصلین قریبین فی رتبة واحدة، و علیه فلا یکون الحساس و المتحرک بالإرادة من الفصل الحقیقی للحیوان، بل من لوازمه.

(4). یعنی: و علی ما ذُکر من عدم کون مثل الناطق فصلا حقیقیاً.

(5). یعنی: فإنّ مفهوم الشی‏ء و إن کان عرضاً عاماً لجمیع الأشیاء الخارجیة و المعقولات الثانیة، إلاّ أنّه بعد تقییده بالنطق صار من أظهر خواص الإنسان، لاختصاص الشی‏ء الّذی له النطق بالإنسان.

خواصه (1). و بالجملة: لا یلزم من أخذ مفهوم الشی‏ء فی معنی المشتق إلاّ دخول العرض فی الخاصة التی هی من العرضی، لا فی الفصل الحقیقی (2) الّذی هو من الذاتی، فتدبّر جیّداً. ثم قال (3): (إنّه یمکن أن یختار الوجه الثانی (4) أیضا (5)، و یجاب (6) بأنّ المحمول لیس مصداق الشی‏ء و الذات مطلقاً (7) بل مقیّدا بالوصف (8) و لیس -


(1). أی: خواص الإنسان.

(2). یعنی: کما هو مفروض کلام المحقق الشریف.

(3). یعنی: صاحب الفصول (قده).

(4). و هو أخذ مصداق الشی‏ء فی مفهوم المشتق.

(5). یعنی: کإمکان أخذ الشق الأوّل - و هو مفهوم الشی‏ء - فی معنی المشتق.

(6). یعنی: و یُجاب عن إشکال انقلاب مادة الإمکان إلی الضرورة بما محصله:

أنّه یمکن اختیار دخل مصداق الشی‏ء فی مفهوم المشتق مع عدم لزوم محذور الانقلاب بتقریب: أنّ المحمول فی مثل قولنا: «الإنسان کاتب» لیس مصداق الکاتب - و هو الإنسان مطلقاً - لتنحل القضیة إلی قولنا: «الإنسان إنسان» فتکون ضروریة، بل المحمول هو الإنسان المقیّد بالکتابة، فکأنه قیل: «الإنسان إنسان له الکتابة» و مع إمکان القید و عدم ضروریته کیف یصیر المقیّد به ضروری الثبوت للموضوع؟ و حینئذٍ فلا تنقلب القضیة الممکنة الخاصة إلی الضروریة.

فتلخص: أنّه لا یلزم من أخذ مفهوم الشی‏ء و لا مصداقه فی مفهوم المشتق محذور أصلا.

(7). یعنی: بلا قید حتی یلزم الانقلاب المزبور.

(8). کالکتابة فی مثال - الإنسان کاتب -.

ثبوته (1) للموضوع حینئذٍ (2) بالضرورة، لجواز (3) أن لإ؛ للَّه‏للَّه؛ یکون ثبوت القید ضروریاً» انتهی. و یمکن أن یقال (4): إنّ عدم کون ثبوت القید -


(1). أی: ثبوت المصداق مقیّداً بالوصف.

(2). أی: حین تقیُّده بالوصف، کتقیُّد الإنسان بالکتابة فی المثال المزبور.

(3). تعلیل لنفی ضروریة ثبوت المحمول المقید بالوصف للموضوع، فمادة الإمکان باقیة علی حالها و لم تنقلب إلی الضرورة.

(4). هذا شروع فی ردِّ کلام الفصول، و حاصل الرد هو: أنّ تقیُّد المحمول بقید غیر ضروری - کالکتابة - لا یمنع عن انقلاب مادة الإمکان إلی الضرورة، و ذلک لأنّ المحمول - کالکاتب فی المثال - إمّا هو ذات المقید بأن یکون القید خارجاً عن حیِّزه و التقیید داخلا فیه، و إمّا هو مجموع القید و المقید.

فعلی الأوّل یلزم الانقلاب قطعاً، إذ المفروض أنّ المحمول هو ذات المقید کالإنسان الّذی هو جزء معنی الکاتب، و من المعلوم: أنّ ثبوته للإنسان ضروری، و تقیّده بالکتابة و نحوها من الأوصاف الممکنة لا یمنع عن الانقلاب المزبور، لأنّ التقید لوحظ معنی حرفیاً قائماً بذات المقید و تابعاً له، و لم یلحظ مستقلا فی قبال ذات المقید، کما هو الحال فی لحاظ الظرفیة القائمة بالدار المستفادة من کلمة - فی - فی قولنا: «زید فی الدار» فلا یصلح للحمل الّذی لا بد فیه من اللحاظ الاستقلالی.

و علی الثانی یلزم الانقلاب أیضا، غایة الأمر أنّ المنقلب - بالکسر - إلی الضروریة حینئذٍ جزء القضیة، کما أنّ المنقلب إلیها فی صورة کون المحمول ذات المقیّد تمام القضیة.

توضیحه: أنّ المحمول المرکّب یحمل کل جزء منه علی الموضوع، و لذا

ضروریاً لا یضرّ بدعوی الانقلاب، فإنّ المحمول إن کان ذات المقید و کان القید خارجاً و إنّ کان التقید داخلا بما هو معنی حرفی، فالقضیة لا محالة تکون ضروریة ضرورة ضروریة ثبوت الإنسان الّذی یکون مقیداً بالنطق للإنسان، و إن کان (1) المقید بما هو مقید علی أن یکون القید داخلا، فقضیة الإنسان ناطق تنحل فی الحقیقة إلی قضیتین (2): ---تنحل قضیة واحدة صورة إلی قضایا متعددة بتعدد محمولها مثلا - زید عالم عادل شاعر - ینحل إلی قضایا ثلاث و هی - زید عالم و زید عادل و زید شاعر - فمثل زید کاتب ینحل إلی زید زید، لأنّ المفروض أنّ - کاتب - ینحل إلی زید له الکتابة، فزید المطوی فی الکاتب یحمل علی زید الموضوع، و من المعلوم: أنّ هذه القضیة ضروریة، کما أنّ الجزء الآخر من المحمول المرکب و هو - له الکتابة - یحمل أیضا علی زید الموضوع، و یقال: - زید له الکتابة - و هی قضیة ممکنة إمّا تامة خبریة أیضا، و إمّا ناقصة تقییدیة، و ذلک لعدم الفرق بین الأوصاف و الأخبار إلاّ بما قبل العلم و ما بعده، فالحاکی للنسبة قبل العلم بها خبر و بعده وصف، و لذا اشتهر: أنّ الأوصاف قبل العلم بها أخبار، کما أنّ الأخبار بعد العلم بها أوصاف.

فالمتحصل: أنّ انقلاب القضیة الممکنة إلی الضروریة ثابت علی کل حال سواء کان المحمول ذات المقید أم المجموع من القید و المقید، فمجرّد عدم ضروریة القید لا یقدح فی دعوی الانقلاب.


(1). هذا إشارة إلی النحو الثانی الّذی أوضحناه بقولنا: «و علی الثانی یلزم الانقلاب أیضا» یعنی: و إن کان المحمول المقید بما هو مقید.

(2). لما عرفت من أنّ تعدد المحمول یوجب تعدد القضیة، و بعد جعل المحمول مجموع القید و المقید یتعدد المحمول، لصیرورة القید محمولا کذات المقید، فالکاتب

إحداهما: قضیة - الإنسان إنسان - و هی ضروریة، و الأُخری: قضیة - الإنسان له النطق - و هی ممکنة، و ذلک (1) لأنّ الأوصاف قبل العلم بها أخبار، کما أنّ الأخبار بعد العلم بها تکون أوصافاً، فعقد الحمل (2) ینحل إلی القضیة، کما أنّ عقد الوضع (3) ینحل إلی قضیة مطلقة عامة (4) عند الشیخ، و قضیة ممکنة عامة (5) عند الفارابی، فتأمل (6). -الّذی جعل محمولاً ینحل إلی - إنسان له النطق - فیحمل کل من - إنسان - و - له النطق - علی الموضوع - و هو الإنسان -، فیقال: «الإنسان إنسان» و «الإنسان له النطق» و القضیة الأُولی ضروریة کما هو غیر خفی، و الثانیة ممکنة، لکون النتیجة تابعة لأخس المقدمتین.


(1). تعلیل لانحلال القضیة إلی القضیة الثانیة و هی - الإنسان له النطق - و قد عرفت وجه الانحلال، و هو کون القید - کذات المقید - محمولاً علی الموضوع، فیکون - الإنسان له النطق - قضیة تامة خبریة، و إنّما تصیر ناقصة تقییدیة بعد العلم بالقید.

(2). تفریع علی حمل القید علی الموضوع مثل - له الکتابة - علی زید فی مثل زید کاتب، و المراد بعقد الحمل اتصاف ذات الموضوع بوصف المحمول.

(3). و هو اتصاف ذات الموضوع بوصفه، کاتصاف زید مثلا بکونه کاتباً باعتبار أنّه مصداق لقولنا: «کل کاتب متحرک الأصابع».

(4). کزید الکاتب بالفعل متحرک الأصابع.

(5). کزید الکاتب بالإمکان العام متحرک الأصابع.

(6). لعله إشارة إلی متانة کلام الفصول من أنّ عدم ضروریة القید مانع عن انقلاب الممکنة إلی الضروریة، و ضعف ما أفاده المصنف فی ردّه من صحة دعوی الانقلاب، تقریب ذلک: أنّ دعوی الانحلال إلی قضیة ضروریة و هی

لکنه (1) (قدس سره) تنظّر فیما أفاده بقوله: «و فیه نظر، لأنّ الذات المأخوذة مقیدة بالوصف قوة أو فعلا (2) ان کانت قولنا: «الإنسان إنسان» مدفوعة، ضرورة أنّ المحمول هو الإنسان المقید بالکتابة لا الإنسان المطلق، و من المعلوم: أنّ مقتضی تبعیة النتیجة لأخس المقدمتین هو کون القضیة ممکنة، لعدم ضروریة القید کالکتابة، و هذا موجب لصیرورة القضیة ممکنة، کما أنّ انحلال عقد الوضع إلی قضیة مطلقة عامة أو ممکنة عامة أجنبی عن المقام، و لا ینبغی تنظیره به، لأنّ الانحلال هناک إنّما یکون إلی مرکّب ناقص تقییدی، و هنا علی تقدیره إنّما یکون إلی مرکب تام خبری کما هو واضح، فدعوی الفصول لعدم الانقلاب نظراً إلی إمکان القید فی محلها.


(1). أی: صاحب الفصول (قده)، حاصله: أنّه (ره) تنظّر فیما أفاده من کون تقید المحمول بقید إمکانی مانعاً عن انقلاب القضیة الممکنة إلی الضروریة، توضیح نظره هو: أنّ الذات المأخوذة فی مفهوم المشتق کالإنسان له الکتابة المأخوذ فی معنی الکاتب فی مثل قولنا: «الإنسان کاتب» ان کانت واجدة للقید فی نفس الأمر کما إذا فرض کون الإنسان المنطوی فی مفهوم الکاتب واجداً للکتابة واقعاً، فلا محالة یصدق الإیجاب بالضرورة، لأنّ مرجع قولنا: «الإنسان کاتب» إلی قولنا: «الإنسان له الکتابة کاتب» و ان کانت فاقدة له فی نفس الأمر یصدق السلب بالضرورة، فتنقلب مادة الإمکان علی کل حال إلی الضرورة إیجابیة أو سلبیة.

و بالجملة: فدعوی الانقلاب إلی الضرورة - کما أفاده المحقق الشریف - فی محلّها، و لا یمنعها کون القید ممکناً.

(2). قیدان للوصف، و الأوّل کالکتابة بالقوة، و الثانی کالکتابة بالفعل.

مقیدة (1) به (2) واقعاً صدق الإیجاب بالضرورة، و إلاّ صدق السلب بالضرورة مثلا لا یصدق - زید کاتب بالضرورة - لکن یصدق - زید الکاتب بالقوة - أو بالفعل کاتب بالضرورة» - انتهی -، و لا یذهب علیک (3): أنّ صدق الإیجاب بالضرورة بشرط کونه (4) مقیداً به واقعاً لا یصحِّح دعوی الانقلاب -


(1). أی: واجدة للوصف، فإنّ کل وصف قید و نعت لمحله، لانطباق ضابط التقیید علیه.

(2). أی: بالوصف، و مقتضی تقید الذات بالوصف صیرورة القضیة بشرط المحمول.

(3). هذا إشکال المصنف (قده) علی ما تنظّر فیه الفصول، و حاصله: أنّ لحاظ تقیُّد الذات بالمحمول واقعاً لا ینفع فی دعوی الانقلاب، و إلاّ یلزم انتفاء القضیة الممکنة و انحصار القضایا بالضروریة، بداهة ضروریة ثبوت المحمول الّذی قُیِّد به الموضوع کقولنا: «زید الکاتب کاتب» و کذا فی طرف النفی کقولنا: «زید غیر الکاتب لیس بکاتب» و علی هذا فلا یبقی قضیة ممکنة، و هو واضح الفساد، لکون المناط فی مواد القضایا و جهاتها هو لحاظ کون نفس المحمول مع الغض عن الجهات الخارجیة ضروری الثبوت للموضوع أو ممکن الثبوت له، فالإمکان و الضرورة ملحوظان فی نفس المحمول بدون لحاظ أمر خارجی معه، و المدعی فی المقام هو انقلاب مادة الإمکان إلی الضرورة بمجرّد أخذ الذات فی مفهوم المشتق من دون لحاظ تقیُّد الذات بالوصف، فما فی الفصول من انقلاب الممکنة إلی الضروریة بتقید الذات بالمحمول فی غیر محله.

(4). أی: کون الموضوع مقیداً بالمحمول، فمرجع الضمیر حکمی، إذ المذکور فی العبارة هو الذات، فالصناعة تقتضی تأنیث ضمیر - کونه -.

إلی الضروریة، ضرورة (1) صدق الإیجاب بالضرورة بشرط المحمول فی کل قضیة و لو کانت ممکنة (2)، کما لا یکاد یضر (3) بها صدق السلب کذلک (4) بشرط عدم کونه (5) مقیّداً به واقعاً لضرورة (6) السلب بهذا الشرط (7)، و ذلک (8) لوضوح أنّ المناط فی الجهات و مواد (9) القضایا إنّما هو بملاحظة أنّ نسبة هذا المحمول إلی ذلک الموضوع موجهة بأی جهة منها (10) و مع آیة منها (11) فی نفسها -


(1). تعلیل لعدم صحة دعوی الانقلاب.

(2). یعنی: فلا یبقی قضیة ممکنة، لصیرورة جمیع القضایا بشرط المحمول ضروریة کما ینسب إلی شیخ الإشراق.

(3). أی: بالممکنة.

(4). أی: بالضرورة.

(5). أی: کون الموضوع مقیداً بالمحمول.

(6). تعلیل لصدق السلب کضرورة الإیجاب بشرط المحمول.

(7). أی: بشرط عدم کون الموضوع مقیداً بالمحمول.

(8). تعلیل لقوله: «لا یصحح دعوی الانقلاب إلی الضرورة» و قد عرفت توضیحه.

(9). المراد بمادة القضیة و عنصرها هی کیفیة النسبة الواقعیة، و بالجهة اللفظ الدال علی الکیفیة کلفظ الضرورة و الإمکان و غیرهما.

(10). أی: من الجهات.

(11). یعنی: أنّ نسبة المحمول إلی ذلک الموضوع مع أیة جهة من الجهات فی نفسها صادقة.

صادقة لا بملاحظة ثبوتها (1) له واقعاً أو عدم ثبوتها له کذلک (2)، و إلاّ (3) کانت الجهة منحصرة بالضرورة، ضرورة صیرورة الإیجاب أو السلب بلحاظ (4) الثبوت و عدمه واقعاً ضروریاً و یکون من باب الضرورة بشرط المحمول.

و بالجملة: الدعوی هو انقلاب مادة الإمکان بالضرورة فیما لیست مادته واقعاً فی نفسه و بلا شرط (5) غیر الإمکان. و قد انقدح -


(1). أی: ثبوت النسبة للموضوع واقعاً و قوله: «لا بملاحظة» مفسِّر لقوله: «فی نفسها».

و محصله: أنّ المناط فی جهة القضیة من کونها ضرورة أو إمکاناً هو لحاظ نسبة المحمول إلی نفس الموضوع بدون تقیُّده بالمحمول، لا لحاظ نسبة المحمول إلی الموضوع بشرط المحمول، فالأولی تبدیل قوله: «لا بملاحظة ثبوتها» بقوله:

«لا بملاحظة شرط الثبوت أو شرط عدمه»، لأنّ الشرط هو المدار فی انقلاب القضیة الممکنة إلی الضروریة، لا الثبوت و عدمه، فإنّهما معیارا صدق القضیة و کذبها، و التعبیر بالثبوت و عدمه صدر عن المصنف (قده) جریاً علی تعبیر الفصول.

(2). أی: ثبوت النسبة للموضوع واقعاً.

(3). أی: و إن لم تلاحظ النسبة فی نفسها بل لوحظت بشرط الثبوت الواقعی أو بشرط عدمه کانت جهة القضایا منحصرة بالضرورة، بداهة کون هذا الشرط موجباً لضروریة المحمول إیجاباً أو سلباً.

(4). أی: بلحاظ شرط الثبوت و شرط عدمه، لا مجرد الثبوت و عدمه اللذین هما مدارا صدق القضیة و کذبها، لا مدار الانقلاب کما عرفت آنفاً.

(5). یکون الانقلاب المدعی فی المقام مبنیاً علیه و هو شرط ثبوت النسبة و عدمه.

بذلک (1) عدم نهوض ما أفاده (2) (ره) بإبطال الوجه الأوّل کما زعمه (قدس سره) فإنّ (3) لحوق مفهوم الشی‏ء و الذات لمصادیقهما إنّما یکون ضروریاً مع -


(1). أی: بما أفاده المصنف من الفرق بین الضرورة الذاتیّة و بین الضرورة بشرط المحمول.

(2). أی: صاحب الفصول، الغرض من هذا الکلام: الإشکال علی ما ذکره الفصول فی الوجه الأوّل بعد بسط الکلام فی الوجه الثانی و النّظر فیه، أمّا کلام الفصول فهذا لفظه: «و لا یذهب علیک أنّه یمکن التمسک بالبیان المذکور علی إبطال الوجه الأوّل أیضا، لأنّ لحوق مفهوم الذات أو الشی‏ء لمصادیقهما أیضا ضروری و لا وجه لتخصیصه بالوجه الثانی» انتهی و محصله - بعد اختیار الشق الثانی و هو أخذ مصداق الشی‏ء فی مفهوم المشتق و دفع إشکال انقلاب مادة الإمکان بالضرورة بأنّ المقید بقید إمکانی لا یوجب انقلاب الممکنة، ثم التنظر فی هذا الجواب بکون ثبوت القید واقعاً و عدم ثبوته کذلک موجباً لضروریة الإیجاب أو السلب، و أنّ إشکال الانقلاب باقٍ علی حاله - هو: أنّه یمکن إبطال الوجه الأوّل الّذی استدل به علی البساطة - و هو أخذ مفهوم الشی‏ء فی المشتق - بأن یقال: إنّ الانقلاب لا یختص بالوجه الثانی - و هو أخذ مصداق الشی‏ء فی مفهوم المشتق - بل یعم الوجه الأوّل أیضا، حیث إنّ عروض مفهوم الشی‏ء لمصادیقه و صدقه علیها ضروری، مثلا عروض الشیئیة للإنسان ضروری لا ممکن، فإشکال انقلاب الممکنة إلی الضروریة کما یبطل الوجه الثانی - و هو أخذ مصداق الشی‏ء فی مفهوم المشتق - کذلک یبطل الوجه الأول و هو أخذ مفهوم الشی‏ء فی معنی المشتق، هذا.

(3). هذا بیان ما انقدح من کلام المصنف (قده) فی ردِّ ما تنظّر فیه الفصول من تسلیم الانقلاب. و محصل ردّه علی الفصول هو: أنّ ضروریة

إطلاقهما لا مطلقاً و لو مع التقید (1) إلاّ بشرط تقید المصادیق به أیضا (2)، و قد عرفت (3) حال الشرط، فافهم. (4). ثم إنّه لو جعل التالی فی الشرطیة --لحوق مفهوم الشی‏ء لمصادیقه منوطة بإطلاقه کعروضه لزید و عمرو و غیرهما من المصادیق، بخلاف ما إذا قیّد بقید کتقیده بالضحک و الکتابة و غیرهما من مبادئ المشتقات، فإنّ عروض المفهوم المقید لمصادیقه لیس ضروریاً، و علی هذا - فزید ضاحک - بناءً علی انحلال الضاحک إلی شی‏ءٍ له الضحک لا یکون من القضایا الضروریة، لإمکان عدم کون زید شیئاً له الضحک، نعم إذا أُخذ زید بشرط الضحک موضوعاً للشی‏ء الّذی له الضحک تصیر القضیة ضروریة کسائر القضایا الضروریة بشرط المحمول.

فالمتحصل: أنّ ما أفاده صاحب الفصول من جریان إشکال انقلاب الممکنة إلی الضروریة فی الشق الأوّل - و هو أخذ مفهوم الشی‏ء فی معنی المشتق - فی غیر محله، لابتنائه علی أخذ الموضوع بشرط المحمول، و قد عرفت ما فی هذا الشرط.


(1). کما فی المقام، إذ الضاحک مثلا هو الشی‏ء المقید بالضحک لا مطلقا.

(2). فمع تقید المصداق کتقید زید بالضحک یصیر الموضوع بشرط المحمول، فتنقلب الممکنة حینئذٍ إلی الضروریة، لکن عرفت ما فی هذا الشرط من الإشکال.

(3). یعنی: قبل أسطر بقوله: «و ذلک لوضوح ان المناط فی الجهات و مواد القضایا... إلخ» و غرضه: أنّه قد عرفت حال القضیة بشرط المحمول من حیث عدم کونه مصحِّحاً لدعوی انقلاب الممکنة الخاصة إلی الضروریة.

(4). لعلّه إشارة إلی دفع توهم المنافاة بین ما ذکره المصنف هنا من عدم ضروریة «الإنسان شی‏ء له الکتابة» و بین ما ذکره هناک من ضروریة «الإنسان إنسان له الکتابة»، إذ یستظهر أنّ الموردین علی وزان واحد، فلا بد من کون القضیة

الثانیة (1) لزوم أخذ النوع فی الفصل، ضرورة أنّ مصداق الشی‏ء الّذی له النطق -ضروریة فی کلیهما.

و ملخص الدفع: أنّ الفرق بین الموردین واضح، إذ الموضوع فی قولنا: «الإنسان إنسان له الکتابة» لمّا أخذ فی المحمول، فلا محالة تکون القضیة ضروریة، لاستحالة سلب الشی‏ء عن نفسه، بخلاف «الإنسان شی‏ء له الکتابة»، فإنّ سلب الشی‏ء الّذی له الکتابة عن الإنسان لمّا کان ممکناً، فلا تخرج مادة القضیة عن الإمکان، و لا تنقلب إلی الضرورة أصلا.


(1). غرضه: إصلاح برهان الشریف المتقدم، و المراد بالشرطیة الثانیة هی قول الشریف: «و لو اعتبر فیه ما صدق علیه الشی‏ء انقلبت مادة الإمکان الخاصّ ضرورة» - انتهی - فالمراد بالتالی هو انقلاب الإمکان بالضرورة.

و حاصل ما أفاده المصنف فی ذلک هو: أنّ الأولی جعل التالی فی الشرطیة الثانیة المزبورة دخول النوع فی الفصل، لا انقلاب مادة الإمکان بالضرورة، لأنّ لزوم دخول النوع فی الفصل ألیق بالشرطیة الأُولی، و هی أنّه لو اُعتبر مفهوم الشی‏ء فی المشتق یلزم دخول العرض العام فی الفصل وجه الألیقیة هو: دخول الکلیات بعضها فی الآخر، و هو دخول العرض العام فی الفصل کما فی تالی الشرطیة الأُولی، و دخول النوع فی الفصل کما فی تالی الشرطیة الثانیة. إذ مصداق الناطق فی قولنا: «الإنسان ناطق» هو النوع أعنی الإنسان، فالنوع داخل فی الفصل و هو الناطق، و صدق هذین التالیین الفاسدین علی مثال واحد کقولنا: «الإنسان ناطق»، لأنّه علی تقدیر أخذ مفهوم الشی‏ء فی المشتق یلزم دخول العرض العام و هو مفهوم الشی‏ء فی الفصل أعنی الناطق، و علی تقدیر أخذ المصداق فیه یلزم دخول النوع و هو الإنسان فی الفصل، إذ مصداق الشی‏ء الّذی له النطق هو

هو الإنسان کان ألیق بالشرطیة الأولی (1)، بل کان (2) الأولی لفساده مطلقاً -الإنسان، فالناطق علی هذا مرکّب من النوع و الفصل.


(1). المفضل علیه هو التالی فی الشق الثانی و هو انقلاب الإمکان إلی الضرورة و وجه الألیقیة واضح کما عرفت.

(2). یعنی: بل کان جعل التالی فی الشرطیة الثانیة لزوم أخذ النوع فی الفصل أولی بمقام الاستدلال علی بساطة المشتق من جعله انقلاب الإمکان إلی الضرورة، و وجه الأولویة ما أفاده بقوله: «لفساده مطلقاً» أی لفساد هذا التالی مطلقاً، یعنی: و إن لم یکن فصلا حقیقیاً بل مشهوریاً منطقیاً أی لازماً للفصل الحقیقی، و ذلک لفساد أخذ النوع فی کل من الفصل و العرض الخاصّ، فلا فرق فی الفساد و الاستحالة بین أخذ النوع فی الفصل الحقیقی و بین أخذه فی لازمه و عرضه الخاصّ بناءً علی کون الناطق فصلاً مشهوریاً لا حقیقیاً، و ذلک لاستحالة دخول الذاتی فی العرضی کما لا یخفی. و هذا بخلاف أخذ العرض العام فی الفصل، فإنّ فساده مبنی علی کون الناطق مثلإ؛ للَّه‏للَّه؛ فصلا حقیقیاً.

ثم إن المفضل علیه فی قوله: «بل کان الأولی» بحسب سیاق الکلام هو الانقلاب، کما کان هو المفضّل علیه فی الشق الأوّل، لکن لا یلائمه التعلیل بقوله: «لفساده مطلقاً»، لعدم ارتباطه بالانقلاب أصلا، حیث إنّ مقتضی التعلیل لزوم الفساد مطلقاً من أخذ النوع فی الفصل و إن لم یکن الناطق فصلا حقیقیاً، بل کان لازماً من لوازمه، إذ لا فرق فی الاستحالة بین أخذ النوع فی الفصل الحقیقی و بین أخذه فی عرضه الخاصّ، لاستحالة دخول الذاتی فی العرضی، و أی ربط لهذا التعلیل بانقلاب الإمکان إلی الضرورة، فلا بد من أن یکون المفضل علیه فی قوله: «أولی» هو التالی فی الشرطیة الأولی - و هو دخول

و لو لم یکن مثل الناطق بفصل حقیقی، ضرورة بطلان أخذ الشی‏ء فی لازمه و خاصته، فتأمل جیداً (1). ثم إنّه (2) یمکن أن یستدل علی البساطة بضرورة (3) عدم تکرر الموصوف فی مثل - زید الکاتب - و لزومه (4) من الترکب و أخذ (5) الشی‏ء مصداقاً أو مفهوماً فی مفهومه (6).

(إرشاد)

لا یخفی أنّ معنی البساطة (7) بحسب المفهوم وحدته إدراکاً العرض العام فی الفصل، و هذا و إن کان خلاف السیاق، لکن لا محیص عنه بعد ما عرفت من عدم المناسبة بین المفضل - و هو أخذ النوع فی الفصل - و بین المفضل علیه و هو الانقلاب، فتدبّر.


(1). لعله إشارة إلی بعض ما ذکرناه أو غیره.

(2). هذا الاستدلال منسوب إلی المحقق الدوانی.

(3). محصل تقریب الاستدلال هو: أنّه یحکم الوجدان و الضرورة بعدم تکرر الموصوف فی مثل - زید الکاتب -، إذ لو کان المشتق مرکّباً من الشی‏ء مفهوماً أو مصداقاً لَزِم تکرُّره بأن یقال فی المثال - زید زید الکاتب - إن کان المأخوذ فی مفهوم المشتق مصداق الشی‏ء، و زید الشی‏ء الکاتب إن کان المأخوذ فی مفهومه مفهوم الشی‏ء، فعدم تکرُّر الموصوف فی المثال و نظائره برهان إنّیٌّ علی البساطة، و به استدل المحقق الدوانی علی اتحاد العرض کالبیاض و العرضی کالأبیض.

(4). معطوف علی - عدم - و ضمیره راجع إلی التکرر.

(5). معطوف علی - الترکب - و مفسِّر له.

(6). أی: مفهوم المشتق.

(7). یعنی: معنی البساطة التی یبحث عنها فی المشتق، توضیحه: أنّ المراد ببساطة مفهوم المشتق هو کون معناه بحسب الإدراک و التصور واحداً بأن یکون

و تصوراً بحیث لا یتصور عند تصوره إلاّ شی‏ء واحد لا شیئان و إن انحل بتعمّل -المشتق حاکیاً عن معنی واحد کالشجر و الحجر و الإنسان، فإنّ کل واحد من هذه الألفاظ لا یحکی إلاّ عن مفهوم واحد بحیث لا ینسبق منه إلی الذهن إلاّ ذلک الواحد فی قبال المعنی المتعدد المحکی بلفظ واحد، بحیث ینسبق منه المعنی المتعدد، کما إذا فرض کون لفظ قالباً لمعنیین أو أکثر، و بساطة المعنی بحسب الإدراک و الانسباق إلی الذهن لا تنافی الترکُّب بحسب التحلیل العقلی، حیث إنّ ظرف البساطة هو التصور الذهنی، و ظرف الترکُّب هو التحلیل العقلی، و علی هذا فالضارب مثلاً دالّ علی مفهوم واحد و إن کان عند التحلیل العقلی منحلاً إلی شی‏ءٍ ثبت له الضرب

«-»

. (-). لا یخفی أنّه بناءً علی إنکار الاشتقاق و عدم صحة صوغ لفظ من لفظ آخر، بل کل لفظ بحیاله وضع لمعنی، لا محذور فی جعل المشتق موضوعاً لذات متصفة بعرض کما هو المرتکز فی أذهان العرف، فیکون دلالة المشتق حینئذٍ علی الذات بالتضمن، و بناءً علی تسلیم الاشتقاق تکون الذات خارجة عن مدلوله، لترکب المشتق حینئذٍ من مادة ساریة فی جمیع المشتقات المصوغة منها، و هیئة دالة علی النسبة، و لا یدل شی‏ء منهما علی الذات.

أمّا المادة، فلکونها موضوعة لنفس العرض کالضرب فی الضارب.

و أمّا الهیئة، فلکونها موضوعة لانتساب المادة، لکن لمّا کانت النسبة معنی حرفیّاً، فلا محالة تتقوم بتصور طرفیها و هما المادة و الذات، و لأجله تحکی الهیئة عن الذات، إلاّ أنّ هذه الحکایة لیست من الدلالة التضمنیة، إذ المفروض عدم کون الذات مدلولاً للمادة و لا للهیئة، بل الدلالة التزامیة لأجل تقوُّم النسبة التی هی معنی الهیئة بتصوُّر المنتسبین. فدعوی انسباق الذات من المشتق عرفاً علی کل

من العقل إلی شیئین (1) کانحلال مفهوم الشجر أو الحجر إلی شی‏ء له الحجریة أو الشجریة مع وضوح بساطة مفهومهما (2).

و بالجملة: لا تنثلم بالانحلال إلی الاثنینیة بالتعمّل العقلی وحدةُ المعنی (3) و بساطة المفهوم کما لا یخفی، و إلی ذلک (4) یرجع الإجمال و التفصیل الفارقان -و بالجملة: فالقائل ببساطة المشتق یرید بها وحدة المعنی تصوراً، و القائل بترکبه یمکن أن یرید به تعدُّده تعقلا، و لا تنافی بینهما أصلا، لما بین المعنی الواحد تصوراً و ترکبه تعقلا من کمال الملاءمة، فإنّ لفظ الإنسان مثلا وضع لمعنی واحد و هو المنسبق منه إلی الذهن، لکن العقل یحلِّله إلی جنس و فصل.


(1). یعنی: انّ موطن الوحدة هو التصور الذهنی و موطن التعدد هو التحلیل العقلی.

(2). إذ لا ینسبق من لفظ الحجر أو الشجر إلاّ مفهوم واحد.

(3). لما عرفت من تعدُّد وعاء الوحدة و الترکب الموجب لعدم التنافی بینهما.

(4). أی: البساطة التصوریة و الترکُّب التحلیلی العقلی یرجع الإجمال و التفصیل الموجبان للفرق بین المحدود کالإنسان و بین الحدّ کالحیوان تعریف الإنسان، مع أنّ المحدود و الحد متحدان ذاتاً و الفارق بین الإجمال و التفصیل، فإنّ المحدود واحد تصوراً و الحد یکون عینه، لکن العقلی، فالتفصیل ملحوظ فی الحد، و الإجمال ملحوظ فی المحدود.تقدیر فی محلها، غایة الأمر أنّ الدلالة علیها بناءً علی إنکار الا و بناءً علی تسلیمه التزامیة، و لیس هذا الانسباق ذلک التبادر کما لا یخفی.

بین المحدود و الحدّ مع ما هما (1) علیه (2) من الاتحاد ذاتاً، فالعقل بالتعمُّل یحلّل النوع و یفصله إلی جنس و فصل بعد مإ؛ للَّه‏للَّه؛ کان (3) أمراً واحداً إدراکاً و شیئاً فارداً تصوراً، فالتحلیل یوجب فتق ما هو علیه من الجمع (4).

الثانی (5)

: الفرق بین المشتق و مبدئه مفهوماً أنّه (6) بمفهومه لا یأبی عن -


(1). أی: الحد و المحدود.

(2). الضمیر راجع إلی - ما - الموصولة المبیّنة بقوله: «من الاتحاد ذاتاً» یعنی: مع الاتحاد الّذی یکون الحدّ و المحدود علیه.

(3). أی: النوع کالإنسان.

(4). یعنی: فالتحلیل یوجب فتق الجمع الّذی یکون المحدود علیه، فضمیر - هو - راجع إلی المحدود، و ضمیر - علیه - راجع إلی - ما - الموصولة التی أُرید بها الجمع، و الفتق ضد الالتئام.

(5). الغرض من عقد هذا الأمر: دفع توهم عدم صحة حمل المشتق بناءً علی البساطة، لعدم الفرق حینئذٍ بینه و بین مبدئه، إذ المفروض أنّ المعنی فی المشتق و مبدئه لیس إلاّ نفس الحدث الّذی لا یقبل الحمل. و المصنف (قده) دفع هذا التوهم بأنّ المشتق لا یأبی عن الحمل، لأنّه عبارة عن العرض المتحد مع المحل بنحو من الاتحاد المصحح للحمل، بخلاف المبدأ کالعلم و العدالة، فإنّ معناه لمّا کان نفس العرض بما هو شی‏ء من الأشیاء و ماهیة فی مقابل الماهیات الأُخری الجوهریة و العرضیة کان مغایراً لغیره و غیر متحد معه، و لذا لا یصح أن یقال: «زید علم أو عدل» إلاّ بضرب من العنایة، فمفهوم المبدأ لمّا لم یلاحظ فیه الاتحاد الوجودیّ مع غیره لا یقبل الحمل، بخلاف مفهوم المشتق.

(6). أی: المشتق بمفهومه.

الحمل علی ما تلبس بالمبدإ، و لا یعصی عن الجری علیه (1)، لما هما علیه (2) من نحو من الاتحاد، بخلاف المبدأ، فإنّه بمعناه (3) یأبی عن ذلک (4)، بل إذا قیس و نُسب إلیه (5) کان غیره (6) لا هو هو (7)، و ملاک الحمل و الجری إنّما هو نحو من الاتحاد و الهوهویة، و إلی هذا (8) یرجع ما ذکره أهل المعقول فی الفرق بینهما -


(1). أی: علی ما تلبس بالمبدإ.

(2). أی: للاتحاد الّذی یکون علیه المبدأ و ما تلبس به، فضمیر - هما - راجع إلی المبدأ و ما تلبس به، و ضمیر - علیه - راجع إلی - ما - الموصولة المراد بها الاتحاد، فقوله: «لما» تعلیل لعدم إباء المشتق عن الحمل علی المتلبس بالمبدإ، لوجود شرط صحة الحمل و هو الاتحاد.

(3). الضمیران راجعان إلی - المبدأ -.

(4). أی: عن الحمل، حاصله: أنّ المبدأ بمعناه المتقدم آنفاً آبٍ عن الحمل.

(5). یعنی: بل إذا قیس المبدأ و نُسب إلی ما تلبس به کان مغایراً له بحیث لا یصح حمله علیه، لتوقف صحة الحمل علی الاتحاد و الهوهویة، فلا یصح ذلک مع المغایرة.

(6). أی: غیر المتلبس، و لا یکون المبدأ متحداً معه.

(7). یعنی: و الحال أنّ ملاک الحمل هو الاتحاد المفقود فی المبدأ و الموجود فی المشتق.

(8). أی: و إلی الفرق المذکور

«-»

بین المبدأ و المشتق یرجع ما ذکره أهل (-). لا یخفی أنّ هذا الفرق واقعی لا اعتباری، ضرورة أنّ مفهوم العلم مثلاً نفس الإدراک الّذی هو من مقولة الکیف أو غیره، و مفهوم العالم - بناءً علی بساطة المشتق - یکون منتزعاً عن الذات المتجلیة بالعلم و جاریاً علیها، و من المعلوم کمال المغایرة بینهما، إذ مفهوم المبدأ - کالعلم فی المثال - لیس منتزعاً عن الذات المتصفة

من أنّ المشتق یکون لا بشرط و المبدأ یکون بشرط لا، أی یکون مفهوم المشتق -المعقول فی مقام الفرق بینهما.

و محصل ذلک: أنّ مفهوم المشتق لوحظ علی نحو لا بشرط، و لذا یتحد وجوداً مع الذات باعتبار کونه من توابعها و لواحقها، و هذا النحو من الاتحاد کافٍ فی صحة حمله علیها، و مفهوم المبدأ لوحظ بشرط لا بمعنی کونه فی مقابل الذات بحیث یکون وجوده ملحوظاً فی قبال وجودها، و هذا یقتضی المغایرة، فلیس هناک اتحاد مصحح للحمل، و لذا لا یصح حمل المبدأ علی الذات، و بعبارة أُخری:

للعرض حیثیتان:

إحداهما: کونه موجوداً بمفاد کان التامة نظیر وجود الجوهر و العرض بهذا اللحاظ هو نفسه لا غیره، و لذا لا یصح حمله، لمغایرته لغیره الرافعة لشرط الحمل و هو الاتحاد.

ثانیتهما: کونه موجوداً بمفاد کان الناقصة، و هو بهذا اللحاظ یکون مندکّاً فی موضوعه و فانیاً فیه و من شئونه، و لذا یصح حمله علیه، و هذا هو مرجع ________________________________ بالإدراک حتی یصح حمله علیها، بل هو نفس الإدراک، بخلاف مفهوم المشتق، فإنّه منتزع عن الذات المتصفة بالإدراک، و لذا یصح حمله علیها، لمکان اتحاد العرض و المحل، حیث إنّه قید لموضوعه و نعت له و إن کان وجود العرض نفسیاً کالجوهر لکن وجوده النفسیّ یکون للغیر، و لذا قیل: إنّ وجود العرض فی نفسه عین وجوده لغیره فی مقابل الجوهر الّذی یکون وجوده فی نفسه لنفسه، فإنّ الوجود النفسیّ أی المحمولی الّذی هو مفاد کان التامة المتحقق فی الهلیّات البسیطة ینقسم إلی الوجود للنفس و للغیر، و الأوّل وجود الجوهر و الثانی وجود العرض، و کیف کان فالفرق بین المشتق و مبدئه واقعی لا اعتباری.

غیر آبٍ عن الحمل، و مفهوم المبدأ یکون آبیاً عنه، و صاحب الفصول (ره) حیث توهم: أنّ مرادهم إنّما هو بیان التفرقة بهذین الاعتبارین (1) بلحاظ الطوارئ و العوارض الخارجیة (2) مع حفظ مفهوم واحد (3) أورد علیهم بعدم (4) -ما ذکره أهل المعقول من الفرق بین المشتق و مبدئه، ثم إنّ هذا توطئة لردّ کلام الفصول الآتی.


(1). أی: اعتبار لا بشرط و بشرط لا.

(2). کالزمان و المکان و الوضع و غیرها من العوارض المبحوث عنها فی مبحث المطلق و المقید.

(3). یعنی: کما فی المطلق و المقید، فإنّ مفهوم الرقبة مثلإ؛ للَّه‏للَّه؛ واحد و یلاحظ اللا بشرط و بشرط اللائیة بالإضافة إلی الطوارئ کالإیمان و الکتابة و غیرهما من العوارض، فیقال: إنّ الرقبة بالنسبة إلی الإیمان ملحوظة لا بشرط أو بشرط لا، فالجامع بین اللا بشرط و بشرط لا موجود و هو مفهوم الرقبة.

(4). قال فی الفصول ما لفظه: «زعم جماعة من أهل المعقول أنّ الفرق بین المشتق و مبدئه هو الفرق بین الشی‏ء لا بشرط و بینه بشرط لا، فحدث الضرب إن اعتبر بشرط لا کان مدلولاً للفظ الضرب و امتنع حمله علی الذات الموصوفة به، و ان اعتبر لا بشرط کان مدلولا للفظ الضارب و صح حمله علیها، و علی هذا القیاس فجعلوا الفرق بین العرض و العرضی کالفرق بین الهیولی و الجنس و بین الصورة و الفصل، و هذا عندی غیر مستقیم... إلی ان قال: إذا تبین عندک هذا، فنقول: أخذ العرض لا بشرط لا یصحح حمله علی موضوعه... إلی أن قال: فیمتنع حمل العلم و الحرکة علیه و ان اعتبرا لا بشرط» انتهی. و ملخص إیراد الفصول علی أهل المعقول هو: أنّ الفرق بین المشتق و مبدئه بلحاظ الأوّل لا بشرط و الثانی بشرط لا بالنسبة

استقامة الفرق بذلک (1) لأجل (2) امتناع حمل العلم و الحرکة علی الذات و إن اعتبر لا بشرط، و غفل (3) عن أنّ المراد ما -إلی العوارض الخارجیة مع کون المفهوم فیهما واحداً ذاتاً لا یستقیم، لأنّه لا یوجب صحة حمل المشتق علی الذات دون المبدأ، ضرورة عدم صحة حمل مثل القیام و القعود و الحرکة و السکون و غیرها من المبادئ علی الذوات، لعدم الاتحاد بینهما المصحح للحمل و إن لوحظت المبادئ لا بشرط.


(1). أی: بالاعتبارین الملحوظین بالإضافة إلی العوارض الخارجیة.

(2). تعلیل لعدم استقامة الفرق بین المشتق و مبدئه بالاعتبارین المذکورین.

(3). هذا جواب المصنف عن إیراد الفصول، و حاصله: أنّ إشکال الفصول علی أهل المعقول مبنیٌّ علی إرادة اللا بشرط و بشرط لا الملحوظین فی باب المطلق و المقید - یعنی لحاظهما بالإضافة إلی العوارض الخارجیة - کلحاظ الرقبة مثلإ؛ للَّه‏للَّه؛ لا بشرط أو بشرط لا بالنسبة إلی الإیمان و الکتابة و نحوهما من الطوارئ، حیث إنّ اللا بشرط و بشرط لا بهذا المعنی لا یوجبان صحة حمل العلم مثلا علی الذات و ان لوحظ لا بشرط بالإضافة إلی الزمان و المکان مثلا، لأنّ الحمل منوط بالاتحاد وجوداً، و مجرّد اللحاظ لا یوجب ذلک، فلا وجه للحمل أصلا. و أمّا إذا أُرید بهما ما یلاحظان فی باب الجنس و الفصل و المادة و الصورة فلا یرد علیهم ما أورده فی الفصول، و ذلک لأنّ المراد باللابشرط و بشرط لا فی المقام هو المنتزع عن حقیقة الشی‏ء و مفهومه، لا ما ینتزع عن الطوارئ کالمطلق و المقید علی ما تقدم آنفاً، فإنّ المصدر بحقیقته و هویّته یکون بشرط لا، لأنّه عبارة عن نفس العرض بما أنّه ماهیة من الماهیات، و هو بهذا المعنی آبٍ عن الحمل، فإباؤه عن الحمل مقتضی حقیقته لا بلحاظ بشرط اللائیة، کما أنّ عدم الإباء عن الحمل المنتزع عنه اللا بشرطیة

.......... -هو مقتضی حقیقة المشتق و مفهومه، و هذان الاعتباران من اللا بشرطیة و بشرط اللائیة متباینان، لعدم جامع بینهما، بخلافهما فی باب المطلق و المقید، لوجود القدر المشترک بینهما و هو مفهوم المطلق کالرقبة، فإنّه جامع بین اللا بشرط و بشرط لا، و لذا یلاحظ بالنسبة إلی الإیمان مثلا لا بشرط أو بشرط لا. و نظر أهل المعقول فی مقام الفرق بین المبدأ و المشتق بکون الأوّل مأخوذاً بشرط لا و الثانی لا بشرط إنّما هو إلی ما ذکرناه من کون هذین الاعتبارین منتزعین عن مقام الذات لا عن الطوارئ، کما أنّ مرادهم من اللا بشرط و بشرط لا فی مقام الفرق بین الجنس و المادة و الفصل و الصورة هو انتزاعهما عن نفس الذات و الحقیقة لا باعتبار الطوارئ، فإنّ الجنس بذاته غیر آبٍ عن الحمل، و کذا الفصل و المادة و الصورة بذاتهما آبیتان عن الحمل.

و بالجملة: فاللابشرطیة و بشرط اللائیة فی المشتق و مبدئه منتزعتان عن الذات کانتزاعهما عن الجنس و المادة و الفصل و الصورة، و لیس المقصود بهما ما یراد بهما فی المطلق و المقید، و إشکال الفصول علی أهل المعقول مبنیٌّ علی إرادة ما یراد بهما فی باب المطلق و المقید، دون ما یراد بهما فی باب الجنس و الفصل و المادة و الصورة

«-»

. (-). لکن یظهر من کلام الحکیم السبزواری خلاف ذلک، حیث قال فی شرح بیته:

جنس و فصل لا بشرط حملا

فمدة و صورة بشرط لا

ما لفظه: «و فیه إشارة إلی أنّ کلاًّ من هاتین مع کل من هذین متحد ذاتاً مختلف اعتباراً» و قال (قده) فی الحاشیة: «قولنا متحد ذاتاً أی المادة متحدة

ذکرنا (1) کما یظهر (2) منهم من بیان الفرق بین الجنس و الفصل و بین المادة و الصورة، فراجع. -


(1). یعنی: فی أوّل هذا الأمر، حیث قال: «إنّه بمفهومه یأبی عن الحمل علی ما تلبس بالمبدإ» فلاحظ.

(2). یعنی: کما یظهر معنی اللا بشرطیة و بشرط اللائیة علی النحو الّذی ذکرناه من أهل المعقول، غرضه: أنّ حمل کلام أهل المعقول علی اللا بشرطیة و بشرط اللائیة المنتزعتین عن الذات لیس حملاً له علی خلاف ظاهره، لأنّه یظهر منهم هذا المعنی من اللا بشرطیة و بشرط اللائیة مما ذکروه فی بیان الفرق بین الجنس و الفصل و بین المادة و الصورة.

تقریب الظهور: أنّ صحة الحمل فی الجنس و الفصل و عدمها فی المادة و الصورة إنّما هما لجهة ذاتیة لا لأمر خارج عن الذات، فلا محالة تکون اللا بشرطیة فی الجنس و الفصل و بشرط اللائیة فی المادة و الصورة منتزعتین عن مقام الذات، و غیر ملحوظتین بالإضافة إلی أمر خارجی، و یشهد بالتغایر الذاتی بین الجنس و الفصل و بین المادة و الصورة: أنّ الأولین من الأجزاء الذهنیة و الأخیرین من الأجزاء الخارجیة، و قیل: إنّ ممّن صرّح بکون الفرق بینهما ذاتیاً لا اعتباریاً الشیخ فی کتاب الشفاء و إن خالفه بعض. _______________________________ مع الجنس الطبیعی ذاتاً و مختلفة معه باعتباری الشرط لا و لا بشرط، و کذا الصورة مع الفصل الطبیعی» انتهی، و هذا کما تری صریح فی اتحاد الجنس و المادة و الصورة و الفصل ذاتاً، و کون تغایرها اعتباریاً، فلا یکون اللا بشرطیة و بشرط اللائیة حینئذٍ منتزعتین عن مقام الذات، لفرض اتحادها ذاتاً، بل تکونان باللحاظ و الاعتبار.

(الثالث)

: ملاک الحمل کما أشرنا (1) إلیه هو الهوهویة و الاتحاد من وجه و المغایرة من وجه آخر کما یکون بین المشتقات و الذوات (2)، و لا یعتبر معه (3) -


(1). أی: فی الأمر الثانی، حیث قال فیه: «و ملاک الحمل و الجری.. إلخ» و الغرض من عقد هذا الأمر هو: بیان ما یعتبر فی صحة الحمل و الإشارة إلی ما أفاده الفصول فی المقام و إلی المناقشة فیه.

(أمّا الأوّل) فمحصله: أنّه یعتبر فی صحة الحمل الاتحاد من وجه و المغایرة من آخر، إذ مع الاتحاد فی جمیع الجهات لا یبقی اثنینیة حتی یکون هناک عقد وضع و عقد حمل، فلا بد من الإثنینیة و المغایرة لیصح الحمل الّذی هو نسبة متقومة بشیئین، کما أنّه مع التغایر فی جمیع الجهات لا یصح الحمل، لکونهما حینئذٍ متباینین، و الحمل یقتضی الاتحاد، و لا یصح حمل أحد المتباینین علی الآخر، و لا فرق فی ذلک - أی فی اعتبار الاتحاد من وجه و التغایر من آخر فی صحة الحمل - بین أقسام الحمل من الذاتی کالحد التام مثل - الإنسان حیوان ناطق - و من الشائع الصناعی بأنحائه من حمل المواطاة و الاشتقاق و غیرهما.

(2). أی: کما هو الحال فی المشتقات و الذوات من کون ملاک الحمل الاتحاد من وجه و التغایر من آخر، لوضوح مغایرتهما مفهوماً و اتحادهما وجوداً.

(3). أی: مع المناط المزبور و هو الاتحاد من جهة و التغایر من أُخری.

(و أمّا الثانی) و هو ما أفاده فی الفصول، فلا بأس بنقل کلامه ثم التعرض لإشکال المصنف علیه، قال فی الفصول ما لفظه: «و تحقیق المقام: أنّ حمل الشی‏ء علی الشی‏ء یستدعی أن یکون بینهما مغایرة باعتبار الذهن فی لحاظ الحمل، و اتحاد باعتبار الظرف الّذی یعتبر الحمل بالقیاس إلیه من ذهن أو خارج، ثم التغایر قد یکون اعتباریاً و الاتحاد حقیقیاً کقولک: - هذا زید - و - الناطق حساس - و قد

.......... -یکون التغایر حقیقیاً و الاتحاد اعتباریاً، و ذلک بتنزیل الأشیاء المتغایرة منزلة شی‏ء واحد و ملاحظتها من حیث المجموع.

و بالجملة: فیلحقه بذلک الاعتبار وحدة اعتباریة، فیصح حمل کلِّ جزءٍ من أجزائه المأخوذة لا بشرط علیه، و حمل کل واحد منها علی الآخر بالقیاس إلیه نظراً إلی اتحادهما فیه کقولک: - الإنسان جسم أو ناطق - فإنّ الإنسان مرکّب فی الخارج حقیقة من بدن و نفس، لکن اللفظ إنّما وضع بإزاء المجموع من حیث کونه شیئاً واحداً و لو بالاعتبار، فإن أُخذ الجزءان بشرط لا - کما هو مفاد لفظ البدن و النّفس - امتنع حمل أحدهما علی الآخر و حملهما علی الإنسان، لانتفاء الاتحاد بینهما، و إن أُخذ اللا بشرط - کما هو مفاد الجسم و الناطق - صح حمل أحدهما علی الآخر و حملهما علی الإنسان، لتحقق الاتحاد المصحح للحمل. فقد تحقق مما قررنا: أنّ حمل أحد المتغایرین بالوجود علی الآخر بالقیاس إلی ظرف التغایر لا یصح إلاّ بشروط ثلاثة: أخذ المجموع من حیث المجموع، و أخذ الأجزاء لا بشرط، و اعتبار الحمل بالنسبة إلی المجموع من حیث المجموع، إذا تبین عندک هذا فنقول: أخذ العرض لا بشرط لا یصحِّح حمله علی موضوعه ما لم یعتبر المجموع المرکب منهما شیئاً واحداً، و یعتبر الحمل بالقیاس إلیه، و لا خفاء فی أنّا إذا قلنا: - زید عالم أو متحرک - لم نرد بزید المرکب من الذات و صفة العلم أو الحرکة، و إنّما نرید به الذات وحدها، فیمتنع حمل العلم و الحرکة علیه و ان اعتبر لا بشرط.

بل التحقیق: أنّ مفاد الهیئة مفاد ذو، و لا فرق بین قولنا: ذو بیاض و قولنا:

ذو مال، فکما أنّ المال إن اعتبر لا بشرط لا یصح حمله علی صاحبه کذلک البیاض» انتهی موضع الحاجة من کلامه زید فی علو مقامه.

.......... -و محصل مرام الفصول هو: أنّه لا بدّ فی صحة حمل أحد المتغایرین حقیقة المتحدین اعتباراً من شروط ثلاثة:

أحدها: ملاحظة المتغایرین کالنفس و البدن فی الإنسان شیئاً واحداً، بأن یعتبر الإنسان المرکب منهما شیئاً واحداً اعتباراً مع تغایر النّفس و البدن حقیقة، فالإنسان وضع لمجموع النّفس و البدن المتغایرین حقیقة و المتحدین اعتباراً.

ثانیها: أخذ أجزاء الإنسان لا بشرط، کلحاظ البدن و النّفس باعتبار کونهما مفادی الجسم و الناطق، إذ لحاظهما بما أنّهما مفادا البدن و النّفس یوجب کونهما بشرط لا، و من المعلوم: أنّهما بهذا اللحاظ لا یقبلان الحمل.

ثالثها: اعتبار الحمل بالنسبة إلی المجموع، بأن یکون المحمول کالناطق أو الجسم محمولاً علی مجموع جزئی الإنسان، هذا.

(و أمّا الثالث) و هو إشکال المصنف علی الفصول الّذی أشار إلیه بقوله:

«و لا یعتبر معه ملاحظة الترکیب... إلخ» فملخصه: أنّه یکفی فی صحة الحمل مجرد الاتحاد من وجه، و لا یعتبر فی صحته ملاحظة المجموع أمراً واحداً، بل لحاظ الترکیب بین المتغایرین مخِلّ بالحمل، لأنّه یوجب المغایرة بین الموضوع و المحمول بالکلیة و الجزئیّة، مثلا إذا لاحظنا مجموع الناطق و الجسم شیئاً واحدا و حملنا أحدهما علی الإنسان المؤلّف منهما و قلنا: «الإنسان ناطق أو جسم» کان هذا الحمل نظیر حمل الأجزاء علی الکل، کحمل - ید - أو - رجل مثلاً علی زید، إذ المفروض کون الموضوع هو المجموع من حیث المجموع، و المحمول کل جزء من الأجزاء بنفسه، و الجزء بما هو جزء آبٍ عن الحمل علی الکل و علی جزءٍ آخر، فلا یصح هذا الحمل، لمغایرة الجزء للکل و عدم الاتحاد المصحح للحمل بینهما.

ملاحظة الترکیب بین المتغایرین (1)، و اعتبار کون مجموعهما بما هو کذلک (2) واحداً، بل (3) یکون لحاظ ذلک (4) مُخلا، لاستلزامه (5) المغایرة بالجزئیة و الکلیة (6)، و من الواضح أنّ ملاک الحمل لحاظ (7) بنحو الاتحاد بین ------------------------------- و بالجملة: فمجرّد اتحاد الموضوع و المحمول وجوداً کافٍ فی صحة الحمل، و لا حاجة معه إلی لحاظ المتغایرین شیئاً واحداً، بل هو قادح فی الحمل، لکونه مستلزماً لحمل الجزء علی الکل، و هو بمکان من الفساد.


(1). إشارة إلی أوّل الشروط الثلاثة المذکورة فی کلام الفصول، و قد تقدمت.

(2). أی: بما هو مجموع.

(3). هذا هو الجواب الثانی الناظر إلی إخلال لحاظ الترکیب بین المتغایرین بصحة الحمل، لاستلزامه حمل الجزء علی الکل، کما عرفت فی مثل - زید ید أو رجل مثلا، کما أنّ الجواب الأوّل - و هو قوله: «و لا یعتبر معه ملاحظة الترکیب» ناظر إلی عدم الحاجة فی صحة حمل المتغایرین إلی لحاظ الترکیب و الوحدة، و قد عرفت توضیح کلا الجوابین.

(4). أی: الترکیب و لحاظ المجموع أمراً واحداً.

(5). هذا تعلیل للإخلال المزبور أی: لاستلزام الترکیب مغایرة الموضوع و المحمول بالکلیة و الجزئیة و هذه المغایرة تمنع عن صحة الحمل کما مر تقریبه آنفاً.

(6). حیث إنّ لحاظ ترکُّب الإنسان مثلا یوجب کونه کُلاًّ، و کلٌّ من الناطق و الجسم جزءاً له، و من المعلوم: مغایرة الکل للجزء، و عدم صحة حمل الجزء علی الکل کما عرفت آنفاً، فلحاظ الترکیب مخل بالحمل، فلا یصح حمل الناطق علی الإنسان فی قولنا: «الإنسان ناطق».

(7). الظاهر زیادة کلمة - لحاظ - إذ المناط فی صحة الحمل هو نفس الاتحاد

الموضوع و المحمول، مع وضوح عدم لحاظ ذلک (1) فی التحدیدات (2) و سائر القضایا فی طرف (3) الموضوعات، بل لا یلحظ فی طرفها (4) إلاّ نفس معانیها (5) -بأحد أنحائه فی الظرف الّذی یضاف الحمل إلیه من ذهن أو خارج کما صرّح به صاحب الفصول فی صدر عبارته المتقدمة، فإنّ الحمل تابع للاتحاد فی موطنه سواء کان ذهناً ک - الإنسان نوع - أم خارجاً ک - الإنسان کاتب - و لیس الحمل تابعاً للحاظ الاتحاد. ثم إنّ حق العبارة أن تکون هکذا: - نحو من الاتحاد -.


(1). أی: ملاحظة المجموع أمراً واحداً، هذا إشارة إلی ردِّ ما فی الفصول من اعتبار لحاظ الترکیب.

و محصل الرد: أنّ هذا اللحاظ مما یکذِّبه الوجدان فی القضایا الحملیة مثل ما یقع فی التعریفات و غیرها، فإنّ الملحوظ فی الإنسان فی قولنا: «الإنسان ناطق» الّذی جعله فی الفصول مثالاً لمتغایری الوجود لیس إلاّ معنی بسیطاً و إن کان منحلاً بالتحلیل العقلی إلی الجسم و الناطق، فلا یلاحظ فی طرف الموضوع کالإنسان فی المثال ترکیب أصلا، و کذا لا یلاحظ الترکیب فی ناحیة المحمول کالناطق فی المثال.

و بالجملة: فصحة الحمل فی جمیع القضایا منوطة بالاتحاد من وجه و المغایرة من آخر من دون لحاظ ترکیب فی شی‏ءٍ من الموضوع و المحمول.

(2). أی: التعریفات مثل - الإنسان حیوان ناطق -.

(3). متعلق ب - لحاظ -.

(4). أی: الموضوعات.

(5). أی: معانی الموضوعات و هی المعانی البسیطة المتبادرة من ألفاظها، و لا بد أن تکون هی المرادة، إذ لو کان الملحوظ فی طرف الموضوع أخذ المجموع من

کما هو الحال فی طرف المحمولات (1)، و لا یکون حملها علیها (2) إلاّ بملاحظة ما هما علیه (3) من (4) نحو من الاتحاد مع ما هما علیه من المغایرة (5) و لو بنحوٍ من الاعتبار، فانقدح بذلک (6) فساد ما جعله فی الفصول تحقیقاً للمقام (7) و فی -حیث المجموع واحداً - لا ذات المجموع - لَزم عدم مساواة الحد التام للمحدود، لاشتمال المحدود حینئذٍ علی لحاظ المجموع واحداً الّذی هو جزءٌ اعتباری زائد علی الحد التام.


(1). حیث لا یلاحظ فیها إلاّ صِرف معانی المحمولات من دون لحاظ الترکیب بین المتغایرین و اعتبار کون مجموعهما واحدا کما اعترف بذلک فی الفصول.

(2). یعنی: حمل المحمولات علی الموضوعات.

(3). ضمیر التثنیة راجع إلی - الموضوعات و المحمولات - و الضمیر المتصل راجع إلی - ما - الموصولة المقصود بهإ؛ للَّه‏للَّه؛ الاتحاد، یعنی: و لا یکون حمل المحمولات علی الموضوعات إلاّ بلحاظ الاتحاد الّذی هما علیه.

(4). بیان ل - ما - الموصولة، یعنی: ما هما علیه هو نحو من أنحاء الاتحاد.

(5). یعنی: المغایرة التی هی الفارقة بین الموضوعات و المحمولات و لو کانت اعتباریة، حاصله: أنّ الحمل لا بدّ فیه من الاتحاد من وجه، لاستحالة حمل المباین علی المباین، و من التغایر من وجه آخر لئلا یلزم حمل الشی‏ء علی نفسه الّذی هو عدیم الفائدة.

(6). أی: بما ذکرناه من کون مناط الحمل نحو اتحاد بین الموضوع و المحمول و مغایرتهما من وجه، و عدم إناطة الحمل بلحاظ الترکیب و الوحدة.

(7). مراده بالتحقیق هو قوله: «و تحقیق المقام ان حمل الشی‏ء علی الشی‏ء... إلی آخره».

کلامه موارد للنظر (1) تظهر بالتأمل و إمعان النّظر.

(الرابع)

(2):لا ریب فی کفایة مغایرة المبدأ مع ما یجری المشتق علیه -


(1). یعنی: غیر ما ذکره المصنف من الوجهین. و موارد النّظر فی کلام الفصول کثیرة:

أحدها: صحة الحمل فی المتغایرین وجودا بمجرد لحاظ الترکیب و الوحدة اعتبارا، مع أنّه قد ثبت اعتبار الاتحاد الوجودیّ، و لحاظ الترکیب و الوحدة لا یوجب انقلابهما عما هو علیه من التغایر الوجودیّ، و إن أراد تغایرهما بحسب المفهوم فلا حاجة إلی لحاظ الاتحاد بینهما فی صحة الحمل.

ثانیها: جعل الناطق و الحساس من المتغایرین اعتبارا، مع أنّهما من المتغایرین مفهوما و المتحدین خارجا، لما تقرر فی محله من اتحاد الجنس مع النوع و کذا مع الفصل خارجا.

ثالثها: أنّ الحمل یقتضی التغایر الحقیقی، مع أنّ التغایر کذلک مانع عن صحة الحمل.

رابعها: ما أفاده أخیرا من وضع هیئة الأبیض لذی بیاض، مع أنّها لم توضع له لا لغة و لا عرفا، إلی غیر ذلک من وجوه النّظر فی کلامه زید فی علو مقامه.

(2). الغرض من عقد هذا الأمر: التعرض لکیفیة حمل ما یجری من الصفات علیه سبحانه و تعالی، و محصل ما أفاده المصنف فی ذلک هو: أنّ مناط صحة الحمل - کما تقدم فی التنبیه السابق - هو المغایرة من جهة و الاتحاد من أخری، و علیه فیکفی فی صحة الحمل مغایرة الموضوع و المحمول مفهوما و اتحادهما خارجا، فلا إشکال حینئذ فی صحة حمل صفاته الذاتیّة علیه سبحانه و تعالی کقولنا: اللَّه عالم‏ و - قادر - و - حی - و نحو ذلک، و لا یلزم من إطلاقها علیه تعالی تجوُّز و لا نقل

مفهوما و ان اتحدا عینا و خارجا، فصدق الصفات مثل العالم و القادر و الرحیم و الکریم إلی غیر ذلک من صفات الکمال و الجلال (1) علیه تعالی علی ما ذهب إلیه أهل الحق من عینیّة صفاته (2) -أصلا، لأنّ هذه الصفات و إن کانت عین ذاته تعالی شأنه، لکنها مغایرة لها مفهوما، و المغایرة المفهومیة کافیة فی صحة الحمل و إن اتحد المفهومان مصداقا کما هو المراد بالعینیة، حیث إنّ مصداق مفهوم العلم عین الذات المقدسة، و یکون ما بإزاء أحدهما عین ما بإزاء الآخر.

فالمتحصل: أنّ مناط الحمل - و هو الاتحاد الوجودیّ فی صفات الباری تعالی مع المغایرة المفهومیة - موجود، فیصح الحمل من دون لزوم المحذور الآتی فی کلام الفصول إن شاء اللَّه تعالی.


(1). صفات الجلال اصطلاحا هی الصفات السلبیة، و لیست هی عین الذات، فلعلّه أراد بها الصفات الجمالیة.

(2). إذ لو لم تکن صفاته عین ذاته جلّ و علا و کانت عارضة لها لزم خلوُّه تعالی و تقدس فی مرتبة ذاته عن العلم و القدرة، و لزم الجهل و العجز فی ذاته عزّ و جل و مثله لا یلیق بأن یکون أشرف الموجودات و صانعها، لإمکان وجود ما یکون فی حدّ ذاته عالما قادرا، و هو أشرف مما لا یکون کذلک، و هذا البرهان لا یقتضی إلاّ العینیة المانعة عن محذور لزوم خلوِّه تعالی فی مرتبة ذاته عن الحیاة و العلم و القدرة، و لا یقتضی ذلک تفاوتا فی أوضاع الألفاظ و معانیها، لعدم ارتباطه بها، فإنّ الأسود مثلا إذا أطلق علی الجسم المتصف بالسواد لأمر خارج عن ذاته و صدق علیه الأسود، فصدقه علی نفس السواد یکون بالأولویة، لأنّ وجدان الشی‏ء لنفسه ضروری، و کذا فی الموجود، فإنّ صدقه علی نفس

یکون (1) علی نحو الحقیقة، فإنّ (2) المبدأ فیها (3) و إن کان عین ذاته تعالی خارجا إلاّ أنّه (4) غیر ذاته تعالی مفهوما. و منه (5) قد -الوجود أولی من صدقه علی الشی‏ء الموجود.

و الحاصل: أنّ برهان العینیة لا یوجب تغیرا فی وضع الألفاظ و معانیها.


(1). خبر لقوله: فصدق.

(2). بیان للمغایرة الکافیة فی صحة الحمل، و حاصله: أنّ المبدأ فی صفاته تعالی کالعلم و القدرة و الحیاة و إن کان متحدا مع الذات وجودا بحیث لا مصداق له غیر الذات لکنه مغایر لها مفهوما، بداهة أنّ مفهوم العلم و هو الانکشاف غیر مفهوم الواجب، و هذه المغایرة تکفی فی صحة الحمل، فإطلاق العالم مثلا علیه سبحانه و تعالی لا یستلزم تجوزا و لا نقلا فیه.

(3). أی: فی صفات الکمال کالعلم و القدرة.

(4). أی: المبدأ، و قد عرفت تقریب مغایرته مفهوما للذات المقدسة.

(5). أی: و مما ذکر من کفایة التغایر المفهومی بین المبدأ و المشتق ظهر فساد ما فی الفصول، حیث قال فیه: «إذ الظاهر إطباق الفریقین علی أنّ المبدأ لا بد أن یکون مغایرا لذی المبدأ، و إنّما اختلفوا فی وجوب قیامه به و عدمه، فالوجه التزام وقوع النقل فی تلک الألفاظ بالنسبة إلیه تعالی» انتهی.

و حاصل کلام الفصول: أنّه - بناء علی عینیة الصفات لذاته المقدسة - ترتفع المغایرة المعتبرة اتفاقا بین المبدأ و ذیه، فلا بد فی صحة الحمل حینئذ من الالتزام بالتجوز بأن یراد بالعالم المحمول علیه تعالی غیر معناه اللغوی، أو النقل بأن یکون حمله علیه سبحانه بمعنی آخر حقیقی مناسب لمعناه الأوّل، فالعالم الّذی یحمل علی اللَّه تعالی غیر العالم المحمول علینا.

انقدح (1) ما فی الفصول من الالتزام بالنقل أو التجوز فی ألفاظ الصفات الجاریة علیه تعالی بناء علی الحق من العینیة (2)، لعدم (3) المغایرة المعتبرة بالاتفاق (4) -


(1). الظاهر سقوط کلمة - فساد أو ضعف - أو ما شاکلهما قبل - ما - الموصولة.

(2). بالمعنی المتقدم و هو کون الذات المقدسة مصداقا لکل واحدة من الصفات بلا تعدُّد و لو بالحیثیة، لا بمعنی آخر و هو: کون الذات منشأ لانتزاع الصفات عنها من دون ضم شی‏ء إلی الذات فی انتزاعها، کما فی صفاتنا المنتزعة عن ذواتنا المتصفة بمبادئ تلک الصفات بحیث لا تنتزع عنها إلاّ بضمِّ المبادئ إلی ذواتنا، و ذلک لأنّ العینیة بالمعنی الثانی تستلزم المغایرة بین المنتزع عنه و المنتزع، فیکون العلم مثلا حینئذ فیه سبحانه مغایرا للذات، فلا بد من الالتزام بالعینیة بالمعنی الأوّل.

(3). تعلیل للالتزام بالنقل أو التجوز.

و حاصله - کما عرفت -: ارتفاع المغایرة المعتبرة بالاتفاق بین المبدأ و ذیه بناء علی عینیة الصفات لذاته المقدسة، فلا بد حینئذ من الالتزام بالتجوز أو النقل فی الصفات الجاریة علیه تعالی.

(4). و هو الاتفاق الّذی ادعاه صاحب الفصول (قده) فی عبارته المتقدمة

«-»

. (-). قد استدل للفصول بوجوه:

(الأول): ما استدل به نفسه فی عبارته المتقدمة و هو: اتفاق العلماء علی اعتبار التغایر الوجودیّ. و فیه أوّلا: منع تحققه.

و ثانیا: انّ اتفاق العلماء بما هم علماء لا بد أن یکون فی الأحکام الفرعیة، إذ لا دلیل علی اعتباره فی غیرها، و مع الشک فی الحجیة لا یصح التمسک به.

و ذلک (1) لما عرفت من کفایة المغایرة مفهوما، و لا اتفاق علی اعتبار -


(1). بیان لفساد کلام الفصول الّذی انقدح مما ذکره المصنف من کفایة التغایر المفهومی بین المبدأ و الذات، و عدم برهان علی التغایر الوجودیّ بینهما، و هذا مراده بقوله: «و لا اتفاق» إذ مورد اتفاقهم هو المغایرة المفهومیة. و ثالثا: إنّ المبحوث عنه هو الوضع، و اتّفاق العلماء لا یکشف عن ذلک و لا یثبته.

(الثانی): أنّه لا إشکال فی کون المبدأ عینا فی الواجب و زائدا فی الممکن فهما متباینان، فلا یمکن انتزاع مفهوم واحد منهما وضع له لفظ المشتق. و فیه:

أنّ الموضوع له فی لفظ المشتق کسائر الألفاظ هو نفس المفهوم لا وجوده، و من المعلوم اتحادهما فیه، و المغایرة إنّما تکون فی الوجود، حیث إنّ المبدأ فیه تعالی عین ذاته و فی الممکن غیر ذاته، و هذا التغایر لا یوجب التباین المطلق حتی لا یکون جامع بین صفاته سبحانه و تعالی و صفاتنا.

(الثالث): أنّ المتبادر إلی الذهن من المشتق هو الذوات المتلبسة بالمبادئ التی لا تکون عینا لها، فالموضوع له فی المشتق هو هذا المعنی المنسبق إلی الذهن، و من المعلوم أنّه ینافی العینیة، فلا بد من التصرف فی معانی الصفات الجاریة علیه تعالی شأنه. و فیه منع، بل المتبادر هو الذوات المتلبسة بالمبادئ علی الإطلاق، و لیس المتبادر خصوص الذوات المتلبسة بالمبادئ التی لا تکون عینا لها، نعم لا ینتقل العرف إلی المصداق الّذی یکون المبدأ عینه وجودا، لکن نظرهم حجة فی تشخیص المفهوم دون المصداق، لما ثبت من أنّ موضوع الآثار و مهبط الأحکام هو مفاهیم الألفاظ المأخوذة فی حیِّز الخطابات، فلا تترتب الأحکام و الآثار علی ما لا یکون مصداقا لتلک المفاهیم حقیقة، و إنّما یکون مصداقا لها بضرب من العنایة و التنزیل، إذ المفروض عدم انطباق المفهوم - الّذی هو الموضوع - علیه.

غیرها (1) إن لم نقل بحصول الاتفاق علی عدم اعتباره (2) کما لا یخفی، و قد عرفت (3) ثبوت المغایرة کذلک (4) بین الذات و مبادئ الصفات.

(الخامس) (5)

: أنّه وقع الخلاف بعد الاتفاق علی اعتبار المغایرة کما عرفت -


(1). أی: غیر المغایرة المفهومیة.

(2). أی: عدم اعتبار غیر المغایرة من حیث المفهوم.

(3). یعنی: فی أوّل هذا الأمر.

(4). أی: مفهوما.

(5). الغرض من عقد هذا الأمر: إثبات اعتبار قیام المبدأ بالذات حقیقة فی صحة حمل المشتق و جریه علیها علی وجه الحقیقة، بعد ما تقدم آنفا من اعتبار المغایرة بین الذات و المبدأ، خلافا لمن لم یعتبر قیام المبدأ بالذات فی إطلاق المشتق علیها حقیقة، و لا بأس بالإشارة إلی ما نسب إلی ظاهرهم من الأقوال و هی أربعة:

الأوّل: اعتبار القیام بمعنی الحلول و هو المنسوب إلی الأشعری.

الثانی: عدم اعتبار القیام، لوجوه:

منها: إطلاق الضارب و المؤلم - بالکسر - علی الفاعل مع قیام الضرب و الإیلام بالمفعول و هو المضروب و المؤلم - بالفتح -، و إطلاق الخالق و المتکلم علی اللَّه تعالی مع قیام مبدئهما بغیره من المخلوق و الجسم.

و منها: إطلاق الصفات الذاتیّة الجاریة علی اللَّه تعالی مع کون مبادیها عین الذات فکیف یتصور القیام؟ و منها: إطلاق اللابن و التامر و غیرهما مما کان المبدأ فیه ذاتا.

الثالث: ما عن ظاهر الفصول من اعتبار القیام بالمعنی الأعم من الحلول و الصدور فیما لم یکن المبدأ ذاتا و عدم اعتباره فیه، و لذا التزم بصدق القیام فی

بین المبدأ و ما یجری علیه المشتق فی اعتبار قیام المبدأ به فی صدقه علی نحو الحقیقة، و قد استدلّ من قال بعدم الاعتبار بصدق الضارب و المؤلم مع قیام الضرب و الألم بالمضروب و المؤلم - بالفتح -، و التحقیق: أنّه لا ینبغی أن یرتاب من کان من أولی الألباب فی أنّه یعتبر فی صدق المشتق علی الذات و جریه علیها (1) من التلبس بالمبدإ بنحو خاص علی اختلاف أنحائه (2) الناشئة (3) من اختلاف المواد (4) تارة، و اختلاف‏ -الأمثلة الأربعة المتقدمة فی الوجه الأوّل و هی الضارب و المؤلم و الخالق و المتکلم، و التزم فی الصفات الذاتیّة بالنقل أو التجوز و صرّح بعدم اعتبار القیام فی اللابن و أمثاله.

الرابع: ما اختاره المصنف من اعتبار القیام بمعنی التلبس الّذی یختلف باختلاف هیئات المشتق من اسمی الفاعل و المفعول و غیرهما کاختلافه باختلاف المواد کما سیأتی بیانه عند شرح کلام المصنف (قده).


(1). أی: جری المشتق علی الذات.

(2). أی: أنحاء التلبس.

(3). صفة ل - أنحائه -.

(4). فتارة یکون المبدأ لازما للذات، و حینئذ یکون القیام حلولیا کالمرض و الجوع و الشجاعة.

(و أخری) یکون صادرا عنها کالإعطاء و الضرب و الإیلام، فیکون القیام صدوریا.

(و ثالثة) یکون منتزعا عنها بأن تکون الذات منشأ لانتزاع المبدأ عنها مفهوما مع کونه عینها وجودا کالعلم و القدرة و الحیاة بالنسبة إلیه سبحانه و تعالی.

الهیئات (1) أخری من (2) القیام صدورا (3) أو حلولا (4) أو وقوعا علیه (5) أو فیه (6) أو انتزاعه عنه (7) مفهوما مع اتحاده معه خارجا کما فی صفاته تعالی -


(1). کاسمی الفاعل و المفعول و غیرهما من هیئات المشتقات، فإنّ قیام الضرب بالضارب صدوری و بالمضروب وقوعی.

(2). بیان لنحو خاص.

(3). کالإعطاء و الضرب، فإنّ قیامهما بالفاعل صدوری.

(4). کالمرض و الموت، و القیام الصدوری و الحلولی ناشئان عن اختلاف المواد کما عرفت.

(5). کالضرب و الإیلام بالنسبة إلی المفعول، فإنّ قیامهما بالمضروب و المؤلم - بالفتح - وقوعی، و هذا من اختلاف الهیئة و کذا الوقوع فیه.

(6). کمجلس و مسجد و غیرهما من أسماء الزمان و المکان.

(7). أی: انتزاع المبدأ عن الذات مفهوما مع اتحاده معها عینإ؛،، للَّه‏للَّه؛ کمفهوم العالم و القادر مثلا، فإنّهما ینتزعان عن نفس ذاته تعالی بلا ضمِّ ضمیمة معها، فذاته جلّ شأنه باعتبار أنّها علم ینتزع عنها مفهوم العالم، و باعتبار أنّها قدرة ینتزع عنها مفهوم القادر.

و الحاصل: أنّ مفاهیم الصفات الجاریة علیه سبحانه و تعالی کالعالم و القادر و الحی لا تنتزع إلاّ عن نفس ذاته المقدسة، و لیست کالصفات الجاریة علینا، فإنّ مفهوم العالم مثلا ینتزع عن ذواتنا المتلبسة بالإدراک، و بدون التلبس به لا یطلق علیها العالم، لعدم کفایة مجرد الذات فی انتزاع مفهوم العالم، بل لا بد من ضم ضمیمة معها.

علی ما أشرنا إلیه آنفاً (1)، أو مع (2) عدم تحقق إلاّ للمنتزع عنه کما فی الإضافات و الاعتبارات التی لا تحقق لها، و لا یکون بحذائها فی الخارج شی‏ء، و تکون من الخارج -


(1). یعنی: فی الأمر المتقدم.

(2). معطوف علی قوله: مع اتحاده.

و حاصله: أنّ الأمر المنتزع عن غیره تارة یکون له وجود فی الخارج کالعلم المنتزع عن ذات الباری عزّ اسمه، فإنّ المبدأ - أعنی العلم - عین الذات، و أُخری لا یکون له وجود فی الخارج، بل الوجود إنّما یکون لمنشإ الانتزاع کالإضافات التی لا وجود لها فی الخارج، نظیر الأُبوّة التی لا وجود لها فی الخارج، و إنّما الموجود فیه هو الشخص الّذی خلق من مائه غیره، و کذا الزوجیة و الملکیة و غیرهما من الاعتبارات التی لا یحاذیها شی‏ء فی الخارج.

فالمتحصل: أنّ واجدیّة الذات للمبدإ تتصور علی وجوه:

الأوّل: أن تکون بنحو الصدور کالمعطی و الناصر.

و الثانی: أن تکون بنحو الحلول کالمریض و الأسود و الأبیض.

و الثالث: أن تکون بنحو الانتزاع کالزوج و الحر و الرق و نحوها ممّا یکون المبدأ فیها منتزعاً عن الذات و ممّا لا وجود له فی الخارج کالزوجیة و الحریة و الرقیة و نحوها من الاعتبارات.

و الرابع: أن تکون بنحو العینیة کما فی صفاته تعالی، فإنّ المبدأ کالعلم و القدرة و الحیاة عین الذات المقدسة، و وجدان الذات لها بنحو العینیة و إن کان خارجاً عن المتفاهم العرفی، لکنه لإ؛-- للَّه‏للَّه؛ یقدح بعد کونه من التلبس الحقیقی بنظر العقل، فإنّ العرف إنّما یتبع نظره فی المفاهیم لا فی تطبیقها علی مصادیقها.

المحمول (1) لا المحمول بالضمیمة، ففی صفاته الجاریة علیه تعالی یکون المبدأ مغایراً له مفهوماً و قائماً به عیناً، لکنه (2) بنحو من القیام، لا (3) بأن یکون هناک اثنینیة و کان ما بحذائه (4) غیر الذات، بل (5) بنحو الاتحاد و العینیة -


(1). قد حکی بعض أجلة تلامذة المصنف (قدهما) أنّه قال الماتن فی درسه الشریف: «إنّ المراد بالخارج المحمول هو العارض الاعتباری کالزوجیة و نحوها، و بالمحمول بالضمیمة: العارض المتأصل کالسواد و البیاض، و وجه تسمیة الأوّل بالخارج المحمول هو کونه خارجاً عن الشی‏ء و محمولا علیه، و الثانی بالمحمول بالضمیمة لکونه محمولا بضمِّ ضمیمة علی شی‏ء کحمل السواد علی غیره، فإنّه لا یحمل علیه إلاّ بضم ضمیمة فیقال: الجسم ذو سواد» هذا توضیح ما نقل عن المصنف (قده). و کیف کان فلا یعتبر فی اتصاف الذات بالمبدإ وجود المبدأ فی الخارج، فإنّ المغایرة المفهومیة بینهما کافیة فی صحة قیام المبدأ بها سواء کان للمبدإ وجود مستقل کالإعطاء و القیام و الجلوس و نحوها، أم کان وجوده عین وجود الذات کصفات الباری تعالی علی ما عرفت آنفا.

(2). یعنی: لکن القیام الّذی یکون بنحو العینیة نحو خاص من القیام و لیس کسائر موارد قیام المبدأ بالذات مما یکون بینهما اثنینیة کما ربما یکون المنساق من قیام شی‏ء بشی‏ء التعدد و الإثنینیة.

(3). یعنی: لا القیام المشهوری بأن یکون هناک اثنینیة.

(4). یعنی: ما بحذاء المبدأ، و غرضه: بیان لازم الإثنینیة و هو کون ما بإزاء المبدأ غیر الذات کصفات المخلوق، فإنّ العلم فیهم هو الصورة الحاصلة مثلا، و هی غیر الذات القائمة بها تلک الصورة.

(5). تفسیر لقوله: «بنحو من القیام» یعنی: هذا القیام یکون بنحو الاتحاد و العینیة بحیث یکون ما بحذاء المبدأ کالعلم و القدرة عین الذات.

و کان ما بحذائه (1) عین الذات، و عدم اطلاع العرف علی مثل هذا التلبس (2) من الأمور الخفیة لا یضر بصدقها (3) علیه تعالی علی نحو الحقیقة إذا کان لها (4) مفهوم صادق علیه تعالی حقیقة و لو (5) بتأمُّل و تعمُّل من العقل، و العرف (6) إنّما یکون مرجعا فی تعیین المفاهیم لا فی تطبیقها علی مصادیقها.

(و بالجملة) یکون مثل العالم و العادل و غیرهما من الصفات الجاریة علیه تعالی -


(1). أی: ما بحذاء المبدأ.

(2). یعنی: التلبس الّذی یکون بنحو العینیة و هو أتم أفراد التلبس.

(3). أی: بصدق الصفات الجاریة علیه تعالی علی نحو الحقیقة، و وجه عدم المضریة هو: وجود مناط الصدق أعنی صدق الصفات علی الذات المقدسة واقعا، فلا یقدح فی صدقها عدم اطلاع العرف علی مثل هذا التلبس، لعدم إحاطته بجمیع مصادیق المبدأ، و من المعلوم عدم مرجعیة العرف فی تطبیق المفاهیم علی مصادیقها، و إنّما هو مرجع فی تشخیص المفاهیم.

(4). أی: للصفات.

(5). یعنی: و لو کان صدق المفهوم العرفی من الصفات علی الذات و انطباقه علیها بنظر العقل المدرک للتلبس بنحو العینیة دون نظر العرف غیر المدرک له، فإنّ الصدق و الحمل بنظر العقل ثابت للمغایرة المفهومیة الکافیة فی صحة الحمل و للاتحاد بنحو العینیة الّذی یدرکه العقل دون العرف.

(6). هذا وجه لعدم مضریة خفاء التلبس بنحو العینیة علی العرف بصدق الصفات العلیا علیه جلّ و علا، و حاصل هذا الوجه: أنّ العرف لیس مرجعا فی التطبیقات، و إنّما هو مرجع فی تمییز المفاهیم العرفیة و الإحاطة بحدودها، و أمّا بعد تمییزها فلا یرجع إلیه فی تطبیقها علی مصادیقها.

و علی غیره جاریة علیهما (1) بمفهوم واحد و معنی فارد و إن اختلفا فیما یعتبر فی الجری من (2) الاتحاد و کیفیة التلبس بالمبدإ، حیث إنّه (3) بنحو العینیة فیه تعالی، و بنحو الحلول أو الصدور فی غیره، فلا (4) وجه لما التزم به فی الفصول من نقل الصفات الجاریة علیه تعالی عما (5) هی علیها من المعنی (6) کما لا یخفی، کیف (7) و لو کانت بغیر معانیها العامة جاریة علیه تعالی کانت صرف لقلقة اللسان -


(1). أی: علی الباری تعالی و غیره، فإنّ العالم مثلا بما له من المفهوم یجری علیه سبحانه و تعالی و علی المخلوق، فجریانه علیهما بوزان واحد.

(2). بیان ل - ما - فی قوله: «فیما یعتبر» یعنی: لا تفاوت بین الخالق و المخلوق فی جریان الصفات علیهما إلاّ فی کیفیة التلبس و نحو الاتحاد، حیث إنّ التلبس بالمبدإ فی الباری عزّ اسمه یکون بنحو العینیة، و فی غیره یکون بنحو آخر من الحلول أو الصدور أو الانتزاع أو غیرها.

(3). أی: الاتحاد و التلبس.

(4). هذا متفرع علی ما ذکره من کون صفاته تعالی کصفاتنا من غیر تفاوت بینهما إلاّ فی کیفیة التلبس و الاتحاد، فالعالم مثلا - بما له من المفهوم - یحمل علی الواجب و الممکن من دون حاجة إلی تصرف فیه بنقل أو تجوز إذا جری علیه تعالی شأنه کما ذهب إلیه فی الفصول، و قد تقدم کلامه فی الأمر الرابع، فلاحظ.

(5). أی: عن المعنی الّذی تکون الصفات علیه.

(6). الأولی أن یقال: «من المعانی» لیوافق ضمیر - علیها - أو یقال:

• علیه - بتذکیر الضمیر.

(7). یعنی: کیف یکون لما التزم به فی الفصول من النقل وجه؟ و الحال أنّه لو کانت الصفات بغیر معانیها العامة للواجب و الممکن جاریة علیه تعالی شأنه لزم

و ألفاظ بلا معنی، فإنّ (1) غیر تلک المفاهیم العامة الجاریة علی غیره تعالی غیر مفهوم و لا معلوم إلاّ بما یقابلها، ففی مثل ما إذا قلنا: «انّه تعالی عالم» إمّا أن نعنی أنّه من ینکشف لدیه الشی‏ء فهو ذاک المعنی العام (2)، أو أنّه مصداق لما یقابل ذاک المعنی (3) فتعالی عن ذلک علوا کبیرا، و إمّا (4) أن لا نعنی شیئا أن تکون صرف لقلقة اللسان.

و ملخص هذا الإشکال الّذی أورده المصنف علی الفصول هو: أنّ الصفات الجاریة علی الباری جل و علا إن انسلخت عن معانیها العامة الشاملة للواجب و الممکن لزم أحد المحذورین اللذین لا سبیل إلی الالتزام بهما.

تقریبه: أنّه إذا قلنا: «اللَّه تعالی عالم» و لم نرد به مفهومه العام و هو من انکشف لدیه الشی‏ء - فإن أردنا به ما یقابله لزم الجهل فی حقه عز و جل تعالی اللَّه عن ذلک علوا کبیرا، و إن لم نرد به معنی لزم أن یکون قولنا: «اللَّه عالم» لقلقة اللسان. و بالجملة: یلزم الجهل فیه سبحانه و تعالی، أو کون التلفظ بصفاته الجاریة علیه صرف اللفظ من دون إرادة معنی لها، و کلا المحذورین باطل، فلا محیص عن إرادة المعانی العامة من الصفات لئلا یلزم الجهل و العجز و نحوهما فیه تعالی، و لا لقلقة اللسان.


(1). هذا شروع فی بیان المحذورین المتقدمین.

(2). أی: الشامل للواجب و الممکن، و حینئذ لا یلزم شی‏ءٌ من المحذورین.

(3). و المقابل للانکشاف الّذی هو معنی العلم عدم الانکشاف المعبر عنه بالجهل، فمعنی العالم حینئذ هو الجاهل، و هل یمکن التفوه به؟

(4). معطوف علی قوله: «امّا أن نعنی» و هو بیان للمحذور الثانی أعنی کون الصفات الجاریة علیه تعالی ألفاظا بلا معنی.

فتکون کما قلناه من کونها صرف اللقلقة و کونها (1) بلا معنی کما لا یخفی

«-»

(و العجب) أنّه (2) جعل ذلک (3) علّة لعدم صدقها (4) فی حق غیره، و هو کما تری (5). و بالتأمل فیما -


(1). أی: الصفات بلا معنی، و ضمیر - کونها - المتقدم یرجع إلی - الصفات - أیضا.

(2). یعنی صاحب الفصول.

(3). أی: النقل، حیث قال فی الفصول بعد عبارته المتقدمة فیما یتعلق بالأمر الرابع ما لفظه: «و لهذا لا تصدق فی حق غیره» - انتهی - و غرضه: أنّ المشتق بذلک المعنی الّذی یصدق علیه سبحانه و تعالی لا یصدق علی غیره، بل صدقه علی غیره جلّ و علا یکون بنحو الإثنینیة، لا الاتحاد و العینیة.

(4). أی: الصفات، فإنّها لا تصدق فی حق غیر الباری تعالی بذلک المعنی.

(5). هذا ردّ علی الفصول المنکر لصدق الصفات - کالعالم و القادر و نحو ذلک - علی المخلوق بالمعنی الّذی تطلق علیه جل شأنه. (-). الإنصاف عدم ورود شی‏ء من المحذورین اللّذین ذکرهما المصنف (قده) علی صاحب الفصول (ره) أصلا، لأنّه اعتبر فی قیام المبدأ بالذات الجامع بین الحلولی و الصدوری، و لمّا کان هذا السنخ من القیام ممتنعا فیه سبحانه و تعالی التزم الفصول بالنقل أو التجوز بمعنی إرادة معنی من العلم و القدرة مثلا یکون عین ذاته عزّ و جل و لا یکون زائدا علیها، کما یکون زائدا فی الممکن.

فجواب الفصول حینئذ بلزوم الجهل أو کون الصفات لقلقة اللسان غیر مناسب، بل جوابه عدم انحصار قیام المبدأ بالذات بالصدوری و الحلولی، و أنّ التلبس به بنحو العینیة أیضا نحو قیام، فتدبّر.

ذکرنا (1) ظهر الخلل فیما استدل من الجانبین (2) و المحاکمة (3) بین الطرفین، فتأمل (4). --و حاصل الرد هو: أنّ جری المشتق علی اللَّه تعالی لیس إلاّ کجریه علینا، لما نری من عدم إعمال عنایة فی إطلاق المشتق علیه عزّ و جل بل معنی المشتق علی کل تقدیر واحد، و جریه علی کل من الواجب و الممکن یکون علی نهج واحد من دون تفاوت بینهما إلاّ فی کیفیة التلبس کما عرفت.


(1). من اعتبار قیام المبدأ بالذات بأحد أنحائه فی صدق المشتق علی نحو الحقیقة.

(2). أی: المثبتین لاعتبار قیام المبدأ بالذات من دون واسطة فی العروض فی صدق المشتق علی نحو الحقیقة، و النافین لذلک، و قد ظهر خلل أدلة الطرفین من التحقیق الّذی أفاده المصنف بقوله: «و التحقیق أنّه لا ینبغی أن یرتاب من کان من أولی الألباب... إلخ».

(3). معطوف علی - الخلل - تقریب المحاکمة بنحو یکون النزاع لفظیا هو أن یقال: إنّ مراد القائلین بالاعتبار هو التلبس بأیِّ نحو من أنحائه المتقدمة، و مراد القائلین بعدم اعتباره هو: عدم اعتباره بمعنی خاص و هو الحلول، فلا نزاع حینئذ، لأنّ المنفی هو خصوص القیام الحلولی و المثبت هو القیام فی الجملة.

(4). لعله إشارة إلی ضعف المحاکمة، و أنّ النزاع معنوی، لأنّ من المثبتین من یعتبر القیام الحلولی بالخصوص کالأشعری، و لذا التجئوا إلی إثبات الکلام النفسیّ لئلا یلزم کونه تعالی شأنه محلا للحوادث، إذ الکلام بمعناه المعروف من الحوادث، و القیام الحلولی یستلزم کون ذاته المقدسة محلا لها، فالتزموا بأنّ المراد بالکلام فی قولنا: «اللَّه تعالی متکلم» معنی قدیم بالذات.

(السادس)

: الظاهر أنّه لا یعتبر فی صدق المشتق و جریه علی الذات حقیقة التلبس بالمبدإ حقیقة بلا واسطة فی العروض (1) کما فی الماء الجاری، بل یکفی التلبس به (2) و لو مجازا، و مع هذه الواسطة (3) کما فی المیزاب الجاری

«-»

فإسناد -


(1). غرضه من عقد هذا الأمر هو: أنّ صدق المشتق علی نحو الحقیقة لا یتوقف علی کون إسناد المبدأ إلی الذات حقیقیا کما فی - الماء جار -، حیث إنّ إسناد الجریان إلی الماء حقیقی و إسناد إلی ما هو له کما هو واضح، بل (لو کان) إسناد المبدأ إلی الذات مجازیا و إلی غیر ما هو له کما فی قولنا: «المیزاب جار» و «جالس السفینة متحرک»، حیث إنّ إسناد الجریان إلی المیزاب و الحرکة إلی جالس السفینة مجازی، لکونه إسنادا إلی غیر ما هو له (لما کان) مضرّا بصدق المشتق علی الذات حقیقة و إن کان إسناد المبدأ مجازا، و إنّما المضرّ هو المجاز فی الکلمة، لکون اللفظ حینئذ مستعملا فی غیر الموضوع له، بخلاف المجاز فی الإسناد، فإنّ الألفاظ مستعملة فی معانیها الحقیقیة، و المجازیة إنّما تکون فی الإسناد، و هی لا توجب المجاز فی الکلمة، فالمشتق مثل المتحرک و الجاری فی المثالین المذکورین قد استعمل فی معناه الموضوع له.

(2). أی: بالمبدإ و لو مجازا فی الإسناد خلافا للفصول، حیث اعتبر فی صدق المشتق الإسناد الحقیقی.

(3). أی: الواسطة العروضیة. (-). فی کون الماء واسطة عروضیة لاتصاف المیزاب بالجریان إشکال، لأنّ ضابط ذلک کما قیل هو: أن یکون الواسطة عرضا لذیها کالحرکة المعروضة للشدة و السرعة، إذ یصح حینئذ أن یقال: «الجسم شدید أو سریع بواسطة الحرکة» لأنّ عارض العارض عارض، و هذا بخلاف العارض لشی‏ء مباین، کعروض الجریان

الجریان إلی المیزاب و إن کان إسنادا إلی غیر ما هو له و بالمجاز إلاّ أنه (1) فی الإسناد لا فی الکلمة، فالمشتق فی مثل المثال بما هو مشتق (2) قد استعمل فی معناه الحقیقی (3) و إن کان مبدؤه مسندا إلی المیزاب بالإسناد المجازی، و لا منافاة بینهما (4) أصلا کما لا یخفی، و لکن ظاهر الفصول بل -


(1). أی: إلاّ أنّ المجاز فی الإسناد کما عرفت فی المثالین المتقدمین.

(2). یعنی: کما هو مفروض البحث، حیث إنّ المبحوث عنه فی مبحث المشتق هو وضع هیئته لخصوص حال التلبس أو الأعم، و أمّا کیفیة ثبوت المبدأ للذات و أنّها بنحو الحقیقة فی الإسناد أم المجاز فیه فهی خارجة عن حریم هذا البحث.

(3). و هو ذات ثبت له الجری مثلا علی القول بالترکیب و إن کان مبدؤه و هو الجری مسندا إلی المیزاب بالإسناد المجازی، نظیر إسناد الإنبات إلی الربیع مع استعمال الألفاظ فی معانیها الحقیقیة و عدم لزوم مجاز فی الکلمة، بل المجاز إنّما هو فی الإسناد أی إسناد الإنبات إلی الربیع، حیث إنّ المنبت للبقل حقیقة هو اللَّه تعالی شأنه لا الربیع، ففی مثال - المیزاب جار - لم یستعمل المشتق و هو - جار - إلاّ فی ذات ثبت له الجری و هو المعنی الحقیقی للمشتق، إلاّ أنّ ثبوت الجریان للمیزاب یکون بنحو المجاز فی الإسناد، فلا یلزم المجاز فی الکلمة أصلا.

(4). أی: بین استعمال المشتق فی معناه الحقیقی و بین الإسناد المجازی کما عرفت فی مثال - أنبت الربیع البقل - فی استعمال الألفاظ فی معانیها الحقیقیة مع لزوم المجاز فی الإسناد. للماء المباین للمیزاب، فلا یعد الجریان وصفا للمیزاب لا بلا واسطة و لا معها، و لکن یصح إسناد الجریان إلی المیزاب مجازا، و بهذا الاعتبار یصیر المیزاب متلبسا بالجریان بلا واسطة فی العروض.

صریحه (1) اعتبار الإسناد الحقیقی فی صدق المشتق حقیقة، و کأنه من باب الخلط (2) بین المجاز فی الإسناد و المجاز فی الکلمة و هذا (3) هاهنا (4) محل الکلام بین الأعلام و الحمد للَّه و هو خیر ختام. -


(1). حیث قال فیه: «و إنّما قلنا: من دون واسطة فی المقام احترازا عن القائم بواسطة» انتهی، فإنّ قیام الجریان بالمیزاب یکون بواسطة الماء و هی الواسطة فی العروض.

(2). هذا الخلط مبنی علی أن یکون مراد الفصول من الصدق استعمال المشتق فی معناه، إذ لا یعتبر حینئذ التلبس بالمبدإ حقیقة، بخلاف الإسناد الحقیقی، فإنّه یعتبر فیه التلبس بالمبدإ حقیقة، فوقع خلط بین الاستعمال الحقیقی و الإسناد الحقیقی، و المراد بالخلط: أنّ الفصول اعتبر التلبس الحقیقی بالمبدإ فی مقام الاستعمال مع أن ذلک غیر معتبر فیه، بل التلبس الحقیقی معتبر فی الإسناد الحقیقی.

(3). یعنی: و المجاز فی الکلمة لا المجاز فی الإسناد، و هذا لا یستلزم المجاز فی الکلمة.

(4). یعنی: فی مبحث المشتق

«-»

. (-). لا یخفی أنّ هنا مقامین:

أحدهما استعمال اللفظ - أی المشتق - فی معناه الموضوع له.

ثانیهما تطبقه علی موضوعه کحمل الجاری و جریه علی المیزاب فی قولنا:

«المیزاب جار» و یعبّر عن الأوّل بالاستعمال و عن الثانی بالإسناد تارة و الصدق أخری، فان کان نزاعهما فی الأوّل فالحق مع المصنف، لعدم استلزام المجاز فی الإسناد و التطبیق للتجوز فی کلمة المشتق، إذ یمکن أن یکون الاستعمال فی المعنی

الحقیقی مع کون الإسناد مجازیاً، و ان کان نزاعهما فی الثانی فالحق مع الفصول، إذ لا شک فی إناطة کون إسناد المشتق إلی شی‏ءٍ علی وجه الحقیقة بتلبس ذلک الشی‏ء بالمبدإ حقیقة، کإسناد الجریان إلی الماء، فإنّ تلبس الماء حقیقة بالجریان یوجب کون إسناده إلیه علی سبیل الحقیقة. و ظاهر کلام الفصول هو الثانی، لتعبیره بالصدق الظاهر فی الانطباق و الإسناد، و المصنف لمّا حمل کلام الفصول علی الأوّل - أعنی الاستعمال - أورد علیه بما ذکره، لکن الإنصاف ظهور عبارة الفصول فی الثانی أعنی الإسناد، فلا یرد علیه ما أفاده المصنف.

و بالجملة: فإیراد المصنف وارد علی الفصول إن أراد الاستعمال، لکنه خلاف ظاهر عبارته کما عرفت، و غیر وارد علیه إن أراد الإسناد کما هو ظاهر عبارته.

و المتحصل: أنّ الاستعمال غیر الإسناد، و المجاز فی الثانی لا یستلزم المجاز فی الأول، و الاستعمال الحقیقی لا یتوقف علی التلبس بالمبدإ حقیقة، بخلاف الإسناد الحقیقی، فإنّه یتوقف علی ذلک، و لا ینبغی الإشکال حینئذٍ، فالحق أنّ الفصول لم یخلط بین الاستعمال و بین الإسناد، فلاحظ و تأمل.

و کیف کان، فلا إشکال فی أنّ الإسناد الحقیقی منوط بکون الموضوع متلبساً بمبدإ المشتق حقیقة، هذا.

(تذییل) یتضمن أمرین:

الأول: أنّه هل یکون بحث المشتق من المسائل الأصولیة أم لا؟ کما هو قضیة تعرضهم له فی المقدمة دون المقاصد.

الثانی: أنّه هل یترتب علی هذا المبحث ثمرة عملیة أم لا؟.

(أمّا الأوّل) فحاصل الکلام فیه: أنّهم لم یذکروا بحث المشتق فی المقاصد بل ذکروه فی المقدمة نظراً إلی خروجه عن المقاصد، لعدم انطباق ضابط المسألة الأصولیة علیه، حیث إنّها کبری لقیاس ینتج حکماً کلیاً فرعیاً کقولنا: «صلاة الجمعة ما أخبر بوجوبه العادل، و کلّما کان کذلک فهو واجب»، أو «هذا ما علم سابقاً بوجوبه و شک فیه لاحقاً و کلما کان کذلک فهو واجب»، أو «هذا مما لم یرد علی حرمته أو وجوبه بیان، و کلّما کان کذلک فهو مما لا حرج فیه عقلا»، و هذا الضابط لا ینطبق علی المشتق، إذ شأنه إحراز موضوع الحکم لا نفسه. و هذا بخلاف مباحث العام و الخاصّ و المطلق و المقید، فإنّ نتیجة هذه المباحث علی ما أفاده شیخنا الأستاذ (قده): «و إن لم تکن استنباط ذات الحکم، و لکن من المعلوم أنّه یستفاد منها کیفیة تعلق الحکم بموضوعه، کما أنّ مبحث المفاهیم أیضا موضوع لبیان سنخ إناطة الحکم بشی‏ء، فهو أیضا من أنحاء وجود الحکم و ثبوته، و هذا بخلاف المسائل الأدبیة، فإنّها ربما تقع فی طریق استنباط موضوع الحکم بلا نظر فیها أصلاً إلی کیفیة تعلق حکمه. و من هذا البیان ظهر أیضا وجه خروج المشتق من المسائل، إذ شأنه لیس إلاّ إحراز موضوع الحکم لا نفسه، لا بذاته و لا بکیفیة تعلقه بموضوعه. و من هنا ظهر أیضا وجه خروج مسائل علم الرّجال عن المسائل الأصولیة، لکونها أیضا کمبحث المشتق و سائر العلوم الأدبیة واقعة فی طریق استنباط الموضوع، لا نفس الحکم، و لا لکیفیة تعلقه بموضوعه، بل شأنه إثبات موضوع الحکم محضاً من کون السند موثوقاً به کی یشمله أدلة التعبد به» انتهی

موضع الحاجة من کلام شیخنا المحقق العراقی قدس سره.

أقول: أمّا جعل المسألة الأصولیة کبری لقیاس الاستنباط، ففیه:

أنّه لا یخلو عن مسامحة، فإنّ خبر الثقة مثلا إنّما یکون مسألة أُصولیة باعتبار حجیته، فالمسألة الأصولیة هی مجموع الموضوع و المحمول - أعنی قولنا: خبر الثقة حجة - لا الموضوع فقط و هو خبر الثقة، و من المعلوم: أنّ المجموع لا یقع کبری لقیاس الاستنباط، بل الواقع کبری له هو نفس الخبر کما عرفت فی مثال وجوب صلاة الجمعة، و المسألة الأصولیة تکون برهاناً علی کبری قیاس الاستنباط، فلعلّ الأولی تعریف المسألة الأصولیة بأنّها هی التی تکون دلیلا علی کبری قیاس نتیجته حکم کلی فرعی، و لعلّه یرجع إلی ذلک ما فی بعض الکلمات من «أنّ المسائل الأصولیة عبارة عن المبادئ التصدیقیة للمسائل الفقهیة» انتهی.

و أمّا إخراج مبحث المشتق عن المسائل الأصولیة ببیان: أنّ شأنه لیس إلاّ إحراز موضوع الحکم لا نفسه لا بذاته و لا بکیفیة تعلقه بموضوعه، ففیه:

أنّه بعد البناء علی تعمیم الحکم المستنبط من المسألة الأصولیة لذاته و لکیفیة تعلقه بموضوعه لا یبقی فرق بین المشتق و بین العام و الخاصّ و المطلق و المقید، ضرورة أنّ العام کما یتضمن کیفیة تعلق الحکم و هی تشریعه علی وجه العموم، و المطلق یتضمن ثبوت الحکم مستمراً و غیر مقید بحال دون حال کما هو شأن الإطلاق الأحوالی و الأزمانی، کذلک المشتق، فإنّه یدلّ علی ثبوت الحکم منوطاً ببقاء المبدأ - بناءً علی وضعه للأخص - و ثبوته مستمراً بناءً علی وضعه للأعم، فالمشتق دخیل فی کیفیة تعلق الحکم بموضوعه کدخل العام و الخاصّ و أضرابهما فی کیفیة تعلق الحکم بموضوعه

فتلخص مما ذکرناه أمران:

الأوّل: أنّ المسألة الأصولیة عبارة عن دلیل کبری قیاس استنباط الحکم الکلی الفرعی.

الثانی: أنّ بحث المشتق - بناءً علی تعمیم الحکم المستنبط من المسألة الأصولیة و شموله لکیفیة تعلقه بموضوعه - یندرج فی المسائل الأصولیة، فینبغی إدراجه فی مقاصد الفن لا ذکره فی مقدمته.

(و أمّا الأمر الثانی) فمحصله: أنّه قیل بترتب الثمرة علی بحث المشتق فی موارد:

أحدها: کراهة البول تحت الشجرة التی لا ثمرة لها فعلاً مع کونها ذات ثمرة قبل ذلک، فإنّه بناءً علی وضع المشتق للأعم مکروه، و علی القول بوضعه للأخص غیر مکروه. و یمکن أن یقال: إنّ الإثمار للشجرة من قبیل الاجتهاد و العدالة و غیرهما من الملکات لذوی العقول، فانقضاؤها منوط بزوال الشأنیة، فتلبس الشجرة بالإثمار عبارة عن بقاء استعدادها له، فلا یعتبر فی تلبسها به فعلیة الإثمار، فما دامت الشجرة مستعدة له یصدق علیها الشجرة المثمرة، فیکره البول تحتها، فثمرة بحث المشتق حینئذٍ تظهر بعد زوال استعدادها للإثمار، هذا.

أقول: الروایات و إن کانت مشتملة علی الشجرة المثمرة کروایة الحسین ابن زید عن الصادق عن أبیه عن آبائه عن أمیر المؤمنین علیهم الصلاة و السلام فی حدیث المناهی قال: نهی رسول اللَّه صلی اللَّه علیه و آله و سلم أن یبول تحت شجرة مثمرة و عنه صلی اللَّه علیه و آله و سلم فی حدیث آخر و کره أن یحدث‏

الرّجل تحت شجرة مثمرة قد أینعت‏ - یعنی أثمرت -، و علی مساقط الثمار کمرفوعة علی بن إبراهیم قال: «خرج أبو حنیفة من عند أبی عبد اللَّه علیه السلام و أبو الحسن موسی علیه السّلام قائم و هو غلام فقال له أبو حنیفة: یا غلام أین یضع الغریب ببلدکم؟ فقال: اجتنب أفنیة المساجد و شطوط الأنهار و مساقط الثمار و منازل النزال» الحدیث، لکن فی بعضها کخبر السکونی: «أو تحت شجرة فیها ثمرتها» و فی بعضها الآخر کالمروی عن العلل عن أبی جعفر علیه السّلام قال: «إنّما نهی رسول اللَّه صلی اللَّه علیه و آله و سلم أن یضرب أحد من المسلمین خلاء تحت شجرة أو نخلة قد أثمرت لمکان الملائکة الموکلین بها قال: و لذلک تکون النخلة و الشجرة أنساً إذا کان فیه حمله، لأنّ الملائکة تحضره‏» و ظهورهما خصوصاً الثانی فی کون الشجرة ذات ثمرة فعلاً مما لا ینکر، فدعوی کون موضوع الحکم بالکراهة هو خصوص الشجرة المثمرة فعلاً کما أفتی به جماعة من المتأخرین علی ما فی - هو - قریبة جداً. إلاّ أن یقال: إنّ کلاًّ من الإثمار الفعلی و الشأنی موضوع للحکم، کما ربما یستفاد ذلک من المروی فی الفقیه کون الملائکة موکّلین بالأشجار حال عدم الثمرة أیضا، فلاحظ و تأمل.

ثانیها: کراهة الوضوء و الغسل بالماء المشمس بعد برده و کراهة غسل المیت بالماء المسخن بعد برودته، فإنّ الحکم بالکراهة بعد ارتفاع السخونة مبنی علی وضع المشتق للأعم و عدم اشتراط بقاء المبدأ فی صدق المشتق.

ثالثها: ما إذا جعل عنوان خاص موقوفاً علیه کسکان بلدة کذا أو طلاب مدرسة کذا، و أعرضوا عن تلک البلدة أو المدرسة، فإنّ جواز إعطائهم حینئذٍ

المقصد الأول1 فی الأوامر و فیه فصول

اشارة

فی -.......... من عوائد الموقوفة و عدمه مبنی علی بحث المشتق.

رابعها: عنوان الجلاّل العارض للحیوان المأکول اللحم، فإنّه إذا زال عنه عنوان الجلل یمکن النزاع فی بقاء حکمه بناءً علی وضع المشتق للأعم، و عدمه بناءً علی وضعه للأخص، لکن ثبت بالنص و الإجماع کون استبراء الحیوان الجلاّل فی المدة المضبوطة فی کل حیوان موجباً لزوال حکم الجلل عنه، و عود الأحکام الثابتة له قبل جلله، فهذا المثال فرضی.

خامسها: الدار التی یشتریها المکتسب فی أثناء سنة الاکتساب لسکناه ثم تخرج عن هذا العنوان، لحصول سکنی دار أُخری له، کما إذا جعل له سکنی دار مطلقاً کأن یقول له مالک الدار: «أسکنتک داری»، أو مقیداً بعمر أحدهما کأن یقول له المالک: «لک سکنی داری مدة حیاتک أو حیاتی»، أو بزمان خاص کأن یقول له: «لک سکنی داری سنة أو سنتین أو أکثر».

و بالجملة: فإذا جعل له سکنی دار بأحد الأنحاء الثلاثة من السکنی و العمری و الرقبی و صار بذلک غنیاً عن الدار التی اشتراها للسکنی و عدت من المئونة، فهل تبقی علی حکمها و هو عدم وجوب تخمیسها بناءً علی وضع المشتق للأعم، إذ المفروض صدق المئونة علیها قبل الاستغناء عنها أم لا؟ فیجب إخراج خمسها بناءً علی وضع المشتق للأخص. و علیک بالتأمل فیما ذکرناه من الأمثلة التی فرعوها أو یمکن تفریعها علی المشتق، فإنّ للتکلم فیها مجالاً واسعاً، و لما لم یکن التعرض لها إلاّ لمزید اطلاع الناظر أوکلنا تحقیق الحق فیها إلیه، و الحمد للَّه رب العالمین و الصلاة و السّلام علی سیدنا محمد و آله الأئمة الطاهرین و اللعنة الدائمة علی أعدائهم أجمعین. ===============‌ (z). اعلم: أنّ الأصولیین قد جری دیدنهم بعد ذکر جملة من‏ المباحث

الأوامر (1) و فیه فصول:

الأوّل: فیما یتعلق بمادة الأمر

اشارة

من الجهات و هی عدیدة:

الأولی:

أنّه قد ذکر للفظ الأمر معانٍ متعددة، منها: الطلب (2) کما یقال: -


(1). الظاهر: أنّه جمع الأمر بالمعنی المبحوث عنه فی المقام علی خلاف القیاس، إذ لا یجمع الثلاثی علی هذا الوزن من أوزان الجمع إلاّ سماعاً، و یکفی فی ثبوت السماع ما فی دعاء کمیل المعروف من قوله علیه الصلاة و السّلام:

«و خالفت بعض أوامرک‏»، مضافاً إلی ما فی المصباح من کون الأوامر جمع الأمر، و علیه فلا حاجة إلی جعل الأوامر جمعاً للآمرة نعتاً للکلمة - کما قیل - مع عدم دلیل علیه، کما لا حاجة إلی جعل الأوامر جمعاً للأمور الّذی هو جمع الأمر بمعنی الطلب، إذ فیه: أنّ الأمور جمع الأمر الّذی هو بمعنی الفعل أو الشأن.

(2). و هو عرفاً السعی نحو شی‏ء للظفر به کطلب الغریم، و طلب الماء غلوة سهم أو سهمین فی باب التیمم، و طلب الدم کما فی صحیحة زرارة التی استدل بها _=============== اللغویة فی المقدمة علی جعل مباحث الأوامر أوّل مقاصد علم الأصول، لکن الحق کون الأوامر أیضا من المبادئ بناءً علی ما جعلوه ضابطاً للمسألة الأصولیة من کونها کبری لقیاس ینتج حکماً کلیاً فرعیاً، حیث إنّ المبحوث عنه فی الأوامر إثبات أصل الظهور لا حجیته، و من المعلوم: أنّ إثبات الظهور من المباحث اللغویة المثبتة لصغری المسألة الأصولیة کالأبحاث الرجالیة المثبتة لکون خبر زرارة و محمد بن مسلم و أضرابهما خبر الثقة الّذی هو صغری المسألة الأصولیة.

و الحاصل: أنّ الضابط الّذی ذکروه للمسألة الأصولیة من کونها الجزء الأخیر لعلة الاستنباط لا ینطبق علی الأوامر و نحوها مما له دخل فی أصل الظهور لا حجیته.

أمره بکذا.

و منها: الشأن کما یقال: شغله أمر کذا.

و منها: الفعل کما فی قوله تعالی: و ما أمر فرعون برشید. و منها: الفعل العجیب کما فی قوله تعالی: فلما جاء أمرنا. و منها: الشی‏ء کما تقول: رأیت الیوم أمراً عجیباً.

و منها: الحادثة، و منها الغرض کما تقول: «جاء زید لأمر کذا» و لا یخفی أنّ عد بعضها (1) من معانیه من اشتباه المصداق بالمفهوم، ---علی حجیة الاستصحاب، حیث قال السائل: «فطلبته - أی الدم - و لم أقدر علیه» و کطلب العلم و الضالة و غیر ذلک من موارد استعماله فی النظم و النثر، و لمّا کان الأمر مما یعد سعیاً نحو المأمور به و من مُعدَّات وجوده، حیث إنّ الأمر یحدث الداعی فی المأمور علی إیجاد المأمور به، فالأمر کتحریک عضلاته نحو إیجاد شی‏ءٍ غایة الأمر: أنّ تحریک العضلات یکون فی المأمور به المباشری، و الأمر الموجّه إلی لغیر یکون فی المأمور به التسبیبی الّذی یتعلق غرض الآمر بإیجاد الغیر للعمل.

و بالجملة: فنفس الأمر الصادر من الآمر مصداق الطلب لا مفهومه، فجعل لطلب من معانی الأمر من قبیل اشتباه المفهوم بالمصداق، و تفسیر للشی‏ء بما هو أعم منه، و کذا الحال فی غالب موارد استعمال الأمر کما سیظهر إن شاء اللَّه تعالی.


(1). أی: بعض المعانی التی ذکرت للأمر کاستعماله فی الطلب علی ما عرفت آنفاً، و استعماله فی الشی‏ء کقوله: «رأیت الیوم أمراً عجیباً»، فإنّ الأمر بقرینة لرؤیة الواقعة علی الأمر الخارجی قد استعمل فی مصداق الشی‏ء لا فی مفهومه، و استعماله فی مصداق الغرض فی مثل قوله للطبیب: «جئتک لأمر قاصداً به العلاج التداوی» فإنّ الأمر هنا یراد به مصداق الغرض أعنی العلاج، لا مفهومه و هو لداعی إلی وجود شی‏ء.

ضرورة (1) أن الأمر فی - جاء زید لأمر کذا - ما استعمل فی معنی الغرض، بل اللام قد دلّ علی الغرض، نعم یکون مدخوله مصداقه، فافهم (2)، و هکذا الحال فی قوله تعالی: «فلما جاء أمرنا» یکون مصداقاً للتعجب لا مستعملاً فی مفهومه، و کذا فی الحادثة و الشأن، و بذلک (3) ظهر ما فی دعوی الفصول (4) من کون لفظ الأمر حقیقة فی المعنیین الأوّلین (5)، و لا یبعد دعوی -


(1). تعلیل لقوله: «و لا یخفی» و حاصله: کما مر أنّ لفظ الأمر فی جملة من الموارد المذکورة لم یستعمل أی لم یجعل حاکیاً عن المعانی و فانیاً فیها علی حد استعمال سائر الألفاظ فی معانیها، فإنّ الدال علی الغرض هو اللام.

(2). لعله إشارة إلی اختلاف موارد استعمال الأمر، فإنّه قد یستعمل فی معنی الغرض کما إذا قال: «جئتک لأمر کذا»، لأنّه بمنزلة قوله: «جئتک لغرض کذا» و قد یستعمل فی مصداقه و هو فیما إذا لم یضف إلی شی‏ء، کما إذا قال للطبیب مثلا: «جئتک لأمر» قاصداً به المعالجة. و کیف کان فلا یبعد أن یقال: إنّ معنی الأمر هو الفعل أو الشی‏ء، و الخصوصیات من کونه عجیباً أو غرضاً أو غیرهما تستفاد من دوالٍ أُخر کالقرائن المقالیة و المقامیة، لا أنّ الأمر قد استعمل فی معانٍ عدیدة حتی یکون بلحاظها متکثر المعنی.

(3). أی: بالفرق بین المفهوم و المصداق.

(4). قال فی الفصول: «الحق أنّ لفظ الأمر مشترک بین الطلب المخصوص کما یقال: امره بکذا، و بین الشأن کما یقال: شغله أمر کذا، لتبادر کل منهما من اللفظ عند الإطلاق مع مساعدة ظاهر کلام بعض اللغویین علیه» انتهی.

(5). و هما الطلب و الشأن، و حاصل إشکال المصنف علی الفصول هو: أنّ لفظ الأمر لم یستعمل فی مفهوم الشأن حتی یعد من معانیه، بل استعمل فی مصداقه،

کونه (1) حقیقة فی الطلب فی الجملة (2) و الشی‏ء (3)، هذا بحسب العرف و اللغة و أما بحسب الاصطلاح فقد نقل الاتفاق علی أنه (4) حقیقة فی القول المخصوص (5) و مجاز فی غیره (6)، و لا یخفی أنّه علیه (7) لا یمکن منه الاشتقاق، فإنّ معناه حینئذٍ (8) لا یکون معنی -فاشتبه علی الفصول المفهوم بالمصداق، فدعوی کون الشأن معنی حقیقیاً للأمر فی غیر محلها. (1). أی: لفظ الأمر.

(2). یعنی: لا الطلب مطلقاً بل مقیداً بخصوصیات یأتی البحث عنها ان شاء اللَّه تعالی.

(3). و هو عام للأعیان کالماء و الحنطة و غیرهما، و الصفات کالعلم و العدالة و السخاوة و غیرها من الملکات، و الأفعال کالأخذ و الإعطاء و غیرهما، و علی هذا المعنی العام یکون کثیر من المعانی المزبورة کالفعل العجیب و الشأن و الحادثة و غیرها من مصادیقه.

(4). أی: لفظ الأمر.

(5). أی صیغة - افعل -، فالأمر اصطلاحاً هو الصیغة.

(6). أی: فی غیر القول المخصوص.

(7). أی: بناءً علی کون لفظ الأمر حقیقة فی القول المخصوص یرد إشکال و هو عدم صحة الاشتقاق منه کما سیظهر وجهه.

(8). یعنی: حین کون معنی لفظ الأمر هو القول المخصوص، توضیح الإشکال: أنّه علی هذا المعنی یکون الأمر جامداً، لعدم کون معناه حینئذٍ حدثاً، و من المعلوم: أنّ مبدأ الاشتقاق هو المصدر الّذی یکون مدلوله معنی حدثیّاً

حدثیاً (1)، مع أنّ الاشتقاقات منه (2) ظاهراً تکون بذلک المعنی المصطلح علیه بینهم لا بالمعنی الآخر، فتدبر (3). و یمکن (4) أن یکون مرادهم به هو -جامعاً بین المشتقات، و لیس القول المخصوص الّذی فرض کونه معنی الأمر ذلک المعنی الحدثی الجامع بینها، قال فی الفصول: «لو أرادوا بالقول المخصوص نفس اللفظ أعنی الملفوظ کما هو الظاهر من کلماتهم لکان بمنزلة الاسم و الفعل و الحرف فی مصطلح علماء العربیة، فکان اللازم عدم صحة الاشتقاق منه، لعدم دلالته حینئذٍ علی معنی حدثی» انتهی. (1). لأنّ المفروض کون الأمر حینئذٍ اسماً للقول المخصوص.

(2). أی: من لفظ الأمر، محصله: تضعیف نقل الاتفاق علی کون لفظ الأمر بحسب الاصطلاح حقیقة فی القول المخصوص، وجه التضعیف هو: أنّه لا یصح الاشتقاق من لفظ الأمر بمعناه المصطلح علیه بین الأُصولیین، مع أنّ الظاهر أنّه بمعناه الاصطلاحی یکون مبدأ الاشتقاق، فعدم صحة الاشتقاق منه بمعناه المصطلح یکشف عن أنّ معناه الاصطلاحی لیس هو القول المخصوص.

(3). لعله إشارة إلی منع الظهور المزبور، فیمکن تصحیح دعوی الاتفاق المذکور، و الالتزام بکون مبدأ الاشتقاق هو الأمر بمعنی آخر.

(4). هذا التوجیه من الفصول و غرضه: التوفیق بین نقل الاتفاق علی کون لفظ الأمر حقیقة فی القول المخصوص، و بین کون الاشتقاق بلحاظ هذا المعنی الاصطلاحی، و ملخص تقریب التوفیق هو: أنّه یمکن تأویل معقد الاتفاق بأن یقال: إنّ مراد الأُصولیین هو کون لفظ الأمر حقیقة فی الطلب بالقول المخصوص، بحیث یکون معناه الحدث المضاف إلی الصیغة الخاصة المعبر عنه بالفارسیة - طلب کردن - بصیغة خاصة، لا أن یکون المعنی نفس الصیغة حتی لا یصح الاشتقاق

الطلب بالقول لا نفسه (1) تعبیراً عنه (2) بما یدل علیه، نعم (3) القول المخصوص أی صیغة الأمر إذا أراد العالی بها الطلب یکون من مصادیق الأمر، لکنه (4) بما هو طلب مطلق أو مخصوص، و کیف کان فالأمر سهل لو ثبت النقل (5) -منه. و الوجه فی تعبیرهم عن الطلب الّذی هو معنی لفظ الأمر بنفس القول هو:

دلالة الصیغة علی الطلب، و المناسبة الثابتة بین الدال و المدلول تقتضی صحة تسمیة کل منهما باسم الآخر، فلمّا کان الطلب الّذی هو معنی لفظ الأمر مدلولاً للقول المخصوص قالوا: إنّ الأمر هو ذلک القول المخصوص تسمیة للدال - أی القول - باسم المدلول أی الطلب.


(1). یعنی: لا نفس القول حتی یکون الأمر اسماً له، فیمتنع الاشتقاق منه.

(2). أی: تعبیراً عن الطلب بما یدل علیه، و هو القول المخصوص مجازا من باب ذکر الدال و إرادة المدلول.

(3). استدراک علی قوله: «لا نفسه» یعنی: أنّ الأمر و إن لم یکن اسما للقول المخصوص بحیث یکون معناه ذلک القول، لکنّه یعدّ من مصادیق الأمر إذا کان الطالب به عالیا کالمولی الحقیقی أو العرفی، و لوحظ ذلک القول بما هو طلب لا بما أنّه قول خاص، و إلاّ رجع إلی المعنی الأوّل و هو کون الأمر نفس القول. و الحاصل: أنّ مصداقیّة القول الخاصّ للأمر إنّما تکون بلحاظ کونه طلبا مطلقا أو خاصا، لا بلحاظ أنّه قول، و إلاّ رجع إلی المعنی الأوّل و هو کون الأمر نفس القول المخصوص، و هذا مراد المصنف (قده) بقوله: «بما هو طلب» یعنی لا بما هو قول.

(4). یعنی: لکن القول المخصوص بما هو طلب مصداق للأمر لا بما هو قول.

(5). یعنی: نقل الأمر عن معناه اللغوی و العرفی إلی القول المخصوص، فالأمر علی تقدیر ثبوت هذا النقل سهل.

و لا مشاحة فی الاصطلاح (1)، و إنّما المهم بیان ما هو معناه عرفا و لغة لیحمل علیه فیما إذا ورد بلا قرینة، و قد استعمل فی غیر واحد من المعانی فی الکتاب و السنة، و لا حجة علی أنّه (2) علی نحو الاشتراک اللفظی أو المعنوی أو الحقیقة و المجاز، و ما ذکر فی الترجیح (3) -


(1). فیمکن أن یکون معنی مادة الأمر اصطلاحا الصیغة الخاصة و أن یکون الاشتقاق منه بمعنی آخر، و تحقیق کون الاشتقاق بالمعنی الاصطلاحی أو غیره لیس بمهم، و إنّما المهم بیان ما هو معنی الأمر عرفا و لغة و تمییزه بحسبهما لیحمل لفظه المجرد عن القرینة علیه، و محصل ما أفاده فی ذلک هو: أنّ الأمر قد استعمل فی الکتاب و السنة فی غیر واحد من المعانی المتقدمة و لم یقم دلیل علی أنّ الاستعمال فیها هل هو بنحو الاشتراک اللفظی أم المعنوی أم الحقیقة و المجاز، و الوجوه المذکورة فی تعارض الأحوال لترجیح بعضها علی بعض - بعد تسلیم سلامتها عن المعارضة بمثلها - لا تصلح للترجیح، لعدم حجة علی الترجیح بتلک الوجوه، فلا محیص حینئذ عن الرجوع إلی الأصل العملی فی المسألة الفقهیة إلاّ إذا أحرز ظهور لفظ الأمر فی أحد معانیه، فیحمل اللفظ حینئذ علیه و إن لم یعلم منشأ ذلک الظهور، و احتمل أن یکون لأجل الوضع لذلک المعنی بالخصوص أو للجامع بینه و بین غیره، لکنه ینصرف إلی ذلک المعنی الخاصّ لغلبة الاستعمال أو غیرها.

و بالجملة: فبناء العقلاء علی حجیة الظواهر یقتضی حجیتها و ان لم یعلم منشأها.

(2). أی: الاستعمال.

(3). یعنی: فی مبحث تعارض الأحوال من الترجیح بالغلبة أو الظن.

عند تعارض هذه الأحوال (1) لو سلم (2) و لم یعارض بمثله (3)، فلا دلیل (4) علی الترجیح به، فلا بد مع التعارض (5) من الرجوع إلی الأصل (6) فی مقام -


(1). و هی الاشتراک اللفظی و الحقیقة و المجاز و غیرها مما ذکر فی تعارض الأحوال.

(2). قد ذکر فی الإشکال علی الترجیح بالمرجحات المذکورة فی مبحث تعارض الأحوال وجوها ثلاثة:

الأوّل: عدم تسلیم تلک المرجحات مثل غلبة المجاز علی الاشتراک، فإنّ الغلبة غیر مسلمة.

الثانی: أنّها - بعد تسلیمها - معارضة بمثلها، لغلبة الاشتراک مثلا أیضا.

الثالث: عدم الدلیل علی اعتبارها - بعد تسلیمها و الغض عن معارضتها بمثلها -، لعدم کونها بنفسها حجة، حیث إنّها وجوه استحسانیة، نعم إذا کانت موجبة للظهور العرفی فی معنی خاص بأن تکون موجبة لظهور اللفظ فیه یندرج فی الظواهر التی ثبت اعتبارها ببناء العقلاء و لو کان الظهور ناشئا من القرینة کما فی المجازات.

(3). إشارة إلی الإشکال الثانی المتقدم.

(4). إشارة إلی الإشکال الثالث.

(5). یعنی: تعارض تلک الوجوه المرجحة و عدم کونها موجبة للظهور فی معنی خاص.

(6). لأنّه المرجع بعد فقد الدلیل أو إجماله کالمقام، و هو یختلف حسب اختلاف المقامات و الموارد.

العمل (1)، نعم (2) لو علم ظهوره فی أحد معانیه و لو (3) احتمل أنّه کان للانسباق من الإطلاق فلیحمل علیه (4) و إن لم یعلم أنّه (5) حقیقة فیه بالخصوص أو فیما یعمه، کما لا یبعد (6) أن یکون کذلک (7) -


(1). یعنی: أنّ المراد بالأصل هنا هو الأصل العملی کالاستصحاب و البراءة و الاشتغال، لا الأصل اللفظی، إذ المفروض فقدانه.

(2). استدراک من الرجوع إلی الأصل العملی فی مورد التعارض، یعنی:

أنّه لا یرجع إلی الأصل العملی إذا کان اللفظ ظاهرا فی أحد معانیه، لحجیة الظهور المانعة عن الرجوع إلی الأصل.

(3). کلمة - لو - وصلیة، و ضمیر - انّه - راجع إلی - الظهور -.

(4). هذا جواب - لو - فی قوله: «نعم لو علم» و وجه اعتباره: بناء العقلاء علیه.

(5). أی: لفظ الأمر حقیقة فی ذلک المعنی أو فی معنی عام یشمله.

(6). یعنی: کما لا یبعد أن یکون الأمر ظاهرا فی الطلب و ان کان منشأ هذا الظهور انصراف الإطلاق إلیه

«-»

. (7) أی: ظاهرا. (-). لا یقال: إنّ نفی البعد عن ظهور الأمر فی الطلب ینافی ما نفی البعد عنه سابقا من کون الأمر حقیقة فی الطلب و الشی‏ء حیث قال هناک: «و لا یبعد دعوی کونه حقیقة فی الطلب فی الجملة و الشی‏ء» انتهی. فإنّه یقال: إنّ دعوی الحقیقة فی المعنیین لا تنافی ظهور اللفظ فی خصوص أحدهما کالطلب فی المقام لجهة خارجیة مثل کثرة الاستعمال فیه، فإنّ الظهور الناشئ عن جهة خارجیة فی أحد المعنیین بالخصوص لا ینافی الوضع لهما کما لا یخفی.

فی المعنی الأول (1).

الجهة الثانیة

الجهة الثانیة(2) الظاهر: اعتبار العلو فی معنی الأمر، فلا یکون الطلب من السافل أو المساوی أمرا، و لو أطلق علیه (3) کان بنحو من العنایة، کما أنّ الظاهر (4): عدم اعتبار الاستعلاء، فیکون الطلب من العالی أمرا و لو کان مستخفضا لجناحه، و أمّا (5) احتمال اعتبار أحدهما فضعیف، -


(1). و هو الطلب، حیث إنّه أوّل المعانی التی ذکرها للأمر.

(2). الغرض من عقدها بیان أمور: الأوّل: الإشارة إلی الخلاف المعروف بینهم من کون الطلب الّذی هو معنی مادة الأمر هل هو مطلق الطلب أم ما یعتبر فیه علوُّ الطالب أو استعلاؤه أو کلاهما، أو العلوّ مع عدم الاستخفاض، فیه وجوه بل أقوال.

(3). یعنی: و لو أطلق الأمر علی طلب السافل أو المساوی رتبة بحیث لا یکون له علوٌّ لا عقلا و لا شرعا و لا عرفا کان الإطلاق بضرب من العنایة. و محصل ما أفاده المصنف فی هذه العبارة هو: أنّ الظاهر اعتبار علوُّ الطالب فی مفهوم الأمر، للتبادر، حیث إنّه یتبادر من قوله: «أمر زید عمرا بکذا» علوُّ الآمر، فلا یکفی فی تحقق الطلب الّذی هو معنی الأمر مجرد الاستعلاء من دون علوٍّ، و لو أطلق علیه الأمر أحیانا لم یکن ذلک علی نحو الحقیقة، فعنوان الآمریة متقوم بصدور البعث من العالی.

(4). هذا هو الأمر الثانی، و حاصله: عدم اعتبار استعلاء الطالب فی الطلب الّذی هو معنی الأمر، فطلب العالی و لو مع الاستخفاض أمر حقیقة، فالمعتبر فی الطلب هو علوُّ الطالب دون استعلائه، کما یشهد به العرف و الوجدان.

(5). هذا هو الأمر الثالث، و حاصله: اعتبار أحد الأمرین علی سبیل منع الخلوّ

و تقبیح (1) الطالب السافل من العالی المستعلی (2) علیه (3)، و توبیخه (4) بمثل - انّک لم تأمره (5) - إنّما هو (6) علی استعلائه، لا علی أمره حقیقة بعد -إمّا علوّ الطالب واقعا، و إمّا استعلاؤه فی صدق الطلب الّذی هو معنی الأمر، فطلب المساوی أو السافل مع الاستعلاء أمر أیضا.

و المصنف ضعّفه بعدم الدلیل علیه، بل قد عرفت آنفا: اعتبار العلوّ الواقعی فی مفهوم الطلب بشهادة العرف و الوجدان، و صحة سلب الأمر عن طلب غیر العالی.


(1). إشارة إلی برهان القول بکفایة الاستعلاء فی صدق الأمر.

و حاصله: أنّ العقلاء یقبِّحون السافل المستعلی الّذی یأمر العالی، و یذمّونه بأنک لم تأمر العالی، فإطلاقهم الأمر علی طلب السافل المستعلی یدل علی کفایة استعلاء الطالب فی صدق الأمر و عدم اعتبار العلوِّ الواقعی فیه.

(2). صفة ل - السافل -.

(3). أی: علی العالی.

(4). معطوف علی - تقبیح -.

(5). أی: تأمر العالی.

(6). أی: التقبیح، هذا جواب البرهان المزبور، و حاصله: أنّ التقبیح إنّما هو علی استعلاء السافل علی العالی، لا علی أمره حتی یقال: إنّ الذم علی هذا الأمر یکشف عن کفایة مجرد الاستعلاء فی صدق الأمر و عدم اعتبار العلو الواقعی فیه.

و بالجملة: فالتقبیح لیس دلیلا علی کفایة الاستعلاء فقط فی صدق الأمر، و إطلاق الأمر علی طلبه فی مقام توبیخه - بأنّک لم تأمره - إنّما هو بحسب مقتضی استعلائه، لا بحسب الواقع حتی یصح الاستدلال به علی کفایة الاستعلاء فقط

استعلائه (1)، و إنّما یکون إطلاق الأمر علی طلبه بحسب ما هو قضیة استعلائه (2)، و کیف کان (3) ففی صحة سلب الأمر عن طلب السافل و لو کان مستعلیا کفایة.

الجهة الثالثة

(4):لا یبعد کون لفظ الأمر حقیقة فی الوجوب، لانسباقه (5) عنه عند إطلاقه (6)، فی تحقق الأمر، فیکون إطلاق الأمر علی طلب المستعلی السافل مجازا فی الکلمة أو فی الإسناد، لمناسبته صورة للأمر الحقیقی.


(1). یعنی: حتی یکون دلیلا علی کفایة الاستعلاء فی صدق الأمر.

(2). و زعمه بکون طلبه أمرا، فلیس إطلاق الأمر علی طلب المستعلی علی نحو الحقیقة.

(3). یعنی: سواء کان التقبیح و التوبیخ علی الأمر أم علی استعلائه لا یکون برهانا علی کفایة الاستعلاء فی الأمر، ضرورة وجود أمارة المجاز و هی صحة السلب فیه، لصحة سلب الأمر عن طلب السافل و لو کان مستعلیا، و مع هذه الأمارة کیف یصح الاستدلال علی کفایة الاستعلاء فی صدق الأمر بمجرد إطلاق الأمر علی طلب السافل، و لا سیما مع ملاحظة کون الاستعمال أعم من الحقیقة.

(4). الغرض من عقدها: تفصیل ما أجمله فی الجهة الأولی من نفی البعد عن کون مادة الأمر حقیقة فی الطلب فی الجملة، و حاصل ما أفاده هنا هو: أنّه لا یبعد کون لفظ الأمر حقیقة فی خصوص الطلب الوجوبیّ، لتبادره منه، لا مطلق الطلب.

(5). أی: لانسباق الوجوب عن لفظ الأمر عند الإطلاق، و الانسباق هو التبادر المثبت للوضع.

(6). أی: عند إطلاق لفظ الأمر.

و یؤیده (1) قوله تعالی: فلیحذر الذین یخالفون عن أمره‏. و قوله (2) صلی اللَّه علیه و آله و سلم: «لو لا أن أشق علی أمّتی لأمرتهم‏ -


(1). یعنی: و یؤید کون لفظ الأمر حقیقة فی الوجوب قوله تعالی: «فلیحذر» الآیة، و هذا من أدلة القائلین بکون الأمر حقیقة فی الوجوب، بتقریب: أنّه تعالی شأنه حذّر مخالف الأمر، و التحذیر یدل علی الوجوب، إذ لا معنی لندب الحذر أو إباحته، و مع التنزل عن ذلک فلا أقل من دلالته علی حسن الحذر عن مخالفة الأمر، و من المعلوم: أنّ حسنه موقوف علی ثبوت المقتضی له، و إلاّ کان التحذیر سفها و عبثا، و ذلک محال علی اللَّه تعالی، و إذا ثبت المقتضی له ثبت وجوبه، لعدم القول بالفصل، فالآیة تدل علی کون الأمر حقیقة فی الوجوب.

لکن فیه ما لا یخفی، لأنّ قصاری ما یستفاد من التقریب المزبور هو: إطلاق الأمر علی الوجوب و استعماله فیه، و قد عرفت مرارا: أعمیّة الاستعمال من الحقیقة، فلا تکون الآیة الشریفة دلیلا علی أنّ الأمر حقیقة فی الوجوب، و لعلّه لذا لم یجعلها المصنف دلیلا، بل عدّها من المؤیدات.

(2). معطوف علی - قوله تعالی -، و هذا ثانی أدلة القائلین بکون الأمر حقیقة فی الوجوب، بتقریب: أنّه صلی اللَّه علیه و آله و سلم مع أمره مرارا بالسواک علی وجه الاستحباب، قال: «لو لا أن أشق علی أمّتی لأمرتهم بالسواک‏» و لا بد من کون هذا الأمر للوجوب بعد فرض صدور الأمر الاستحبابی بالسواک منه صلی اللَّه علیه و آله و سلم و إلاّ لزم لغویة الأمر المترتب علی المشقة، هذا.

لکن فیه ما قیل: من أنّه إنّما یدل علی الوجوب لقرینة خارجیة و هی المشقة، و هو غیر المدعی، فتأمل.

بالسواک‏﴾، و قوله (1) صلی اللَّه علیه و آله و سلم لبریرة بعد قوله: أ تأمرنی یا رسول اللَّه «لا، بل إنما أنا شافع‏» إلی غیر ذلک. و صحة (2) الاحتجاج -


(1). هذا ثالث ما استدل به علی أنّ الأمر حقیقة فی الوجوب.

و حاصله: أنّ بریرة کانت أمة لعائشة و زوجها کان عبدا ثم أعتقتها، فلما علمت بریرة بخیارها فی نکاحها بعد العتق أرادت مفارقة زوجها، فاشتکی الزوج إلی النبی صلّی اللَّه علیه و آله فقال صلّی اللَّه علیه و آله لبریرة: «ارجعی إلی زوجک، فإنّه أبو ولدک و له علیک منة، فقالت: یا رسول اللَّه صلّی اللَّه علیه و آله: أ تأمرنی بذلک؟ فقال صلّی اللَّه علیه و آله: لا إنّما أنا شافع‏» تقریب الاستدلال به: أنّ نفیه صلّی اللَّه علیه و آله للأمر دلیل علی کونه للوجوب، و لذا قالت بریرة له صلّی اللَّه علیه و آله: «أ تأمرنی یا رسول اللَّه صلّی اللَّه علیه و آله بذلک؟» إذ لو لم تکن دلالة الأمر علی الوجوب مرکوزة فی الأذهان لم یکن وجه لسؤالها منه، هذا. لکن فیه: أنّ الاستعمال أعم من الحقیقة، و الوجوب إنّما یستفاد منه هنا بسبب القرینة.

(2). الظاهر بمقتضی السیاق کونه معطوفا علی قوله: - قوله تعالی:

فلیحذر - فیکون کغیره من المؤیدات، و یحتمل أن یکون معطوفا علی قوله: «انسباقه» لیکون دلیلا لا مؤیدا، حیث إنّه بمنزلة أن یقال: «لا یبعد کون لفظ الأمر حقیقة فی الوجوب لانسباقه، و لصحة احتجاج العبد... إلخ» و کیف کان فتقریب الاستدلال به هو: أنّ صحة مؤاخذة العبد و توبیخه علی مجرد مخالفة أمر المولی دلیل علی کون الأمر حقیقة فی الوجوب، إذ لا یتوجه الذم و المؤاخذة إلاّ علی ترک الواجب، و لذا توجه التوبیخ علی إبلیس بسبب ترکه لما امر به من السجود لآدم حینما قال تعالی شأنه للملائکة: اسجدوا لآدم‏ هذا. لکن فیه أیضا: أنّه لا یثبت بذلک إلاّ ظهور الأمر فی الوجوب و استعماله فیه، من دون

علی العبد و مؤاخذته بمجرد مخالفة أمره و توبیخه علی مجرد مخالفته کما فی قوله تعالی: ما منعک أن لا تسجد إذ أمرتک‏. و تقسیمه (1) إلی الإیجاب و الاستحباب إنما (2) یکون قرینة علی إرادة المعنی الأعم أن یثبت به الوضع، لأنّه موقوف علی کون الأصل فی الاستعمال الحقیقة و هو غیر ثابت

«-»

.


(1). یعنی: و تقسیم الأمر إلی الإیجاب و الاستحباب، غرضه: الإشارة إلی دلیل القول بوضع الأمر لمطلق الطلب الجامع بین الوجوب و الاستحباب.

و حاصله: أنّ قولهم: «الأمر إمّا للوجوب و إمّا للاستحباب» یدل علی کون الموضوع له هو الجامع بینهما، و إلاّ فلا معنی للتقسیم إلیهما، إذ لا بد فی صحة التقسیم من وجود المقسم فی جمیع الأقسام.

(2). هذا ردّ الاستدلال المزبور.

و حاصله: أنّ التقسیم إلی الوجوب و الاستحباب لا یدل علی أزید من إرادة جامع الطلب من المقسم أعنی الأمر، و أمّا کون هذه الإرادة بنحو الحقیقة (-). لا یخفی أنّ الأدلة المزبورة لا تدل علی أزید من ظهور الأمر فی الوجوب، و أمّا کونه ناشئاً عن الوضع - کما هو المدعی - فلا دلالة فیها علی ذلک، و من المعلوم: أنّ الظهور العرفی حجة ببناء العقلاء و إن لم یکن ناشئا عن الوضع، و هو کافٍ فی ثبوت الوجوب من دون حاجة إلی إثبات الوضع له، و منه یظهر الإشکال فی دعوی التبادر الّذی اعتمد علیه المصنف (قده) فی إثبات الوضع، إذ لم یثبت کونه ناشئا عن حاق اللفظ.

و الحاصل: أنّه بعد تحقق ظهور الأمر عرفا فی الوجوب لا یترتب علی النزاع فی کونه بالوضع ثمرة عملیة، فتدبر.

منه (1) فی مقام تقسیمه (2)، و صحة الاستعمال فی معنی أعم من کونه (3) علی نحو الحقیقة کما لا یخفی (4). و أمّا ما (5) أُفید من: أنّ الاستعمال فیهما (6) ثابت فلو لم یکن موضوعا للقدر المشترک بینهما (7) لزم الاشتراک أو المجاز، فهو (8) کما هو المدعی، فلا دلالة للتقسیم المذکور علیه أصلا، لکون الاستعمال أعم من الحقیقة کما مر مرارا.

و الحاصل: أنّ التقسیم المزبور یدل علی استعمال الأمر فی جامع الطلب، و لکن لا یدل علی المطلوب و هو کون هذا الاستعمال علی سبیل الحقیقة.


(1). أی: الوجوب.

(2). أی: تقسیم الأمر.

(3). أی: المعنی.

(4). إذ لا ملازمة بین صحة الاستعمال فی معنی و بین کونه علی نحو الحقیقة، لعدم انحصار صحة الاستعمال فی کون المعنی موضوعا له للفظ.

(5). إشارة إلی دلیل آخر علی وضع الأمر للجامع.

و حاصله: أنّه لا إشکال فی استعمال الأمر فی کل من الوجوب و الندب، فان کان موضوعا لجامع الطلب فهو المطلوب، و إن کان حقیقة فی کل منهما لزم الاشتراک، و إن کان حقیقة فی أحدهما لزم المجاز فی الآخر، و کل من الاشتراک اللفظی و المجاز خلاف الأصل، فتعین الأوّل حسما لمادتی الاشتراک اللفظی و المجاز.

(6). أی: فی الإیجاب و الاستحباب.

(7). أی: بین الإیجاب و الاستحباب.

(8). هذا جواب - اما - فی قوله: «و أما ما أفید» و محصله: أنّه

غیر مفید، لما مرّت الإشارة إلیه فی الجهة الأولی (1) و فی تعارض الأحوال (2) فراجع (3). و الاستدلال (4) بأن فعل المندوب طاعة و کل طاعة فهو فعل المأمور به -لا مجال لهذا الاستدلال بعد ابتنائه علی الترجیح بالوجوه المذکورة فی باب تعارض الأحوال، لما عرفت من عدم العبرة بتلک الوجوه إلاّ إذا أوجبت ظهور اللفظ فی معنی.


(1). حیث قال فیها: «و ما ذکر فی الترجیح عند تعارض هذه الأحوال... إلخ».

(2). حیث قال فی الأمر الثامن من الأمور المذکورة فی المقدمة المعقود للبحث عن تعارض الأحوال ما لفظه: «و أمّا إذا دار الأمر بینها، فالأصولیون و إن ذکروا لترجیح بعضها علی بعض وجوها، إلاّ أنّها استحسانیة لا اعتبار بها إلا إذا کانت موجبة لظهور اللفظ فی المعنی، لعدم مساعدة دلیل علی اعتبارها بدون ذلک کما لا یخفی» انتهی. فالمتحصل: أنّ مجرد الاستعمال فی الجامع لا یکون دلیلا علی وضع لفظ الأمر له.

(3). حتی لا تغفل عن کون المناط فی تعارض الأحوال هو ظهور اللفظ فی أحدها دون المرجحات التی ذکروها، حیث إنّها وجوه اعتباریة ظنیة غیر معتد بها أصلا.

(4). هذا أیضا من أدلة الاشتراک المعنوی، و هو قیاس بنحو الشکل الأوّل، و ذلک بأن یقال: إنّ فعل المندوب طاعة، و کل طاعة فعل المأمور به، فالمندوب فعل المأمور به، فهذا القیاس برهان علی وضع الأمر للطلب الجامع بین الوجوب و الاستحباب.

فیه (1) ما لا یخفی من منع الکبری (2) لو أرید من المأمور به معناه الحقیقی و إلاّ (3) لا یفید المدعی.

الجهة الرابعة

الجهة الرابعة (4) الظاهر: أنّ الطلب الّذی یکون هو معنی الأمر (5) لیس هو الطلب الحقیقی (6) الّذی یکون طلبا بالحمل الشائع -


(1). هذا جواب عن الاستدلال المزبور.

و محصله: أنّ صحة هذا الاستدلال منوطة بکلیة الکبری التی هی شرط إنتاج الشکل الأوّل کما قرر فی محله، و لمّا کان المقصود إثبات وضع الأمر للجامع، فکلیة الکبری منوطة بقیام برهان علی وضع الأمر للجامع حتی یکون کل طاعة فعل المأمور به الحقیقی، إذ لو لم ینهض برهان علی ذلک لا یثبت کلیة الکبری، و لا یکون کل طاعة فعل المأمور به الحقیقی، بل بعضها فعل المأمور به غیر الحقیقی.

و بالجملة: فکلّیة الکبری ممنوعة.

(2). أی: منع کلیة الکبری إن أرید بالمأمور به معناه الحقیقی کما عرفت.

(3). أی: و إن لم یرد المعنی الحقیقی من المأمور به بل أعم منه، فلا یفید المدعی و هو الاشتراک المعنوی.

(4). الغرض من عقدها هو: التعرض لما هو محل الخلاف من اتحاد الطلب و الإرادة و تغایرهما، و أنّ الطلب الّذی هو مدلول لفظ الأمر هل هو الطلب الحقیقی أم الإنشائیّ؟.

(5). أی: لفظ الأمر، لکون البحث فی الجهات المتعلقة بمادة الأمر.

(6). الطلب الحقیقی هو الشوق المؤکد الحاصل فی النّفس عقیب الداعی، فهو من الکیفیات القائمة بالنفس و له وجود عینی.

الصناعی (1)

«-»

بل الطلب الإنشائی الّذی لا یکون بهذا -


(1). الّذی ملاکه علی ما ثبت فی محله الاتحاد الوجودیّ و التغایر المفهومی، فما یحمل علیه الطلب بالحمل الشائع هو الطلب الحقیقی، لا الإنشائیّ الّذی هو معنی لفظ الأمر، و إن شئت فقل: إنّ الطلب مشترک بین معنیین.

أحدهما: ما یکون من الکیفیات القائمة بالنفس.

ثانیهما: الطلب الإنشائیّ الّذی لا وجود له عینا، بل ینتزع من إبراز الإرادة بقول: ک - افعل - و ما بمعناه، أو فعل کالإشارة بید أو عین أو غیرهما إلی شخص بإیجاد شی‏ء، و معنی لفظ الأمر هو الطلب الإنشائیّ لا الحقیقی القائم بالنفس، و لا تلازم بینهما، لتفارقهما فیما إذا قال المولی لعبده: «اسقنی ماء» و لم یکن فی نفسه طلب حقیقة بل أمره امتحانا، فیصدق علیه الطلب الإنشائیّ دون (-). الأولی تبدیل قوله: «بالحمل الشائع الصناعی» بقوله: «طلبا مطلقا لا إنشائیا»، و ذلک لأنّ الموضوع فی الحمل الشائع هو المصداق لا المفهوم کما فی - زید إنسان - و نحوه، و باب الوضع القائم بالمفاهیم أجنبی عن الوجود المتقوم به الحمل، و لا ینبغی خلط أحدهما بالآخر، و علی هذا فالطلب الحقیقی الّذی وضع له لفظ الطلب هو المفهوم لا المصداق أعنی الطلب الخارجی القائم بالنفس، و الحمل یصح فیه، لأنّه الموجود الخارجی، لکن من المعلوم أنّه لیس المعنی الموضوع له، لأنّه المفهوم لا المصداق، فما یصح فیه الحمل و یکون موضوعا فی الحمل الشائع هو المصداق، و ما یکون موضوعا له اللفظ هو المفهوم الّذی لا یصح جعله موضوعا، لعدم وجود له مصحح للحمل.

و بالجملة: فذکر الحمل الشائع الصناعی هنا غیر مناسب، لأجنبیة مقام المفهوم عن مقام الحمل، فتأمّل جیّدا.

الحمل (1) طلبا مطلقا بل طلبا إنشائیا (2) سواء أنشأ بصیغة افعل أو بمادة الطلب أو بمادة الأمر أو بغیرها (3)، و لو أبیت إلاّ عن کونه (4) موضوعا للطلب (5) فلا أقل من کونه (6) منصرفا إلی الإنشائیّ منه عند إطلاقه (7) کما هو (8) الحال فی لفظ الطلب -الطلب الحقیقی، و هذا هو معنی لفظ الأمر، فالطلب و إن کان له نوعان حقیقی و إنشائی، لکن معنی لفظ الأمر هو الإنشائیّ لا الحقیقی.


(1). أی: بالحمل الشائع.

(2). متحققا بالإنشاء فی مقابل الطلب الحقیقی القائم بالنفس، فإنّه لا یوجد بالإنشاء اللفظی و الفعلی و الکتبی، بل له موجبات خاصة کما ستأتی الإشارة إلیها.

ثم إنّ الأولی أن یقال: «بل الطلب الإنشائیّ الّذی یعبر عنه بلفظ الأمر»، لما عرفت آنفا فی التعلیقة من أجنبیة مقام الوضع المتعلق بالمفهوم عن مقام الحمل المتقوم بالوجود.

(3). کالجمل الخبریة الواقعة فی مقام الطلب.

(4). أی: لفظ الأمر.

(5). أی: الجامع بین الحقیقی و الإنشائیّ.

(6). أی: کون الأمر.

(7). أی: من الطلب عند إطلاق الأمر، و حاصل ما أفاده: أنّه إذا قلنا بکون لفظ الأمر موضوعا لجامع الطلب لا لخصوص الطلب الإنشائیّ کما تقدم، فلا أقل من کونه منصرفا إلی خصوص الطلب الإنشائیّ، و هذا الانصراف یوجب ظهور لفظ الأمر فیه.

(8). أی: الانصراف إلی الطلب الإنشائیّ.

أیضا (1)، و ذلک (2) لکثرة الاستعمال فی الطلب الإنشائیّ، کما أنّ الأمر (3) فی لفظ الإرادة علی عکس لفظ الطلب، و المنصرف (4) عنها (5) عند إطلاقها هو -


(1). یعنی: کالأمر، فکلٌّ من لفظی الأمر و الطلب منصرف إلی خصوص الإنشائی و ان فرض کون الموضوع له هو الجامع بین الحقیقی و الإنشائیّ.

(2). أی: الانصراف المزبور ناش عن کثرة الاستعمال فی الطلب الإنشائیّ.

فمحصل ما ذکره المصنف: أنّه - بعد تسلیم کون لفظ الأمر موضوعا للطلب المطلق الجامع بین الحقیقی و الإنشائی - یدّعی انصرافه إلی خصوص الطلب الإنشائیّ بحیث یکون هو المنسبق إلی الذهن حین الإطلاق کالوضع له، و یصح سلب الأمر عن الطلب الحقیقی القائم بالنفس ما لم ینشئه المولی بصیغة - افعل - و ما فی معناها.

(3). هذا الأمر بمعنی الحال و الشأن.

و حاصله: أنّ الإرادة عکس الطلب، إذ الّذی تنصرف إلیه الإرادة عند إطلاقها هی الإرادة الحقیقیة القائمة بالنفس، و الّذی ینصرف إلیه الطلب هو الإنشائیّ المتحقق بقول أو فعل، فالاختلاف بین الطلب و الإرادة إنّما یکون فیما ینصرف إلیه کل منهما، إذ المعنی الّذی ینصرف إلیه الطلب هو الإنشائیّ، و الّذی تنصرف إلیه الإرادة حین إطلاقها هو الإرادة الحقیقیة، و إلاّ فکلٌّ من هذین اللفظین موضوع لمعنی واحد و هو الطلب الجامع بین الحقیقی و الإنشائیّ، فالطلب الحقیقی عین الإرادة الحقیقیة، کما أنّ الطلب الإنشائیّ عین الإرادة الإنشائیة، فلا فرق بینهما إلاّ فی المعنی الّذی ینصرف کل من لفظی الطلب و الإرادة إلیه.

(4). سوق العبارة یقتضی ان یقال: «إذ المنصرف» أو «حیث إنّ المنصرف».

(5). أی: عن الإرادة عند إطلاقها.

الإرادة الحقیقیة (1)، و اختلافهما (2) فی ذلک (3) ألجأ بعض أصحابنا (4) إلی المیل إلی ما ذهب إلیه الأشاعرة من المغایرة بین الطلب و الإرادة، خلافا لقاطبة أهل الحق و المعتزلة من اتحادهما، فلا بأس بصرف عنان الکلام إلی بیان ما هو الحق -


(1). التی هی من الکیفیات النفسانیّة الموجودة بموجباتها التی ستذکر إن شاء اللَّه تعالی.

(2). یعنی: و اختلاف لفظی الطلب و الإرادة.

(3). أی: فی المعنی الّذی ینصرف إلیه کل من هذین اللفظین کما عرفت آنفا، غرضه: التنبیه علی منشأ توهم المغایرة بین الطلب و الإرادة.

و حاصله: أنّ اختلاف لفظی الطلب و الإرادة فی المعنی المنصرف إلیه کل منهما ألجأهم إلی الالتزام بالمغایرة، حیث إنّهم زعموا أنّ المتبادر من کل منهما معنی حقیقی له، و من المعلوم: مغایرة الطلب الإنشائیّ - الّذی هو المتبادر من لفظ الطلب - للإرادة الحقیقیة التی ینصرف إلیها لفظ الإرادة.

(4). کالمحقق الخوانساری فی رسالته المعمولة فی مقدمة الواجب، حیث استدل علی مغایرة الطلب للإرادة ردّا علی المحقق السبزواری بقوله: «إذا کان الطلب هو الإرادة و کان المطلوب من الصیغة الموضوعة للطلب إعلام المخاطب بحصول الإرادة فی النّفس، فیلزم أن یکون وضع الجمل الطلبیة لغوا غیر محتاج إلیه، و تکون مفهوماتها مما لا یتعلق بتصورها غرض أصلا، و هو باطل» إلی آخر ما حکاه عنه فی البدائع، و قال المحقق التقی (قده) فی حاشیته علی المعالم فی مباحث مادة الأمر ما لفظه: «ثانیها: انّهم اختلفوا فی کون الطلب المدلول للأمر نفس الإرادة أو غیرها - إلی ان قال - بعد کلام طویل: فظهر بما قررنا قوة القول بمغایرة الطلب للإرادة» انتهی.

فی المقام و إن حققناه فی بعض فوائدنا (1)، إلاّ أنّ الحوالة لما لم تکن عن المحذور خالیة (2) و الإعادة (3) لیست بلا فائدة (4) و لا إفادة (5) کان المناسب هو التعرض هاهنا أیضا، فاعلم: أنّ الحق کما علیه أهله (6) وفاقا للمعتزلة و خلافا للأشاعرة (7) هو اتحاد الطلب و الإرادة، بمعنی: أنّ لفظیهما موضوعان بإزاء مفهوم واحد (8)، و ما بإزاء أحدهما فی الخارج یکون بإزاء -


(1). المطبوعة منضمة مع حاشیته علی فرائد شیخنا الأعظم الأنصاری (قده).

(2). إمّا لعدم حضور النسخة عنده، و إمّا لمشقة الرجوع إلیها.

(3). یعنی: لمّا لم تکن الإعادة خالیة عن الفائدة، لکنّه بحسب الصناعة یصیر هکذا: «إلاّ أنّ الإعادة لمّا لم تکن مع الفائدة» و هذا غلط واضح، أمّا لزوم هذا المعنی الغلط، فوجهه: أنّ - الإعادة - معطوف علی اسم - تکن -، و حیث إنّ نفی النفی فی قوله: «لیست بلا فائدة» للإثبات یتحصل منه: أنّ الإعادة لمّا لم تکن مع الفائدة، و من الواضح غلطیّته، فلا بد من حذف - لیست - بأن یقال: «و لم تکن الإعادة بلا فائدة». إلاّ أن یقال: إنّ - الإعادة - معطوف علی نفس کلمة - الحوالة - لیکون المعنی هکذا: إلاّ أنّ الإعادة لیست بلا فائدة.

(4). کالتذکُّر لمن لاحظ الفوائد.

(5). لمن لم یلاحظ الفوائد أو لاحظها و لکن نسی ذلک.

(6). و هم العدلیة.

(7). القائلین بمغایرتهما، لما سیأتی فی کلام المصنف (قده).

(8). فیکون لفظا الطلب و الإرادة من الألفاظ المترادفة کالإنسان و البشر، لأنّ المفروض وحدة المعنی الموضوع له فیهما

«-»

. (-). قد عرفت: أنّ ملاحظة موارد استعمال الطلب تشهد بمغایرة الطلب

الآخر (1)، و الطلب المنشأ بلفظه أو بغیره عین الإرادة الإنشائیة.

و بالجملة: هما متحدان مفهوما و إنشاء و خارجا (2)، لا أنّ (3) الطلب الإنشائیّ الّذی هو المنصرف إلیه إطلاقه کما عرفت متحد مع الإرادة الحقیقیة -


(1). یعنی: أنّ لازم الترادف کون الفرد الخارجی لأحدهما هو الفرد الخارجی للآخر، و ان شئت فقل: إنّ مطابق أحدهما عین مطابق الآخر.

(2). و ذهنا، إذ الموضوع له فیهما طبیعة واحدة، کما عرفت فی مثل الإنسان و البشر، و لازم ذلک اتحادهما فی کل مرتبة، فالطلب الحقیقی عین الإرادة الحقیقیة و الإنشائی عین الإرادة الإنشائیة، نعم یختلفان باختلاف المرتبة، فإنّ الطلب الإنشائیّ غیر الإرادة الحقیقیة، و هکذا.

(3). معطوف علی - لفظیهما - غرضه: اتحادهما فی کل مرتبة من الإنشاء و المفهوم و الوجود الخارجی، و اختلافهما مع اختلاف المرتبة، و لذا لا یکون الطلب الإنشائیّ الّذی ینصرف إلیه لفظ الطلب هو الإرادة الحقیقیة التی ینصرف إلیها لفظ الإرادة.

و بالجملة: فالطلب الإنشائیّ الّذی هو صفة قائمة باللفظ لیس متحدا مع الإرادة الحقیقیة التی هی صفة قائمة بالنفس، لأنّهما صفتان متضادتان یمتنع اتحادهما فی الخارج. _=============== للإرادة، لأنّه کما مرّ عبارة عن السعی نحو شی‏ء للظفر به، فلیس الطلب مجرد الشوق المؤکّد المسمی بالإرادة، بل هو التصدی لإیجاد شی‏ء بإعمال بعض مقدمات وجوده، و لکن هذه المغایرة لا تثبت ما رامه الأشعری القائل بکون الطلب صفة فی النّفس غیر الإرادة مدلولا علیه بالکلام اللفظی، بداهة أنّ الطلب علی ما ذکرنا لیس من صفات النّفس، بل من أفعال الجوارح التی هی أجنبیة عن الصفات القائمة بالنفس.

التی ینصرف إلیها إطلاقها (1) أیضا (2)، ضرورة (3) أنّ المغایرة بینهما أظهر من الشمس و أبین من الأمس، فإذا عرفت المراد من حدیث العینیة و الاتحاد (4) ففی مراجعة الوجدان عند طلب شی‏ء و الأمر به حقیقة کفایة، فلا یحتاج إلی مزید بیان و إقامة برهان، فإنّ (5) الإنسان لا یجد غیر الإرادة القائمة بالنفس صفة أخری قائمة بها یکون (6) هو الطلب (7) غیرها (8) سوی ما هو مقدمة -


(1). الضمیران راجعان إلی الإرادة.

(2). یعنی: کانصراف لفظ الطلب إلی خصوص الإنشائیّ.

(3). تعلیل لعدم اتحاد الطلب الإنشائی مع الإرادة الحقیقیة، و قد عرفت وجه المغایرة و امتناع اتحادهما، حیث إنّ الطلب الإنشائیّ هو الطلب الاعتباری المتحقق بقول أو فعل، و الإرادة الحقیقیة هی الصفة القائمة بالنفس الناشئة عن أسباب خاصة، فأین أحدهما من الآخر؟ و کیف یتحدان مع ما بینهما من المغایرة؟

(4). و أنّ المراد بالعینیة هو اتحادهما مع وحدة الرتبة، لا مع اختلافها.

(5). بیان للوجدان الّذی جعله برهانا علی العینیة و الاتحاد.

و حاصله: أنّ الإنسان إذا راجع وجدانه عند طلب شی‏ء لا یجد غیر الإرادة القائمة بالنفس صفة أخری قائمة بها تسمی بالطلب سوی مقدمات الإرادة، فلا بد من الالتزام باتحاد الطلب و الإرادة، و مجرد انصراف الطلب حین إطلاقه إلی الإنشائیّ و انصراف الإرادة عند إطلاقها إلی الحقیقیة لا یوجب تغایرهما مفهوما و إنشاء و خارجا و إن دعا ذلک بعض الإمامیة و الأشاعرة إلی القول بتغایرهما.

(6). الأولی تأنیث - یکون - و کذا الضمیر المنفصل بعده.

(7). کما یقول به الأشاعرة.

(8). الظاهر أنّه من سهو الناسخ، للاستغناء عنه بقوله: «غیر الإرادة».

تحققها (1) عند (2) خطور الشی‏ء و المیل و هیجان الرغبة إلیه و التصدیق بفائدته (3)، و هو (4) الجزم بدفع ما یوجب توقفه عن طلبه (5) لأجلها (6).

و بالجملة: لا یکاد یکون غیر الصفات المعروفة (7) و الإرادة هناک صفة (8) أخری قائمة بها یکون هو الطلب، فلا محیص عن اتحاد الإرادة و الطلب و أن یکون (9) ذاک الشوق المؤکد المستتبع لتحریک العضلات فی إرادة فعله بالمباشرة أو المستتبع لأمر عبیده به فیما لو أراده لا -


(1). أی: الإرادة، یعنی: لیس فی النّفس غیر الإرادة و مقدماتها صفة أخری تسمی بالطلب کما هو مدّعی الأشاعرة.

(2). هذا شروع فی بیان مبادئ الإرادة و هی خطور الشی‏ء، و تصور فائدته، و التصدیق بها، و المیل إلیه، و هیجان الرغبة إلیه.

(3). ینبغی ذکر تصور الفائدة و التصدیق بها قبل المیل و هیجان الرغبة.

(4). بیان لقوله: «ما هو مقدمة» یعنی: أنّ الجزم بدفع الأمور المانعة عن الطلب لأجل ما فی الشی‏ء من الفائدة مقدمة للطلب، لا أنّه الطلب النفسیّ الّذی یدعیه الأشعری.

(5). أی: طلب الشی‏ء.

(6). أی: لأجل فائدته.

(7). و هی مبادئ الإرادة.

(8). اسم - یکون -.

(9). معطوف علی - اتحاد - یعنی: فلا محیص عن اتحاد الطلب و الإرادة و عن کون ذلک الشوق المؤکد المستتبع لتحریک عضلاته فی الفعل المباشری و المستتبع لأمر عبیده فی الفعل غیر المباشری هو المسمی بالطلب و الإرادة.

کذلک (1) مسمی (2) بالطلب و الإرادة کما یعبر به (3) تارة و بها (4) أخری کما لا یخفی. و کذا (5) الحال فی سائر الصیغ الإنشائیة و الجمل الخبریة، فإنّه لا یکون -


(1). أی: لا بالمباشرة، و هذه الإرادة تسمی بالتشریعیة، کما أنّها فی الفعل المباشری تسمی بالتکوینیة.

(2). خبر - یکون -.

(3). یعنی: کما یعبّر عن الشوق المؤکد بالطلب تارة

«-»

.

(4). أی: و بالإرادة أخری.

(5). حاصله: أنّه کما لا نجد فی النّفس غیر الإرادة صفة أخری قائمة بها تسمی تلک الصفة بالطلب عدا مقدمات الإرادة، کذلک لا نجد فی کل کلام یصدر من المتکلم سواء کان إنشائیا أم إخباریا غیر مضمونه صفة أخری قائمة بالنفس تسمی بالکلام النفسیّ.

توضیحه: أنّا لا نجد فی الجمل الإنشائیة صفة نفسانیة غیر إنشاء التمنی و الترجی و الطلب و الدعاء و الملکیة و الزوجیة و الحریة و نحوها، و لا نجد فی الجمل الخبریة ما عدا وقوع النسبة أو لا وقوعها شیئا آخر یسمی ذلک بالکلام النفسیّ.

و بالجملة: فلا نجد بعد الفحص عما فی النّفس من الصفات صفة زائدة علی الإرادة تسمی بالطلب فی صیغ الأمر لیکون ذلک هو الکلام النفسیّ، و کذا فی الإنشائیات الاخر و الجمل الخبریة کما عرفت، ففی جمیع الجمل الإنشائیة الطلبیة و غیرها و کذا الجمل الاخباریة لا یوجد صفة زائدة علی مضامینها تسمی بالکلام النفسیّ. (-). قد عرفت: أنّ الطلب هو التصدی لإیجاد شی‏ء، فلا یطلق علی الصفة النفسانیّة.

غیر الصفات المعروفة القائمة بالنفس من الترجی و التمنی و العلم إلی غیر ذلک صفة (1) أخری کانت قائمة بالنفس. و قد دلّ اللفظ علیها کما قیل (2): -


(1). اسم - یکون -.

(2). القائل هو الأخطل الشاعر کما فی الشوارق فی مبحث تکلمه تعالی شأنه، یعنی کما قیل: بأنّ هناک صفة أخری غیر الإرادة قائمة بالنفس و أنّ اللفظ قد دلّ علیها، فإنّ مقتضی هذا البیت هو کون الکلام فی الفؤاد، و إنّما اللفظ جعل دلیلا علیه و حاکیا عنه، ففی النّفس صفة تسمی بالکلام. ثم إنّ هذا البیت مما استدل به الأشاعرة علی ثبوت الکلام النفسیّ

«-»

. (-). لکن فیه أوّلا: عدم اعتباره، إذ لیس هو مأثورا عن معصوم من نبی أو وصی.

و ثانیا: عدم ظهوره فیما ادعوه من کون الطلب صفة زائدة فی النّفس غیر الإرادة و مبادیها، بل لا یدل إلاّ علی معنی قائم بالنفس من العلم فی الاخبار و التمنی و الترجی و الاستفهام الحقیقیة فی تلک الصیغ، و الإرادة فی الأوامر، و الکراهة فی النواهی، قال القوشجی فی شرح التجرید:

«و الحاصل: أنّ مدلول الکلام اللفظی الّذی یسمیه الأشاعرة کلاما نفسیا لیس أمرا وراء العلم فی الخبر، و الإرادة فی الأمر، و الکراهة فی النهی. و أمّا بیت الشاعر فإمّا لاعتقاده ثبوت کلام نفسی تقلیدا، و إمّا لأنّ المقصود الأصلی من الکلام هو الدلالة علی ما فی الضمائر، و بهذا الاعتبار یسمی کلاما، فأطلق اسم الدال علی المدلول، و حصره تنبیها علی أنّه آلة یتوصل بها إلیه، فکأنّه هو المستحق لاسم تلک الآلة، و الأشاعرة یدّعون أنّ نسبة أحد طرفی الخبر إلی الآخر قائمة بنفس المتکلم و مغایرة للعلم، لأنّ المتکلم قد یخبر عما لا یعلمه، بل یعلم خلافه

إنّ الکلام لفی الفؤاد و إنّما

جعل اللسان علی الفؤاد دلیلا

و قد انقدح مما حققناه (1): ما فی استدلال الأشاعرة علی المغایرة بالأمر (2) مع عدم الإرادة (3) کما فی صورتی الاختبار و الاعتذار (4) من (5) الخلل، فإنّه (6) کما لا إرادة حقیقة فی الصورتین لا طلب -


(1). یعنی: من ثبوت الطلب و الإرادة الحقیقیّین و الإنشائیین.

(2). متعلق ب - استدلال - و حاصل استدلال الأشاعرة بذلک هو: أنّه فی الأوامر الامتحانیة یکون الأمر موجودا بدون الإرادة، فهذا الانفکاک دلیل علی مغایرة الطلب و الإرادة، لوجوده دونها فی الأوامر الاختباریة.

(3). أی: مع عدم الإرادة الحقیقیة، فالطلب موجود بدون الإرادة.

(4). أی: إظهار عذره فی مؤاخذة عبده لدفع اللوم عن نفسه، فیأمر عبده بشی‏ء و لا یرید منه الفعل، بل یرید بأمره رفع لوم الناس فی ضرب عبده باعتذار أنّ العبد قد عصاه، فإنّ الطلب فی صورتی الاختبار و الاعتذار موجود بدون الإرادة.

(5). بیان ل - ما - الموصولة فی قوله: «ما فی استدلال الأشاعرة».

(6). الضمیر للشأن، و هذا بیان للخلل.

و حاصله: فقدان الطلب الحقیقی و الإرادة الحقیقیة معا فی صورتی الاختبار و الاعتذار، لا أنّ الطلب موجود بدون الإرادة، قال القوشجی بعد _=============== أو یشک فیه، و أنّ المعنی النفسیّ الّذی هو الأمر غیر الإرادة، لأنّه قد یأمر الرّجل بما لا یریده، کالمختبر لعبده هل یطیعه أم لا، و کالمعتذر من ضرب عبده بعصیانه، فإنّه قد یأمره و هو یرید أن لا یفعل المأمور به، لیظهر عذره عند من یلومه» انتهی.

کذلک (1) فیهما، و الّذی یکون فیهما (2) إنّما هو الطلب الإنشائیّ الإیقاعی (3) الّذی هو مدلول الصیغة أو المادة (4) و لم یکن بیّنا و لا مبیّنا فی الاستدلال مغایرته (5) مع الإرادة الإنشائیة.

و بالجملة: الّذی یتکفله الدلیل لیس إلاّ الانفکاک بین الإرادة الحقیقیة و الطلب المنشأ بالصیغة الکاشف (6) عن مغایرتهما (7) و هو (8) ممّا لا محیص عن --العبارة التی نقلناها عنه آنفا: «و اعترض علیه: بأنّ الموجود فی هاتین الصورتین صیغة الأمر لا حقیقته، إذ لا طلب فیهما أصلا کما لا إرادة قطعا» انتهی.


(1). یعنی: حقیقة فی صورتی الاختبار و الاعتذار.

(2). أی: فی صورتی الاختبار و الاعتذار.

(3). یعنی: لا الطلب الحقیقی حتی یقال: إنّ عدم الإرادة الحقیقیة مع وجود الطلب الحقیقی فی هاتین الصورتین یکشف عن تغایر الطلب و الإرادة الحقیقیّین.

(4). أی: مادة الأمر أو غیرهما من آلات إنشاء الطلب.

(5). اسم - یکن - یعنی: أنّ مغایرة الطلب الإنشائیّ للإرادة الإنشائیة لم تکن من لوازم الدلیل المزبور لا باللزوم البیِّن بالمعنی الأخص و لا بالمعنی الأعم، إذ غایة ما یستفاد منه هو انفکاک الطلب الإنشائیّ عن الإرادة الحقیقیة، و هذا مما لا نزاع فیه، لأنّ مورد البحث هو مغایرة الطلب الحقیقی للإرادة الحقیقیة، و الدلیل المزبور لا یقتضیها کما هو واضح.

(6). صفة - الانفکاک -.

(7). أی: الإرادة الحقیقیة و الطلب الإنشائیّ.

(8). أی: الانفکاک بین الإرادة الحقیقیة و بین الطلب الإنشائیّ.

الالتزام به کما عرفت (1)، و لکنه (2) لا یضر بدعوی الاتحاد أصلا، لمکان هذه المغایرة و الانفکاک بین الطلب الحقیقی و الإنشائی کما لا یخفی. ثم إنّه یمکن مما حققناه (3) أن یقع الصلح بین الطرفین (4) و لم یکن نزاع فی البین بأن (5) یکون المراد بحدیث الاتحاد ما عرفت من العینیة مفهوما و وجودا حقیقیا و إنشائیا، و یکون المراد بالمغایرة و الإثنینیة هو اثنینیة الإنشائیّ من الطلب کما هو (6) -


(1). حیث قال: «لا أن الطلب الإنشائی الّذی هو المنصرف إلیه إطلاقه» إلی آخره.

(2). یعنی: و لکن هذا الانفکاک لا یضر بدعوی اتحاد الطلب الحقیقی و الإرادة الحقیقیة، لما مرّ من اعتبار وحدة الرتبة فی عینیتهما، فالطلب الحقیقی متحد مع الإرادة الحقیقیة دون الطلب الإنشائیّ معها، لاختلاف المرتبة، فمغایرة الطلب الحقیقی للإرادة الإنشائیة و بالعکس لا تنافی عینیتهما مع اتحادهما مرتبة کالحقیقیین و الإنشائیین.

(3). أی: من اتحاد الطلب و الإرادة و عینیتهما مفهوما و وجودا.

(4). أی: العدلیة و المعتزلة القائلین بالاتحاد، و الأشاعرة القائلین بالمغایرة.

(5). هذا تقریب وجه الصلح بین الطرفین.

و محصله: أنّه یمکن أن یکون مراد من یثبت اتحاد الطلب و الإرادة اتحادهما مفهوما و مصداقا و إنشاء، بمعنی أنّهما متحدان فی هذه الجهات مع وحدة المرتبة بحیث یکون کل منهما عین الآخر فی تلک المرتبة. و مراد من ینفی اتحادهما تغایرهما مع اختلاف المرتبة کالطلب الإنشائیّ و الإرادة الحقیقیة، فإنّهما متغایران و لا یتحدان أصلا، و بهذا الوجه یقع الصلح بین الطرفین و یصیر النزاع بینهما لفظیا.

(6). أی: الطلب الإنشائیّ کثیرا ما یراد من إطلاق لفظ الطلب.

کثیرا ما یراد من إطلاق لفظه، و الحقیقی (1) من الإرادة کما هو (2) المراد غالبا منها حین إطلاقها (3)، فیرجع النزاع لفظیا (4)، فافهم (5). - (1). معطوف علی قوله: «الإنشائی» یعنی: و یکون المراد بالاثنینیة اثنینیة الطلب الإنشائی و الإرادة الحقیقیة، و هذا مما لا إشکال فیه کما تقدم.

(2). الأولی تأنیث الضمیر، لرجوعه إلی - الإرادة - فالحق أن یقال: «کما هی المرادة»، کما أن الأولی: تأنیث «الحقیقی» أیضا، بأن یقال: «و الحقیقیة من الإرادة» کما لا یخفی

(3). مرجع هذا الضمیر و ضمیر «منها» هی - الإرادة -.

(4). کما صرح بذلک المحقق التقی فی حاشیة المعالم بقوله: «و قد یرجع إلی ذلک کلام القائلین بالاتحاد، فیعود النزاع لفظیا، إلاّ أنّه لا یخلو عن بعد» انتهی.

(5). لعله إشارة إلی إباء بعض أدلة القائلین بالتغایر عن هذا الصلح، لصراحته فی المغایرة بین الطلب و الإرادة الحقیقیّین کالشعر المذکور، إذ الطلب الإنشائیّ لیس فی الفؤاد، و کذا دلیلهم الآتی، إذ لا إشکال فی اعتبار الطلب الحقیقی فی تکلیف الکفار، فإنّ قضیة الصلح المزبور أن یکون الموجود من الطلب فی تکلیفهم هو الإنشائیّ منه، و من المعلوم: بطلانه کما ثبت فی محله، هذا.

مضافا إلی: أنّ حمل الطلب فی کلامهم علی الإنشائیّ لا یدفع المحذور الّذی ألجأهم إلی القول بالکلام النفسیّ الّذی من مصادیقه الطلب فی الأوامر، حیث إنّ الطلب الإنشائیّ حادث مثل الکلام المرکب من الحروف و الأصوات، و غرض الأشاعرة من الالتزام بالکلام النفسیّ هو ثبوت طلب قدیم قائم بذاته تعالی شأنه لیندفع به محذور قیام الحوادث بذاته تعالی، و من المعلوم: عدم اندفاعه بجعل الطلب عندهم هو الإنشائیّ منه، لوضوح کونه من الحوادث، مع أنّ المسلمین

دفع وهم: لا یخفی أنّه لیس غرض الأصحاب و المعتزلة من نفی غیر الصفات المشهورة (1) و أنّه (2) لیس صفة أخری (3) قائمة بالنفس کانت کلاما نفسیا --کافة اتفقوا علی أنّه تعالی متکلم، و اختلفوا فیما یراد به و فی کونه حادثا أو قدیما، فعن المعتزلة: «أنّ کلامه أصوات و حروف قائمة بغیره لا بذاته»، و عن الحنابلة و الکرامیة: «أنّه أصوات و حروف قائمة بذاته تعالی»، و عن الأشاعرة: «أنّ کلامه لیس من جنس الأصوات و الحروف، بل معنی قائم بذاته یسمی الکلام النفسیّ». ثم المحکی عن المعتزلة و الکرامیة: «أنّه حادث»، و عن الأشاعرة و الحنابلة:

«أنه قدیم»، فمذهب الأشاعرة فی الکلام الّذی اتفقوا علی کونه من صفاته تعالی هو أنّه معنی قدیم قائم بذاته تعالی، و حیث إنّه لم یکن ذلک بعلم و لا إرادة و لا کراهة لعدم کون هذه الأمور کلاما، اضطرّوا إلی تفسیره فی الخبر بالنسبة، و فی الإنشاء بالطلب و المنع و نحوهما، فالطلب عندهم صفة قائمة بذاته سبحانه و تعالی قدیم، فلا مجال لأن یریدوا به الطلب الإنشائی، لعدم قدمه کالکلام اللفظی، و لعدم کونه من صفات النّفس.

و بالجملة: فملاحظة جملة من أدلة الأشاعرة علی التغایر تأبی عن جعل النزاع بینهم و بین الإمامیة و المعتزلة لفظیا، و إن شئت الوقوف علی ذلک مفصلا فراجع البدائع.


(1). و هی العلم فی الجمل الخبریة، و الإرادة و الکراهة و غیرهما فی الجمل الإنشائیة.

(2). معطوف علی - نفی - و ضمیر - أنه - للشأن.

(3). یعنی: غیر تلک الصفات المشهورة، و الغرض من هذا الدفع هو: أنّه (قد یتوهم) من ردِّ الأشاعرة القائلین بالکلام النفسیّ، ببیان: أنّ الکلام إمّا خبر و إمّا إنشاء، و لیس فی الخبر صفة زائدة علی تصور الموضوع و المحمول و النسبة

مدلولا للکلام اللفظی کما یقول به الأشاعرة أن (1) هذه الصفات المشهورة مدلولات للکلام

«-»

. --و العلم بها تسمی بالکلام النفسیّ، کما أنّه لیس فی الإنشاء صفة زائدة علی الصفات النفسانیّة من الإرادة و التمنی و الترجی و النداء و الاستفهام و غیرها تسمی بالکلام النفسیّ (أنّ الجمل) الإنشائیة تدل علی هذه الصفات، و الجمل الخبریة تدل علی العلم بثبوت النسبة أو لا ثبوتها.

و بالجملة: فملخص التوهم الناشئ عن ردِّ الأشاعرة هو: کون هذه الصفات مدلولات للإنشاء و الاخبار، فالمراد بالکلام النفسیّ هو هذه الصفات، لا ما عن الأشاعرة القائلین بأنّه صفة أخری قائمة بالنفس.

و حاصل الدفع: أنّ غرض الأصحاب لیس کون الصفات المشهورة مدلولات للکلام کما سیظهر.


(1). خبر - لیس - فی قوله: «لیس غرض الأصحاب». (-). الوجه فی عدم تعلق غرض الأصحاب و المعتزلة بکون الصفات المشهورة مدلولات للکلام الخبری و الإنشائی هو: أنّهم فی مقام ردِّ الأشاعرة القائلین بالکلام النفسیّ الّذی هو صفة زائدة علی الصفات المشهورة تصحیحا لکلامه تعالی، و لذا قالوا بقدمه و کونه قابلا لأن یکون مدلولا للکلام اللفظی لیصح إطلاق المتکلم علیه جل و علا، و من المعلوم: أنّ الأصحاب و المعتزلة فی غنی عن إثبات کون الصفات الاخر مدلولات للکلام اللفظی، لأنّ ردّهم للأشاعرة لا یتوقف علی ذلک، بل یتوقف علی نفی صفة زائدة علی الصفات النفسیّة من العلم و الإرادة و الکراهة فی القضایا الخبریة و الإنشائیة التی ینحصر فیهما الکلام و ینقسم إلیهما، فإثبات کون مدلول الکلام ما ذا لا دخل له فی الردِّ المزبور، إذ مقصودهم

فان قلت (1): فما ذا یکون مدلولا علیه عند الأصحاب و المعتزلة؟ قلت: أما الجمل الخبریة فهی دالة (2) علی ثبوت النسبة بین طرفیها (3) أو نفیها (4) فی نفس الأمر من ذهن (5) أو خارج (6) کالإنسان نوع (7) أو کاتب (8)، و أمّا الصیغ -


(1). تقریبه: أنّه بعد إنکار الصفة القائمة بالنفس المسماة بالکلام النفسیّ الزائدة علی الصفات المشهورة، و إنکار کون تلک الصفات مدلولات للکلام الخبری و الإنشائیّ أیضا، فما ذا یکون مدلولاً علیه عند الأصحاب و المعتزلة بالجمل الخبریة و الإنشائیة.

(2). حاصله: أنّ الجمل الخبریة لا تدل إلاّ علی ثبوت النسبة أو عدمها فی نفس الأمر، و لا تدل علی العلم بالثبوت و عدمه.

(3). و هما الموضوع و المحمول.

(4). یعنی: أو نفی النسبة.

(5). کما إذا کان المحمول من المعقولات الثانیة التی موطنها الذهن.

(6). کما إذا کان المحمول من الموجودات الخارجیة کالکتابة و القیام و القعود و نحوها من الخارجیات.

(7). هذا مثال لما إذا کان الثبوت فی الذهن، إذ النوعیة کالجنسیة و الفصلیة من المعقولات الثانیة.

(8). یعنی: ک - الإنسان کاتب - و هذا مثال لما إذا کان الثبوت فی الخارج، فإنّ ظرف الکتابة هو الخارج.

و بالجملة: فالجملة الخبریة لا تدل إلاّ علی ثبوت النسبة فی موطنه، و أمّا _=============== نفی ما ادعاه الأشاعرة من ثبوت صفة زائدة علی الصفات المشهورة من دون نظرهم إلی تعیین مدالیل الجمل الخبریة و الإنشائیة.

الإنشائیة فهی علی ما حققناه فی بعض فوائدنا (1) موجدة لمعانیها فی نفس الأمر أی (2) قصد ثبوت معانیها و تحققها (3) بها، و هذا (4) نحو من الوجود، و ربما یکون هذا (5) منشئاً لانتزاع اعتبار (6) مترتب علیه شرعاً أو عرفاً آثار کما هو -إدراک المتکلم لذلک کتصور طرفی القضیة فلا تدل علیهما الجملة أصلا، نعم تدل علیهما بالدلالة العقلیة، لتوقف الاخبار علیهما کتوقفه علی وجود مخبر.


(1). و هی الفوائد المطبوعة مع حاشیته علی الفرائد کما تقدم أیضا.

(2). تفسیر لقوله: «موجدة»، و - قصد - فعل ماضٍ مبنی للمفعول.

و حاصله: إیجاد معانیها وجوداً بسیطاً علی نهج الهلیات البسیطة، لا إیجاد شی‏ءٍ لشی‏ءٍ کما هو قضیة الهلیات المرکبة.

و توضیح کلام المصنف (قده): أنّ الجمل الإنشائیة وُضعت لإیجاد مفاهیمها فی وعاء الاعتبار فی قبال وعاءی الخارج و الذهن، فإنّ الوجود الإنشائیّ من أنحاء وجود المفاهیم، و قد یکون هذا السنخ من الوجود منشئاً لآثار و موضوعاً لأحکام کما فی العقود و الإیقاعات، کإنشاء التملیک فی البیع و الصلح و الهبة و غیرها، و إنشاء الزوجیة و الحریة و الطلاق و نحو ذلک مما یترتب علیه الأحکام التکلیفیة و الوضعیّة کما لا یخفی.

(3). معطوف علی - ثبوت - أی: قصد تحقق معانی الصیغ الإنشائیة بتلک الصیغ.

(4). أی: الإیجاد الإنشائیّ نحو من أنحاء الوجود.

(5). أی: الوجود الاعتباری الإنشائیّ.

(6). کالزوجیة و الملکیة و الحریة و نحوها من الأُمور الاعتباریة التی رتب علیها أحکام شرعاً کوجوب النفقة، و جواز الوطء، و التوارث، و حرمة التزویج

الحال فی صیغ العقود و الإیقاعات، نعم (1) لا مضایقة فی دلالة مثل صیغة الطلب و الاستفهام و الترجی و التمنی بالدلالة بالخامسة، و حرمة الجمع بین الأُختین، و نکاح الأم، و غیرها من الأحکام الشرعیة المترتبة علی الزوجیة، هذا فی إنشاء الزوجیة، و کذا الحال فی إنشاء الملکیة، فإنّه بإنشائها یصیر المثمن ملکاً للمشتری و الثمن ملکاً للبائع، و هذه الملکیة الاعتباریة منشأ لأحکام شرعیة، کجواز تصرف المالک و حرمة تصرف غیره فیه عقلا و شرعاً و عرفاً، و هکذا سائر الأُمور الاعتباریة الإنشائیة التی یترتب علیها آثار شرعیة و عرفیة.


(1). استدراک علی ما ذکره من کون الصیغ الإنشائیة موجدة لمعانیها وجوداً إنشائیاً لا وجوداً حقیقیاً، یعنی: أنّ مدلولها المطابقی هو إنشاء مفاهیمها، و لکن یمکن الالتزام بدلالتها علی وجود تلک الصفات حقیقة أیضا بالدلالة الالتزامیة العقلیة بأن کانت موضوعة لإنشاء معانیها، بشرط أن یکون الداعی إلی إنشائها ثبوت تلک الصفات فی النّفس، فإنشاء الترجی بکلمة - لعل - أو التمنی بکلمة - لیت - إنّما یصح إذا کان ناشئاً عن ترجٍّ نفسانی أو تمنِّ کذلک، أو الدلالة الالتزامیة العرفیة الناشئة عن کثرة الاستعمال فی إنشاء المفاهیم بداعی وجود تلک الصفات فی النّفس، و هذه الکثرة توجب انصراف الإطلاق إلی وجود تلک الصفات.

و بالجملة: فدلالة الصیغ الإنشائیة علی وجود الصفات فی النّفس إمّا التزامیة عقلیة وضعیة و إمّا عرفیة إطلاقیة، (فتوهم) دلالة الجمل الخبریة وضعاً علی العلم بثبوت النسبة أو لا ثبوتها، و کذا توهم دلالة الجمل الإنشائیة علی نفس تلک الصفات (فاسد) بل الدلالة علی ذلک التزامیة کما عرفت.

الالتزامیة (1) علی ثبوت هذه الصفات حقیقة، إما (2) لأجل وضعها (3) لإیقاعها (4) فیما إذا کان الداعی إلیه (5) ثبوت هذه الصفات، أو (6) انصراف إطلاقها (7) إلی هذه الصورة (8)، فلو لم تکن هناک قرینة (9) کان إنشاء الطلب أو الاستفهام أو غیرهما بصیغتها (10) لأجل (11) قیام الطلب و الاستفهام و غیرهما بالنفس وضعاً (12) أو -


(1). أی: العقلیة الوضعیّة کما مر آنفاً.

(2). إشارة إلی الدلالة الالتزامیة العقلیة الوضعیّة.

(3). أی: وضع صیغة الطلب و الاستفهام... إلخ.

(4). أی: الصفات.

(5). أی: إلی الإیقاع.

(6). معطوف علی - وضعها - و هو إشارة إلی الدلالة الالتزامیة العرفیة.

(7). أی: إطلاق صیغة الطلب و أخواته.

(8). أی: صورة کون الإیقاع بداعی ثبوت الصفات المزبورة.

(9). علی خلاف کون الإنشاء بداعی وجود تلک الصفات فی النّفس.

(10). أی: بصیغة الطلب أو الاستفهام أو غیرهما.

(11). خبر لقوله: «کان إنشاء الطلب» یعنی: لو لم تکن قرینة علی عدم کون الإنشاء بداعی وجود الصفات حقیقة کان إنشاء الطلب و غیره بالصیغة لأجل قیام الطلب و غیره من الصفات الحقیقیة بالنفس، فیحمل الإنشاء مع عدم القرینة المزبورة علی کونه بداعی وجود تلک الصفات فی النّفس.

(12). الظاهر أنّه مفعول له، یعنی: أنّ ثبوت الإنشاء بداعی وجود تلک الصفات حقیقة إنّما هو لأجل الوضع أی الدلالة الالتزامیة العقلیة الوضعیّة، و لأجل انصراف الإطلاق إلیه.

إطلاقاً (1). إشکال (2) و دفع: أمّا الإشکال فهو: أنّه یلزم بناءً علی اتحاد الطلب و الإرادة فی تکلیف الکفار بالایمان بل مطلق أهل العصیان فی العمل بالأرکان إمّا أن لا یکون هناک تکلیف جدّی (3) إن لم یکن هناک إرادة، حیث إنّه لا یکون - (1). معطوف علی قوله: «وضعاً» و المراد به هو الدلالة الالتزامیة العرفیة الإطلاقیة التی تقدم بیانها آنفاً.

(2). هذا رابع الوجوه التی ذکرها فی البدائع لإثبات مغایرة الطلب للإرادة و حاصله: أنّه بناءً علی اتحادهما و عینیّتهما یلزم أحد المحذورین فی باب تکلیف الکفار بالایمان و العصاة بالعمل بالأرکان:

الأوّل: کون التکلیف صوریاً إذا لم یکن هناک إرادة، و الآخر:

تخلُّف المراد عن الإرادة إذا کان التکلیف جدّیاً، و کلاهما باطل.

أمّا الأوّل، فلکونه خلاف الإجماع القائم علی أنّ الکفار و العصاة معاقبون علی الکفر و العصیان، فلا محیص عن کونهم مکلفین بالتکلیف الحقیقی، و هو خلف.

و أمّا الثانی - و هو کون التکلیف جدیاً - فلاستلزامه تخلُّف المراد عن الإرادة، إذ المفروض کون الطلب الحقیقی عین الإرادة الحقیقیة، فاللَّه تبارک و تعالی أراد منهم الإیمان و العمل بالفروع، فلم یؤمنوا و لم یعملوا، و یمتنع تخلف المراد عن إرادته تعالی، لأنّه جلّ و علا «إذا أراد شیئاً یقول له کن فیکون» فلا محیص عن تغایر الطلب و الإرادة، و الالتزام بوجود الطلب الحقیقی فی تکلیف الکفار و العصاة، دون الإرادة الحقیقیة.

(3). هذا إشارة إلی المحذور الأوّل و هو کون التکلیف صوریاً.

حینئذٍ (1) طلب حقیقی، و اعتباره (2) فی الطلب الجدی ربما یکون من البدیهی و إن (3) کان هناک إرادة فکیف تتخلف عن المراد؟ و لا یکاد تتخلف إذا أراد اللَّه شیئاً یقول له کن فیکون‏. و أمّا الدفع (4) فهو: أنّ استحالة التخلف -


(1). أی: حین عدم الإرادة، إذ المفروض عینیة الطلب و الإرادة، فانتفاء الإرادة یستلزم انتفاءه.

(2). یعنی و الحال: أنّ اعتبار الطلب الحقیقی فی التکلیف الجدّی ربما یکون بدیهیاً.

(3). هذا إشارة إلی المحذور الثانی و هو تخلف المراد عن الإرادة، و أُسلوب الکلام یقتضی أن یقال: «و امّا أن تتخلف الإرادة عن المراد ان کان هناک إرادة توجب کون التکلیف جدیاً».

و الحاصل: أنّه بناءً علی تغایر الطلب و الإرادة لا یلزم شی‏ءٌ من المحذورین المتقدمین، للالتزام بکون تکلیف الکفار حقیقیاً ناشئاً عن طلب حقیقی دون الإرادة الحقیقیة.

(4). محصل هذا الدفع کما یظهر ذلک من سائر الکلمات أیضا: انّ للَّه تعالی إرادتین: تکوینیة و تشریعیة:

أمّا الأُولی، فهی عبارة عن العلم بالنظام علی النحو التام، و هذه الإرادة تتعلق بذوات الماهیات، و تفیض علیها الوجود الّذی هو منبع کل خیر و شرف، فالماهیات بمجرد سماع نداء ربّها تطیع أمر خالقها، و لا تتخلّف الإرادة التکوینیة عن المراد أصلا.

و أمّا الثانیة، فهی عبارة عن العلم بوجود المصلحة فی فعل العبد إذا صدر عنه بالإرادة و الاختیار، لا بالإلجاء و الاضطرار، لاختصاص المصلحة بذلک

انّما تکون فی الإرادة التکوینیة و هو العلم بالنظام علی النحو الکامل التام، دون الإرادة التشریعیة و هو العلم بالمصلحة فی فعل المکلف، و ما لا محیص عنه فی التکلیف إنما هو هذه الإرادة التشریعیة لا التکوینیة، فإذا توافقتا فلا بد من الإطاعة -بحیث لا یکون فیه صلاح إذا صدر عن قهر و إجبار، و من المعلوم: أنّ هذه الإرادة التشریعیة تتخلف عن المراد، و لا ضیر فی هذا التخلف، لعدم کون هذه الإرادة علة تامة لوجود الفعل فی الخارج حتی یمتنع التخلف، بل علة لنفس التشریع، و فائدتها إحداث الداعی فی العبد لیوجد الفعل بإرادته و اختیاره، فوجود الفعل منوط بإرادة العبد، لا بإرادته تعالی التکوینیة، إذ المفروض عدم تعلقها به.

و بالجملة: فالمراد بالإرادة التشریعیة هو فعل العبد الّذی یوجد تارة و یبقی علی العدم أُخری، فمحصل الجواب عن الإشکال: أنّ الطلب و الإرادة الحقیقیّین موجودان فی تکالیف الکفار و العصاة، و لا یلزم شی‏ءٌ من محذوری التکلیف الصوری، و تخلُّف الإرادة عن المراد.

أمّا الأوّل، فلوجود الطلب الحقیقی الموجب لکون التکلیف حقیقیاً لا صوریاً.

و أمّا الثانی، فلما عرفت من عدم استحالة التخلف فی الإرادة التشریعیة، و اختصاص ذلک بالإرادة التکوینیة المفروض فقدانها فی التکالیف الشرعیة، لعدم احتیاجها إلیها، بل هی مخلّة فیها، لما عرفت من توقف المصلحة علی صدور الفعل عن اختیار العبد، و إنّما المحتاج إلیه فی کون التکلیف جدیاً حقیقیاً لا صوریاً هو الإرادة التشریعیة.

و الإیمان (1)، و إذا تخالفتا فلا محیص عن أن یختار الکفر و العصیان (2) إن قلت (3): إذا کان الکفر و العصیان و الإطاعة و الإیمان بإرادته (4) تعالی التی لا تکاد تتخلف عن المراد فلا یصح أن یتعلق بها (5) التکلیف، لکونها (6) خارجة عن الاختیار المعتبر فیه (7) عقلا (8). -


(1). لعدم تخلُّف الإرادة التکوینیة عن المراد، و المفروض تعلُّقها بإیمان شخص و إطاعته کتعلق الإرادة التشریعیة بذلک، فلا محیص عن اختیاره للإیمان و الإطاعة.

(2). لفرض تعلق الإرادة التکوینیة بکفره أو عصیانه المعلوم عدم تخلفها عن المراد.

(3). توضیحه: أنّه إذا تعلقت إرادته تعالی التکوینیة بإیمان شخص و إطاعته، أو تعلقت بکفره و عصیانه امتنع تعلُّق التکلیف بهذه الأُمور، لصیرورتها غیر مقدورة للعبد بعد تعلق إرادته تعالی التکوینیة بها الموجبة لضروریة وجودها، فلا یبقی حینئذٍ اختیارٌ للعبد یوجب صحة التکلیف بها، و علی هذا فیکون العبد مضطرّاً إلی اختیار الکفر و العصیان أو الإطاعة و الإیمان، و لیس هذا إلاّ الجبر الّذی یلتزم به الأشعری.

(4). أی: التکوینیة التی لا تتخلف عن المراد.

(5). أی: الإطاعة و الإیمان، و الکفر و العصیان.

(6). تعلیل لعدم صحة تعلق التکلیف بالإیمان و الإطاعة و الکفر و العصیان، و محصل التعلیل: خروج الأُمور المذکورة عن الاختیار المعتبر عقلاً فی التکلیف بسبب تعلق الإرادة التکوینیة الإلهیة بها.

(7). أی: فی التکلیف.

(8). قید ل - المعتبر -.

قلت: إنّما یخرج بذلک (1) عن الاختیار لو لم یکن تعلق الإرادة بها (2) مسبوقة (3) بمقدماتها (4) الاختیاریّة (5)، و إلاّ (6) فلا بد من صدورها -


(1). أی: بتعلق الإرادة التکوینیة الإلهیة بالإیمان و غیره مما ذکر.

(2). أی: بالإیمان و سائر العناوین المذکورة، و محصل هذا الجواب هو:

أنّ الإرادة التکوینیة تارة تتعلق بفعل العبد مطلقاً سواء أراده أم لا، بل یوجد الفعل بلا إرادته و اختیاره، لوجوب صدوره بعد صیرورته مراداً تکوینیاً له تعالی شأنه، فلا یؤثر قدرة العبد و إرادته فی فعله أصلا.

(و أُخری) تتعلق بفعل العبد بما له من المبادئ الموجبة لاختیاریّته فی حدّ ذاته، بحیث لا یکون الفعل ذا صلاح إلاّ مقیّداً بکونه صادراً عن العبد بقدرته و إرادته.

فان تعلقت الإرادة التکوینیة بفعل العبد علی النحو الأوّل لَزِم الجبر، إذ المفروض صیرورة الفعل ضروری الوجود بحیث لا تؤثّر قدرة العبد فیه.

و إن تعلقت بفعل العبد علی النحو الثانی لا یلزم منه جبر أصلا، إذ المفروض تعلق إرادته تعالی التکوینیة بالفعل و مبادیه الاختیاریة أیضا، فلا مجال لنفی الاختیار، لوجوب الصدور.

و بالجملة: فالجبر مبنیٌّ علی تعلق الإرادة التکوینیة علی النهج الأوّل دون الثانی.

(3). حال من ضمیر - بها - الراجع إلی الإیمان و سائر العناوین المذکورة.

(4). الضمیر راجع إلی العناوین المذکورة من الإیمان و غیره.

(5). أی: المقدمات الموجبة لکونها اختیاریة.

(6). أی: و ان کان تعلق الإرادة التکوینیة بالإیمان و غیره بمبادئها الاختیاریة فلا بد من صدور الإیمان و غیره بالاختیار.

بالاختیار، و إلاّ (1) لَزِم تخلف إرادته عن مراده تعالی عن ذلک علواً کبیراً.

إن قلت (2): إنّ الکفر و العصیان من الکافر و العاصی و لو کانا مسبوقین بإرادتهما (3)، إلاّ أنّهما (4) منتهیان -


(1). أی: و إن لم تصدر العناوین المذکورة بالاختیار - مع تعلق إرادته تعالی التکوینیة بصدورها من العبد باختیاره - لَزِم تخلُّف إرادته تعالی عن مراده، بداهة أنّ إرادته عزّ و جلّ تعلقت بصدور تلک العناوین باختیار العبد، فلو صدرت بدونه لزم الخلف.

فالمتحصل: أنّه لا یلزم من تعلق إرادة اللَّه تعالی تکویناً بالإیمان و الإطاعة و الکفر و العصیان جبرٌ أصلا، لما مرّ من کون إرادته التکوینیة علی نحوین، و یلزم الجبر علی أحدهما دون الآخر.

(2). غرض هذا المستشکل: عدم اندفاع إشکال الجبر بما ذکر من تأثیر إرادة الکافر و المؤمن فی اختیاریة الکفر و الإیمان، و لذا لا یکونان کحرکة المرتعش فی کونهما خارجین عن الاختیار. و حاصل وجه عدم الاندفاع هو: أنّ إرادة العبد لمّا کانت من الممکنات کانت منتهیة إلی إرادة الواجب تعالی شأنه التی هی واجبة، لکونها عین ذاته عز و جل فإرادة العبد المستندة إلی إرادته جلّت عظمته تکون غیر اختیاریة، فیقبح التکلیف حینئذٍ بالإیمان و غیره، لکونه تکلیفاً بأمر غیر اختیاری، کما یقبح العقاب علی الکفر و العصیان، لأوله بالأخرة إلی ما لا یکون بالاختیار، فلم یندفع إشکال الجبر بمجرد تأثیر إرادة العبد فی اختیاریة الکفر و الإیمان.

(3). أی: بإرادة الکفر و العصیان من العبد.

(4). یعنی: إلاّ أنّ إرادتی الکفر و العصیان منتهیتان إلی أمر غیر اختیاری.

إلی ما (1) لا بالاختیار، کیف (2) و قد سبقتهما (3) الإرادة الأزلیة و المشیة الإلهیة؟ و معه (4) کیف تصح المؤاخذة علی ما یکون بالأخرة بلا اختیار؟.

قلت (5): العقاب إنّما یتبع الکفر و العصیان التابعین للاختیار -


(1). المراد بالموصول هو الإرادة الإلهیة التی تنتهی إلیهإ؛چچ للَّه‏للَّه؛ الممکنات.

(2). یعنی: کیف لا تنتهی إرادة الکفر و العصیان من الکافر و العاصی إلی ما لا بالاختیار؟ و الحال أنّه قد سبق هذه الإرادة - الإرادةُ - الأزلیة الإلهیة الرافعة للاختیار.

(3). أی: إرادتی الکفر و العصیان.

(4). أی: و مع السبق المزبور.

(5). ملخص هذا الجواب: أنّ المؤاخذة لیست لأجل الاستحقاق حتی یرد علیه الإشکال بأنّه لا استحقاق مع عدم الاختیار، بل لکونها من اللوازم الذاتیّة المترتبة علی الکفر و العصیان الناشئین عن الخبث الذاتی ترتب المعلول علی علته، و إذا انتهی الأمر إلی الذاتی انقطع السؤال بِلم، لأنّ الذاتی لا یعلّل، فلا یقال: «لم اختار المؤمن و الکافر الإیمان و الکفر»، إذ المفروض أنّهما من لوازم ذاتهما، و لذا یکون الشقی شقیاً فی بطن أُمّه و السعید سعیداً کذلک، کما فی النبوی‏«»، و «الناس معادن کمعادن الذهب و الفضة» کما فی بعض الروایات، فالسعادة و الشقاوة ذاتیتان للناس کذاتیة الذهبیّة و الفضیة للذهب و الفضة، هذا محصل ما أفاده المصنف (قده) فی دفع شبهة

الناشئ عن مقدماته الناشئة عن شقاوتهما الذاتیّة اللازمة لخصوص ذاتهما، فإنّ السعید سعید فی بطن أُمّه و الشقی شقی فی بطن أُمّه، و الناس معادن کمعادن‏ -الجبر

«-»

. (-). لکنک خبیر بأنّ ما أفاده لیس دافعاً لشبهة الجبر بل هو مثبت لها، إذ المفروض کون السعادة و الشقاوة ذاتیتین، و الإیمان و الکفر و الإطاعة و العصیان من لوازمهما التی لا تنفک عنهما، و علی هذا کیف یحسن التکلیف بهما و العقاب علیهما؟ و حسن مؤاخذة الموالی العرفیة لعبیدهم علی مخالفتهم لأوامرهم و عدم الاعتداد باعتذارهم بأنّ المخالفة مستندة إلی الأمر الذاتی و هو الشقاوة أقوی شاهد علی عدم کون العصیان من اللوازم الذاتیّة القهریة، و أنّه ناشٍ عن ترجیح وجوده علی عدمه، و اختیار فعله علی ترکه، و کون المؤاخذة عندهم مترتبة علی الفعل الاختیاری، هذا. مضافاً إلی دلالة الروایات علی عدم الجبر، و أنّ کُلاًّ من الطاعة و العصیان یکون باختیار العبد، مثل ما رواه الوافی عن توحید الصدوق و الاحتجاج عن الیمانی عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال: «إنّ اللَّه خلق الخلق فعلم ما هم صائرون إلیه، و أمرهم و نهاهم، فما أمرهم به من شی‏ءٍ فقد جعل لهم السبیل إلی أخذه، و ما نهاهم عنه من شی‏ء فقد جعل لهم السبیل إلی ترکه‏» و ما رواه الکافی عن هشام بن سالم عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال: «اللَّه أکرم من أن یکلف الناس ما لا یطیقون‏» و ما رواه الکافی أیضا عن یونس عن عدة عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال: «قال له رجل: جعلت فداک أجبر اللَّه العباد علی المعاصی، قال: اللَّه أعدل من أن یجبرهم علی المعاصی ثم یعذبهم علیها» الحدیث، إلی غیر ذلک من الروایات الصریحة أو الظاهرة فی نفی الجبر، و لا ینافی ذلک ما رواه الوشّاء عن أبی الحسن الرضا علیه السّلام قال: «سألته فقلت: اللَّه فوّض الأمر إلی العباد، قال:

الذهب و الفضة کما فی الخبر، و الذاتی لا یعلل

«-»

فانقطع سؤال أنّه لم جعل -.......... اللَّه أعز من ذلک، قلت: فجبرهم علی المعاصی، قال: اللَّه أعدل و أحکم من ذلک‏ قال: ثم قال اللَّه تعالی: یابن آدم أنا أولی بحسناتک منک، و أنت أولی بسیئاتک منی عملت المعاصی بقوتی التی جعلتها فیک‏» و ذلک لأنّ المراد بأولویّته عزّ و جلّ بالحسنات أمره بها و إعطاء القوة علیها و التوفیق لها، و المراد بأولویة العبد بالسیئات هو: أنّه تعالی نهاه عنها، و أوعد علیها، و وهب له القوة لیصرفها فی الطاعات، فخالف ربه و صرفها فی السیئات. کما لا ینافیه الأخبار الواردة فی القضاء و القدر و المشیة و الفطرة و الطینة، و لا یثبت بها الجبر کما سیأتی توضیحه إن شاء اللَّه تعالی. (-). لعلّه أراد بذلک ما عن جماعة من الفلاسفة «من أنّ العقاب و الثواب لیسا من معاقب خارجی و منتقم غضبان ینتقم من عدوه لإزالة ألم الغیظ، و التشفی عن حرقة لهب الغضب المستحیل فی حقه تعالی شأنه، بل هما من اللوازم الذاتیّة للأفعال الحسنة و القبیحة المنتهیة إلی الشقاوة و السعادة الذاتیتین».

و أنت خبیر بما فیه أوّلاً: من أنّ الثواب و العقاب - علی ما دلّت علیه الآیات و الروایات - جزاءٌ من اللَّه تعالی بالعمل الحسن و القبیح، و الثواب - علی ما عرّفه المتکلمون - هو النّفع المستحق المقارن للتعظیم، و العقاب هو الضرر المستحق المقارن للاستخفاف، و مع الجبر لا استحقاق، لعدم کون الفعل اختیاریا للعبد، و تجسُّم الأعمال علی ما فی بعض الروایات لا یدل علی کون ذلک من قبیل اللوازم الذاتیّة، بل ذلک المجسم هو الّذی جعل جزاءً للعمل.

و ثانیاً: من أنّ الثواب و العقاب لو کانا ذاتیین للعمل لم یکن وجه لتوقیف العباد فی مواقف الحساب للسؤال عنهم علی ما صرّح به قوله تعالی:

السعید سعیداً و الشقی شقیاً، فإنّ السعید سعید بنفسه و الشقی شقی کذلک، و إنّما -.......... و قفوهم أنهم مسئولون‏.

و ثالثاً: من أنّ ذاتیتهما تُنافی ما ورد من العفو عن بعض الذنوب بالشفاعة أو غیرها، إذ لا معنی للعفو حینئذٍ.

و رابعاً: من عدم انطباق حدِّ الذاتی علی السعادة و الشقاوة اللتین یترتب علیهما الثواب و العقاب، أمّا الذاتی الإیساغوجی - و هو الجنس و الفصل - فواضح، و أمّا الذاتی البرهانی - و هو ما ینتزع عن نفس الذات من دون حاجة إلی ضم ضمیمة کإمکان الإنسان و غیره من الماهیات الإمکانیة - فلوضوح عدم کون السعادة و الشقاوة کذلک، لأنّهما من الصفات العارضة للنفس کسائر الأوصاف النفسانیّة.

و خامساً: من أنّه - بعد تسلیم کونهما ذاتیتین - لم ینهض دلیل عقلی و لا نقلی علی کونهما بنحو العلة التامة کقبح الظلم و حُسن الإحسان و نحو ذلک حتی یلزم الجبر، فیمکن أن تکون ذاتیتهما بنحو الاقتضاء، کقبح الکذب، و من المعلوم أنّ مجرد وجود المقتضی لا یکفی فی ثبوت الجبر بعد القدرة علی إیجاد المانع عن تأثیره، و لا یدل الخبران المذکوران علی العلیة التامة أصلا.

أمّا الخبر الأوّل، فلأنّ المراد بالسعید و الشقی فی بطن الأُم هو علمه سبحانه و تعالی بکونه شقیاً أو سعیداً و هو فی بطن أُمه، فعن ابن أبی عمیر قال:

«سألت أبا الحسن موسی بن جعفر علیهما السّلام عن معنی قول رسول اللَّه صلّی اللَّه علیه و آله:

الشقی من شقی فی بطن أُمه و السعید من سعد فی بطن أُمّه، فقال: الشقی من علم اللَّه و هو فی بطن أُمّه أنّه سیعمل أعمال الأشقیاء، و السعید من علم اللَّه و هو فی‏

أوجدهما اللَّه تعالی (قلم اینجا رسید و سر بشکست). قد انتهی الکلام فی المقام -.......... بطن أُمّه أنّه سیعمل أعمال السعداء» الحدیث«».

و أمّا الخبر الثانی، فالظاهر منه هو تنزیل الناس منزلة المعادن فی أنّه کما تکون المعادن من حیث المالیة و الجهات الموجبة لتنافس الخلق و تزاحمهم علیها مختلفة جداً و متفاوتة جزماً، کذلک الناس، فإنّهم فی الأخلاق و الصفات متفاوتون کتفاوت المعادن فیما عرفت، فلا دلالة فی هذا الخبر علی کون السعادة و الشقاوة ذاتیتین بمعنی العلّة التامة کما هو قضیة الجبر، و لو سلمنا دلالة الخبر علی کونهما ذاتیتین، فالمتیقن منه ذاتیتهما بنحو الاقتضاء لا العلیة التامة، و قد مر: أنّ مجرّد الاقتضاء لا یثبت الجبر، و لو سلم ظهور هذا الخبر أو غیره من الروایات فی کون السعادة و الشقاوة ذاتیتین بمعنی العلة التامة فلا سبیل إلی حجیته، لعدم مکافأته للضرورة العقلیة التی هی کالقرینة المتصلة، و للآیات و الروایات المتواترة بل المتجاوزة عن حد التواتر النافیة للجبر، فلا محیص عن التأویل أو الحمل علی التقیة، لما قیل: «من أنّ الجبر أشهر مذاهب العامة»، أو الطرح.

فتلخص مما ذکرنا: عدم لزوم الجبر من ناحیة ذاتیة السعادة و الشقاوة.

و أمّا من ناحیة الإرادة، فإن أُرید بها إرادته تعالی شأنه، فقد عرفت أنّ المراد بها هو علمه باشتمال فعل العبد الصادر عنه باختیاره علی المصلحة، لا مطلقاً و لو صدر عنه قهراً، و من المعلوم أنّ هذه الإرادة لا توجب الجبر. و إن أُرید بها إرادته تعالی التی تنتهی إلیها الممکنات، فلا تستلزم الجبر أیضا، و توضیحه یتوقف علی بیان مقدمة ذکرها بعض المحققین (قده) و هی: «أنّ الفاعل ینقسم

إلی ما ربما لا یسعه کثیر من الأفهام، و من اللَّه الرشد و الهدایة و به الاعتصام. -.......... باعتبار إلی ما منه الوجود و إلی ما به الوجود، و المراد بالأوّل: مفیض الوجود و معطیه، و هو منحصر فی واجب الوجود جلّ و علا، و بالثانی: مباشر الفعل الّذی یفاض علیه الوجود و یکون مجری فیضه، فیجری منه فیض الوجود إلی غیره، و هو منحصر فی غیر واجب الوجود جلّت عظمته، لإباء صرافة وجوده عن الاتحاد مع الممکنات حتی یباشر الحرکات.

و بالجملة: فمعطی الوجود هو الواجب تعالی شأنه، و مجری فیض الوجود هو الممکن.

و ینقسم الفاعل باعتبار آخر إلی الفاعل بالطبع، و بالقسر، و بالاختیار.

و المراد بالأوّل: ما یکون فعله باقتضاء طبیعته بلا شعور و إرادة کالنار، فإنّ إحراقها لیس بإرادة و لا شعور، بل باقتضاء طبعها.

و المراد بالثانی: ما یکون الفاعل بالإضافة إلی الفعل کالموضوع لعرضه، فإسناد الفعل إلیه یکون بضرب من المسامحة، إذ الفاعل حقیقة غیره، کتحریک ید الغیر، فإنّ مباشر التحریک هو الفاعل و ید المتحرک محل الحرکة، و لیس المتحرک هو الفاعل إلاّ مسامحة.

و المراد بالثالث: ما یکون صدور الفعل منه منوطاً بعلمه و قدرته و إرادته، فهذه الصفات مصحِّحات فاعلیته بالفعل». إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنّ المراد من انتهاء الفعل إلی إرادة الباری تعالی ان کان انتهاء إرادة العبد - لإمکانها - إلی إرادة اللَّه عز و جل فلا یضرّ ذلک بالفاعلیة التی هی شأن الممکنات، إذ العبد بذاته و صفاته و أفعاله لا وجود له إلاّ بإفاضة الوجود من الباری تعالی، لأنّه

مفیض الوجود، دون الممکن الّذی هو مجری فیض الوجود کما تقدم، و یستحیل أن یکون الممکن المحتاج إلی الوجود مفیضاً للوجود، فلا منافاة بین انتهاء إرادته - لإمکانها - إلی إرادته سبحانه و تعالی، و بین کون فعله اختیاریا له مع فرض علمه و قدرته و إرادته.

و إن کان المراد من الانتهاء: انتهاء الإرادة إلی الباری عزّ و جلّ علی حدّ انتهاء الفعل إلی فاعل ما به الوجود حتی یلزم الجبر، فهو مستحیل فی حقه تعالی، لما مر آنفاً من إباء صرافة وجوده عن الاتحاد مع الممکنات.

و الحاصل: أنّ الانتهاء إلی فاعل ما منه الوجود لازم لا أنّه ضائر، لأنّه تعالی مفیض الوجود و معطیه، فوجود کل ممکن منه عز و جل فهذا الانتهاء ضروری، و لکن لا یلزم منه الجبر، إذ الّذی یتوقف علیه الجبر هو انتهاء الفعل إلیه تعالی انتهاءه إلی ما به الوجود، لکنه مستحیل فی حقه تعالی، لما عرفت.

و بالجملة: فالانتهاء المتحقق لازم و غیر ضائر، و الانتهاء الضائر المثبت للجبر غیر متحقق، هذا ما یتعلق بإرادته سبحانه و تعالی.

و أمّا إرادة نفس العبد فلا توجب الجبر أیضا، لعدم کونها علة تامة لوجود الفعل فی الخارج بحیث یصیر العبد مسلوب الاختیار، کما یشهد به الوجدان السلیم، حیث إنّ الإرادة المفسّرة بالشوق المؤکد لا تسلب الاختیار، بل هو مع هذا الشوق یقدر علی کل من الفعل و الترک، و لا یصیر الفعل به ضروری الوجود، غایة الأمر أنّ الشوق المؤکّد یکون داعیاً إلی اختیار الفعل و ترجیحه علی الترک، بل یشهد بذلک البرهان أیضا، لتخلف الإرادة عن المراد أحیاناً، کما إذا لم یکن

إرادة للعبد، و مع ذلک یوجد الفعل کراهة، لخوف أو اضطرار أو نحوهما، فإنّ الشوق المؤکّد حینئذٍ مفقود، و مع ذلک یؤتی بالفعل، فیعلم من ذلک عدم کون الإرادة علة تامة، و عدم توقف الفعل علیها، لوجوده بدونها فی صورة الکراهة، و قد اتضح من هذا البیان أمران:

أحدهما: أنّه لا وجه لما عن الفلاسفة من کون مناط الفعل الاختیاری هو سبقه بالإرادة المفسرة بالشوق المؤکد، و ذلک لما عرفت من صدور الفعل أحیاناً من فاعل بالاختیار بدون الإرادة أصلا.

ثانیهما: أنّه لا وجه لجعل الإرادة بمعنی الشوق المؤکد علة تامة لوجود الفعل فی الخارج، لما مرّ آنفاً من قیام الوجدان و البرهان علی خلافه.

(تکملة) قد عرفت أنّ الاختیار فی أفعال العباد مما لا بدّ منه فی صحة التکلیف، و إلاّ یلزم الظلم، ضرورة أنّ العقاب علی فعل غیر اختیاری قبیح عقلا، لکونه ظلماً لا یصدر عن الحکیم، فلو کان هناک ما یکون ظاهراً فی الجبر أو موهماً له فلا بد من تأویله أو طرحه أو حمله علی التقیة، و لمّا کان هناک روایات توهم دلالتها علی الجبر، فلا بأس بالتعرض الإجمالی لها فنقول مستعیناً به تعالی و متوسلا بولیّه صلی اللَّه علیه و علی آبائه الطاهرین و عجل فرجه و أدرک بنا أیامه:

إنّ الروایات المشار إلیها تشتمل علی ثلاثة عناوین:

أحدها: عنوان القضاء و القدر.

ثانیها: عنوان المشیة.

ثالثها: عنوان الفطرة و الطینة، فهنا مقامات ثلاثة:

(الأوّل) فی روایات العنوان الأوّل، و هی بین مطلقة و مجملة و مبینة، و حیث إنّ المدار علی المبینة فلا جدوی فی تعرض الأُولیین، لاشتمال الثالثة علی نفس لفظی القضاء و القدر مع تفسیرهما، و نقتصر من هذه الطائفة الثالثة علی روایة واحدة، لوفائها بالمرام، و هی ما نقله الوافی عن الکافی مرفوعاً، و عن الصدوق علیه الرحمة فی التوحید مسنداً - هکذا -: «أحمد بن عمران الدقاق عن محمد بن الحسن الطائی عن سهل عن علی بن جعفر الکوفی، قال: سمعت سیدی علی بن محمد علیهما السّلام یقول: حدثنی أبی محمد بن علی عن أبیه الرضا عن أبیه عن أبیه عن أبیه عن أبیه عن أبیه الحسین علیهم السّلام» و متن الروایة فی الکافی علی ما فی الوافی هو هذا: «کان أمیر المؤمنین علیه أفضل الصلاة و السّلام جالساً بالکوفة بعد منصرفه من صفین إذ أقبل شیخ فجثا بین یدیه، ثم قال: یا أمیر المؤمنین أخبرنا عن مسیرنا إلی الشام أ بقضاء من اللَّه و قدره؟ فقال له: أمیر المؤمنین علیه السّلام:

أجل یا شیخ: ما علوتم تلعة و لا هبطتم بطن واد إلاّ بقضاء من اللَّه و قدره، فقال له الشیخ: عند اللَّه أحتسب عنائی یا أمیر المؤمنین، فقال له: مه یا شیخ، فو اللَّه لقد عظّم اللَّه لکم الأجر فی مسیرکم و أنتم سائرون، و فی مقامکم و أنتم مقیمون، و فی منصرفکم و أنتم منصرفون، و لم تکونوا فی شی‏ءٍ من حالاتکم مکرهین، و لا إلیه مضطرین، فقال له الشیخ: و کیف لم نکن فی شی‏ءٍ من حالاتنا مکرهین و لا إلیه مضطرین؟ و کان بالقضاء و القدر مسیرنا و منقلبنا و منصرفنا، فقال له:

و تظن أنّه کان قضاءً حتماً و قدراً لازماً، انّه لو کان کذلک لبطل الثواب و العقاب، و الأمر و النهی، و الزجر من اللَّه، و سقط معنی الوعد و الوعید، فلم تکن لأئمة

للمذنب، و لا محمدة للمحسن، و لکان المذنب أولی بالإحسان من المحسن، و لکان المحسن أولی بالعقوبة من المذنب، تلک مقالة إخوان عبدة الأوثان، و خصماء الرحمن، و حزب الشیطان، و قدریّة هذه الأُمة و مجوسها، إنّ اللَّه تبارک و تعالی کلّف تخییراً، و نهی تحذیراً، و أعطی علی القلیل کثیراً، و لم یُطع مکرهاً، و لم یُملّک مفوضاً، و لم یخلق السماوات و الأرض و ما بینهما باطلا، و لم یبعث النبیین مبشرین و منذرین عبثاً، و ذلک ظنّ الذین کفروا، فویل للذین کفروا من النار، فأنشأ الشیخ یقول:

أنت الإمام الّذی نرجو بطاعته‏

یوم النجاة من الرحمن غفرانا

أوضحت من أمرنا ما کان ملتبساً

جزاک ربک بالإحسان إحسانا»

تقریب دلالة هذا الخبر علی الجبر هو: ظهور قول السائل: «عند اللَّه أحتسب عنائی یا أمیر المؤمنین» فی ذلک، حیث إنّه - بعد بیان الإمام علیه السّلام: «انّ مسیرنا إلی أهل الشام کان بقضاء اللَّه تعالی و قدره‏» - استبعد استحقاق الأجر، و لذا قال علیه الصلاة و السّلام له: «مه یا شیخ‏... إلخ» و کذا قوله: «و کیف لم نکن فی شی‏ءٍ من حالاتنا مکرهین و لا إلیه مضطرین و کان بالقضاء و القدر مسیرنا.. إلخ» فإنّه کالصریح فی اعتقاده الجبر بعد کون مسیرهم بالقضاء و القدر، و لذا أجابه أمیر المؤمنین علیه السّلام بقوله: «و تظن أنّه کان قضاءً حتماً و قدراً لازماً... إلخ» و الّذی یستفاد منه أُمور:

الأوّل: انقسام القضاء و القدر إلی حتمیین و غیر حتمیین، و أنّ الموجب للجبر و اضطرار العباد فی أفعالهم لیس إلاّ القسم الأوّل، ثم بیّن علیه السّلام مفاسده

من استلزامه لبطلان الثواب و العقاب و الأمر و النهی... إلخ، ففسّر علیه السلام القضاء و القدر - اللّذین کانا فی المسیر إلی الشام - بأنّهما لم یکونا من القسم الحتمی، لأنّ الحتمی یوجب بطلان التکلیف و البعث و الزجر و الثواب و العقاب.

فالمتحصل: ثبوت الملازمة بین القضاء الحتمی و بین ارتفاع الاختیار المبطل للتکلیف و الثواب و العقاب.

الثانی: بقاء التکلیف و الاختیار و عدم الاضطرار مع القضاء غیر الحتمی، لعدم کونه رافعا للقدرة و الاختیار.

الثالث: عدم تملیکه العباد بحیث ینافی سلطانه عظمت کبریاؤه کما هو مذهب المفوضة، فإنّ قوله علیه السّلام: «و لم یملک مفوضا» صریح فی نفی التفویض.

الرابع: أنّ الجبر یستلزم أولویة المذنب بالإحسان من المحسن، لأنّه لا یرضی بالذنب و المخالفة، و أولویة المحسن بالعقوبة من المسی‏ء، لأنّه لا یرضی بالإحسان و الموافقة.

و بالجملة: فجبر المسی‏ء علی الإساءة یستلزم إحسانا فی مقابله، و جبر المحسن علی الإحسان مع عدم رضاه به یوجب عقابا. و هذا الوجه هو ما أفاده فی الوافی، و قد وجهه غیره بتوجیهات اخر ترکنا التعرض لها خوفا من الإطالة المنافیة لوضع التعلیقة. و قوله علیه السلام: «و قدریة هذه الأمة و مجوسها» إشارة إلی النبوی المشهور: «القدریة مجوس هذه الأمة» و وجه تسمیتهم بالمجوس هو مشارکتهم للمجوس فی سلب الفعل عن العبد، فإنّ المجوس یسندون الخیرات إلی اللَّه تعالی و الشرور إلی إبلیس لعنه اللَّه. و کیف کان فالخبر المزبور أوضح

المراد بالقضاء و القدر، فیحمل غیره من الأخبار المطلقة و المجملة علیه، کما یحمل لأجله ما دلّ علی استحالة تخلُّف الکائنات عما قضی علیه، کروایة الدقاق المحکیة عن البحار الدالة علی أنّه إذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء، و غیرها من الروایات التی تدل علی تبعیة المقضی علیه للقضاء بنحو الاستلزام علی القضاء و القدر الحتمیین.

و الحاصل: أنّ معنی القضاء و القدر فی مورد البحث هو غیر الحتمیین کما دلّ علیه الخبر المبسوط المتقدم، لأنّه قرینة علی إرادة المعنی المذکور من سائر الروایات أیضا، و مع الغض عن قرینیته لا ظهور للفظ القضاء فیما أراده الجبری مع کثرة المعانی التی استعمل فیها خصوصا فی القرآن الکریم، فإنّ مادة القضاء بتصاریفها المتشتتة قد وردت فیه و أرید بها معان متعددة:

منها: قوله تعالی فی سورة یوسف الآیة (68): إلا حاجة فی نفس یعقوب قضاها. فإن معناه کما فی تفسیر مجمع البیان هو الإزالة، أی: أزال به اضطراب قلبه، و جعله بمعنی العلم کما عن بعض الأعلام لم یظهر له مأخذ.

و منها: قوله تعالی فی سورة الحجر الآیة (66): و قضینا إلیه ذلک الأمر، فإنّ معناه کما فی مجمع البیان هو الإعلام، یعنی: أعلمنا لوطا و أخبرناه و أوحینا إلیه ما تنزل به من العذاب.

و منها: قوله تعالی فی سورة یونس الآیة (93): إنّ ربّک یقضی بینهم یوم القیامة فإنّ معناه الحکم، و بهذا المعنی ورد فی موارد عدیدة من القرآن المجید، کقوله تعالی فی سورة النمل الآیة (80): إنّ ربّک یقضی بینهم‏

بحکمه‏، و کقوله تعالی فی سورة إسرائیل الآیة (24): و قضی ربک أن لا تعبدوا إلا إیاه‏ علی قول یأتی، و کقوله تعالی فی سورة النساء الآیة (68): ثم لا یجدوا فی أنفسهم حرجا مما قضیت‏، بل وروده بهذا المعنی فی القرآن المجید أکثر من غیره کما لا یخفی علی من لاحظ ذلک. و منها: قوله تعالی فی سورة المؤمن الآیة (22): و اللَّه یقضی بالحق و الذین یدعون من دونه لا یقضون بشی‏ء، و المراد به الفصل کما فی مجمع البیان، و یمکن إرجاع ما عن بعض الأعلام - من کون معناه هنا هو القول - إلیه.

و منها: قوله تعالی فی سورة السبإ الآیة (14): فلما قضینا علیه الموت ما دلّهم علی موته إلاّ دابة الأرض‏، قال فی مجمع البیان: فلما حکمنا علی سلیمان بالموت‏، و قیل: معناه أوجبنا علی سلیمان الموت» انتهی، و جعله بعض الأعلام بمعنی الحتم، و یمکن إرجاع أحدهما إلی الآخر.و منها: قوله تعالی فی سورة إسرائیل الآیة (24 ﴿و قضی ربک أن لا تعبدوا إلا إیاه‏) قال فی مجمع البیان: أی أمر ربک أمرا باتا، عن ابن عباس و الحسن و قتادة، و قیل: ألزم و أوجب ربک، عن الربیع بن أنس، و قیل: أوصی عن مجاهد».و منها: قوله تعالی فی سورة حم السجدة الآیة (11: ﴿فقضاهن سبع سموات فی یومین‏) قال فی مجمع البیان: «أی صنعهن و أحکمهن و فرغ من خلقهن» انتهی، فالمراد بالقضاء حینئذ هو الخلق.

و منها: قوله تعالی فی سورة طه الآیة (76): فاقض ما أنت قاض‏

و الخطاب لفرعون أی: فاصنع ما أنت صانعه علی إتمام و إحکام، و قیل: معناه فاحکم ما أنت حاکم.

و منها: قوله تعالی فی سورة القصص الآیة (30): فلمّا قضی موسی الأجل‏ أی أوفاه و أتمه، و کذا - قضیت - فیما قبله «أیّما الأجلین قضیت».و منها: قوله تعالی فی سورة البقرة الآیة (27: ﴿هل ینظرون إلاّ أن یأتیهم اللَّه فی ظلل من الغمام و الملائکة و قضی الأمر و إلی اللَّه ترجع الأمور) قال فی مجمع البیان فی تفسیر - قضی -: «معناه فرغ من الأمر و هو المحاسبة و إنزال أهل الجنة فی الجنة و أهل النار فی النار» انتهی، فالمراد بالقضاء هنا الفراغ، و کذا فی قوله تعالی فی سورة یوسف علی نبینا و آله و علیه السلام الآیة (42): قضی الأمر الّذی فیه تستفتیان‏ قال فی مجمع البیان: «أی فرغ من الأمر الّذی تسألان» انتهی. و الغرض من ذکر معانی القضاء فی القرآن الکریم هو: أنّه مع کثرتها و الإغماض عن قرینیة مثل الروایة المزبورة علی إرادة القضاء غیر الحتمی فی أفعال العباد لا محیص عن التوقف، لإجمال معنی القضاء، فروایات القضاء لا یظهر منها جبر أصلا، إذ مع النّظر إلی القرینة المزبورة یراد به القضاء غیر الحتمی الّذی قد مرّ عدم إیجابه للجبر.

و مع الغض عنها یکون مجملا، و لا یستفاد منه شی‏ء، فلا یصح الاستدلال بتلک الروایات علی الجبر و ارتفاع الاختیار عن العبد فی أفعاله، و لو سلم عدم الإجمال، فلا یصح الاستدلال به أیضا، لأنّه إن کان بمعنی العلم فلیس علة حتی

یکون علمه تعالی بفعل العبد موجبا للجبر، مثلا علم زید بمسافرة عمرو باختیاره فی الغد لا یوجب اضطرار عمرو إلی المسافرة، و کذا الحال فی الإعلام، لوضوح أنّ الإخبار بفعل الغیر الصادر عن فاعله بإرادته و اختیاره لا یرفع الاختیار حتی یلزم الجبر.

و إن کان بمعنی الحکم و الأمر، فلأنّه إن أرید بهما الأمر و النهی المصطلحان، فلا یستلزمان الجبر أیضا، و إلاّ لم یقدر الکفار و الفساق علی المخالفة. و إن أرید بهما غیر الأمر و النهی المصطلحین، فإن کان المراد به الحتم فسیأتی الکلام فیه، و إن کان غیره فلا بد من بیانه و النّظر فیه.

و أمّا الحتم و الخلق و الفعل و غیرها مما هو ظاهر فی الجبر، فالجواب العام عنها هو: أنّها محفوفة بالقرینة الصارفة لها عن ظاهرها، و هی حکم العقل بعدم اضطرار العباد إلی أفعالهم و تروکهم. و هذا الحکم العقلی کالقرینة المتصلة اللفظیة المانعة عن انعقاد ظهورها فیما یوجب الإلجاء و الاضطرار من لفظ القضاء.

(المقام الثانی) فی روایات العنوان الثانی و هی المشیة، و المراد بها عند أهل اللغة و الفلسفة هی الإرادة، و قد یفرق بینهما: بأنّ معناها التقدیر إن أسندت إلی اللَّه تعالی، و الإرادة إن أسندت إلی العبد، و علی کل حال، فقد اتفق المسلمون بل أکثر الملّیین علی أنّها من صفات اللَّه تعالی شأنه و إن اختلفوا فی کونها من الصفات الذاتیّة کالعلم و القدرة، أو من الصفات الفعلیة کالخلق و الرزق و الإحیاء و الإماتة و التکلم، فذهبت الفلاسفة إلی أنّها من الصفات الذاتیّة، لکن الحق

أنّها من الصفات الفعلیة، لتعلق قدرته تعالی بها، ضرورة أنّه جلّ و علا قادر علی أن یشاء و أن لا یشاء، کما یدلّ علیه ما رواه فی البحار عن المحاسن عن محمد بن مسلم عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال: «المشیة محدثة»، بخلاف العلم و نفس القدرة، فإنّهما لیسا کذلک. و کیف کان، فالروایات الواردة فی المشیة و ان کانت کثیرة جدا، إلاّ أنّ فی نقل إحداها کفایة، و هی ما رواه فی البحار عن المحاسن بإسناده عن أبی جعفر علیه السّلام قال: «لا یکون شی‏ء فی الأرض و لا فی السماء إلاّ بهذه الخصال السبع بمشیة و إرادة و قدر و قضاء و إذن و کتاب و أجل فمن زعم أنّه یقدر علی نقص واحدة منهن فقد کفر»، و مشیته تعالی تقتضی وجود الشی‏ء کما استدلّ علی ذلک بعض الأفاضل علی ما فی فروق اللغات لجدنا السید الأجل شیخ مشایخ الإسلام السید نور الدین نجل العلامة المحدث الجزائری (قدهما) بقوله تعالی: ما شاء اللَّه کان‏ و علی مغایرة الإرادة للمشیة بقوله تعالی: یرید اللَّه بکم الیسر و لا یرید بکم العسر و بقوله تعالی: و ما اللَّه یرید ظلما للعباد إذ من المعلوم حصول العسر و الظلم بین الناس الدال علی أنّ الإرادة لا تقتضی وجود المراد انتهی ملخصا. و کیف کان فالمشیة منه تبارک و تعالی المتعلقة بالموجودات هی إفاضة الوجود علیها، و إنفاذ فیاضیته التامة فیها، فکل موجود ینتهی وجوده إلیه تعالی شأنه، و هذا الانتهاء یکون علی نحوین:

أحدهما: انتهاء الموجود بنفسه إلی إعمال قدرته کالذوات علی اختلافها و کثرتها، و العلائق الکونیة کعلاقة العلیة و المعلولیة، و علاقة الغایات بالمغیاة و المواد و الصور و غیرها مما صیّر العالم متکوّنا بها، فإنّ هذه کلّها أفعاله سبحانه‏

و تعالی و منتهیة إلی مشیته التی هی إعمال قدرته علی الإیجاد.

ثانیهما: انتهاء الموجود إلیه تبارک و تعالی لا بنفسه کالذوات، بل بالإقدار علیه کالأفعال الصادرة من العباد، و هذا الإقدار هو فعله سبحانه علی الدوام، کدوام إفاضاته علی الموجودات التکوینیة، و هذا الإقدار یصحّح الانتهاء إلی مشیته جلّ و علا، لاستمرار فیضه فی جمیع آنات الفعل الصادر عن العبد، و معلومٌ أنّ المشیة بهذا المعنی لا توجب اضطرار العبد فی أفعاله، إذ المفروض أنّها لیست إلاّ إقدار العبد علیها بإفاضة شرائط الفاعلیة و العلل الناقصة الإعدادیة، فالإطاعة و المعصیة منوطتان بالقدرة، و من المعلوم أنّها تفاض منه تعالی شأنه، و یدل علیه ما رواه فی الکافی عن محمد بن یحیی عن أحمد بن محمد بن أبی نصر قال: قال أبو الحسن الرضا علیه السّلام: «قال اللَّه: یا بن آدم بمشیئتی کنت أنت الّذی تشاء لنفسک ما تشاء، و بقوتی أدیت فرائضی، و بنعمتی قویت علی معصیتی، جعلتک سمیعا بصیرا قویا» الحدیث.

و ما رواه الوافی عن الکافی بإسناده عن حفص بن قرط عن أبی عبد اللَّه علیه الصلاة و السّلام قال: «قال رسول اللَّه صلی اللَّه علیه و آله و سلم: من زعم أنّ اللَّه یأمر بالسوء و الفحشاء فقد کذب علی اللَّه، و من زعم أنّ الخیر و الشر بغیر مشیة اللَّه فقد أخرج اللَّه عن سلطانه، و من زعم أنّ المعاصی بغیر قوة اللَّه فقد کذب علی اللَّه، و من کذب علی اللَّه أدخله النار»، فإنّ قوله صلّی اللَّه علیه و آله: «و من زعم أنّ الخیر و الشر... إلخ» بیان لتعلق المشیة بالخیر و الشر، یعنی: أنّ القدرة علی الخیر و الشر حدوثا و بقاء قد تعلقت بها المشیة کما علیه الإمامیة، فمتعلق المشیة هو

القدرة علی الخیر و الشر لا أنفسهما، و إلاّ کان مناقضا لقوله صلی اللَّه علیه و آله و سلم: «من زعم أنّ اللَّه یأمر بالسوء و الفحشاء فقد کذب علی اللَّه‏»، حیث إنّ هذه الجملة تنفی أمره سبحانه و تعالی بالشر، فلو تعلقت المشیة بنفس الشر لا بالقدرة علیه لکان مناقضا لعدم الأمر به.

ثم إنّ هذه الروایة فی مقام الرد علی کلا القولین: الجبر و التفویض، و إثبات الأمر بین الأمرین، و ذلک لأنّ إسناد المعاصی إلی اللَّه تعالی مساوق للقول بأمره بالفحشاء و هو الجبر، و قد دلت الروایة علی نفی الأمر. کما أنّ استقلال العباد فی الأفعال من الخیرات و الشرور مساوق للقول بالتفویض الّذی هو إخراج اللَّه عن سلطانه، و هو منفی أیضا بالروایة، هذا. و قد ذکر للمشیة معان اخر، و لا یدل شی‏ءٌ منها علی الجبر، و علی فرض دلالتها علیه لا بد من صرفها إلی ما لا ینافی حکم العقل.

ثم إنّه قد وردت أخبار فی تفسیر الروایات الواردة فی أنّه لا یکون شی‏ء فی الأرض و لا فی السماء إلاّ بسبع خصال، کروایة المحاسن المتقدمة، من أراد الوقوف علیها فلیراجع البحار (ج 3) - و الوافی (ج 1) - و نحوهما.

(المقام الثالث) فی روایات العنوان الثالث و هی الطینة، اعلم: أنّه قد وردت أخبار کثیرة یظهر منها اختلاف الطینات من حیث السعادة و الشقاوة.

منها: ما رواها فی البحار فی الجزء الثالث فی باب الطینة و المیثاق، و لنذکر

واحدا منها، و هو ما رواه فضیل بن الزبیر عن أبی جعفر علیه السّلام قال: «یا فضیل أما علمت أنّ رسول اللَّه صلی اللَّه علیه و آله و سلم قال: إنّا أهل بیت خلقنا من علیین و خلق قلوبنا من الّذی خلقنا منه، و خلق شیعتنا من أسفل من ذلک، و خلق قلوب شیعتنا منه، و انّ عدوّنا خلقوا من سجین، و خلق قلوبهم من الّذی خلقوا منه، و خلق شیعتهم من أسفل من ذلک، و خلق قلوب شیعتهم من الّذی خلقوا منه، فهل یستطیع أحد من أهل علیین أن یکون من أهل سجین؟ و هل یستطیع أهل سجین أن یکونوا من أهل علیین؟».

و الجواب العام عن هذه الأخبار هو: أنّ هناک روایات تدل علی ترکُّب طینة کل إنسان من طینتین تقتضی إحداهما السعادة و الأخری الشقاوة.

منها: ما رواه البحار فی الباب المزبور عن المحاسن بإسناده عن أبی جعفر و أبی عبد اللَّه علیهما السّلام قالا: «کان فی بدو خلق اللَّه أن خلق أرضا و طینة، و فجر منها ماءها و أجری ذلک الماء علی الأرض سبعة أیام و لیالیها، ثم نضب الماء عنها، ثم أخذ من صفوة تلک الطینة و هی طینة الأئمة، ثم أخذ قبضة أخری من أسفل تلک الطینة و هی طینة ذریة الأئمة و شیعتهم، فلو ترکت طینتکم کما ترکت طینتنا لکنتم أنتم و نحن شیئا واحدا. قلت: فما صنع بطینتنا؟ قال: إنّ اللَّه عز و جل خلق أرضا سبخة، ثم أجری علیها ماء أجاجا أجراه سبعة أیام و لیالیها ثم نضب عنها الماء، ثم أخذ من صفوة تلک الطینة و هی طینة أئمة الکفر، فلو ترکت طینة عدونا کما أخذها لم یشهدوا الشهادتین: أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه صلّی اللَّه علیه و آله، و لم یکونوا یحجون البیت، و لا یعتمرون، و لا یؤتون الزکاة

و لا یصدقون، و لا یعلمون شیئا من أعمال البر، ثم قال: أخذ اللَّه طینة شیعتنا و طینة عدونا، فخلطهما و عرکهما عرک الأدیم، ثم مزجها بالماء، ثم جذب هذه من هذه، فقال: هذه فی الجنة و لا أبالی، و هذه فی النار و لا أبالی، فما رأیت فی المؤمن من دعاوة و سوء الخلق و اکتساب سیئات فمن تلک السبخة التی مازجته من الناصب و ما رأیت من حسن خلق الناصب و طلاقة وجهه و حسن بشره و صومه و صلاته فمن تلک السبخة التی أصابته من المؤمن‏».

و منها: غیر ذلک من الروایات الدالة علی ترکُّب الطینة من جزءین یقتضی أحدهما السعادة و الآخر الشقاوة، و مقتضی هذا الترکُّب کون وصفی السعادة و الشقاوة بالنسبة إلی اختیار العبد علی حد سواء.

و أما ما یجاب به عن أخبار الطینة «من أنّها لیست قابلة لجعل الشقاوة و السعادة، لکونها من الجوامد التی لا تحس و لا تشعر، و محلهما هو الأرواح، لتوجه التکالیف إلیها کما دلت علیه الروایات و اختلاف الطینات کاشف عما اختاروه فی عالم العهد».

فمرجعه إلی إنکار أخبار الطینة مع کثرتها، و لا منافاة بین توجه التکلیف إلی الأرواح و بین کون الطینة مقتضیة للسعادة و الشقاوة، کاختلاف سائر الطینات فیما لها من الاستعدادات الموجبة لاختلاف الآثار. و کذا المیاه، فإنّ اختلافها بحسب الآثار یشهد بذلک، فراجع البحار و غیرها، و لاحظ الروایات الواردة فیها، مثل ماء الفرات الّذی ورد فیه «أنّ تحنیک الولد به یحبِّبه إلی الولایة» و ماء السماء الّذی ورد فیه «أنّه یدفع الأسقام‏»، و ماء زمزم الّذی ورد فیه «أنّه‏

شفاء من کل داء» و ماء نیل مصر الّذی ورد فیه «أنّه یمیت القلب‏»، بل هذا الاختلاف موجود فی النباتات أیضا، فلا غرو فی کون الجمادات التی لا تحس و لا تشعر مقتضیة للسعادة و الشقاوة کاقتضائها لغیرهما کدفع الأسقام، فجعل اختلاف الطینات کاشفاً عمّا اختاروه فی عالم العهد لا مؤثِّراً کما تری. لکن من المعلوم: أنّ مجرد المقتضی لا یوجب الجبر، و إنّما ذلک شأن العلة التامة، و قد عرفت أنّ ما یکون من الأخبار ظاهراً فی ذلک لا بدّ من صرفه عن ظاهره بحکم العقل و الآیات و الروایات المتجاوزة عن حد التواتر - کما قیل - الظاهرة أو الصریحة فی نفی الإلجاء و أمّا الآیات التی توهم دلالتها علی الاضطرار فکثیرة، و لا نتعرض لها تفصیلا، خوفاً من الإطالة فی البحث الاستطرادی، إلاّ أنّه لا بأس بالإشارة إلیها، فنقول: إنّها علی طوائف:

الأُولی: ما ظاهره الاضطرار مع الاقتران بالقرائن السابقة و اللاحقة علی خلافه، کقوله تعالی: انّ الذین کفروا سواء علیهم أ أنذرتهم أم لم تنذرهم لا یؤمنون ختم اللَّه علی قلوبهم و علی سمعهم و علی أبصارهم غشاوة و لهم عذاب عظیم‏.

و الجواب عنها هو: أنّها مختصة بالکفار المتعصبین فی الکفر و الجحود و عداوتهم للإسلام و المسلمین بمثابة لا ینفعهم الإنذار، دون سائر الکفار المنتفعین بالإنذار و هدایة سید الأنبیاء و أوصیائه الأُمناء صلوات اللَّه علیهم من الآن إلی یوم اللقاء، بل و العلماء الأتقیاء، فإنّ کثیراً من الکفار اهتدوا إلی الإسلام، و الطائفة المتعصبة منهم لم تنتفع بهدایة و إرشاد و تخویف و إنذار، لعنادهم للحق‏

المستند إلی اختیارهم للکفر، و صاروا کالأنعام، بل هم أضل، فلا یفقهون بقلوبهم و لا یسمعون ب‏آذانهم، و لا یبصرون بأعینهم، و لمّا وصل کفرهم إلی أعظم مراتبه ختم اللَّه علی قلوبهم و علی سمعهم - الآیة - و من المعلوم: عدم دلالة الآیة بإحدی الدلالات علی کونهم مجبورین علی الکفر، إذ لا تدل إلاّ علی عدم تأثرهم بالإنذار، لبلوغهم غایة مراتب الکفر و الشقاوة، فإنّ وصولهم إلی هذه المرتبة التی لا یؤثّر معها الإنذار لیس بالإلجاء، لعدم دلالة الآیة علیه أصلا، فلو سلم عدم قدرتهم علی الإیمان حینئذٍ کان ذلک مستنداً إلی الاختیار، فیکون من صغریات قاعدة: الامتناع بالاختیار لا ینافی الاختیار.

و بالجملة: فمثل هذه الآیة لا یدل علی أزید من عدم تأثیر الإنذار فیهم، و أمّا بلوغهم إلی غایة مرتبة الشقاء التی لا یؤثر معها التخویف فلا یدل علی أنّ بلوغهم إلیها کان بالإلجاء و الاضطرار أصلا، و ربما یکون ذلک بالمبادئ الاختیاریة.

الثانیة: ما ورد فی ثبوت جمیع ما کان و ما یکون و ما هو کائن فی أمّ الکتاب أو اللوح المحفوظ و الجواب عنها واضح، لأنّه کالجواب عن العلم فی عدم التأثیر، فثبوت جمیع الأعمال بمبادئها الاختیاریة فی اللوح المحفوظ لا ربط له بالجبر أصلا.

الثالثة: الآیات التی تدل علی تعلق مشیته تعالی بالأفعال و التروک الظاهرة فی تبعیتهما لها، و هی علی قسمین:

أحدهما: ما ظاهره النهی عن إسناد الفعل إلی العبد نفسه إلاّ أن یشاء

اللَّه کقوله تعالی: و لا تقولن لشی‏ء إنّی فاعل ذلک غدا إلاّ أن یشاء اللَّه‏، فیدل علی عدم فاعلیة العبد لفعله و إناطتها بمشیته تعالی، و لیس هذا إلاّ الإلجاء.

و الجواب عنه هو: أنّ هذه الآیة فی مقام الرد علی المفوضة القائلین بأنّ العبد هو الفاعل، و أنّه المحصِّل لجمیع شرائط الفاعلیة و مقتضیاتها، إلاّ أن یمنع اللَّه عز و جل عن تأثیر فاعلیته بمشیته، و محصل ما یستفاد من هذه الآیة الشریفة هو النهی عن القول بکون العبد فاعلا تاما إلاّ أن یشاء اللَّه تعالی - أی یمنعه عن الفعل - کما زعمه المفوضة، إذ من المعلوم: أنّ العبد لیس فاعلا تاما أی محصلا لشرائط فاعلیته، لکنه لیس مستلزما للجبر، لما مرّ من أنّ العبد یعمل مختارا بما أفاضه اللَّه تعالی علیه من القدرة.

ثانیهما: ما ظاهره استناد الضلالة و الهدایة إلی مشیته تعالی، کقوله عز و جل: یضل من یشاء و یهدی من یشاء و غیره مما هو بمضمونه.

و الجواب عن ذلک: أنّ الهدایة تطلق علی معان:

الأوّل: الهدایة التکوینیة، و هی إفاضة الوجود علی الکائنات، و جعلها منظمة لتترتب علیها الغایات و الأغراض.

الثانی: الهدایة التشریعیة، و هی إنزال الکتب، و إرسال الرسل، و نصب الأوصیاء، و إیجاد سائر وسائل التبلیغ و الإرشاد، و هی المرادة بقوله تعالی: أنّا هدیناه السبیل إما شاکرا و إما کفورا فمعنی الهدایة حینئذ إراءة طریق الحق، فان شاء العبد سلکه و إن شاء ترکه.

الثالث: الهدایة الموصلة إلی المطلوب بحیث لا یبقی للعبد اختیار فی عدم‏

قبولها، کقوله تعالی فی سورة الأنعام الآیة 150: فلو شاء لهداکم أجمعین‏ و قد أریدت الهدایة بهذا المعنی فی جملة من الروایات التی ذکرها فی الجزء الثالث من البحار فی باب الهدایة و الضلالة، فراجع.

الرابع: إیجاد مقتضیات الخیر و العبودیة علی نحو لا ینافی الاختیار، کتولّد العبد فی جامعة حاویة للفضیلة و فاقدة للرذیلة، أو من أبوین تقیّین، و أمثال ذلک مما له دخل إعدادی فی التوجه إلی الخیر و الطاعة، و التحرز عن الشرّ و المعصیة.

فالجواب: أنّ المراد من الهدایة التی استعملت فیما ظاهره استناد الهدایة و الضلالة إلی مشیته تعالی هو هذا المعنی الرابع. فقد ظهر إلی هنا فائدتان:

الأولی: وجه الالتئام بین الآیات التی تدل علی أنّه تعالی هدی الناس جمیعا، و بین الآیات التی تدل علی أنّه تعالی إنّما هدی بعضهم دون بعض.

تقریبه: أنّ المراد بالهدایة فی الطائفة الأولی هو معناها الثانی أعنی الهدایة التشریعیة، و المراد بها فی الطائفة الثانیة هو معناها الثالث أعنی الهدایة الموصلة إلی المطلوب.

الثانیة: الجواب عن الآیات الظاهرة فی استناد الهدایة و الضلالة إلی مشیته تعالی.

تقریبه: أنّه إذا شاء هدایة العبد تعلقت مشیته تعالی بتوجیه مقتضیات الخیر و علله الناقصة المعدّة إلی العبد بحیث لا تنافی الاختیار، و إذا شاء ضلالته تعلّقت مشیته تعالی بسلب تلک المقتضیات عنه، من دون منافاة بین هذا التعلُّق و اختیار العبد.

أمّا عدم منافاة توجیه مقتضیات الخیر إلی العبد لاختیاره فواضح، إذ المفروض توقف صدور الفعل مع تلک المقتضیات علی اختیاره، و أمّا عدم منافاة سلبها لاختیاره مع توقف الفعل علیها فلأنّ العبد لمّا ترک الخیر باختیاره، و صرف ما أفاض علیه ربُّه من مقتضیات الخیر فی غیر محله، و اختار من الشقاوة مرتبة لا یلیق معها بتوفیق الطاعة و بعد المعصیة - سلب - اللَّه تعالی عنه تلک المقتضیات، و أوکله إلی نفسه الجانیة الأمّارة بالسوء.

الطائفة الرابعة: الآیات التی ادعیت صراحتها فی اضطرار العباد فی أفعالهم و تروکهم، کقوله تعالی فی سورة الأنفال: و ما رمیت إذ رمیت، و لکن اللَّه رمی‏ فإنّه کالصریح فی کون فاعل الرمی هو اللَّه تعالی، و لیس ذلک إلاّ الإلجاء، و الجواب عنه: أنّ إسناد الرمی إلیه تعالی مع أنّ الرامی هو النبی صلی اللَّه علیه و آله و سلم لا بد أن یکون لنکتة، إذ لو کان الإسناد علی وجه الحقیقة لزم التناقض، لأنّه تعالی أسند الرمی أوّلا إلی النبی صلی اللَّه علیه و آله و سلم ثم أسنده إلی نفسه تعالی، فالإسناد الثانی یکون لعنایة و هی کون الرمی و الغلبة علی الکفار من معجزاته صلّی اللَّه علیه و آله، لئلا یتفاخر المسلمون بعضهم علی بعض بأنّه ظفر علی الکفار بقتلهم و أسرهم، قال فی مجمع البیان: «ذکر جماعة من المفسرین کابن عباس و غیره: أنّ جبرئیل علیه السّلام قال للنبی صلّی اللَّه علیه و آله یوم بدر: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فقال رسول اللَّه صلّی اللَّه علیه و آله لمّا التقی الجمعان لعلی علیه السّلام: أعطنی قبضة من حصا الوادی، فناوله کفا من حصا علیه تراب، فرمی به فی وجوه القوم، و قال:

شاهت الوجوه، فانهزموا، فعلی هذا إنّما أضاف الرمی إلی نفسه، لأنّه لا یقدر

وهم و دفع، لعلک (1) تقول: إذا کانت الإرادة التشریعیة منه تعالی عین علمه بصلاح الفعل (2) لزم بناء علی أن -


(1). هذا تقریب الوهم الّذی هو من أدلة القائلین بمغایرة الطلب للإرادة، و محصل تقریبه: أنّه علی تقدیر اتحاد الطلب و الإرادة یلزم أن یکون المنشأ بصیغة الطلب فی الخطابات الشرعیة هو العلم بالصلاح، إذ المفروض کون الإرادة التشریعیة هو هذا العلم، و ذلک بدیهی البطلان، لأنّ القابل للإنشاء هو الأمور الاعتباریة کالملکیة و الزوجیة و نحوهما، لا الأمور الحقیقیة الخارجیة کالقیام و القعود و العلم و غیرها مما له وجود حقیقی، إذ لا معنی لتعلق إنشاء الطلب بما هو حاصل فی الخارج، و من المعلوم أنّ العلم من الصفات الحقیقیة التی لا یتعلق بها الإنشاء، خصوصا فیه سبحانه و تعالی، لأنّ علمه عین ذاته المقدسة. و أمّا بناء علی مغایرة الطلب للإرادة فلا یلزم هذا الإشکال أصلا، حیث إنّ المنشأ حینئذ هو مفهوم الطلب، لا الإرادة التشریعیة التی هی العلم بالصلاح حتی یلزم أن یکون المنشأ عین العلم بالصلاح کما هو قضیة قیاس المساواة.

(2). کما ذکره بقوله: «دون الإرادة التشریعیة و هو العلم بالمصلحة فی فعل المکلف» انتهی. _=============== أحد غیره علی مثله، فانه من عجائب المعجزات‏» انتهی. و مثله: إسناد القتل إلی نفسه تعالی فیما قبله و هو قوله عز و جل: فلم تقتلوهم و لکن اللَّه قتلهم‏ و قد عرفت سابقا الجواب العام عن کل ما یکون صریحا أو ظاهرا فی الجبر من آیة أو روایة و هو احتفافه بقرینة عقلیة هی کقرینة لفظیة متصلة مانعة عن انعقاد الظهور للفظ. هذا ما أردنا إیراده إجمالا فی نفی الجبر، و استقصاء جهات البحث فی مسألة الجبر و التفویض و إثبات الأمر بین الأمرین یستدعی وضع رسالة مستقلة فیها، نسأل اللَّه تعالی شأنه أن یوفقنا لذلک عاجلا.

تکون (1) عین الطلب کون المنشأ بالصیغة فی الخطابات الإلهیة هو العلم، و هو بمکان من البطلان (2). لکنک غفلت (3) عن أنّ اتحاد الإرادة مع العلم بالصلاح إنما -


(1). أی: الإرادة.

(2). لما عرفت فی تقریب الوهم من عدم تعلق الإنشاء إلاّ بالموجودات الاعتباریة.

(3). هذا دفع للتوهم المذکور، و حاصله: أنّ المنشأ بالصیغة هو مفهوم الطلب، لا الطلب الخارجی الّذی هو عین الإرادة التشریعیة التی هی العلم بالصلاح، فلا یلزم إنشاء العلم بالمصلحة الّذی هو من الموجودات الحقیقیة، إذ موطن اتحاد الإرادة التشریعیة مع العلم بالصلاح هو الوجود الخارجی لا المفهوم، لأنّ صفاته جلّ و علا عین ذاته، فالوحدة وجودیة لا مفهومیة

«-»

و الإنشاء متعلق بالمفهوم، لا الوجود حتی یلزم إنشاء الوجود الخارجی، فلا تنافی بین صحة إنشاء الطلب بالصیغة، و بین اتحاد الطلب و الإرادة. (-). لکن عن جماعة من المعتزلة اتحاد الإرادة و العلم مفهوما، بل استظهر ذلک أیضا من عبارة المحقق الطوسی (قده) فی التجرید، حیث قال فی مبحث الکیفیات النفسانیّة: «و منها الإرادة و الکراهة، و هما نوعان من العلم» انتهی، قال العلامة (قده) فی شرحه: «و هما نوعان من العلم بالمعنی الأعم، و ذلک لأنّ الإرادة عبارة عن علم الحی أو اعتقاده أو ظنه بما فی الفعل من المصلحة، و الکراهة علمه أو ظنه أو اعتقاده بما فیه من المفسدة، هذا مذهب جماعة، و قال آخرون: إنّ الإرادة و الکراهة زائدتان علی هذا مترتبتان علیه، لأنّا نجد من أنفسنا میلا إلی الشی‏ء أو عنه مترتبا علی هذا العلم، و هو یفارق الشهوة، فإنّ المریض یرید شرب الدواء و لا یشتهیه» انتهی.

یکون خارجا لا مفهوما، و قد عرفت أنّ المنشأ لیس إلاّ المفهوم (1)، لا الطلب الخارجی، و لا غرو أصلا فی اتحاد الإرادة و العلم عینا و خارجا، بل لا محیص عنه فی جمیع صفاته تعالی، لرجوع الصفات إلی ذاته المقدسة، قال أمیر المؤمنین صلوات اللَّه و سلامه علیه (2): (و کمال توحیده الإخلاص له و کمال الإخلاص له نفی الصفات عنه‏». -


(1). أی: مفهوم الطلب.

(2). غرضه من نقل کلام المولی سید الوصیین علیه أفضل صلوات المصلین هو الاستشهاد به علی اتحاد صفاته تعالی و عینیتها لذاته جل و علا.

توضیحه: أنّ الإخلاص له هو تجریده تعالی عن الزوائد و الثوانی لیکون بسیطا حقیقیا، و إلاّ لم یکن بسیطا کذلک، و بساطته الحقیقیة تتوقف علی نفی الصفات عنه، إذ بدونه یصیر مقرونا بشی‏ء أی صفة زائدة علی ذاته، و من قرنه بغیره فقد جعل له ثانیا فی الوجود، و لازمه ترکُّبه من جزءین، و هذا ینافی بساطته الحقیقیة، إذ لو کان فی الوجود غیره سواء کان صفة أم غیرها لم یکن بسیطا حقیقیا، فالتوحید المطلق هو أن لا یعتبر معه تعالی غیره مطلقا، هذا فی الصفات المغایرة لذاته تعالی فی الوجود. و أمّا الصفات غیر المغایرة لها وجودا بأن تکون عینها بحیث یکون الذات بذاته مصداقا لجمیع النعوت الکمالیة من دون قیام أمر زائد بذاته الأحدیة جلّ و علا، فهی غیر منفیة عنه تعالی شأنه، لقوله علیه الصلاة و السّلام: «لیس لصفته حد محدود»، فلا منافاة بین هذه الجملة:

«لیس لصفته حد محدود» و بین قوله علیه السّلام: «و کمال توحیده الإخلاص له، و کمال الإخلاص له نفی الصفات عنه‏»، و قوله علیه السّلام: «فمن وصفه قرنه، و من قرنه فقد ثنّاه، و من ثنّاه فقد جزاء» و ذلک لأنّ ما یثبت الصفات له تعالی ناظرٌ إلی الصفات

الفصل الثانی: فیما یتعلق بصیغة الأمر، و فیه مباحث:

الأوّل:

اشارة

أنّه ربما یذکر للصیغة معان (1) قد استعملت (2) فیها، و قد عدّ منها الترجی، و التمنی (3)، و التهدید (4)، و الإنذار (5) و الإهانة (6)، و الاحتقار (7)، و التعجیز (8)، و التسخیر (9) إلی غیر ذلک (10)، -التی هی عین ذاته وجودا، و ما ینفی الصفات عنه بحیث صار نفیها مدار التوحید ناظر إلی الصفات التی تکون مغایرة لذاته وجودا و موجبة للترکب کصفاتنا، حیث إنّها فینا زائدة علی ذواتنا و قائمة بنا نحو قیام.


(1). قد أنهاها بعض إلی نیِّف و عشرین.

(2). ستأتی المناقشة فی استعمال الصیغة فیها عند تعرض المصنف لها.

(3). کقول إمرئ القیس بن حجر الکندی:

ألا أیّها اللیل الطویل ألا انجل‏بصبح و ما الإصباح منک بأمثل حیث إنّه لمّا فرض استحالة انجلاء اللیل الطویل تمنی انجلاءها بالأمر به.

(4). کقوله تعالی: اعملوا ما شئتم‏ علی ما قیل.

(5). کقوله تعالی: قل تمتعوا و یمکن رجوعه إلی التهدید، لأنّه إبلاغ فی مقام التخویف، فلیتأمّل.

(6). کقوله تعالی: ذق إنک أنت العزیز الکریم‏.

(7). نحو قوله تعالی: بل ألقوا ما أنتم ملقون‏.

(8). کقوله تعالی: فأتوا بسورة من مثله‏.

(9). کقوله تعالی: کونوا قردة خاسئین‏.

(10). کالتسویة نحو قوله تعالی: اصبروا أو لا تصبروا إذ لإ؛ش‏ش للَّه‏للَّه؛ یختلف الحال بالنسبة إلیهم من حیث الصبر و عدمه، و الدعاء کقوله تعالی: اللهم اغفر لی‏

و هذا (1) کما تری، ضرورة أنّ الصیغة ما استعملت فی واحد منها (2) بل لم تستعمل إلاّ فی إنشاء الطلب

«-»

إلاّ أنّ الداعی إلی -و التکوین کقوله تعالی: کن فیکون‏ إلی غیر ذلک من المعانی التی ذکرت للصیغة.


(1). یعنی: و استعمال الصیغة فی هذه المعانی کما تری.

غرضه: أنّ الصیغة لم تستعمل فی شی‏ء من تلک المعانی، بل استعملت فی إنشاء الطلب، و لکن الداعی للإنشاء هی تلک المعانی، إذ الداعی إلی الإنشاء (تارة) یکون هو البعث و التحریک نحو المطلوب الواقعی، و هو الّذی ینصرف إلیه إطلاق الصیغة علی ما تقدم فی الفصل الأول، (و أخری) یکون أحد الأمور المتقدمة، فینشأ الطلب بداعی الترجی أو التمنی أو الإهانة أو غیرها من المعانی المتقدمة، و علیه فالصیغة لم تستعمل إلاّ فی معنی واحد و هو إنشاء الطلب، و تلک المعانی دواع للإنشاء، و أجنبیة عن مدلول الصیغة، فلا تستعمل الصیغة فی التهدید و التعجیز و غیرهما أصلا.

(2). أی: من المعانی المتقدمة. (-). فی العبارة مسامحة، لأنّ ظاهرها کون المستعمل فیه إنشاء الطلب، و هو خلاف ما ذکره فی أوّل الکتاب من نفی البعد عن کون الإنشائیة و الإخباریة من مقوِّمات الاستعمال، و خارجتین عن المعنی المستعمل فیه، کخروج الاستقلالیة و الآلیة عن المعنی الاسمی و الحرفی. و علیه فالظاهر: أنّ مراده کون المستعمل فیه هو الطلب الإنشائیّ فی مقابل الطلب الحقیقی، لکن قد تقدم فی المعانی الحرفیة: أنّ الهیئات موضوعة بالوضع الحرفی، فهی کالحروف وضعت للنسب، فهیئة الأمر موضوعة للنسبة الطلبیة، فقوله: - صلِّ - مثلا یدل علی نسبة المادة إلی المخاطب نسبة طلبیة.

ذلک (1) کما یکون تارة هو البعث و التحریک نحو المطلوب الواقعی یکون أُخری أحد هذه الأُمور (2) کما لا یخفی، و قصاری ما یمکن أن یدعی (3) أن تکون الصیغة موضوعة لإنشاء الطلب فیما إذا کان بداعی البعث و التحریک

«-»

--


(1). أی: إلی إنشاء الطلب.

(2). أی: الترجی و التمنی و غیرهما من الأُمور المتقدمة.

(3). توضیحه: أنه قد عرفت أنّ الصیغة لم تستعمل إلاّ فی إنشاء الطلب، فهی حقیقة فیه سواء کان الداعی إلی الإنشاء هو البعث أم التهدید أم غیرهما، و من المعلوم: أنّ اختلاف الدواعی لا یوجب اختلافاً فی المدلول، نعم غایة ما یمکن أن یقال هو: أنّ الصیغة وُضعت لإنشاء الطلب إذا کان بداعی البعث و التحریک، فاستعمالها فی إنشاء الطلب بهذا الداعی یکون علی وجه الحقیقة، و بسائر الدواعی کالتمنی و الترجی و أخواتهما یکون علی وجه المجاز، و علی کل حال لیست الصیغة مستعملة فی التهدید و غیره من الأُمور المزبورة، بل المستعمل فیه هو إنشاء الطلب، غایة الأمر: أنّ هذا الاستعمال حقیقی إن کان الإنشاء بداعی الجد أی البعث نحو المطلوب الواقعی، و مجازی إن کان بداعٍ آخر کالتهدید و أخواته. (-). قد مرّ سابقا: امتناع دخل ما هو من شئون الاستعمال فی الموضوع له بحیث یکون المعنی فی مقام الوضع مقیّدا به، و الغرض الداعی إلی استعمال الصیغة فی إنشاء الطلب یکون من شئون الاستعمال، فیمتنع دخله فی المعنی الموضوع له، بل المعنی واحد مطلقا سواء کان الداعی هو البعث أم التهدید أم غیرهما، و علیه فیکون استعمال الهیئة فی إنشاء الطلب بأی داع کان علی نحو الحقیقة، نعم لا بأس بدعوی ظهور الإنشاء فی کونه بداعی البعث و التحریک بحیث یحمل اللفظ علیه

لا بداع آخر منها، فیکون إنشاء الطلب بها (1) بعثا حقیقة، و إنشاؤه بها (2) تهدیدا مجازا (3)، و هذا (4) غیر کونها مستعملة فی التهدید و غیره (5) فلا تغفل. -


(1). أی: بالصیغة.

(2). یعنی: و إنشاء الطلب بالصیغة.

(3). لأنّه بناء علی ما أفاده من وضع الصیغة لإنشاء الطلب الناشئ عن داعی الجد تکون هذه المعانی مغایرة للمعنی الموضوع له.

(4). یعنی: و استعمال الصیغة فی إنشاء الطلب مجازا إذا کان بداعی التهدید أو غیره من أخواته غیر استعمالها فی نفس التهدید أو غیره.

(5). یعنی: کما هو ظاهر کلمات القوم، لظهورها فی کون الصیغة مستعملة فی التهدید و غیره من الأُمور المذکورة. ________________________________ عند التجرد عن القرینة الدالة علی نشوء الإنشاء عن داع آخر، و یمکن الاستدلال لهذه الدعوی بوجوه:

الأول: غلبة الاستعمال فی ذلک بمثابة توجب ظهور اللفظ فی کون الإنشاء بداعی الجد، و یکفی فی تحقق الغلبة الموجبة للظهور لحاظها بالنسبة إلی مجموع سائر دواعی الإنشاء و إن لم تتحقق بالإضافة إلی کل واحد منها.

الثانی: أنّ الأصل العقلائی یقتضی أن یکون الإنشاء بنحو الجد، و ذلک لاستقرار سیرة العقلاء فی محاوراتهم علی موافقة إرادتهم الاستعمالیة لإرادتهم الجدیة بحیث لو تخالفتا لنبّهوا علی ذلک و صرّحوا بتخالفهما.

الثالث: أنّ مقدّمات الحکمة تقتضی الحمل علی کون الإنشاء بداعی الجد، لاحتیاج نشوه عن داع آخر إلی بیان زائد، لما مرّ فی الوجه الثانی من الأصل العقلائی، فإنّ مخالفة الأصل تحتاج إلی التنبیه و البیان، فلاحظ.

إیقاظ

إیقاظ (1):

لا یخفی أنّ ما ذکرناه فی صیغة الأمر جار فی سائر الصیغ الإنشائیة، فکما یکون الداعی إلی إنشاء التمنی أو الترجی أو الاستفهام بصیغها تارة هو ثبوت هذه الصفات حقیقة (2) یکون الداعی غیرها (3) أُخری، فلا وجه (4) للالتزام بانسلاخ‏ -


(1). توضیحه: أنّ ما ذکرناه فی صیغة الأمر من کونها مستعملة فی إنشاء الطلب بدواع مختلفة علی نحو الحقیقة، لکون الموضوع له - و هو إنشاء الطلب فی الجمیع - واحدا، و عدم اختلاف مدلول الصیغة باختلاف دواعی الإنشاء - یجری - فی سائر الصیغ الإنشائیة من التمنی و الترجی و غیرهما، حیث إنّها أیضا تستعمل فی إنشاء هذه المفاهیم أی الترجی و التمنی و الاستفهام و غیرها بدواع مختلفة، مثلا أدوات الاستفهام تستعمل فی إنشاء مفهوم الاستفهام تارة بداعی التعلم و إزالة الجهل، و أُخری بداعی التوبیخ، و ثالثة بدواع أُخری مذکورة فی محلها، و کذا أدوات النداء و غیرها.

و الحاصل: أنّ جمیع الصیغ الإنشائیة لا تستعمل إلاّ فی معنی واحد و هو الإنشاء، و الاختلاف إنّما یکون فی دواعی الإنشاء، و ذلک لا یوجب اختلافا فی المدلول.

(2). یعنی: کإنشاء الطلب بصیغة الأمر بداعی الطلب الحقیقی.

(3). یعنی: غیر تلک الصفات، کإنشاء الاستفهام بداعی التهکُّم أو التقریر أو غیرهما.

(4). حاصله: أنّه بعد ما تقدم - من أنّ الصیغ الإنشائیة تستعمل دائما فی إنشاء مفاهیمهما بدواع مختلفة مع کون الاستعمال علی وجه الحقیقة - یظهر عدم الوجه لما قیل من انسلاخ صیغ الترجی و الاستفهام و نحوهما ممّا یقع فی کلامه‏

صیغها (1) عنها (2)، و استعمالها فی غیرها (3) إذا وقعت فی کلامه تعالی، لاستحالة (4) مثل هذه المعانی فی حقّه تبارک و تعالی ممّا لازمه العجز أو الجهل (5) و أنّه (6) لا وجه له (7)، فإنّ (8) المستحیل إنّما هو الحقیقی -تعالی عن معانیها من التمنی و غیره ممّا لازمه العجز کما فی التمنی و الترجی أو الجهل کما فی الاستفهام، و ذلک لأنّ المستحیل فی حقه تعالی هو الترجی و الاستفهام الحقیقیان، لا إنشاؤهما بدواع أُخر غیر داعی ثبوتهما، و ما ذکروه من الانسلاخ مبنیّ علی استعمال الصیغ فی نفس الصفات المزبورة من التمنی و أخواته. و أمّا بناء علی استعمالها فی الإنشاء کما ذکرنا فلا وجه للانسلاخ أصلا.


(1). أی: صیغ التمنی أو الترجی أو الاستفهام.

(2). أی: عن التمنی و الترجی و الاستفهام و غیرها من الصفات.

(3). یعنی: و استعمال الصیغ فی غیر الصفات الحقیقیة من التمنی و أخواته.

(4). تعلیل للالتزام بالانسلاخ، و استحالة التمنی الحقیقی مثلا علیه تعالی بدیهیة.

(5). الأوّل فی التمنی و الترجی، و الثانی فی الاستفهام.

(6). الضمیر للشأن، و هذا تأکید لقوله: «لا وجه للالتزام».

(7). أی: للالتزام بالانسلاخ.

(8). هذا ردّ التعلیل الّذی ذکره بقوله: «لاستحالة مثل هذه المعانی... إلخ» و حاصله: فقدان علّة الانسلاخ و هی الاستحالة، و ذلک لأنّ المستحیل فی حقه تعالی هو الاستفهام و التمنی و الترجی الحقیقیة، حیث إنّها مستلزمة للجهل و العجز المستحیلین فی حقه تعالی شأنه دون إنشائها، و المفروض انّ صیغها کما تقدم لا تستعمل فی نفس تلک الصفات حتی تلزم الاستحالة المزبورة، بل تستعمل فی إنشائها، و هو لا یستلزم محذورا، لأنّ إنشاءها لیس إلاّ إیجاد النسب الخاصة.

منها (1)، لا الإنشائیّ الإیقاعی الّذی یکون بمجرد قصد حصوله بالصیغة، کما عرفت، ففی (2) کلامه تعالی قد استعملت فی معانیها الإیقاعیة الإنشائیة أیضا (3)، لا لإظهار ثبوتها (4) حقیقة، بل لأمر آخر (5) حسبما یقتضیه الحال من إظهار المحبة (6) أو الإنکار (7) أو التقریر (8) إلی غیر ذلک (9). و منه (10) -


(1). أی: من التمنی و أخواته.

(2). هذه نتیجة الرد علی القائل بالانسلاخ.

و حاصله: أنّ صیغ التمنی و نحوه قد استعملت فی کلامه تعالی فی إنشاء مفهوم التمنی و نحوه کاستعمالها فیه فی کلامنا.

(3). یعنی: کما أنّها تستعمل فی معانیها الإیقاعیة الإنشائیة فی کلامنا.

(4). أی: ثبوت معانیها حقیقة، فإنّ إظهارها مستحیل فی حقه تعالی شأنه.

(5). أی: لداع آخر غیر إظهار ثبوت معانیها الحقیقیة.

(6). کقوله تعالی: لعلکم تفلحون‏ أو تتقون‏ عقیب الأمر بالإیمان مثلا، فإنّ المقام یناسب محبوبیة ما یقع عقیب - لعلّ - کما لا یخفی.

(7). الإبطالی کقوله تعالی: أ فأصفاکم ربکم بالنبیین‏، و التوبیخی کقوله تعالی: أ تعبدون ما تنحتون‏ فإنّ المقام یناسب کون إنشاء مفهوم الاستفهام بداعی الإنکار.

(8). کقوله تعالی: أ لم نشرح لک صدرک‏.

(9). من التهکم کقوله تعالی: أ صلاتک تأمرک أن نترک ما یعبد آباؤنا و التعجب کقوله تعالی: أ لم تر إلی ربک کیف مدّ الظل‏، أو الاستبطاء کقوله تعالی: أ لم یأنِ للذین آمنوا أن تخشع قلوبهم لذکر اللَّه‏ و غیر ذلک.

(10). أی: و من استعمال صیغة الاستفهام فی إنشاء مفهومه، لا فی الاستفهام

ظهر: أنّ ما ذُکر من المعانی الکثیرة لصیغة الاستفهام لیس کما ینبغی أیضا (1).

(المبحث الثانی)

فی أن الصیغة حقیقة فی الوجوب (2) أو الندب (3) أو فیهما (4) أو فی المشترک بینهما (5) وجوه بل أقوال (6) لا یبعد تبادر الوجوب -الحقیقی - ظهر - أنّ ما ذکره علماء الأدب من عدة معان لصیغة الاستفهام لیس فی محله، إذ المفروض أنّ المستعمل فیه فی صیغة الاستفهام واحد و هو الإنشاء، و الاختلاف إنّما یکون فی الدواعی من الاستفهام الحقیقی و الإنکاری و غیرهما، و هذا الاختلاف لا یوجب استعمال الاستفهام فی المعانی المتعددة، فلا ینبغی جعلها من معانی الاستفهام کما هو ظاهر کلمات علماء العربیة.


(1). یعنی: مثل صیغة الأمر.

(2). الظاهر: أنّ المراد به هو النسبة الطلبیة المصحِّحة لاعتبار الوجوب الاعتباری، و الوجه فی اعتباره هو: أنّ الأمر لمّا کان مبرزا للإرادة مع عدم الترخیص فی ترک المراد یصح انتزاع الوجوب بمعنی وقوع المادة فی صفحة التشریع علی المخاطب، فإذا اقترن مع الترخیص فی الترک لا یصح اعتبار الوجوب.

(3). بأن تکون موضوعة لإبراز الإرادة مع الترخیص فی ترک المراد، فإنّ هذا المعنی قابل لأن یکون منشأ لاعتبار الندب منه.

(4). بأن یکون موضوعا تارة للمعنی الأوّل المنتزع عنه الوجوب، و أُخری للمعنی الثانی المنتزع عنه الندب، فالصیغة حینئذ تکون مشترکا لفظیا.

(5). بأن یکون الموضوع له هو الجامع بینهما، و هو مطلق الطلب، فالصیغة مشترک معنوی.

(6). قد أنهاها بعضهم إلی ثمانیة، الأربعة المذکورة فی المتن، و الوقف، و الاشتراک اللفظی بین الوجوب و الندب و الإباحة، و الاشتراک المعنوی بینها، و الاشتراک اللفظی بین الوجوب و الندب و الإباحة و التهدید.

عند استعمالها (1) بلا قرینة (2)، و یؤیده (3) عدم صحة الاعتذار عن المخالفة باحتمال (4) إرادة الندب مع الاعتراف بعدم دلالته (5) علیه (6) بحال أو مقال، و کثرة (7) الاستعمال‏ -


(1). أی: الصیغة، لمّا أشار إلی جملة من الأقوال صار بصدد اختیار أحدها، و تشبث بالتبادر لإثبات القول بالوجوب، ببیان: أنّ المنسبق من الصیغة إلی الذهن عند التجرد عن القرینة هو مطلوبیة المادة بحیث لا یرضی الآمر بترکها، و هذا معنی الوجوب، و التبادر علامة الحقیقة.

(2). فالتبادر هنا مثبت للحقیقة، لعدم کونه مستندا إلی القرینة.

(3). توضیحه: أنّ عدم صحة اعتذار العبد المخالف لأمر المولی باحتمال إرادة الندب من الصیغة مع اعتراف العبد بعدم العثور علی قرینة الندب، و احتجاج المولی علیه و مؤاخذته له، و عدم قبوله لعذره المتقدم یکشف عن وضع الصیغة للوجوب، و إنّما جعله مؤیِّدا لا دلیلا، لصحة هذا الاحتجاج أیضا مع ظهور الصیغة فی الوجوب و لو لأجل انصرافها إلیه لا وضعها له، فلا یدل الإحتجاج علی الوضع للوجوب، بخلاف الوجه الأوّل، فإنّه یدل علیه، لکون التبادر من علائم الوضع.

(4). متعلق بقوله: - الاعتذار -.

(5). أی: دلالة الصیغة، فالأولی تأنیث الضمیر.

(6). أی: علی الندب.

(7). هذا تعریض بصاحب المعالم (قده) القائل بکون الصیغة حقیقة فی الوجوب لغة و عرفا مع توقفه فی ظهور الأوامر الواردة فی الکتاب و السنة فی الوجوب، لکثرة استعمال الصیغة فیهما فی الندب، حیث إنّ هذه الکثرة موهنة للظهور فی الوجوب، و موجبة للنقل إلی الندب أو الحمل علیه.

فیه (1) فی الکتاب و السنة و غیرهما لا توجب (2) نقله إلیه (3) أو حمله علیه (4)، لکثرة (5) استعماله فی الوجوب أیضا (6)، مع (7) أنّ الاستعمال و إن کثر -


(1). أی: فی الندب.

(2). خبر لقوله: «و کثرة» و جواب عن کلام المعالم و هو یرجع إلی وجوه ثلاثة:

أحدها: أنّ مجرد کثرة الاستعمال فی المعنی المجازی لا یوجب النقل إلیه بحیث یصیر المنقول إلیه معنی حقیقیا، و لا یوجب الحمل علیه ترجیحا له علی المعنی الحقیقی، لأنّ النقل منوط بمهجوریة المعنی الحقیقی المنقول عنه، و الحمل علی المعنی المجازی المشهوری موقوف علی قلة الاستعمال فی المعنی الحقیقی، و من المعلوم:

عدم ثبوت شی‏ء من المهجوریة و قلة الاستعمال، و ذلک لکثرة الاستعمال فی المعنی الحقیقی المانعة عن النقل إلی الندب، و عن الحمل علیه من باب ترجیح المجاز المشهور علی المعنی الحقیقی. و سیجی‏ء الکلام فی الوجهین الأخیرین.

(3). أی: نقل الصیغة إلی الندب، فالأولی تأنیث الضمیر.

(4). أی: جمل الصیغة علی الندب، هذا فی المجاز المشهور، و قوله: «نقله إلیه» فی المنقول.

(5). أی: لکثرة استعمال الصیغة فی الوجوب، و هذا تعلیل لقوله: «لا توجب».

(6). یعنی: مثل کثرة استعمال الصیغة فی الندب.

(7). هذا هو الوجه الثانی، و حاصله: أنّ کثرة الاستعمال لا توجب النقل إلی معنی، و لا الحمل علیه من باب تقدیم المجاز المشهور علی الحقیقة إلاّ إذا کان الاستعمال فیه بدون القرینة، و لیس المقام کذلک، لأنّ الاستعمال فی الندب کان

فیه (1) إلاّ أنّه (2) کان مع القرینة المصحوبة، و کثرة الاستعمال کذلک (3) فی المعنی المجازی لا توجب صیرورته (4) مشهورا فیه (5) لیرجح (6) أو یتوقف علی الخلاف فی المجاز المشهور، کیف (7) و قد کثر استعمال العام فی الخاصّ مع القرینة، فلیس استعمال اللفظ فی الندب من باب النقل، و لا من المجاز المشهور حتی یرجح علی الحقیقة، فیقدم علیها أو یتوقف علی الخلاف.


(1). أی: فی الندب.

(2). أی: الاستعمال فی الندب کان مع القرینة لا بدونها.

(3). أی: مع القرینة.

(4). أی: اللفظ، و المراد به الصیغة.

(5). أی: فی المعنی المجازی، و حاصله: أنّه یعتبر فی صیرورة اللفظ مشهورا فی المعنی المجازی لیرجح علی الحقیقی أن یکون استعماله فی المعنی المجازی بدون القرینة، و هذا الشرط مفقود فی المقام، لکون استعمال الصیغة فی الندب مع القرینة کما مر.

(6). یعنی: لیرجّح المعنی المجازی المشهوری علی المعنی الحقیقی، أو یتوقف حتی تنهض قرینة علی المراد.

(7). هذا هو الوجه الثالث من وجوه الجواب عن کلام المعالم، و حاصله:

النقض بصیغ العموم کالجمع المعرف باللام، و لفظة: کل، و جمیع، و غیرها

«-»

. (-). یحتمل أن یکون هذا الوجه دلیلا علی الوجه الثانی، و هو: أنّ کثرة الاستعمال مع القرینة لا توجب النقل أو الحمل علی المعنی المجازی، لا وجها مستقلا فی الجواب عن المعالم، بل العبارة ظاهرة فی ذلک أیضا.

ثم إنّ تنظیر المقام بباب العام المخصص إنّما یکون فی خصوص عدم انثلام

حتی قیل: ما من عام إلاّ و قد خص، و لم ینثلم به (1) ظهوره (2) فی العموم، بل یحمل (3) علیه ما لم تقم قرینة بالخصوص (4) علی إرادة الخصوص. توضیحه: أنّ صیغ العموم تخصص کثیرا ما بالمخصص المنفصل حتی قیل:

«ما من عام إلاّ و قد خص»، و مع ذلک لم ینثلم ظهورها فی العموم، و لذا تحمل علیه مع الشک فی التخصیص، إلاّ إذا نهضت قرینة علی إرادة الخصوص.

و بالجملة: مجرد کثرة الاستعمال فی المعنی المجازی لا یمنع عن الحمل علی المعنی الحقیقی، إذ لو کان مانعا عنه لکانت کثرة استعمال صیغة العموم فی الخصوص مانعة أیضا عن حملها علی العموم عند التجرد عن القرینة، و من المسلّم عدم المنع هناک، فکذا هنا.

و الحاصل: أنّ وزان صیغة الأمر من ناحیة استعمالها فی الندب وزان صیغة العموم من جهة استعمالها فی الخصوص.


(1). أی: بالاستعمال الکثیر.

(2). أی: ظهور العام.

(3). یعنی: بل یحمل العام علی العموم، فضمیر - علیه - راجع إلی العموم.

(4). أو بالعموم، کأدلة أحکام العناوین الثانویة کالعسر و الحرج و الضرر الظهور فی العموم بمجرد کثرة الاستعمال فی الخاصّ مع القرینة، فکما لا تنکسر سورة ظهور صیغ العموم فی العموم بمجرد کثرة استعمالها فی الخصوص مع القرینة، فکذلک لا تنکسر سورة الظهور فی الوجوب فی صیغة الأمر بمجرد کثرة استعمالها مع القرینة فی الندب، و إلاّ فبین البابین فرق واضح، و هو: أنّ القرینة فی استعمال صیغة الأمر فی الندب قرینة المجاز، و فی استعمال صیغ العموم فی الخصوص قرینة المراد کما لا یخفی.

(المبحث الثالث)

هل الجمل الخبریة التی تستعمل (1) فی مقام الطلب و البعث مثل یغتسل و یتوضأ (2) و یعید (3) ظاهرة فی الوجوب (4) أو لا (5)؟ لتعدد (6) المجازات -و نحوها، إلاّ أن یقال: إنّها من باب الحکومة و التوفیق العرفی، لإ؛ضض للَّه‏للَّه؛ التخصیص، فتأمل.


(1). هذا التعبیر لا یخلو عن مسامحة بناءً علی ما تقدم عنه فی صدر الکتاب من کون الإخباریة و الإنشائیة من طوارئ الاستعمال، لا من قیود المستعمل فیه، إذ الظاهر منه: أنّ الإخباریة حاصلة قبل الاستعمال، فالأولی أن یقال: «هل الجمل الخبریة التی یراد بها الطلب... إلخ».

(2). الواردین فی مقام الجواب عن وجود موجبهما من الجنابة و النوم و غیرهما مما یوجب الغسل أو الوضوء.

(3). جواباً عما یوجب الخلل فی الصلاة، و مثله قوله علیه السّلام: «أصبح صائماً» فیمن نام عن صلاة عشائه، و غیر ذلک من الجمل الخبریة الواردة فی مقام الطلب.

(4). و هو أشهر القولین کما فی البدائع، بل المشهور کما یظهر من موضع آخر منه.

(5). کما هو مذهب جماعة من المحققین کالمحقق الثانی و المحقق الأردبیلی و النراقی (قدس سرهم).

(6). تعلیل لعدم الظهور فی الوجوب.

و حاصله: أنّه بعد تعذُّر الحمل علی المعنی الحقیقی و هو الحکایة عن وقوع النسبة فیما بعده فی المضارع کقوله: «یُعید» أو تحققها فیما قبله فی الماضی، کقوله:

فیها (1)، و لیس الوجوب بأقواها (2) بعد تعذر حملها (3) علی معناها من الاخبار بثبوت النسبة و الحکایة عن وقوعها الظاهر الأوّل (4)، بل تکون (5) أظهر من الصیغة، و لکنه (6) لا یخفی أنّه لیست الجمل الخبریة الواقعة فی ذلک المقام -«أصبح صائماً» و بعد تعدد المجازات - لصحة استعمالها فی إنشاء الندب، أو مطلق الطلب، أو خصوص الوجوب - لَزِم الوقف مع عدم الترجیح کما هو قول بعض.


(1). أی: فی الجمل الخبریة.

(2). أی: المجازات حتی تحمل علیه لقاعدة: إذا تعذر الحمل علی المعنی الحقیقی و تعدّدت المجازات حمل اللفظ علی أقرب المجازات إلیه.

(3). أی: الجمل الخبریة.

(4). و هو ظهورها فی الوجوب.

(5). یعنی: تکون الجمل الخبریة أظهر فی الوجوب من صیغة الأمر، و ذلک لما سیذکره بقوله: «حیث إنه أخبر بوقوع مطلوبه فی مقام طلبه» انتهی.

(6). هذا تمهید لإثبات ما رامه من ظهور الجمل الخبریة الواقعة فی مقام الطلب فی الوجوب مع التعریض بالمشهور القائلین بظهور تلک الجملة فی الوجوب، حیث إنّ ظاهرهم هو استعمال الجمل الخبریة فی مفهوم الطلب کصیغة الأمر، و من المعلوم: أنّ هذا الاستعمال مجازی، لأجنبیة مفهوم الطلب عن معنی الجملة الخبریة.

و ملخص التعریض: أنّه لا داعی إلی ارتکاب المجاز، مع أنّ الحمل هنا حمل علی المعنی الحقیقی، و ذلک لما تقدم فی صدر الکتاب من عدم کون الإخباریة و الإنشائیة من قیود المستعمل فیه، بل هما من أنحاء الاستعمال، و أنّ المعنی الحقیقی فی کلیهما واحد، فإرادة الإنشاء من الجمل الخبریة و إن لم تکن مستلزمة للمجازیة، لکنه لا داعی إلی إرادته بعد إمکان إرادة الإخبار بها کما هو ظاهرها، غایة

• أی الطلب - مستعملة فی غیر معناها، بل تکون مستعملة فیه (1)، إلاّ أنّه (2) لیس بداعی الإعلام، بل بداعی البعث بنحو آکد، حیث (3) إنّه أخبر بوقوع الأمر: أنّ دواعی الاخبار مختلفة، لأنّ الداعی (تارة) یکون إعلام المخاطب بمضمون الجمل الخبریة کما هو الغالب، (و أُخری) یکون إعلامه بأنّ المخبر عالم بمضمونها کقولک لحافظ القرآن أو الدرس مثلا: قد حفظت القرآن أو الدرس.

(و ثالثة) یکون إعلام المخاطب بالإرادة و عدم الرضا بالترک، لیترتب علیه البعث کالأمثلة المتقدمة، فالمستعمل فیه مع جمیع هذه الدواعی واحد، و لا یلزم معها مجاز أصلا، و علیه فالاخبار عن الإعادة و الغسل و الوضوء و الصوم کالاخبار عن قیام زید، و قعود عمرو، و غیرهما فی کون الاستعمال فی المعنی الحقیقی.


(1). أی فی معناها الحقیقی و هو ثبوت النسبة، لا فی معناها المجازی کما عن ظاهر المشهور.

(2). یعنی: إلاّ أنّ الاستعمال لیس بداعی الإعلام، بل بداعی البعث کما عرفت

(3). هذا وجه الآکدیّة، و حاصله: أنّ وقوع مضمون الجملة الخبریة من لوازم الطلب الحتمی غیر المزاحم بشی‏ءٍ من موانع التأثیر، فکأن الطلب علة لوجود متعلقه فی الخارج، و لذا یخبر عن وقوعه، فالطلب المدلول علیه بالجمل الخبریة هو الطلب غیر المزاحم الّذی یترتب علیه وجود المطلوب فی الخارج، بخلاف الطلب المدلول علیه بصیغة الأمر و ما بمعناها، فإنّه أصل الطلب، لعدم دلالتها علی خصوصیة زائدة علیه، فیکون الطلب المنشأ بالجمل الخبریة أشد و آکد مما ینشأ بالصیغ الإنشائیة. فقد ظهر مما ذکرنا: أنّه لا وجه للتوقف - کما عن بعض - نظراً إلی تعدُّد المجازات، و عدم أقربیّة الوجوب منها إلی المعنی الحقیقی، و ذلک لما

مطلوبه فی مقام طلبه (1) إظهاراً بأنّه لا یرضی إلاّ بوقوعه، فیکون آکد فی البعث من الصیغة (2)، کما هو (3) الحال فی الصیغ الإنشائیة علی ما عرفت من أنّها أبداً تستعمل فی معانیها الإیقاعیة، لکن بدواعٍ أُخر (4) کما مرّ (5).

لا یقال (6): -عرفت من عدم لزوم مجاز أصلا، حیث إنّ الجمل الخبریة لم تستعمل إلاّ فی معانیها الحقیقیة بداعی البعث و الطلب، فلا موضوع للقول بالتوقف لأجل تعدد المجازات أصلا.


(1). إذ المفروض کونه فی مقام التشریع.

(2). أی: صیغة الأمر.

(3). یعنی: کما أنّ الصیغ الإنشائیة تستعمل دائماً فی معانیها الإیقاعیة، لدواعٍ مختلفة غیر وجودها الواقعی، کإنشاء الاستفهام لا بداعی طلب العلم و رفع الجهل، بل بداعی التقریر أو غیره، و لا یکون فی البین مجاز، کذلک الجمل الخبریة، فإنّها تستعمل فی معانیها لا بداعی الإعلام، بل بداعی إعلام المخاطب بإرادة مضمون الجملة، و عدم الرضا بترکه من دون لزوم مجاز أصلا.

(4). غیر معانیها الواقعیة الموجودة فی النّفس.

(5). یعنی: فی الإیقاظ.

(6). هذا إشکال علی قوله: «بل تکون مستعملة فیه... إلخ» و حاصله:

أنّه - بناءً علی أنّ الجمل الخبریة الواقعة فی مقام الطلب مستعملة فی معناها الخبری لا الإنشائیّ کما عن غیر واحد، بل عن المشهور - یلزم الکذب، لعدم وقوع المخبر عنه بتلک الجمل فی الخارج غالباً، لعصیان الفساق غیر المبالین بالأحکام الشرعیة، فلا بد حینئذٍ من الالتزام باستعمالها فی الإنشاء دون الإخبار، کالصیغ الإنشائیة فراراً عن محذور الکذب.

کیف (1)؟ و یلزم الکذب کثیراً، لکثرة عدم وقوع المطلوب کذلک (2) فی الخارج تعالی اللَّه و أولیاؤه (3) عن ذلک علواً کبیراً. فإنّه یقال: (4) إنّما یلزم الکذب إذا أتی بها (5) بداعی الإخبار و الإعلام، لا لداعی البعث (6)، کیف (7) -


(1). یعنی: کیف تکون الجمل الخبریة مستعملة فی معناها الإخباری دون الإنشائیّ مع أنّه مستلزم للکذب غالباً.

(2). أی: المطلوب بالطلب المنشأ بالجمل الخبریة.

(3). إشارة إلی ما ذکره من ورود الجمل الخبریة فی مقام الطلب مثل «یغتسل و یتوضأ و یعید» و نحوها فی روایات المعصومین صلوات اللَّه علیهم أجمعین.

(4). هذا جواب الإشکال المزبور، و حاصله: أنّ مطلق الخبر لیس موضوعاً لاحتمال الصدق و الکذب، بل خصوص الخبر الّذی قصد به الإعلام، فإذا قصد بالجملة الخبریة البعث دون الإعلام - کما هو مفروض البحث - لا یتصف بشی‏ءٍ و منهما، و علیه فلا یلزم من الإخبار بالجمل الخبریة الواقعة فی مقام الطلب مجاز و لا کذب أصلا.

(5). أی: الجمل الخبریة.

(6). یعنی: کما هو المفروض

(7). یعنی: کیف یکون الإخبار بداعی البعث مستلزماً للکذب، و لو کان کذلک لَزِم الکذب فی غالب الکنایات، غرضه: تنظیر الجمل الخبریة الواقعة فی مقام الطلب بباب الکنایات فی أنّه کما لا تکون المعانی المکنی بها مثل کثرة الرماد مورداً للصدق و الکذب مع کون الکلام خبراً کقوله: «زید کثیر الرماد» کذلک الجمل الخبریة فی المقام، فإنّ مورد الصدق و الکذب هو المعنی المکنّی عنه کالجود فی المثال المزبور، لإ؛طط للَّه‏للَّه؛ المکنّی به و هو کثرة الرماد، فلو لم یکن لزید کثرة الرماد

و إلاّ یلزم الکذب فی غالب الکنایات؟ فمثل - زید کثیر الرماد - أو - مهزول الفصیل - لا یکون کذباً إذا قیل کنایة عن جوده، و لو لم یکن له رماد و فصیل أصلا، و إنّما یکون کذباً إذا لم یکن بجواد (1)، فیکون (2) الطلب بالخبر فی مقام التأکید أبلغ (3)، فإنّه (4) مقال بمقتضی الحال، هذا. مع أنّه إذا أتی -و لکن کان جواداً لم یلزم کذب أصلا، و الجمل الخبریة التی قصد بها البعث لا الإعلام تکون کالکنایات، فکما لا تتصف المعانی المکنّی بها بالصدق و الکذب، بل المتصف بهما هی المعانی المکنی عنها، فکذلک الجمل الخبریة المقصود بها البعث لا الإعلام.

و بالجملة: فلا یتصف کلّ خبر بالصدق و الکذب.


(1). لأنّ المقصود بمثل - زید کثیر الرماد - هو الجود، و قصد بهذه القضیة الخبریة الحکایة عن الجود، فالصدق و الکذب ملحوظان بالنسبة إلی هذا المعنی المکنی عنه، فکذب هذه القضیة عبارة عن عدم الجود، لا عدم کثرة الرماد مثلا.

(2). هذا مترتب علی کون الجمل الخبریة إخباراً لا بداعی الإعلام، بل بداعی الطلب.

(3). من الطلب بالصیغ الإنشائیة.

(4). هذا وجه الأبلغیة، و حاصله: أنّه لمّا کان المتکلم فی مقام البعث فالمناسب له هو الإتیان بما یؤکِّده، (و حیث) إنّ الإخبار بوقوع المطلوب من لوازم شدة الطلب التی لا یزاحمهما شی‏ء من موانع التأثیر فی وجود المطلوب، لدلالة الاخبار بالوقوع علی إرادة إیجاده بحیث لا یرضی بترکه، و لذا أخبر بوجوده و أتی بالجملة الخبریة (فدلالتها) علی الطلب تکون من باب الکنایة التی هی استعمال

بها (1) فی مقام البیان، فمقدمات الحکمة مقتضیة لحملها (2) علی الوجوب، فإنّ تلک النکتة (3) إن لم تکن موجبة لظهورها فیه (4)، فلا أقل من کونها (5) موجبة لتعینه من بین محتملات ما (6) هو بصدده، -اللفظ فی المعنی بداعی الانتقال إلی لازمه أو ملزومه، حیث إنّ الإخبار بالوقوع بداعی الطلب من لوازم البعث و الإرادة، فمدلول الجملة الخبریة هو الإخبار بالوقوع الّذی هو لازم شدة الطلب، فیکون الانتقال من اللازم إلی الملزوم، و علیه فلم تستعمل الجملة الخبریة المقصود بها الإنشاء فی نفس الإنشاء حتی یلزم مجاز فی الکلمة أو الکلام کما عن بعض.


(1). أی: الجمل، و هذا وجه آخر لاستفادة الوجوب من الجمل الخبریة، و محصله: أنّ مقدمات الحکمة تقتضی حملها علی الوجوب، إذ المفروض کون المتکلم فی مقام البیان، لا فی مقام الإجمال أو الإهمال، و لم ینصب قرینة علی الندب، فلا بد من حملها علی الوجوب، لکون النکتة المزبورة - و هی شدة مناسبة الاخبار بالوقوع مع الوجوب موجبة لظهور الجملة فیه، أو لتیقنه منها.

و بالجملة: فالنکتة المزبورة معیِّنة للوجوب علی کل حال، فلا وجه للوقف کما عن بعض.

(2). أی: الجمل الخبریة.

(3). و هی الإخبار بالوقوع.

(4). أی: لظهور الجمل الخبریة فی الوجوب.

(5). أی: کون النکتة المزبورة موجبة لتعیُّن الوجوب.

(6). أی: الحکم الّذی یکون المتکلم بصدد بیانه، فضمیر - هو - راجع إلی المتکلم.

فإنّ (1) شدة مناسبة الاخبار بالوقوع مع الوجوب موجبة لتعیُّن إرادته (2) إذا کان بصدد البیان مع عدم نصب قرینة خاصة علی غیره (3)، فافهم (4). -


(1). بیان لکون النکتة المزبورة موجبة لتعین الوجوب، و قد تقدم تقریبه.

(2). أی: الوجوب.

(3). أی: غیر الوجوب، فمع عدم القرینة علی غیر الوجوب تکون النکتة المزبورة قرینة علی الوجوب

«-»

. (4) لعلّه إشارة إلی دقة المطلب و التدبر فی کیفیة دلالة الجمل الخبریة علی الوجوب، و أنّ استفادته منها بالکنایة علی التقریب المذکور أولی مما نسب إلی المشهور من استعمالها فی الإنشاء، و أنّ النکتة المزبورة تصلح لتعیین إرادة الوجوب، فما فی البدائع، من منع دلالة الجمل الخبریة المقصود بها الإنشاء علی (-). و یمکن الاستدلال أیضا للحمل علی الوجوب بوجوه أُخر:

الأوّل: التبادر.

الثانی: انصراف طبیعی الطلب إلی خصوص فرده الوجوبیّ.

الثالث: أقربیة الوجوب من سائر المجازات إلی المعنی الحقیقی بعد تعذُّره، و لکن هذا الوجه مبنیٌّ علی انسلاخ الجمل الخبریة عن معناها الحقیقی - و هو الاخبار بالوقوع - و استعمالها فی غیره.

و بالجملة: فلا ینبغی التأمل فی ظهور الجمل الخبریة التی أُرید بها الإنشاء فی الوجوب، و حجیة هذا الظهور علی حد حجیة ظواهر سائر الألفاظ کما لا یخفی.

ثم إنّه قد ظهر مما أفاده المصنف (قده) فی وجه استفادة الوجوب من الجمل الخبریة حالُ الجمل المنفیة الواقعة فی مقام النهی مثل «لا یغتسل و لا یتوضأ و لا یعید»، فإنّها تنصرف إلی الحرمة، إلاّ أن تقوم قرینة علی خلافها.

(المبحث الرابع)

(1): أنّه إذا سلم أنّ الصیغة لا تکون حقیقة فی الوجوب هل لا تکون ظاهرة فیه أیضا (2) أو تکون؟ قیل بظهورها فیه (3): إمّا لغلبة الاستعمال (4) فیه، أو (5) لغلبة وجوده، أو خصوص الوجوب، لأنّ المستحبات أکثر من الواجبات، و أکثرها مستفادة من الجمل الخبریة، فلیس استعمالها فی الوجوب أکثر من الندب حتی تحمل علیه مع التجرد عن القرینة» لا یخلو من غموض، لأنّ النکتة المزبورة صالحة لحمل الجمل الخبریة علی الوجوب، و لا یعدل عنها إلاّ بدلیل.

فالمتحصل: أنّ البعث الّذی لا ینفک عن الوقوع هو البعث الحتمی، لعدم الملازمة بین البعث الندبی - و لو إلی العبد المنقاد - و بین الوقوع، فما لم تنهض قرینة علی إرادة الندب کما فی قوله علیه الصلاة و السّلام: «لا ینام المسلم و هو جنب إلاّ عن وضوء» یحمل علی الوجوب.


(1). الغرض من عقد هذا المبحث هو: أنّه إذا لم یثبت وضع صیغة الأمر للوجوب، لضعف أدلته و عدم نهوضها علیه، فهل تکون ظاهرة فیه لأجل الانصراف أو غیره أم لا؟.

(2). یعنی: کما لا تکون موضوعة للوجوب، فلا ظهور لها فی الوجوب من ناحیة الوضع کذلک لا ظهور لها فیه من غیر ناحیة الوضع أیضا.

(3). أی: بظهور الصیغة فی الوجوب، لوجوه.

(4). هذا أوّل الوجوه، و حاصله: أنّ کثرة استعمال الصیغة فی الوجوب أوجبت ظهورها فیه بحیث تحمل علیه عند الإطلاق.

(5). هذا ثانی الوجوه، و حاصله: أنّ کثرة وجود الوجوب - و لو مع قلة الاستعمال فیه کما إذا استعملت الصیغة فی الندب للتأکید أکثر من استعمالها فی الوجوب - توجب ظهور الصیغة فی الوجوب.

أکملیته (1). و الکل کما تری، ضرورة (2) أنّ الاستعمال فی الندب، و کذا وجوده (3) لیس بأقل لو لم یکن بأکثر، و أمّا الأکملیّة فغیر موجبة للظهور (4)، إذ الظهور لا یکاد یکون إلاّ لشدة أُنس اللفظ بالمعنی بحیث یصیر وجهاً له (5)، و مجرّد الأکملیّة -


(1). هذا ثالث الوجوه، و حاصله: أنّ الوجوب لمّا کان أکمل فردی الطلب لکونه طلباً شدیداً و الندب طلباً ضعیفاً صارت أکملیته موجبة لظهور الصیغة عند الإطلاق فی الوجوب.

و بالجملة: فهذه الوجوه الثلاثة توجب ظهور الصیغة فی الوجوب و إن لم یثبت وضعها له.

(2). إشارة إلی ضعف الوجهین الأوّلین و هما: غلبة الاستعمال و غلبة الوجود.

أمّا الأوّل، فلمنع غلبة الاستعمال فی الوجوب، فإنّ استعمال الصیغة فی الندب لو لم یکن بأکثر فلا أقل من مساواته له، و لذا توقف صاحب المعالم (قده) فی الحمل علی الوجوب عند التجرد عن القرینة.

و أما الثانی، فلمنع غلبة وجود الوجوب أیضا، لکثرة المستحبات و قلة الواجبات، و لا أقل من المساواة.

(3). هذا إشارة إلی ضعف الوجه الثانی.

(4). هذا إشارة إلی ضعف الوجه الثالث، و ملخصه: أنّ الظهور لا ینشأ إلاّ من شدة أُنس اللفظ و عُلقته بالمعنی، لتوقف صیرورة اللفظ وجهاً للمعنی علی ذلک، و لا یحصل الأُنس المزبور بمجرد الأکملیة، لأنّها ثبوتیة لا إثباتیة، و لا تلازم بینهما کما لا یخفی.

(5). أی: للمعنی

لا یوجبه (1) کما لا یخفی. نعم (2) فیما کان الآمر بصدد البیان، فقضیة مقدمات الحکمة هو الحمل علی الوجوب (3)، فإنّ الندب کأنّه یحتاج إلی مئونة بیان التحدید (4) و التقیید بعدم المنع من الترک، بخلاف الوجوب، فإنّه لا تحدید -


(1). أی: شدة الأُنس، لِما مرّ آنفاً من عدم الملازمة بین الأکملیة الثبوتیة و بین الأکملیة الإثباتیة.

(2). لمّا أبطل الوجوه الثلاثة المتقدمة سلک طریقاً آخر لاستظهار الوجوب من الصیغة، و هو: أنّ مقدمات الحکمة تقتضی الوجوب، لأنّ المتکلم فی مقام البیان، و إرادة الندب من مجرد الطلب المستفاد من الصیغة غیر ممکنة، لاحتیاج إرادته إلی مزید بیان و عدم کفایة نفس الطلب فی ذلک، حیث إنّ ممیِّز الندب - و هو الترخیص فی الترک - لیس من سنخ الطلب حتی یصح الاعتماد علیه فی بیانه، و هذا بخلاف الوجوب، فإنّ ممیِّزه و هو المنع من الترک من سنخ الطلب، فیجوز للمتکلم الاتکال فی بیانه علی ما یدل علی طبیعة الطلب من دون لزوم محذور إخلال بالغرض.

(3). لما عرفت من أنّ فصل الوجوب - و هو المنع من الترک - یکون حقیقة نفس الطلب، لأنّه عبارة أُخری عن طلب عدم الترک الّذی هو عین طلب الفعل، فإطلاق الطلب کافٍ فی إرادة الوجوب.

(4). لأنّ فصل الندب و هو الترخیص فی الترک أمر زائد علی الطلب، فیحتاج إلی مزید بیان.

و بالجملة: فالندب هو تحدید الطلب بأمر خارج عن حقیقته، فلا یمکن الاتّکال فی بیانه علی ما یدل علی نفس الطلب، بخلاف الوجوب، فإنّه لا تحدید فیه بما هو خارج عن حقیقته، فلا مانع من الرکون فی بیانه إلی ما یدل علی جامع الطلب و هو الصیغة.

فیه للطلب و لا تقیید، فإطلاق اللفظ و عدم تقییده مع کون المطلق فی مقام البیان کافٍ فی بیانه، فافهم (1).

(المبحث الخامس (2):

اشارة

أنّ إطلاق الصیغة

«-»

هل یقتضی کون الوجوب توصُلیّاً، فیجزی (3) إتیانه مطلقاً و لو (4) بدون قصد القربة أو لا؟ -


(1). لعلّه إشارة إلی ضعف ما قیل: من کفایة إطلاق الطلب فی إرادة الندب نظراً إلی أنّ المائز بینه و بین الوجوب هو شدة الطلب و ضعفه، و هذا أمر عدمی، فالطلب المجرّد عما یدل علی شدته و تأکُّده کافٍ فی الدلالة علی الندب بعد فرض کون المتکلم فی مقام بیان الفرد لا جامع الطلب.

وجه الضعف: أنّ منشأ اعتبار الوجوب و الندب هو النسبة الطلبیة المجردة عن الترخیص فی الترک و المقرونة به، و الشدة و الضعف لیسا دخیلین فی النسبة، فان کانت النسبة الطلبیة مجردة عن الترخیص فی الترک ینتزع العقل منها الوجوب، و إن کانت مقرونة بالترخیص فی الترک ینتزع منها الندب.

(2). الغرض من عقد هذا البحث: أنّه هل یکون للصیغة إطلاق رافع للشک فی التعبدیة و التوصلیة کما یکون لها إطلاق بالنسبة إلی الشک فی العینیة و الکفائیة و التعیینیة و التخییریة و النفسیّة و الغیریة أم لا؟ بل لا بد حینئذٍ من الرجوع إلی الأصول العملیة، کما هو الشأن فی کل مورد فقد الدلیل الاجتهادی فیه.

(3). هذا متفرع علی إطلاق الصیغة، إذ مقتضاه عدم دخل کل قید شک فی اعتباره سواء کان ذلک القید التعبدیة أم غیرها.

(4). هذا مفسِّر للإطلاق. (-). الظاهر عدم اختصاص هذا البحث بالصیغة، بل یجری فی غیرها مما قصد به الأمر کما لا یخفی وجهه.

فلا بد (1) من الرجوع فیما شک فی تعبدیته و توصلیته إلی الأصل (2)،

لا بد فی
اشارة

تحقیق ذلک من تمهید مقدمات:

إحداها:

الوجوب التوصلی

«-»

هو ما کان الغرض منه یحصل بمجرد حصول الواجب (3) و یسقط بمجرد وجوده، بخلاف التعبدی، فإنّ الغرض منه -


(1). هذا متفرع علی عدم الإطلاق المحقِّق لعدم الدلیل الّذی هو موضوع للرجوع إلی الأصل العملی، و المراد به هنا البراءة أو الاشتغال، کما سیأتی إن شاء اللَّه تعالی.

(2). أی: العملی، إذ المفروض عدم الأصل اللفظی و هو إطلاق الصیغة، مع الغض عن سائر ما استدل به أیضا علی التعبدیة کقوله تعالی: و ما أُمروا إلا لیعبدوا اللَّه مخلصین له الدین‏.

(3). هذا أحد تعریفاته و أسدها، و حاصله: أنّ الواجب التوصلی عبارة (-). هذا من الوصف بحال المتعلق و هو الواجب، لا بحال نفس الموصوف و هو الوجوب، و ذلک لأنّ التعبدیة و التوصلیة ناشئتان من الملاکات الداعیة إلی التشریع، فإن کان الملاک القائم بالواجب - بناءً علی ما علیه مشهور العدلیة من قیام المصالح و المفاسد بمتعلقات التکالیف - بمثابة یحصل بمجرد وجود الواجب و لو بداعٍ غیر قربی فالواجب توصلی، و إلاّ فتعبدی، فالفرق بینهما إنّما هو فی الغرض القائم بالواجب، و أمّا الغرض من نفس الوجوب فهو واحد فی التعبدی و التوصلی و هو دعوة المکلف إلی إیجاد المادة و نقض عدمها المحمولی بوجودها کذلک، فالوجوب التوصلی لا یغایر التعبدی أصلا. و اتضح مما ذکرنا: أنّ التعبدیة من قیود المادة، فالإطلاق المبحوث عنه راجع إلی المادة لا الهیئة، فجعل هذا البحث من أبحاث الصیغة لا یخلو من المسامحة.

لا یکاد یحصل بذلک (1)، بل لا بد فی سقوطه و حصول غرضه من الإتیان به متقرباً به (2) منه تعالی.

ثانیتها

: أنّ التقرب (3) المعتبر فی التعبدی إن کان بمعنی قصد الامتثال‏ -عن الواجب الّذی یسقط بمجرد وجوده فی الخارج و لو بغیر الداعی الإلهی، لوفاء مطلق وجوده فی الخارج بالغرض الداعی إلی التشریع، و الواجب التعبدی بخلافه، فهو ما لا یسقط إلاّ بإتیانه بداعٍ قربی، إذ الغرض الداعی إلی تشریعه لا یستوفی إلاّ بوجود الواجب علی وجه قربی.


(1). أی: بمجرد وجود الواجب فی الخارج.

(2). هذا الضمیر و الثلاثة التی قبله راجعة إلی - الواجب -، و الحاصل:

أنّ الواجب التعبدی لا یسقط إلاّ بإتیانه متقرِّباً به إلی اللَّه تعالی شأنه.

(3). قد یراد بالتقرُّب المصحح لعبادیة شی‏ءٍ مطلق ما یوجب القُرب إلیه جلّ و علا، کإتیانه بداعی حسنه أو مصلحته أو محبوبیته له تعالی، أو بداعی کونه جلّ و علا أهلاً للعبادة، و دخل القربة بأحد هذه الوجوه فی العبادة لا یستلزم محذوراً أصلا، لکون القربة حینئذٍ من قیود المتعلق بحیث یصح لحاظها فی عرضه، کالطهارة و الاستقبال و الستر مثلا بالنسبة إلی الصلاة، فتنالها ید التقیید اللحاظی بلا إشکال. و قد یراد بالتقرب المعتبر فی العبادة ما عن الجواهر من خصوص قصد الأمر المتعلق بها، فحینئذٍ یمتنع دخله فی المتعلق، للزوم محذور الدور، ضرورة أنّ المتعلق مقدّم رتبة علی الحکم و الأمر من الوجوب أو غیره کتقدم العلة علی المعلول، فالأمر متأخر عن المتعلق، و قصد الأمر متأخر عن نفس الأمر، فکیف یمکن أن یکون القصد مأخوذاً فی المتعلق الّذی هو متقدم علیه برتبتین، مثلاً الأمر بالصلاة متأخر عن متعلقها و هی الصلاة، و قصد هذا الأمر

و الإتیان بالواجب بداعی أمره کان مما یعتبر فی الطاعة عقلاً لا مما أُخذ فی نفس العبادة شرعاً، و ذلک (1) لاستحالة أخذ ما لا یکاد یتأتی إلاّ من قِبَل الأمر بشی‏ءٍ فی (2) متعلق ذاک الأمر مطلقاً شرطاً أو شطراً (3)، فما (4) لم تکن نفس -متأخر عن نفسه، فکیف یمکن أن یکون قصد الأمر مأخوذاً فی الصلاة؟ و بالجملة: فقصد الأمر متوقف علی الأمر، و هو متوقف علی قصده، لکونه دخیلا فی المتعلق، و هذا دور، فیمتنع دخل قصد الأمر شرعاً جزءاً أو شرطاً فی المتعلق، فلا محالة یکون قصد الأمر من أنحاء الامتثال و کیفیاته عقلاً، لا من أجزاء المتعلق أو قیوده شرعاً کما لا یخفی.


(1). هذا تقریب امتناع دخل قصد الأمر شرعاً فی متعلق الأمر، و قد عرفته.

(2). متعلق بقوله: - أخذ -.

(3). بیان للإطلاق، و قد ظهر من تقریب الاستحالة کون التعبدیة من الانقسامات الثانویة للمتعلق بعنوان کونه مأموراً به، لا الأولیّة التی یکون الملحوظ فیها نفس المتعلق مجرداً عن الأمر، کلحاظ الاستقبال مثلاً فی الصلاة.

(4). غرضه تعمیم استحالة دخل قصد القربة فی المتعلق لکلا المقامین أعنی التشریع و الامتثال:

أمّا الأوّل، فقد تقدم تقریبه آنفاً.

و أمّا الثانی، فهو الّذی تعرض له بقوله: «فما لم تکن نفس الصلاة... إلخ» و حاصله: أنّه یعتبر فی حُسن الخطاب قدرة المکلف علی متعلقه، لقبح مطالبة العاجز عقلا، و من المعلوم: أنّ المقدور هو الإتیان بنفس متعلق الأمر و هو الصلاة مثلا، و أمّا الإتیان به مقیّداً بدعوة أمره فهو غیر مقدور للمکلف، إذ المفروض وحدة الأمر المتعلق بذات الصلاة مثلا، و الإتیان بالمتعلق بدعوة

الصلاة متعلقة للأمر لا یکاد یمکن إتیانها بقصد امتثال أمرها و توهم (1) إمکان تعلق الأمر بفعل الصلاة بداعی الأمر --الأمر موقوف علی أمر آخر متعلق بما تعلق به الأمر الأوّل لیکون مفاد الأمر الثانی وجوب إتیان متعلق الأمر الأوّل بداعی أمره بحیث یکون الأمر الأوّل موضوعاً للأمر الثانی، کموضوعیة المؤمن لحرمة الغیبة مثلا، فلا بد فی وجوب إتیان متعلق الأمر الأوّل بدعوة أمره من الأمر الثانی المفروض فقدانه، فیصیر إتیان متعلق الأمر الأوّل بدعوة أمره غیر مقدور، و من المسلّم اعتبار القدرة عقلاً فی متعلق التکلیف.


(1). غرض المتوهم دفع إشکال الدور، و إثبات مقدوریة المتعلق، أمّا الأوّل، فتقریبه: أنّ الدور یتوقف علی وجود المتعلق خارجاً لا تصوراً.

توضیحه: أنّ الأمر بالصلاة المقیدة بقصد القربة یتوقف علی وجود موضوعه الّذی منه قصد القربة، و من المعلوم توقف قصدها علی الأمر، لکونه من الأُمور المتأخرة عن الأمر، و المفروض تأخر الأمر عن متعلقه بأجزائه و شرائطه التی منها قصد القربة، فالأمر متوقف علیه، و هو متوقف علی الأمر، هذا إذا کان اللازم وجود المتعلق خارجاً. و أمّا إذا کان وجود المتعلق تصوراً کافیاً فی تعلق الأمر، فلا دور، إذ یمکن أن یتصور الآمر موضوع الحکم - أعنی الصلاة المقیدة بداعی طبیعة الأمر لا شخصه و مصداقه - ثم یأمر به، فلا محذور حینئذٍ فی دخل قصد القربة فی المتعلق. و ببیان أوضح: موضوع الحکم هو الطبیعة التی تنطبق علی الفعل الصادر من المکلف فی الخارج.

و أمّا الفعل الخارجی، فهو لیس بمأمور به إلاّ بالانطباق و سرایة الطلب من الطبیعی إلیه، فلا مانع حینئذٍ من تصور الآمر الطبیعة الکلیة مقیّدة بامتثالها

و إمکان (1) الإتیان بها بهذا الداعی، ضرورة (2) إمکان تصور الآمر لها مقیدة، و التمکن (3) من إتیانها (4) کذلک (5) بعد (6) تعلق الأمر -بداعی أمرها، و من المعلوم: أنّ تصورها کذلک لا یتوقف علی وجود الأمر فی الخارج، فیکون دعوة الأمر بالتصور المزبور مقدمة علی الأمر الخارجی و غیر منوطة به حتی یلزم الدور، کتقدم سائر أجزاء المتعلق و شرائطه فی مقام التصور علی الحکم.


(1). هذا إشارة إلی دفع الإشکال الثانی، و إثبات القدرة علی الامتثال، و حاصله: وجود القدرة علیه بتصور الطبیعة مقیدة بداعی أمرها بالتقریب الّذی عرفته مفصلا، و علیه فلا یلزم إشکال لا فی ناحیة الجعل و لا فی ناحیة الامتثال، فیصح دخل قصد القربة فی متعلق الأمر، کدخل غیره من القیود شرعاً فیه، فمع الشک فی دخل قصد القربة فی واجب لا مانع من نفیه بإطلاق الخطاب.

(2). تعلیل لدفع توهم الدور و بیان له، و قد عرفت توضیحه.

(3). معطوف علی - إمکان - و هذا تعلیل لدفع توهم عدم قدرة العبد علی الامتثال، و قد عرفت توضیحه أیضا.

(4). أی: الصلاة.

(5). أی: مقیّدة بالأمر التصوری.

(6). متعلق بالتمکن، یعنی: أنّ الشرط فی حُسن الخطاب هو القدرة و التمکن حین الامتثال لا حین الأمر أو قبله، و المفروض وجود القدرة حین الامتثال، لأنّه بعد الأمر بالصلاة المقیّدة تکون الصلاة مأموراً بها، فیمکن للمکلّف الإتیان بها لأمرها، فإنّ حکم العقل باعتبار القدرة فی متعلقات التکالیف لمّا کان من باب قبح

بها (1)، و المعتبر من القدرة المعتبرة عقلا فی صحة الأمر إنّما هو فی حال الامتثال لا حال الأمر واضح (2) الفساد، ضرورة أنّه (3) و إن کان -مطالبة العاجز لم یکن قاضیاً بأزید من اعتبارها فی حال الامتثال، لاندفاع القبح المزبور بذلک.


(1). أی: الصلاة.

(2). خبر قوله: «و توهم» و دفع له.

(3). الضمیر للشأن، و ظاهره تسلیم اندفاع إشکال الدور فی مقام الجعل بمجرد تصور الصلاة مقیدة بداعی طبیعة الأمر، حیث إنّ موضوع الأمر هو تصوُّره لا وجوده خارجاً، فمفهوم قصد امتثال الأمر الّذی هو جزء المتعلق أو شرطه لا یتوقف علی الأمر الخارجی حتی یلزم الدور، و إنّما المتوقف علیه هو مصداق قصد الامتثال، لکن المصداق لیس جزء المتعلق أو شرطه حتی یکون مستلزماً للدور من جهة دخله فی المتعلق الّذی یتوقف علیه الحکم، لتقدم کل موضوع علی حکمه، و من جهة نشوه عن الأمر، لترتبه علیه و کونه من القیود الناشئة عنه، فیتوقف علی الأمر. و کیف کان فالمصنف (قده) أضرب عما اندفع به إشکال الدور فی مقام الجعل، و تصدّی لدفع الإشکال الثانی و هو کون المعتبر من القدرة علی الامتثال هو القدرة حینه لا حین الأمر، و حاصل ما أفاده فی ذلک هو: أنّ الضابط فی القدرة المعتبرة فی الامتثال و ان کان ذلک بلا کلام، لکنه لإ؛غغ للَّه‏للَّه؛ ینطبق علی المقام، و ذلک لعدم حصول القدرة هنا للمکلف علی الامتثال إلی الأبد، حیث إنّ الأمر - علی ما فرضه المتوهم - قد تعلق بالصلاة المقیدة بداعی الأمر، لأنّ الّذی جعل متعلقاً للأمر - و هو المتصور فی ذهن الحاکم الآمر - هو هذا المقیّد، و من المعلوم: أنّ هذا المقید لا یمکن الإتیان به بداعی الأمر

تصورها (1) کذلک (2) بمکان من الإمکان، إلاّ أنّه (3) لا یکاد یمکن الإتیان بها (4) بداعی أمرها، لعدم (5) الأمر بها (6)، فإنّ الأمر حسب الفرض تعلّق بها (7) مقیدة بداعی الأمر، و لا یکاد یدعو الأمر إلاّ إلی ما تعلّق به (8) -أی لا یمکن الإتیان بالصلاة المقیدة بداعی الأمر - بداعی الأمر -، لأنّ داعی الأمر إنّما تعلق بذات الصلاة، لا بها مقیدة بداعی الأمر. و أمّا الإتیان بذات الصلاة فهو غیر واجب، لأنّ المفروض عدم تعلق الأمر بذات الصلاة لیکون الأمر داعیاً إلیها، بل الأمر تعلق بالصلاة المقیدة بداعی الأمر، و معلوم: أنّ الأمر لا یدعو إلاّ إلی متعلقه، فإنّ الأمر بالصلاة لا یدعو إلی الصوم و الحج مثلا، ففی المقام لا یدعو الأمر إلاّ إلی الصلاة المقیدة - لا المطلقة - أعنی ذات الصلاة، فتدبّر.


(1). أی: الصلاة.

(2). أی: مقیدة بداعی الأمر.

(3). الضمیر للشأن، و هذا إشارة إلی دفع الإشکال الثانی، و قد عرفت تقریبه بقولنا: «و حاصل ما أفاده فی ذلک هو أن الضابط... إلخ».

(4). أی: الصلاة.

(5). تعلیل لعدم إمکان الإتیان بالصلاة بداعی أمرها، و قد عرفت آنفاً توضیحه.

(6). هذا الضمیر، و ضمیر «أمرها» راجعان إلی الصلاة.

(7). أی: الصلاة.

(8). و هو الصلاة المقیّدة، فالأمر یدعو إلیها، لا إلی غیرها و هو ذات الصلاة، إذ المفروض عدم تعلق الأمر بها، فیمتنع الإتیان بها لأمرها إلی الأبد، فضابط القدرة علی الامتثال لا ینطبق علی ما نحن فیه.

لا إلی غیره. ان قلت: نعم (1) و لکن نفس الصلاة أیضا (2) صارت مأمورة بها بالأمر بها مقیدة. قلت: کلاّ (3)، لأنّ ذات المقید لا تکون مأموراً -


(1). غرضه دفع إشکال عدم القدرة علی الامتثال إلی الأبد، و حاصله:

أنّ الأمر و إن کان متعلقاً بالمقید، لکنه ینحل إلی أمرین ضمنیین یتعلق أحدهما بالذات المعروضة للتقیید، و الآخر بالتقیید، فیمکن حینئذٍ إتیان ذات الصلاة مثلا بداعی أمرها الضمنی، فاندفع به إشکال تعذُّر الامتثال إلی الأبد، فقوله: «نعم» تسلیم لقوله: «لعدم الأمر بها» یعنی: أنّ الأمر و ان لم یتعلق بنفس الصلاة استقلالاً، لکنه تعلق بها ضمناً، لانحلال الأمر بالمقیّد إلی الأمر بالذات و التقید کما عرفت.

(2). یعنی: کالتقید.

(3). محصل هذا الجواب: إنکار انحلال الأمر بالمقیّد إلی أمرین، و بقاء إشکال عدم القدرة علی امتثال أمر مثل الصلاة بداعی أمره إلی الأبد.

توضیحه: أنّ الأجزاء علی قسمین: خارجیة و تحلیلیة.

أمّا الأجزاء الخارجیة، فهی تتصف بالوجوب المتعلق بالکل، لأنّه نفس الأجزاء بالأمر، فالأمر المتعلق بالکل ینحل علی حسب تعدد أجزاء المتعلق إلی أوامر نفسیة ضمنیة، و الفرق بین أمر المرکب و بین أوامر أجزائه هو: أنّ أمر المرکب نفسی استقلالی، و أوامر الأجزاء نفسیة ضمنیة.

و أمّا الأجزاء التحلیلیة، فلا تتصف بالوجوب، لعدم وجودٍ لها فی الخارج، فلا ینحل الأمر بالمقید إلی أمر متعلق بنفس الذات، و أمر متعلق بالتقید، فلیس للذات مجردة عن التقید أمر باعث إلیها حتی یصح إتیانها بداعی أمرها، مثلا إذا قال المولی للمفطر فی شهر رمضان بلا عذر: «أطعم ستین مسکیناً» فهل یصح

بها، فإنّ الجزء التحلیلی العقلی لا یتصف بالوجوب أصلا

«-»

. فإنّه لیس إلاّ وجود واحد واجب بالوجوب النفسیّ کما ربما یأتی فی باب المقدمة إن قلت: -أن یقال: إنّ وجوب إطعامهم ینحل إلی وجوبات.

أحدها: وجوب إطعام حیوان.

و الآخر: وجوب إطعام إنسان.

و الثالث: وجوب إطعام فقیر، و هکذا سائر الأمثلة التی لا تحصی.

و بالجملة: فالمقیّد موجود واحد، و کثرته إنّما هی بالتحلیل العقلی إلی ذات و تقیُّد، لا بالتحلیل الخارجی. (-). لا مانع عقلا من اتصاف الأجزاء التحلیلیة بالوجوب خصوصاً بعد البناء علی کون الأحکام لموضوعاتها کعوارض الماهیة لا کعوارض الوجود، نعم ذلک خلاف المتفاهم العرفی من الأدلة، و لیس ذلک راجعاً إلی مقام التطبیق حتی یناقش فیه بعدم اعتبار نظرهم فیه، و اختصاص اعتباره بتشخیص المفاهیم کما لا یخفی. و یمکن أن یکون منشأ فهم العرف لعدم اتصاف الأجزاء التحلیلیة بالحکم ملاحظة قیام المصالح و المفاسد بوجود متعلقات التکالیف و ان کانت هی بوجودها العلمی دواعی للتشریع، و بوجودها العینی غایات مترتبة علی المتعلقات ترتب المعلولات علی عللها التکوینیة، فإنّ الحکم تابع سعة و ضیقاً لدائرة الغرض الداعی إلی التشریع، فإذا ترتب الغرض علی الموجود الخارجی فالحکم أیضا مترتب علیه، لا بمعنی کون موضوع الحکم هو وجوده خارجاً، کیف؟ و هو ظرف سقوط الحکم لا ثبوته، بل بمعنی تعلق الحکم بإیجاد متعلّقه، و طرد عدمه المحمولی بوجوده کذلک.

نعم (1) لکنه إذا أخذ قصد الامتثال شرطاً، و أمّا إذا أخذ شطراً فلا محالة نفس الفعل الّذی تعلق الوجوب به مع هذا القصد یکون متعلقاً للوجوب، إذ (2) المرکّب لیس إلاّ نفس الأجزاء بالأسر، و یکون تعلُّقه (3) بکل (4) بعین تعلقه بالکل، و یصح أن یؤتی به (5) بداعی ذلک الوجوب (6)، ضرورة صحة الإتیان بأجزاء الواجب بداعی وجوبه (7). قلت: - مع امتناع -


(1). یعنی: أنّ عدم الانحلال إلی أمرین: أمر متعلق بالذات و أمر متعلق بالتقید إنّما هو فیما إذا أُخذ قصد القربة شرطاً، لأنّ انحلال المقیّد إلی ذات و قید یکون عقلیا، فالذات کالقید حینئذ جزءٌ تحلیلی عقلی لا تتصف بالوجوب الضمنی. و أمّا إذا أخذ قصد الامتثال جزءا، فلا محالة ینحل الأمر إلی أوامر عدیدة بتعدد الأجزاء، إذ لیس المرکّب إلاّ الأجزاء، فأمره ینحل بعدد أجزاء المرکّب إلی أوامر عدیدة، و المفروض أنّ ذات المقیّد کالصلاة جزء المأمور به، فتکون متعلقة للأمر الضمنی، فیتمکن العبد من الإتیان بها بداعی هذا الأمر الضمنی.

(2). تعلیل لتعلُّق الوجوب بالفعل الّذی تعلق به الوجوب مقیدا بقصد الامتثال کالصلاة.

(3). أی: الوجوب.

(4). أی: بکل جزء.

(5). أی: بنفس الفعل.

(6). أی: الوجوب المتعلق بالکل و هو الفعل المقید بامتثال أمره، لأنّ المأمور به هو هذا.

(7). أی: الواجب، فإنّ وجوبه یصحح الإتیان بأجزائه بداعی الوجوب المتعلق بالکل المنبسط علی الأجزاء.

اعتباره (1) کذلک (2)

«-»

فإنّه (3) یوجب تعلق الوجوب بأمر غیر اختیاری، فإنّ الفعل و ان کان بالإرادة اختیاریا، إلاّ أنّ إرادته حیث لا تکون بإرادة أخری و إلاّ لتسلسلت لیست باختیاریة کما لا یخفی - إنّما (4) یصح الإتیان بجزء -


(1). أی: قصد الامتثال.

(2). أی: جزءا.

(3). أی: اعتبار قصد القربة جزءا یوجب تعلق الوجوب بأمر غیر اختیاری، و حاصل ما أفاده فی دفع الإشکال وجهان:

الأوّل: ما أشار إلیه بقوله: «مع امتناع اعتباره... إلخ» و محصله:

أنّ دخل قصد القربة جزءا للمأمور به یوجب التکلیف بغیر المقدور.

توضیحه: أنّ قصد امتثال الأمر لیس إلاّ إرادة الفعل عن أمره بحیث یکون الداعی إلی الإرادة ذلک الأمر، و الإرادة لیست اختیاریة حتی یصح أن تقع فی حیِّز الأمر، إذ لو کانت اختیاریة لتوقفت علی إرادة أخری، إذ کل أمر اختیاری لا بد و أن تتعلق به الإرادة لیکون اختیاریا، فیلزم تسلسل الإرادات، فلا بد فی دفع هذا المحذور من جعل الإرادة غیر اختیاریة، و حینئذ یمتنع تعلُّق التکلیف بها عقلا، و علیه: فلا یمکن أن یکون قصد القربة دخیلا جزءا فی المتعلق، کدخل سائر الأجزاء فیه حتی ینحل الأمر بالمرکّب إلی الأمر بذات الفعل کالصلاة، و الأمر بجزئه الآخر و هو قصد الامتثال، و مع عدم الانحلال لا یتعلق أمر ضمنی بنفس الفعل حتی یؤتی به بقصد أمره کما مر.

(4). هذا مقول قوله: «قلت»، فهو المقصود الأصلی بالجواب عن الإشکال‏ (-). هذا یوهم إمکان أخذ القربة شرطا، مع أنّ القدرة شرط مطلقا، إذ لا فرق فی حکم العقل بقبح مطالبة العاجز بین الجزء و الشرط.

الواجب بداعی وجوبه فی ضمن إتیانه (1) بهذا الداعی (2)، و لا یکاد (3) یمکن الإتیان بالمرکب من قصد الامتثال بداعی امتثال أمره.

إن قلت: و ما قبله من ضمائمه.

و حاصله: أنّ داعویّة الأمر بالکل للأجزاء إنّما تصح فیما إذا لم یکن من أجزائه نفس الداعویة، کما إذا کان المتعلق للأمر ذات الرکوع و السجود و غیرهما من الأجزاء، فحینئذ تکون داعویة الأمر بالکل عین داعویة الأوامر الضمنیة المتعلقة بالأجزاء.

و أمّا إذا کان المتعلق مرکبا من أجزاء، و کان من جملتها الإتیان بداعی الأمر کالمقام، إذ المفروض أنّ المرکّب الّذی تعلق به الوجوب هو الأجزاء التی منها إتیانها بداعی أمرها، فیلزم أن یکون الأمر داعیا إلی داعویّة نفسه، و علة لعلیته، إذ المفروض وحدة الأمر، فإذا کانت دعوة هذا الأمر من أجزاء المرکب، و الأمر المتعلق بالکل یدعو إلی کل واحد من أجزائه التی منها هذه الدعوة (لزم) أن یکون أمر المرکب داعیا إلی داعویّة نفسه، فیلزم توقف الشی‏ء علی نفسه.


(1). هذا الضمیر و ضمیر «وجوبه» راجعان إلی الواجب.

(2). أی: بداعی وجوب الواجب و هو المرکب.

(3). و حاصله: إبداء الفرق بین المرکب الّذی یکون داعی امتثال الأمر من أجزائه کالمقام، و بین المرکب الّذی لا یکون کذلک، و قد عرفت تفصیل ذلک.

و بالجملة: فإشکال عدم قدرة المکلف علی إتیان متعلق الأمر بقصد امتثال أمره لم یندفع بشی‏ء من الوجوه المزبورة.

نعم (1) لکن هذا کله إذا کان اعتباره (2) فی المأمور به بأمر واحد (3)، و أمّا إذا کان بأمرین (4) تعلق أحدهما بذات الفعل و ثانیهما بإتیانه بداعی أمره فلا محذور أصلا (5) کما لا یخفی، فللآمر (6) أن یتوسّل بذلک (7) فی الوصلة إلی تمام غرضه و مقصده -


(1). غرضه: دفع إشکال عدم القدرة علی إتیان المأمور به بقصد امتثال أمره بوجه آخر و هو تعدُّد الأمر، حیث إنّه مع تعدده لا یلزم دور، و لا عدم القدرة علی الامتثال.

أمّا الأوّل، فلأنّ الأمر الأوّل المتعلق بذات الصلاة مثلا یصیر موضوعا للأمر الثانی المتعلق بما تعلق به الأمر الأوّل بداعی أمره.

و أمّا الثانی، فللقدرة علی إتیان الصلاة مثلا بداعی أمرها الأوّل بعد الأمر الثانی.

(2). أی: قصد الامتثال.

(3). یعنی: کما کان هو المفروض.

(4). کما عن شیخنا الأعظم الأنصاری (قده)، حیث إنّه جعل الأوامر العبادیة متعلقة بنفس الأجزاء و الشرائط، و استفاد اعتبار قصد القربة فیها بالإجماع و الآیات.

(5). یعنی: لا من ناحیة الدور، لما عرفت من أنّ الأمر بذات الصلاة موضوع للأمر الثانی المولوی المتعلق بإتیان الصلاة بداعی أمرها الأوّل، و لا من ناحیة القدرة علی الامتثال، بداهة التمکن منه علی هذا النحو.

(6). بصیغة اسم الفاعل.

(7). أی: تعدد الأمر.

بلا منعة (1). قلت: - مضافا (2) إلی القطع بأنّه لیس فی العبادات إلاّ أمر واحد کغیرها (3) من الواجبات و المستحبات، غایة الأمر (4) یدور مدار الامتثال وجودا و عدما فیها (5) المثوبات (6) و العقوبات، بخلاف ما عداها (7) ------------------------------ (1). هی کما عن الزمخشری فی المصباح مصدر، و المناسب أن یکون مبنیا للفاعل أی بلا مانع، و فی بعض النسخ - بلا تبعة - أی بلا محذور، و المعنی علی التقدیرین واضح.

(2). ما أفاده فی الجواب وجهان: أحدهما راجع إلی منع الصغری، و الآخر راجع إلی منع الکبری.

أمّا الأوّل - و هو ما أشار إلیه بقوله: «مضافا إلی القطع... إلخ» - فحاصله: منع تعدد الأمر فی العبادات مطلقا حتی الواجبات، بل هی کالتوصلیات فی وحدة الأمر، و الفرق بینهما إنّما هو فی دوران الثواب و العقاب فی العبادات مدار امتثال أمرها و عدمه، و دوران الثواب فقط فی التوصلیات مدار الامتثال، و أمّا العقاب فلا یترتب علی ترک الامتثال، بل فیها علی ترک الواجب، لإمکان سقوطه بإتیانه بغیر داع قربی، فإنّ الواجب یسقط حینئذ مع عدم الامتثال، و لا یترتب علیه عقاب أیضا، لتحقق الواجب المانع عن استحقاق العقاب کالتطهیر بالماء المغصوب، فإنّ الثوب أو البدن یطهر، و لا یترتب العقاب إلاّ علی الغصب.

(3). أی: غیر العبادات.

(4). إشارة إلی الفرق المزبور بین العبادات و التوصلیات

(5). أی: العبادات.

(6). فاعل - یدور -.

(7). أی: العبادات من التوصلیات مطلقا واجباتها و مستحباتها

فیدور فیه (1) خصوص المثوبات، و أمّا العقوبة فمترتبة علی ترک الطاعة و مطلق (2) الموافقة - إنّ (3) الأمر الأوّل إن کان یسقط بمجرد موافقته و لو لم یقصد به -


(1). أی: فیما عدا العبادات.

(2). معطوف علی - الطاعة - عطف العام علی الخاصّ، و الأولی إسقاط لفظ - الطاعة -، لعدم ترتب العقوبة علیها، إذ الطاعة هی الإتیان بمتعلق الأمر بداعی أمره و هی مدار استحقاق الثواب، و لیس ترکها مناط استحقاق العقوبة، بل مناطه هو ترک المتعلق رأسا، و عدم إتیانه و لو بداع غیر قربی، و لعل المراد من الطاعة فی التوصلیات مطلق الموافقة، فیصیر العطف تفسیریا، و أمّا الجواب الثانی الراجع إلی منع الکبری فسیتلی علیک فی الحاشیة الآتیة.

(3). هذا مقول قوله: «قلت» و هذا هو الوجه الثانی المقصود به أصالة فی الجواب عن الإشکال.

و حاصله: أنّ الأمر الأوّل لا یخلو من أحد أمرین:

أحدهما: حصول الغرض الداعی إلیه بمجرد إتیان متعلّقه بدون قصد الامتثال، و الآخر بقاء الغرض علی حاله و عدم حصوله بإتیان الفعل مجرّدا عن قصد الامتثال، فعلی الأوّل یسقط الأمر المتعلق بذات الفعل، و لا مجال للأمر الثانی، لعدم غرض موجب له، فیکون لغوا غیر صادر من الشارع الحکیم.

و علی الثانی یستقل العقل بإتیان المأمور به علی وجه یوجب القطع بحصول الغرض من الأمر، و هو إتیانه بداعی الأمر، و مع استقلال العقل بذلک لا حاجة أیضا إلی الأمر الثانی الشرعی المولوی بإتیانه علی هذا الوجه، لکفایة حکم العقل بذلک.

فالمتحصل: أنّه لا حاجة إلی الأمر الثانی علی کلا التقدیرین، بل علی التقدیر الثانی لا یمکن الأمر المولوی، لکون المقام من باب الإطاعة التی تکون

الامتثال کما هو (1) قضیة الأمر الثانی، فلا یبقی مجال لموافقة الثانی مع موافقة الأوّل بدون قصد امتثاله، فلا یتوسل الآمر إلی غرضه بهذه الحیلة و الوسیلة (2)، و إن (3) لم یکد یسقط بذلک (4) فلا یکاد یکون له (5)

«-»

وجه إلاّ عدم -من المستقلات العقلیة الواقعة فی سلسلة المعلولات التی یمتنع جعل الحکم المولوی فیها، بل لا محیص عن حمل ما یرد من الشارع فی هذا الباب علی الإرشاد إلی حکم العقل کما ثبت ذلک فی محله، فقصد القربة من القیود العقلیة التی یمتنع دخلها شرعا فی متعلق الأمر.


(1). قید للمنفی، یعنی: أنّ السقوط بقصد الامتثال مقتضی الأمر الثانی.

(2). أی: تعدُّد الأمر.

(3). معطوف علی قوله: «ان کان یسقط» یعنی: و ان لم یسقط الأمر.

(4). یعنی: بمجرّد الموافقة.

(5). أی: لعدم السقوط. (-). هذا لا یخلو من غموض، إذ لا مانع من ترتب غرض وجدانی علی کلا الأمرین بأن یکون الأمر الثانی أمرا ضمنیا کسائر أوامر الأجزاء، فذلک الغرض - لترتبه علی المجموع - لا یسقط بمجرد موافقة الأمر الأول، کما هو شأن الواجب الارتباطی، فإنّ سقوط أمر الجزء الأوّل مراعی بسقوط غیره من الأوامر الضمنیة المتعلقة بسائر الأجزاء. و توضیح ذلک یتوقف علی تقدیم أمور:

الأوّل: انّ المناط فی تعدد الأمر هو تعدد الأغراض الداعیة إلی التشریع لا تعدد الإنشاء، فإن کان الغرض واحدا و الإنشاء متعددا فالمجعول واحد حقیقة.

الثانی: أنّ متمِّم الجعل تارة یکون متمِّما لقصور شمول الخطاب الأوّلی کالمقام، فإنّ الأمر الأوّلی لا یشمل القربة المعتبرة فیه، لتأخرها عنه و أخری‏

حصول غرضه (1) -


(1). أی: الآمر مبنیا للفاعل.یکون متمِّما لقصور محرِّکیته کإیجاب الاحتیاط، فإنّ الخطاب الواقعی فی ظرف الشک فیه قاصر عن التحریک و البعث الفعلیین، و الاحتیاط متمِّم لقصور محرکیته فی حال الجهل به.

(و ثالثة) یکون متمما للملاک، کوجوب المقدمات المفوِّتة علی التفصیل الّذی یأتی فی محله إن شاء اللَّه تعالی.

الثالث: أنّ المبنی المنصور کما یأتی فی بحث المطلق و المقید إن شاء اللَّه تعالی هو کون التقابل بین الإطلاق و التقیید تقابل العدم و الملکة، کما یشهد بذلک جریان البراءة فی الأقل و الأکثر الارتباطیین بناء علی عدم حجیة الأصل المثبت، خلافا لما عن المشهور من ذهابهم إلی أنّ التقابل بینهما هو الإیجاب و السلب، و لما عن الشیخ من کونه هو التضاد. و علی الأوّل یمتنع الإطلاق بعین امتناع التقیید فلا إطلاق فی البین یصح التمسک به. و علی الثانی یصح التشبث بالإطلاق، لأنّ استحالة التقیید توجب تعین الإطلاق الّذی هو نقیض التقیید أو ضده، لاستحالة ارتفاع الضدین اللّذین لا ثالث لهما أو النقیضین.

الرابع: أنّ الأحکام العقلیة المستقلة علی قسمین:

أحدهما: ما یکون واقعا فی سلسلة علل الأحکام کقبح الظلم و الکذب، و حسن الإحسان، و ردّ الودیعة و نحو ذلک.

ثانیهما: ما یکون واقعا فی سلسلة المعلولات أی مترتّبا علی حکم الشارع ترتب الحکم علی موضوعه.

أمّا القسم الأوّل، فلا یمنع عن وقوع الحکم المولوی فی مورده، کحرمة

بذلک (1) من أمره، -


(1). أی: بمجرد الموافقة، و ضمیر - أمره - راجع إلی الآمر.الظلم و وجوب ردِّ الودیعة.

و أمّا القسم الثانی، فیمتنع وقوع الحکم المولوی فی مورده، لما قرّر فی محله، فإذا وقع فیه حکم فلا بد من حمله علی الإرشاد، کقوله تعالی: أطیعوا اللَّه و أطیعوا الرسول‏.

الخامس: أنّ جمیع ما یطرأ من العوارض و الحالات علی کل من موضوع الحکم و متعلّقه کالمکلف و الصلاة إمّا أن یکون فی عرضه و رتبته بحیث یمکن لحاظه مع الموضوع مع الغض عن حکمه، کلحاظ مالکیة التصرف فی المال الزکوی مع المکلف المالک للنصب الزکویة، أو مع المتعلق، کالاستقبال و الستر و الطهارة مثلا مع الصلاة. و إمّا أن یکون فی طوله کالعلم بالحکم بأن یقول الشارع مثلا:

«المکلف المسافر العالم بوجوب القصر یجب علیه القصر»، فالعلم بالحکم المتأخر عنه دخیل فی الموضوع، کدخل البلوغ و العقل و القدرة فیه، غایة الأمر أنّها من الشرائط العامة، و العلم من الشرائط الخاصة، هذا فی الموضوع.

و أمّا فی المتعلق فکقصد القربة فی الصلاة، فإنّه متأخر عن الصلاة، لترتبه علی الأمر المتأخر رتبة عن متعلقه، فلا یمکن لحاظه فی عرض الصلاة، کلحاظ الطهارة و الاستقبال و غیرهما من الشرائط، و لحاظ عدم کونها فی الحریر و الذهب و ما لا یؤکل من الموانع، فإنّ هذه الشرائط و الموانع ملحوظة عرضا مع الصلاة من دون ترتبها و توقفها علی الأمر بها، و هذا بخلاف قصد القربة و غیره مما یترتب علی الأمر و یترشّح منه، فإنّه یمتنع لحاظه مع الصلاة بدون أمرها. إذا عرفت انقسام الطوارئ بالنسبة إلی کلٍّ من الموضوع و المتعلق إلی القیود الأوّلیة

لاستحالة (1) سقوطه مع عدم -


(1). تعلیل لقوله: «فلا یکاد»، و قد عرفت آنفاً توضیحه.و الثانویة، فاعلم: أنّ إطلاق الخطاب مرجع فی الانقسامات الأوّلیة سواء کانت فی الموضوع بکلا قسمیه من المکلف و العین الخارجیة کالماء و الخل و نحوهما مما یتعلق به فعل المکلف أم المتعلق، و ذلک لإمکان لحاظها فی عرض الموضوع مطلقاً و المتعلق، و کلّما کان کذلک یصح الإطلاق فیها، فإذا شُک فی دخل شی‏ءٍ فی موضوع الحکم کالرجوع إلی الکفایة مثلا فی موضوع وجوب الحج و لم تنهض حجة علی اعتباره یرجع فیه إلی إطلاق الخطاب القاضی بإطلاق الموضوع، و عدم تقیُّده بالرجوع إلی الکفایة، و کذا إذا شک فی دخل شی‏ءٍ فی متعلق الحکم کالشک فی اعتبار الاستعاذة أو غمض العین مثلا فی الصلاة، فإنّه لا ینبغی الارتیاب فی جواز الرجوع فیهما إلی إطلاق الخطاب أیضا، لإمکان لحاظ هذین المشکوکین فی عرض لحاظ الصلاة.

و بالجملة: فإطلاق الخطاب محکّم فی الانقسامات الأوّلیة مطلقاً سواء کانت فی الموضوع أم المتعلق.

و أمّا الانقسامات الثانویة المترتبة علی الحکم المأخوذة فی الموضوع کالعلم بالحکم، فیمتنع التقیید بها فی جمیع المراتب الثلاث: الإنشاء و الفعلیة و الامتثال.

أمّا امتناع التقیید فی مرحلة الإنشاء، فلاستلزامه تعلُّق لحاظ واحد بشی‏ءٍ فارد یکون علة و معلولا.

توضیحه: أنّ نسبة الموضوع إلی الحکم نسبة العلة إلی المعلول، فالحکم متوقف علی موضوعه توقف المعلول علی علته، فلا یوجد الحکم قبل وجود موضوعه، ففی مقام الجعل و الإنشاء لا بدّ من تصوُّر الموضوع أوّلاً، ثم الحکم علیه‏

حصوله (1)، -


(1). أی: الغرض، و ضمیر - سقوطه - راجع إلی الأمر.ثانیاً، و لیس العلم بالحکم کذلک، لأنّ مقتضی موضوعیته هو توقف الحکم علیه تصوراً و وجوداً، و المفروض توقف العلم علی الحکم أیضا، لتقدم المعلوم علی العلم، فیستحیل دخل العلم بالحکم فی موضوع نفس هذا الحکم، لمحذور الدور، لتوقف الحکم علی العلم به، لأنّه موضوعه، و توقف العلم علیه، لتقدم المعلوم علی العلم، فتصور العلم بالحکم موضوعاً لنفس هذا الحکم ممتنع، لامتناع وجوده فی الخارج قبل الحکم، و من المعلوم: تقدُّم کل موضوع علی حکمه، فإنشاءُ الحکم مقیّداً بالعلم به مستحیل، حیث إنّ المتصوَّر فی مقام الإنشاء لا بدّ و أن ینطبق علی ما فی الخارج، و قد عرفت عدم انطباقه علیه، إذ لا یوجد العلم بالحکم قبل الحکم حتی یکون کالبلوغ و العقل و القدرة من الشرائط العامة، و الاستطاعة و مالکیة النصاب و نحوهما من الشرائط الخاصة، و إذا امتنع التقیید امتنع الإطلاق أیضا بناءً علی کون التقابل بینهما تقابل العدم و الملکة کما أشرنا إلیه آنفاً.

و أمّا امتناع التقیید فی مرحلة الفعلیة، فقد ظهر وجهه مما تقدم من استلزامه تقدُّم الشی‏ء علی نفسه، و کونه موجوداً و معدوماً فی آنٍ واحد، لأنّ مقتضی موضوعیة العلم تقدُّمه علی الحکم، فیکون موجوداً قبل الحکم، و مقتضی تقدم المعلوم علی العلم تأخُّره عن الحکم، إذ لا بدّ من وجوده حتی یعلم به المکلف، و لیس هذا إلاّ اجتماع النقیضین المستحیل، فملاک استحالة الدور - و هو اجتماع النقیضین - موجود هنا.

و أمّا امتناع التقیید فی مرحلة الامتثال، فوجهه: أنّه یعتبر فی الامتثال إحراز الحکم علی النحو المترتب علی موضوعه، و إحرازه کذلک هنا غیر ممکن،

و إلاّ (1) لما کان موجباً لحدوثه، و علیه فلا حاجة فی الوصول إلی غرضه إلی -


(1). أی: و إن لم یکن سقوط الأمر بدون حصول الغرض مستحیلا لما کان الغرض موجباً لحدوث الأمر، إذ علّیته للحدوث تقتضی علّیته للبقاء أیضا. لأنّ العالم بالحکم عالم بالحکم السابق علی هذا العلم، و لیس عالماً بالحکم المترتب علی العلم الّذی یکون موضوعاً له و متقدماً علیه کتقدم کل موضوع علی حکمه، هذا إذا کان عالماً بالحکم، و أمّا إذا کان جاهلاً به فلا حکم حتی یحتاج إلی الامتثال، بل لا حاجة فی نفیه إلی البراءة، للقطع بعدمه الناشئ عن عدم موضوعه و هو العلم کما لا یخفی.

فالمتحصل مما ذکرنا: استحالة التقیید اللحاظی بالعلم، و امتناع الإطلاق أیضا، فالخطاب بالنسبة إلیه مهمل، فلا إطلاق فی البین یتمسک به فی نفی اعتبار قیدیّة العلم، هذا.

و أمّا الانقسامات الثانویة للمتعلق کقصد امتثال الأمر، فیمتنع فیها التقیید أیضا فی المراحل الثلاث، للزوم الدور، إذ المفروض وحدة الأمر، فقصده بناءً علی کونه من شرائط المتعلق یکون کالشرب الّذی هو فعل المکلف و متأخر عن موضوعه و هو الماء مثلا، فلا بد من وجود الأمر أوّلاً حتی یتعلق به الفعل و هو قصده، إذ الأمر حینئذٍ موضوع للقصد کموضوعیة الماء للشرب، و المؤمن لحرمة الغیبة، و الوالدین لحرمة الإیذاء، و غیر ذلک من الموضوعات التی تتعلق بها الأفعال المتعلقة للأحکام الشرعیة، فإنّ الموضوع بکلا معنییه من المکلف و المفعول به - المصطلح علیه بمتعلق المتعلق - کالماء و الخل و الخمر و نحوها مما یتعلق به فعل المکلف متقدم علی الحکم، و فی المقام یکون الأمر کالماء، و قصد امتثاله کالشرب المتعلق بالماء، فلا بد من تقدُّم الأمر علی قصده، فلو توقف الأمر علی قصده، لکونه‏

من شرائط المتعلق الّذی یکون متقدماً علی الحکم لزم الدور.

و بالجملة: یکون الموضوع کالمکلف، و متعلق المتعلق کالماء و الفعل کالشرب و الأکل و الإحسان و الإیذاء و غیرها من الأفعال متقدماً علی الحکم، فإذا ترتب أحد هذه الأُمور علی الحکم لزم الدور، فلا فرق فی الاستحالة بین المراتب الثلاث من الإنشاء و الفعلیة و الامتثال. و مجرد تصوُّر الأمر قبل وجوده، ثم الأمر بقصد ذلک الأمر المتصور لا یجدی فی دفع غائلة الدور، لأنّ المتصوّر لا بد و أن یکون قابل الانطباق علی ما فی الخارج، و إلاّ کان ذلک من قبیل أنیاب الأغوال، و من المعلوم: أنّ قصد امتثال الأمر مترتب علی الأمر الوحدانیّ الشخصی المتعلق بالعبادة، لا طبیعة الأمر المتصورة عند الآمر، فلا یندفع محذور الدور. ثم إنّ هنا قسماً آخر للانقسامات الثانویة للمتعلق، و هو التقیید بالإطاعة و العصیان أی الفعل و الترک، أو للموضوع أعنی المکلف، لانقسامه إلی المطیع و العاصی، و علیه:

فالانقسامات تکون علی أقسام ثلاثة:

أحدها، ما لا یمکن فیه التقیید مطلقاً و لو نتیجة کالإطاعة و العصیان، و ذلک للزوم طلب الحاصل إن کان الوجوب مقیّداً بوجود متعلّقه خارجاً، و اجتماع النقیضین إن کان مقیّداً بعدمه، إذ مرجعه إلی مطلوبیّة وجود المتعلق مقیداً بالترک، و یمتنع الإطلاق بعین امتناع التقیید، لِما أشرنا إلیه من کون التقابل بینهما تقابل العدم و الملکة.

ثانیها: ما یمکن فیه کل من الإطلاق و التقیید اللحاظیین کالانقسامات الأوّلیة بالنسبة إلی الموضوعات بکلا قسمیها و هما المکلف، و ما یتعلق به الفعل‏

و الترک کالماء و الحنطة و غیرهما مما یکون للمتعلق موضوع خارجی، و بالنسبة إلی المتعلقات کالصلاة و الحج و غیرهما من الأفعال.

ثالثها: ما لا یمکن فیه الإطلاق و التقیید اللحاظیان فقط مع إمکان نتیجتهما کقصد الأمر، فإنّه یمتنع إطلاق الخطاب و تقییده لحاظاً بالنسبة إلیه، لما مرّ من لزوم محذور الدور، و لکن الملاک إمّا یکون عاماً، و إمّا یکون مختصاً بحال قصد الأمر، فلحاظ الإطلاق و التقیید ممتنع، و أمّا نتیجتهما نظراً إلی الملاک فلا مانع منها، و علیه فیمکن دخل قصد الأمر فی المتعلق بالأمر الثانی، لاختصاص وجه الاستحالة بالأمر الأوّل. إذا عرفت هذه الأمور فاعلم: أنّ قصد القربة مما یمکن دخله فی المتعلق بأمر آخر، لا بالأمر الأوّل، فالخطاب الأوّل مهمل بالنسبة إلی قصد القربة، فلا یمکن التشبث به لنفیه، لما عرفت من امتناع الإطلاق بعین امتناع التقیید، فلحاظ کل من الإطلاق و التقیید بالنسبة إلی الخطاب ممتنع، لکن نتیجتهما غیر ممتنعة، و لذا یصح التمسک بالإطلاق المقامی لنفی اعتباره، و لیس قصد القربة کالإطاعة و العصیان، و لا کالعلم و الجهل و إن کان مشارکا لهما فی کونه من الانقسامات الثانویة، و لکنه یفترق عنهما فی أنّه یمتنع التقیید بالإطاعة و العصیان خطابا و ملاکا، لما مر آنفا، و فی أنّ العلم و الجهل یمتنع دخلهما فی موضوع الخطاب دون ملاکه، فیمتنع تقیید الحکم بالعلم به، و کذا إطلاقه، فما فی بعض الکلمات من الاستدلال بإطلاق الروایات علی اشتراک الأحکام بین العالمین و الجاهلین لا یخلو من غموض، إلاّ أن یراد بذلک الإطلاق المقامی و إن کان فیه إشکال أیضا، لأنّه فرع إمکان بیان القید و هو ممتنع، لإناطة صحة

إنشاء الحکم بتمامیة موضوعه، و إلاّ یلزم الخلف و المناقضة، فالإنشاء کاشف عن تمامیة الموضوع، فإذا أنشأ الحکم قبل العلم به کشف ذلک عن عدم دخل العلم فی موضوعه، و لا یمکن إنشاؤه مع العلم به بأن یقال: «المکلف المسافر العالم بوجوب القصر یجب علیه القصر»، حیث إنّ هذا الإنشاء لغو، لأنّ العلم یقتضی إنشاء الحکم قبله حتی یعلم أو یجهل، فلا یصح جعل العلم دخیلا فی الموضوع و لو بخطابات عدیدة. نعم بناء علی تعدُّد مراتب الحکم کما علیه المصنف (قده) یمکن أن یقال:

إنّ العلم بالحکم دخیل فی فعلیته لا فی إنشائه، فتدبّر. و هذا بخلاف قصد القربة، لأنّ متعلق الأمر الأوّل هو ما عدا قصد القربة من الأجزاء، و متعلق الأمر الثانی هو الأجزاء بقصد القربة، و لمّا کان المناط فی تعدد الحکم و وحدته تعدد الملاک لا تعدد الإنشاء کما عرفت آنفا کان الأمر الثانی أمرا ضمنیا متعلّقا بقصد القربة.

و بالجملة: فقصد القربة مما یمکن اعتباره بالأمر الثانی الّذی یکون إرشادا إلی شرطیة قصد القربة فی العبادة، فالغرض القائم بمجموع الأجزاء و الشرائط واحد، غایة الأمر أنّه لا یمکن بیان الکل بأمر واحد، فافترقت القربة عن سائر الأجزاء و الشرائط لذلک.

و قد ظهر مما ذکرنا: أنّ قصد القربة مما یمکن دخله فی العبادة شرعا، فمع الشک فی اعتباره یصح التمسک بالإطلاق المقامی إذا کان المتکلم فی مقام البیان، و إلاّ فالمرجع أصالة الاشتغال أو البراءة علی الخلاف لکونه من صغریات الأقل و الأکثر الارتباطیین، لا من صغریات الشک فی المحصِّل بأن یقال: «إنّ عدم‏

السقوط بالأمر الأوّل لا بدّ و أن یکون لعدم حصول الغرض، و یستقل العقل حینئذ بإتیانه ثانیا علی وجه قربی، و مع هذا الحکم العقلی لا حاجة إلی الأمر الثانی، فلا یندرج المقام فی الشک فی متعلق الخطاب لیکون من صغریات الأقل و الأکثر، بل یندرج فی الشک فی المحصِّل الّذی هو مجری قاعدة الاشتغال»، و ذلک لابتنائه علی کون المأمور به هو الغرض حتی یکون الشک فی حصوله مندرجا فی الشک فی المحصل، و هذا خلاف ظاهر الخطاب، لظهوره فی أنّ المأمور به هو نفس الأفعال، لا الغرض الداعی إلی التشریع، بل یمتنع أن یکون الغرض متعلقا للتکلیف، لعدم إمکان إلقائه إلی المکلّف، حیث إنّ الفعل لیس علة تامة له حتی یکون الغرض مسببا تولیدیا، مضافا إلی عدم تسلیم مرجعیة قاعدة الاشتغال فی جمیع المحصِّلات، إذ المسلّم من ذلک هو ما عدا المحصِّل الشرعی، و أما هو فیمکن الالتزام بجریان البراءة فیه، لاجتماع أرکانها.

فتلخص من جمیع ما ذکرناه أمور:

الأوّل: أنّ قصد القربة مما یمکن دخله شرعا فی العبادة بالأمر الثانی، و أنّ الغرض القائم به و بغیره من الأجزاء و الشرائط یکون کغیره من الأغراض المترتبة علی المرکبات الارتباطیة، فبدونه لا مصلحة لسائر الأجزاء و الشرائط و هو قوام العبادة، و لذا لا تجری فیه قاعدة المیسور.

الثانی: أنّ قصد القربة کسائر الشرائط فی أنّ الشک فی اعتباره یکون من قبیل الشک فی متعلّق الأمر و إن لم یکن منه حقیقة، لاستحالة دخل قصد امتثال الأمر الأوّلی فی متعلّقه و لو بألف خطاب، للزوم الدور المتقدم، لا من‏

وسیلة تعدد الأمر، لاستقلال (1) العقل مع عدم حصول غرض الآمر بمجرد (2) موافقة الأمر بوجوب (3) الموافقة علی نحو (4) یحصل به غرضه، فیسقط أمره (5)، هذا (6) کله إذا کان التقرب المعتبر فی العبادة بمعنی قصد الامتثال. -


(1). تعلیل لکون الأمر الثانی لغوا و غیر محتاج إلیه، و قد عرفت توضیحه.

(2). متعلق بقوله: «حصول».

(3). متعلق ب: - استقلال -.

(4). متعلق ب: - الموافقة -.

(5). مرجع هذا الضمیر و ضمیر - غرضه - هو الأمر، و ضمیر - به - یرجع إلی - نحو -.

(6). أی: ما ذکرناه من استحالة أخذ القربة فی متعلق الأمر إنّما یکون فیما إذا أرید بالتقرب قصد الامتثال، و أمّا إذا أرید به معنی آخر فسیأتی الکلام فیه.الشک فی الامتثال الّذی یحکم فیه العقل بالاشتغال.

الثالث: أنّ الأمر الثانی المتکفل لاعتبار قصد القربة یکون بیانا لدخل القربة فی الغرض، إذ لا یمکن للمولی التوصل إلی غرضه إلاّ بتعدُّد الأمر، و حیث إنّ الغرض واحد، فالأمر الثانی یکون إرشادا إلی الشرطیة لا الوجوب النفسیّ.

الرابع: أنّ الخطاب مهمل، لامتناع إطلاقه بالنسبة إلی القیود المتأخرة عنه. نعم لا بأس بالتمسک بالإطلاق المقامی مع تحقق شرائطه، و إلاّ فالمرجع أصالة البراءة أو الاشتغال علی الخلاف فیما هو المرجع فی الأقل و الأکثر الارتباطیین.

الخامس: أنّ المقام أجنبی عن باب المحصِّل الّذی یرجع فیه إلی قاعدة الاشتغال، لما عرفت آنفا، و حکم العقل فی کیفیة الإطاعة معلّق علی عدم بیان من الشارع فی ذلک، نعم حکمه بحسن أصلها منجز کما لا یخفی.

و أمّا (1) إذا کان بمعنی الإتیان بالفعل بداعی حسنه أو کونه ذا مصلحة أو له تعالی، فاعتباره (2) فی متعلق الأمر و ان کان بمکان من الإمکان

«-»

إلاّ أنّه غیر -


(1). معطوف علی قوله: «ان کان بمعنی قصد الامتثال» فی صدر المقدمة الثانیة، و حاصله: أنّ القربة إذا کانت بمعنی حسن الفعل، أو کونه ذا مصلحة أو محبوبا للمولی، أو خوفا من النار، أو طمعا فی الجنة، أو لکونه تعالی شأنه أهلا للعبادة، أو غیر ذلک مما یوجب القرب إلیه جل و علا أمکن أخذها فی المأمور به من دون لزوم الدور المذکور فی قصد القربة بمعنی امتثال الأمر، لعدم توقف ما عدا قصد الامتثال من الدواعی القربیة علی الأمر، فمحذور الدور مختص بالقربة بمعنی امتثال الأمر، و لکن لیس ذلک معتبرا فیه قطعا، لأنّ جواز الاقتصار علی الإتیان بداعی الأمر یکشف عن تعلق الأمر بنفس الفعل، و عدم دخل تلک الدواعی فی الغرض فضلا عن دخلها فی المأمور به، و إلاّ لم یمکن الإتیان بداعی الأمر المتعلق بذات الشی‏ء.

(2). أی: التقرب، فیکون التقرب حینئذ من الانقسامات الأوّلیة التی یرجع فیها إلی إطلاق الخطاب. (-). بل ممتنع أیضا، لأنّ داعی المصلحة أو الحسن مثلا إذا کان مقوِّما للمصلحة أو الحسن لزم خلوُّ الفعل عنهما، فکیف یمکن الإتیان به بهذا الداعی؟ فلا فرق فی الامتناع بین قصد امتثال الأمر و بین سائر الدواعی. إلاّ أن یقال:

إنّ هذا الإشکال مندفع بعدم خلوِّ الفعل عن المصلحة و الحسن و غیرهما، لأنّه إنّما یلزم بناء علی کون قصد المصلحة و نحوها جزءا، لکونه حینئذ بعض ما تقوم به المصلحة، و أمّا بناء علی الشرطیة - کما هو المفروض - فلا یلزم ذلک أصلا، لقیام المصلحة بالأجزاء، و الشرط إنّما یکون دخیلا فی فعلیة المصلحة، و علیه فلا مانع من إتیان الفعل بداعی ما فیه من المصلحة أو الحسن أو غیرهما.

معتبر فیه (1) قطعا، لکفایة (2) الاقتصار علی قصد الامتثال الّذی عرفت عدم إمکان أخذه فیه (3) بدیهة (4)، تأمّل فیما ذکرناه فی المقام تعرف حقیقة المرام، کیلا تقع فیما وقع فیه من الاشتباه بعض الأعلام (5).

ثالثتها (6):

أنّه إذا عرفت بما لا مزید علیه عدم إمکان أخذ قصد -


(1). أی: متعلق الأمر.

(2). تعلیل لعدم الاعتبار، و الوجه فیه: أنّ اعتبار أحد تلک الدواعی یستلزم اجتماع داعیین علی فعل واحد إذا أتی به بداعی الأمر، أو صیرورة داعی الأمر من قبیل داعی الداعی، و هو خلف، إذ المفروض کفایة إتیان المتعلق بداعی الأمر بنفسه بلا إشکال.

(3). أی: أخذ قصد الامتثال فی متعلق الأمر مطلقا و لو مع تعدد الأمر.

(4). إشارة إلی محذور الدور المزبور.

(5). حیث ذهب بعضهم إلی إمکان أخذ قصد امتثال الأمر فی المتعلق مع تعدد الأمر کما مر، و بعض آخر إلی إمکانه من دون حاجة إلی تعدد الأمر، بدعوی:

عدم لزوم الدور بالبیان الّذی عرفته عند شرح قول المصنف (قده): «و توهم إمکان تعلق الأمر بفعل الصلاة بداعی الأمر... إلخ»، و ثالثٌ إلی جعل القربة عبارة عن قصد حسن الفعل، أو مصلحته، أو غیرهما مما یمکن دخله فی متعلق الأمر، لکونه من الانقسامات الأولیة.

(6). الغرض من تمهید هذه المقدمة: بیان امتناع التمسک بإطلاق الصیغة لإثبات التوصلیة، و عدم اعتبار نیة القربة بمعنی قصد امتثال الأمر فی المتعلق.

و محصل تقریب امتناع التمسک بذلک هو: أنّ قصد امتثال الأمر علی ما تقدم یمتنع تقیید المتعلق به لمحذور الدور، و امتناع التقیید یوجب امتناع الإطلاق،

الامتثال فی المأمور به أصلا (1)، فلا مجال للاستدلال بإطلاقه (2) و لو کان مسوقاً فی مقام البیان (3) علی (4) عدم اعتباره کما هو أوضح من أن یخفی، فلا یکاد یصح التمسک به (5) إلاّ فیما (6) یمکن اعتباره فیه، فانقدح بذلک (7) -لما مرّ من کون التقابل بینهما تقابل العدم و الملکة، فیعتبر فی التمسک بالإطلاق شأنیّة التقیید، فإذا امتنع التقیید امتنع الإطلاق أیضا کما لا یخفی.


(1). یعنی: لا شطراً و لا شرطاً، لا بوحدة الأمر و لا تعدده.

(2). أی: إطلاق الأمر، و هذا هو الإطلاق اللفظی فی قبال الإطلاق المقامی الآتی.

(3). هذا من شرائط التمسک بالإطلاق فی مقابل الإهمال و الإجمال.

(4). متعلق بالاستدلال، یعنی: لا مجال للاستدلال علی عدم اعتبار قصد امتثال الأمر بإطلاق الأمر و إن کان إطلاقه مسوقاً فی مقام بیان ما یعتبر فی متعلقه.

و وجه عدم المجال: ما عرفت من امتناع الإطلاق بالنسبة إلی مثل قصد الامتثال من القیود المتأخرة عن الأمر.

(5). أی: إطلاق الأمر.

(6). أی: القیود التی یمکن اعتبارها فی المأمور به.

(7). أی: عدم کون قصد القربة من الأُمور المعتبرة فی نفس المأمور به و کونه من کیفیات الإطاعة، و أنّ انقسام المتعلق إلی التعبدی و التوصلی من الانقسامات الثانویة المترتبة علی الأمر المتأخرة عن ذات المأمور به، و علی هذا فلا مجال للتمسک بإطلاق المادة لإثبات التوصلیة، خلافاً لشیخنا الأنصاری (قده) علی ما فی تقریرات بحثه الشریف، قال المقرر: «فالحق الحقیق بالتصدیق هو: أنّ ظاهر الأمر یقتضی التوصلیة، إذ لیس المستفاد من الأمر إلاّ تعلُّق الطلب الّذی‏

أنّه لا وجه لاستظهار التوصلیة من إطلاق الصیغة بمادتها (1)، و لا لاستظهار عدم اعتبار مثل الوجه مما (2) هو ناشئ من قبل الأمر من (3) إطلاق المادة فی العبادة لو شک فی اعتباره فیهإ؛لل للَّه‏للَّه؛ (4)، نعم (5) إذا کان الآمر فی مقام بصدد بیان هو مدلول الهیئة للفعل علی ما هو مدلول المادة، و بعد إیجاد المکلف نفس الفعل فی الخارج لا مناص من سقوط الطلب، لامتناع طلب الحاصل» انتهی، فقول المصنف (قده): «لا وجه لاستظهار التوصلیة... إلخ» تعریض بالشیخ (ره).

لکن لا یخفی أنّ الکلام الّذی نقلناه عن التقریرات إنّما هو بعد بیان امتناع الإطلاق، فالإشکال علیه بإنکار الإطلاق لامتناعه لا یخلو من الغموض، فلعلّ مراده الإطلاق المقامی الناشئ عن عدم التقیید مع کون المتکلم فی مقام البیان، فتدبّر.


(1). لما عرفت من کون التعبدیة من الانقسامات الثانویة المترتبة علی المادة کالصلاة و نحوها، فلحاظ کل من إطلاق المادة و تقییدها ممتنع.

(2). بیان للمثل، و حاصله: منع إطلاق المادة بالنسبة إلی الوجه و غیره مما یترتب علی الأمر و یتولّد منه، لکونه من الانقسامات الثانویة بالنسبة إلی المادة.

(3). متعلق بقوله: «لاستظهار».

(4). الضمیر راجع إلی العبادة، و ضمیر «اعتباره» راجع إلی - مثل الوجه -.

(5). هذا إشارة إلی الإطلاق المقامی، و تقریبه: أنّه إذا کان الآمر بصدد بیان ما له دخل فی حصول غرضه الداعی إلی الأمر و إن لم یکن دخیلاً فی متعلق الأمر، لامتناع دخله فیه کقصد القربة و نحوه مما یترتب علی الأمر، و یمتنع دخله فی المتعلق، و بیّن أموراً و سکت عن غیرها کان ذلک السکوت بیاناً لعدم دخل کل ما یحتمل دخله فی الغرض سواء أمکن اعتباره فی المتعلق أم لا، إذ لو لم یکن کذلک لزم نقض الغرض، و هو ممتنع علی الحکیم، فهذا الإطلاق المقامی‏

تمام ما له دخل فی حصول غرضه، و إن لم یکن له دخل فی متعلق أمره، و معه (1) سکت فی المقام و لم ینصب دلالة علی دخل قصد الامتثال فی حصوله (2) کان هذا (3) قرینة علی عدم دخله فی غرضه (4)، و إلاّ (5) لکان سکوته نقضاً له، و خلاف الحکمة، فلا بد عند الشک و عدم إحراز هذا المقام (6) من الرجوع إلی الّذی قد یعبر عنه بالإطلاق الحالی فی مقابل الإطلاق اللفظی المعبر عنه بالإطلاق المقالی أیضا مرکب من مقدمتین:

الأُولی: کون المتکلم فی مقام بیان تمام ما له دخل فی غرضه و إن لم یکن دخیلا فی متعلق الأمر، بخلاف الإطلاق اللفظی، فإنّ المعتبر فیه هو کون المتکلم بصدد بیان تمام ما له دخل شطراً أو شرطاً فی المتعلق، و بهذا یمتاز الإطلاق المقامی عن المقالی.

الثانیة: عدم البیان، و یمکن إحراز هاتین المقدمتین بالأصل العقلائی.

ثم إنّ الإطلاق المقامی کاللفظی فی الدلیلیّة و الکشف عن الواقع.


(1). أی: و مع کونه بصدد بیان تمام ما له دخل فی غرضه، و هذا إشارة إلی المقدمة الأُولی.

(2). أی: الغرض.

(3). أی: السکوت، و هذا إشارة إلی المقدمة الثانیة.

(4). أی: غرض الآمر، و ضمیر - دخله - راجع إلی قصد الامتثال.

(5). أی: و ان لم یکن سکوته فی مقام البیان قرینة علی عدم الدخل لکان هذا نقضاً للغرض و خلاف الحکمة.

(6). أی: کون المتکلم بصدد بیان تمام ما له دخل فی غرضه، و حاصله: أنّه مع عدم الإطلاق المقامی لا بد من الرجوع إلی ما یقتضیه الأصل العملی، إذ

ما یقتضیه الأصل و یستقل به العقل

فاعلم: أنّه لا مجال هاهنا (1) إلاّ لأصالة الاشتغال و لو قیل بأصالة البراءة فیما إذا دار الأمر بین الأقل و الأکثر الارتباطیین، و ذلک (2) لأنّ الشک هاهنا فی الخروج عن عهدة التکلیف المعلوم مع استقلال العقل بلزوم الخروج عنها (3)، فلا یکون العقاب مع الشک و عدم إحراز الخروج عقاباً بلا بیان، و المؤاخذة (4) -المفروض فقدان الدلیل الاجتهادی من الإطلاق المقالی و المقامی، و الأصل الّذی یرجع إلیه فی الشک فی التعبدیة هو الاشتغال العقلی، لأنّ الشک فیها یرجع إلی الشک فی سقوط الأمر و امتثاله، لا إلی الشک فی ثبوته حتی یرجع فیه إلی أصالة البراءة، لما تقدم من عدم إمکان دخل قصد الامتثال جزءاً أو شرطاً فی المأمور به، فلیس الشک فیه شکاً فی جزء المأمور به أو شرطه حتی یندرج فی الأقل و الأکثر الارتباطیین، و یرجع فیه إلی الاشتغال أو البراءة علی الخلاف، بل قصد الامتثال یکون من کیفیات الإطاعة، و لیس ممّا تناله ید الجعل الشرعی لیکون الشک فیه مجری لأصالة البراءة، فلا محیص عن الالتزام بجریان قاعدة الاشتغال هنا و ان قلنا بجریان البراءة فی الأقل و الأکثر الارتباطیین، لوجود شرط جریان أصالة البراءة هناک، و عدمه هنا کما عرفت.


(1). أی: فی اعتبار قصد الامتثال.

(2). هذا تقریب الفرق بین المقام و بین الأقل و الأکثر، و قد عرفت توضیحه.

(3). أی: عهدة التکلیف، و وجه حکم العقل بلزوم الخروج هو کون الشک فی الفراغ عن التکلیف المعلوم، و من البدیهی: أنّ الاشتغال الیقینی یستدعی الفراغ القطعی.

(4). معطوف علی - العقاب -، یعنی: و لا تکون المؤاخذة علی عدم إحراز

علیه بلا برهان، ضرورة (1) أنّه بالعلم بالتکلیف تصح المؤاخذة علی المخالفة و عدم الخروج عن العهدة لو (2) اتفق عدم الخروج عنها بمجرد الموافقة بلا قصد -الخروج عن عهدة التکلیف المعلوم بلا برهان، ضرورة أنّ المصحح للمؤاخذة و هو العلم بالتکلیف موجود هنا، فما لم یعلم بالخروج عن العهدة لا یخرج عن الخطر العقابی و لو کان عدم الخروج لأجل الإخلال بقصد القربة، إذ المفروض توقف حصول الغرض علیه

«-»

.


(1). تعلیل لعدم کون المؤاخذة بلا برهان، و قد مر توضیحه بقولنا:

«ضرورة أن المصحح... إلخ».

(2). الظاهر سقوط - الواو - قبل - لو - یعنی: لا إشکال فی صحة المؤاخذة علی المخالفة، و عدم الخروج عن العهدة بمجرد العلم بالتکلیف و لو کان عدم‏ (-). قد تقدم فی التعلیقة أنّ مراعاة الغرض مبنیة علی تعلُّق التکلیف به، و قد عرفت خروجه عن حیِّزه و عدم تعلُّقه به، و لو بنی علی لزوم مراعاته لَزِم انسداد باب البراءة فی الارتباطیات، لأنّ العلم بحصول الغرض منوط بالإتیان بالأکثر، و لا فرق فی لزوم رعایته بین المقام و بین المرکبات الارتباطیة أصلا، و لذا التزم المصنف (قده) هناک بوجوب الاحتیاط عقلا، فلا ینبغی التفکیک بین المقام و بین الأقل و الأکثر کما عن جماعة بجریان البراءة العقلیة هناک، و الاشتغال العقلی هنا، مع أنّ قضیة لزوم مراعاة الغرض هی وجوب الاحتیاط العقلی فی کلا البابین، و الفرق بینهما باحتمال انطباق الجزء أو الشرط علی ما یحتمل دخله فی الغرض فی مسألة الأقل و الأکثر الارتباطیین، و عدم احتمال الانطباق علی ما یحتمل دخله فی الغرض فی مسألة قصد القربة لیس بفارق فی وجوب الاحتیاط عقلا، و إنّما یکون فارقاً فی البراءة الشرعیة کما لا یخفی.

القربة، و هکذا الحال (1) فی کل ما شک فی دخله فی الطاعة و الخروج به عن العهدة مما لا یمکن اعتباره (2) فی المأمور به کالوجه و التمییز. نعم (3) یمکن أن -الخروج لأجل الإخلال بقصد القربة فقط مع الإتیان بذات متعلق الأمر، هذا.

(و دعوی) عدم الحاجة إلی الواو ببیان: أنّ مراد الماتن (قده) هو: أنّه تصح المؤاخذة لو اتفق فی عالم الواقع أنّ قصد الامتثال کان دخیلا فی غرض المولی و لم یأت المکلّف به مع کونه شاکاً فی اعتباره... إلخ (بعیدة جداً)، إذ الظاهر أنّ مراد المصنف کفایة العلم بالتکلیف فی صحة المؤاخذة علی المخالفة و إن استندت إلی فردها الخفی و هو الإخلال بما یشک فی اعتباره فی الغرض، فتدبّر.


(1). یعنی: لا یختص ما ذکرناه من کون الأصل فی الشک فی التعبدیة هو الاشتغال لا البراءة بقصد القربة، بل یجری فی کل ما لا یمکن دخله فی متعلق الأمر لا شطراً و لا شرطاً، لترتبه علی الأمر و ترشحه منه کقصد الوجه و التمییز.

(2). لتأخُّره عن الأمر و تولُّده منه، فیمتنع دخله فیما هو قبل الأمر.

(3). هذا استدراک من کون الأصل فی جمیع القیود الناشئة عن الأمر هو الاحتیاط، و حاصله: التفصیل بین تلک القیود فی وجوب الاحتیاط، بأن یقال:

إنّ ما یحتمل دخله فی الإطاعة إن کان مما یغفل عنه العامة فلا محیص عن بیانه، إذ لیس هنا ارتکاز یعتمد علیه الشارع فی مقام البیان، فالسکوت حینئذٍ یوجب فوات الغرض، و هو قبیح علی العاقل فضلاً عن الحکیم. و إن کان مما یلتفت إلیه العامة و لا یغفلون عنه - لکونه مرکوزاً فی أذهانهم بحیث یصح للمتکلم الاعتماد علی ارتکازیته و السکوت عنه فی مقام البیان - فلا حاجة إلی بیانه، لأنّ ترکه لا یخلّ بالغرض. ففی القسم الأوّل لا یرجع إلی الاحتیاط، لإمکان دعوی القطع بعدم دخله فی الغرض، إذ لو کان له دخل فیه لَزِم من عدم البیان فوات الغرض،

یقال: إنّ کلّ ما یحتمل بدواً دخله فی الامتثال و کان مما یغفل عنه غالباً العامة کان علی الآمر بیانه و نصب قرینة علی دخله واقعاً، و إلاّ لأخلّ بما هو همّه و غرضه، أمّا إذا لم ینصب دلالة علی دخله کشف (1) عن عدم دخله، و بذلک (2) یمکن القطع بعدم دخل الوجه و التمییز فی الطاعة بالعبادة، حیث لیس منهما عین و لا أثر (3) فی الأخبار و الآثار، و کانا مما یغفل عنه العامة و إن احتمل -حیث إنّ المفروض بعد غفلة عامة الناس عنه عدم ارتکاز قابل لاعتماد المتکلم علیه فی مقام البیان، فمقدمات الإطلاق - التی منها عدم ما یصلح للبیانیة - موجودة، فلا یجب الاحتیاط فی القیود التی یغفل عنها العامة.

و فی القسم الثانی یجب الاحتیاط، لصحة اعتماد المتکلم علی التفات العامة إلیه، و تنبُّههم له، فیجب مراعاة المشکوک دخله فی الغرض، لعدم تمامیة عدم البیان المتوقف علیه الإطلاق المقامی، إذ المفروض کون التفات العامة بیاناً.

فالمتحصل: أنّ مرجعیّة الاحتیاط فی القیود الدخیلة فی الإطاعة المتأخرة عن الأمر تختص بالقسم الّذی لا یغفل عنه العامة، و فی غیره یرجع إلی الإطلاق القاضی بعدم وجوب الاحتیاط، لتمامیة مقدماته التی منها عدم البیان علی دخل المشکوک فیه.

و من هنا یتجه التمسک بالأخبار البیانیة کصحیحة حمّاد المبیَّنة لأجزاء الصلاة و شرائطها، فإنّ سکوتها عن بیان دخل ما شک فی دخله فی الغرض مع کونه مما یغفل عنه العامة دلیل علی عدم دخله فیه.


(1). أی: عدم نصب الدلیل کاشف عن عدم دخل المشکوک فیه فی الغرض، فیصح التمسک حینئذٍ بالإطلاق المقامی، لتمامیة مقدماته.

(2). أی: لزوم التنبیه علی الدخل إن کان محتمل الاعتبار مما یغفل عنه العامة.

(3). المراد بالأوّل الدلالة المطابقیة، و بالثانی الدلالة الالتزامیة.

اعتباره (1) بعض الخاصة (2)، فتدبر جیّداً. ثم إنّه (3) لا أظنک أن تتوهم و تقول: إنّ أدلة البراءة الشرعیة مقتضیة لعدم الاعتبار و إن کان قضیة الاشتغال عقلا هو الاعتبار (4)، لوضوح (5) أنّه لا بدّ فی عمومها (6) من شی‏ءٍ قابل للرفع و الوضع شرعاً -


(1). الأولی تثنیة الضمیر باعتبار الوجه و التمییز و إن کان إفراده صحیحاً أیضا باعتبار رجوعه إلی - القصد -.

(2). و هو السید الأجل علم الهدی (قده) علی ما قیل.

(3). غرضه: دفع ما یتوهم من المقام و هو قیاس الشک فی اعتبار قصد الأمر بالشک فی جزئیة شی‏ءٍ أو شرطیته للمرکب الارتباطی بأن یقال: کما یجری الاحتیاط العقلی و البراءة الشرعیة هناک کما هو مذهب المصنف کذلک هنا، فیجری الاحتیاط العقلی فی الشک فی اعتبار قصد امتثال الأمر مع البراءة الشرعیة الرافعة لخطر العقاب.

و ملخص دفع هذا التوهم هو: أنّه قیاس مع الفارق، حیث إنّ أرکان البراءة التی منها کون مجراها هو الشک فی التکلیف هناک تامة، ضرورة أنّ الشک فی جزئیة السورة مثلا شک فی التکلیف، بخلاف الشک فی قصد امتثال الأمر، لما مرّ من استحالة دخله شرعاً فی المتعلق، فهو من کیفیات الإطاعة التی لا تنالها ید التشریع، فلا تجری فیها البراءة أصلا.

(4). لکون الشک فی کیفیة الإطاعة لا فی موضوعها کما مر.

(5). تعلیل لقوله: «لا أظنک» و قد عرفت تقریبه، و أنّه قیاس مع الفارق.

(6). أی: عموم أدلة البراءة الشرعیة للمقام.

و لیس (1) هاهنا، فإنّ (2) دخل قصد القربة و نحوها فی الغرض لیس بشرعی، بل واقعی، و دخل (3) الجزء و الشرط فیه (4) و إن کان کذلک (5) إلاّ أنّهما (6) قابلان للوضع و الرفع شرعاً، فبدلیل -


(1). یعنی: و لیس شی‏ءٌ قابل للرفع و الوضع شرعاً موجوداً هنا حتی تجری فیه البراءة، لما مرّ من أنّ قصد القربة مما لا تناله ید التشریع.

(2). بیان لفقدان الشرط المزبور، و حاصله: أنّ دخل قصد القربة و نحوها مما یترشّح من الأمر فی الغرض لیس بشرعی، لما مرّ من استحالته، فیکون دخله فیه تکوینیاً، و کلّ ما کان کذلک لا یشمله عموم أدلة البراءة، لإناطة جریانها بکون المجهول قابلاً للوضع و الرفع شرعاً.

(3). هذا إشارة إلی توهم و هو: أنّه لو کان الدخل الواقعی فی الغرض مانعاً عن شمول أدلة البراءة الشرعیة لَکان مانعاً عن شمولها للجزء و الشرط أیضا، لوضوح کون دخلهما فی الغرض تکوینیاً لا تشریعیاً، مع أنّ من المسلّم شمولها لهما، و لذا یتمسکون بأدلة البراءة الشرعیة فی الأقل و الأکثر الارتباطیین.

(4). أی: الغرض.

(5). أی: واقعیاً لا شرعیاً.

(6). هذا دفع التوهم المزبور، و حاصله: وضوح الفرق بین الجزء و الشرط و بین قصد القربة، و ذلک لأنّ الجزء و الشرط و إن کانا دخیلین فی الغرض واقعاً، لکنّهما قابلان لتعلُّق الأمر بهما فی ضمن تعلُّقه بالواجب، فدخلهما فی الغرض و ان کان واقعیاً، لکنه فی الواجب شرعی، لإمکان تعلق الأمر الضمنی بهما کما عرفت.

و هذا بخلاف قصد القربة، فإنّ دخله فی الغرض واقعی، و لیس قابلاً لتعلق الأمر الشرعی به کما مر مفصّلاً، فقیاس المقام بباب متعلّقات التکالیف مع الفارق.

الرفع (1) و لو کان أصلا یکشف أنّه لیس هناک أمر فعلی بما (2) یعتبر (3) فیه المشکوک یجب الخروج عن عهدته عقلا (4)، بخلاف المقام (5) فإنّه علم بثبوت الأمر الفعلی (6) کما عرفت (7)، -


(1). و هو حدیث رفع التسعة الّذی هو أقوی أدلة البراءة.

و حاصله: أنّه بدلیل اجتهادی - کإطلاق مقالی أو مقامی أو بأصل عملی کأصالة البراءة - یستکشف عدم تعلق أمر فعلی بالمرکب المشتمل علی المشکوک فیه أو المقیّد به، فلا یجب الخروج عنه و لو کان ثابتاً واقعاً، و هذا بخلاف قصد القربة، فإنّ حکم العقل بلزوم الخروج عن عهدة التکلیف المعلوم یقتضی إتیان الواجب بقصدها، لتوقف یقین الفراغ علیه، و هذا الحکم العقلی یوجب فعلیة وجوب الإتیان کذلک.

و بالجملة: ففعلیّة الأمر المتعلق بالمرکّب الواجد للمشکوک جزءاً أو شرطاً منفیة بدلیل اجتهادی أو أصل عملی، و لکن فعلیة الأمر بما یشتمل علی قصد القربة ثابتة بحکم العقل.

(2). المراد بالموصول هو المرکب الارتباطی.

(3). الأولی أن یقال: «یشتمل علی المشکوک» بدل - یعتبر -، لفرض کونه مشکوک الاعتبار.

(4). قید لقوله: - یجب -.

(5). و هو الشک فی اعتبار قصد امتثال الأمر.

(6). و هو حکم العقل بلزوم تحصیل العلم بالفراغ.

(7). فی تأسیس الأصل، حیث قال: «فاعلم أنّه لا مجال هاهنا إلا لأصالة الاشتغال».

فافهم (1).

(المبحث السادس)

: قضیة إطلاق الصیغة (2) کون الوجوب نفسیاً تعیینیّاً -


(1). لعلّه إشارة إلی کون الإطلاق المقامی رافعاً لاحتمال دخل قصد القربة فی الغرض، و معه لا مجال لأصالة الاشتغال. أو إلی: أنّ مجرد الدخل فی الغرض مع عدم تعلُّق التکلیف به لا یقتضی الاحتیاط. أو إلی غیرهما من المناقشات المتعلقة بجریان قاعدة الاشتغال فی الأقل و الأکثر، و ستأتی فی محلها إن شاء اللَّه تعالی.

و لا یخفی أنّ المصنف (قده) لم یتعرض لسائر الوجوه التی استدل بها علی اعتبار التعبدیة إذا شکّ فیها، و اقتصر منها علی البحث عن إطلاق الصیغة.

و وجهه: أنّ البحث عن اعتبار قصد القربة من المسائل الفقهیة، و الّذی یکون مرتبطاً بالأُصول هو البحث عن دلالة الصیغة و عدمها علی ذلک.

(2). سواءٌ أقلنا بصحة تقیید الهیئة، لکونها إنشاء مفهوم الطلب کما علیه بعض أم لا، لکونها إنشاء النسبة و إیجاد مصداق الطلب بناءً علی إیجادیة المعانی الحرفیة کما علیه بعض آخر.

أمّا علی الأوّل، فلأنّ الطلب المنشأ بالصیغة لمّا کان هو المفهوم، فإطلاقه یقتضی عدم تقیُّده بقید من کون الطلب مقیّداً بطلب آخر و مترشّحاً منه لیکون الوجوب غیریّاً، و من وجوب غیره عِدلاً له لیکون تخییریاً، و من عدم إتیان غیره به لیکون کفائیّاً، فإنّ کلّ واحد من هذه الأُمور قید له یرتفع بالإطلاق.

و أمّا علی الثانی، فلکفایة الإطلاق المقامی فی استظهار النفسیّة و غیرها من الصیغة، فعلی کل حال یصح أن یقال: إنّ إطلاق الصیغة یقتضی النفسیّة و العینیة و التعیینیة، فإنّ الغیریة تقیید فی الوجوب، لکونه منوطاً بوجوب غیره، و التخییریّة - التی هی جعل العِدل - تقیید للوجوب بقاءً، و کذا الکفائیة، فإنّها

عینیاً، لکون کل واحد مما یقابلها یکون فیه تقیید الوجوب، و تضیق دائرته، فإذا کان فی مقام البیان و لم ینصب قرینة علیه (1) فالحکمة تقتضی کونه (2) مطلقاً وجب هناک شی‏ءٌ آخر أو لا (3)، أتی بشی‏ء آخر أو لا (4)، أتی به آخر أو لا (5) کما هو واضح لا یخفی.

(المبحث السابع) (6)

: أنّه اختلف القائلون بظهور صیغة الأمر فی الوجوب -تقیید للوجوب بقاءً بعدم إتیان الغیر، فکل منها قید ینفیه الإطلاق.

و بالجملة: فکل من النفسیّة و التعیینیّة و العینیة أمر عدمی یحرز بالإطلاق، و لیست أُموراً وجودیة حتی تنفی بالإطلاق، و یقع التعارض بین الإطلاقین، فالإطلاق ینفی الغیریة و التعیینیة و الکفائیة و یُثبت ما یقابلها من دون تعارض.


(1). أی: التقیید.

(2). أی: الوجوب.

(3). هذا فی الوجوب الغیری، إذ لو کان وجوبه لأجل الغیر فلا محالة یصیر غیریّاً.

(4). هذا فی الوجوب التخییری، فان لم یکن له عِدل فالوجوب تعیینی، و إلاّ فهو تخییری، فجعل العِدل قید ینفی بالإطلاق.

(5). هذا فی الوجوب الکفائی، فإنّ الوجوب فیه مقیّد بعدم إتیان الغیر بالواجب، و هذا بخلاف ما یقابله من الوجوب العینی، فإنّه ثابت مطلقاً سواء أتی به الغیر أم لا، و سواء وجب هناک شی‏ء آخر أم لا.

(6). الغرض من عقد هذا البحث هو: أنّه بعد البناء علی ظهور الصیغة فی الوجوب سواء کان ناشئاً من الوضع أم غیره هل یکون وقوعها عقیب الحظر موجباً لارتفاع هذا الظهور، فلا تدل حینئذ علی الوجوب أم لا؟ و بعبارة أخری:

وضعا أو إطلاقا (1) فیما (2) إذا وقع عقیب الحظر، أو فی مقام توهمه (3) علی أقوال (4) نسب إلی المشهور (5) ظهورها فی الإباحة (6)، و إلی بعض العامة (7) ظهورها فی الوجوب، و إلی بعض (8) تبعیتها لما قبل النهی إنّ علِّق الأمر بزوال -هل یکون وقوع الصیغة عقیب الحظر من القرائن النوعیة الرافعة لظهورها فی الوجوب أم لا؟.


(1). کلاهما قید لقوله: «ظهور».

(2). متعلق بقوله: «اختلف».

(3). فضلا عن ظنّه، و لعل المراد بالتوهم ما یکون جامعا بین الظن و الاحتمال و هو الشک المساوی و المرجوح و هو الوهم، لکن فی البدائع جعل العنوان «عقیب الحظر» من دون بیان توهمه.

(4). و هی عشرة کاملة.

(5). و إلی الشافعی.

(6). بمعناها الخاصّ کما هو المنسوب إلی صریح بعض، أو معناها العام و هو القدر الجامع بین الأحکام الثلاثة و الإباحة الخاصة کما هو صریح المحکی عن الوافیة و المحقق القمی، و هذا مراد من فسّرها برفع المنع کما عن الذریعة و النهایة.

(7). کالرازی و البیضاوی و أبی إسحاق الشیرازی و بعض المعتزلة، و نسب إلی بعض الخاصة أیضا کالغنیة و التهذیب و المنتهی و تمهید القواعد و المفاتیح و المعارج.

(8). کالعضدی، فإنّه نفی البعد عن هذا التفصیل، و هو: أنّ الأمر یفید الوجوب إن لم یکن معلّقا بزوال علّة عروض النهی، و الرجوع إلی ما قبل الحظر من الحکم إن کان معلّقا بذلک کما فی قوله تعالی: «و إذا حللتم فاصطادوا»

علّة النهی إلی غیر ذلک (1). و التحقیق (2) أنّه لا مجال للتشبث بموارد الاستعمال فإنّه قلّ مورد منها یکون خالیا عن قرینة علی الوجوب أو الإباحة أو التبعیة، و مع فرض التجرید عنها لم یظهر بعد کون عقیب الحظر موجبا --و قوله تعالی: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشرکین‏ فإنّ الأمر فی الأوّل علّق علی الإحلال المضاد للإحرام الّذی هو علة عروض النهی عن الصید، فیفید الأمر الإباحة التی هی حکم الصید قبل النهی عنه.

و فی الثانی بالانسلاخ الّذی هو عبارة عن انقضاء الأشهر الحرم التی هی علة النهی، فیفید الوجوب الّذی کان قبل الحظر.


(1). من الإباحة و الوقف، و کونه مقیدا للندب، و التفصیل المحکی عن الفصول و هو الوجوب أو الندب إن کانا قبل عروض النهی، و إلاّ فالإباحة.

و التفصیل بین التعلیق علی زوال علة عروض النهی فیفید الإباحة، و بین عدم التعلیق فیفید الوجوب.

(2). لمّا تشبّث کل من أرباب الأقوال المذکورة علی مدعاه بجملة من موارد الاستعمالات أبطل المصنف (قده) تلک الاستدلالات بأنّه لا مجال لها، لأنّ المدّعی هو کون نفس الوقوع عقیب الحظر قرینة علی الندب، أو الإباحة، أو التبعیة، أو غیرها، و لیس الأمر فی موارد الاستعمال التی استدلّوا بها علی الأقوال کذلک، لاحتفافها بالقرائن الخاصة، فلم تثبت دلالتها علی کون مجرّد وقوع الأمر عقیب الحظر قرینة علی ما ادعوه من الأقوال المذکورة، فالاستدلالات المشار إلیها ضعیفة، فلا بد من الالتزام بظهور الصیغة فیما کانت ظاهرة فیه قبل وقوعها عقیب الحظر، أو الالتزام بإجمالها، و عدم الحمل علی شی‏ء من الوجوب و غیره مما تقدم إلاّ بقرینة خاصة.

لظهورها (1) فی غیر ما تکون ظاهرة فیه (2)، غایة الأمر (3) یکون موجبا لإجمالها (4) غیر ظاهرة فی واحد منها (5) إلاّ بقرینة أخری (6) کما أشرنا (7).

(المبحث الثامن)

اشارة

: الحق أنّ صیغة الأمر مطلقا (8) لا دلالة لها علی المرة و لا التکرار (9)، فإنّ (10) المنصرف عنها (11) لیس إلاّ طلب إیجاد الطبیعة -


(1). أی: صیغة الأمر.

(2). یعنی: قبل وقوعها عقیب الحظر.

(3). یعنی: غایة ما یمکن أن یقال: إنّ الوقوع عقیب الحظر قرینة صارفة فقط، و لیست معیِّنة، فیصیر الأمر حینئذ مجملا، فلا تحمل علی الوجوب بناء علی وضعها له إلاّ علی القول بحجیة أصالة عدم القرینة تعبدا، لا من باب حجیة الظهور.

(4). أی: الصیغة.

(5). أی: الوجوب، أو الندب، أو الإباحة أو غیرها من الأمور المتقدمة.

(6). یعنی: غیر وقوع الصیغة عقیب الحظر، إذ المفروض کونه قرینة صارفة فقط، فإرادة أحد المعانی المذکورة منوطة بقرینة أخری معینة له.

(7). حیث قال: «فانه قلَّ مورد منها یکون خالیا عن قرینة الوجوب».

(8). یعنی: إذا لم تکن مقیدة بمرة أو تکرار، و حاصل ما أفاده: أنّ صیغة الأمر لا تدلّ بشی‏ء من مادتها و هیئتها علی مرة و لإ؛ه‏ه للَّه‏للَّه؛ تکرار، حیث إنّه إذا قال:

• صلِّ - مثلا فمدلوله المادی هو نفس الصلاة بلا قید، و مدلوله الهیئی طلب إیجاد الصلاة، فلا بد فی استفادة المرة أو التکرار من قرینة خارجیة.

(9). سیأتی من المصنف (قده) شرحهما.

(10). تعلیل لعدم دلالة الصیغة علی المرة و التکرار.

(11). أی: الصیغة.

المأمور بها، فلا دلالة لها (1) علی أحدهما (2) لا بهیئتها و لا بمادتها (3)، و الاکتفاء (4) بالمرة فإنّما (5) هو لحصول الامتثال بها فی الأمر بالطبیعة، کما لا یخفی. ثم لا یذهب علیک (6) أنّ الاتفاق علی أنّ المصدر المجرّد عن اللام -


(1). أی: الصیغة.

(2). أی: المرة و التکرار.

(3). قد عرفت تقریب عدم دلالة الصیغة مادة و هیئة علی المرة و التکرار.

(4). إشارة إلی توهم، و هو: أنّ الاکتفاء بالمرة فی مقام الإطاعة کاشف عن دلالة الصیغة علی المرة.

(5). هذا دفع التوهم المزبور، و حاصله: أنّ الاکتفاء بالمرة فی تحقق الامتثال لیس لأجل دلالة الصیغة علیها، بل لحکم العقل، حیث إنّ انطباق الطبیعی علی فرده قهری، فیوجد الطبیعی المأمور به بفرده جزما، فیحکم العقل بالإجزاء، لأنّ المطلوب إیجاد الطبیعة الواقعة فی حیِّز الطلب، و قد حصل ذلک بأوّل وجودها، لانطباق المأمور به علیه قهرا، فلا بد حینئذ من الالتزام بالإجزاء، و إلاّ فلا یحصل الإجزاء بسائر الأفراد أیضا، لاتحاد حکم الأمثال فیما یجوز و ما لا یجوز.

(6). الغرض من هذا الکلام ردّ صاحب الفصول (قده)، و لا بأس بنقل کلامه أوّلا، ثم بیان إشکال المصنف (قده) علیه ثانیا، قال فی أوّل هذا الفصل ما لفظه: «الحق أنّ هیئة الأمر لا دلالة لها علی المرة و لا التکرار.. إلی أن قال:

و إنّما حرّرنا النزاع فی الهیئة، لنص جماعة علیه، و لأنّ الأکثر حرّروا النزاع فی الصیغة، و هی ظاهرة بل صریحة فیها، و لأنّه لا کلام لنا فی أنّ المادة و هی المصدر المجرد عن اللام و التنوین لا تدلّ إلاّ علی الماهیة من حیث هی علی ما حکی السکاکی وفاقهم علیه، و خصّ نزاعهم فی أنّ اسم الجنس هل یدل علی الجنس من‏

و التنوین لا یدل إلاّ علی الماهیة علی ما حکاه السکاکی لا یوجب (1) کون النزاع هاهنا فی الهیئة کما فی الفصول، فإنّه غفلة و ذهول عن أنّ کون المصدر کذلک (2) -حیث هو أو علی الفرد المنتشر بغیر المصدر» انتهی موضع الحاجة من کلامه زید فی علو مقامه. و ملخص مرام الفصول: أنّ مصبّ النزاع فی دلالة الصیغة علی المرة أو التکرار هو نفس الهیئة، دون المادة، فإنّها خارجة عن حریم هذا النزاع، لاتفاق أهل العربیة علی أنّ المصدر الّذی هو مادة صیغة الأمر لا یدلّ إلاّ علی نفس الماهیة، فنزاع المرة و التکرار یختص بالهیئة و لا یجری فی المادة.


(1). خبر - أنّ - فی قوله: «ان الاتفاق» و ردّ لکلام الفصول، و حاصله:

أنّ الاتفاق المزبور لا یوجب اختصاص النزاع فی المرة و التکرار بالهیئة، و ذلک لعدم دلالة هذا الاتفاق علی کون مادة المشتقات ذلک المصدر، بل یمتنع کونه مادة لها، لأنّ الّذی یدل علی الماهیة من حیث هی هو المصدر بمادته و هیئته بحیث یکون للهیئة المصدریة دخل فی المعنی، و من المعلوم: أنّ المصدر المؤلّف من المادة و الهیئة لیس مادة للمشتقات و مبدأ لها، بداهة مغایرة هیئة المصدر لهیئات المشتقات من الفعل الماضی و المضارع و الأمر و غیرها من المشتقات، و کذا معنی المصدر مباین لمعنی المشتق، لما مرّ فی مبحث المشتق من إبائه عن الحمل، بخلاف المشتق، فإنّه غیر آب عن الحمل. فالمتحصل: أنّ المصدر لیس مادة للمشتقات و مبدأ لها، فحینئذ یمکن تصویر النزاع فی دلالة الصیغة علی المرة أو التکرار فی ناحیة المادة لا الهیئة، و الغرض إثبات مجرد الإمکان فی مقابل الفصول الّذی خص النزاع بالهیئة، و أخرج المادة عن حریمه.

و بالجملة: فالمصدر صیغة برأسها، و له مادة و هیئة.

(2). أی: دالا علی الماهیة مع تجرده عن اللام و التنوین.

لا یوجب

«-»

الاتفاق علی أنّ مادة الصیغة لا تدل إلاّ علی الماهیة، ضرورة (1) أنّ المصدر لیس مادة لسائر (2) المشتقات، بل هو (3) صیغة مثلها، کیف (4)؟ و قد عرفت فی باب المشتق مباینة المصدر و سائر المشتقات بحسب المعنی (5)، فکیف (6) بمعناه یکون مادة لها؟ فعلیه (7) یمکن دعوی اعتبار المرة أو التکرار فی مادتها (8) کما لا یخفی. -


(1). تعلیل لقوله: «لا یوجب الاتفاق» و قد عرفت توضیحه.

(2). الأولی إسقاط لفظ - سائر -.

(3). أی: المصدر، فإنّه صیغة برأسها مثل المشتقات فی أنّ له مادة و هیئة کالمشتقات.

(4). یعنی: کیف یکون المصدر مادة للمشتقات و الحال أنّ معناه مباین لمعنی المشتق کما عرفت آنفا؟ و مع المباینة کیف یصح أن یکون مادة للمشتقات؟

(5). حیث إنّ اللا بشرطیة مقوِّمة لماهیة معنی المشتق، و بشرط اللائیة مقوِّمة لمفهوم المصدر.

(6). یعنی: فکیف یکون المصدر بمعناه المتباین البشرط اللائی مادة للمشتقات.

(7). یعنی: فبناء علی ما ذکر - من عدم کون المصدر مادة للمشتقات - یمکن دعوی اعتبار المرة و التکرار فی مادة الصیغة، لا فی هیئتها کما زعمه صاحب الفصول.

(8). أی: الصیغة. (-). بل یوجبه، لأنّ الاتفاق علی عدم دلالة المصدر علی المرة و التکرار یدل علی عدم دلالة مادته علیهما فی ضمن أیِّ هیئة کانت، و من المعلوم انحفاظ مادة المصدر فی المشتقات، فتدبّر.

إن قلت (1) فما معنی ما اشتهر من کون المصدر أصلا فی الکلام قلت (2): - مع (3) أنّه محلّ الخلاف - معناه (4) أنّ الّذی وضع أوّلا بالوضع الشخصی ثم بملاحظته وضع نوعیا أو شخصیا -


(1). هذا إشکال علی إنکار کون المصدر أصلا للمشتقات، و حاصله: أنّ هذا الإنکار ینافی ما اشتهر بین أهل العربیة من أنّ المصدر أصل فی الکلام.

(2). قد أجاب المصنف عن هذا الإشکال بوجهین:

أحدهما: عدم تسالمهم علی ذلک، لذهاب الکوفیین إلی أنّ الأصل فی الکلام هو الفعل.

ثانیهما و هو العمدة: أنّ المراد بکون المصدر أصلا هو: أنّ الواضع وضع أوّلا المصدر وضعا شخصیا، ثم بملاحظته وضع غیره من الهیئات الخاصة التی تناسب المصدر مادة و معنی وضعا شخصیا أو نوعیا، مثلا وضع الواضع کلمة - الضرب - للحدث المنسوب إلی فاعل ما شخصیا، ثم بملاحظته وضع هیئة - ضرب - نوعیا لفعل الماضی من کلّ مادة و ان کانت مؤلفة من حروف أخری مثل - ن ص ر -، و شخصیا لنسبة الحدث الضربی التحققی إلی رجل فمعنی کون المصدر أصلا هو: أنّ ما یتصور أوّلا من مادة - ض ر ب - أو - ن ص ر - مثلا بصورة ثم تتصور بصور أخری هو المصدر کما علیه البصریون، أو الفعل کما علیه الکوفیون. و لیس معناه کون المصدر بمادته و هیئته مادة للمشتقات، فإنّ ذلک من الأغلاط الواضحة، لعدم انحفاظ المصدر لا بهیئته و لا بمعناه فی المشتقات، لمباینته لها هیئة و معنی کما هو أوضح من أن یخفی.

(3). هذا إشارة إلی الجواب الأوّل.

(4). هذا إشارة إلی الجواب الثانی، و قد عرفت تقریب کلیهما.

سائر (1) الصیغ التی تناسبه (2) مما (3) جمعه معه (4) مادة (5) لفظ متصورة (6) فی کل منها، و منه (7) بصورة (8) و معنی (9) -


(1). نائب عن فاعل - وضع -.

(2). أی: تناسب الّذی وضع أوّلا بالوضع الشخصی و هو المصدر.

(3). أی: من الصیغ التی جمع تلک الصیغ مع المصدر مادة لفظ یطرأ علیها الصور، فالمراد ب - ما - الموصول هو الصیغ، و الضمیر البارز فی - جمعه - راجع.

إلی - ما - الموصول المراد به الصیغ.

(4). أی: المصدر.

(5). فاعل - جمعه -.

(6). صفة لقوله: «مادة»، حاصله: أنّ الجامع بین المصدر و المشتقات هو المادة المتصورة بصورة المصدر و صور المشتقات، فإنّ مادة - ض ر ب - تعرض علیها هیئات مختلفة من هیئة المصدر و هیئات المشتقات.

(7). أی: المصدر، و ضمیر - منها - راجع إلی الصیغ.

(8). متعلق بمتصورة.

(9). معطوف علی قوله: «لفظ» یعنی: أنّ الجامع بین الصیغ المشتقة و بین الّذی وضع أوّلا شخصیا هو مادة لفظ و مادة معنی تتصوران فی کل من الصیغ المشتقة و المصدر بصورة مخصوصة، فإنّ مادة - ض ر ب - مثلا تتصور فی المصدر بصورة الفعل بفتح الفاء و سکون العین، و فی الفعل المضارع بصورة - یفعل - بفتح العین أو ضمها أو کسرها، و هکذا، و کذا مادة المعنی و هو حدث الضرب تتصور فی المصدر بصورة و هی نسبة الحدث إلی فاعل ما، و فی الفعل الماضی بصورة أخری و هی تحقق نسبة الحدث إلی الرّجل الغائب، إلی غیر ذلک، فلکل‏

کذلک (1) هو (2) المصدر (3) أو الفعل (4)، فافهم (5). ثم المراد بالمرة و التکرار هل هو الدفعة (6) و الدفعات أو الفرد و الأفراد؟ و التحقیق أنّ -من اللفظ و المعنی مادة و صورة، و الجامع بین المشتقات و المصدر هو مادة کل من اللفظ و المعنی، کما أنّ المائز بین المشتقات و المصدر هو صورة کل من مادتی اللفظ و المعنی کما لا یخفی.


(1). أی: متصورة، و قد عرفت تصوُّر مادة المعنی کطبیعة الحدث بصور، کنسبته إلی ذاتٍ ما نسبة تحققیّة، کما فی الفعل الماضی، أو تلبسیّة کاسم الفاعل، أو ترقُّبیة کالفعل المضارع، کما أنّک قد عرفت تصور مادة اللفظ بصور متشتتة.

(2). خبر قوله: «إن».

(3). کما هو مذهب البصریین.

(4). کما هو مذهب الکوفیین.

(5). لعلّه إشارة إلی: أنّه لا بدّ من توجیه کلامهم: «المصدر أصل فی الکلام» بما مر، لامتناع أن یکون المصدر بمادّته و هیئته مادة للمشتقات و مبدأً لها، إذ فعلیة کل مادة بصورتها، و لا یعقل فعلیتها بصورتین فی عرض واحد، لاستلزامه اجتماع علّتین مستقلتین علی معلول واحد.

(6). المراد بها الوجود الّذی لا یتعاقبه وجود آخر، و بعبارة أُخری:

المراد بالدفعة هو وحدة الإیجاد، کعتق عبید، أو تملیکهم بإنشاء واحد، فإنّه لا یصدق علیها المرة بمعنی الفرد، و یصدق علیها المرّة بمعنی الدفعة. و بین الدفعة و الفرد عموم من وجه، لتصادقهما علی مثل إنشاء عتق عبد واحد، فإنّ کُلاًّ من الدفعة و الفرد صادق علیه، و تفارقهما فی عتق عبید بإنشاء واحد، فإنّه یصدق علیها الدفعة، و لا یصدق علیها الفرد، لکونها أفراداً عدیدة، و فی الکلام

یقعا (1) بکلا المعنیین محل النزاع و إن کان لفظهما (2) ظاهراً فی المعنی الأوّل (3).

و توهم (4) أنّه لو أُرید بالمرة الفرد «لکان الأنسب (5)، بل اللازم أن یجعل هذا المبحث تتمة للمبحث الآتی من (6) أنّ الأمر هل یتعلق بالطبیعة أو بالفرد؟ فیقال عند ذلک (7): و علی تقدیر تعلُّقه بالفرد هل یقتضی التعلق بالفرد الواحد -الممتد المتصل و غیره من التدریجیات، فإنّ المرة بمعنی الفرد الواحد تصدق علیه، بخلاف الدفعة، فإنّها لا تصدق علیه، لکونه من التدریجیات.


(1). أی: المرة و التکرار، و صاحب القوانین استظهر المعنی الثانی و هو الفرد، و صاحب الفصول المعنی الأوّل و هو الدفعة.

(2). یعنی: و إن کان لفظ المرة و التکرار ظاهراً فی الدفعة و الدفعات، و لذا استظهره فی الفصول بقوله: «لمساعدة ظاهر اللفظین علیه و مرجعه إلی دعوی التبادر».

(3). و هو الدفعة و الدفعات.

(4). هذا التوهم لصاحب الفصول، و حاصله: أنّه - بناءً علی إرادة الفرد من المرة - یلزم جعل هذا البحث تتمة للمبحث الآتی من أنّ الأمر متعلق بالطبیعة أو الفرد، بأن یقال: إنّه علی القول بتعلق الأمر بالفرد هل تدل صیغة الأمر علی کون المطلوب فرداً واحداً أم أفراداً متعددة؟ و منشأ هذا التوهم هو وحدة العنوان أعنی الفرد فی المسألتین، و ظهور کونه فی کلیتهما بمعنی واحد و هو ما یقابل الطبیعة.

(5). هذا عین کلام الفصول إلی قوله: «کما فعلوه».

(6). بیان للمبحث الآتی.

(7). یعنی: عند ذلک المبحث. تقریب جعل هذا البحث تتمة لکون الأمر متعلقاً بالطبیعة أو الفرد هو أن یقال: بناءً علی تعلقه بالفرد هل یقتضی التعلق بالفرد الواحد أم المتعدد أم لا یقتضی شیئاً منهما؟.

أو المتعدد، أو لا یقتضی شیئاً منهما، و لم یحتج (1) إلی إفراد کل منهما بالبحث کما فعلوه» و أما لو أُرید بها (2) الدفعة فلا علقة بین المسألتین (3) کما لا یخفی -


(1). معطوف علی قوله: «لکان الأنسب».

(2). أی: المرة.

(3). یعنی: مسألة المرة و التکرار، و مسألة تعلق الأوامر بالطبائع أو الأفراد، و وجه عدم العلقة بینهما بحیث یصحح تعدُّد البحث هو: أنّه بناءً علی إرادة الدفعة و الدفعات من المرة و التکرار یجری هذا البحث علی کلا القولین فی تلک المسألة بأن یقال: بناءً علی تعلق الأمر بالطبیعة هل تقتضی الصیغة مطلوبیة الطبیعة دفعة أو دفعات و فی وقت أو أوقات؟ و علی القول بتعلقه بالفرد هل تقتضی الصیغة اعتبار الدفعة فی مطلوبیة الفرد أو الدفعات، أم لا تقتضی شیئاً منهما؟ و هذا بخلاف تفسیر المرة بالفرد، فإنّه یکون تتمة لتلک المسألة بناءً علی تعلق الأمر بالفرد، و لا یکون بحثاً برأسه، و یصیر أجنبیاً عن تلک المسألة بناءً علی تعلق الأمر بالطبیعة، إذ لا یصح أن یقال حینئذٍ: هل الصیغة تدل علی مطلوبیة الفرد أم الأفراد؟ إذ المفروض تعلق الطلب بالطبیعة، فلا یبقی مجال للبحث عن دلالة الصیغة علی مطلوبیة الفرد أو الأفراد بناءً علی تعلُّق الأمر بالطبیعة.

و بالجملة: فصاحب الفصول استظهر من المرة و التکرار الدفعة و الدفعات، لوجهین:

أحدهما: التبادر کما تقدم.

ثانیهما: جریان النزاع فی دلالة الصیغة علی المرة و التکرار بناءً علی إرادة الدفعة و الدفعات منهما علی کلا القولین فی المسألة الآتیة، و عدم جریانه بناءً علی إرادة الفرد و الأفراد منهما کما عرفت آنفاً.

فاسد (1)، لعدم العلقة بینهما لو أُرید بها الفرد أیضا، فإنّ الطلب علی القول بالطبیعة إنّما یتعلق بها باعتبار وجودها فی الخارج، ضرورة أنّ الطبیعة من حیث هی لیست إلاّ هی، لا مطلوبة و لا غیر مطلوبة، و بهذا -


(1). خبر - و توهم - و دفع له، و حاصله: عدم العلقة بین مسألة المرة و التکرار و بین مسألة تعلق الأوامر بالطبائع، و عدم کون هذا النزاع من تتمة البحث فی تلک المسألة، حتی بناءً علی إرادة الفرد من المرة، و بناءً علی تعلق الأمر بالأفراد فی المسألة الآتیة. توضیحه: أنّ الفرد فی المسألتین لیس بمعنی واحد حتی یبقی للتوهم المزبور مجال، و ذلک لأنّ الفرد فی هذه المسألة بمعنی الوجود الواحد من وجودات المأمور به، بحیث تکون لوازم الوجود خارجة عنه، و فی تلک المسألة بمعنی الوجود الخاصّ الّذی تکون لوازم الوجود داخلة فیه، فیصح أن یقال:

إن المطلوب إن کان هو الطبیعة یقع النزاع فی أنّ الصیغة هل تدل علی مطلوبیة وجود واحد أو وجود متعدد أم لا تدل علیها؟ کما یصح أن یقال: إنّ المطلوب إن کان هو الفرد المتمیز عن سائر الأفراد بالخصوصیات المشخصة یقع النزاع فی أنّ الصیغة هل تدل علی أنّ متعلق الأمر فرد واحد أی وجود واحد أو وجود متعدد؟.

و بالجملة: فیتأتی نزاع المرة و التکرار بمعنی الفرد و الأفراد علی کل من القول بتعلق الأمر بالطبیعة أو الفرد، فجعل هذا النزاع من تتمة مسألة تعلق الأمر بالطبیعة أو الفرد کما صنعه فی الفصول لیس فی محله. ثم إنّ منشأ کون المراد بالفرد فی البحث الآتی الحصّة المتشخصة بلوازم الفرد هو مقابلته للطبیعة المراد بها وجودها من دون دخل للوازم الوجود فی المطلوبیة، و فی هذه المسألة نفس وجود الطبیعة، لکونه فی قبال الدفعة.

الاعتبار (1) کانت مردّدة بین المرة و التکرار بکلا المعنیین، فیصح النزاع فی دلالة الصیغة علی المرة و التکرار بالمعنیین و عدمها (2)، أمّا بالمعنی الأوّل فواضح (3)، و أمّا بالمعنی الثانی، فلوضوح أنّ المراد من الفرد أو الأفراد (4) وجود واحد، أو وجودات، و إنّما عبر بالفرد (5)، لأنّ وجود الطبیعة فی الخارج هو الفرد، غایة الأمر (6) خصوصیته -


(1). أی: باعتبار الوجود، إذ لا معنی لتردُّد ذات الماهیة بدون وجودها بین المرة و التکرار بکلا المعنیین، فإنّ الطبیعة من حیث هی لیست إلاّ هی.

(2). أی: عدم الدلالة.

(3). لصحة أن یقال: إنّ وجود الطبیعة هل هو مطلوب دفعة أم دفعات؟

(4). یعنی: فی المرة و التکرار.

(5). یعنی: فی نزاع دلالة الصیغة علی المرة، و حاصله: أنّ التعبیر عن المرة بالفرد - مع أنّ المراد بها وجود الطبیعة، و خروج لوازم الوجود عن حیِّز المطلوب - إنّما هو لأجل کون الفرد نفس وجود الطبیعة فی الخارج.

(6). غرضه: إبداءُ الفرق بین الفرد الّذی هو بمعنی المرة فی هذا المبحث، و بین الفرد الّذی هو فی قبال الطبیعة فی البحث الآتی. و محصل الفرق بینهما: انّ الفرد فی هذا البحث هو الوجود بدون لوازمه، و فی المبحث الآتی هو الوجود مع لوازمه، فقوله: «غایة الأمر» هو الجواب عن توهم کون نزاع المرة و التکرار بمعنی الفرد و الأفراد من تتمة البحث الآتی علی القول بتعلق الأمر بالفرد، إذ حاصله: مغایرة معنی الفرد فی المسألتین

«-»

. (-). الحق أنّ البحث عن دلالة الصیغة علی المرة و التکرار بکلا المعنیین المتقدمین من الأبحاث الساقطة، إذ الدلالة المزبورة لا بد أن تکون مستندة إلی‏

المادة أو الهیئة، و قد عرفت فی التعلیقة عدم دلالة المادة علی ذلک. و أمّا الهیئة فقد تقدم فی المعانی الحرفیة أنّها موضوعة للنسب و الارتباطات، فهیئة الأمر وُضعت للنسبة الطلبیة و إیقاع المادة علی الفاعل، و لا دلالة لها علی مرة و لا تکرار و لا فور و لا تراخٍ.

نعم لا بأس بالنزاع فی دلالة صیغة الأمر بوضع آخر غیر وضع المادة و الهیئة علی المرة و التکرار، لکن الظاهر أنّه مما لم یدِّعه أحد، مع أنّ الأصل عدمه، فالحق سقوط هذا البحث من أصله. و یمکن توجیه کلام القدماء المتعرضین لهذا البحث - لبُعد خطئهم مع عُلوِّ مقامهم العلمی - بأنّ مقصودهم بدلالة الصیغة علی المرة أو التکرار هو: أنّ إطلاق الصیغة هل یقتضی مطلوبیة الطبیعة بوجودها الساری فی أفرادها أم مطلوبیة صرف وجودها؟ و بعبارة أُخری: هل یقتضی إطلاق الصیغة سریان المطلوبیة إلی جمیع وجودات الطبیعة أم اختصاصها بأوّل وجودها؟ و هذا المعنی مما یلیق بالبحث عنه، لا أنّ معنی الصیغة هل هو المرة أم التکرار؟ فإنّ فساده کما عرفت غنیّ عن البیان. لکن التوجیه المزبور بعید عن ظاهر عبائرهم، حیث إنّهم عبروا بالدلالة الظاهرة فی کون الموضوع له هو المرة أو التکرار.

و کیف کان فالذی ینبغی أن یقال: إنّ الطلب یسری إلی جمیع أفراد الطبیعة إن کان لمتعلّقه موضوع خارجی کوجوب الأمر بالمعروف، و حفظ نفس المؤمن، و تجهیز المیت، و غیر ذلک مما یکون لمتعلّق الطلب موضوع خارجی.

إلاّ إذا دلّ من الخارج ما یمنع عن ذلک، و یقتضی مطلوبیة صِرف الوجود کوجوب الغسل و الوضوء، فإنّ قاعدة الانحلال و إن کانت مقتضیة للتکرار و مطلوبیة هذه‏

المتعلقات بجمیع وجوداتها، إلاّ أنّه قام الدلیل علی مطلوبیة صِرف وجودها، لتحقق الطهارة به. و إن لم یکن لمتعلقه موضوع خارجی لا یسری الطلب إلی غیر أوّل وجودات الطبیعة المأمور بها، لانطباقها علیه، فیجزی عقلا، فیسقط الأمر، و المفروض عدم موضوع خارجی لمتعلق الطلب تقوم به المصلحة حتی یقال بلزوم سریان الطلب إلی سائر الأفراد، لعدم مرجِّح لاختصاصه بأوّل الوجود بعد فرض کون سائر الوجودات مثله فی قیام الملاک الداعی إلی الطلب بها، فمقتضی قاعدة قبح الترجیح بلا مرجح مطلوبیة جمیع الوجودات، إلاّ إذا قام دلیل من الخارج علی خلافه.

و بالجملة: فقاعدة الانحلال محکّمة ما لم یقم دلیل علی خلافها، و إذا فرض عدم تمامیتها فالمرجع فی الزائد علی المرة أصالة البراءة، لکون الشک فیه شکاً فی التکلیف، و فی المرة نفس الخطاب، لدلالته علی مطلوبیّة إیجاد الطبیعة، و نقض عدمها المحمولی بالوجود کذلک، و من المعلوم: تحقق ذلک بأوّل وجودها، فالاکتفاء بالمرة إنّما هو لأجل طاردیّتها للعدم التی هی قضیة الأمر. فتلخص مما ذکرناه أُمور:

الأوّل: أنّ النزاع فی دلالة الصیغة علی المرة أو التکرار ساقط عن درجة الاعتبار.

الثانی: أنّه یمکن توجیه نزاع القدماء فی ذلک بما مر.

الثالث: أنّه یرجع إلی قاعدة الانحلال فیما لم تنهض حجة علی خلافها.

الرابع: أنّ الأصل العملی بعد فرض وصول النوبة إلیه یقتضی عدم وجوب ما عدا أوّل الوجود من الوجودات.

و تشخصه (1) علی القول بتعلق الأمر بالطبائع یلازم المطلوب و خارج عنه (2)، بخلاف القول بتعلقه بالأفراد، فإنّه (3) مما یقوّمه.

تنبیه (4)

: لا إشکال بناءً علی القول بالمرة فی الامتثال، و أنّه لا مجال للإتیان بالمأمور به (5) ثانیاً علی أن یکون -


(1). هذا الضمیر و ضمیر - خصوصیته - راجعان إلی الفرد.

(2). أی: المطلوب، و لذا لو قصد القربة بلوازم الوجود کان تشریعاً محرماً.

(3). أی: التشخص، فإنّه حینئذٍ مقوِّم للمطلوب، فیصح قصد القربة به، و لا یکون ذلک تشریعاً.

(4). الغرض من عقد هذا التنبیه الّذی جعله فی الفصول بعنوان التذنیب هو: بیان ثمرة مسألة المرة و التکرار، و حاصله: أنّه بناءً علی دلالة الصیغة علی المرة یحصل الامتثال بالإیجاد الأوّل مطلقاً سواء فسرت المرة بالفرد أم الدفعة، ضرورة صدقها بکل من هذین المعنیین علی الإیجاد الأوّل، فإذا أعتق ثلاثة عبید مثلا بإنشاء واحد، أو أطعم ثلاثة ستینات من المساکین دفعة، فلا إشکال فی حصول الامتثال، لوجود الطبیعة کحصوله بعتق واحد من العبید، و إطعام ستین مسکیناً، و بعد تحقق الامتثال لا معنی لإیجاد الطبیعة ثانیاً بعنوان الإطاعة التی هی موافقة الأمر، إذ المفروض سقوطه بالإیجاد الأوّل، فیمتنع الإتیان به ثانیاً بعنوان الامتثال، و هذا معنی قولهم: «لا معنی للامتثال عقیب الامتثال». و بناءً علی دلالة الصیغة علی التکرار لا إشکال فی وجوب إیجاد الطبیعة المأمور بها ثانیاً و ثالثاً، و هکذا، لصدق الامتثال علی الجمیع، حیث إنّ الصیغة تدل علی مطلوبیة جمیع وجودات الطبیعة، فلکل وجود حکم یخصه کالعام الاستغراقی.

(5). یعنی: بما کان مأموراً به، إذ المفروض سقوط الأمر بالإیجاد الأوّل، فلا یتصف متعلّقه بعد ذلک بکونه مأموراً به.

أیضا (1) به الامتثال، فإنّه من الامتثال بعد الامتثال، و أمّا علی المختار من دلالته (2) علی طلب الطبیعة من دون دلالة علی المرة و لا علی التکرار، فلا یخلو الحال إمّا أن لا یکون هناک إطلاق الصیغة فی مقام البیان، بل فی مقام الإهمال، أو الإجمال، فالمرجع هو الأصل، و إمّا أن یکون إطلاقها فی ذلک المقام (3) فلا إشکال فی الاکتفاء بالمرة فی الامتثال (4)، و إنّما الإشکال (5) فی جواز -


(1). یعنی: کما یحصل الامتثال بالإتیان به أولا.

(2). أی: الأمر. و محصل ما أفاده بناءً علی عدم دلالة الأمر علی المرة و التکرار هو: أنّه لا یخلو الحال بین کون إطلاق الصیغة مسوقاً للبیان و بین کونه مسوقاً للتشریع فقط.

فعلی الثانی لا بد من الرجوع إلی الأصل العملی الّذی سیأتی بیانه إن شاء اللَّه تعالی.

و علی الأوّل لا إشکال فی الاکتفاء بالمرّة، لصدق الطبیعة علیها، إنّما الإشکال فی مشروعیة الإتیان بالطبیعة ثانیاً و ثالثاً و هکذا. وجه الإشکال هو:

سقوط الأمر بالطبیعة بالإتیان بها أوّلاً، فإیجادها ثانیاً تشریع محرّم، لخُلوِّه عن الأمر، و اقتضاء إطلاق الصیغة المفروض کونه فی مقام البیان، لجواز الإتیان بها ثانیاً و ثالثاً و هکذا.

(3). أی: مقام البیان.

(4). وجه عدم الإشکال هو صدق الطبیعة المأمور بها علی المرة قطعاً، و إلاّ فلا یکون المأتی به مصداقاً لها، و هو خلف.

(5). یعنی: أنّ الإشکال إنّما هو فی جواز الإتیان بغیر المرّة بقصد امتثال الأمر، لاحتمال کون المرة مشروطة بشرط لا، فالزائد علیها تشریع محرّم.

أن لا یقتصر علیها، فإنّ لازم إطلاق الطبیعة المأمور بها هو الإتیان بها مرة أو مراراً (1)، لا لزوم الاقتصار علی المرة کما لا یخفی. و التحقیق: أنّ قضیة الإطلاق إنّما هو جواز الإتیان بها مرّة فی ضمن فرد أو أفراد (2)، فیکون إیجادها (3) فی ضمنها (4) نحواً من الامتثال کإیجادها (5) فی ضمن الواحد، لا جواز الإتیان بها (6) مرّة و لکن یدفع هذا الاحتمال بإطلاق الطبیعة المأمور بها، حیث إنّها لم تقید بمرة، فیکون إطلاق مطلوبیة الطبیعة مقتضیاً لجواز الإتیان بها غیر مرة، لکن ناقش المصنف فی هذا الإطلاق بقوله: «و التحقیق»، و حاصله: أنّ مقتضی هذا الإطلاق لیس هو الإتیان بالطبیعة مرّة أو مراراً حتی یثبت به جواز الإتیان بها ثانیاً و ثالثاً. و بعبارة أُخری: لا یُراد بهذا الإطلاق جواز الإتیان بالأفراد الطولیة، بل یراد به جواز الإتیان بالطبیعة مرّة أی دفعة فی ضمن فرد واحد کعتق رقبة واحدة، أو فی ضمن أفراد کعتق ثلاثة عبید بإنشاء واحد، فإتیان الطبیعة مرة فی ضمن أفراد عرضیة جائز بمقتضی الإطلاق دون الإتیان بها فی ضمن أفراد طولیة.


(1). و هی الأفراد الطولیة المتعاقبة، فإنّ جواز إتیانها کذلک هو مقتضی لا بشرطیتها.

(2). و هی الأفراد العرضیة، فالمراد بالمرة حینئذٍ هو الدفعة.

(3). أی: الطبیعة.

(4). أی: الأفراد الدفعیّة العرضیة.

(5). أی: الطبیعة.

(6). أی: الطبیعة، و قوله: «لا جواز الإتیان». معطوف علی قوله: «جواز الإتیان».

و مرّات (1)، فإنّه (2) مع الإتیان بها (3) مرّة لا محالة یحصل الامتثال و یسقط به الأمر فیما (4) إذا کان امتثال الأمر علّة تامة لحصول الغرض الأقصی بحیث یحصل بمجرده (5)، فلا یبقی معه (6) مجال لإتیانه ثانیاً بداعی امتثال آخر (7)، أو بداعی (8) أن یکون الإتیانان امتثالاً واحداً، -


(1). و هی الأفراد الطولیة.

(2). الضمیر للشأن، و هذا تعلیل لعدم کون الإطلاق صالحاً لإثبات جواز الإتیان بما عدا الوجود الأوّل من الوجودات الطولیة، و حاصله: أنّ الوجود الأوّل إن کان علّة تامة لسقوط الغرض الداعی إلی الأمر، فلا محالة یکون علة تامة لسقوط الأمر أیضا، و حینئذٍ یمتنع أن یکون إتیان الطبیعة ثانیاً و ثالثاً متعلقاً للأمر، و بهذا الامتناع یمتنع أن یکون للصیغة إطلاق یشمل المرّة و المرات، بل یمکن منع الإطلاق مع الغض عن هذا المانع العقلی بأن یقال: إنّ مقتضی تعلق الطلب بطبیعة هو نقض عدمها بالوجود، و ذلک یتحقق بصِرف الوجود المنطبق علی القلیل و الکثیر، و هو لا ینطبق علی الوجود اللاحق، لکونه وجوداً بعد وجود، و لیس هو صِرف الوجود الطارد للعدم.

(3). أی: الطبیعة.

(4). متعلق بقوله: «یسقط».

(5). یعنی: بحیث یحصل الغرض بمجرد امتثال الأمر.

(6). أی: سقوط الأمر، وجه عدم المجال هو سقوط الأمر بحصول الغرض.

(7). بأن یکون متعلّقاً لأمر علی حدة.

(8). بأن یکون الفرد السابق و اللاحق متعلّقین لأمر واحد لیعدّ الإتیانان امتثالا واحداً.

لما عرفت (1) من حصول الموافقة بإتیانها (2)، و سقوط (3) الغرض معها، و سقوط (4) الأمر بسقوطه، فلا یبقی مجال لامتثاله أصلا (5). و أمّا (6) إذا لم یکن الامتثال علّة تامة لحصول الغرض کما إذا أمر بالماء لیشرب أو یتوضأ، فأتی به و لم یشرب أو لم یتوضأ فعلاً، فلا یبعد

«-»

صحة تبدیل الامتثال بإتیان -


(1). حیث قال: «فانه مع الإتیان بها مرة لا محالة... إلخ» و هذا تعلیل لکلیهما، لوضوح أنّه بعد فرض علّیة الامتثال لسقوط الأمر، فلا وجه لإتیان فرد آخر بداعی أمر استقلالی، و لا ضمنی.

(2). أی: إتیان الطبیعة مرة.

(3). معطوف علی: - حصول -، و ضمیر - معها - راجع إلی الموافقة.

(4). معطوف علی: - حصول - أیضا، و ضمیر - بسقوطه - راجع إلی الغرض.

(5). یعنی: بعد فرض سقوط الأمر بسقوط الغرض بسبب إتیان الطبیعة مرة لا یبقی مجال لامتثاله، لانتفاء موضوع الامتثال و هو الأمر بکلا قسمیه من الاستقلالی و الضمنی.

(6). هذا عِدل لقوله: «فیما إذا کان امتثال الأمر علة تامة» قبل أسطر، و حاصله: انّ الامتثال إذا لم یکن علّة تامة لحصول الغرض کما إذا أمر المولی عبده بإحضار الماء لیشرب أو یتوضأ، فأحضره عنده و لم یشربه المولی بعد، أو لم یتوضأ به کذلک، فلا یبعد حینئذٍ صحة تبدیل الامتثال بامتثال آخر، إذ المفروض بقاءُ الغرض الکاشف عن بقاء الأمر، فلا مانع من تبدیل الامتثال بالفرد اللاحق القائم به الغرض. (-). بل فی غایة البعد، لأنّ الملاک الباعث للأمر القائم بفعل المأمور بناءً

علی مذهب مشهور العدلیة من قیام الملاکات بنفس الأفعال لا بدّ و أن یترتب علی الفعل، و إلاّ فلا فائدة فی الأمر، ضرورة أنّ الأمر إنّما یکون لحفظ الملاکات و استیفائها، فلو لم یکن الفعل المتعلق للأمر وافیاً بالغرض و هو الملاک، فیلغو الأمر، و هو قبیح علی العاقل فضلاً عن الحکیم، و مقتضی ذلک عدم دخل إرادة الفاعل المختار غیر إرادة المأمور فی الغرض، إذ لو کان لها دخل فیه لما کان ذلک مسبباً تولیدیاً لفعل المأمور، و لما تمکّن المأمور من استیفائه بفعله، و هذا خلاف حکمة الأمر. و ببیان أوضح: الملاکات من الأُمور الخارجیة و الخواصّ التکوینیة المترتبة علی الأفعال، فلا بد فی صحة الأمر من وفاء متعلّقه بالغرض. و علیه فلا معنی لصحة تبدیل الامتثال، بل الإتیان الأوّل وافٍ بالغرض، فیسقط الأمر، فالامتثال علّة تامة لسقوط کل من الغرض و الأمر. لا یقال: إنّ ما دلّ من الروایات فی الصلاة المعادة جماعة علی أن اللَّه تعالی یختار أحبّهما إلیه» أقوی دلیل علی جواز تبدیل الامتثال، و علی عدم کون الوجود الأوّل علّة تامة للامتثال و سقوط الأمر. فانه یقال: إنّ الامتثال المترتب علی انطباق المأمور به علی المأتی به عقلی، و لیس منوطاً بإرادة أحد، بل یمتنع إناطته بها، لصیرورة الفعل المتعلق للأمر حینئذٍ غیر مقدور للمأمور، فالامتثال لیس مترتباً علی شی‏ءٍ غیر انطباق المأمور به علی المأتیِّ به، و هو قهری، و هذا کله واضح لا غبار علیه، و لیس فی العقل و النقل ما ینافی ذلک، و روایات الصلاة المعادة لا تنافیه، لأنّها فی مقام بیان القبول، لا الإجزاء الّذی هو مورد البحث، فإنّ قولهم علیهم السلام: «یختار أحبهما أو أفضلهما إلیه‏» کالصریح فی ذلک. نعم لو کانت العبارة هکذا: «یجزی‏

فرد آخر أحسن منه (1)، بل مطلقاً (2) کما کان له -


(1). کالصلاة المعادة جماعة، لما ورد من: أنّ اللَّه تعالی یختار أحبهما إلیه.

(2). یعنی: و لو لم یکن الفرد الثانی أحسن من الأوّل، بل مساویاً له، أو دونه. أو یصح أحبهما إلیه» کان منافیاً لما ذکرناه، ففی مثل الصلاة المعادة نقول: إنّ المطلوب متعدّد، حیث إنّ نفس الطبیعة کالصلاة مطلوب، و الخصوصیة - و هی إتیانها جماعةً مثلاً - مطلوب آخر، فإذا أتی بالصلاة فرادی یسقط الأمر المتعلق بالطبیعة، لانطباقها علی المأتی به قهراً الموجب للإجزاء عقلاً، و یبقی أمر الخصوصیة، و حیث إنّه لا یمکن امتثاله إلاّ بإعادة الصلاة، فتعاد استحباباً، للأمر بتلک الخصوصیة، و بعد الإتیان بها ثانیا معها یختار اللَّه عز و جل و یقبل أحبّهما إلیه من حیث شرائط القبول. و قد ظهر مما ذکرنا: أنّ الغرض من الأمر بإحضار الماء للشرب أو الوضوء هو التمکن منهما، لا ترتبهما علیه فعلا، لما مرّ من امتناع دخل إرادة غیر المأمور فی ترتب الغرض علی متعلق الأمر، فلیس الغرض الداعی إلی الأمر إلاّ حصول التمکن من الشرب و الوضوء المتحقق بنفس إحضار الماء الموجب لسقوط الأمر، فلو أمر المولی بعد ذلک بإحضار الماء أیضا، فلا بد أن یکون ذلک لغرض آخر غیر التمکن المزبور، کما إذا أمر ثانیا لإدراک خصوصیة، کبرودة الماء، أو صفائه، أو غیرهما، فإنّه یرجع ذلک إلی غرض آخر غیر الغرض القائم بالفرد السابق، فجواز تبدیل الامتثال - بعد فرض کونه مترتبا علی انطباق المأمور به علی المأتی به - مما لا یخلو من الغموض، فالامتثال علّة تامة لسقوط الأمر و الغرض فتأمّل جیّدا.

ذلک (1) قبله علی ما یأتی بیانه فی الإجزاء.

(المبحث التاسع)

اشارة

الحق: أنّه لا دلالة للصیغة لا علی الفور و لا علی التراخی (2)، نعم (3) قضیة إطلاقها (4) جواز التراخی، و الدلیل علیه (5) تبادر طلب إیجاد الطبیعة منها (6) بلا دلالة علی تقییدها بأحدهما (7)، فلا بد فی التقیید من دلالة أُخری (8) کما ادعی دلالة غیر واحدة من الآیات (9) علی -


(1). یعنی: کما کان للمکلّف جواز الإتیان بالفرد اللاحق قبل إتیانه بالسابق.

(2). لما تقدم فی مبحث المرة و التکرار.

(3). استدراک من قوله: «لا دلالة» و حاصله: أنّ الصیغة و إن لم تدل بمادتها و هیئتها علی وجوب شی‏ءٍ من الفور و التراخی، لکن إطلاقها مع کون المتکلم فی مقام البیان دلیل علی عدم تقید مطلوبیّة الطبیعة بشی‏ءٍ من الفور و التراخی، و ان لم یحرز هذا الإطلاق و شُک فی وجوب أحدهما، فمقتضی الأصل عدم وجوب شی‏ءٍ منهما.

(4). أی: الصیغة.

(5). أی: عدم دلالة الصیغة علی شی‏ءٍ منهما.

(6). أی: الصیغة، و ضمیر - تقییدها - راجع إلی الطبیعة، و حاصله:

أنّ تبادر مطلوبیة نفس الطبیعة من الصیغة من دون تقیدها بالفور أو التراخی یدلّ علی عدم دخل شی‏ءٍ منهما فی معنی الصیغة، و إلاّ لکان متبادرا أیضا، فالتقیید بأحدهما منوط بدلیل خارجی.

(7). أی: الفور و التراخی.

(8). یعنی: غیر الدلالة الراجعة إلی الصیغة.

(9). ک‏آیتی المسارعة و الاستباق تقریب دلالتهما علی وجوب الفور هو:

الفوریة، و فیه منع، ضرورة أنّ سیاق آیة و سارعوا إلی مغفرة من ربکم‏ و کذا آیة و استبقوا الخیرات‏ إنّما هو البعث نحو المسارعة إلی المغفرة، و الاستباق إلی الخیر من دون استتباع ترکهما (1) للغضب و الشر، ضرورة أنّ ترکهما (2) لو کان مستتبعا للغضب و الشر کان البعث بالتحذیر -انّهما تدلاّن علی وجوب المسارعة و الاستباق إلی سبب المغفرة، إذ لا معنی للاستباق و المسارعة إلی نفس المغفرة و الخیر بعد کونهما من أفعاله تعالی شأنه، و لا سبب لهما أعظم من الواجبات، فیجب إتیانها فورا. و قد ناقش المصنف (قده) فی دلالتهما علی وجوب الفور بوجوه ثلاثة:

أحدها: ما أشار إلیه بقوله: «و فیه منع ضرورة... إلخ»، و حاصله:

منع دلالتهما علی الوجوب، إذ لو کان کذلک لکان ترک المسارعة و الاستباق موجبا للغضب و الشر، و الأنسب حینئذٍ البعث إلیهما بذکر العقاب المترتب علی ترکهما، لکونه أشد تأثیرا فی تحرّک العبد، و انبعاثه علی المسارعة و الاستباق من ذکر الثواب علی فعلهما، و هذا یوجب وهن الاستدلال علی الوجوب.

و بتقریب آخر: انّ تعلق فعل بمفعول یدل علی وجود المفعول به فی کلتا صورتی الفعل و عدمه، مثلا إذا قال: «أکرم زیدا»، فإنّ تعلُّق الأمر بإکرامه یدل علی وجود زید مطلقا سواء أکرمه المأمور بالإکرام أم لا، فانتفاء الإکرام لا یوجب انتفاء زید، کما هو واضح جدا. و فی المقام إذا قلنا بدلالة الآیتین علی وجوب المسارعة و الاستباق لَزِم انتفاء المغفرة و الخیر اللذین تعلّق بهما المسارعة و الاستباق و تبدلُّهما بالمؤاخذة و الشر، و هذا خلاف مقتضی تعلق الفعل بالمفعول به، فعلیه لا تدل الآیتان علی وجوب المسارعة و الاستباق.


(1). أی: المسارعة إلی المغفرة، و الاستباق إلی الخیر.

(2). أی: المسارعة و الاستباق.

عنهما (1) أنسب کما لا یخفی، فافهم (2). مع (3) لزوم کثرة تخصیصه (4) فی المستحبات، و کثیر من الواجبات، بل أکثرها (5)، فلا بد من حمل الصیغة -


(1). أی: الغضب و الشر، و قد عرفت وجه الأنسبیة.

(2). لعلّه إشارة إلی: أنّ أوقعیة التوعید بالعذاب علی ترک الواجب فی إحداث الداعی للعبد لا تختص بالمقام، بل تجری فی جمیع الواجبات، مع أنّه لیس الأمر فیها کذلک، للبعث علی فعلها بدون التوعید بالعقاب علی ترکها. أو إشارة إلی منع الأوقعیّة المزبورة مطلقا، لاختلاف الناس، حیث إنّ بعضهم یتحرک و ینبعث نحو الواجبات خوفا من العقاب، و بعضهم یتحرک نحوها طمعا فی الثواب.

(3). هذا إشارة إلی الجواب الثانی عن الاستدلال ب‏آیتی المسارعة و الاستباق و حاصله: أنّ البناء علی دلالة الآیتین علی وجوب الفور یستلزم تخصیص الأکثر، لخروج المستحبات طُرا و کثیر من الواجبات عن ذلک، فیبقی قلیل من الواجبات تحتهما، و هذا تخصیص مستهجن عند أبناء المحاورة، و یکون قرینة علی صَرف الآیتین عن ظاهرهما من الوجوب، و الالتزام فیهما بأحد أمرین:

الأوّل: حمل صیغتی الأمر فیهما علی الندب.

الثانی: حملهما علی مطلق الطلب و الرجحان.

(4). أی: وجوب الفور.

(5). لأنّ الواجبات إمّا موسعة و إمّا مضیّقة، فعلی الأوّل یجوز التأخیر إلی أن یتضیق الوقت کما فی الظهرین، و العشاءین، و غیرها من الواجبات الموسعة، إلاّ بعضها کالحج الّذی ثبت فیه وجوب الفور، و کقضاء الفوائت علی قول.

و علی الثانی لا یصدق الفور، إذ المفروض مساواة الوقت للفعل، فلا یصدق الاستباق و المسارعة.

فیهما علی خصوص الندب، أو مطلق الطلب، و لا یبعد (1) دعوی استقلال العقل بحسن المسارعة و الاستباق، و کان ما ورد من الآیات و الروایات فی (2) مقام البعث نحوه (3) إرشادا (4) إلی ذلک (5) کالآیات و الروایات الواردة فی الحثِّ علی أصل الطاعة (6)، فیکون الأمر فیها (7) لما (8) یترتب علی المادة بنفسها، -


(1). هذا إشارة إلی الجواب الثالث، و حاصله: حمل الأمر بالمسارعة و الاستباق فی الآیتین المتقدّمتین علی الإرشاد إلی حکم العقل، لئلا یلزم تخصیص الأکثر، ببیان: أنّ العقل کما یستقل بحسن أصل الإطاعة دفعا للعقوبة، کذلک یستقل بحسن المسارعة إلی الإطاعة کذلک، فإن کان الواجب مما ثبت من الخارج فوریته، فحکم العقل بالمسارعة إلیه کحکمه بنفس الإطاعة إلزامی، و إلاّ فلیس بإلزامی. فالمتحصل: أنّه لا مجال للاستدلال بالآیتین الشریفتین علی وجوب الفور فی الواجبات.

(2). متعلق بقوله: - ورد -.

(3). أی: نحو ما ذکر من المسارعة و الاستباق.

(4). خبر لقوله: - کان -.

(5). أی: حکم العقل.

(6). یعنی: مع الغض عن کیفیتها من المسارعة و غیرها کقوله تعالی:

أطیعوا اللَّه و أطیعوا الرسول‏. (7). أی: الآیات و الروایات الدالة علی البعث نحو المسارعة.

(8). أی: للأثر المترتب علی نفس المادة. غرضه أنّ الأمر حینئذٍ إرشاد إلی ما فی نفس المادة من المصلحة کأمر الطبیب، فإنّه إرشاد إلی مصلحة موجودة فی الدواء أو الغذاء من دون أن یکون فیه شائبة المولویة لیترتب علی مخالفته‏

و لو لم یکن هناک أمر بها (1) کما هو الشأن فی الأوامر الإرشادیة، فافهم (2).

تتمة

: بناء علی القول بالفور فهل قضیة الأمر الإتیان فورا ففورا بحیث لو عصی لوجب علیه الإتیان به فورا أیضا (3) فی الزمان الثانی أو لا؟ -استحقاق العقوبة، فإذا کان للصلاة فی أوّل الوقت مصلحة و أمر الشارع بالمسارعة إلیها کان ذلک الأمر إرشادا إلی تلک المصلحة من دون ترتب عقاب علی مخالفته کما هو شأن کل أمر إرشادی.


(1). أی: المادة، فإنّ ما فیها من المصلحة یترتب علی وجودها و إن لم یتعلق بها أمر، مثلا إذا کان الدواء الفلانی ذا مصلحة للمریض، فاستعملها من دون أمر الطبیب بذلک کان نافعا له، و رافعا لمرضه.

(2). لعلّه إشارة إلی: أنّ الحمل علی الإرشادیة منوط بعدم کون الفور علی تقدیر اعتباره من قیود المأمور به شرعا، إذ یکون حینئذٍ کالطهارة المعتبرة فی الصلاة من حیث کون دخله شرعیا لا عقلیا. أو إشارة إلی: أنّ کون نفس الإطاعة بحکم العقل لا یستلزم کون کیفیاتها أیضا کذلک، بل تناط عقلیة کیفیة الإطاعة بعدم تصرف الشارع فیها، لأنّ حکم العقل فی کیفیتها تعلیقی لا تنجیزی کأصلها.

(3). یعنی: کوجوب إتیانه فی الآن الأوّل. و محصل ما أفاده فی هذه التتمة هو: أنّه بناء علی دلالة الصیغة علی الفور هل تقتضی وجوب إتیان المأمور به فورا ففورا - بمعنی أنّه إذا أخلّ بالفوریة و لم یأتِ به فی الآن الأوّل وجب الإتیان به فی الآن الثانی و هکذا، و لازمه حصول العصیان بالإخلال بالفور مع بقاء الأمر بنفس المأمور به علی حاله - أم لا تقتضی الصیغة وجوب الإتیان فورا ففورا؟ فیه وجهان مبنیّان علی أنّ مفاد الصیغة بناء علی القول بدلالتها علی الفور

وجهان مبنیان علی أنّ مفاد الصیغة علی هذا القول (1) هو وحدة المطلوب (2) أو تعدده (3)

«-»

و لا یخفی أنه لو قیل -هل هو وحدة المطلوب - بمعنی کون الفوریة مقوِّمة لأصل المصلحة بحیث تفوت بفوات الفوریة - أم تعدد المطلوب بمعنی أن یکون هناک مصلحة قائمة بذات الفعل من غیر تقیده بالفوریة، و مصلحة أخری قائمة بالفوریة فی کل زمان، یعنی إن لم یأت به فی الآن الأوّل وجب علیه الإتیان فی الآن الثانی و هکذا، فیکون الإخلال بالفوریة فی کل زمان مفوِّتا لمرتبة من مراتب المصلحة مع بقاء أصلها؟


(1). أی: القول بدلالة الصیغة علی الفور.

(2). بالمعنی المتقدم آنفا، و لازمه سقوط الأمر بالطبیعة بالإخلال بالفوریة.

(3). بالمعنی الّذی عرفته أیضا، و لازمه بقاء الأمر بالطبیعة. (-). ینبغی البحث هنا فی مقامین:

الأوّل: فی محتملات تعدد المطلوب ثبوتا.

و الثانی: فیما تدل علیه الصیغة إثباتا.

أمّا المقام الأول، فملخص الکلام فیه: أنّ تعدد المطلوب یتصور علی وجهین:

أحدهما: أن تکون هناک مصلحة قائمة بنفس الطبیعة، و مصلحة قائمة بالفوریة فی الزمان الأوّل فقط، فإذا فاتت تلک الفوریة فاتت مصلحتها، فیسقط الأمر بالفوریة، و بقی الأمر بالطبیعة، فیأتی بها متی شاء.

ثانیهما: أن تکون المصلحة القائمة بالفور ذات مراتب، فالإخلال بالفوریة فی کل زمان یکون مفوِّتا لمرتبة من مراتب مصلحتها، و تبقی المراتب الاخر منها، و لازمه وجوب الإتیان بالمأمور به فورا ففورا کما لا یخفی.

و أمّا المقام الثانی، فنخبة الکلام فیه: أنّ مقتضی إطلاق دلیل الفور

بدلالتها (1) علی الفوریة لما کان لها (2) دلالة علی نحو المطلوب من وحدته أو تعدده، فتدبر جیّدا. -


(1). أی: الصیغة.

(2). أی: الصیغة. و ملخص غرضه من قوله (قده): «و لا یخفی» هو:

أنّه بعد تسلیم دلالة الصیغة علی وجوب الفور لا تدل علی أزید من مطلوبیة الطبیعة فورا، و لا تدل علی کیفیة مطلوبیتها من وجوب الفور فی کل زمان، فلا یسقط الأمر بالفوریة بالإخلال بها فی الزمان الأوّل و ما بعده، أو وجوب الفور فی خصوص الزمان الأوّل، فیسقط الأمر به بالإخلال بالفوریة. و بعبارة أخری: تکون الصیغة قاصرة عن الدلالة علی کیفیة مطلوبیة الطبیعة، و أنّها تکون بنحو تعدد المطلوب أو وحدته، فلا بد حینئذٍ من الرجوع إلی الأصل.من الصیغة أو غیرها من الأدلة هو اعتبار الفوریة مطلقا، إذ لو کان مختصا بالزمان الأوّل لکان اللازم التنبیه علیه، لأنّه تقیید للفوریة، نعم إذا کان الدلیل فی مقام التشریع، و بیان کون الفور واجبا فی الجملة، فلا بد حینئذٍ من الرجوع إلی الأصل، و مقتضاه البراءة عن الوجوب بالنسبة إلی ما عدا الزمان الأوّل، لأنّه قید زائد یحتاج ثبوتا و إثباتا إلی مئونة زائدة، سواء أقلنا بکون الفور من قیود المتعلق أم واجبا مستقلا، لجریان البراءة علی کلا التقدیرین، هذا إذا کان الشک فی وجوب الفور فیما بعد الزمان الأوّل بدویا. و أمّا إذا علم إجمالا بوجوب أحد الأمرین من الفور و التراخی فمقتضی تنجیز العلم الإجمالی لزوم الجمع عقلا بین الوظیفتین، و إذا شک فی وجوب التراخی بعد الزمان الأوّل الّذی فاتت فیه الفوریة الواجبة جری فیه أصل البراءة، کجریانها فی الشک فی وجوب الفور بعد الزمان الأوّل بدویا.

تنبیه: لا یخفی أنّه بعد فرض عدم إطلاق لفظی مثبت لوجوب الفور أو عدمه یمکن أن یقال بحکم العقل بوجوب الفور بناء علی اقتضاء الحکم التکلیفی للوضعی، و هو شغل الذّمّة، و صیرورة متعلق الخطاب علی عهدته، و لذا یحکم بوجوب أداء الواجبات البدنیة کالصلاة و الصوم عن المیت مع سقوط خطاباتها عنه بموته الموجب لانعدام موضوعها، فلو لم تکن عهدته مشغولة بتلک الواجبات لما کان أداؤها واجبا علی الولی. تقریب الوجوب العقلی هو: أنّ شغل الذّمّة حق للمولی علی عبده، فیجب عقلا تفریغها عن حق سیده، لئلا یلزم حبس الحق بدون إذن صاحبه، فإنّه حینئذٍ ظلم، لأنّه خارج عن وظیفة العبودیة، و رسومها العقلائیة اللازمة کما لا یخفی.

إلی هنا انتهی الجزء الأول من کتاب منتهی الدرایة فی توضیح الکفایة، و قد وقع الفراغ عنه فی النجف الأشرف علی ید مؤلفه الأحقر محمد جعفر بن محمد علی الموسوی الجزائری الشوشتری المروّج حامدا مصلیا مسلما