الاربعون حدیثاً

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

الاربعون حديثاً

تأليف

العلامة المحقق الحاج الشيخ محمد تقى التستری دام ظله

محرر الرقمي: ولي الرادمرد

اشارة

مطبعه الخیام قم 1400هـ

مقدمه

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ اَلْرَحیمْ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة على رسله وأنبيائه الذين لم يورثوا در هماً ولا ديناراً وانما ورثوا أحاديث في الدين، ولا سيما على خاتمهم الذي بعث وهو في الاربعين، وعلى خلفائه حافظى الشرع المبين، وخصوصاً قائمهم الذى لا يهرم بمرور السنين، ويظهر حين يظهر في صورة ابن أربعين، ويجعل قوة كل رجل من شيعته قوة أربعين.

حول الروایة أربعین حدیثاً

اشارة

وبعد: فان حديث حفظ أربعين حديثاً مما رواه المؤلف والمخالف، رواه معاذ بن جبل وأنس بن مالك وعبد الله بن عباس عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، ورواه محمد بن مسلم وحنان بن سدير واسماعيل بن الفضل واسماعيل ابن مسلم عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ورواه موسى بن ابراهيم المروزي عن الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ورواه عامر بن سليمان الطائي وأحمد بن عبدالله الشيباني وداود بن سليمان الملقب بالفراء أو الغازي عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وقد ألف في ذلك الخاصة والعامة، ومن أصحابنا من أتى في تأليفه بتكرار الاربعين مرة أو مرتين ككتاب الاربعين عن الاربعين في فضائل أمير المؤمنين»

وهو للحافظ أبي سعيد محمد بن احمد بن الحسين النيسابوري جدأبي الفتوح الرازي صاحب التفسير المعروف وكتاب الاربعين عن الاربعين » ليوسف ابن حاتم الشامي، وكتاب « الاربعين عن الاربعين عن الاربعين » لمنتجب الدين علي بن عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن بابويه صاحب الفهرست المكمل لفهرست الشيخ، وقد ذكرها البحار فيما ذكر من مداركه.

وقد اختلف في معنى الحفظ الذي في الحديث هل المراد به الحفظ قولا أو عملا، وفي معنى (الحديث) الذي فيه هل المراد مطلق الحديث أو أحاديث مخصوصة، كما اختلف في لفظ الحديث.

و تفصيل ذلك أنه روى الخصال في آخر أحاديث عنوان (من حفظ) عن الدقاق والمكتب والسناني عن الاسدي عن النخعي عن عمه عن الهاشمي والسكوني عن جعفر بن محمد عن آبائه عن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أوصى الى امير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان فيما أوصى ان قال له: ياعلي من حفظ من أمتي أربعين حديثاً يطلب بذلك وجه الله عزوجل والدار الاخرة حشره الله يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. فقال علي: يا رسول الله أخبرني ما هذه الاحاديث. فقال: أن تؤمن بالله وحده لاشريك له، وتعبده ولا تعبد غيره، وتقيم الصلاة بوضوء سابغ في مواقيتها ولاتؤخرها فان في تأخيرها من غير علة غضب الله عز وجل، وتؤدي الزكاة، وتصوم شهر رمضان و تحج البيت اذا كان لك مال وكنت مستطيعاً، وان لا تعق والديك، ولا تأكل مال اليتيم ظلماً، ولا تأكل الربوا ولاتشرب الخمر ولاشيئاً من الاشربة المسكرة ولا تزني، ولاتلوط، ولا تمشي بالنميمة ولا تحلف بالله كاذباً، ولاتسرق، ولا

تشهد شهادة الزور لاحد قريباً كان أو بعيداً، وان تقبل الحق ممن جاء به صغيراً كان أو كبيراً، وان لاتركن الى ظالم وان كان حميماً قريباً، وان لا تعمل بالهوى، ولا تقذف المحصنة، ولاترائى فان أيسر الرياء الشرك بالله عزو جل، وان لا تقول القصير ياقصير ولا لطويل يا طويل تريد بذلك عيبه، وان لا تسخر من أحد من خلق الله، وان تصبر على البلاء والمصيبة، وان تشكر نعم الله التي أنعم بها عليك، وأن لا تأمن عقاب الله على ذنب تصيبه، وان لاتقنط من رحمة الله، وان تتوب الى الله عز وجل من ذنوبك فان التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وأن لاتصر على الذنوب مع الاستغفار فتكون كالمستهزيء بالله و آياته ورسله، وان تعلم أن ما يصيبك لم يكن ليخطئك وان ما اخطأك لم يكن ليصيبك، وان لاتطلب سخط الخالق برضا المخلوق، وان لاتؤثر الدنيا على الاخرة فان الدنيا فانية والاخرة باقية، وان لا تبخل على اخوانك بماتقدر عليه، وأن يكون سريرتك كعلانيتك، وأن لا تكون علانيتك حسنة وسريرتك قبيحة فان فعلت ذلك كنت من المنافقين، وان لا تكذب، وان لا تخالط الكذابين، وان لا تغضب اذا سمعت حقاً، وان تؤدب نفسك وأهلك وولدانك وجيرانك على حسب الطاقة، وأن تعمل بما علمت ولا تعامل أحداً من خلق الله عز وجل الا بالحق، وأن تكون سهلا للقريب والبعيد، وأن لا تكون جباراً عنيداً، وأن تكثر من التسبيح والتهليل والدعاء وذكر الموت وما بعده من القيامة والجنة والنار، وأن تكثر من قراءة القرآن وتعمل بمافيه، وأن تستغنم البر والكرامة بالمؤمنين والمؤمنات، وان تنظر الى كل ما لا ترضى فعله لنفسك فلا تفعله بأحد من المؤمنين، ولا تمل من فعل الخير ولا تثقل على أحد، ولا تمن على أحد اذا أنعمت عليه، وان يكون الدنيا عندك سجناً حتى يجعل الله لك جنة (خروجاً). فهذه أربعون

حديثاً من استقام عليها وحفظها عني من أمتى دخل الجنة برحمة الله، وكان من أفضل الناس وأحبهم الى الله عز وجل بعد النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

ومورده كما ترى العمل بهذه الخصال الاربعين بالكف عن قبائحها واللف على محاسنها.

وخبر أحمد بن عامر الطائي وأحمد بن عبدالله الهروي وداود بن سليمان المروي في العيون عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن آبائه عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) من حفظ على أمتي أربعين حديثاً ينتفعون بها بعثه الله يوم القيامة عالماً.

وخبر موسى بن ابراهيم المروي فى ثواب الاعمال عن الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): من حفظ علي أمتي أربعين حديثاً مما يحتاجون اليه من أمر دينهم بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً.

وخبر حنان بن سدير المروى فى الخصال عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): من حفظ أربعين حديثاً من أحاديثنا في الحلال والحرام بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً.

و خبر محمد بن مسلم المروي في الأمالي عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ): من حفظ من شيعتنا أربعين حديثاً بعثه الله عزوجل يوم القيامة عالماً فقيهاً ولم يعذبه.

أربعتها ظاهرة في تعليم الناس من الحديث أربعين في أمر الدين ولو بالجمع في كتاب.

ولا تنافي بينها وبين الاول، فمقتضى الأول أن من حفظ أربعين بمعنى رعاية الخصال الاربعين المذكورة فيه بعثه الله تعالى مع النبيين، ومقتضى الاربعة أن من حفظ أربعين بمعنى تعليمه الناس اخباراً أربعين بعثه الله تعالى

فقيهاً عالماً، وكل من المعنيين في مورده صحيح.

كما أن ما رواه العامة عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) كما عن أربعين أبي الفتح محمد بن أبيالفوارس الحافظ بلفظ «من حفظ عني على أمتي أربعين حديثاً كنت له شفيعاً» أيضاً لا يعارضها، سواء أبقيناه على اطلاقه أو قيدناه بما نقل احمد بن حنبل عن محمد بن ادريس الشافعي انه سمعه يقول: ان المراد حفظ أربعين حديثاً. مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأهل بيته (عَلَيهِمَ السَّلَامُ).

وقال احمد بن حنبل: فخطر ببالي من أين صح عند الشافعي أن المراد ذلك، فرأيت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فى النوم وهو يقول: شككت في قول محمد بن ادريس الشافعي عن قولي «من حفظ من أمتي أربعين حديثاً في فضائل اهل بيتي كنت له شفيعاً يوم القيامة، أما علمت ان فضائل أهل بيتى لا تحصى » كما لا يخفى، فمن حفظ مطلق الحلال والحرام كما في تلك الاخبار بعث فقيهاً، حفظ في مناقب أهل البيت كان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) شفيعه كما فى ذاك الخبر، فمن عمم ومن أصاب ومن خصص أصاب ولكل ثواب.

و لابی نعیم الحافظ من علماء العامة وهو من أجداد المجلسي (رَحمَةُ اللّه) أربعين في أخبار المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالخصوص.

وأما الخبر الذي بلفظ « من كتب أربعين حديثاً » بدل « من حفظ أربعين حديثاً » الوارد من طريق العامة رواه الذهبي عن بوري بن الفضل الهرمزي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قال: ومن كتب أربعين حديثاً أعطي ثواب الشهداء الذين قتلوا بعبادان وعسقلان.

فقال الذهبي بوضعه، قال: وضعه هو أو محمد بن مضر الانماطي الذي تفرد به عنه.

وحيث أن خبر الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بلفظ «اربعين حديثاً مما يحتاجون اليه من أمر دينهم» وهو يعم كل ماله مدخلية في الدين ربعنا أربعيننا أربعة اجزاء: جزء في معجزاتهم (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) ودلائلهم، وجزء في مناقبهم وفضائلهم، وجزء في مذام اعدائهم ورذائلهم، وجزء فى الحلال والحرام ومسائلهم. وهو حسبنا ونعم الوكيل ويهدي من يشاء الى سواء السبيل.

الحديث الاول

(النعماني في غيبته) قال حدثنا محمد بن همام في منزله ببغداد في شهر رمضان في سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، قال حدثنى احمد بن ما بنداد سنة سبع وثمانين ومائتين، قال حدثنا احمد بن هلال، قال حدثني الحسن بن علي ابن فضال، قال حدثنا سفيان بن ابراهيم الحميري، عن أبيه، عن ابي صادق، عن امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) انه قال: ملك بني العباس عسر لايسر فيه، دولتهم لو اجتمع عليهم الترك والديلم والسند والهند والبربر والطيلسان لم يزيلوه ولايزالون يتمرغون ويتنعمون في غضارة من ملكهم حتى يشذ عنهم مواليهم وأصحاب ألويتهم، ويسلط الله عليهم علجاً يخرج من حيث بدء ملكهم لايمر بمدينة الافتحها ولا ترفع له راية الاهدها ولا نعمة الا ازالها، الويل لمن ناوأه فلا يزال كذلك حتى يظفر ويدفع بظفره الى رجل من عترتي يقول بالحق ويعمل به.

أقول: قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ويسلط الله عليهم علجاً من حيث بدء ملكهم لا يمر بمدينة الا فتحها ولا ترفع له راية الاهدها ولانعمة الا أزالها الويل لمن

ناوأه) واضح عند كل أحد ان المراد به هلاکون خان، فانه قام من حيث بدء ملك بني العباس، كان لايمر بمدينة الا فتحها ولا يرفع له راية الاهدها ولا نعمة الا أزالها ومن ناوأه أفناه ورفع الصراخ والويل في مأواه.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلا يزال كذلك حتى يظفر) أي ينادى بقتل هلاكو للمستعصم واستيصاله سلطنة العباسيين.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ويدفع بظفره الى الرجال من عترتي يقول بالحق ويعمل) به اشارة الى نصب هلاكو لعلي بن طاوس للنقابة، وسيأتي زيادة بيان في ذلك في الخبر الاتي انشاء الله تعالى.

كما ان قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صدر الخبر (ولا يزالون يتمرغون الى قوله حتى يشذ عنهم مواليهم واصحاب ألويتهم) اشارة الى خروج الاتراك على العباسيين وعزلهم خليفة ونصبهم آخر وسلمهم لهم وحبسهم لهم، وكانوا قبل اتخاذ المعتصم الاتراك متنعمين فى غضارة من ملكهم لاسيما في زمن هارون، وكان أول من قتل الاتراك من خلفائهم المتوكل قتله باغر التركي، وبعده صار أمرهم متزلزلا كبني أمية بعد الوليد بن يزيد، وحينئذ فالخبر دلالة واضحة ومعجزة لائحة من أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فان النعماني الذي روى الخبر ألف كتابه قبل قصة هلاكو بأكثر من ثلاثمائة سنة، فان تأليف كتابه كان في حدود سنة ثلاثمائة واربعين، حيث قال في كتابه مشيراً الى القائم (عَلَيهِ السَّلَامُ) (وله الان نيف وثمانون سنة) وهلاكوكان في سنة ستمائة ونيف وخمسين

الحديث الثاني

قال علي بن طاوس فى اقباله انه عزم في يوم الثالث عشر من ربيع الاول سنة اثنتين وستين وستمائة على الافطار بعد صومه الثاني عشر منه لفضله، فوجد حديثاً في كتاب ملاحم البطائني من نسخة عتيقة بخزانة مشهد الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولفظه: وهذا ما رويناه ورأيناه عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: الله أجل وأكرم وأعظم من أن يترك الارض بلا امام عادل. قال: قلت له: جعلت فداك فأخبرني بما استريح اليه. قال: يا أبا محمد ليس يرى امة محمد فرجاً ما دام لولد بنى فلان ملك حتى ينقرض ملكهم، فاذا انقرض ملكهم أتاح الله لامة محمد برجل منا أهل البيت يشير بالتقى ويعمل بالهدى ولا يأخذ في حكمه الرشي، والله انى لاعرفه باسمه واسم ابيه، ثم يأتينا الغليظ القصرة ذو الخال والشامتين القائم العادل الحافظ لما استودع، يملأها عدلا وقسطاً كما ملئتها الفجار جوراً وظلماً.

ثم ذكر تمام الحديث قال: واحتمل أن يكون هو المراد بالخبر، فصام ذلك اليوم وصلى فيه تشكراً وقال ما هذا لفظه: ومن حيث انقرض ملك بني العباس لم أجد ولم أسمع برجل من اهل البيت يشير بالتقى ويعمل بالهدى

ولا يأخذ فى حكمه الرشى كماقد تفضل الله تعالى به علينا باطناً وظاهراً، وغلب على ظنى أو عرفت ان ذلك اشارة الينا وانعام علينا.

فقلت ما معناه: يا الله ان كان هذا الرجل المشار اليه أنا فلا تمنعني من صوم هذا يوم ثالث عشر ربيع الأول على عادتك ورحمتك في المنع مماتريد منعى عنه واطلاقي فيما تريد تمكني منه، فوجدت اذناً وامراً بصوم هذا اليوم وقد تضاحى نهاره فصمته وقلت في معناه: يا الله ان كنت أنا المشار اليه فلاتمنعنى صلاة الشكر وادعيتها، فقمت فلم أمنع بل وجدتني (وجدت) بشيء مأمور فصليتها ودعوت بأدعيتها وقد رجوت أن يكون الله تعالى برحمته قد شرفني بذكرى فى الكتب السالفة على لسان الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فاننا قبل الولاية على العلويين كنا في تلك الصفات مجتهدين وبعد الولاية على العلويين زدنافي الاجتهاد في هذه الصفات والسيرة فيهم بالتقوى والمشورة بها والعمل معهم بالهدى وترك الرشاقديماً وحديثاً، لا يخفى ذلك على من عرفنا ولم يتمكن احد في هذه الدولة القاهرة (1)من العترة الطاهرة كما تمكنا نحن من صدقاتها المتواترة واستجلاب الادعية الباهرة والفرامين المتضمنة لعدلها ورحمتها المتظاهرة، وقد وعدت ان كل سنة اكون في هذا اليوم متمكناً على عادتي من عبادتي أعمل فيه ما يهديني الله اليه من الشكر وسعادة دنياي آخرتي، وكذلك ينبغي ان تعمله ذريتى فانهم مشاركون فيما تضمنه كرامتي ووجدت بشارتين فيما ذكرته فى كتاب البشارات في الملاحم فى تصديق ان المراد نحن بهذه المراحم والمكارم.

قلت: ابن طاوس هذا وهو علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاوس


1) اشار الى الدولة التتارية والسلطنة الهلاكوية «منه».

كان رجلاً ربانياً محضاً، وكان يقال له طاوس أهل البيت، وننقل لك مقداراً من حالاته حتى يتضح لك انطباق ماقاله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (من كونه رجلا يشير بالتقى ويعمل بالهدى ولا يأخذ في حكمه الرشي) عليه بصفاته.

قال في كتابه كشف المحجة لولده ولقد كرر مكاتبتي ومراسلتي بعض ملوك الدنيا الكبار في أن أزوره فى داريتنافس في دخولها كثير من أهل الاغترار، فقلت له مراسلة: أنظر المسكن الذي أنت ساكنه الان فان وجدت فيه حائطاً أو طابقة او أرضاً أو فراشاً أوستراً أو شيئاً من آلاته وضع الله جل جلاله وفي رضاه حتى أحضر وأجلس عليه وأنظر اليه ويهون علي ان اراه.

وكتبت اليه غير مرة: ان الذي كان يحملني على لقاء الملوك في بداية الاعمار التعويل بالاستخارة، وقدر أيت الان بما وهبني الله جل جلاله من الانوار والاطلاع على الاسراران الاستخارة في مثل هذه الاسباب بعيدة عن الصواب ومخاطرة مع رب الارباب.

الى أن قال: ولقد قال لي بعض الأمراء المشكورين لاي سبب تترك مجالستنا ومحادثتنا وأنت تدعونا وتقربنا الى رب العالمين. فقلت له مامعناه: لانني لو رأيت نفسى قوية كل أوان وزمان على أن أجالسكم وأحدثكم وانا مشغول في حال مجالستكم ومحادثتكم بمجالسة الله جل جلاله ومحادثته بقلبى وسريرتي وانكم في ضيافة اقبالي على حرمته بكليتي كنت جالستكم وحدثتكم في كل وقت ممكن من الاوقات، ولكن أخاف ان احدثكم أو أجالسكم وقلبى تارة ملان منكم ومفرغ من تذكاري اننى بين يدي الله جل جلاله فأعتقد ذلك كالكفر اذ عزلته عن ربوبيته وولايته ووليتكم وانتم مماليكه عليه وعلى قلبي الذي هو موضع نظره ومسكن معرفته وان جالستكم وحدثتكم وقلبي تارة معه اعتقدت

14

ذلك شركاً وهلكاً حيث جعلت موقعی من قلبه موقعه.

وقال في جملة كلام له: فأول شرك نصبه الشيطان ليفرق بيني وبين الله جل جلاله صاحب الرحمة والاحسان أنه طلبنى الخليفة المستنصر جزاه الله عنا خير الجزاء للفتوى على عادة الخلفاء، فلما وصلت عند باب الدخول الى من استدعاني لهذه الحال تضرعت الى الله عز وجل مالك الامال وسألته أن يستودع مني ديني وكل ما وهبنيه ويحفظ علي كل ما يقربنى من مراضيه حتى أخرج من عند المشار اليه، فحضرت فاجتهد بكل جهد بلغ توصله اليه أنني أدخل في فتواهم فقواني الله جل جلاله على مخالفتهم والتهوين بنفسي وما أملكه في طلب رضاء الله جل جلاله من العنايات.

الى أن قال في الفصل (127): ثم عاد الخليفة ودعاني الى نقابة جميع الطالبيين على يد الوزير القمي وعلى يدغيره من أكابر دولتهم، وبقي على مطالبتي بذلك عدة سنين فاعتذرت بأعذار كثيرة، فقال الوزير القمي: أدخل واعمل فيها برضاء الله. فقلت: فلاي حال ما تعمل أنت في وزارتك برضاء الله تعالى والدولة أحوج اليك منها الي، فلو كان هذا ممكناً كان قد عملته أنت، ثم عاديتهددني ومازال الله جل جلاله يقوينى عليهم حتى أيدني وأسعدني وعاد المستنصر كلف مخاطبتي بصديق فتحيل معي بكل طريق فقال: اما ان تقول ان الرضي والمرتضى كانا ظالمين أو تعذرهما فتدخل في مثل ما دخلافيه. فقلت: أولئك كان زمانهم زمان بني بويه والملوك شيعة وهم مشغولون بالخلفاء والخلفاء بهم مشغولون فتم للرضى والمرتضى ما ارادا من رضاء الله جل جلاله، واعلم أن هذا الجواب اقتضاه التقية وحسن الظن بهمتهما الموسوية، والافانني ما أعرف عذراً صحيحاً لدخول المذكورين في تلك الامور الدنيوية.

وقال في الفصل (128): ثم عاد اغراؤهم بأبيك حتى طلبه ولد الوزير القمي والتمس أن اكون نديماً في البداية، فعرفت ان ذلك يفضي الى هلاكي باشتغالي بالامور الدنيوية، فاجتهدت بكل حيلة ذكرتها وهو يراجعنى حتى قلت له في آخر كلمات جملتها: انني متى نادمتهم وما اكشف لك ولوالدك أسرارهم واحكي لك أخبارهم اتهمتموني بأنى أسمع فيكم منهم ما تكرهون وتصيرون أعدائي ويؤدي الامر بينى وبينكم الى مقاطعتى والى ماتعلمون.

وقال في الفصل (129): ثم عاد الشيطان لعنه الله اغرائهم بأبيك ان اختار الخليفة المستنصر ان اكون رسولا الى سلطان التتر، فقلت لمن خاطبني في هذه الاشياء ما معناه: ان أنا نجحت ندمت وان جنحت ندمت. فقال: كيف. فقلت: ان نجاح سعيى يقتضي أنكم ما تبغون تعزلونني من الرسالات الى ان ألحق بالاموات وتشغلوني عن العبادات وغيرها من المهمات، وان جنح الامر بين يدي سقطت من عينكم سقوطاً مؤدياً الى كسر حرمتي وفتح باب أذيتى و اشتغالي عن دنياي وآخرتي.

وقال في الفصل (131): ثم عاد المستنصر جزاه الله خير الجزاء كلفني الدخول في الوزارة وضمن لى انه يبلغ في ذلك الى الغاية، وكرر المراسلة والاشارة، وقد شرحت لك في كتاب الاصطفاء هذا الابتلاء والبلاء، فراجعت

واعتذرت حتى بلغ الامر الى ان قلت ما معناه: ان كان المراد بوزارتي على عادة الوزراء يمشون أمورهم بكل مذهب وكل سبب سواء كان موافقاً لرضاء الله جل جلاله ورضاء سيد المرسلين أو مخالفاً لهما في الاراء فانك أدخلته من في الوزارة بهذه القاعدة قام بماجرت عليه العوائد الفاسدة، وان أردت العمل في ذلك بكتاب الله جل جلاله وسنة رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فهذا أمر لا يحتمله من في دارك

ولا مما ليكك ولاخدمك ولا حشمك ولا ملوك الاطراف، ويقال لك اذا سلكت أناسبيل العدل والانصاف والزهد ان هذا على ابن طاوس علوي حسني ما أراد بهذه الامور الا ان يعرف أهل الدهور ان الخلافة لو كانت اليهم كانت على هذه القاعدة من السيرة وان في ذلك رداً على الخلفاء من سلفك وطعناً عليهم، فيكون مرادهمتك أن تقتلني في الحال ببعض أسباب الاعذار والاهوال، فاذا كان الامر يفضي الى هلاكى قدمت في الظاهر فها أنا ذا بين يديك اصنع بيماشئت قبل الذنب فأنت سلطان أمار، وشرعت في الترحل والانتقال عن بغداد بالكلية ومازلت بالله حتى انتقلت الى الحلة.

وقال في الفصل (151): لقد كان ابوك على بن موسى بن جعفر يخرج في اكثر الاوقات تسعة أعشار من الذي يحصل له مماتجب فيه الزكاة ويبقى له ولعياله نحو عشر – الخ.

قلت: ومن طالع كتابه هذا عرف أن الرجل كان فانياً في الله تعالى ومستغرقاً في ذات الله جل وعلا، وعرف انطباق الأوصاف كاملا عليه.

ثم ليتني كنت عنده حتى أعرفه انه ليس منحصراً ما ينطبق عليه بخبر كتاب ملاحم البطائني عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بل ينطبق عليه خبر غيبة النعماني السابق عن امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فى قوله (ويدفع بظفره الى رجل من عترتي يقول بالحق ويعمل به) حتى يزيد فى سروره ويتزايد في شكوره، بل ينطبق عليه بالاخص عموم الخبر اللاحق كما ستقف عليه انشاء الله تعالى.

وعن بعض كتب الانساب أنه لما تولى رضي الدين النقابة وقد جلس في مرتبة خضراء وكان الناس عقيب واقعة بغداد قدر فعوا السواد ولبسوا لباس الخضرة، قال علي بن حمزة الشاعر:

فهذا علي نجل موسى بن جعفر *** شبيه على نجل موسی بن جعفر

فذاك بدست للامامة أخضر *** وهذا بدست النقابة أخضر

قلت: أشار هذا الشاعر الى جعل المأمون الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولي عهده وامره بازالة السواد الذي هو شعار العباسيين.

قال المسعودي: وفي سنة مائتين بعث المأمون برجاء بن ابى الضحاك وياسر الخادم الى علي بن موسی بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) لاشخاصه، فحمل اليه مكرماً.

وقال: وفيها امر المأمون باحصاء ولد العباس من رجالهم ونسائهم وصغيرهم وكبيرهم، فكان عددهم ثلاثة وثلاثين ألفاً ووصل الى المأمون علي بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو بمدينة مرو، فأنزله المأمون احسن انزال، وامر المأمون بجمع خواص الاولياء وأخبرهم انه نظر في ولد العباس وولد علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلم يجد في وقته احداً أفضل ولا أحق بالامر من علي بن موسى الرضا، فبايع له بولاية العهد وضرب اسمه على الدنانير والدراهم وزوج محمد بن علي بن موسى الرضا بابنته ام الفضل وأمر بازالة السواد من اللباس والاعلام، ونمى ذلك الى من بالعراق من ولد العباس فأعظموه اذ علموا أن في ذلك خروج الامرعنهم.

قلت: وحينئذ فخبر البطائنى ايضاً معجزة باهرة ودلالة ظاهرة كخبر النعماني لوجود کتاب خبره قبل وقوع القضية بقرون.

الحديث الثالث

نقل المجلسى عن خط الجباعي عن الشهيد عن خط العلامة عن خط والده قال: وجدت رقعة عليها مكتوب بخط عتيق ماصورته:

بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما اخبرنا به الشيخ الاجل العالم عزالدين ابو المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحسنى الحلبي، أملى من لفظه عند نزوله بالحلة السيفية وقدوردها حاجاسنة اربع وسبعين وخمسمائة ورأيته يلتفت يمنة ويسرة، فسألته عن سبب ذلك قال: انني لاعلم أن المدينتكم هذه فضلا جزيلا قلت: وماهو ؟ قال:

أخبرني ابي عن ابيه عن جعفر بن محمد بن قولويه عن الكليني، قال حدثنى على بن ابراهيم، عن ابيه، عن ابن ابی عمیر عن ابي حمزة الثمالي عن الاصبغ بن نباتة قال: صحبت مولاي امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عندو روده الى صفين وقد وقف على تل غرير ثم أومى الى أجمة مابين بابل والتل وقال: مدينة وأي مدينة. فقلت له: يا مولاي اراك تذكر مدينة أكان ههنا مدينة وانمحت آثارها.. فقال: لا، ولكن سيكون مدينة يقال لها الحلة السيفية يمدنها رجل من بني أسد يظهر بها قوم أخيار لو أقسم احدهم على الله لابر قسمه.

اقول: قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (يمدنها رجل من بني أسد) اشارة الى سيف الدولة باني الحلة.

قال الحموي في بلدانه: حلة بنى مزيد مدينة كبيرة بين الكوفة وبغداد، كانت تسمى الجامعين. قال: وكان أول من عمرها ونزلها سيف الدولة صدقة ابن منصور بن دبيس بن على بن مزيد الاسدي وكانت منازل آبائه الدور من النيل، فلما قوي امره واشتد أزره وكثرت أمواله لاشتغال الملوك السلجوقية بر كياروق ومحمد وسنجر أولاد ملكشاه بن البارسلان بما تواتر بينهم من الحروب انتقل الى الجامعين موضع في غربى الفرات ليبعد عن الطالب، وذلك في محرم 495 وكانت أجمة تأوى اليها السباع، فنزل بها بأهله وعساكره وبنى بها المساكن الجليلة والدور الفاخرة، وتأنق اصحابه في مثل ذلك فصارت، ملجأ وقد قصدها التجار فصارت أفخر بلاد العراق وأحسنها مدة حياة سيف الدولة، فلما قتل بقيت على عمارتها فهى اليوم قصبة تلك الكورة - الخ.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (يظهر بها قوم أخيار لو أقسم احدهم على الله لا بر قسمه) اشارة الى علماء اجلاء من الامامية قاموا من الحلة كابن ادريس والمحقق وابن عمه والعلامة وأبيه واخيه وابن فهد، ولاسيما الفاضلان المحقق والعلامة فحالهما مستغن عن البيان، وكبنى طاوس على بن طاوس واحمد بن طاوس وابنيهما، ولاسيما الاول كما تقدمت الاشارة اليه في الخبر ين المتقدمين، فقد قال العلامة في اجازته في حقه أنه كان صاحب كرامات.

ومما يصدق قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (لو أقسم أحدهم على الله لابر قسمه) ما حكاه في الفصل (14) من كتابه امان الاخطار قال: وكنت مرة قد توجهت من بغداد الى الحلة على طريق المدائن، فلما حصلنا في موضع بعيد من القرى جاءت لغيوم والرعود واستوى الغمام للمطر وعجزنا عن احتماله، فألهمني الله جل

جلاله أن اقول يا من يمسك السماوات والارض أن تزولا امسك عنا مطره وخطره و کدره بقدرتك القاهرة وقوتك الباهرة وكررت ذلك و امثاله كثيراً وهو متماسك بالله جل جلاله حتى وصلنا الى قرية فيها مسجد فدخلته وجاء الغيث شيئاً عظيماً في اللحظة التي وصلت فيها المسجد وسلمنا منه.

وقال أيضاً: وتوجهت مرة في الشتاء بعيالي من مشهد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى بغداد في السفن، فتغيمت الدنيا وأرعدت وبدا المطر فألهمت أن قلت ما معناه «اللهم ان هذا المطر تنزله لمصلحة العباد وما يحتاجون اليه من عمارة البلاد فهو كالعبد في خدمتنا ومصلحتنا، ونحن الان قد سافرنا بأمرك راجين لاحسانك وبرك فلا تسلط علينا ما هو كالعبد لنا أن يضرنا واجرنا على عوائد العناية الالهية والرعاية الربانية واجر المطر على عوائد العبودية واصرفه عنا الى المواضع النافعة لعبادك وعمارة بلادك» فسكن في الحال.

قلت: ومن خيريته جده في حمل الناس على الاجتهاد في العبادات والطاعات، فصنف كتباً كثيرة في الادعية والمناجاة وقال: اذا سافر انسان مقدار نهار فليحمل معه کتابه (الاسرار المودعة فى ساعات الليل والنهار) واذا كان سفره مقداريوم وليلة فليحمل معه كتابه (فلاح السائل) واذا كان مقدار اسبوع فليحمل كتابه (زهر الربيع في ادعية الاسابيع) واذا كان مقدار شهر فليحمل معه كتابه (الدروع الواقية) واذا كان مقدار سنة فليحمل معه كتابه (الاقبال)

الحديث الرابع

روى النعماني في الحديث الرابع من أخبار (باب ما روي في الغيبة) عن ابن عقدة، عن احمد بن محمد الدينوري، عن علي بن الحسن الكوفي، عن عمرة بنت أوس، عن جدها الخضر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده عمر بن سعد، قال: قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): لايقوم القائم حتى تفقاً عين الدنيا وتظهر الحمرة في السماء وتلك دموع حملة العرش على أهل الارض حتى تظهر فيهم أقوام لاخلاق لهم يدعون لولدي وهم براء من ولدى، تلك عصابة رديئة لاخلاق لهم على الاشرار مسلطة و للجبابرة مفتنة وللملوك مبيرة تظهر في سواد الكوفة، يقدمهم رجل اسود اللون والقلب رث الدين لا خلاق له مهجن زنيم عتل تداولته أيدي العواهر من الامهات من شر نسل نسل، لاسقاها المطر فى سنة اظهار غيبة المتغيب من ولدي صاحب الراية الحمراء والعلم الاخضر، أي يوم للمخبتين بين الانبار وهيت، ذلك يوم فيه صيلم الاكراد والشراة وخراب دار الفراعنة ومسكن الجبابرة ومأوى الولاة الظلمة وأم البلاء وأخت العار، تلك ورب علي يا عمر بن سعد بغداد، ألا لعنة الله على

العصاة من بني أمية وبني فلان الخونة الذين يقتلون الطيبين من ولدي ولا يراقبون فيهم ذمتي ولا يخافون الله فيما يفعلونه بحرمتي.

ان لبني العباس يوماًكيوم الطموح، ولهم فيه صرخة كصرخة الحبلى، الويل لشيعة ولد العباس من الحرب التي تسنح بين نهاوند والدينور، تلك حرب صعاليك شيعة علي، يقدمهم رجل من همدان اسمه على اسم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) منعوت موصوف باعتدال الخلق وحسن الخلق ونضارة اللون له في صوته ضحك وفى اشفاره و طف و في عنقه سطح فرق الشعر مفلج الثنايا على فرسه كبدر التمام تجلى عنه الغمام يسير بعصابة خير عصابة آوت وتقرئت ودانت الله بدين، تلك الابطال من العرب الذين يلحقون حرب الكريهة والدبرة يومئذ على الاعداء ان للعدويوم ذاك الصيلم والاستيصال.

أقول: الذي يظهر لي أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذيل الخبر (يقدمهم رجل من همدان اسمه على اسم النبي) اشارة الى نصير الدين الطوسي المعروف بخواجه في كونه على مقدمة هلاكو خان لما أن قدم بغداد وقتل المستعصم و انقرضت الدولة العباسية، ويشهد له قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (اسمه على اسم النبى) فاسمه كان محمداً واسم ابيه ايضاً محمد، وكذا يشهد له قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (منعوت موصوف باعتدال الخلق وحسن الخلق).

أما حسن خلقه فقد قال العلامة في اجازته الكبيرة: وكان هذا الشيخ أفضل أهل عصره في العلوم العقلية والنقلية. الى ان قال: وكان أشرف من شاهدناه في الاخلاق -- الخ.

وذكروا في أحواله أن رجلا من أعدائه كتب اليه (يا كلب ابن كلب) فكتب في جوابه (أما قوله يا كذا فليس بصحيح لان الكلب من ذوات الأربع وهو

نابح طويل الاظفار وأما انا فمنتصب القامة بادي البشرة عريض الاظفار ناطق ضاحك، فهذه الفصول والخواص غير تلك الفصول والخواص واطال ذلك الرجل الجليل في نقض كلام خصمه الرذل بهذه الكيفية ولم يذكر في الجواب كلمة قبيحة.

وأما منعوتيته فقد عرفت أن العلامة نعته بأنه كان افضل أهل عصره في العلوم العقلية والنقلية.

وقال جرجي زيدان النصراني صاحب تاريخ التمدن الاسلامي في حقه: انه جمع في خزانة كتبه ما ينوف على اربعمائة الف مجلد، وأنه اقام المنجمين والفلاسفة ووقف عليها الاوقاف. قال: فزها العلم في بلاد المغول على يد هذا الفارسي كأنه قبس منير في ظلمة مدلهمة.

وأما قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (يسير بعصابة خير عصابة آوت وتقربت ودانت الله بدين تلك الابطال من العرب الذين يلحقون حرب الكريهة) أحتمل قريباً أن يكون اشارة الى رجال أهل الحلة الذين جاؤا الى هلاكولما توجه نحو بغداد فانه ينطبق عليهم ما ذكره (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فانهم كانوا عرباً اماميين على دين نصير الدين ومن معه من الشيعة و آووهم وتقربوا اليهم وقد كان والد العلامة وباقي علماء الحلة جاؤا الى الملك هلاكو واخبروه ان امير المؤمنين رئيس دينهم جاء الخبر عنه بأن الملك يفتح البلاد ويغلب على بغداد وخوتم بالخلافة العباسية كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) (يوم ذاك الصيلم والاستيصال)

كما ان قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخبر قبل ذلك (ان لبني العباس يوماً كيوم الطموح) احتمل قريباً أيضاً أن يكون اشارة الى خداع الوزير العلقمي الامامى للمسعتصم آخر خليفة عباسي حتى فرق جنده، وكتب الى هلاكو بأني أخليت

لك بغداد فهلم اليه انتقاماً منه لما فعل بمحلة الشيعة كرخ بغداد من القتل والنهب والسبي.

قال في روضة المناظر: وفي سنة (656) قصد هلاكو بغداد وقتل الخليفة المستعصم. قال: ودخلت التتر بغداد وقتلوا ونهبوا نحو أربعين يوماً، وكان السبب في حضور التتر استدعاء الوزير ابن العلقمي لهم.

وقال: وفي سنة 663 مات هلاكو بن طلو بن جنكيز خان واستقر ولده (ابغا) على ما كان بيد والده من الممالك، وهي مملكة خراسان و كرسيها نيسابور وعراق العجم و كرسيها اصفهان وعراق العرب و كرسيها بغداد ومملكة اذربيجان و كرسيها تبريز ومملكة خوزستان وكرسيها تستر ومملكة فارس و کرسیها شیراز وديار بكر وكرسيها الموصل وبلاد الروم وكرسيها قونية ومابين هذه الممالك من البلاد الكثيرة.

ووجه ما ذكرنا من كون (يوم الطموح) اشارة الى انتقام العلقمي من المستعصم ما قاله ابن قتيبة في شعرائه: ان امرأ القيس بن حجر كان يأتي ابنة قيصر وتأتيه وطبن الطماح بن قيس الاسدي لهما، وكان حجر قتل أباه فوشى به الى الملك فخرج أمرؤ القيس متسرعاً فبعث قيصر في طلبه رسولا فأدركه دون انقرة بيوم ومعه حلة مسمومة فلبسها في يوم صائف فتناثر لحمه وتفطر جسده - الخ.

فان قيل: ان الخبر بلفظ الطموح والمنتقم من امرء القيس الطماح. قلت: الفرق بينهما في غاية القلة، والظاهر وقوع التصحيف، وسيأتي كلام المجلسي بأن في الخبر تحريفات.

والظاهر أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (لا يقوم القائم - الى - وتلك دموع حملة العرش على أهل الارض) في أول الخبر اشارة الى فجائع بني أمية، وقوله بعد

ذلك (حتى تظهر الى - وللملوك مبيرة) اشارة الى ظهور دعاة بني العباس، و كان ظهورهم في سنة مائة فأنهم دعوا الناس الى بني العباس باسم أهل البيت وأخذ ثارهم ولم يكن لهم عقيدة بهم.

كما أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (تظهر في سواد الكوفة يقدمهم رجل أسود اللون والقلب) الخ، الظاهر كونه اشارة الى ابى مسلم، أما كونه من سواد الكوفة فقال المسعودي: وكان من أهل البرس والجامعين من قرية يقال لها خرطينة واليها تضاف الثياب البرسية المعروفة بالخرطينية، وتلك من اعمال الكوفة وسوادها.

وأما اسودية قلبه وقساوته فقد قيل انه قتل ستمائة ألف صبراً سوى من قتل في حروبه خمسة أضعاف من قتل الحجاج صبر صبراً.

وأما قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (زنيم عتل) فلم يكن معلوم النسب، وروى الطبرى أن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس لما سأل الدعاة عنه قالوا: أما عيسى فيزعم أنه عبد، وأما هو فيزعم انه حر. قال: فاشتروه واعتقوه.

وقال المسعودي: ان المنصور لما أراد قتله قال له ألست الكاتب الي تخطب آسية بنت علي وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس.

وأما قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (صاحب الراية الحمراء والعلم الاخضر) فقد روى الطبرى أن أبا مسلم تحول عن منزل عيسى بن أعين فنزل على سليمان بن كثير الخزاعي في قريته التي تدعى سفيدانج من ربع خرقان لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة 129، فلما كانت ليلة الخميس لخمس بقين من شهر رمضان سنة 129 عقدوا اللواء الذي بعث به الامام اليه الذي يدعى «الظل» على رمح طوله أربعة عشر ذراعاً، وعقد الراية التي بعث بها الامام التي تدعى «السحاب» على

رمح طوله ثلاثة عشر ذراعاً وهو يتلو أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الى أن قال: وتأول هذين الاسمين (الظل) و(السحاب) أن السحاب يطبق الارض وكذلك دعوة بني العباس، وتأويل الظل أن الارض لا تخلو من الظل أبداً وكذلك لاتخلو من خليفة عباسي أبد الدهر - الخ.

هذا وقد قال المجلسي بعد نقله الخبر: انما أوردته مع كونه مصفحأمغلوطاً وكون سنده منتهياً الى شر خلق الله عمر بن سعد لعنه الله لاشتماله على الاخبار بالقائم، ليعلم تواطؤ المخالف والمؤالف عليه.

قلت: ورد سند هذا الخبر وهو رابع باب أخبار غيبة الغيبة في الخبر الثاني منه أيضاً، وفيه ابن سعيد بدل ابن سعد، ولو كان ابن سعد لم يعلم كونه ذاك فلم يذكره أحد في رجال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع عدهم زياد بن أبيه في رجاله عده الشيخ وقال « زياد بن عبيد عامل علي بالبصرة » ولم يتفطن العلامة وابن داود انه المراد، فعنوناه في القسم الاول من كتابيهما في الرجال المعد للمعتمدين.

وذكره كثير من العامة كابن قتيبة وغيره اجتراءاً على الله ورسوله وتبعاً لامامهم معاوية بلفظ: زياد بن أبي سفيان

وعنون العامة هذا ولم يذكروا روايته عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بل عن أبيه، وقد وثقه أعداء الله.. مع تصريحهم بكونه قاتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فعن تهذيب الكمال: عن ابن عبدون العجلي قال: كان ابن سعد يروي عن أبيه أحاديث وروى الناس عنه وهو الذي قتل الحسين وهو تابعي ثقة.

وبالجملة لم يعلم حضور هذا عند أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوماً بعد تخلف أبيه عن بيعته.

ثم انه بعد ما قلنا في الخبرين الاولين من كون تأليف كتاب النعماني في حدود ثلاثمائة وأربعين وقصة هلاكو والمستعصم والمحقق الطوسي والوزير العلقمي وعلماء الحلة كانت بعد ستمائة وخمسين، يعلم أن الخبر مشتمل على آيات بينات ودلائل نيرات.

الحديث الخامس

قال في نهج البلاغة ومنه ويؤمي به الى وصف الاتراك: كأني أراهم قوماً كأن وجوههم المجان المطرقة، يلبسون السرق والديباج ويعتقبون الخيل العتاق ويكون هناك استحرار قتل حتى يمشي المجروح على المقتول ويكون المفلت أقل من المأسور. فقال له بعض أصحابه: لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب. فضحك (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال للرجل وكان كلبياً: يا أخا كلب ليس هو بعلم غيب وانما هو تعلم من ذي علم، وانما علم الغيب علم الساعة وما عدده الله سبحانه بقوله ان الله عنده علم الساعة الاية الرواية.

أقول: الفراغ من نهج البلاغة كان في سنة أربعمائة والاتراك الذين أخبر عنهم في هذا الخبر وهم التتار كانوا بعد الستمائة، فهو ايضاً من الدلائل الكاملة.

قال ابن ابى الحديد في شرحه: واعلم أن هذا الغيب الذي أخبر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنه قد رأيناه نحن عياناً ووقع في زماننا، وكان الناس ينتظرونه من أولى الاسلام حتى ساقه القضاء والقدر الى عصرنا وهم التتار الذين خرجوا من أقاصي المشرق حتى وردت خيلهم العراق والشام وفعلوا بملوك الخطا وقفجاق وببلاد ما وراء النهر وبخراسان وما والاها من بلاد العجم مالم تحتو

التواريخ منذ خلق الله تعالى آدم الى عصرنا هذا على مثله، فان بابك الخرمي لم يكن نكايته و ان طالت مدته نحو عشرين سنة الا في اقليم واحد وهو آذربيجان و هؤلاء دوخوا المشرق كله وتعدت نكايتهم الى بلاد ارمينية والى الشام ووردت خيلهم العراق، وبختنصر الذي قتل اليهود انما اخرب بيت المقدس وقتل من كان بالشام من بني اسرائيل، وأي نسبة لبيت المقدس الى البلاد والامصار التي أخر بها هؤلاء والى الناس الذين قتلوهم من المسلمين وغيرهم. ثم ذكر تفصيلهم الى عصره حكومة قاءان بن جنگیز.

وقال ابن الاثير في حوادث سنة 617 في عنوان خروج التترالي بلاد الاسلام قد بقيت عدة سنين معرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها كارهاً لذكرها، فأنا أقدم اليه رجلا واؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الاسلام والمسلمين، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك، فياليت أمي لم تلدني وياليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً، الا اني حثني جماعة من الاصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف، ثم رأيت ان ترك ذلك لا يجدي نفعاً فنقول:

هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الايام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق وخصت المسلمين.

الى أن قال: فانالله وانا اليه راجعون ولاحول ولاقوة الا بالله العلي العظيم لهذه الحادثة التي استطار شررها وعم ضررها وسارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح، فان قوماً خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد ترکستان مثل کاشغر وبلاد ساغون ثم منها الى بلاد ماوراء النهر مثل سمرقند و بخارا وغيرهما فيملكونها ويفعلون بأهلها ما نذكره، ثم تعبر طائفة منهم الى خراسان فيفرغون منها ملكاً وتخريباً وقتلا ونهباً، ثم يتجاوزونها الى الري وهمدان

وبلد الجبل ومافيه من البلاد الى حد العراق ثم يقصدون بلاد آذربیجان و ارانیه ويخربونها ويقتلون اكثر اهلها ولم ينج الا الشريد النادر في أقل من سنة هذا مالم يسمع بمثله، ثم لما فرغوا من اذربيجان و ارانیه ساروا الى در بندشروان فملكوا مدنه ولم يسلم غير القلعة التي بها ملكهم، وعبروا عندها الى بلد اللان واللكز ومن في ذلك الصقع من الامم المختلفة فأوسعوهم قتلاونهباً وتخريباً، ثم قصدوا بلاد قفقاج وهم من اكثر الترك عدداً فقتلوا كل من وقف لهم فهرب الباقون الى الغياض ورؤس الجبال وفارقو ابلادهم واستولى هؤلاء التتر عليها.

فعلوا هذا فى اسرع زمان لم يلبثوا الا بمقدار مسيرهم لاغير، ومضى طائفة أخرى غير هذه الطائفة الى غزنة وأعمالها وما يجاورها الى بلاد الهند وسجستان و كرمان ففعلوا فيها مثل فعل هؤلاء وأشد، هذا ما لم يطرق الاسماع مثله فان الاسكندر الذي اتفق المؤرخون على أنه ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة انما ملكها في نحو عشر سنين ولم يقتل أحداً انما رضي من الناس بالطاعة، وهؤلاء قد ملكوا اكثر المعمورة من الأرض واحسنه واكثره عمارة وأهلا و أعدل اهل الارض أخلاقاً وسيرة في نحو سنة، ولم يبت احد من البلاد التي لم يطرقوها الأوهو خائف يتوقعهم ويترقب وصولهم.

ثم انهم لا يحتاجون الى ميرة ومدد يأتيهم، فانهم معهم الاغنام والبقر والخيل وغير ذلك من الدواب يأكلون لحومها لاغير، وأما دوابهم التي يركبونها فانها تحفر الارض بحوافرها وتأكل عروق النبات لاتعرف الشعير، فهم اذا نزلوا منزلا لا يحتاجون الى شيء من خارج وأما ديانتهم فانهم يسجدون للشمس عند طلوعها ولا يحرمون شيئاً، فانهم يأكلون جميع الدواب حتى الكلاب والخنازير وغيرها ولا يعرفون نكاحاً بل المرأة يأتيها غير واحد من الرجال - الخ.

وقال في عنوان خوارزم: وقتلوا كل من في البلد ونهبوا كل مافيه،، ثم انهم فتحوا السكر الذي يمنع ماء جيحون عن البلد فدخله الماء فغرق البلد جميعاً وتهدمت الابنية وبقي موضعه ولم يسلم من أهله احد البتة، فان غيره من البلاد قد كان يسلم بعض أهله فمنهم من يختفي ومنهم من يهرب ومنهم من يجرح ثم يسلم ومنهم من يلقى نفسه بين القتلى فينجو، وأما أهل خوارزم فمن اختفى من التتر غرقه الماء أو قتله الهدم فأصبحت خراباً يباباً.

وقال: وكانوا لما قتلوا أهل مر وقيل لهم ان قتلاهم سلم منهم كثير ونجوا الى بلاد الاسلام، فأمروا بأهل نيشابور ان تقطع رؤسهم لئلا يسلم من القتل أحد، فلما فرغوا من ذلك سيروا طائفة منهم الى طوس ففعلوا بها كذلك أيضاً وخربوها وخربوا المشهد الذي فيه علي بن موسى الرضا والرشيد حتى جعلوا الجميع خراباً.

وقال: سمعت بعض أكابر الكرج يقول: من حدثكم أن التتر انهزموا و أسروا فلا تصدقوه، واذا حدثتم انهم قتلوا فصدقوا، فان القوم لا يفرون ابداً ولقد أخذنا أسيراً منهم فألقى نفسه من الدابة وضرب رأسه بالحجر الى أن مات ولم يسلم نفسه للاسر.

وقال في دخولهم ديار بكر: وحكى لى عنهم حكايات يكاد سامعها يكذب بها من الخوف الذى ألقاه الله سبحانه وتعالى في قلوب الناس منهم، حتى قيل ان الرجل الواحد منهم كان يدخل القرية أو الدرب و به جمع كثير من الناس، فلا يزال يقتلهم واحداً بعد واحد لا يتجاسر أحد يمد يده الى ذلك الفارس، ولقد بلغنى أن انساناً متهم أخذ رجلا ولم يكن مع التتر مايقتله به فقال له ضع رأسك على الارض ولا تبرح، فوضع رأسه على الارض ومضى التتري أحضر سيفاً فقتله به.

وقال فى وصولهم الى آذربیجان: كل مامروا عليه نهبوه ومالا يصلح لهم أحرقوه، فكانوا يجمعون الابريسم تلالا ويلقون فيه النار وكذلك غيره من الامتعة.

وقال: انه اذا عجز أسيرهم عن المشي قتلوه

وقال وكانت عادتهم اذا قاتلوا مدينة قدموا من معهم من أسارى المسلمين بين أيديهم وهم المساكين كما قيل كالاشقران تقدم ينحروان تأخر يعقر، فيكون القتل في المسلمين الاسارى وهم بنجوة منه.

وقال المنشىء صاحب تاريخ التتر: ان علاء الدین خوارز مشاه محمد ابن علاء الدين تكش بن ارسلان بن اكش انوشتكين ملك غزنة احدى وعشرين سنة وعظم ملكه واتسع، وفوض الى ابنه الاكبر جلال الدين ملك غزنة وما يليها الى الهند، وملك خوارزم و خراسان و مازندران الى ولده قطب الدین ایلاغشاه، وملك كرمان وكيش ومكران الى ولده غياث الدين تترشاه، وملك العراق الى ولده ركن الدين غورشاه. وضرب لكل واحد منهم النوب الخمس في أوقات الصلوات الخمس على عادة السلجوقية وانفرد هو بنوبة ذي القرنين يضرب وقتى طلوع الشمس وغروبها، وكانت دبادبه سبعاً وعشرين دبدبة من الذهب مرصفة بالجواهر، وكذلك باقي آلات النوبة وأول يوم رتبها ضر بها سبعة وعشرون ملكاً من اكابر الملوك، منهم طغرلبك وارسلان السلجوقي والملك علاء الدين صاحب باميلان والملك تاج الدین صاحب بلخ وولده الملك الاعظم صاحب ترمد والملك سنجار صاحب بخارا، وأخذ من جملة أمواله جنكز خان عشرة صناديق مملؤة من الجواهر. قال خوارزمشاه عن صندوقين منهما لما أودع فيهما من الجواهر ما يساوى خراج الأرض بجملتها، وكان له ثلاثون ألف جار من الجبل وحدها وتوفي سنة تسع عشرة هارباً من التتر ولم يكن عنده ما يكفن

فيه سوى قميصه الذي عليه وأما جلال الدين فانه ملك غالب ملك ابيه. قال: وكان يلقب بخوند عالم وكان شديد الغيرة، ولما أدركته خيل التتاركان على نهر السند قالت له حريمه بالله عليك أقتلنا أو خلصنا فأمر بهن فأغرقن.

قلت: ولم ينحصر اخباره (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الخطبة بالتتار، بل أخبر بصاحب الزنج ايضاً، ففى النهج أيضاً فيما يخبر به (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الملاحم بالبصرة: يا أحنف كأني به وقد سار بالجيش الذي لا يكون له غبار ولا لجب ولا قعقعة لجم ولا حمحمة خيل يثيرون الارض بأقدامهم كأنها أقدام النعام. قال: يؤمى بذلك الى صاحب الزنج، ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ويل لسككم العامرة والدور المزخرفة التى لها أجنحة كأجنحة النسور وخراطيم كخراطيم الفيلة من أولئك الذين لا يندب قتيلهم ولا يفتقد غائبهم انا كاب الدنيا لوجهها وقادرها بقدرها وناظرها بعينها.

أقول: قال المسعودي وكان خروج صاحب الزنج بالبصرة في خلافة المهتدي، وكان، وكان يزعم انه علي بن احمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين ابن علي بن ابي طالب، واكثر الناس يقولون انه دعي آل ابی طالب، وكان من اهل قرية من أعمال الرمي يقال وزيق.

وقال: وكان أنصاره الزنج وكان ظهوره ببرغيل بين مدينة الفتح وكرخ البصرة فى ليلة الخميس لثلاث بقين من شهر رمضان سنة خمس وخمسين، وقتل ليلة السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين ومائتين، وذلك في خلافة المعتمد على الله.

وقال: وشخص الموفق لمحاربة صاحب الزنج في صفر سنة سبع وستين ومائتين وقدم الموفق ابنه ابا العباس في ربيع الاخر الى سوق الخميس وقد كان الشعراني صاحب العلوي قد تحصن بها في جمع كثير، ففتح هذا الموضع

وغنم جميع ما كان فيه وفتح مواضع كثيرة، وقتل من كان فيها من الزنج وسار الموفق الى الاهواز فأصلح ما أفسده الزنج ثم عاد الى البصرة فلم يزل منازلا لصاحب الزنج حتى قتل، فكانت مدة ايامه أربع عشرة سنة واربعة اشهر فقتل الصغير والكبير والذكر والانثى ويحرق ويخرب، وقد كان أتى بالبصرة في وقعة واحدة على قتل ثلاثمائة ألف من الناس، وقد كان المهلبي من علية اصحاب علي بن محمد بعد هذه الواقعة، فنصب منبراً بالموضع المعروف بمقبرة بنى يشكر وكان يصلي يوم الجمعة بالناس.

الى أن قال: ولما ركن من بقي بالبصرة الى هذا الفعل من المهلبي فاجتمعوا في بعض الجمع فوضع فيهم السيف فمن ناج سالم ومن مقتول وغريق، واختفى كثير من الناس في الدور والابار فكانوا يظهرون بالليل فيأخذون الكلاب فيذبحونها ويأكلونها والفيران والسنانير فأفنوها حتى لم يقدروا منها على شيء، فكانوا اذامات الواحد منهم أكلوه وعدم وامع ذلك الماء العذب.

وذكر عن امرأة منهم انها حضرت امرأة تنازع ومعها اختها وقد احتوشوها ينتظرون أن تموت فيأكلون لحمها، قالت المرأة فماماتت حتى ابتدرنا فقطعناها و اكلناها ولقد حضرت اختها وقد جاءت على النهر وهى تبكي ومعها رأس اختها، فقيل لها: ويحك مالك تبكين؟ قالت: اجتمعوا على أختي فما تركوها حتى تموت موتاً حسناً حتى قطعوها فظلموني فلم يعطوني من لحمها شيئاً الارأسها هذا وهى تشتكي ظلمهم لها في أختها. ومثل هذا كثير وأعظم مما وصفنا.

وقال: وكان ينادي فيه على المرأة من قريش وبني هاشم بنسبها هذه ابنة فلان الفلاني لكل زنج منهم العشرة والعشرون والثلاثون يطؤهن الزنج ويخدمن النساء الزنجيات كما تخدم الوصائف.

قال: وقد تكلم الناس في مقدار ماقتل فى هذه السنين فمكثر ومقلل، فأما المكثر فانه يقول أفني من الناس مالايدركه العد ولا يقع عليه الاحصاء ولا يعلم ذلك الا عالم الغيب فى مافتح من هذه الامصار والبلدان والضياع وأباد اهلها، والمقلل يقول افنى من الناس خمسمائة ألف، وكلا الفريقين يقول في ذلك ظناً وحدساً اذ كان شيئاً لايدرك ولا يضبط.

و نقل ابن ابى الحديد عن الطبري شرحه الى ان قال في كيفية قتله: وجد الموفق في طلب الناجم وأمعن فى نهر أبي الخصيب حتى انتهى الى آخره، فبينا هو كذلك اذ أتاه البشير بقتل الناجم فلم يصدق، فوافاه بشير آخر ومعه كف زعم انها كفه فقوى الخبر عنده بعض القوة، فلم يلبث ان أتاه غلام لؤلؤيركض ومعه رأس الناجم فوضعه بين يديه، فعرضه الموفق على من كان حاضراً تلك الحال معه من قواد المستأمنة فعرفوه وشهدوا أنه رأس صاحبهم، فخر ساجداً. الى أن قال: وانصرف فى هذا اليوم وهو يوم السبت ابواحمد ورأس الناجم بين يديه.

وقال ابن ابى الحديد: هذه روايته واكثر الناس عليها. قال: وذكر المسعودي في كتاب کتاب مروج الذهب أن الناجم أرتث وحمل الى أبي أحمد وهو حي فسلمه الى ابنه أبى العباس وأمره بتعذيبه، فجعله كردناجاً على النار وجلده ينتفخ ويتفرقع حتى هلك، والرواية الأولى هي الصحيحة، والذي جعل كردناجاً هو قرطاس الذي رمى أبا أحمد بالسهم، ذكر ذلك التنوخي في نشوار المحاضرة قال: كان الزنج لما رمى أبو أحمد وتأخر لعلاج جراحته عن الحرب يقولون ملحوه ملحوه أي قدمات وأنتم تكتمون موته فاجعلوه كاللحم المملح و كان قرطاس الرامي لابى أحمد يصيح بأبي العباس في الحرب اذا أخذتني

36

فاجعلني كردناجاً يهزأ به، فلما ظفر به ادخل في دبره سيخاً من حديد فأخرجه من فيه وجعله على النار كردناجاً.

قلت: ان المسعودي انما قال ان محمد بن الحسن بن سهل الذي كان أول من صنف في أخبار صاحب الزنج كتاباً فعل به أبو العباس المعتضد ما قال من شواه على النار لاصاحب الزنج نفسه، وابن وأبى الحديد خلط، وننقل لك عبارة المسعودي حتى يتضح المطلب.

قال: وقد صنف الناس في أخباره وحروبه وما كان من أمره كتبأ كثيرة، وكان أول من صنف فيه وماكان من بدء أمره ووقوعه الى بلاد البحرين وما كان من خبره مع الاعراب محمد بن الحسن بن سهل ابن أخي ذي الرياستين الفضل بن سهل صاحب المأمون، وهو الرجل الذي كان من أمره مع المعتضد ما قد ذكرناه واشتهر قبل ذلك في الناس وماكان من امره الى أن جعله كدجاج على النار وجلده ينتفخ ويتفرقع، وقد ذكر الناس صاحب الزنج في أخبار المبيضة - الخ.

ومنشأ وهمه قوله «وهو الرجل الذي » الخ، فظن أن الضمير راجع الى صاحب الزنج مع أن المراد به ابن أخي الفضل أول من صنف في أخبار صاحب الزنج.

ومما يوضح ماذكرنا أن المسعودى قال فى أخبار المعتضد: وفي سنة ثمانين ومائتين أخذ ببغداد رجل يعرف بمحمد بن الحسن بن سهل ابن اخي ذي الرياستين الفضل بن سهل يلقب بشميله ومعه عبيد الله بن المهتدي، ولمحمد ابن الحسن بن سهل هذا تصنيفات في أخبار المبيضة، وله كتاب مؤلف في اخبار على بن محمد صاحب الزنج على حسب ما ذكرنا من أمره فيما سلف

من هذا الكتاب، فأقر عليه جماعة من المستأمنة من عسكر العلوي وأصيبت له جرائد فيها أسماء رجال قد أخذ عليهم البيعة لرجل من آل ابی طالب و كانواقد عزموا على أن يظهروا ببغداد في يوم بعينه ويقتلوا المعتضد، فأدخلوا الى المعتضد فأبى من كان مع محمد بن الحسن أن يقروا وقالوا: أما الرجل الطالبي فانا لا نعرفه وقد أخذت علينا البيعة له ولم نره وهذا كان الواسطة بيننا وبينه يعنون محمد بن الحسن، فأمر بهم فقتلوا واستبقى شميلة طمعاً في أن يدله على الطالبي وخلى عبيد الله بن المهتدى لعلمه ببراءته ثم أدار المعتضد بالله بمحمد ابن الحسن بجميع الجهات أن يدله على الطالبي الذي أخذله العهد على الرجال، فأبى وجر وجرى بينه وبين المعتضد خطب طويل وكان في مخاطبته للمعتضد أن قال: لوشويتني على النار مازدتك على ما سمعت مني ولم أقر على من دعوت الناس الى طاعته وأقررت بامامته فاصنع ما انت صانع. فقال له المعتضد: لسنا نعذبك الابما ذكرت، فذكر أنه جعل في حديدة طويلة أدخلت في دبره وأخرجت من فمه وأمسك بأطرافها على نار عظيمة حتى مات بحضرة المعتضد وهو يسبه ويقول فيه العظائم، والاشهر أنه جعل بين رماح ثلاثة وشد أطرافها و كتف وجعل فوق النار من غير أن يماسها وهو في الحياة يدار عليها ويشوى كماتشوى الدجاج وغيرها الى أن تفرقع جسمه وأخرج فصلب بين الجسرين من الجانب الغربي.

وقال ابن ابى الحديد ايضاً في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في آخر الخبر «انا كاب الدنيا لوجهها» الخ، انه مثل الكلمات المحكية عن عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) «انا الذي كببت الدنيا على وجهها ليس لي زوجة تموت ولا بيت يخرب وسادي الحجر وفراشي المدر وسراجي القمر».

قلت: لم يعلم صحة ما ذكر من كون كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثل كلام عيسى، اما أولا فلان قوله بلفظ «لوجهها وقول عيسى بلفظ على وجهها وبينهما فرق، وأما ثانياً فلاختلاف سياق كلامهما فكلام عيسى نص بلاحقه في بيان اظهاره زهده في الدنيا وعدم علاقة له فيها، وكلام امیرالمؤمنين بسابقه ظاهر في احاطته بوقائع الدنيا وعلمه بملاحمها، فالظاهر انه نظير ما وردأن الامام يحيط قدرته على التصرف في الدنيا بأكنافها كاحاطة قدرة احدنا على التصرف في اطراف خوان موضوع بين يديه.

وفى الخبران علياً صلوات الله عليه ملك ما فوق الارض وماتحتها، فعرضت له السحابان الصعب والذلول وكان فى الصعب ملك ماتحت الارض وفي الذلول ملك مافوق الأرض، واختار الصعب على الذلول فدارت به سبع ارضین فوجد ثلاثاً خراباً وأربعاً عوامر.

الحديث السادس

قال في النهج ايضأو من كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذم اهل البصرة: كنتم جند المرأة واتباع البهيمة رغاً فأجبتم وعقر فهربتم، اخلاقكم دقاق وعهدكم شقاق ودينكم نفاق وماؤكم زعاق والمقيم بين أظهر كم مرتهن بذنبه والشاخص عنكم متدارك برحمة من ربه، كأنى بمسجدكم كجؤجؤ سفينة قد بعث الله عليها العذاب من فوقها ومن تحتها وغرق من في ضمنها.

أقول: قال الرضي(رَحمَةُ اللّه): وفي رواية «كجؤجؤ طير في لجة بحر»، ورواه ابن میثم مع زيادات ومنها وان لكم ياأهل البصرة من الماء ليوماً عظيماً بلاؤه، واني لاعرف موضع منفجره من قريتكم هذه، ثم امور قبل ذلك تدهمكم عظيمة اخفيت عليكم وعلمناها» الخ.

قال ابن ابى الحديد: ان البصرة غرقت مرتين مرة في ايام القادر بالله ومرة فى ايام القائم بأمر الله، غرقت بأجمعها ولم يبق منها الا مسجدها الجامع بارزاً بعضه كجؤجؤ الطائر حسب ما اخبر به امیر المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، جاءها الماء من بحرفارس من جهة الموضع المعروف الان بجزيرة الفرس ومن جهة

الجبل المعروف بجبل السنام، وخربت دورها و غرق كل مافي ضمنها وهلك كثير من أهلها، واخبار هذين الغرقين عند أهل البصرة يتناقلها خلفهم عن سلفهم.

قلت: القائم ابن القادر وكانا بعد الرضي قال ابن شحنة في روضة المناظر في سنه اثنتين وعشرين واربعمائة: توفي القادر بالله ابو العباس احمد بن الامير اسحق بن المقتدر وعمره ست وثمانون سنة وعشرة أشهر وخلافته احدواربعون سنة وشهر، وبويع ولده القائم بأمر الله، وفي سنة 467 توفى القائم بأمر الله – انتهى.

وقد عرفت في الخبر السابق ان الفراغ من النهج كان في سنة اربعمائة، فالخبر أيضاً معجزة بينة ودلالة جلية.

ثم قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذم اهل البصرة (كنتم جند المرأة) المراد بالمرأة عائشة بنت ابى بكر وهو من تيم وقد كانوا قاتلوامعها امير المؤمنين يوم الجمل.

وقال المسعودى: ذكر المدائني أنه رأى بالبصرة رجلا مصطلم الاذن فسأله عن قصته، وكانوا يقولون في رجزهم:

یا امنا باعيش لا تراعى *** كل بنيك بطل شجاع

فذكر انه خرج يوم الجمل ينظر الى القتلى فنظر الى رجل منهم يخفض رأسه ويرفعه وهو يقول:

لقد اوردتنا حومة الموت امنا *** فلم تنصرف الاونحن رواء

اطعنا بني تيم لشقوة جدنا *** وماتيم الا اعبد واماء

فقلت: سبحان الله أتقول هذا عند الموت، «قل لا اله الا الله».

فقال: اياي تأمر بالجزع تأمر بالجزع عند الموت، فوليت عنه متعجباً منه،، فصاح بی ادن مني لقني الشهادة، فصرت اليه فلما قربت منه استدنانى ثم التقم اذني

فذهب بها، فجعلت ألعنه وادعو عليه فقال: اذا صرت الى امك فقالت من فعل هذا بك فقل عمير بن الأهلب الضبى مخدوع المرأة التي ارادت ان تكون امير المؤمنين.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (واتباع البهيمة) المراد بالبهيمة جمل عائشة.

روى الطبرى ان ضبة والازد طاقت بجمل عائشة، واذار جال من الازد يأخذون بعر الجمل فيفتونه ويقولون بعر جمل أمناريحه ريح مسك. وشرح باقي كلماته (عَلَيهِ السَّلَامُ) مذكور في شرحنا على النهج.

الحديث السابع

قال النعماني في (باب) ما روي في الغيبة حدثنا محمد بن همام، قال حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمد بن عيسى والحسن بن ظريف جميعاً عن حماد بن عيسى، عن عبد الله بن سنان قال: دخلت أنا وابي على ابي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: كيف أنتم اذا صرتم في حال لا يكون فيها امام هدى ولا علماً يرى فلا ينجو من تلك الحيرة الامن دعا بدعاء الغريق. فقال أبي: هذا والله البلاء فكيف نصنع جعلت فداك حينئذ ؟ قال: اذا كان ذلك ولن تدركه فتمسكوا بما في أيديكم حتى يصح لكم الامر

أقول: جعل النعماني هذا الحديث دليلا على اخبار امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالنواب الاربعة ثم بالغيبة الكبرى، فقال: قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (كيف انتم اذا صرتم في حال لاترون فيها امام هدى ولا علماً يرى) فيه دلالة على ما جرى و شهادة بما حدث من أمر السفراء الذين كانوا بين الامام وبين الشيعة من ارتفاع اعيانهم وانقطاع نظامهم، لان السفير بين الامام في حال غيبته وبين شيعته هو العلم، فلما تمت المحنة على الخلق ارتفعت الاعلام ولاترى حتى يظهر صاحب

الحق ووقعت الحيرة التي ذكرت وأوذنا بها وصح امر الغيبة الثانية - الخ.

وقال بعد رواية اخبار عن باقي الائمة (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)مشتملة على أن القائم غيبتين قصيرة وطويلة: هذه الاحاديث احاديث قد صحت عندنا بحمد الله وأوضح الله قول الائمة (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)واظهر برهان صدقهم فيها، فأما الغيبة الأولى فهي الغيبة التى كانت السفراء فيها بين الامام وبين الخلق قياماً منصوبين ظاهرين موجودي الاشخاص والاعيان يخرج على أيديهم الشفاء من العمى وعويص الحكم والاجوبة عن كل ما كان يسأل عنه من المعضلات والمشكلات، وهي الغيبة القصيرة التى انقضت ايامها وتصرمت مدتها والغيبة الثانية هي التي ارتفع فيها أشخاص السفراء والوسائط للامر الذي يريده الله.

قلت: وصنف ابو العباس بن نوح وابن عياش كل كتاباً في أخبار هؤلاء الوكلاء الاربعة، وعقد الصدوق والشيخ في غيبتيهما باباً في أحوالهم، والكلينى والنعماني والمفيد ذكروا أخبارهم فى اخبار الحجة (عَلَيهِ السَّلَامُ) استطراداً، حتى ان محمد بن على الشلمغاني الذي كان كاتب الثالث منهم فحمله الحسدله على ادعائه النيابة كذباً وخرج التوقيع بلعنه ذكرهم وأثنى عليهم، وقال في أول كتاب له في الغيبة مشيراً الى الحسين بن روح: وأما ما بيني وبين الرجل المذكور زاد الله في توفيقه فلا مدخل له في ذلك الا لمن أدخلته فيه لان الجناية علي فاني أنا وليها.

وقال أيضاً: ما دخلنا مع ابى القاسم في هذا الامر الأ ونحن نعلم فيمادخلنا فيه، لقد كنا نتهارش على هذا الامر كماتتهارش الكلاب على الجيف الخ.

فتشكيك بعض القاصرين من أهل العصر فيهم تشكيك في الضروريات وأول الاربعة عثمان بن سعيد ابو عمرو السمان وثانيهم ابنه محمد بن عثمان

ابو جعفر العمري وثالثهم الحسين بن روح ابو القاسم النوبختى ورابعهم علي ابن محمد ابو الحسن السمري.

وكان أول تصديهم للنيابة سنة مائتين وستين سنة وفاة العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) و آخر تصديهم سنة ثلاثمائة وتسع وعشرين سنة وفاة علي بن بابويه والكليني. وقد كان الاول وكيلاله (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولابيه وجده من قبل، والثاني وكيلا له (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولا بيه من قبل والاخيران وكيلين له حسب.

وبتوسط الثالث كتب علي بن بابويه إلى الحجة (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الدعاء له الولد، فأجابه «قد دعونا الله لك وسترزق ولدين ذكرين حرين» فولد له محمد بن بابویه شيخنا الصدوق صاحب من لا يحضره الفقيه وأخوه الحسين، وكان الصدوق يفتخر بتولده بدعاء الحجة، وكان الواسطة بين علي بن بابويه وبين الحسين بن روح محمد بن علي ابو جعفر بن الاسود كما قال الصدوق في كماله لا علي بن جعفر بن الاسود كما قال النجاشي فان الصدوق أدرى بذلك.

وأخبر الرابع في بغداد بوفاة علي بن بابويه في قم يوم مات، فكتب قوله فجاء الخبر كما قال.

ثم ان النعماني وان كان معاصراً لهؤلاء النواب الا أنه نقل اخباره عن كتب واصول صنفت قبل وجودهم بقرون، ولهذا قال كما تقدم « وأوضح الله قول الائمة (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) واظهر برهان صدقهم » الخ.

ومما يشهد لصدور الاخبار قبل حصول الغيبة أن الكليني روى في (باب ما جاء في الاثني عشر) خبراً باسناده ومضمونه ظهور الخضر لامير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين كان متكئاً على يد سلمان واقراره بهم (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)واحداً بعد واحد وبغيبة الثاني عشر، ثم رواه باسناد آخر عن العطار عن الصفار عن

احمد البرقي، ونقل عن العطار أنه قال للصفار: وددت أن هذا الخبر جاء من غير جهة البرقي، ومراده أن البرقي بقي بعد زمان الغيبة والحيرة فتمنى أن يكون الصفار سمع الخبر ممن كان قبل حصول الغيبة فتكون آية بينة، فأجابه بأنه حدثني قبل الحيرة بعشر سنين، ومراده انه وان بقي بعد الا أنه حدثه به قبل فالمقصود حاصل ثم ان الغيبة الأولى القصيرة كانت مدتها سبعين سنة مدة حياة الابواب الاربعة، والغيبة الثانية بعد وفاة الاخير منهم ولا يعلم مدتها الا الله تعالى.

روى الصدوق أن الحجة (عَلَيهِ السَّلَامُ) كتب اليه قبل وفاته بستة أيام « انك ميت ما بينك وبين ستة أيام فاجمع امرك ولا توص الى أحديقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية، فلا ظهور الا بعد اذن الله عز وجل، وذلك بعد طول الامد وقسوة القلب وامتلاء الارض جوراً، وسيأتي من شيعتى من يدعي المشاهدة، ألافمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر، ولا، ولاحول ولاقوة الا بالله العلي العظيم ». قال ابو محمد المكتب: فنسخنا هذا التوقيع و خرجنا من عنده، فلما كان اليوم السادس عدنا اليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيك ؟ فقال: الله أمر هو بالغه، ومضى رضي الله عنه - الخ.

الحديث الثامن

في نوادر اشربة الكافي عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خبر: ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قال: من أدخل عرقاً واحداً من عروقه قليل ما أسكر كثيره عذب الله ذلك العرق بثلاثمائة وستين نوعاً من أنواع العذاب.

قلت: الذي يظهر لى أنه اخبار من الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بحدوث هذه الابرة المتداولة في عصرنا، فان ادخال المسكر في عرق من العروق لا يمكن حصوله بغير وسيلة الابرة، وضرب ابرة المسكر معمول عند الدكاترة يستعملونه لعلاج بعض الاوجاع والتنويم.

الحديث التاسع

ابو الفرج الأصبهاني في مقاتله: أخبرني يحيى بن علي واحمد بن عبدالعزيز وعمر بن عبيد الله العتكى قالوا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن يحيى عن عبد العزيز بن عمران عن عبد الله بن جعفر عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، قال ابوزيد وحدثنى جعفر بن محمد بن اسمعيل بن الفضل الهاشمي عن رجل من بني كنانة، قال ابوزيد وحدثني عبد الرحمن بن عمروبن الحبيب عن الحسن بن أيوب مولى بني نمير عن عبد الاعلى بن أعين، كل هؤلاء قد روی هذا الحديث بألفاظ مختلفة ومعان قريبة، فجمعت رواياتهم لئلا يطول

الكتاب بتكرر الاسانيد: ان بنی هاشم اجتمعوا فخطبهم عبدالله بن الحسن، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: انكم أهل البيت قد فضلكم الله بالرسالة واختاركم لها واكثركم بركة ياذرية محمد بنو عمه وعترته وأولى الناس بالفزع في أمر الله من وضعه الله موضعكم من نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وقد ترون كتاب الله معطلا وسنة نبيه متروكة و الباطل حياً والحق ميتاً، قاتلوا الله في الطلب لرضاه بماهو أهله قبل أن ينزع منكم اسمكم وتهونوا عليه كماهانت بنو اسرائيل وكانوا أحب خلقه اليه،

وقد علمتم أنا لم نزل سمع أن هؤلاء القوم اذا قتل بعضهم بعضاً خرج الامر من أيديهم فقد قتلوا صاحبهم - يعنى الوليد بن يزيد - فهلم نبايع محمد أفقد علمتم أنه المهدى. فقالوا: لم يجتمع أصحابنا بعد ولو اجتمعوا فعلنا ولسنانری أبا عبد الله جعفر بن محمد، فأرسل اليه ابن حسن فأبى أن يأتي، فقام وقال: أنا أت به الساعة، فخرج بنفسه حتى أتى مضرب الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحرث فأوسع له الفضل ولم يصدره، فعلمت أن الفضل أسن منه، فقام له جعفر وصدره فعلمت انه أسن منه، ثم خرجنا جميعاً حتى أتينا عبد الله، فدعا الى بيعة محمد، فقال له جعفر انك شيخ وان شئت بايعتك وأما ابنك فوالله لا أبايعه وأدعك.

وقال عبد الأعلى في حديثه: ان عبد الله بن الحسن قال لهم: لاترسلوا الى جعفر فانه يفسد عليكم، فأبوا. قال: فأتاهم وأنا معه،، فأوسع له عبدالله الى جانبه وقال: قد علمت ماصنع بنا بنو أمية وقد رأينا ان نبايع لهذا الفتى. فقال: لا تفعلوا فان الامر لم يأت بعد فغضب عبد الله وقال: لقد علمت خلاف ما تقول ولكنه يحملك على ذلك الحسد لابني، فقال: لا والله ما ذلك يحملني ولكن هذا واخوته وابناؤهم دونكم، وضرب يده على ظهر أبي العباس، ثم نهض واتبعه ولحقه عبد الصمد وأبو جعفر فقالا: يا أباعبد الله أتقول ذلك قال: نعم والله أقوله وأعلمه.

قال ابوزيد: وحدثنی ابراهيم بن محمد بن عبد الله بن ابي الكرام بهذا الحديث عن ابيه أن جعفراً قال لعبد الله بن الحسن: انها والله ماهي اليك ولا الى ابنيك ولكنها لهؤلاء وان ابنيك لمقتولان، فتفرق أهل المجلس ولم يجتمعوا بعدها

وقال عبدالله بن جعفر بن المسور في حديثه: فخرج جعفريتوكأ على يدي فقال لي ارأيت صاحب الرداء الاصفر - يعنى أبا جعفر - قلت: نعم. قال: فأنا و الله نجده يقتل محمداً. قلت: أو يقتل محمداً. قال: نعم. فقلت في نفسي: حسده ورب الكعبة، ثم ما خرجت من الدنيا حتى رأيته قتله.

وأخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا الخزاز عن المدائني، و اخبرنى الحسن بن علي قال حدثنا عبد الله بن ابي سعد قال حدثنى علي بن عمرو عن ابن داجة أن جعفر بن محمد قال لعبد الله بن الحسن: ان هذا الامروالله ليس اليك ولا الى ابنيك وانما هو لهذا يعني السفاح - ثم لهذا - يعنى المنصور - ثم لولده بعده لا يزال فيهم حتى يؤمروا الصبيان ويشاوروا النساء. فقال عبدالله: والله يا جعفر ما اطلعك الله على غيبه وما قلت هذا الاحسداً لابني. فقال: لا والله ما حسدت ابنك، وان هذا - يعني ابا جعفر - يقتله على أحجار الزيت ثم يقتل بعده اخاه بالطفوف وقوائم فرسه في الماء، ثم قام مغضباً يجر رداءه، فتبعه ابو جعفر فقال: أتدري ماقلت يا أبا عبد الله. قال: اي والله أدريه وانه لكائن. قال: فحدثني من سمع أبا جعفر يقول: فانصرفت لوقتي فرتبت عمالي وميزت أموري تميز ما لك لها، فلما ولى ابو جعفر الخلافة سمى جعفراً الصادق وكان اذا ذكره قال: قال لي الصادق جعفر بن محمد كذا و كذا، فبقيت عليه.

اقول: رجال الخبر كأبي الفرج ليسوا من الامامية حتى يكونوا محل تهمة، فالخبر معجزة واضحة.

فان قيل: ان الخبر غير دال على ما أردت، فكثير من الناس قرأوا أو سمعوا من الملاحم شيئاً فروى ابو الفرج انه سعي بمحمد بن عبد الله بن الحسن الى مروان بن محمد بأنه يدعو الى نفسه فقال: لست أخاف هذا البيت لانه لاحظ

لهم في الملك، انما الحظ لبني عمهم العباس

وروى أيضاً أنه سعي اليه أيضاً به انه يدعي المهدوية فقال: ليس من ولد أبيه، لانه كان من ولد الحسن وعرف انه يكون من ولد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

قلت: معرفة كنيات مجملات مثل ماعرف مروان أعم، وأما معرفة الجزئيات والخصوصيات كوصول الأمر من بنى العباس أولا الى السفاح دون أعمامه ثم أخيه المنصور ثم أولاده وقتل المنصور لمحمد في موضع كذا وكذا ولابراهيم في موضع كذا وكذا فلا يمكن حصوله لغير الامام الذي هو بمنزلة النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في الاتصال بالمبدأ، ولذا كان عبد الله بن الحسن مع معرفته اجمالا مثل مروان من الملاحم بأنه اذا وقع الاختلاف بين بني أمية يكون علامة لانقراضهم، فجعل هذا مقدمة للدعوة الى ابنه، ولما أخبره الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما أخبره من الخصوصيات قال له: ما اطلعك الله على غيبه، وقد كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) مدعياً هذا المقام بالتواتر.

وقد روى ابو الفرج أيضأ عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) انه قال: لماقتل المنصور ابراهيم ابن عبد الله بن الحسن بباخمرى أحضرنا من المدينة ولم يترك فيها منا محلم حتى قدمنا الكوفة فمكثنا فيها شهراً نتوقع فيها القتل، ثم خرج الينا الربيع الحاجب فقال: أين هؤلاء العلوية ادخلوا على امير المؤمنين رجلين منكم من ذوي الحجى، فدخلنا اليه أنا وحسن بن زيد، فلما صرت بين يديه قال: أنت الذي تعلم العيب - الخبر.

وروى عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال في حق عيسى بن موسى العباسي الذي كان ولي عهد المنصور وبعثه لمحاربة محمد وابراهيم وقتلهما: مايدعو عيسى الى ان يسىء بنا ويقطع أرحامنا، فوالله لايذوق هو ولا ولده منها شيئاً أبداً، وصار

كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكان السفاح جعله ولي عهده بعد المنصور والمنصور أجبره على تقديم المهدي عليه والمهدي خلعه بالكلية.

وكقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في اسناده عن ابن داجة: لا يزال فيهم حتى يؤمروا الصبيان ويشاوروا النساء. قال المنصور لما بلغه أن عيسى هزم في حرب محمد ابن عبدالله: كلا فأين لعب صبياننا بها على المنابر ومشورة النساء - الخ كما روى ذلك الطبري.

ولو أردنا استقصاء ما نقله الامامية بأسانيد معتبرة في هذا المعنى لاحتجنا الى تصنيف كتاب مستقل ضخم، لكن، نقتصر على نقل رواية واحدة منها يناسب ما رواه ابو الفرج في العنوان، وهي ما رواه محمد بن يعقوب الكليني عن ابي علي الاشعري عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان بن يحيى عن جعفر بن محمد بن الاشعث قال لي:أتدرى ما كان سبب دخولنا في هذا الأمر ومعرفتنا به وما كان عندنا منه ذكر ولا معرفة شيء مما عند الناس. قلت له: وما ذاك. قال: ان أبا جعفر - يعنى أبا الدوانيق قال لابي محمد بن الاشعث: ابغ لي رجلاله عقل يؤدي عني. فقال له: اني قد أصبت لك هذا فلان بن مهاجر خالي.قال: فأتني به. قال: فأتيته بخالي، فقال له ابو جعفر: يا ابن مهاجر خذهذا المال وائت المدينة عبد الله بن الحسن وعدة من أهل بيته فيهم جعفر بن محمد فقل لهم: اني رجل غريب من أهل خراسان وبها شيعة من شيعتكم وجهوا اليكم بهذا المال، وادفع الى كل واحد منهم على شرط كذا وكذا، فاذا قبضوا المال فقل اني رسول وأحب أن يكون معي خطوطكم بقبضكم ما قبضتم، فأخذ المال وأتى المدينة فرجع الى ابى الدوانيق ومحمد بن الاشعث عنده، فقال له ابو الدوانيق: ما وراك ؟ قال: أتيت القوم وهذه خطوطهم بقبضهم المال خلا جعفر بن محمد

فاني أتيته وهو يصلي في مسجد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فجلست خلفه وقلت حتى ينصرف فأذكر له ما ذكرت لاصحابه، فعجل وانصرف ثم التفت الي فقال: يا هذا اتق الله ولاتغر بأهل بيت محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فانهم قريبو عهد بدولة بني مروان فكلهم محتاج. فقلت: وما ذاك أصلحك الله. قال: فأدنى رأسه مني فأخبرني بجميع ماجرى بيني وبينك حتى كأنه كان ثالثنا، فقال له ابو جعفر: يا ابن مهاجر اعلم انه ليس من أهل بيت نبوة الا وفيهم محدث وان جعفر بن محمد محدثنا اليوم، فكانت هذه الدلالة سبب قولنا هذه المقالة.

قلت: وجعفر بن محمد بن الاشعث الذي روى عن أبيه هذه الدلالة عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي صارت سبباً لتشيعهم ومعرفتهم بالامامة هو الذي روى ابو الفرج في أسباب أخذ الرشيد للكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقتله له كون تشيعه احد أسباب ذلك، فقال: قالواكان السبب في أخذ موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان الرشيد جعل ابنه محمداً في حجر جعفر بن محمد بن الاشعث، فحسده يحيى بن خالد ابن برمك على ذلك وقال: ان أفضت الخلافة اليه زالت دولتي ودولة ولدي، فاحتال على جعفر بن محمد وكان يقول بالامامة حتى داخله وأنس به، وكان يكثر غشيانه في منزله فيقف على أمره ويرفعه الى الرشيد ويزيد عليه في ذلك بما يقدح في قلبه - الخ.

كما أن أحد أسباب قتله له (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً عقد يحيى البرمكي مجلساً للتكلم في الامامة في موضع يسمع الرشيد ولا يراه أهل المجلس، واحضاره هشام بن الحكم المتكلم الامامي المعروف، ولما رأى تكلمه في الامامة تعجب من بقاء ملكه مع وجود مثله، فصمم على قتله واستتر هشام حتى مات من خوفه كما رواه الصدوق في كماله

الحديث العاشر

ابو حنيفة الدينوري وهو من اجلة ثقات العامة في كتابه الاخبار الطوال ذكر عن الاصمعي قال: دخلت على الرشيد وكنت غبت عنه حولين بالبصرة، فأومى الي أن اجلس، فجلست في حف الناس ثم قال لي: يا محمد الاتحب ان ترى محمداً وعبدالله - الى أن قال - قال: كيف ترى أدبهما ؟ قلت: يا امير المؤمنين مارأيت مثلهما في ذكائهما وجودة ذهنهما - الى أن قال - فضمهما الى صدره وسبقته عبرته حتى تحدرت دموعه، ثم أذن لهما حتى اذا نهضا وخرجا قال: كيف بكم اذا ظهر تعاديهما وبدأ تباغضهما ووقع بأسهما بينهما حتى يسفك الدماء ويود كثير من الاحياء أنهم كانواموتى. قلت: يا اميرالمؤمنين هذا شيء قضی به المنجمون عند مولدهما أو شيء أخبر به العلماء في امرهما ؟ قال: لابل شيء أخبر به العلماء عن الاوصياء عن الانبياء في أمرهما. قالوا: فكان المأمون يقول في خلافته: قد كان الرشيد سمع ماجرى بيننا من موسى بن جعفر بن محمد فلذلك قال ما قال.

أقول: هو أيضاً معجزة قوية ودلالة جلية بعد كون الراوي من غير الشيعة

والمروي عنه من المدعين للخلافة.

و كما كانت آيات الله تعالى يجحد بها الكفار مع استيقان أنفسهم لها ظلماً وعلواً كذلك هؤلاء المتصدون كانوا يعرفون الحجج ويقتلونهم فضلا عن ابتزاز حقوقهم خبثاً وعتواً، روى العيون عن سفيان بن نزار قال: كنت يوماً على رأس المأمون فقال: أتدرون من علمني التشيع ؟ فقال القوم جميعاً: لا والله ما نعلم. قال: علمنيه الرشيد. قيل له: وكيف ذلك والرشيد كان يقتل أهل هذا البيت؟ قال: كان يقتلهم على الملك والملك عقيم، ولقد حججت معه سنة فلما صار الى المدينة تقدم الى حجابه وقال: لا يدخلن علي رجل من أهل المدينة ومكة من أبناء المهاجرين والانصار وبنى هاشم وسائر بطون قريش الانسب نفسه، فكان الرجل اذا دخل عليه قال: أنا فلان بن فلان حتى ينتهي إلى جده من هاشمي أوقرشي أو مهاجري او أنصاري فيصله من المال بخمسة آلاف درهم وما دونها الى مائتي دينار على قدر شرفه وهجرة آبائه، فبينا انا ذات يوم واقف اذ دخل الفضل بن الربيع فقال: يا امير المؤمنين على الباب رجل يزعم أنه موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب، فأقبل علينا ونحن قيام على رأسه والامين والمؤتمن وسائر القواد، فقال: احفظوا على أنفسكم، ثم قال لاذنه: ائذن له ولا ينزل الا على بساطي، فأنا كذلك اذ دخل شيخ قد أنهكته العبادة كأنه شن بال وقد كلم السجود وجهه وأنفه، فلما رأي الرشيد أراد أن يرمي بنفسه عن حمار كان راكبه، فصاح الرشيد: لا والله الا على بساطي، فمنعه الحجاب عن الترجل ونظرنا إليه جميعاً بالاجلال والاعظام، فمازال يسير على حماره حتى سار الى البساط والحجاب والقواد محدقون به، فنزل فقام اليه الرشيد واستقبله الى آخر البساط وقبل وجهه وعينيه وأخذ بيده حتى صيره في

صدر المجلس وأجلسه معه فيه وجعل يحدثه ويقبل بوجهه عليه ويسأله عن أحو اله، ثم قال له: يا ابا الحسن ما عليك من العيال ؟ فقال: يزيدون على الخمسمائة. قال: أولاد كلهم. قال: لا اكثرهم موالي وحشم فأما الولد فلي نيف وثلاثون الذكر ان منهم كذا والنسوان منهم كدا. قال: فلم لا تزوج النسوان من بني عمومتهن واكفائهن. قال: اليد تقصر عن ذلك. قال: فما حال الضيعة ؟ قال: تعطي في وقت وتمنع في آخر. قال: فهل عليك دین ؟ قال: نعم. قال: كم. قال: نحو من عشرة آلاف دينار. فقال الرشيد: يابن عم أنا اعطيك من المال ماتزوج به الذكران والنسوان وتقضي الدين وتعمر الضياع. فقال له: وصلتك رحم يا بن عم وشكر الله لك هذه النية الجميلة والرحم ماسة والقرابة واشجة والنسب واحد والعباس عم النبي وصنو أبيه وعم علي بن ابي طالب وصنو أبيه، وما أبعدك الله أن تفعل ذلك وقد بسط يدك واكرم عنصرك وأعلى محتدك. فقال: افعل ذلك يا ابا الحسن وكرامة.

فقال: يا امير المؤمنين ان الله عز وجل قد فرض على ولاة عهده أن ينعشوا فقراء الامة ويقضوا عن الغارمين ويؤدوا عن المثقل ويكسوا العاري ويحسنوا الى العاني، وأنت أولى من يفعل ذلك. فقال: أفعل يا ابالحسن. ثم قام فقام الرشيد لقيامه وقبل عينيه ووجهه، ثم أقبل علي وعلى الامين والمؤتمن فقال: ياعبدالله و يا محمد ويا ابراهيم كونوا بين يدي عمكم وسيدكم خذوا بركابه وسووا عليه ثيابه وشيعوه الى منزله. فأقبل ابو الحسن موسى بن جعفر وسر بيني وبينه فبشرني بالخلافة وقال لي: اذا ملكت هذا الامر فأحسن الى ولدي، ثم انصرفنا وكنت أجرأ ولد أبى عليه، فلما خلا المجلس قلت: يا امير المؤمنين من هذا الرجل الذي قد عظمته وأجللته وقمت من مجلسك اليه فاستقبلته وأقعدته في

صدر المجلس وجلست دونه ثم امرتنا بأخذ الركاب له ؟ قال: هذا امام الناس وحجة الله على خلقه وخليفته في عباده. فقلت: يا امير المؤمنين اوليست هذه الصفات كلهالك وفيك. فقال: انا امام الجماعة في الظاهر بالغلبة والقهر وموسى ابن جعفر امام حق، والله يابنى انه الاحق بمقام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) مني ومن الخلق جميعاً، ووالله لو نازعتني هذا الامر لاخذت الذي فيه عيناك فان الملك عقيم.

فلما أراد الترحل من المدينة الى مكة أمر بصرة سوداء فيها مائتا دينار ثم أقبل على الفضل بن الربيع فقال له: اذهب بهذه الى موسى بن جعفر وقل له: يقول لك امير المؤمنين نحن في ضيقة وسيأتيك برنا بعد هذا الوقت، فقمت في صدره فقلت: يا امير المؤمنين تعطي أبناء المهاجرين والانصار وسائر قريش ومن لا تعرف حسبه ونسبه خمسة آلاف دينار الى مادونها وتعطي موسى بن جعفر وقد أعظمته وأجللته مائتي دينار، أخس عطية اعطيتها أحداً من الناس. فقال: اسكت لاأم لك، فاني لو أعطيت هذا ما ضمنته ما كنت آمنه أن يضرب وجهي غداً بمائة ألف سيف من شيعته ومواليه، وفقر هذا وأهل بيته أسلم لي ولكم من بسط أيديهم وأعينهم.

فلما نظر الى ذلك مخارق المغني دخله من ذلك غيظ فقام الى الرشيد فقال: يا امير المؤمنين قد دخلت المدينة واكثر أهلها يطلبون مني شيئاً وان خرجت ولم أقسم فيهم شيئاً لم يتبين لهم تفضل امير المؤمنين علي ومنزلتي عنده، فأمر له بعشرة آلاف دينار، فقال له يا امير المؤمنين بناتي أريد أن أزوجهن وأنا محتاج الى جهازهن، فأمر له بعشرة آلاف دينار أخرى، فقال له: يا أمير المؤمنين لابد من غلة تعطينيها ترد علي وعلى عيالي وبناتي وأزواجهن القوت، فأمر له باقطاع ما يبلغ غلته في السنه عشرة آلاف دينار

الى أن قال: وجاء اليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال: لا و الله ياسيدي ما أحتاج الى شيء من ذلك وما أخذته الا لك، وأنا اشهد لك بهذه الاقطاع وقد حملت المال اليك. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): بارك الله لك في مالك وأحسن جزاك، ماكنت لاخذ منه درهماً واحداً ولا من هذه الاقطاع شيئاً هذه الاقطاع شيئاً وقد قبلت صلتك وبرك فانصرف راشداً ولا تراجعني في ذلك. فقبل يده وانصرف.

قلت: وكما بشر الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) المأمون بالخلافة وأوصاه بولده (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما تضمنه هذا الخبر كذلك بشر أمير المؤمنين في الرؤيا المعتضد بها وأوصاه بذلك على ماروى المسعودي، فروى عن ابن ابی عباد الجليس قال: رأى المعتضد بالله وهو في سجن أبيه كأن شيخاً جالساً على دجلة يمديده الى ماء دجلة فيصير في يده وتجف دجلة ثم يرده من يده فتعود دجلة كما كانت. قال: فسألت عنه فقيل لي هذا علي بن ابي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ). قال: فقمت اليه وسلمت عليه فقال: يا أحمد ان هذا الامر صائر اليك فلا تتعرض لولدي ولا تؤذهم. فقلت: السمع والطاعة يا أمير المؤمنين. قال: وكان وردمال من محمد بن زید من بلاد طبرستان ليفرق في آل ابی طالب سراً، فغمز بذلك الى المعتضد فأحضر الرجل الذي كان يحمل المال اليهم فأنكر عليه اخفاء ذلك وامره باظهاره و قرب آل ابی طالب.

الحديث الحادى عشر

روى العلل عن الحسين بن محمد الهاشمى عن فرات بن ابراهيم عن محمد ابن علي بن معتمر عن احمد بن علي الرملي عن احمد بن موسى عن يعقوب ابن اسحق عن عمرو بن منصور عن اسمعيل بن ابان عن يحيى بن ابى كثير عن ابيه عن ابي هارون العبدي عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: كنا بمنى مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) اذ أبصرنا برجل ساجد وراكع ومتضرع، فقلنا يا رسول الله ما أحسن صلاته. فقال: هو الذي أخرج اباكم من الجنة، فمضى اليه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) غير مكترث، فهذه هزاً أدخل اضلاعه اليمنى في اليسرى واليسرى في اليمنى، ثم قال: لاقتلنك انشاء الله. فقال: لن تقدر على ذلك الى أجل معلوم من عند ربى، ومالك تريد قتلي فوالله ما أبغضك أحد الاسبقت نطفتي الى رحم أمه قبل نطفة أبيه، ولقد شاركت مبغضيك في الاموال والاولاد، وهو قول الله عزو جل في محكم كتابه « وشاركهم في الاموال والاولاد ». فقال النبي: صدق يا علي لا يبغضك من قريش الاسفاحي ومن الانصار الايهودي ومن العرب الادعي ولا من سائر الناس الاشقي ولا من النساء

الا سلقلقية - وهى التي تحيض من دبرها - ثم أطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال: معاشر الانصار أعرضوا أولادكم على محبة علي قال جابر بن عبد الله: فكنا نعرض حب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أولادنا، فمن أحب علياً علمنا أنه من أولادنا ومن أبغض علياً انتفينا منه.

أقول: قال المسعودي: كان لابى دلف ولد فتحادث أصحابه في حب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبغضه، فروى بعضهم عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أنه قال: يا علي لا يحبك الامؤمن تقي ولا يبغضك الا ولدزنية أو حيضة. فقال ولد أبي دلف: ماتقولون في الامير هل يؤتى في أهله؟ فقالوا: لا. فقال: والله اني لاشد الناس بغضاً لعلي، فخرج أبوه وهم في التشاجر فقال: والله ان هذا الخبر لحق، والله انه لولد زنية وحيضة معاً، فاني كنت في دار أخى في حمى ثلاث فدخلت علي جارية لقضاء حاجة، فدعتنى نفسي اليها فأبت وقالت: اني حائض، فكابرتها على نفسها فوطئتها فحملت بهذا الولد فهو لزنية وحيضة معاً.

وعن كشف اليقين للعلامة حكى لي والدي (رَحمَةُ اللّه) قال: اجتزت يوماً في بعض دروب بغداد مع أصحابى فأصابني عطش فقلت لبعض أصحابي: أطلب لي ماءاً من بعض الدروب، فمضى يطلب الماء ووقفت أنا وأصحابي ننتظر الماء وصبيان يلعبان أحدهما يقول الامام هو علي بن ابي طالب امير المؤمنين والاخر يقول انه ابو بكر، فقلت: صدق النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في قوله لعلي ما يحبك الامؤمن ولا يبغضك الا ولد حيضة، فخرجت المرأة بالماء فقالت: بالله عليك ياسيدي أسمعنى ماقلت، فقلت: حديث رويته عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لاحاجة الى ذكره فكررت السؤال فرويته لها فقالت: يا سيدي والله انه لخبر صدق، ان هذين ولداي الذي يحب علياً ولد طهر والذي يبغضه حملته في الحيض، جاء والده الي فكابرني على نفسي حالة الحيض فنال مني فحملت بهذا الذي يبغض علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ).

الحديث الثاني عشر

في تذكرة سبط ابن الجوزي الحنفي قال جابر بن عبد الله فيمارواه عنه أهل السير: قدم وفد نجران على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وفيهم السيد وجماعة من الاساقفة، فقالوا: من ابو موسى؟ فقال عمران. قالوا: فأنت. قال: ابي عبدالله ابن عبدالمطلب. قالوا: فعيسى من أبوه، فسكت ينتظر الوحي، فنزل قوله تعالى ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب » قالوا: لانجد هذا في ما اوحي الى أنبيائنا. فقال: كذبتم فنزل قوله تعالى « فمن حاجك فيه من بعد ما جائك من العلم فقل تعالوا ندع ابنائنا وابنائكم الاية. قالوا: أنصفتنا فمتى نباهلك. قال غداً انشاء الله. فانصرفوا وقال بعضهم لبعض: ان خرج في عدة من اصحابه فباهلوه لانه غير نبي وان خرج في أهل بيته فلا تباهلوه فانه نبي صادق ولئن باهلتموه لتهلكن، ثم بعث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) الى أهل المدينة ومن حولها فلم يبق بكرلم ترها الشمس الاخرجت، وخرج رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وعلي بين يديه والحسن عن يمينه والحسين عن شماله وفاطمة خلفه، ثم قال: هلموا هؤلاء أبناؤنا - واشار الى الحسن والحسين وهذه نساؤنا يعني فاطمة وهذه أنفسنا

يعني نفسي واشار الى علي، فلما رأى القوم ذلك خافوا وجاؤا الى بين يديه فقالوا: أقلنا أقالك الله. فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): والذي نفسي بيده لو خرجوا لامتلا الوادي عليهم ناراً.

وقال السبط أيضاً: وذكر الثعلبى في تفسيره ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) غدا محتضنا الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفهم، وقال رسول الله: اذا دعوت فأمنوا، فقال اسقف نجران: يا معاشر النصارى اني لارى وجوهاً لوسألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لازاله فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الارض الامسلم، فرجعوا الى بلادهم وصالحوا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) على ألفي حلة.

أقول: ورواه الكنجي الشافعي عن مسلم في صحيحه.

ومن الغريب أن الطبري اقتصر في هذه القصة على قوله «وفيها أي سنة عشر قدم وفد العاقب والسيد من نجران فكتب لهما رسول الله كتاب الصلح» مع انه كثيراً ما يطول بذكر أمور لاطائل تحتها، كما انه قديروى أمور أبينة الجعل واضحة الوضع، لاسيما قصة حصر عثمان وقتله وقصة اخراجه أباذر وقصة الجمل، فانه ذكر أموراً متناقضة تضحك الثكلى، ولم لم يرو هذه القصة مع أن صحتها صحة نطق بها القرآن وأهميتها أهمية يثبت بها نبوة النبي الخاتم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فانه لولا أن النصارى قطعوا بنبوته من مشاهدة علاماته لا قدموا على المباهلة ولمارضوا بمذلة الجزية، الا أنه اغمض عنه كما أغمض عن ذكر قصة الغدير لانه يثبت بها الامامة كما يثبت بها النبوة، لانها دالة على أن امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمنزلة نفس النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وان الحسنين مع كونهما طفلين أقرب الناس الى الله تعالى كالنبي ولازم ذلك بطلان خلافة المتقدمين وعدم

عبأه تعالى بأمهم.

انه كما أبان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) عن حقيته بالدعوة الى المباهلة في قبال النصارى كذلك أبان اصحاب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن حقيته وحقية أبيه في قبال العثمانية، قال الطبري: قال ابو مخنف: وحدثني يوسف بن يزيد عن عفيف بن زهير بن ابي الاخنس - وكان قد شهد مقتل الحسين - قال: وخرج يزيد بن معقل من بني عميرة بن ربيعة وهو حليف لبنى سليم من عبد القيس فقال: يا برير بن خضير كيف ترى الله صنع بك ؟ قال: صنع الله والله بي خيراً وصنع الله بك شراً. قال: كذبت وقبل اليوم ماكنت كذاباً، هل تذكر وأنا أماشيك في بنى لوذان وأنت تقول: ان عثمان بن عفان كان على نفسه مسرفا وان معاوية بن ابي سفيان ضال مضل وان امام الهدى والحق على بن ابى طالب. فقال له برير: أشهد أن هذا رأيي وقولي. فقال له يزيد بن معقل: فاني أشهد انك من الضالين. فقال له بریر بن خضير هل لك فلا باهلك ولندع الله أن يلعن الكاذب وان يقتل المبطل ثم أخرج فلابارزك. قال: فخرجا فرفعا أيديهما الى الله يدعوانه أن يلعن الكاذب وان يقتل المحق المبطل، ثم برز كل واحد منهما لصاحبه فاختلفا ضربتين فضرب يزيد بن معقل بریر بن خضير ضربة خفيفة لم تضره شيئاً وضربه برير بن خضير ضربة قدت المغفرة وبلغت الدماغ فخر كأنما هوى من حالق، وان سيف ابن خضير لثابت في رأسه فكأني انظر اليه ينضنضه من رأسه - الخ.

والخبر مع كونه من طريقهم دال على كون أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) والحسين امامي هدى و حق و على كون عثمان ضالا مضلا كمعاوية، واذا بطل امامة الثالث يبطل امامة الأولين، مع أن نفس قتل الحسين وأهل بيته وسبي حرمه يكفي في بطلان مذهبهم، بل وقتل الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً فانه من المقطوع أنه

لو لا خلافة عثمان لما قبل معاوية الحسن ويزيد الحسين وهو ابنا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بنص القرآن و اللذان باهل بهما و بأمهما و أبيهما مع الكفار ونزلت آية التطهير فيهما كأبيهما وامهما، ولولا خلافة عمر لماصار عثمان خليفة ولولا خلافة أبي بكر لما صار عمر خليفة، وأو كانت خلافتهم حقة لكان قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حقاً لانه كان خرج على خليفة بايعته الامة كما بايعت ابابكر.

ولعل اخواننا يلتزمون بذلك ولا يرون به بأسأ كالبدي والباهلي، قال الطبري: لما جاء مالك بن النسير البدي من قبل عبيد الله الى الحر ليجعجع بالحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال له ابو الشعثاء الكندي من أصحاب الحسين: ثكلتك أمك ماذا جئت فيه. قال: وماجئت فيه أطعت امامي ووفيت ببيعتى.

وقال: لما استسقى مسلم بن عقيل على باب قصر عبيد الله قال له مسلم بن عمرو الباهلي: لاتذوق قطرة حتى تذوق الحميم في نار جهنم. قال له مسلم بن عقيل: من أنت ويحك ؟ قال: أنا ابن من عرف الحق اذ أنكرته ونصح لامامه اذ غششته - الخ. ويالهم بذلك من خزي فاضح.

وممن باحمل من الامامية الصفواني فحكم الله له على قاضى الموصل من أهل السنة، قال النجاشي: محمد بن احمد بن عبدالله بن فضاعة بن صفوان بن مهران الجمال مولی بنی اسد ابو عبد الله شيخ الطائفة ثقة فقيه فاضل، وكانت له منزلة السلطان، كان أصلها أنه ناظر قاضي الموصل في الامامة بين يدي ابن حمدان فانتهى القول بينهما الى أن قال للقاضي: تباهلنى، فوعده الى غد ثم حضروا فباهله وجعل كفه في كفه ثم قاما من المجلس وكان القاضي يحضر دار الامير ابن حمدان كل يوم، فتأخر ذلك اليوم ومن غده، فقال الامير: اعرفوا خبر القاضي، فعاد الرسول فقال: انه منذقام من موضع المباهلة حم وانتفخ الكف

الذي مده للمباهلة وقد اسودت ثم مات من الغد، فانتشر لابي عبد الله الصفواني بهذا ذكر عند الملوك وحظي منهم.. الخ.

قلت: وهو أيضاً دليل على حقية الفرقة الامامية الذين كان الصفواني منهم، الذين تمسكوا بأهل بيت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، الذين ضرب النبي لهم المثل بسفينة نوح في حصر النجاة بالتمسك بهم وجعلهم قرين كتاب الله تعالى في عدم ضلال من تمسك بهم أبداً في الخبرين المتواترين دون سائر الفرق الشاردة المتخلفة عنهم.

وفي كتاب غنيمة السفر في أحوال الشيخ جعفر لاديب عصره الميرزا محمد أنه الهمداني في وروده طهران في زيارته للمشهد الرضوي (عَلَيهِ السَّلَامُ) باهل يوماً العصاة على المنبر فقال بعد أن فكر وقدر ووعظ وذكر: من يزعم انه لاصانع ولا محشر فليقل اني بريء من حول رب جعفر فان لم يزهق روحه في مكانه فليبق على عصيانه. قال: فأصغو المايقول وطارت منهم العقول وأضمرت القلوب له القبول - الخ.

الحديث الثالث عشر

روى القمي في تفسيره عن ابيه عن عبد الله بن ميمون القداح عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله تعالى ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً » قال: كان عند فاطمة عليها السلام شعير فجعلوه عصيدة، فلما أنضجوها ووضعوها بين أيديهم جاء مسكين فقال المسكين: رحمكم الله أطعمونا ممارزقكم الله، فقام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأعطاه الثلث، فمالبث ان جاء يتيم فقال اليتيم رحمكم الله أطعمونا ممارزقكم الله، فقام علي فأعطاه ثلثها الثاني، فما لبث أن جاء أسير فقال رحمكم الله اطمعونا مما رزقكم الله، فقام علي فأعطاه الثلث الباقي وماذاقوها، فأنزل الله فيهم هذه الاية الى قوله تعالى وكان سعيكم مشكوراً » في امير المؤمنين وهي جارية في كل مؤمن فعل مثل ذلك لله عزوجل.

أقول: نزول هل أتى فيهم (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)مما اتفق عليه الخاصة والعامة، وقال الكنجى الشافعي في مناقبه بعد ذكر اخباره عن طرقهم: سمعت العلامة الحافظ أبا عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح في درس التفسير أن

السؤال كانوا ملائكة من عندرب العالمين، وكان ذلك امتحاناً من الله عز وجل لاهل بيت الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وسمعت بمكة من شيخ الحرم بشير التبريزي في درس التفسير أن السائل الأول كان جبرئيل والثاني ميكائيل والثالث اسرافیل.

الحديث الرابع عشر

سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرته عن عبد المحسن بن عبدالله بن احمد الطوسي عن ابيه عن جده عن ابن النفور عن ابن حبابة عن البغوي عن طالوت ابن عباد عن ابراهيم بن عباد عن ابراهيم بن الحسن بن الحسن عن فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن اسماء بنت عميس قالت: كان رأس رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في حجر علي وهو يوحى اليه، فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله: اللهم انه كان في طاعتك وطاعة نبيك فأردد عليه الشمس. قالت: فردها الله له.

أقول: روت الامامية رد الشمس على امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مرتين مرة في حياة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) كما في هذا الخبر ومرة بعده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في أرض بابل، ولم أقف على رواية الثانية من طريقهم سوى طريق نصر بن مزاحم، وقد قال ابن ابی الحديد في حق نصر انه غير منسوب الى هوى ولا ادغال وهو من أصحاب الحديث، فانه روى في صفينه عن عمر بن سعد عن عمر بن عبد الله الثقفي عن ابيه عن عبد خير قال: كنت مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أسير في أرض بابل وحضرت الصلاه صلاة العصر، فجعلنا لا نأتي مكاناً الا رأيناه أقبح من الاخر حتى أتينا على

مكان احسن مارأينا وقد كادت الشمس أن تغيب، فنزل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونزلت معه، فدعا الله فرجعت الشمس كمقدارها من صلاة العصر، فصلينا العصر ثم غابت الشمس ثم خرج. ورواه الصدوق عن جويرية بن مهر أيضاً في ارض بابل بعد رجوعه من قتل الخوارج.

وأما الأولى فهى عندهم مشهورة، قال الكنجى الشافعي بعد روايته عن طرقهم كالسبط الحنفي: جمع طرق هذا الحديث الامام الحافظ أبو الفتح محمد ابن الحسين الازدي الموصلي في كتاب. وقال السروي: لابي بكر الوراق كتاب طرق من روی رد الشمس. ولابی الحسن بن شاذان کتاب بیان رد الشمس على اميرالمؤمنين ولابي عبد الله الجعل مصنف في جواز رد الشمس. ولابي القاسم الحسكاني مسألة في تصحيح رد الشمس.

ونقل سبط ابن الجوزي الحنفى والكنجي الشافعي فيه حكاية غريبة، قال الأول: وفي الباب حكاية عجيبة حدثني بها جماعة من مشائخنا بالعراق قالوا: شاهدنا أبا المنصور مظفر بن اردشير العبادي الواعظ وقد جلس بالتاجية مدرسة بباب أبرز محلة ببغداد - وكان بعد العصر وذكر حديث رد الشمس لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وطرزه بعبارته ونمقه بألفاظه، ثم ذكر فضائل أهل البيت، فنشأت سحابة غطت الشمس حتى ظن الناس أنها قد غابت فقام ابو منصور على المنبر قائمأو أومى الى الشمس وأنشد:

لا تغربي ياشمس حتى ينتهى *** مدحي لال المصطفى و لنجله

واثنى عنانك اذ اردت ثناءه *** انسيت اذكان الوقوف لاجله

ان كان للمولى وقوفك فليكن *** هذا الوقوف لخيله ولرجله

قالوا: فانجاب السحاب عن الشمس.وطلعت ونقلها الثاني وزاد فلايدرى

مارمي عليه من الاموال في ذاك اليوم.

وانما تشكك بعضهم فيه واستبعده ورد عليه سبط ابن الجوزي ولنعم مارد، فقال: وقد حبست ليوشع بالاجماع ولا يخلواما أن يكون ذلك معجزة لموسى أو كرامة ليوشع، فان كان لموسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) فنبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أفضل منه، وان كان ليوشع فعلي أفضل منه.

وروى ابن طاوس في نجومه عن تفسير الرؤيا للكليني عن محمد بن غانم قال: قلت لابي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عندنا قوم يقولون النجوم أصح من الرؤيا فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):: كان ذلك صحيحاً قبل أن ترد الشمس على يوشع بن نون وعلى امير المؤمنين، فلمارد الله تعالى الشمس عليهما ضل علماء النجوم فمنهم مصيب ومنهم مخطىء.

قلت: على مقتضى هذا الخبر كما اثر بعثة النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في العالم العلوي بطرد الشياطين بالرجوم اثر ولايته (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيه باختلاف علائم النجوم

الحديث الخامس عشر

سبط ابن الجوزي في تذكرته عن احمد بن حنبل في فضائله عن ابن نمير عن عبد الملك بن عطية العوفي قال: أتيت زيد بن أرقم فقلت له: ان ختنالي حدثني عنك بحديث في شأن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم الغدير وأنا أحب أن أسمعه منك، فقال: انكم معشر أهل العراق فيكم مافيكم. فقلت: ليس عليك مني بأس. فقال: نعم كنا بالجحفة فخرج رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) علينا ظهراً وهو آخذ بعضد علي بن ابى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: أيها الناس ألستم تعلمون اني أولى بالمؤمنين من أنفسهم. فقالوا: بلى. فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه - قالها أربع مرات.

أقول: ونقل عنه انه روى في فضائله ثلاثة اخبار أخر:

احدها - مسنداً عن البراء بن عازب قال: كنا مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فنزلنا بغدير خم فنودي و كسح لرسول الله بين شجرتين، فصلى الظهر وأخذ بيد علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال: اللهم من كنت مولاه فهذا مولاه، فلقيه عمر بن الخطاب بعد ذلك فقال: هنيئاً لك يابن ابى طالب أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل

مؤمن ومؤمنة.

وثانيها - مسنداً عن رياح بن الحرث قال: جاء رهط الى امير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقالوا: السلام عليك يا مولانا وكان بالرحبة، فقال: كيف اكون مولاكم وأنتم قوم عرب ؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يقول يوم غديرخم: من كنت مولاه فعلي مولاه قال رياح فقلت من هؤلاء ؟ فقيل: نفر من الانصار فيهم ابو أيوب الانصارى صاحب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ).

وثالثها - مسنداً عن بريدة قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): من كنت مولاه أو وليه فعلي وليه.

ونقل عنه أيضاً أنه روى في مسنده خبراً آخر مسنداً عن زاذان قال: سمعت علي بن ابي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول في الرحبة وهو ينشد الناس يقول: أنشد الله رجلا سمع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يقول في يوم غدير خم: من كنت مولاه فعلي مولاه، فقام ثلاثة عشر رجلا من الصحابة فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يقول ذلك، وان الترمذى رواه مع زيادة «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأدر الحق معه كيفمادار وحيثمادار وانه قال في فضائله: وفي رواية لما أنشد علي الناس في الرحبة قام خلق كثير فشهدوا له بذلك، وفي لفظ « فقام ثلاثون رجلا فشهدوا ».

ونقل عن الثعلبي أنه قال في تفسيره: ان النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لما قال ذلك طارفي الاقطار وشاع في البلاد والامصار، فبلغ ذلك الحرث بن النعمان الفهري فأتاه على ناقة له، فأناخها على باب المسجد ثم عقلها وجاء فدخل المسجد فجثابين يدي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فقال: يا محمد انك أمرتنا أن نشهد ألا اله الا الله وانك رسول الله فقبلنا منك ذلك، وانك امرتنا أن نصلي خمس صلوات في اليوم والليلة

و نصوم رمضان ونحج البيت ونزكي أموالنا فقبلنا منك ذلك، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك وفضلته على الناس وقلت « من كنت مولاه فعلي مولاه فهذا شيء منك أو من الله. فقال رسول الله وقد احمرت عيناه: والله الذي لا اله الاهو انه من الله وليس مني - قالها ثلاثاً. فقام الحرث وهو يقول: اللهم ان كان ما يقول محمد حقاً فأرسل من السماء علينا حجارة أو أئتنا بعذاب أليم. قال: فوالله ما بلغ ناقته حتى رماه الله من السماء بحجر فوقع على هامته فخرج من دبره فمات وأنزل الله تعالى سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع».

ثم نقل أشعار الصحابة في ذاك اليوم كحسان بن ثابت وقيس بن سعد بن عبادة وأشعار من بعدهم كالحميري والكميت، ونقتصر روماً للاختصار من نقل الاشعار على مانقل عن الاخير فقال: قال:

نفى عن عينك الارق الهجوعا *** وهماً تمترى عنه الدموعا

لدى الرحمن يشفع بالمثاني *** فكان له ابو حسن شفيعا

ويوم الدوح دوح غديرخم *** أبان له الولاية لواطيعا

ولكن الرجال تدافعوها *** فلم أر مثلها خطراً منيعا

وقال السبط بعدها: ولهذه الابيات قصة عجيبة حدثنا بها شيخنا عمرو بن صافي الموصلي قال: أنشد بعضهم هذه الابيات وبات مفكراً فرأى علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المنام فقال له: أعد علي أبياتك للكميت، فأنشده اياها حتى بلغ الى قوله «خطراً منيعاً، فأنشده علي بيتاً آخر من قوله زيادة فيها:

فلم ارمثل ذاك اليوم يوماً *** ولم أر مثله حقاً أضيعا

فانتبه الرجل مذعوراً.

قلت: صدق صلوات الله عليه لم يرمثل ذلك اليوم يوم، ولم ير مثل امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من اضطهد حقه وانه أولى بشعر العرجي:

اضاعوني وأي فتى أضاعوا *** ليوم كريهة وسداد ثغر

فأطبق على تضييعه الاخرون كما أطبق عليه الاولون، فتارة حملوه على أنه كان قضية في خصومة بينه وبين زيد بن حارثة، قال المأمون كما روى ابن عبدربه في عقده لاسحق بن ابراهيم بن اسمعيل بن حماد بن زيد من عيون فقهاء العامة: هل تروي حديث الولاية ؟ قال: نعم. قال: اروه، ففعل، قال: أرأيت هذا الحديث هل أوجب على ابى بكر وعمر مالم يوجب لهما عليه.قال: ان الناس ذكروا أن الحديث انما كان بسبب زيد بن حارثة لشيء جرى بينه وبين علي وانكر ولاء علي، فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. قال المأمون: في أي موضع قال هذا أليس بعد منصرفه من حجة الوداع. قال: أجل. قال: فان قتل زيد بن حارثة كان قبل الغدير، يا اسحق كيف رضيت لنفسك بهذا، أخبرني لورأيت ابنالك قد أتت عليه خمس عشرة سنة يقول مولاي مولى ابن عمى أيها الناس فاعلموا ذلك، أكنت منكراً عليه تعريفه الناس ما لا ينكرون ولا يجهلون. فقال: اللهم نعم. قال المأمون: يا اسحق أفتنزه ابنك عمالا تنزه عنه رسول الله، ويحكم لا تجعلوا فقهاء كم أرباباً ان الله جل ذكره قال في كتابه «اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله لم يصلوالهم ولا صاموا ولازعموا أنهم أرباب ولكن امروهم فأطاعوا أمرهم.

وبعضهم حمله على معاني أخر يستحيى من ذكرها، وأي لفظ اوضح وأصرح من هذا اللفظ بعد تقريره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أولا لهم بقوله «ألستم تعلمون اني أولى بالمؤمنين

من أنفسهم»، ثم يقول أربع مرات من كنت مولاه فعلي مولاه»، ولو لم يكن لفظه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفيداً للامامة بعده لما قال حسان بن ثابت في نظمه ذاك المقام وذاك الكلام:

يناديهم يوم الغدير نبيهم *** بخم فأسمع بالرسول مناديا

وقال فمن مولاكم ووليكم *** فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا

الهك مولانا وانت ولينا *** ومالك منا في الولاية عاصيا

فقال له قم يا علي فانني *** رضيتك بعدى اماماً وهاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليه *** فكونوا له انصار صدق مواليا

هناك دعا اللهم وال وليه *** وكن للذي عادى علياً معاديا

ولما التهب الحرث الفهري ذاك الالتهاب ويقول له لم تقنع بما امرتنا حتى رفعت بضبعي ابن عمك وفضلته على الناس – الخ.

وتارة أنكروه رأساً، قال الحموي فى أدبائه في ترجمة محمد بن جرير الطبري: وكان قد قال بعض الشيوخ ببغداد بتكذيب غدير خم وقال ان علي بن ابی طالب كان باليمن في الوقت الذي كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بغدير خم، وقال هذا الانسان في قضية مزدوجة يصف فيها بلداً بلداً ومنزلا منزلا أبياتاً يلوح فيها الى معنى حديث غدیر خم فقال:

ثم مررنا بغديرخم *** كم قائل فيه بزورجم

على علي والنبي الامي

وبلغ أبا جعفر ذلك فابتدأ بالكلام في فضائل علي بن ابي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذكر طرق حديث خم، فكثر الناس لاستماع ذلك واجتمع قوم من الروافض ممن بسط لسانه بما لا يصلح في الصحابة، فابتدأ بفضائل ابي بكر وعمر الخ.

قلت: يقال لابي جعفر الطبري تصحيحك حديث خم يبطل فضائل الرجلين، فاما تسلك سبيل الشيخ البغدادي واما تكون جامعاً بين الضدين.

ثم يقال للشيخ البغدادي: ان من القائلين بخم احمد بن حنبل وهو أحد ائمتكم الاربعة في المذهب، وقد عرفت الاخبار التي رواها في كتاب فضائله و كتاب مسنده والشافعي وهو أحدهم الاخر.

قال الجرزي بعد ذكر الحديث في مادة (ولى) قال الشافعي: يعني بذلك ولاء الاسلام كقوله تعالى ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لامولى لهم وقول عمر لعلي: أصبحت مولى كل مؤمن أي ولي كل مؤمن - الخ.

ومن الغريب قوله بأن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان باليمن في الوقت الذى كان النبی (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بالغدير، فانه خلاف متفق التاريخ. نعم كان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بعثه الى اليمن لقبض الصدقات والجزيات قبل ايام الحج في تلك السنة سنة العشر، فلحق علیه السلام به (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) حين دخل مكة أو قارب.

وظهر له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه السفرة فضائل أخرجمة مهمة غير نصبه بالغدير في رجوعه:

منها ان النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) امر أصحابه من لم يسق هدياً بالعدول الى التمتع وبقي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) على حجه لكونه قارناً واشرك امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هديه ونسكه ولم يأمره بالعدول.

ومنها أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) تعجل قبل جنده الذين كانوا معه للحوق به (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) واستخلف عليهم رجلا فأخذ حللا لكسوة من معه فاستقبلهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمادنوا وأخذ منهم الحلل وردها في موضعها.

ومنها أن أولئك الناس شكوه لما أخذ منهم الحلل فقام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فخطب

وقال: لا تشكوه فانه أخشن في ذات الله. روى جميع ذلك الطبري، فروى عن ابن ابی نجیح قال بعث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) علي بن ابي طالب الى نجران، فلقيه بمكة وقد أحرم فدخل علي على فاطمة ابنة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) - الى ان قال - ثم أتى رسول الله فلما فرغ من الخبر عن سفره قال رسول الله: انطلق وطف بالبيت وحل كما حل أصحابك. فقال: يارسول الله اني قد أهللت بما أهللت به. قال: ارجع فاحلل كما حل أصحابك. قال: قلت يارسول الله اني قلت حين احرمت اللهم اني اهللت بما أهل به عبدك ورسولك قال: فهل معك من هدي ؟ قال: قلت لا. قال: فأشركه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في هديه وثبت على احرامه مع رسول الله حتى فرغا من الحج ونحر رسول الله الهدي عنهما.

ورواه شيخنا المفيد بوجه أبسط الا انه قال في آخره: وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) له: بم أهللت يا علي ؟ فقال له: يارسول الله انك لم تكتب لي اهلا الك ولا عرفته فعقدت نيتى بنيتك فقلت «اللهم اهلالا كاهلال نبيك» وسقت معي من البدن أربعاً وثلاثين بدنة. فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)» الله اكبر قدسقت أناستاً وستين و أنت شريكي في حجي ومناسكي وهديى فأقم على احرامك.

ثم روى - أي الطبري - عن ابن ركانة قال: لما اقبل علي بن ابي طالب من اليمن ليلقى رسول الله بمكة تعجل الى رسول الله واستخلف على جنده الذين معه رجلا من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسا رجالا من القوم حللا من البز الذي كان مع علي بن ابي طالب، فلما دناجيشه خرج على ليلقاهم فاذاهم عليهم الحلل فقال: ويحك ما هذا ؟ قال: كسوت القوم ليتجملوا به اذا قدموا في الناس. فقال: ويلك انزع من قبل أن تنتهي الى رسول الله. قال: فانتزع الحلل من الناس وردها في البز وأظهر الجيش شكاية لما صنع بهم.

ثم روى عن ابي سعيد الخدري قال: شكا الناس علي بن ابي طالب، فقام رسول الله فينا خطيباً فسمعته يقول: يا أيها الناس لاتشكوا علياً فوالله انه لاخشن في ذات الله - أوفى سبيل الله.

قلت: ويقال لذاك الشيخ البغدادي ان امامك الفاروق لم ينكر شهود امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحج معه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ولا نصبه بغدير خم قولا وان خالفه عملا، بل قال له (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما تقدم عن فضائل احمد بن حنبل هنيئاً لك يابن ابي طالب أصبحت وامسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، لكنه أنكر على امر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) من لم يسق بالعدول الى التمتع. ولعل وجهه بقاء امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) شريكاً للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في حجه وقريناً له في قرانه.

قال شيخنا المفيد بعد نقل القصة كالطبرى: ثم أمر مناديه ان ينادي من لم يسق منكم هدياً فليحل وليجعلها عمرة ومن ساق منكم هدياً فليقم على احرامه، فأطاع في ذلك بعض الناس وخالف بعض وجرت خطوب بينهم فيه وقال منهم قائلون: ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أشعث أغبر ونحن نلبس الثياب ونقرب النساء وندهن، وقال بعضهم: أما تستحيون تخرجون ورؤسكم تقطر من الغسل ورسول الله على احرامه، فأنكر رسول الله على من خالف ذلك وقال: لولا اني سقت الهدي لا حللت وجعلتها عمرة، فمن لم يسق هدياً فليحل، فرجع قوم و أقام آخرون على الخلاف، وكان فيمن أقام على الخلاف للنبي عمر بن الخطاب، فاستدعاه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وقال له: مالي أراك ياعمر محرماً أسقت هدياً.قال: لم اسق. قال: فلم لاتحل وقد أمرت من لم يسق الهدي بالاحلال. فقال: والله يارسول الله لا أحللت وانت محرم. فقال النبي: انك لن تؤمن بها حتى تموت. فلذلك أقام على انكار متعة الحج حتى رقى المنبر في امارته فنهى عنها

78

نهياً مجدداً وتوعد عليها بالعقاب – الخ.

وتارة سكتواعنه حتى كأنه لم يكن شيئاً مذكوراً، فهذا ابوجعفر الطبري في تاريخه مع أنه أملى طرق حديث خم في قبال ذاك الشيخ البغدادي على الملاء وصنف أيضاً كتاباً في ذلك فنقل الحموي في ترجمته في تعداد كتبه«كتاب فضائل علي بن ابي طالب» قال: تكلم في أوله بصحة الاخبار الواردة في غدير خم ثم تلاه بالفضائل ولم يتم، لم يشرفيه بعد ذكر حجة الوداع الى شيء منه مع أنه ذكر كثيراً من أمور لاطائل تحتها وجعل ذلك الامر المهم نسياً منسياً.

وهذا الحموي نفسه مع نقله في أدبائه عن الطبري ما قدمناه لم يذكر في بلدانه الذي موضوع لبيان مثل ذلك لا في مادة غدير ولا في مادة خم شيئاً من ذلك مع تهالكه في موضع يعنونه أن يذكر فيه قصة أو حديثاً أو شعراً ولو كان غريبة أو نادراً أو بارداً، مع ان أشعار الغدير يمكن أن يصنف منها كتاب وأحاديثه يمكن أن يؤلف منها كتب، وانما ذكر بدل ذلك فيه من أشعار الجاهلية فقال: و غدير خم هذا من نحو مطلع الشمس لا يفارقه ماء المطر أبداً وبه الناس من خزاعة وكنانة غير كثير، وقال معن بن أوس المزني:

عفا وخلا ممن عهدت به خم *** وشاقك بالمسحاء من شرف رسم

عفا حقاً من بعد ماخف اهله *** وحنت به الارواح والهطل السجم

وانما قال قال الحازمي: ان خماً وادبين مكة والمدينة عند الجحفة به غدير عنده خطب رسول الله - الخ. فيقال له وللحازمي ما كانت خطبته وأي موضع كان ذاك الموضع للخطبة.

و لقد ضايق الجزري في نهايته من هذا المقدار مع وضع كتابه للغات الاخبار، فاقتصر على قوله «فيه ذكر غدير خم وهو موضع بين مكة والمدينة تصب فيه

عين هناك وبينهما مسجد للنبى»، فيقال له ذاك المسجدلم بني في ذلك الموضع ومتى بني.

وكذلك الجوهري والفيروزابادي ضايقا عن اشارة اليه في كتابيهما، والذى لم يخف الحق من اللغويين ابن دريد في جمهرته بالنسبة، فقال في خمم: وخم غدير معروف، وهو الموضع الذي قام فيه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) خطيباً بفضل امير المؤمين علي بن ابي طالب.

وروى ابن عقدة كما قال المفيد عن محمد بن نوفل الصيرفي قال: كنت عند الهيثم بن حبيب الصيرفي، فدخل علينا أبو حنيفة النعمان بن ثابت فذكرنا امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ودار بيننا كلام في غدير خم، فقال أبو حنيفة قد قلت لاصحابنا لا تقروا لهم بحديث غدير خم فيخصموكم.

وبلغ الأمر في سكوتهم تعمداً واخفائهم الى أن احتاج امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى قسمهم بالله أن يشهد له من كان شاهد ذلك، ومع ذلك أنكر ذكرانه بعضهم ومنهم انس حتى دعا عليه بالبرص. قال ابن ابى الحديد في شرح قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لانس: ان كنت كاذباً - الخ، المشهور أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) ناشد الناس الله في الرحبة بالكوفة فقال: أنشدكم الله رجلا سمع رسول الله يقول لي وهو منصرف من حجة الوداع (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»، فقام رجال فشهدوا بذلك فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لانس بن مالك: لقد حضرتها فما بالك. فقال: يا امير المؤمنين كبرت سني وصار ما أنساه اكثر مما اذكره. فقال له: ان كنت كاذباً فضربك الله بها بيضاء لاتواريها العمامة، فمامات حتى أصابه البرص.

قال: وقد ذكر ابن قتيبة حديث البرص والدعوة التي دعابها امير المؤمنين

(عَلَيهِ السَّلَامُ) على انس بن مالك في كتاب المعارف في باب البرص قال: وابن قتيبة غير متهم في حق علي للمشهور من انحرافه عنه.

وتارة أخافوا من أراد نقل الخبر، كما يدل عليه قول زيد بن أرقم لعبد الملك في خبر العنوان: انكم معشر أهل العراق فيكم ما فيكم حتى قال له: ليس عليك مني بأس.

هذا، وقد روى الخبر بطرقه ابن الصباغ المالكي في فصوله والكنجي الشافعي في مناقبه مع زيادات، واقتصرنا على النقل من تذكرة السبط الحنفي لان فيه كفاية لمن أراد الاستبصار.

وقد ذكر ابن عساكر في تاريخ دمشقه في ترجمته (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصارت ثلاثة مجلدات من أول جلده الثاني في عنوان (حديث الغدير ومناشدة امير المؤمنين الناس انه من سمع رس رسول الله يقول من كنت مولاه فهذا علي مولاه الى الصفحة 87 أخباره قريباً من تسعين حديثاً: ان في ذلك لذكرى لمن ألقى السمع وهو شهيد.

ومن أراد المكابرة والاستنكار وكان كما قال الله تعالى «ولو أننا نزلنا اليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشر نا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا لا يفيده ألف هذا المقدار، والا فهذه الاخبار المتواترة وهى السنة المقطوعة، وكذا محكم الكتاب معاضداً للسنة وشاهداً ليقول النبى من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه قوله تعالى « إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ».

والاجماع المحقق من جميع الامة على استجماعه بعد النبی (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لصفات الامامة والخلافة والعقل الفطري الأولي الحاكم بما قال تعالى على طبقه « أَفَمَنْ

يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» وقد قال فاروقهم «أما والله لئن وليها ليحملنهم على المحجة البيضاء» كلها دالة على امامته مع أنه يكفي واحد منها في الدلالة ونفي الشبهة.

ومما يكون كالشواهد الداخلية والقرائن الخارجية لخبر الغدير مايوجدفي مواضع مختلفة، منها ما رواه احمد بن ابی طاهر البغدادي في بلاغاته في الوافدات على معاوية ان معاوية قال لدارمية الحجونية: على م أحببت علياً وابغضتني - الى ان قال - قالت: واليت علياً على ما عقدله رسول الله من الولاية.

ومنها مارواه الطبري في وقايع صفين عن شريح بنهاني ان علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) أوصاه بكلمات الى عمرو بن العاص - الى ان قال - فقال عمرو بن العاص: متى كنت أقبل مشورة علي أو انتهى الى امره او أعتد برأيه. فقال له شريح: وما يمنعك يا ابن النابغة أن تقبل من مولاك وسيد المسلمين بعد نبيهم مشورته.

ومنها ما رواه ابن قتيبة فيها أيضاً فقال: ذكروا أن رجلا من همدان يقال له برد قدم على معاوية فسمع عمراً يقع في علي، فقال له: ياعمرو ان أشياخنا سمعوا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه فحق ذلك أم باطل؟ فقال عمرو: حق وأنا ازيدك انه ليس أحد من صحابة رسول الله له مناقب مثل مناقب علي، ففزع الفتى فقال عمرو: انه أفسدها بأمره في عثمان. فقال برد: أمر أو قتل. قال عمرو: لا ولكنه آوى ومنع. قال: فهل بايعه الناس عليها.قال: نعم. قال: فما اخرجك من بيعته ؟ قال: اتهامي اياه في عثمان. قال له: وانت أيضاً قد اتهمت. قال: صدقت فيها خرجت الى فلسطين فرجع الفتى الى قومه فقال: انا أتينا قوماً اخذنا الحجة عليهم من أفواههم على علي الحق فاتبعوه الى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع، فمثل هذا يجعل الواحد معتبراً

وحجة فكيف بالخبر المتواتر.

هذا، وقد قال السبط بعد نقل أشعار حسان المتقدمة: ويروى أن النبى(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لما سمعه ينشد هذه الابيات قال له: ياحسان لاتزال مؤيداً بروح القدسما نصرتنا أو نافحت عنا بلسانك.

قلت: تدل هذه الرواية على أمور:

الاول - معجزة من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أن حساناً لا يبقى ناصراً لامير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويصير عثمانياً ويقول:

فقد رضينا بأهل الشام نافرة *** وبالامير أمير أو بالاخوان اخوانا

اني لمنهم وان غابوا وان شهدوا *** مادمت حياً وما سميت حسانا

لتسمعن وشيكاً في ديارهم *** الله اكبر يالثارات عثمانا

ياليت شعري وليت الطير تخبرني *** ماکان شان علي وابن عفانا

الثانى- انه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وامير المؤمنين نفس واحدة كالقرآن في آية « وانفسنا و أنفسكم»، حيث لم يقل النبى «ما نصرت علياً أو نافحت عنه» بل قال «ما نصرتنا أو نافحت عنا » بلفظ التكلم.

الثالث - ان عثمان وأتباعه من مخالفيه ومعانديه.

الحديث السادس عشر

روى العيون عن محمد بن ابراهيم بن اسحق عن أبي سعيد النسوى عن ابراهیم بن محمد بن مروان عن احمد بن الفضل البلخي عن يحيى بن سعيد البلخي عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن آبائه عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: بينا أنا أمشي مع النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في بعض طرقات المدينة اذلقينا شيخ طويل كث اللحية بعيد ما بين المنكبين، فسلم على النبي ورحب به ثم التفت الي وقال: السلام عليك يارابع الخلفاء ورحمة الله وبركاته، أليس كذلك هو يارسول الله ؟ فقال له رسول الله: بلى. ثم مضى فقلت: يارسول الله ما هذا الذي قال لي هذا الشيخ وتصديقك له؟ قال: أنت كذلك والحمد لله، ان الله عز وجل قال في كتابه « إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً » والخليفة المجعول فيها آدم، وقال « يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ» فهو الثاني، وقال عزوجل حدية عن موسى حين قال لهارون « اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ » وهو الثالث، وقال عزوجل واذان من الله رسوله الى الناس يوم الحج الأكبر فكنت أنت المبلغ عن الله وعن رسوله، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لانبي بعدي،

فأنت رابع الخلفاء كما سلم عليك الشيخ، أو لاتدري من هو؟ قلت: لا. قال: ذاك أخوك الخضر فاعلم.

أقول: الخبر وان كان من طريقنا الا أنه لما كان مشتملا على الاستدلال بمحكم الايات ومتواتر الروايات على كونه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الخليفة عن الله تعالى وعن رسله (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) بعد آدم و داود وهارون لا يضره خاصية طريقه.

أما الاستدلال بمحكم الايات فمانبه في الخبر عليه من قوله تعالى « وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ » الاية، ومعلوم أن المؤذن بذلك والمبلغ لايات براءة انما كان هو، وانما بعث النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أولا اتماماً للحجة أبا بكر، فنزل جبرئيل بعزله وقال: قال تعالى: لا يؤدي هذه الايات الا أنت أو رجل منك كنفسك، فبعث امير المؤمنين فأخذها منه، فرجع ابوبكر منكسراً لعزله قبل الشروع الدال على عدم لياقته وحذراً من أن يكون نزل فيه شيء.

روى الزبير بن بكار في كتاب الموفقيات عن ابن عباس قال: اني لاماشي عمر بن الخطاب في سكة من سكك المدينة اذ قال لي: يا ابن عباس ماأرى صاحبك الا مظلوماً. فقلت في نفسي: والله لا يسبقني بها. فقلت: يا أمير المؤمنين فاردد اليه ظلامته، فانتزع يدي من يده ومضى يهمهم ساعة، ثم وقف فلحقته فقال: يا ابن عباس ما أظنهم منعهم الا أنه استصغره قومه. فقلت في نفسى: هذه والله شر من الاولى، فقلت: والله ما استصغره الله ورسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك، فأسرع عني وأعرض فرجعت عنه.

وأما السنة المتواترة فحديث المنزلة صنف في طرقه كتاب، وروى احمد ابن حنبل في مسنده ومسلم والبخاري في صحيحيهما باسنادهم عن سعد بن ابی وقاص قال: خلف رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) علياً في غزاة تبوك في اهله فقال:

يارسول الله أتخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي - الخ.

وقال المأمون في محاجته مع فقهاء العامة فى معنى قوله «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» انه اشارة الى قوله تعالى حكاية عن موسى « وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا» وان المراد أنت مني يا علي بمنزلة هارون من موسى وزيري من أهلى وأخي شد الله بك أزري واشركك في أمريكي نسبح الله كثيراً ونذكره كثيراً.

وروی احمد بن حنبل في فضائله مسنداً عن أسماء بنت عميس قالت: سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يقول: اللهم اني أقول كما قال أخي موسى «وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا».

قلت: وهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) وان كان آخر أولئك الخلفاء الاربعة الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه، الا أنه افضلهم، قال جعفر بن محمد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ماروى الشيخ في الصحيح عنه: اذا كان يوم القيامة نادى منادمن بطنان العرش: اين خليفة الله في أرضه؟ فيقوم داود النبى، فيأتي النداء من عند الله عز وجل لسنا اياك اردنا وان كنت لله تعالى خليفة، ثم ينادى ثانية أين خليفة الله في أرضه وحجته على عباده فمن تعلق بحبله في دار الدنيا يتعلق بحبله في هذا اليوم ويستضيىء بنوره - الخبر.

ثم ان تلقب صديقهم بخليفة رسول الله كذب واضح وافتراء فاضح، فان خليفة الملك من يستخلفه لامن يقوم بنفسه مقامه فانه خائن مستحق للوم والعقوبة،

ومما أجمعوا عليه أن النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لم يستخلفه، فكان فاروقهم بعد أن طعن يقول: ان لم استخلف فلم يستخلف من هو خير مني رسول الله، وان استخلف فقد استخلف من هو خير مني ابوبكر.

وقد أقروا بتكذيب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لصديقهم في هذا التلقيب وانكسر بذلك حتى بكى، قال ابن قتيبة فى خلفائه في عنوان (كيفية بيعة امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان ابابكر تفقدقوماً تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه، فبعث اليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لا حرقنها على من فيها، فقيل له: يا ابا حفص ان فيها فاطمة. فقال: وان، فخرجوا فبايعوا الاعلياً فانه زعم انه قال حلفت الا أخرج ولا أضع ثوبى على عاتقي حتى أجمع القرآن، فوقفت فاطمة على بابها فقالت: لا عهدلي بقوم حضروا أسوء محضر منكم، تركتم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) جنازة بين أيدينا وقطعتم امركم بينكم لم تستأمرونا ولم ترد والنا حقاً، فأتى عمر ابا بكر فقال له: ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة. قال ابوبكر لقنفد وهو مولى له: ادع لي علياً، فذهب الى علي فقال له ما حاجتك؟ فقال: يدعوك خليفة رسول الله. فقال علي: لسريع ما كذبتم على رسول الله، فرجع فأبلغ الرسالة، فبكى أبوبكر طويلا – الخ.

ومما يدل صريحاً على استخلاف النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لاميرالمؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) سوى خبر الغدير وخبر المنزلة المتواترين مارواه ابن ابى الحديد عن ابي مخنف انه جاءت عائشة الى أم سلمة تخادعها على الخروج للطلب بدم عثمان - الى أن قال - قالت (أي أم سلمة لعائشة: وأذكرك أيضاً كنت أنا وأنت مع رسول الله في سفر له وكان علي يتعاهد نعلي رسول الله فيخصفهما ويتعاهد أثوابه فيغسلها،

وبقيت له نعل فأخذها يومئذ يخصفها وبعد في ظل سمرة وجاء أبوك ومعه عمر فاستأذنا عليه، فقمنا الى الحجاب ودخلا يحدثانه فيما أرادا، ثم قالا: يارسول الله انا لا ندري قدر ما تصحبنا فلو أعلمتنا من تستخلف علينا ليكون لنا بعدك مفزعاً. فقال لهما: أما اني أرى مكانه ولو فعلت لتفرقتم عنه كما تفرقت بنو اسرائيل عن هارون بن عمران، فسكتاثم خرجا، فلما خرجنا الى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قلت له وكنت اجرأ عليه: من كنت يا رسول الله مستخلفاً. فقال: خاصف النعل، فنظرنا فلم نر الاعلياً فقلت: يارسول الله ما أرى الا علياً. فقال: هو ذاك. فقالت عائشة: نعم اذكر ذلك – الخبر.

وأشار الى مضمون هذا الخبر السيد الحميري فقال:

عجبت من قوم اتوا أحمدا *** بخطبة ليس لها موضع

قالوا له لوشئت أعلمتنا *** الى من الغاية والمفزع

اذا توفيت وفارقتنا *** وفيهم في الملك من يطمع

فقال لو أعلمتكم مفزعاً معلناً *** كنتم عسيتم فيه ان تصنعوا

صنيع أهل العجل اذفارقوا *** هارون فالترك له أوسع

وفي الذي قال بيان لمن *** كان اذا يعقل أو يسمع

ومن الغريب أن ابن ابى الحديد قال بعد نقل الخبر: فان قلت انه نص صريح في امامة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فما تصنع أنت وأصحابك المعتزلة. قلت: کلا انه ليس بنص كما ظننت، لانه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لم يقل قد استخلفته وانما قال لو استخلفت أحداً لاستخلفته وذلك لا يقتضي حصول الاستخلاف - الخ.

فانه كماترى مغالطة، لان الرجلين لم يسألاه هل تستخلف أم لا، بل قالا أعلمنا من تستخلفه، فأصل استخلافه كان محرزاً مفروغاً عنه وانما الكلام في

الاعلان به، وأجابهما بتعينه بقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) انى أرى مكانه لكن في اعلامكما ترتب تفرقكم عنه كتفرق بنى اسرائيل عن هارون خليفة موسى، وهذا يكفى في اصل استخلافه، ولذلك قال الحميري:

وفي الذي قال بيان لمن *** كان اذا يعقل أو يسمع

مع أن الله تعالى ألزمه بالاعلان به في يوم خم بقوله جل وعلا «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ» فأعلن (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بمحضر مائة وعشرين ألفاً من الصحابة بصريح العبارة دون التلويح والاشارة كما أقربه سبط ابن الجوزي.

ولما قلنا قال الحميري بعد ماتقدم:

ثم انته بعد ذاعزمة *** من ربه ليس لها مدفع

أبلغ والالم تكن مبلغاً *** و الله منهم عاصم يعصم

فان قلت: يستبعد مخالفة المسلمين لكتاب ربهم وقول نبيهم. قلت: يرفع استبعادك ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) كما روى البخاري في صحيحه لما اشتد مرضه الذي مات فيه قال: ايتوني بدواة وقرطاس اكتب لكم كتاباً لاتضلوا بعدي. فقال عمر: ان رسول الله قد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله، وكثر اللغط فقال النبي: قوموا عني لا ينبغى عندي التنازع. قال ابن عباس: الرزية كل الرزية ماحال بيننا وبين كتاب رسول الله.

وانه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) كما رواه جمع منهم أيضاً قال في مرضه «جهزواجيش أسامة لعن الله من تخلف عنها فقال قوم: يجب علينا امتثال امره، وقال قوم قداشتد مرض النبي فلا تسع قلوبنا مفارقته والحالة هذه فنصبر حتى نبصر أي شيء يكون من أمره.

و قد كان الصديق والفاروق في جيش أسامة، فاذا كان هذا معاملتهما معه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في حياته فما تنتظر بعد وفاته مع أهل بيته.

وهذه أم المؤمنين يقول الله تعالى لها في محكم الكتاب «وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى» وخبر كلاب الحوأب فيها معروف خالفت كتاب ربها وقول نبيها، ومع ذلك ساعدتها آلاف من المسلمين وأخذ خطام جملها كماقال الطبرى سبعون من قريش كلهم قتلوا، وساعدها على هذا الحرب طلحة والزبير وهما من المهاجرين الأولين ومن الستة الذين شهد الفاروق انه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) توفي وهو عنهم راض، وان ناقض بعد بلافصل طويل كما قال الجاحظ: ومن الستة الذين جعلهم الفاروق أهلا للشورى ويزيد الزبير أنه عندهم من حواري رسول الله هؤلاء خواصهم وماظنك بعامتهم الذين هم همج رعاع.

الحديث السابع عشر

روى احمد بن حنبل في الفضائل مسنداً عن سعيد بن المسيب ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قال: وقد كان آخى بين أصحابه أين علي بن ابي طالب، فجاء فقال: يا علي أنت أخي وانا أخوك فان ناكرك احد فقل اناعبد الله وأخو رسول الله، لا يدعيها بعدك الاكذاب.

أقول: وهو أيضاً من الاخبار المتواترة، رواه ابن بطريق في عمدته عن مسند احمد بستة أسانيد ومن مناقب ابن المغازلي بثمانية أسانيد ومن صحيح الترمذى و سنن ابی داود بطرقهما، ورواه سبط ابن الجوزي عن فضائل ابن حنبل بطرق.

وقال المفيد في مساره: الثاني عشر من شهر رمضان هو يوم المؤاخاة آخى فيه النبی (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بين صحبه و آخى بينه وبين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعن مناقب ابن المغازلي انه كان يوم المباهلة.

قلت: اذاكان القرآن أثبت بالمنطوق له (عَلَيهِ السَّلَامُ) من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) منزلة النفسية يفهم منه أيضاً منزلة الاخوة بالفحوى والاولوية، فيكون الكتاب دالا

عليها بالدلالة القطعية كدلالة السنة المتواترة، وكذلك اجماع الامة، ويشهد له العقل والاعتبار لاتحادر وحياتهما وتوافق معنوياتهما، قال البلاذرى: لما نزل قوله تعالی انما المؤمنون اخوة آخى رسول الله بين الاشكال والامثال، فآخى بین ابی بکر وعمر وبين عثمان وعبد الرحمن وبين سعد بن ابی وقاص وسعيد ابن زيد وبين طلحة والزبير - الى أن قال - وبين عائشة وحفصة وبين زينب بنت جحش وميمونة وبين أم سلمة وصفية، حتى آخى بين أصحابه بأجمعهم على قدر منازلهم ثم قال لعلي: أنت اخي وأنا اخوك - الخبر.

وقال حذيفة كما روى عنه ابن المغازلي: آخى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بين المهاجرين، فكان يؤاخي بين الرجل ونظيره، ثم أخذ بيد علي بن ابي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: هذا اخي. قال حذيفة: ورسول الله سيد المرسلين وامام المتقين ورسول رب العالمين الذي ليس له شبه ونظير وعلي أخوه.

قلت: ومع وضوح أخوته (عَلَيهِ السَّلَامُ) له بهذه المثابة حتى انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما قال يوم الشورى: أفيكم من آخى رسول الله بينه وبين نفسه غيرى، لم يستطع عثمان وصاحبوه انکاره، بل قالوا ليس فينا غيرك كما رووه، كذبه فاروقهم لتشييد أمر صديقهم.

قال ابن قتيبة بعد ما تقدم في ذيل الخبر السابق: ثم قام عمر فمشى معه جماعة حتى أتوا بيت فاطمة عليها السلام فدقوا الباب، فلما سمعت اصواتهم نادت بأعلى صوتها: يا أبت يارسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن ابی قحافة، فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين وكادت قلوبهم تتصدع واكبادهم تتفطر، وبقي عمر ومعه قوم، فأخرجوا علياً فمضوا به الى ابى بكر فقالوا له: بايع. فقال: ان أنا لم أفعل فيه. قالوا: اذا والله الذي لا اله

الا هو نضرب عنقك. قال: اذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله. قال عمر: أما عبد الله فنعم وأما اخورسوله فلا وابوبكر ساكت لا يتكلم - الخ.

هذا، وروى الكنجي الشافعي في مناقبه مسنداً عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قال: اذا كان يوم القيامة نوديت من بطنان العرش نعم الاب ابوك خليل الرحمن، ونعم الاخ اخوك علي بن ابي طالب - ورواه الترمذي وسبط ابن الجوزي وروى الثعلبى في تفسير قوله تعالى « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ » قال الله عز وجل لجبرئيل وميكائيل: انى قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما اطول من الاخر فأيكما يؤثر أخاه، فاختار كل منهما الحياة، فأوحى الله تعالى اليهما ألاكنتما مثل علي بن ابي طالب آخیت بینه و بین محمدفبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة، اهبطا اليه فاحفظاه من عدوه، فنز لا اليه فحفظاه جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجبرئيل يقول: بخ بخ یابن ابی طالب من مثلك وقد باهي الله بك الملائكة.

هذا، وروت العامة عن حكيم بن جبير قال: شهدنا علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المنبر يقول: أنا عبد الله واخو رسوله - الى ان قال - لايدعي ذلك غيرى الا أصابه الله بسوء. فقال رجل من عبس كان جالساً بين القوم: من لا يحسن أن يقول هذا، أنا عبد الله وأخو رسوله، فلم يبرح من مكانه حتى تخبطه الشيطان فجر برجله الى باب المسجد، فسألنا قومه هل تعرفون به عارضاً قبل هذا ؟ قالوا: اللهم لا

الحديث الثامن عشر

في تذكرة سبط ابن الجوزي عن حلية ابى نعيم عن احمد بن محمد بن سنان عن محمد بن اسحق الثقفي عن محمد بن زكريا عن ابن عائشة عن ابيه قال: حج هشام بن عبد الملك قبل أن يلي الخلافة، فاجتهد أن يستلم الحجر فلم يمكنه من الزحام، فجاء علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فوقف الناس له وتنحوا عن الحجر حتى استلمه ولم يبق عند الحجر سواه، فقال هشام: من هذا ؟

فقالوا: لا نعرفه. فقال الفرزدق الشاعر: لكنى اعرفه، ثم اندفع فقال:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته *** والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خير عباد الله كلهم *** هذا التقي النقي الطاهر العلم

يكاد يمسكه عرفان راحته *** ركن الحطيم اذا ماجاء يستلم

اذا رأته قريش قال قائلها *** الى مكارم هذا ينتهي الكرم

أن عد أهل التقى كانوا ذوي عدد *** أو قيل من خير أهل الارض قيلهم

هذا ابن فاطمة ان كنت جاهله *** بجده أنبياء الله قد ختموا

وليس قولك هذا بضائره *** العرب تعرف ما أنكرت والعجم

يغضي حياء ويغضى من مهابته *** فما يكلم الا وهو يبتسم

ينمى الى ذروة العز التي قصرت *** عن نيلها عرب الاسلام والامم

من جده دان فضل الانبياء له *** وفضل أمته دانت له الهمم

ينشق نور الهدى عن صبح غرته *** كالشمس پنجاب عن اشراقها الظلم

مشتقة من رسول الله نبعته *** طابت عناصره والخيم والشيم

الله شرفه قدماً وفضله *** جرى بذاك له في لوحه القلم

كلتا يديه غياث عم نفعهما *** يستو كفان ولا يعروهما العدم

سهل الخليقة لا يخشى بوادره *** یزیده اثنتان الخلق والكظم

حمال اثقال اقوام اذا فدحوا *** رحب الفضاء اريب حين يعتزم

عم البرية بالاحسان فانقشعت *** عنه الغيابه لاهلق ولاكهم

من معشر حبهم دين وبغضهم *** كفر وقربهم ملحاً ومعتصم

لا يستطيع جواد بعد غايتهم *** ولا يدانيهم قوم وان كرموا

هم الغيوث اذا ما ازمة ازمت *** والاسد أسد الشرى والراي محتدم

لا ينقص العسر بسطاً من اكفهم *** سيان ذلك ان اثروا وان عدموا

يستدفع السوء والبلوى بحبهم *** ويسترق به الاحسان والنعم

مقدم بعد ذكر الله ذكرهم *** في كل بر ومختوم به الکلم

يأبى لهم ان يحل الذل ساحتهم *** خيم كريم وايد بالندى هضم

من يعرف الله يعرف اولية ذا *** فالدين من بيت هذاناله الامم

هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فغضب هشام وأمر بحبس الفرزدق بعسفان بين مكة والمدينة، فبعث اليه علي بألف دينار فردها وقال: انما قلت ما قلت غضباً لله ولرسوله فما آخذ عليه أجراً. فقال علي

(عَلَيهِ السَّلَامُ): نحن أهل بيت لا يعود الينا ما خرج منا، فقبلها الفرزدق وهجا هشاماً فقال:

أيحبسني بين المدينة والتي *** اليها قلوب الناس يهوى منيبها

يقلب رأساً لم يكن رأس سيد *** وعيناً له حولاء باد عيوبها

أقول: قال السبط لم يذكر أبو نعيم في الحلية الابعض هذه الابيات الميمية والباقي أخذته من ديوان الفرزدق.

قلت: ان هذه الابيات رواها الخاصة وكثير من العامة للفرزدق في السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقط، ورواها ابن طلحة الشافعي في مناقبه المسمى بغاية السؤل عنه فيه وفى أبيه، فقال في كتابه أولا في ترجمة ابى عبد الله الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد ذكر ملاقاة الفرزدق له في طريق مكة ووداعه، فقال له ابن عم له من بنى مجاشع: يا أبافراس هذا الحسين بن علي. قال الفرزدق: نعم هذا الحسين بن علي وابن فاطمة الزهراء بنت محمد المصطفى، هذا والله ابن خيرة الله وأفضل من مشى على الأرض، وقد كنت قلت فيه قبل اليوم أبياتاً غير متعرض لمعروفه بل أردت وجه الله والدار الآخرة فلا عليك أن لا تسمعها. فقال ابن عمه: ان رأيت ان تسمعنيها أبا فراس. فقال: قلت فيه وفي أمه وأبيه وجده:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته *** والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خير عباد الله كلهم *** هذا التقي النقي الطاهر العلم

يكاد يمسكه عرفان راحته *** ركن الحطيم اذا ما جاء يستلم

يغضي حياء ويغضى من مهابته *** فلا يكلم الا حين يبتسم

أي الخلائق ليست في رقابهم *** لا ولية هذا أوله نعم

من يعرف الله يعرف أولية ذا *** فالدين من بيت هذا ناله الامم

اذا راته قريش قال قائلها *** الى مكارم هذا ينتهي الكرم

وقال ثانياً في ترجمة السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد ذكر حج هشام وعدم تمكنه من الاستلام من الزحام وتخلية الناس الحجر للامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) و تعجب أهل الشام مما حصل له من الاحترام وسؤالهم تعجباً عن هشام انه من أي الانام و تجاهل هشام لهم بأنه لم يعرفه، قال: فسمعه الفرزدق فقال: لكني أعرفه، هذا علي بن الحسين زين العابدين، وأنشد هشاماً من الابيات التي قالها في أبيه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد تقدم ذكرها « هذا الذى تعرف البطحاء وطأته » - الى أن قال - فزاد فيها أبياتاً لمخاطبة هشام بذلك، ومراده بالابيات الزائدة قوله:

فليس قولك من هذا بضائره *** العرب تعرف من انكرت والعجم

و اقتصار الاكثر على النقل في السجاد لا ينافي ما قاله ابن طلحة من كونها في الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً، وحينئذ فتخطئة الكنجي الشافعي الطبراني في معجمه أنه نقل الابيات عن الفرزدق في الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في غير محله

نعم ما نقله عن دعبل أنه قال ان الابيات لكثير الشاعر في ابنه الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) غريب.

هذا، وأما قول الجاحظ في بيانه قال الشاعر في بعض الخلفاء:

في كفه خيزران ريحها عبق *** من كف أروع في عرنينه شمم

يغضي حياءاً ويغضى من مهابته *** فلا يكلم الا حين يبتسم

فاما قال ما قال من قوله فى بعض الخلفاء الظاهر في غيرهم (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) وان كانوا هم خلفاء الله حقاً واما تجاهلا اقتداءاً بخليفته هشام، وقد نسب كثيراً من خطب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى غيره عناداً، والا فجميع أئمة العامة

متفقون على ذلك، فهذا أبو الفرج في أغانيه رواه وطول باعه فى التاريخ سعة اطلاعه غير خفي، وابن قتيبة رواه وهو فوق الجاحظ فكتب الجاحظ هزليات و افتراءات وكتب ابن قتيبة لبيات، والطبراني والقرطبي روياه والزمخشري والكنجي وابن طلحة الشافعي وابن الصباغ المالكي رووه، بل قال القرطبي كما نقل الكنجي عن القسطلاني عنه لو لم يكن المفرزدق عند الله عمل الا هذا دخل به الجنة لانها كلمة حق عند ذي سلطان جائر.

وفي فائق الزمخشري علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مدحه الفرزدق فقال:

في كفه جهني ريحه عبق *** من كف أروع في عرنينه شمم

و نقل عن القتيبي انه قال: الجهني الخيزران، ومعرفتي هذه الكلمة عجيبة وذلك أن رجلا من أصحاب الغريب سألني عنه فلم أعرفه، فلما أخذت من الليل مضجعي أتاني آت فى المنام فقال: ألا أخبرته عن الجهني. قلت: لم أعرفه. قال: هو الخيزران. فسألته شاهداً فقال «هدية طريفة في طبق جهني » فهببت وأنا أكثر التعجب، فلم ألبث الا يسيراً حتى سمعت من ينشد « في كفه جهني » وكنت أعرفه « في كفى خيزران ».

الحديث التاسع عشر

روى محمد بن يعقوب الكليني عن الحسين بن محمد الاشعري ومحمد ابن يحيى وغيرهما قالوا: كان أحمد بن عبيد الله بن خاقان على الضياع و الخراج بقم، فجرى فى مجلسه ذكر العلوية ومذاهبهم وكان شديد النصب فقال: ما رأيت ولا عرفت بسر من رأى رجلا من العلوية مثل الحسن بن علي ابن محمد بن الرضا في هديه وسكونه وعفافه ونبله وكرمه عند أهل بيته وبني هاشم و تقديمهم اياه على ذوي السن منهم والخطر وكذلك القواد والوزراء وعامة الناس، فاني كنت يوماً قائماً على رأس أبى وهو يوم مجلسه للناس اذ دخل عليه حجابه فقالوا: أبو محمد بن الرضا بالباب. فقال بصوت عال الذنوا له، فتعجبت مما سمعت منهم انهم جسروا يكنون رجلا على أبي بحضرته ولم يكن عنده الا خليفة أو ولي عهد أو من أمر السلطان أن يكنى فدخل رجل اسمر حسن القامة جميل الوجه جيد البدن حدث السن له جلالة وهيبة، فلما نظر اليه أبي قام يمشي اليه خطى ولا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم والقواد، فلما دنا منه عانقه وقبل وجهه وصدره وأخذ بيده وأجلسه

على مصلاه الذي كان عليه وجلس الى جنبه مقبلا عليه بوجهه وجعل يكلمه ويفديه بنفسه وأنا متعجب مما أرى منه، اذ دخل الحاجب فقال الموفق قدجاء -وكان الموفق اذا دخل على أبي يقدم حجابه وخاصة قواده - فقاموا بين مجلس أبي وبين باب الدار سماطين الى أن يدخل ويخرج، فلم يزل مقبلا على أبي محمد يحدثه حتى نظر الى غلمان الخاصة، فقال حينئذ: اذا شئت جعلني الله فداك. ثم قال الحجابه: خذوا به خلف السماطين حتى لايراه هذا يعني الموفق، فقام وقام أبي عانقه ومضى، فقلت لححاب أبي وغلمانه: ويلكم هذا الذي كنيتموه على أبي وفعل به أبي هذا الفعل ؟ فقالوا: هذا علوي يقال له الحسن بن علي يعرف بابن الرضا، فازددت تعجباً ولم أزل يومى ذلك قلقاً متفكراً في أمره وأمر أبى ومارأيته منه حتى كان الليل وكانت عادته أن يصلي العتمة ثم يجلس فينظر فيما يحتاج اليه من المؤامرات وما يرفعه الى السلطان، فلما صلى وجلس جئت فجلست بين يديه وليس عنده أحد، فقال لي: ياأحمد ألك حاجة ؟ قلت: نعم يا ابه فان اذنت لي سألتك عنها. فقال: قد أذنت يابني فقل ما أحببت قلت: يا ابه من الرجل الذي رأيتك بالغداة فعلت به ما فعلت من الاجلال والكرامة والتبجيل وفديته بنفسك وابويك. فقال: يابني ذاك امام الرافضة ذاك الحسن بن علي المعروف بابن الرضا، فسكت ساعة ثم قال: يابني لوزالت الامامة عن خلفاء بني العباس ما استحقها أحد من بنى هاشم غير هذا، وان هذا ليستحقها في فضله وعفافه وهديه وصيانته وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه، ولو رأيت اباه رأيت رجلا جزلا نبيلا فاضلا.

فازددت قلقاً وتفكراً وغيظاً على ابى وماسمعت منه واستزدته في فعله وقوله فيه ماقال، فلم يكن له همة بعد ذلك الا السؤال عن خبره والبحث عن

أمره، فما سألت أحداً من بنى هاشم والقواد والكتاب والقضاة والفقهاء وسائر الناس الا وجدته عنده في غاية الاجلال والاعظام والمحل الرفيع والقول الجميل و التقدم له على جميع أهل بيته ومشائخه، فعظم قدره عندي اذلم أرله وليأولا عدواً الا وهو يحسن القول فيه والثناء عليه، فقال له بعض من حضر مجلسه من الاشعريين: يا أبا بكر فما خبر أخيه جعفر ؟ فقال: ومن جعفر فيسئل عن خبره أو يقرن بالحسن، جعفر معلن الفسق فاجر ماجن شريب للخمور، أقل من رأيته

من الرجال واهتكهم لنفسه خفيف قليل في نفسه، و لقد ورد على السلطان وأصحابه في وقت وفاة الحسن بن علي ما تعجبت منه وماظننت أنه يكون، وذلك انه لما اعتل بعث الي ابى ان ابن الرضا قد اعتل، فركب من ساعته الى دار الخلافة ثم رجع مستعجلا ومعه خمسة من خدم أمير المؤمنين كلهم من ثقاته وخاصته فيهم تحرير، فأمرهم بلزوم دار الحسن وتعرف خبره وحاله وبعث الى نفرمن المتطبيين فأمرهم بالاختلاف اليه وتعاهده صباحاً ومساءاً، فلما كان بعد ذلك بيومين أو ثلاثة أخبر انه قد ضعف، فأمر المتطببين بلزوم داره وبعث الی قاضی القضاة فأحضره مجلسه وامره ان يختار من أصحابه عشرة ممن يوثق به في دينه وأمانته وورعه، فأحضر هم فبعث بهم الى دار الحسن فأمرهم بلزومه ليلا ونهاراً، فلم يزالواهنالك حتى توفي رحمة الله عليه ورضوانه، فصارت سر من رأى ضجة واحدة، فبعث السلطان الى داره من فتشها وفتش حجرها وختم على جميع مافيها وطلبوا أثر ولده وجاؤا بنساء يعرفن الحمل فدخلن على جواريه ينظرن اليهن، فذكر بعضهن أن هناك جارية بها حمل فجعلت في حجرة ووكل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم، ثم أخذوا بعد ذلك في تهيئته وعطلت الاسواق وركبت بنوهاشم والقواد وابى وسائر الناس الى جنازته، فكانت

سر و من رأى يومئذ شبيهاً بالقيامة فلما فرغوا من تهيئته بعث السلطان الى أبي عيسى بن المتوكل فأمره بالصلاة عليه، فاما وضعت الجنازة للصلاة عليه دنا ابو عيسى منه فكشف عن وجهه فعرضه علی بنی هاشم من العلوية والعباسية والقواد والكتاب والقضاة والمعدلين، وقال: هذا الحسن بن علی بن محمد ابن الرضا مات حتف انفه على فراشه حضره من خدم امير المؤمنين وثقاته فلان وفلان ومن القضاة فلان وفلان ومن المتطببين فلان وفلان، ثم غطى وجهه وامر بحمله، فحمل من وسط داره ودفن في البيت الذي دفن فيه ابوه.

فلما دفن اخذ السلطان والناس في طلب ولده وكثر التفتيش في المنازل والدور وتوقفوا عن قسمة ميراثه، ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي توهم عليها الحمل لازمين حتى تبين بطلان الحمل، فلما بطل الحمل عنهن قسم ميراثه بين أمه وأخيه جعفر وادعت أمه وصيته، وثبت ذلك عند القاضي والسلطان على ذلك يطلب أثر ولده، فجاء جعفر بعد ذلك الى أبى فقال: اجعل لي مرتبة أخي وأوصل اليك في كل سنة عشرين ألف دينار، فزبره وأسمعه وقال له: یا احمق السلطان جرد السيف في الذين زعموا أن اباك واخاك ائمة ليردهم عن ذلك فلم يتهيأله ذلك، فان كنت عند شيعة أبيك وأخيك اماماً فلاحاجة بك الى السلطان يرتبك مراتبهما ولاغير السلطان، وان لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تنلها بنا، واستقله أبى عند ذلك واستضعفه وامر أن يحجب عنه،، فلم يأذن له في الدخول عليه حتى مات أبى وخرجنا وهو على تلك الحال والسلطان يطلب اثر ولد الحسن بن علي الى اليوم.

أقول: ورواه الارشاد عنه مثله، وزاد: وهو لا يجد الى ذلك سبيلا وشيعته مقيمون على أنه مات وخلف ولداً يقوم مقامه في الامامة.

ورواه الكمال عن أبيه وابن الوليد عن سعد عن جمع كثير مع زيادات يسيرة. ومراد الشيخ في الفهرست حيث عنون (احمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان) وقال له مجلس يصف فيه أبا محمد الحسن بن علي العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخبرنا به ابن أبى جيد عن ابن الوليد عن عبد الله بن جعفر الحميري قال: حضرت و حضر جماعة من آل سعد بن مالك و آل طلحة وجماعة من التجار شعبان لاحدى عشرة ليلة مضت سنة ثمان وسبعين ومائتين مجلس احمد ابن عبيد الله بكورة قم، فجرى ذكر من كان بسر من رأى من العلوية وآل ابی طالب فقال احمد بن عبيد الله بن يحيى ماكان بسر من رأى رجل من العلوية مثل رجل رأيته يوماً عند ابي عبيد الله بن يحيى بن خاقان يقال له الحسن بن علي - وصفه وساق الحديث.

هذا المذكور في خبر الكليني والصدوق والمفيد، ومراده بمجلسه وصف احمد هذا لابي محمد العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ولم يتفطن النجاشي لمراد الشيخ فقال في فهرسته: احمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان، ذكره أصحابنا في المصنفين وان له كتاباً يصف فيه سيدنا ابا محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم أرهذا الكتاب.

ومراده أن الشيخ ذكره في فهرسته الموضوع للمصنفين وذكر أن له كتاباً في وصفه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فتوهم أنه كتاب مستقل مع أن الشيخ انما قال له مجلس مشيراً الى مافي الخبر أن جمعاً حضروا مجلسه فوصفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهم.

الحديث العشرون

روى الكمال عن أبيه وابن الوليد معاً عن سعد عن اليقطيني عن اسمعيل ابن أبان عن عمر بن شمر عن جابر عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سأل عمر امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن المهدي فقال: يا ابن ابی طالب أخبرني عن المهدي ما اسمه. قال: أما اسمه فلا، ان حبيبي وخليلي عهد الي أن لا أحدث أحداً باسمه حتى يبعثه الله عز وجل وهو مما استودع الله رسوله في علمه.

أقول: سؤال عمر امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن اسم المهدي يدل على أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أخبر به كثيراً حتى عرفه مثل عمر، وقد صنفت العامة كتباً بطرقهم عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في أحوال المهدي، وكان خلفاء بني امية يعرفون ذلك، وقد كان مروان بن محمد لما بلغه أن محمد بن عبدالله بن الحسن يدعي أنه المهدي أنكر ذلك بأن المهدي ليس ابوه من ولد الحسن وأمه امة ومحمد من ولد الحسن وأمه حرة.

ولاشتهار ذلك عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وعن امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وباقي المعصومين غلطت الكيسانية في ابن الحنفية والناووسية في الصادق والواقفية في الكاظم والاسماعيلية في اسمعيل بن جعفر.

بل صار تكرر أخبار النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) عن الغيبة سبباً لمغالطة عمر في انكارموت النبى وانه غاب ويرجع ويفعل كذا و كذا.

وروى الفضل بن شاذان في رجعته عن عبد الله بن الحسين بن سعد الكاتب قال: قال ابو محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد وضع بنو أمية وبنو العباس سيوفهم علينا لعلتين: احداهما أنهم كانوا يعلمون ليس لهم في الخلافة حق فيخافون من ادعائنا اياها أن تستقر في مركزها، وثانيتهما أنهم قد وقفوا من الاخبار المتواترة على أن زوال ملك الجبابرة والظلمة على يد القائم منا، وكانوا لا يشكون انهم من الجبابرة والظلمة فسعوا في قتل أهل بيت رسول الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) وابادة نسله طمعاً منهم في الوصول الى منع تولد القائم أو قتله، فأبى الله تعالى أن يكشف أمره لواحد منهم الا أن يتم نوره ولو كره المشركون.

هذا وكان علاماته (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً معروفة عندهم، فقال الطبري في سنة 132 خلع ابوالورد أبا العباس بقنسرين فبيض وبيضوا معه - الى أن قال في شرح القصة - رأسوا عليهم أبا محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن ابي سفيان وقالوا هو السفياني الذي كان يذكر - الخ.

والمبيضة الخالعون للعباسيين الذين كانوا مسودة لكون السواد شعارهم.

وروى النعماني عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: ما يكون هذا الامر حتى يبقى صنف الاوقد ولوا على الناس، حتى لا يقول قائل انالوولينا لعدلنا، ثم يقوم القائم بالحق والعدل.

هذا، وروى الفضل في غيبته عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: ما من معجزة من معجزات الانبياء والأوصياء الا يظهر الله تبارك وتعالى مثلها في يدقائمنا لاتمام الحجة على الاعداء.

الحديث الواحد والعشرون

قال الفضل بن شاذان في ايضاحه: روى الهيثم بن عدي وعبيد الله بن العباس الهمداني عن سعيد بن جبير قال: ذكر ابو بكر وعمر عند عبد الله بن عمر فقال رجل من القوم: كانا والله شمس هذه الامة وقمرها. فقال له ابن عمر: وما يدريك ؟ فقال له الرجل: أوليس قد ائتلفا. فقال ابن عمر: بل اختلفا لو كنتم تعلمون، أشهداني عند ابى يوماً وقد أمرني باحلاس أرقاها وأصلح منها، اذ استأذن عليه عبد الرحمن بن ابى بكر فقال عمر: دويبة سوء وهو خير من أبيه. قأو حشي ذلك منه فقلت: يا ابتا عبد الرحمن خير من أبيه ؟ فقال: ومن ليس خيراً من ابيه لاأم لك، واذن لعبد الرحمن فكلمه في حطيئة الشاعر أن يرضى عنه، وكان عمر حبسه في شعر فقال: ان في حطيئة بذاء فدعني أخشعه بطول الحبس، فألح عليه عبد الرحمن فأبى، فخرج عبد الرحمن وأقبل علي عمر فقال: أو في غفلة أنت الى يومك هذا من تعدي أفحج بنى تيم علي وما عسيت ان تعلم. فقلت: والله لهو أحب الى الناس من ضياء أبصارهم. فقال: ان ذلك لكما ذكرت على رغم ابيك وسخطه. فقلت: يا ابنا أفلا تجلى عن فعاله بسوقف

في الناس تبين ذلك عنه. فقال: وكيف لي بذلك مع ماذكرت من أنه احب الى الناس من ضياء أبصارهم اذاً لرضخت هامة ابيك بالجندل قال ابن عمر وكان لعمر تجاسر: فوالله مادارت الجمعة حتى وقف عمر خطيباً في الناس يقول: ان بيعة ابي بكر كانت فلتة وقى الله شرها فمن عادلمثلها فاقتلوه.

أقول: قول عمر «ان بيعة ابى بكر كانت فلتة وقى الله شرها فمن عاد لمثلها فاقتلوه» متواتر حتى قال امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مشيراً الى ذلك في بعض خطبه: لم تكن بيعتكم اياي فلتة.

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في موضع آخر في وصف بيعته: وبسطتم يدي فكففتها ومدد تموها فقبضتها، ثم تداككتم علي تداك الابل الهيم على حياضها يوم ورودها، حتى انقطعت النعل وسقطت الرداء ووطىء الضعيف، وبلغ من سرور الناس ببيعتهم اياي أن ابتهج بها الصغير وهدج اليها الكبير وتحامل نحوها العليل وحسرت اليها الكعاب.

وقدروى الطبري خطبة عمر بذلك في أيام خلافته لما بلغه أن رجلا قال: لومات عمر بايعت فلاناً، فروى عن ابن عباس خطبته في فروى عن ابن عباس خطبته في أول جمعة قدم المدينة بعد رجوعه من مكة بعد أن أراد أن يخطب بمنى وخوفه ابن عوف - الى أن قال - ثم انه بلغني أن قائلا منكم يقول: لو قدمات أمير المؤمنين بايعت فلاناً، فلا يغرن امرؤ ان يقول ان بيعة ابى بكر كانت فلتة فقد كانت كذلك غير أن وقى الله شرها - الخ.

ووجه كونها فلتة أن الانصار كلها كما روى الطبرى كانت مجمعة على بيعة سعد بن عبادة وهو من الخزرج ولم يكن مع ابي بكر الا عمر وابو عبيدة، وكان ابو بكر يقول بايعوا أيهما شئتم وهما يقولان لانتقدمك فانك ثاني اثنين

وخليفة الصلاة أبسط يدك نبايعك، فلمار أى ذلك بشير بن سعد وهو أبو النعمان ابن بشير ومن الخزرج أيضاً حسد ابن عمه على الامارة فسبق بشير عمرو أبا عبيدة على بيعة ابى بكر فبايعه، قال الطبرى: فناداه الحباب بن المنذر عققت عقاق ما أحوجك الى ما صنعت أنفست على ابن عمك الامارة - الخ.

ولما رأت الاوس ذلك وكان بينهم وبين الخزرج المنافسة والمحاربة والمحاسدة من الجاهلية الى الاسلام، رجعوا عن عزمهم الأول من بيعة سعد وقال بعضهم لبعض كما قال الطبرى: لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لازالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلو الكم معهم فيها نصيباً أبداً قوموا فبايعوا ابابكر. قال: فقاموا اليه فبايعوه، فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعواله من أمرهم - الخ.

وكان علة اجتماع الانصار أولا في السقيفة انهم لما رأوا أن عمر منع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) من الوصية علموا أن قريشاً يريدون أن يجعلوا السلطان فيهم فأرادوا انتهاز الفرصة فانقلب عليهم.

وروى الهيثم كما نقل عنه المرتضى - والهيثم من المصنفين كماقال المسعودي في أول مروجه ولم يصل كتابه الينا ككتب اكثر القدماء- عن مجالد بن سعيد قال: غدوت يوماً الى الشعبى وانا أريد أن اسأله عن شيء بلغني عن ابن مسعود انه كان يقوله، فأتيته وهو في مسجد حيه وفي المسجد قوم ينتظرونه، فخرج فتعرفت اليه وقلت: أصلحك الله كان ابن مسعود يقول: ماكنت محدثاً قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم الاكان لبعضهم فتنة. قال: نعم وكان ابن عباس يقوله أيضاً، وكان عند ابن عباس دفائن علم يعطيها أهله ويصرفها عن غيرهم، فبينا نحن كذلك اذأقبل رجل من الازد فجلس الينا فأخذنا في ذكر ابى بكر وعمر،

فضحك الشعبي وقال: لقد كان في صدر عمر ضب على ابي بكر. فقال الازدي: والله مارأينا ولا سمعنا برجل قط كان أسلس قياداً لرجل ولا أقول فيه بالجميل من عمر في ابى بكر. فأقبل علي الشعبى وقال: هذا مما سألت عنه،، ثم أقبل على الرجل وقال: يا اخا الازد فيكف تصنع بالفلتة التي وقى الله شرها، أترى عدواً يقول في عدو يريد أن يهدم ما بنى لنفسه في الناس اكثر من قول عمر في ابى بكر. فقال الرجل: سبحان الله أنت تقول ذلك يا أبا عمرو. فقال الشعبي: انا أقوله قاله عمر بن الخطاب على رؤس الاشهاد فلم أدع، فنهض الرجل مغضباً وهو يهمهم في الكلام بشيء لم أفهمه فقلت للشعبي: ما أحسب هذا الرجل الاسينقل عنك هذا الكلام الى الناس ويبثه فيهم. قال: اذن والله لا أحفل به، وشيء لم يحفل به عمر حين قام على رؤس الاشهاد في المهاجرين والانصار أحفل به انا، أذيعوه انتم عني ما بدالكم.

الحديث الثاني والعشرون

قال فيه أيضاً: روى شريك بن عبد الله عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمان عن أبي موسى الاشعري انه قال: حججنا مع عمر بن الخطاب، فلما دخلنا مكة ونزلنا وفض الناس خرجت من رحلي وانا أريد عمر، فلقينى في طريقي اليه المغيرة بن شعبة فوافقنى ثم قال: أين تريد يا أباموسى ؟ قلت: أريد أمير المؤمنين عمر فهل لك فيه. فقال: نعم مع المتعة بحديثك، فانطلقنا نريد رحل عمر، فانا في طريقنا اذ ذكرنا فضل عمر وقيامه بماهوفيه وحيطته على الاسلام ونهوضه بماقبله من ذلك، ثم خرجنا من ذلك الى ابى بكر، فقلت للمغيرة يالك الخير لقد كان أبو بكر مسدداً في عمر كأنه ينظر الى قيامه وجده واجتهاده وعنايته في الاسلام. فقال المغيرة: لقد كان كذلك وان كان قوم كر هو اولاية عمر ليذودوها عنه وما كان لهم فى ذلك لو كان حظ. فقلت له: لا أباً لك ماترى القوم الذين كرهوا ذلك من عمر أرادوا. فقال لي المغيرة:الله أنت كأنك لاتعرف هذا الحي من قريش وما خصوابه من الحسد، فوالله ان لو كان الحسد شيئاً يرى فيحسب أو يدرك بحساب لكان لقريش تسعة أعشار الحسد وللناس عشر بينهم. فقلت له:

يا مغيرة فان قريشاً قد بانت بفضلها على الناس.

فلم نزل في هذا الذكر حتى انتهينا الى رحل عمر فلم نجده، فسألنا عنه فقيل خرج آنفاً يريد المسجد، فمضينا جميعاً نقفو أثره حتى دخلنا المسجد، فاذاً عمر يطوف بالبيت. فطفنا معه فلما فرغ دخل بيني وبين المغيرة متوكئاً على المغيرة ثم قال: من أين والى أين أنتما. فقلنا: يا أمير المؤمنين خرجنانريدك فأتينا رحلك فقيل لنا خرج يريد المسجد فاتبعناك. فقال: اتبعكما الخير. ثم ان المغيرة نظر الي فتبسم، ونظر اليه عمر فأقبل عليه فقال: مم تبسمت أيها العبد ؟ فقال: من حديث كنت أنا وابوموسى فيه آنفاً في طريقنا اليك. فقال: وماذلك الحديث، فقصصنا عليه الخبر حتى بلغنا ذكر حسد قريش وذكر من أراد منهم صرف ابى بكر عن ولاية عمر، فتنفس عمر صعداء ثم قال: ثكلتك أمك يامغيرة وماتسعة أعشار الحسد ان فيها تسعة أعشار الحسد كما ذكرت وتسعة أعشار العشر وقريش شركاء في عشر العشر أيضاً، ثم سكت ملياً وهو يتهادى بيننا ثم قال: ألا أخبر كما بأحسد قريش كلها ؟ قلنا: بلى يا أمير المؤمنين. قال: وعليكما ثيابكما. قلنا: نعم. فقال: وكيف بذلك وأنتم لابسان ثيابكما. فقلت له يا أمير المومنين مم ذلك. فقال: خوف الاذاعة يا ابن قيس. فقلت له: تخاف الاذاعة من الثياب، فأنت والله من متلبسي الثياب أخوف وما الثياب اردت.

فقال: هو ذاك

فانطلقنا حتى انتهينا الى رحله فحل أيدينا من يديه وقال: لا تبرحا كونا قريباً حيث ابتغيكما فأخبر كما، ثم دخل رحله فقلت للمغيرة: لا أباً لك لقد عثرنا بكلامنا وما كنافيه على دفينة لعمر ما أراه حبسنا الالمذاكرتنا اياه، فمایری من ذلك ظنك، فانا لبذلك اذخرج آذنه الينا فقال: ادخلا، فدخلنا فاذا عمر مستلق على بردعة الرحل، فلما جلسنا انشأ يتمثل بشعر كعب بن زهير:

لاتفش سرك الاعند ذي ثقة *** ولى بأفضل ما استودعت أسرارا

صدر أرحيباً وقلباً واسعاً صمتاً *** لا تخش منه لما استودعت اظهارا

فلما سمعناه يتمثل الشعر علمنا أنه يحب أن نضمن له کتمان حديثه، فقلت له:

يا أمير المؤمنين اكرمنا وخصنا وفضلنا. فقال: بماذا يا أخا الاشعر. قلت: بايداعنا لسرك واشر اكنا في همك فنعم المستسرون لك. فقال: انكما لكذلك فسلاعما بدالكما، ثم قام الى الباب ليغلقه فاذا اذنه الذي اذن لنادخل عليه في الحجرة، فقال له عمر: مط عنا لا أم لك. فخرج وأغلق الباب خلفه ثم أقبل الينا وجلس معنا فقال: سلاتخبرا في ذمة منيعة وحرز ما بقيت، فاذا أنامت فشأنكما فيه بما أحببتها من اظهار وكتمان. قلنا: فان لك عندنا ذلك. قال ابو موسى و.. ابوموسى وأنا اظنه ما يريد الا الذين كرهوا استخلاف ابى بكر له واشاروا عليه ان لا يستخلفه، ثم قل- في نفسى أولئك القوم معلومون بأسمائهم وعشائرهم وعرفهم الناس، فما يكتم من حديثهم فاذا هو يريد غير ما نذهب اليه منهم، فعاد عمر بالتنفس صعداء ثم قال: من تريانه فقلنا: والله ماندري الاظناً. قال: فما تظنان. قلنا: نراك تريد الذين صدوا أبا بكر عن صرف هذا الامر اليك. فقال: بل كان هو أغش واظلم، وهو الذي سألتماعنه، كان والله أحسد قريش كلها.

ثم اطرق طويلا فنظر الي المغيرة ونظرت اليه وأطرقن الاطراقه وطال السكوت منا ومنه حتى ظننا أنه قد ندم على ما بدامنه، ثم قال: والهفاه على ضئيل بني تيم ابن مرة، لقد تقدمني ظالماً وخرج الي منها آثماً. فقال له المغيرة: هذا تقدمك ظلماً قد عرفناه فكيف خرج اليك منها آثماً قال: ذاك انه لم يخرج الي منها الا بعد اليأس منها، أما والله اني لو كنت أطعت زيد بن الخطاب وأصحابه لما تلمظ هو من حلاوتها بشيء، ولكنى قدمت وأخرت وصعدت وصوبت ونقضت

و أبرمت فلم أر الا الاغضاء على ما تشعبت فيه منها وتلفت فلم تجبنى نفسي الى ذلك وأقلت انابته ورجوعه، فوالله مافعل بعدها سهلا

فقال له المغيرة: فما منعك وقد عرضك لها يوم السقيفة بدعائه اياك اليها ثم انت متعقب بالتأسف عليها. فقال عمر: ثكلتك أمك يامغيرة ان كنت لاعدك من دهاة العرب كأنك كنت غائباً عما هناك، ان الرجل ماكرني فماكرته وألفاني أحذر من قطاة، انه لما رأى تشفف الناس و اقبالهم اليه أيقن انهم لايريدون به بدلا، فأحب مع مارأى من حرص الناس عليه وشغفهم أن يعلم ماعندي وهل تنازعني نفسي اليها، فأحب أن يبلوني باطماعي فيها والتعرض لي بها، وقد علم وعلمت أني لو قبلت ماعرض علي لم يجب الناس الى ذلك، وكان أشد الناس امالة الذين كرهوا رده اياها الي عند موته، فألفاني قائماً على أخمصي متسوراً حذراً، ولو اجبته الى قبولها لم يسلم الناس ذلك وأجبناها على ضغناء في قلبه ثم لم آمن اتباعه لي بها ولو بعد حين مع مابدالي من كراهة الناس لما عرض علي منها، أو ما سمعت نداهم اياه من كل ناحية عند عرضه اياها علي «لانريد سواك يا ابابكر أنت لها»، فرددتها اليه عند ذلك، فلقد رأيته التمع وجهه لذلك سروراً.

ولقد عاتبني مرة على شيء كان بلغه عني أنه لما قدم بالاشعث بن قيس الكندي أسير أفمن عليه وأطلقه وزوجه أم فروة بنت ابي قحافة، قلت للاشعث وهو بين يديه: يا عدو الله أكفرت بعد اسلامك وارتددت كافراً، فنظر الي الاشعث نظراً حديد أعلمت انه يريد كلاماً، ثم امسك فلقيني في بعض سكك المدينة فوافقني ثم قال: أنت صاحب الكلام يا ابن الخطاب. فقلت: نعم ولك عندي شر من ذلك. فقال: بئس الجزاء هذا لي منك. فقلت: وعلى متريد مني حسن الجزاء

لا بقى لك. قال: ان لم نبايع هذا الرجل - يريد ابا بكر -- وما حداني على الخلاف عليه الا تقدمه عليك وتخلفك عنها، ولو كنت صاحبها مارأيت مني خلافاً عليك. فقلت: قد كان ذلك فما تأمر الان ؟ فقال: ما هذا وقت أمر وانما هذا وقت صبر حتى يأتي الله بمخرج، فمضى ومضيت، ولقي الاشعث الزبرقان بن بدر السعدي فذكر له ماجرى بينه وبيني من الكلام، فنقل الزبرقان ذلك الى ابى بكر فأرسل الي فأتيته، فذكر ذلك لي ثم قال: انك لمتشوق اليها يا ابن الخطاب. فقلت: وما يمنعنى من التشوق الى ماكنت أحق به ممن غلبني عليه، أما والله لتكفن أولا قولن كلمة بالغة بى وبك في الناس ما بلغت وان شئت لتستديمن ما أنت فيه عفو أما اكنك ذلك. فقال: اذن استديمه وهي صائرة اليك الى ايام، فما ظننته يأتى عليه جمعة بعد ذلك حتى يردها الي، فو الله ماذكر لي منها حرفاً بعد ذلك، ولقد مد فى أمدها عاضاً على نواجذه حتى كان عند يأسه منها وحضره الموت فكان مارأيتما.

ثم قال: اخفظا ماقلت لكما وليكن منكما بحيث أمرتكما اذا شئتما على بركة الله وحفظه فنهضنا وكل واحد منا متعجب الى صاحبه، وماخرج ذلك الخبر من واحد منا حتى مات عمر.

أقول: أما قول عمر انه تقدمه ظالماً» فلانه لولاه لما بويع ابوبكر، ولكن لما كان الناس لا يبايعونه لخشونة طبعه اضطر الى تقديمه ليكون شريك سلطانه في حياته وليرد الامر اليه بعد وفاته، نقل ابن قتيبة أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما قال لابي بكر وعمر: نحن أولى برسول الله حياً وميتاً، فأنصفونا ان كنتم تؤمنون والافبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون، وقال له:عمر: انك لست مترو كأحتى تبايع. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له: احلب حلباً لك شطره وشدله اليوم يردده عليك

غداً - الخ.

ونقل أيضاً ان ابابكر لما كتب عهده لعمر وأمره باعلام الناس ففعل قال له رجل: ما في الكتاب يا ابا حفص ؟ قال: لا أدري ولكني أول من سمع واطاع. قال: لكني والله أدري مافيه، أمرته عام أول وامرك العام.

واما قوله وخرج الي منها آثماً) وانه بعد يأسه من نفسه عهد اليه، فروى الواقدي كما في الطبرى ان ابابكر دعا عثمان خالياً فقال له: اكتب « بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد ابو بكر بن أبي قحافة الى المسلمين، اما بعد » قال: ثم أغمي عليه فذهب عنه، فكتب عثمان «أما بعد فاني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيراً منه »، ثم أفاق ابوبكر فقال: اقر أعلي فقرأ عليه فكبر ابو بكر وقال اراك خفت أن يختلف الناس ان افتتلت نفسي في غشيتي. قال: نعم. قال: جزاك الله خيراً عن الاسلام وأهله، وأقرها ابوبكر من هذا الموضع.

قلت: سبحان الله ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ‏أراد أن يعهد الى أمير المؤمنين ويكتب في ذلك كتاباً يقول لهم عمر ان الرجل ليهجر ولا نحتاج الى كتابه ووصيته حسبنا القرآن، ويفتعل عثمان عن لسان ابی بکر استخلافه لعمر يكون معقولا نافذاً، فخافوا من اختلاف الناس في خلافة عمروان يفوته سلطان صاحبه ولم يخافوا من احتلاف الناس في أمر الدين بعد نبيهم الى يوم الدين، مع انه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قال لهم: اكتب لكم كتاباً لاتضلوا بعدي.

وقول ابى بكر لعثمان (جزاك الله عن الاسلام واهله خيراً) مجردا د لفظ، والحقيقة أن يقول جزاك عمر وحزبه عن صنيعك هذا له خيراً، وفعل فجزاه عمر يوم وفاته بأن دبر تدبيراً لانتقال الامر اليه.

وأما ما نقله عمر في الخبر عن الاشعث فلعله كان السبب لتمني ابي بكر حين موته ضرب عنقه بعد أسره، وقال: يخيل الي انه لايرى شراً الا أعان عليه والا فلم يذكر التاريخ والسير عنه أثراً آخر في شرايام ابى بكر بل ولا زمان عمر بل ولارمان عثمان الذي كان يطعن فيه كل بروفاجر حتى مثل عمرو بن العاص فانه كان يذكر مساويه ومقابحه ويهيج الناس عليه حتى رعاة الاغنام في رؤس الجبال، وانما كانت اعانته على الشر في أمر الخوارج ايام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لانه كان من رجال أولئك ورجالهم كانوا معاندين لامير المؤمنين، فلم تختص المعاندة بالعثمانية، فهذان سعد بن ابي وقاص وأبو موسى كانا من امراء جنود عمر وفتوحاته على يديهما وتخلفهما عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) معلوم، ولم يقنع الثاني بذلك وكان ينفر الناس عنه ويسمى خلافته فتنة وأمر تحكيمه وخلعه لامير المؤمنين مشهور.

الحديث الثالث والعشرون

في ايضاح الفضل أيضاً: روى شريك بن عبد الله في حديث رفعه ان عائشة وحفصة أتتاعثمان حين نقص امهات المؤمنين ما كان يعطيهن عمر،، فسألناه أن يعطيهما ما فرض لهما عمر، فقال: لا و الله ماذاك لكما عندي. فقالتا: فأعطنامير اثنا من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) من حيطانه، وكان عثمان متكئاً فجلس وكان علي بن ابی طالب جالساً عنده فقال: ستعلم فاطمة صلوات الله عليها اني ابن عم لها اليوم. ثم قال لهما: ألستما اللتين شهدتها عند ابي بكر ولفقتما معكما أعرابياً يتطهر ببوله مالك بن اوس بن الحدثان، فشهدتم ان النبي قال «انا معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة، فان كنتما شهدتها بحق فقد أجزت شهادتكما على أنفسكما وان كنتما شهدتما بباطل فعلى من شهد بالباطل لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. فقالت له عائشة: يا نعثل والله لقد شبهك رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بنعثل اليهودي، فقال: لكما ضرب الله مثلا، فخرجنا من عنده.

أقول: معنی قول عثمان انه ان شبهني النبى بنعثل (فضرب الله لكما المثل) بامرأه نوح وامرأة لوط، ويوضح كون ضرب المثل لهما ان الله تعالى قال لهما

في أوائل السورة سورة التحريم ان تتوبا الى الله فقد صغت قلوبكما وان تظاهرا عليه فان الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير». قال الزمخشري في الكشاف في تفسير الآية خطاب بحفصة وعائشة على طريقة الالتفات ليكون أبلغ في معاتبتهما، وعن ابن عباس: لم أزل حريصاً على ان عمر أسأل عمر عنهما حتى حج و حججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل وعدلت معه بالاداوة، فسكبت الماء على يده فتوضأ فقلت: من هما ؟ فقال: عجباً يا ابن عباس، كأنه كره ماسألته عنه ثم قال: هما حفصة وعائشة. ورواه الثعلبي أيضاً في تفسيره وفيه: قال الزهري كره والله ما سأله ولم يكتمه، قال هي حفصة وعائشة.

قلت: ما كتمه لان طرفه كان ابن عباس ولم يستطع كتمانه ولو كان الطرف غيره لزجره.

وقال تعالى في أواخر السورة ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح امرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين قال الزمخشري وفي طي هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين المذكورتين في اول السورة وما فرط منهما في التظاهر على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بماكرهه وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده اما في التمثيل من ذكر الكفر.

قلت: العجب من هاتين الامين من أمهات المؤمنين كيف عدهما الله تعالى في عداد الكافرين، وحكم في ضرب مثله لهما بأن كونهما تحت نبيه لم يغن عنهما من الله شيئاً ولم يمنع من دخولهما النار الداخلين، ولم يغن حكمه تعالى في أول السورة وضرب مثله في آخر السورة لهما عن اعتقادات اخواننا السنة شيئاً، فلا يقبلون من الله كما لا يقبلون من الرافضة ويعدون كتاب الله.

تعالى كأحاديث الرافضة غير قابل للعبرة، فيعدون ولاء عائشة من الدين.

ومن صلب وجوههم أن السري روى عن شعيب عن سيفورواياته جميعها ملعونة ان بعد خاتمة الجمل تناول رجلان من أصحاب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عائشة فقال احدهما جزيت عنا امنا عقوقاً» وقال الاخر «یا امنا تو بی فقد خطئت» فقال القعقاع بن عمرو اضرب اعناقهما. ثم قال: لانهكنهما عقوبة، فضربهما مائة مائة واخرجهما من ثيابه وقال: همارجلان من أزد الكوفة يقال لهما عجل وسعد ابنا عبدالله.

قلت: اذا كان قول مسلم لها توبى الى الله من خطاك مستحقاً للقتل عند اخواننا فالله الذي قال لها وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى» كان مستحقاً لاي شيء عند اخواننا، فانه السبب لكلام الرجل، ولقد قال تعالى يانساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيراً ولا فاحشة أبين ممااتت به أمهم من تبرجها تبرج الجاهلية الاولى وخروجها على الامام المتفق على امامته من الامة من القائلين بالنص والقائلين بالاختيار وقتلها آلافاً من أبنائها الموافقين لها ومن المسلمين المخالفين لها، ويكون القول باستحقاقها للعذاب من الله تعالى عند اخواننا عظيماً.

قال ابن عبدربه في عقده: دخلت أم أو فى العبدية على عائشة بعد وقعة الجمل، فقالت لها: يا ام المؤمنين ماتقولين في امرأة قتلت ابناً لها صغيراً ؟ قالت: وجبت لها النار. قالت: فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الاكابر عشرين ألفاً في صعيد واحد ؟ قالت: خذوا بيد عدوة الله.

ولما كتبت الى زيد بن صوحان ان ثبط الناس عن علي بن ابي طالب كتب اليها: امرت ان تقري في بيتك وأمرنا أن نقاتل الناس حتى لا تكون فتنة، فتركت

ما امرت به وكتبت تنهينا عما أمرنا به

ومن الغريب انهم رووامع احداثها هذه وقول الله تعالى « يضاعف لها العذاب ضعفين » و آيات أخر بأنها زوجة النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في الآخرة، وكيف تكون زوجته مع ان الله تعالى قال لها و لصاحبتها فيما ضرب لهما المثل باعتراف الزمخشري ادخلا النار مع الداخلين» فأين تدخلون نبيكم.

وقدروى مسلم منكم والبخاري في صحيحهما عن سهل بن سعد وابى سعيد الخدري قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): انا فرطكم على الحوض من ورد شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً، وليرد علي أقوام اعرفهم ويعرفونني ثم يحال بينى وبينهم، وأقول انهم امتي، فيقال انك لاتدري ما احدثوا بعدك، فأقول سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي.

قلت: وهل احداث اكثر من أحداث أحدثتها وقد استحيت من احداثها أن يدفن جسدها عند جسده في الدنيا، فكيف تكون زوجته في الآخرة. قال ابن قتيبة في معارفه: توفيت عائشة سنة ثمان وخمسين وقد قاربت السبعين، فقيل لها ندفنك عند رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فقالت: اني قد أحدثت بعده فادفنوني مع اخواتى فدفنت بالبقيع - الخ.

مع أن كون ازواجه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) امهات المؤمنين بمعنى حرمة تزوجهن عليهم، وهو احترام جعله الله له للنبى لالهن في قبال من قال من أصحابه انه اذا مات تزوج منهن كما تزوج هو نساءهم، وهو عثمان ذونوريهم وامامهم الثالث وطلحة احد عشرتهم وستتهم، فرد الله تعالى عليهما بقوله « وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ».

روى السدي في تفسير الآية: انه لما توفي ابوسلمة وخنيس بن حذافة

وتزوج رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بامر أتيهما أم سلمة وحفصة قال طلحة وعثمان: أينكح محمد نساءنا اذا متنا ولا ننكح نساءه اذا مات والله لو قدمات أجلنا على نسائه بالسهام، وكان طلحة يريد عائشة وكان عثمان يريد ام سلمة، فأنزل الله تعالى و ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله الآية وأنزل تعالى «ان تبدوا شيئاً أو تخفوة فإن الله كان بكل شيء عليماً وأنزل تعالى « إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا».

وروى الواحدي في تفسيره المسمى بالوسيط في تفسير الاية قال عطا عن ابن عباس قال: كان رجل من أصحاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قال: لوتوفي رسول الله لتزوجت عائشة، فأنزل الله ما انزل قال مقاتل بن سليمان: هو طلحة بن عبید الله، قال الزجاج: أعلم الله تعالى ان ذلك محرم بقوله «ان ذلكم كان عند الله عظيماً»، ثم اخبرهم انه تعالى يعلم سرهم وعلانيتهم بقوله ان تبدوا شيئاً » من أمرهن یعنی طلحة، وذلك انه لما نزلت آية الحجاب قال طلحة: يمنعنا محمد من الدخول على بنات عمنا يعني عائشة وهما من تيم بن مرة.

و نظير ماقال لهما عثمان في ادعائهما الميراث ما نقله المرتضى في فصوله عن المفيد في عيونه أنه مرفضال بن الحسن بن فضال بأبي حنيفة وهو في جمع كثير يملى عليهم شيئاً من فقهه وحديثه، فدنا منه وسلم عليه فرد عليه ورد القوم بأجمعهم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثم قال: يا اباحنيفة ان اخالي يقول خير الناس بعدالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) علي وانا أقول ابو بكر ثم عمر فما تقول أنت رحمك الله ؟ فقال: أما علمت انهما ضجيعاه في قبره فأي حجة أوضح من هذا. فقال فضال: قلت ذلك لاخي فقال: ان كان الموضع للنبى دونهما فقد ظلما بدفنهما في موضع ليس لهما فيه حق وان كان لهما ووهباه له فقد أساءا في رجوعهما في هبتهما.

فقال: لم يكن له ولا لهما ولكنهما استحقا الدفن بحقوق ابنتيهما. فقال: قلت ذلك لاخي فقال لي: أما علمت ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أعطى حقوق نسائه في حياته بأمر من الله سبحانه حيث يقول «يا أيها النبى انا أحللنالك ازواجك اللاتي آتيت أجورهن». فقال: نعم ولكنهما استحقا ذلك بميراثهما من النبي.فقال فضال: قلت له ذلك فقال: أنت تعلم ان النبى مات عن تسع نساء ولكل واحدة منهن تسع الثمن وهو شبر في شبر، فكيف يستحق الرجلان اكثر من ذلك وبعد فمابال عائشة وحفصة ترثان رسول الله وفاطمة بنته تمنع الميراث. فقال ابو حنيفة نحوه عني فانه رافضي خبيث.

قلت: قول عائشة لام أو فى فيما تقدم «خذوا بيد عدوة الله» وقول ابي حنيفة هنا في فضال نحوه انه رافضي خبيث دليل برهاني.

هذا، وقال ابن ابى الحديد في شرح قول امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) «بلی كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين ونعم الحكم الله سألت علي بن الفارقي مدرس المدرسة الغربية ببغداد فقلت له: أكانت فاطمة صادقة ؟ قال: نعم. قلت: فلم لم يدفع اليها أبو بكر فدك وهي عنده صادقة، فتبسم ثم قال كلاماً لطيفاً مستحسناً مع ناموسه وحرمته وقلة دعابته قال: او أعطاها اليوم فدك بمجرد دعواها لجاءت اليه غداً وادعت لزوجها الخلافة وزحزحته عن مقامه ولم يكن يمكنه الاعتذار و الموافقة بشيء لانه كان قد أسجل على نفسه بأنها صادقة فيما تدعي كائناً ما كان من غير حاجة الى بينة ولا شهود. قال ابن أبى الحديد وهذا كلام صحيح وان كان أخرجه مخرج الدعابة والهزل – الخ.

الحديث الرابع والعشرون

الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثاني من صحيح البخاري من مسند ابن الزبير والثعلبى في تفسيره مسنداً عنه قال: قدم ركب من بني تميم على النبی (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فقال ابوبكر: أمر القعقاع بن معبد بن زرارة، وقال عمر بل أمر الاقرع بن حابس، فقال ابو بكر ما أردت الاخلافي وقال عمر ما اردت الاخلافك، فت ماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فأنزل الله تعالى « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ».

أقول: ومن اختلافهما أن ابابكر جعل خالد بن الوليد امير أمرائه حتى أنه جعله فوق ابي عبيدة امين امتهم الذي كان هو وعمر الاصل في بيعته، و بيعته، ولقبه ابوبكر سيف الله وأشد قريش ووصفه بأنه عجزت النساء عن أن يلدن مثله، ولم يأخذ عليه شيئاً من شنائعه حتى قتله مالك بن نويرة بالبهتان عليه بالارتداد وزناه بامرأته وقتله يوم المضيح عبد العزيز بن ابى رهم النمرى ولبيد بن جرير مع أنه كان عندهما کتاب ابی بکر باسلامهما، ولم يعزله الى وفاته، وكان كلما يلح عليه عمر بعزله أو مؤاخذته بجناياته يقول لن أغمد سيفاً سله الله على أعدائه، وكان عمر

يسخر من قول ابى بكر بأنه سيف الله، وكان يصفه بالجفاء في بيته آل المغيرة، و لما استخلف عمر كان أول كلمة قالها عزله وانه لايلي له عملا أبداً، وأول كتاب كتب عزله وصادره أمواله وسماه سارق مال الله، وكان كلما مر عليه يقول له أخرج مال الله من تحت استك، وكتب الى ابي عبيدة ان يقيمه على رؤس الناس وينزع عليه قلنسوته ويعقله بعمامته ففعل.

هذا، وتقدمهما بين يدي الله ورسوله كثير، سيما ثانيهما فتقدم بين يديهما في قتل العباس وفى قتل ابي حذيفة وفي قتل ابى لبابة وفي الصلاة على عبدالله ابن ابي وفي صلح الحديبية وفي مواضع أخر منها في وصيته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ).

الحديث الخامس والعشرون

ابن ابى الحديد في شرح قصة اخراج عثمان لابي ذر في خبر الواقدي، فقال له عثمان: أنت الذي تزعم انا نقول يدالله مغلولة وان الله فقير ونحن اغنياء؟ فقال ابوذر: لو كنتم لاتقولون هذا لا نفقتم مال الله على عباده، ولكني أشهد لسمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يقول: اذا بلغ بنوأبي العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال الله دولا وعباده خولا. فقال عثمان لمن حضر: أسمعتموها من رسول الله؟ قالوا: لا. قال عثمان: ويلك يا أباذر تكذب على رسول الله. فقال ابوذر لمن حضر ماتدرون اني صدقت. قالوا: لا والله ماندري. فقال عثمان: ادعوالي علياً، فلماجاء قال عثمان: أقصص عليه حديثك في بنى أبي العاص، فأعاده فقال عثمان لعلي أسمعت هذا من رسول الله قال: لا وصدق ابو ذر فقال: وكيف عرفت؟ قال: لاني سمعت رسول الله يقول ما اظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من ابی ذر « فقال من حضر: اما هذا فسمعناه كلنا من رسول الله. فقال ابوذر: احدثكم اني سمعت هذا من رسول الله فتتهموني، ماكنت اظن اني أعيش حتى اسمع هذا من أصحاب محمد.

اقول: ورواه المسعودي هكذا قال كتب عثمان الى معاوية بحمل ابی ذر، فحمله على بعير عليه قتب يابس معه خمسة من الصقالبة يطيرون به حتى أتوابه المدينة قد تسلخت بواطن أفخاذه وكاد أن يتلف، فقيل له: انك تموت من ذلك. فقال: هيهات لن أموت حتى أنفى، وذكر جوامع مانزل به بعد ومن يتولى دفنه. قال: ثم دخل اليه فجلس على ركبتيه وتكلم بأشياء وذكر الخبر في ولد ابی العاص اذا بلغوا ثلاثين رجلا اتخذوا عباد الله خولاومر في الخبر بطوله الخ.

ومقتضى الخبر كفر عثمان في الباطن كسائر بنی ابی العاص من عمه الحكم و ابنه مروان وغيرهما.

ومن الغريب ما حكي عن الزمخشري في الفائق انه قال في حديث ابى هريرة: اذا بلغ بنوابی العاص ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله دولا وعباده خولا ودينه دخلا. ثم قال: ولد الحكم بن ابی العاص احدا وعشرين وولد لمروان بن الحكم تسعة بنين.

فأراد بذلك اخراج عثمان من الخبر مع أنه الاصل، فان من رواه - وهو أبوذر- رواه في وجهه له وهو لم ينكر شموله له وانما انكر صدوره، وصححه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمقتضى الخبر الصادر عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في أصدقية لهجة ابی ذر من كل من فوق الأرض وتحت السماء الذي صدقه الصحابة أيضاً.

وهذا الخبر يكفي في صحة مذهبنا وبطلان مذهبهم، اذ من المقطوع أن اباذر كان من شيعة امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلا بامامته بعد النبي، ولا أقل يكفي في بطلان امر عثمان، اذ وضوح تفسيقه وتكفيره لعثمان بمكان يستغني عن البيان، الا ان اخواننا بنوا أمرهم على العصبية والمكابرة، وسبحان الله ان اولئك الجبابرة عادو الأهل البيت وشيعتهم لبقاء سلطنتهم ودولتهم كما قال أمير المؤمنين

صلوات الله عليه لابي ذر لما اخرجه عثمان: ان القوم خافوك على دنياهم - الى آخر ما قال في المشتهر بين الخاص والعام، فما بال هؤلاء المساكين يبيعون دينهم و آخرتهم بلادنيا ولا سلطنة.

هذا، ولو كان المراد أولاد الحكم - كما قال الزمخشري - لما نسب الى ابی العاص كمالم ينسب الى أمية الذي أبو أبي العاص، ولابد أن يكون ذاك اليوم أيام خلافة عثمان أول ما بلغ أولاد ابي العاص من عفان بن ابی العاص والحكم ابن ابی العاص ابيه وعمه ثلاثين رجلا حتى ينقل ابوذر الخبر، ومن أين أن ولد مروان كان ذاك اليوم تسعة، وقد كان مروان في ذاك الوقت شاباً، فهو من المولودين بعد الهجرة، مع أن ولدمروان أى ابناؤه لم يكونو اتسعة بل أحد عشر كما قال ابن قتيبة، عدهم وذكر اسماءهم فقال: ولدمروان عبد الملك ومعاوية وعبدالله وعبيدالله واباناً وداود وعبدالعزيز وعبدالرحمن وعمراً وبشراً ومحمداً، مع انه لم يكن لولد مروان ذلك اليوم ذكر وانما كان لمروان واخوته وابيه.

مع ان ما يفعله بنو الحكم كان عن سلطنة عثمان، فكان الحكم طريد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) و لم يجترء ابو بكر عمر رده و انمارده عثمان. قال ابن قتيبة: وكان سبب طرد رسول الله اياه انه كان يفشي سره فلعنه وسيره الى بطن وج، فلم يزل طريداً حياة النبي وخلافة أبي بكر وعمر ثم ادخله عثمان واعطاه مائة ألف درهم - الخ. وهو احد مطاعنه واحداثه التي صارت سبباً لقتله.

ومن الغريب ان ابن عبدالبر قال خرج أبوذر بعد وفاة ابي بكر الصديق الى الشام، فلم يزل بها حتى ولي عثمان ثم استقدمه عثمان لشكوى معاوية واسكنه الربذة فمات بها الخ. مع انه كان بالمدينة الى أن اخرجه عثمان أولا الى الشام.

قال ابن ابى الحديد ان الذي عليه اكثر أرباب السيرة وعلماء الاخبار والنقل أن عثمان نفى أباذر اولا الى الشام، ثم استقدمه الى المدينة لما شكامنه معاوية، ثم نفاه من المدينة الى الربذة لما عمل بالمدينة نظير ماكان يعمل بالشام، واصل هذه الوقعة ان عثمان لما أعطى مروان بن الحكم وغيره بيوت الاموال واختص زيد بن ثابت بشيء منها جعل ابوذر يقول بين الناس وفي الطرقات والشوارع «بشر الكافرين بعذاب أليم ويرفع بذلك صوته ويتلو قوله تعالى « والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم»، فرفع ذلك الى عثمان مراراً وهو ساكت، ثم انه أرسل اليه مولى من مواليه انته عما بلغني عنك. فقال ابوذر: أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله وعيب من ترك أمر الله، فوالله لان أرضى الله بسخط عثمان أحب الي وخير لي من أن أسخط الله برضاء عثمان، فأغضب عثمان ذلك - الخ.

كما أنه ارادستر كيفية استقدامه من الشام وتسييره الى الربذة بقوله: استقدمه وأسكنه، وقد عرفت من المسعودي ان كيفية استقدامه كانت موجبة لهلاكه عادة الا أنه أخبر بعدم موته من ذلك لان النبي أخبره بكيفية وفاته وان لهم عنده بقية من التسيير.

وقد نقل ابن ابى الحديد عن كتاب سفيانية الجاحظ أنه روى عن جلام بن جندل الغفاري قال: كنت غلاماً لمعاوية على قنسرين والعواصم في خلافة عثمان، فجئت اليه يوماً اسأله عن حال عملي اذسمعت صارخاً على باب داره يقول اتتكم القطار يحمل النار اللهم العن الناهين عن المنكر المرتكبين له، فازبار معاوية وتغير لونه وقال: ياجلام أتعرف الصارخ ؟ فقلت: اللهم لا. قال: من عذيري من جندب بن جنادة يأتينا كل يوم فيصرخ على باب قصرنا بما سمعت،

ثم قال: ادخلوه علي، فجيء بأبي ذربين قوم يقودونه حتى وقف بين يديه، فقال له معاوية: ياعدو الله وعدو رسوله تأتينا في كل يوم فتصنع ماتصنع، أما اني لو كنت قاتل رجل من أصحاب محمد من غير اذن أمير المؤمنين عثمان لقتلتك، ولكنى استأذن فيك. قال جلام: وكنت أحب ان أرى اباذر لانه رجل من قومي، فالتفت اليه فاذا رجل أسمر ضرب من الرجال خفيف العارضين في ظهره حفاء، فأقبل على معاوية وقال: ما أنا بعد والله ولا لرسوله بل أنت وابوك عدوان لله ولرسوله أظهر تما الاسلام وابطنتما الكفر، ولقد لعنك رسول الله(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ودعا عليك مرات ان لا تشبع.

الى أن قال: فكتب عثمان الى معاوية ان احمل جنيدباً على اغلظ مركب وأوعره، فوجه من ساربه الليل والنهار وحمله على شارف ليس عليها الاقتب حتى قدم به المدينة وقد سقط لحم فخذيه من الجهد - الخ.

و قدروي في تسييره الثاني عن سقيفة الجوهري مسنداً عن ابن عباس قال لما أخرج أبو ذر الى الربذة أمر عثمان فنودي في الناس: ان لايكلم أحد أباذر ولا يشيعه، وأمر مروان بن الحكم ان يخرج به، فخرج به وتحاماه الناس الا علي ابن ابی طالب علیه السلام وعقيلا أخاه وحسنأو حسينأوعماراً، فانهم خرجوامعه يشيعونه، فجعل الحسن يكلم اباذر، فقال له مروان: يا حسن ألا تعلم ان أمير المؤمنين قدنهى عن كلام هذا الرجل فان كنت لا تعلم ذلك فاعلم، فحمل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على مروان بالسوط بين اذني راحتله وقال: تنح لحاك الله الى النار فرجع مروان مغضباً الى عثمان فأخبره الخبر، فتلظى على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).

الى ان قال: قال عثمان لعلي: لم لا يشتمك مروان كأنك خير منه - الى ان قال: قالت قريش وبنو أمية لمروان ءانت رجل جبهك علي وضرب راحلتك

وقد تفانت وائل في ضرع ناقة وذبيان وعبس في فرس والأوس والخزرج في نسعه، أفتحمل لعلي ما أتاه اليك. فقال مروان: والله لو أردت ذلك لما قدرت عليه.

وأغرب من ذلك أن الطبري لم يقتصر على تبرئة عثمان واراد تبرئة معاوية أيضاً، فقال: وفي هذه السنة - أعني سنة 30 كان ماذكر من أمر أبي ذر ومعاوية و اشخاص معاوية اياه من الشام الى المدينة، وقد ذكر في سبب اشخاصه اياه منها اليها أمور كثيرة كرهت ذكر اكثرها، فأما العاذرون معاوية في ذلك فانهم ذكر وافي ذلك قصة كتب بها الى السرى يذكر أن شعيباً حدثه عن سيف – الخ.

و نقل رواية خبيثة كأغلب ما يرويه عن السري عن شعيب عن سيف، ثم قال بعد قلك الرواية: وروايات أخرى عن السري عن شعيب عن سيف، وأما الاخرون فانهم رووافي سبب ذلك أشياء كثيرة وأموراً شنيعة كرهت ذكرها.

ونقل في قصة وفاه ابي ذر عن السري أنه خرج بنفسه الى الربذة وان عثمان نهاه لئلا يصير أعرابياً بعد الهجرة، قاتلهم الله هؤلاء شر من السو فسطائية الذين يشككون في البديهيات، وبعد رواية مثل الجاحظ مع نصبه الواضح مع أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) باعتراف جمع من فحولهم كالاسكا في وغيره، كيف لا يستحيى هو من نقل روايات السري الذي لا يعرف كيفية الوضع، فهل هو الا لنفسه فاضح، وشهرة هذه القصة ملأت بين السماء والأرض وبلغت المشرق والمغرب، اي درجة عداوتهم مع أهل بيت نبيهم.

وبعد كون الطبري الذي يصفونه بما يصفونه يقول اكره ذكر ما رواه غير السري، ويجعل معاوية مختلفاً فيه ويجعل عثمان مفروغاً عنه، كما أنه قال في أسباب قتل عثمان فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعلل دعت الى الاعراض عنها، لا عجب أن يقول عبدالجبار قاضي قضاتهم الناصبي عن شيخه أبي علي أن الناس

اختلفوا في أمر أبى ذروان الرواية وردت بأنه قيل له: أعثمان انزلك الربذة ؟ قال: لا بل أنا اخترت لنفسي ذلك.

كما لا غرو أن يقول ابن ابى الحديد عن اخبار عبدالجبار بأنها ليست في الاشتهار كأخبار رواها أولا عن الجوهري وعن الجاحظ والواقدي، فانه وان وصفها بالشذوذ الا أن الشاذ ماكان محتمل الصدق لامقطوع الكذب.

كما لا غرو أن قال: والوجه أن يقال في الاعتذار عن عثمان وحسن الظن بفعله انه خاف الفتنة واختلاف كلمة المسلمين، فتغلب على ظنه أن اخراج ابی ذر الى الربذة أحسم للشغب وأقطع لاطماع من يشرئب الى شق العصا، فأخرجه مراعاة للمصلحة، ومثل ذلك يجوز للامام - هكذا يقول أصحابنا المعتزلة وهو الاليق بمكارم الاخلاق. قال الشاعر:

اذا ما أتت من صاحب لك زلة *** فكن أنت محتالالزلته عذرا

وانما يتأول اصحابنا من يحتمل حاله التأويل كعثمان، وأما من لا يحتمل حاله التأويل وان كانت له صحبة سالفة كمعاوية وأضرابه فانهم لا يتأولون لهم اذ كانت أفعالهم وأقوالهم لا وجه لتأويلها ولا تقبل العلاج والاصلاح.

فانه وان استحيى من أن يعتذر لمعاوية كالسري، وكأنه استحيى أن يصرح أيضاً بمارواه السري، بل لوح فكان عنده الطبري الا أنه كما لايقبل اقوال معاوية وأفعاله الاصلاح كذلك عثمان ولذا قتله المسلمون.

و من الغريب انه قال: انه أخرج اباذر لخوف الفتنة واذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا انما نحن مصلحون ولعمري ان ابا جهل وحزبه الذين أرادوا اخراج النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أو حبسه أو قتله بزعمهم لخوف الفتنة واختلاف الكلمة، كانوا أقرب الى الحقيقة، فان الاله الذي كان النبى يدعو اليه كان غير مرئي

للعيون وآلهتهم التي كانوا يدعون أنها شفعاؤهم عند الله وان كانت بلا برهان لكنه مما يحكم به الوهم، فان للنفوس أوهاماً من هذا القبيل يعتقد بها غير الكاملة كأغلب خرافات الاديان الباطلة، وكانت لهم في جاهليتهم مكارم اخلاق، وكانوا ذوي عهود و احلاف في الدفاع عن الظلم والاعتساف، فالنبي بحسب الظاهر كان فتنة لهم وسبباً لاختلاف كلمتهم كما كانت قريش تقول وتدعي، وأما عثمان فكانت أفعاله شراً من باقي بني أمية، لانهم وان كانو اظالمين كالاكالسرة والقياصرة الا أنه كان لهم في امورهم نظام وعثمان كانت أفعاله صادرة عن اختلاط و اضطراب كأفعال المجانين، فأدت أفعاله الى ثورة عامة منتهية الى قتله كالوليد بن يزيد في المروانية، وقد اخذوقت قتله مصحفاً وقال: اقتدى بابن عمى عثمان.

و كان ابوذر من قوة ايمانه لایحابی عثمان، فيأمره وينهاه بمقتضى وظيفته الدينية، فسمى ابن ابى الحديد أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فتنة كامامه عثمان، ولم لم يتبع في كلامه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فانه احق بالاتباع، وقد قال نفسه فيما سبق: روى الواقدي باسناده عن صهبان مولى الاسلميين قال: رأيت اباذر يوم دخل على عثمان فقال له: أنت الذي فعلت وفعلت ؟ فقال ابوذر: نصحتك فاستغششتني ونصحت صاحبك فاستغشني. قال عثمان: كذبت ولكنك تريد الفتنة وتحبها قد انغلت الشام علينا. فقال له ابوذر: اتبع سنة صاحبيك لا يكن لاحد عليك كلام. فقال عثمان: مالك ولذلك لا أم لك. قال ابوذر: ما وجدت لي عذراً الا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فغضب عثمان وقال: اشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب اما ان اضر به أو أحبسه أو أقتله فانه قدفرق جماعة المسلمين او أنفيه من ارض الاسلام. فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): اشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون «فان يك كاذباً فعليه كذبه وان يك صادقاً يصبكم بعض

الذي يعدكم ان الله لا يهدي من هو مسرف كذاب، فأجابه عثمان بجوا بجواب غلیظ، واجابه على (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمثله، ولم يذكر الجوابين تذمماً منهما.

قلت: لا يحتاج الى ذكر الجوابين، فالامر معلوم ويكفينا قول امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جعل عثمان بمنزلة فرعون، كما انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) جعل صاحبيه يوم السقيفة بمنزلة السامري وعجله، وهو معصوم بنص القرآن ومنزه عن أن يقول غير الحق كما تواتر عن النبي ومعلوم بالعيان.

ثم ان أعمال معاوية وأقواله التي قال لا تقبل التأويل، انما كانت أعمال عثمان واقواله حيث أنه كان عامله ففعل فعله، مع انه كان مأموراً من قبل عثمان بما فعل. ثم انشاء المعتزلي تلك الابيات لقبول امامه والاغماض عن جرائمه و آثامه مما يضحك الثكلى، فان الشاعر قال ماقال في الاصدقاء الدنيوية لافي الائمة الدينية، ولو فتح هذا الباب أمكن أن يطلب منا أرباب سائر الاديان اغماضنا عما فيها من النقصان.

الحديث السادس والعشرون

احمد بن طاوس عن الثعلبى في تفسيره في قوله تعالى « أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى » انها نزلت في عثمان. وروى عن ابن عباس والكلبي والمسيب بن شريك ان عبد الله بن سعد بن ابی سرح قال له عندما كان ينفق ويتصدق في الخير: ماهذا الذي تضيع يوشك ان لا يبقى لك شيء. فقال: ان اي ذنوباً وخطايا واني أطلب بما اصنع رضى الله وارجو عفوه. فقال له عبدالله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها وأشهد عليه وامسك عن بعض ماكان يصنع من الصدقة والنفقة، فأنزل الله تعالى « أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى » يعنى يوم احدحين ترك المركز وأعطى يعني صاحبه «قَلِيلًا وَأَكْدَى » ثم قطع نفقته.

أقول: أما فراره يوم أحد فقد قال الطبري: قد كان الناس انهزموا عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) حتى انتهى بعضهم الى المنقى دون الاعوص، وفرعثمان بن عفان وعقبة بن عثمان وسعد بن عثمان رجلان من الانصار حتى بلغوا الجلعب - جبلا بناحية المدينة مما يلي الاعوص فأقاموا به ثلاثاًثم رجعوا الى رسول الله فزعموا أن رسول الله قال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضة.

وقال ابن قتيبة في معارفه: شهد عثمان يوم أحد فانهزم ومضى الى الغابة مسيرة ثلاثة ايام. قال: وفيه وفي أصحابه نزلت «إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ» الاية.

كما أنه نقل أيضاً ان في يوم أحد ظاهر النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بين درعين وأخذ سيفاً فهزه وقال: من يأخذه بحقه ؟ فقال عمر: انا فأعرض عنه وقال الزبير انا فأعرض عنه، فوجدا في أنفسهما، فقام أبو دجانة سماك بن خرشة فأعطاه اياه.

قلت: أعرض عنهما لأنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) علم بمقتضى نبوته أنهما من الذين يفرون، وشتان بينهم وبين أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يثبت وحده لحفظ النبي ويدفع عنه أصحاب الالوية يقتل اكباتهم ويفرق جمعهم، حتى يتعجب منه جبرئيل ويقول للنبى ان هذه لهى المواساة، فيقول وما يمنعه من مواساتي وانه منى وانا منه، فيقول جبرئيل وانا منكما، كما تقدم، عن الطبرى ونقله سبط ابن الجوزي عن احمد بن حنبل في فضائله ومحمد بن اسحق في مغازيه، وقال قال الزهرى: انما قال جبرئيل) ان هذه لهي المواساة لان الناس فرواعن رسول الله يوم أحد، حتى عثمان بن عفان فانه اول من فرودخل المدينة - الخ.

ولم يقنع بفراره ثلاثة ايام وأراد بعد رجوعه ترك النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) واللحوق بالكفار يأخذ أماناً لنفسه كما سيأتى.

وأما ابن ابي سرح الذي وردفي هذا الخبر منعه لعثمان عن انفاقه فهو أخوه من الرضاعة، قال ابن قتيبة: وهو الذي كان يكتب لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فيملي عليه «عزيز حكيم» فيكتب « غفور رحيم »، وفيه نزلت « ومن قال سأنزل مثل ما انزل الله الخ. وقد كان النبى امر أصحابه يوم فتح مكة بقتله وان كان متعلقاً بأستار الكعبة، فغيبه عثمان حتى لا يقتلوه فضلا عن انه لم يقتله لانه أيضاً كان

مأموراً بذلك، فكان عثمان بمقتضى قوله تعالى لاتجدقوماً يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو اخوانهم أو عشرتهم الآية، ممن لم يؤمن بالله واليوم الآخر.

ذلك النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) كرهاً على بذل الامان له، قال و حمل مع الطبري: قال محمد بن اسحق وكان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قد عهد الى أمرائه من المسلمين حين أمرهم ان يدخلو امكة ألا يقتلوا أحداً الا من قاتلهم، الا أنه قد عهد في نفر سماهم أمر بقتلهم وان وجدوا تحت أستار الكعبة، منهم عبد الله بن سعد بن ابی سرح بن حبيب بن جذيمة بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لوی، وانما امررسول الله بقتله لانه كان قد أسلم فارتد مشركاً ففر الى عثمان و كان اخاه من الرضاعة فغيبه حتى أتى به رسول الله بعد أن اطمأن اهل مكة، فاستأمن له رسول الله فذكر أن رسول الله صمت طويلا ثم قال: نعم، فلما انصرف عثمان قال رسول الله لمن حوله من أصحابه: أما والله لقد صمت ليقوم اليه بعضكم فيضرب عنقه، فقال رجل من الانصار: فهلا أومأت الي يا رسول الله. قال: ان النبي لا يقتل بالاشارة - الخ.

وهو الذي استعمله عثمان على مصر وظلمهم حتى شكوه الى عثمان وأوفدوا لهم في ذلك وفداً اليه، فكتب في الظاهر معهم عزله وفي السر كتب اليه مع عبده قتلهم، فعثروا على رسوله في الطريق فرجعوا اليه فحاصروه حتى قتلوه.

الحديث السابع والعشرون

عن الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث (26) من أفراد مسلم في مسند انس بن مالك قال: ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) شاور حين بلغه اقبال ابی سفیان -أي في غزوة بدر - قال: فتكلم ابو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه - المخبر

أقول: شتان ما بينهما حيث لم يرهما أهلا للمشاورة كواحد من متعارفي الصحابة الذين كان يشاور معهم فأعرض عنهما في تكلمهما، وبين أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي خلابه في غزوة الطائف وناجاه طويلا حتى وجد الناس من ذلك، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بأن الله ناجاه.

روی سبط ابن الجوزى في تذكرته عن الترمذي عن علي بن المنذر عن محمد بن الفضيل عن أبي الزبير عن جابر بن عبدالله قال: دعا رسول الله(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) علي بن ابي طالب يوم الطائف فانتجاه طويلا، فقال الناس: لقد طالت نجواه مع ابن عمه، فبلغ ذلك رسول الله فقال ما انتجيته ولكن الله انتجاه. ثم قال: قال الترمذي معناه ان الله أمرني ان أناجيه أو انتجى معه.

قلت: تأويله خلاف الظاهر، ومع ذلك نسلمه ويكفينا أمر الله تعالى نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بالنجوى مع أمير المؤمنين، كأمره تعالى له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بسد أبواب الصحابة من بيته وفتح بابه اليه، فروی احمد بن حنبل في الفضائل كما قال السبط أيضاً عن زيد بن ارقم قال: كان لنفر من الصحابة أبواب شارعة في المسجد، فقال رسول الله: سدوا هذه الابواب الاباب علي بن ابي طالب. فتكلم الناس في ذلك فقام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما سددت شيئاً ولا فتحته ولكني امرت بشيء فاتبعته

الحديث الثامن والعشرون

السدي في تفسيره على نقل ابني طاوس في الطرائف والعين في قوله تعالى « وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ» قال السدي: نزلت في عثمان بن عفان لما فتح رسول الله بني النضير فقسم أموالهم، قال عثمان لعلي: ائت رسول الله فاسأله أرض كذا و كذا فان اعطاكها فأنا شريكك فيها، و آتيه أنا فأسأله اياها فان اعطانيها فأنت شريكي فيها، فسأله عثمان فأعطاد اياها، فقال له علي: فأشركني، فأبى عثمان الشركة فقال: بيني وبينك رسول الله، فأبى ان يخاصمه الى النبي، فقيل له: ولم لا تنطلق معه الى النبي ؟ فقال: هو ابن عمه فأخاف أن يقضي له، فنزل قوله تعالى « وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ » فلما بلغ عثمان ما أنزل الله فيه اتى النبي فأقر لعلي بالحق وشركه في الارض.

وزاد الثاني: وقال والله ان أمرتني ان أخرج منها وادفعها اليه لفعلت،

فأنزل الله تعالى «واقسموا بالله جهد أيمانهم لئن امرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة.

أقول: وكما حكم الله تعالى لامير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على عثمان في هذه الآيات حكم له (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الوليد بن عقبة أخى عثمان لامه في آية اخرى. روى الثعلبى انه كان بينهما تنازع وكلام في شيء، فقال الوليد لعلي: أسكت فانك صبى وانا والله أبسط منك لساناً و أحد منك سناناً واشجع منك جناناً وأملا منك حشواً في الكتيبة. فقال له علي أسكت فانك فاسق، فأنزل الله تعالى « أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ ».

قلت: وهو الذي ولاه عثمان على الكوفة فشرب وحضر في سكره لصلاة الصبح فصلى بهم أربعاً وتكلم في الصلاة بكلام السكارى، فشهدوا عند عثمان فرد شهادتهم وأبطل حده، فحده أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رغماً لانفه.

قال المسعودي: ان الوليد بن عقبة كان يشرب مع ندمائه ومغنيه من أول الليل الى الصباح، فلما آذنه المؤذنون بالصلاة خرج منفصلا في غلائله، فتقدم الى المحراب في صلاة الصبح فصلى بهم أربعاً وقال: تريدون أن ازيدكم وقيل انه قال في سجوده وقد أطال اشرب واسقنى، فقال له بعض من كان خلفه في الصف الأول: ما تريد لا زادك الله مزيد الخير والله لا أعجب الاممن بعثك الينا وولاك علينا اميراً، وكان هذا القائل عتاب بن غيلان الثقفي، وخطب الناس الوليد فحصبه الناس بحصباء المسجد، فدخل قصره يترنح ويثمثل بأبيات لتأبط شراً:

ولست بعيداً عن مدام وقينة *** ولا بصفا صلد عن الخير معزل

ولكنني أروى من الخمر هامتي *** وامشي الملا بالساحب المتسلسل

وفي ذلك يقول حطيئة:

شهد الحطيئة يوم يلقى ربه *** أن الوليد أحق بالغدر

نادی وقد تمت صلاتهم *** ء ازيدكم ثملا و مايدري

ليزيدهم أخرى ولو قبلوا *** لقرنت بين الشفع والوتر

حبسوا عنانك الصلاة ولو *** خلو اعنانك في الصلاة لم تزل تجرى

وأشاعوا بالكوفة فعله وظهر فسقه ومداومته شرب الخمر، فهجم عليه جماعة من المسجد منهم أبوزينب بن عوف الازدي وأبو جندب بن زهير الازدي وغيرهما، فوجدوه سكران مضطجعاً على سريره لا يعقل، فأيقظوه من رقدته فلم يستيقظ ثم تقايا عليهم ماشرب من الخمر، فانتزعوا خاتمه من يده وخرجوا من فورهم الى المدينة، فأتوا عثمان بن عفان فشهد و اعنده على الوليد أنه شرب الخمر، فقال عثمان: وما يدريكما انه شرب خمراً ؟ قالا: هي الخمر التي كنا نشربها في الجاهلية، وأخرجا خاتمه فدفعاه اليه، فدرأ في صدورهما وقال: تنحيا عني. فخرجا وأتيا علي بن ابي طالب وأخبراه بالقصة، فأتى عثمان وهو يقول «دفعت الشهود وابطلت الحدود»، فقال له عثمان: فما ترى ؟ قال: أرى أن تبعث الى صاحبك فان أقاما الشهادة عليه في وجهه ولم يدل بحجة أقمت عليه الحد، فلما حضر الوليد دعاهما عثمان فأقاما الشهادة عليه ولم يدل بحجة، فألقى عثمان السوط الى علي، فقال علي لابنه الحسن: قم يابني فأقم عليه ما أوجب الله عليه. فقال: يكفيه بعض ماترى. فلما نظر الى امتناع الجماعة عن اقامة الحد توقياً لغضب عثمان لقرابته منه أخذ علي السوط ودنا منه، فلما أقبل نحوه سبه الوليد وقال: ياصاحب مكس. فقال عقيل بن ابي طالب وكان ممن حضر: انك لتتكلم يابن ابى معيط كأنك لاتدري من أنت وأنت علج من

اهل صفورية (وهى قرية بين عكا واللجون من اعمال الاردن من بلاد طبرية كان ذكر أن اباه كان يهودياً منها)، فأقبل الوليد يروغ من علي فأجتذبه فضرب به الارض وعلاه بالسوط، فقال عثمان: ليس لك أن تفعل به هذا. قال: بلى وشر من هذا اذا فسق ومنع حق الله تعالى ان يؤخذ منه – الخ.

قلت: ويل لهم ولائمتهم أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فمار بحت تجارتهم وما كانوا مهتدين، صدقوا ان هؤلاء ائمة الا انهم ائمة وصفهم الله تعالى بقوله «وجعلناهم ائمة يدعون الى النار كما قال يزيد بن زياد الكندي من اصحاب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمالك بن النسير البدي رسول عبيدالله بن زياد الى الحر لما قال مالك بأنه اطاع امامه ذلك.

ليظنوا به قوة فلا يرجعوا، فلقي معبد الخزاعي أبا سفيان وأخبره بخروجه(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وردا با سفيان لان خزاعة كانت مع رسول الله وشق عليهم ما أصابه في أحد.

ثم من العجب أن عثمان يهزم في أحد ويفرويغيب ثلاثة ايام الى الجلعب ويريد أن يلحق بدهلك صديقه اليهودي بالشام ويقاتل مخيريق اليهودي يوم أحددون النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) حتى يقتل، قال الطبري: وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق اليهودي وكان أحد بني ثعلبة بن الفطيون لما كان ذلك اليوم قال: يا معشر اليهود والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق. قالوا: ان اليوم يوم. السبت.فقال: لا سبت، فأخذ سيفه وعدته وقال: ان أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ماشاء، ثم غدا الى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فقاتل معه حتى قتل، فقال رسول الله فيما بلغني مخبريق خير يهود.

قلت: فان كان صاحبنا مسلماً فليقل انه شر مسلم.

الحديث الثلاثون

ابن ابى الحديد عن الجاحظ في كتابه مفاخرات قريش: بلغ عمر بن الخطاب أن أناساً من رواة الاشعار وحملة الاثار يعيبون الناس ويثلبونهم في أسلافهم، فقام على المنبر وقال: اياكم وذكر العيوب والبحث عن الاصول، فلو قلت لا يخرج اليوم من هذه الابواب الا من لا وصمة فيه لم يخرج منكم أحد. فقام رجل من قريش نكره أن نذكره فقال: اذن كنت أنا وانت يا أمير المؤمنين نخرج. فقال: كذبت بل كان يقال لك ياقين ابن قين أقعد.

أقول: قال ابن ابی الحدید: والرجل الذي قام هو المهاجر بن خالد بن الوليد، كان عمر يبغضه لان المهاجر كان علوي الرأي جداً. قال: كان المهاجر مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم الجمل وفقئت عينه ذلك اليوم وشهد صفين معه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وشهد أخوه عبدالرحمن مع معاوية. وقال: روى هذا الخبر المدائني في كتاب أمهات الخلفاء، وقال انه روي عند جعفر بن محمد بالمدينة فقال: لاتلمه يا ابن اخي انه أشفق أن يحدج بقصة نفيل بن عبد العزيز وصهاك أمة الزبير بن عبد المطلب.

قلت: الاصل فما نقله ابن ابى الحديد عن المدائني عن جعفر بن محمد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وجه غضب عمر على المهاجر من خوفه من كشفه قصة نفيل والصهاك: ما رواه الكلينى عن سماعة قال: تعرض رجل من ولد عمر بن الخطاب لجارية رجل عقيلي فقالت له: ان هذا العمرى قد آذاني. فقال لها: عديه وأدخليه الدهليز، فأدخلته فشد عليه فقتله وألقاه في الطريق، فاجتمع البكريون والعمريون والعثمانيون وقالوا: ما لصاحبنا كفو يقتل به الا جعفر بن محمد وماقتل صاحبنا غيره، وكان الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قدمضى نحو قبا. قال: فلقيته بما اجتمع عليه القوم فقال: دعهم، فلما جاء ورأوه وثبوا عليه وقالوا: ماقتل صاحبنا غيرك وما نقتل به أحداً غيرك. فقال: ليكلمني منكم جماعة، فاعتزل قوم منهم فأخذ بأيديهم فأدخلهم المسجد، فخرجوا وهم يقولون شيخنا ابو عبد الله جعفر بن محمد معاذ الله أن يكون مثله يفعل هذا ولا يأمر به انصرفوا، فمضيت معه وقلت: جعلت فداك ما أقرب رضاهم من سخطهم. قال: نعم دعوتهم فقلت امسكوا والا أخرجت الصحيفة. فقلت: وما هذه الصحيفة جعلني الله فداك؟ فقال: ان أم الخطاب كانت أمة للزبير بن عبدالمطلب فشطر بها نفيل فأحبلها، فطلبه الزبير فخرج هارباً الى الطائف، فخرج الزبير خلفه فبصرت به ثقیف فقالوا: یا ابا عبد الله ما تفعل ههنا ؟ فقال: جاريتي شطر بها نفيلكم فهرب منها الى الشام وخرج الزبير في تجارة له الى الشام فدخل على ملك الدومة فقال له: يا أبا عبد الله لي اليك حاجة. قال: وما حاجتك أيها الملك. فقال: رجل من اهلك قد أخذت ولده فأحب ان ترده عليه. قال: ليظهر لي حتى أعرفه، فلما ان كان من الغد دخل الى الملك فلما رآه الملك ضحك فقال: ما يضحكك أيها الملك ؟ قال: ما أظن هذا الرجل ولدته عربية لما رآك قد دخلت لم يملك

استه أن جعل يضرط. فقال: أيها الملك اذا صرت الى مكه قضيت حاجتك، فلما قدم الزبير تحمل عليه ببطون قريش كلها أن يدفع اليه ابنه، فأبى ثم تحمل عليه بعبد المطلب فقال: ما بيني وبينه عمل أما علمتم ما فعل في ابنى فلان ولكن امضوا أنتم اليه فقصدوه وكلموه فقال لهم الزبير ان الشيطان له دولة وان ابن هذا ابن الشيطان و لست آمن من أن يترأس علينا ولكن ادخلوه من باب المسجد علي على ان أحمي له حديدة وأخط في وجهه خطوطاً واكتب عليه وعلى ابنه الا يتصدر في مجلس ولا يتأمر في أولادنا ولا يضرب هنا بسهم، ففعلوا وخط وجهه بالحديدة وكتب عليه الكتاب وذلك الكتاب عندنا. فقلت لهم: ان أمسكتم والا أخرجت الكتاب ففيه فضيحتكم، فأمسكوا.

قلت: قول عبد المطلب في الخبر أما علمتم - الخ، اشارة الى قصة ام العباس، و كانت أمة لام الزبير وأخويه عبد الله ابی النبی (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) و ابی طالب ابى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

هذا، وفي مثالب هشام بن محمد بن السائب الكلبي كما نقل عنه الطرائف ان صهاك كانت أمة حبشية لهاشم بن عبد مناف، فوقع عليها نضلة بن هشام ثم وقع عليها عبد العزى بن رياح فجاءت بنفيل.

قلت: فيختلف كلام الكلبى مع الخبر في كون صهاك أم الخطاب أو نفيل جده.

الحديث الواحد والثلاثون

روى الكليني عن عدته عن احمد البرقي عن أبيه عن سعدان عن ابن سنان عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: من صلى أربع ركعات يقرأ في كل ركعة قل هو الله احد خمسين مرة لم ينفتل و بينه وبين الله ذنب.

أقول: ورواه الشيخ باسناده عن الكليني مثله، ورواه الصدوق في الفقيه وثواب الاعمال، وبمضمونه صحيح ابی بصیر عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) المروي في الكافي والفقيه والتهذيب والمجالس، وأصل هذه الصلاة من الصلوات المعتبرة ليس بعد صلاة جعفر صلاة أكثر اعتباراً منها لرواية المشائخ الثلاثة لها وحصول الاتفاق على مضمونها.

الا أنه اختلف في اسمها وعنوانها هل هي صلاة امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اوصلاة الصديقة عليها السلام أو بلا اسم وغير منسوبة الى أحد، فالشيخان ومن تأخر عنهما على الاول لخبر المفضل عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيان نوافل شهر رمضان، ففيه كما سيأتي تصلي في كل يوم جمعة في شهر رمضان أربع ركعات لامير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتصلي ركعتين لابنة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) - الى أن قال -

فأما صلاة امير المؤمنين فانه يقر أفيها بالحمد في كل ركعة وخمسين مرة قل هو الله أحد ويقرأ في صلاة ابنة محمد في أول ركعة بالحمد وانا انزلناه في ليلة القدر مائة مرة وفي الركعة الثانية بالحمد وقل هو الله أحد مائة الله أحد مائة مرة - الخبر.

والكليني والعياشي والكوفيون على الثاني، قال الاول (باب صلاة فاطمة وغيرها من صلوات الترغيب) وروی خبر العنوان و خبرابي بصير الذي بمضمونه ثم اخباراً أخر في صلوات أخرى، ونقل الفقيه عن كتاب العياشي انه روى مسنداً عن هشام بن سالم عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): من صلى اربع ركعات فقرأ في كل ركعة بخمسين مرة قل هو الله أحد كانت صلاة فاطمة عليها السلام وهي صلاة الأوابين.

قلت: وما نقله عنه موجود في تفسيره، ونقل هو أيضاً عن الكوفيين أنهم يعرفونها بصلاة فاطمة.

وابن الوليد على الثالث، قال الصدوق: قال ابن الوليد اني لا أعرفها بصلاة فاطمة.

و توقف الصدوق فقال (باب ثواب الصلاة التي تسميها الناس صلاة فاطمة ويسمونها صلاة الأوابين) وروى خبر العنوان وخبر أبي بصير المطلقين، ثم نقل عن العياشي أنه رواه مقيداً، ثم نقل عن الكوفيين ماتقدم وعن ابن الوليد أيضاً ما تقدم.

ومن الغريب أن الصدوق والكليني وابن الوليد والعياشي والكوفيين انما ترددوا واختلفوا في انها هل هى صلاة فاطمة أو مطلقة ولم يحتملوا أصلا انها صلاة امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكأنه عندهم امر مفروغ عنه، كما ان المفيد جعلها صلاة امير المؤمنين بلا تردد، لكن الشيخ يتردد في كتبه في الجملة فيقتي

فيها ان صلاة فاطمة ركعتان بمائة ومائة على ما في خبر المفضل. ثم يقول: وروي أنها اربع بخمسين خمسين توحيداً، كما أن كون صلاة فاطمة ركعتين بمائة قدر ومائة توحيد كما هو المشهور بين المتأخرين أيضاً لم يذكره غير الشيخين ولم يدل عليه سوى خبر المفضل المتقدم وهو خبر ضعيف، كما ان الكليني والصدوق حيث جعلا الاربع صلاة فاطمة بلا تردد أو معه لم يرويا صلاة لامير المؤمنين.

و بعد ماشر حنا يظهر لك ان الأولى الاتيان بهذه الصلاة لا بعنوان، لما عرفت من مقطوعية أصلها ثم بعده بعنوان صلاة فاطمة (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، لما عرفت من ذهاب الكليني والعياشي والكوفيين اليه دون صلاة أمير المؤمنين لعدم ذهاب غير الشيخين اليه، ولا عبرة بالشهرة المتأخرة فانه كالتواتر المنتهي الى الاحاد وانما العبرة بالشهرة المتقدمة.

هذا، وأماما رواه الجعفريات عن ابن وصيف عن اليمامي عن عن الحيرى عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): من دخل يوم الجمعة المجسد فصلى أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب خمسين مرة وقل هو الله احد خمسين مرة فذلك مائة مرة لم يمت حتى يرى منزله أو يرى له فلا يجوز العمل به اصلا لضعف سنده و شذوذ معناه، والظاهر حصول التصحيف فيه وزيادة كلمة «خمسين» بعد قوله «فاتحة الكتاب» وان الاصل في قوله «فذلك مائة مرة » فذلك اربعمائة مرة، حتى يتطابق مع خبر العنوان وما في معناه ويحمل تعيين الجمعة فيه لكونه أفضل الاوقات.

هذا، وقد عرفت أن خبر هشام بن سالم الذي رواه العياشي كما سمى هذه الصلاة صلاة فاطمة عليها السلام سماها صلاة الأوابين، لكن روى الكليني عن يحيى بن ابى العلا عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

قال: صلاة الزوال صلاة الأوابين، وحيث انه رواه في باب صلاة النوافل فالمراد به نافلة الظهر لافريضته، مع أن في نسخة نافلة الزوال بدل «صلاة الزوال» فيرتفع الاجمال.

ثم الظاهر أن المراد بها الأوليان من نوافل الظهر ففيهما تأكيد ليس في باقي نوافل الظهرين، بل هما أفضل من نوافل المغرب مع التأكيد الاكيدفيها، وليس بعد الفجر والوتر أفضل من هاتين، فان ترتيب النوافل في الفضل هكذا. قال في الفقيه: قال ابى (رَحمَةُ اللّه) ان أفضل النوافل ركعتا الفجر وبعدهما ركعة الوتر، وبعدها ركعتا الزوال، وبعدهما نوافل المغرب، وبعدها تمام صلاة الليل، وبعدها تمام نوافل النهار.

وعلى الاوليين من نوافل الظهر أيضاً يحمل مارواه الكليني في الصحيح عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)» قال لامير المؤمنين: وعليك بصلاة الزوال، وعليك بصلاة الزوال، وعليك بصلاة الزوال.

لكن روى في قرب الاسناد عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: اذازالت الشمس عن كبد السماء فمن صلى تلك الساعة أربع ركعات فقد وافق صلاة الأوابين، وذلك نصف النهار الا أن الخبر ضعيف السند. وكيف كان فلا يبعد كون كل من صلاة الزوال وصلاة فاطمة (عَلَيهِ السَّلَامُ) صلاة الأوابين جمعاً بين الخبرين.

الحديث الثانى والثلاثون

في مصباح الشيخ: روى حميد بن المثنى قال: قال ابو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): اذا كان يوم الجمعة فصل ركعتين تقرأ في كل ركعة التوحيد ستين مرة، فاذا رکعت قلت سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاث مرات، وان شئت سبع مرات، فاذا سجدت قلت «سجد لك سوادي وخيالي و آمن بك فؤادي وأبوء اليك بالنعم واعترف لك بالذنب العظيم عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي فانه لا يغفر الذنوب الا أنت، أعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ برحمتك من نقمتك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك لا أبلغ مدحتك ولا أحصي نعمتك ولا الثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك عملت سوء أو ظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبى فانه لا يغفر الذنوب الا انت ». قال: قلت في أي ساعة أصيلها من يوم الجمعة جعلت فداك ؟ قال: اذا ارتفع النهار ما بينك وبين زوال الشمس. ثم قال: من صلاها فكأنما قرأ القرآن أربعين مرة.

أقول: ورواه ابن طاوس في جمال الاسبوع عن أبي الحسين البزاز عن جعفر بن محمد بن مسرور عن أبيه عن سعد عن محمد بن عبدالحميد العطار

عن منصور بن يونس عن حميد بن المثنى.

ثم ان صلاة ركعتين بستين ستين توحيداً أيضاً صلاة معتبرة كصلاة الاربع بخمسين خمسين المتقدمة، الا انها في المرتبة الثانية لها، فقد رواها المشائخ الثلاثة، روى الكافي والتهذيب عن محمد بن يحيى مرا والتهذيب عن محمد بن يحيى مرفوعاً عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) والفقيه باسناده عن ابن ابی عمیر عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: من صلى ركعتين بقل هو الله احد في كل ركعة ستين مرة انفتل وليس بينه وبين الله ذنب.

قلت: لكنها كما ترى صلاة مطلقة لا اختصاص لها بالجمعة كما رواها المصباح ولا خصوصية في ذكر سجودها، لكن لا تنافي بينهما، فالمطلقة لمطلق الاوقات والمقيدة للجمعة.

ثم انه ليس في واحدة منهما اسم من كونها صلاة فاطمة (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو غيرها، وعن ابن طاوس في زوائد الفوائدانه سمى صلاة ستين بصلاة فاطمة (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولعل مستنده أن الكليني عقد باباً بعنوان صلاة فاطمة وغيرها وروى الخبر فيه، الا ان مراده دخولها تحت غيرها بدليل أن الصدوق ذكرها في غيرها.

الحديث الثالث والثلاثون

فيه أيضاًروى صفوان قال: دخل محمد بن علي الحلبى على ابي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في يوم الجمعة فقال له: تعلمني أفضل ما أصنع في مثل هذا اليوم.فقال: يا محمد ما أعلم ان أحداً كان اكبر عند رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)» من فاطمة (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولا أفضل مما علمها أبوها محمد بن عبد الله. قال: من أصبح يوم الجمعة فاغتسل وصف قدميه وصلى أربع ركعات مثنى مثنى يقرأ في أول ركعة فاتحة الكتاب وقل هو الله احد خمسين مرة وفي الثانية فاتحة الكتاب والعاديات خمسين مرة وفي الثالثة فاتحة الكتاب واذا زلزلت خمسين مرة وفي الرابعة الحمد واذا جاء نصر الله خمسين مرة وهذه سورة النصر وهي آخر سورة نزلت، فاذا فرغ منها دعا فقال الهي وسيدي من تهيأ أو تعبأ أو أعد أو استعد لوفادة الى مخلوق رجاء رفده وفوائده ونائله وفواضله وجوائزه، فاليك يا الهي كانت تهيئتى وتعبيتي واعدادي و استعدادي رجاء رفك وفوائدك ومعروفك ونائلك وجوائزك، فلا تخيبني من ذلك يامن لاتخيب عليه مسألة سائل ولا تنقصه عطية نائل، فاني لم آتك ثقة بعمل صالح قدمته ولاشفاعة مخلوق رجوته أتقرب اليك بشفاعته الا محمداً

وأهل بيته صلواتك عليهم، أتيتك أرجو عظيم عفوك الذي عدت على الخاطئين عند عكوفهم على المحارم، فلم يمنعك طول عكوفهم على المحارم أن جدت عليهم بالمغفرة وأنت سيدي العواد بالنعماء وأنا العواد بالخطاء، أسألك بحق محمد وآله الطاهرين أن تغفر لي ذنبي العظيم فانه لا يغفر العظيم الا العظيم، يا عظيم يا عظيم يا عظيم يا عظيم يا عظيم يا عظيم ياعظيم».

أقول: ان هذه الصلاة وان تفردبها الشيخ في المصباح الاأن له الى صفوان طرقاً صحيحة وصفوان نفسه من الاجلة.

قال في الفهرست: كان أوثق اهل زمانه عند اهل الحديث وأعبدهم، كان يصلي كل يوم خمسين ومائة ركعة ويصوم في السنة ثلاثة أشهر ويخرج زكوة ماله كل سنة ثلاث مرات، وذلك انه اشترك هو وعبد الله بن جندب وعلي بن النعمان في بيت الله الحرام فتعاقدوا جميعاً ان مات واحد منهم يصلي من بقي بعده صلاته ويصوم عنه ويحج ويزكي عنه مادام حياً، فمات صاحباه وبقي صفوان بعدهما وكان يفي لهما بذلك، فكان يصلي عنهما ويزكي عنهما ويصوم عنهما ويحج عنهما وكل شيء من البر والصلاح يفعل لنفسه كذلك يفعله عن صاحبيه، وقال له بعض جيرانه من أهل الكوفة وهو بمكة: يا أبا محمد احمل لي الى المنزل دينارين. فقال له: ان جمالي بكري حتى استأمر فيه جمالی، روى عن ابي الحسن وعن ابي جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وروى عن اربعين رجلا من أصحاب ابی عبدالله، وله كتب مثل كتب الحسين بن سعيد، ولسه مسائل عن ابی الحسن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) - الخ.

الحديث الرابع والثلاثون

روى الشيخ في التهذيب عن علي بن حاتم عن محمد بن جعفر بن احمد ابن بطة عن محمد بن الحسين بن ابي الخطاب وعن التلعكبري عن ابن معمر عنه أيضاً عن ابن سنان عن المفضل عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) انه قال: تصلي في شهر رمضان زيادة ألف ركعة في تسع عشرة منه في كل ليلة عشرين، وفي ليلة تسع عشرة مائة ركعة، وفي ليلة احدى وعشرين مائة ركعة، وفي ليلة ثلاث وعشرين مائة ركعة وتصلي في ثمان ليال منه في العشر الأواخر من كل ليلة ثلاثين ركعة، فهذه تسعمائة وعشرون ركعة. قال: قلت جعلني الله فداك فرجت عنى. الى أن قال: فكيف تمام الالف ركعة. فقال: تصلي في كل يوم جمعة في شهر رمضان أربع ركعات لامير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتصلي ركعتين لابنة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وتصلي بعد الركعتين أربع ركعات لجعفر الطيار، وتصلي ليلة الجمعة في العشر الاواخر لامير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عشرين ركعة، وتصلي في عشية الجمعة ليلة السبت عشرين ركعة لابنة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ).

ثم قال: اسمع وعه وعلمه ثقات اخوانك، هذه الاربع والركعتين فانهما

افضل الصلوات بعد الفرائض، فمن صلاهما في شهر رمضان أو غيره انفتل وليس بينه وبين الله عز وجل من ذنب.

ثم قال: يا مفضل بن عمر تقرأ في هذه الصلوات كلها أعني صلاة شهر رمضان الزيادة منها بالحمد وقل هو الله احد ان شئت مرة وان شئت ثلاثاً وان شئت خمساً وان شئت سبعاً وان شئت عشراً، فأما صلاة امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فانه يقرأ فيها بالحمد في كل ركعة. وخمسين مرة قل هو الله ويقرأ فى صلاة ابنة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في أول ركعة الحمد وانا أنزلناه في ليلة القدر مائة مرة وفي الركعة الثانية الحمد وقل هو الله أحد مائة مرة، فاذا سلمت في الركعتين سبح تسبيح فاطمة الزهراء.

الى أن قال: وقال لي تقرأ فى صلاة جعفر في الركعة الأولى الحمد واذا زلزلت وفى الثانية الحمد والعاديات وفى الثالثة الحمد واذا جاء نصر الله وفي الرابعة الحمد وقل هو الله. ثم قال لي: يا مفصل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ورواه المفيد في مقنعته مرفوعاً عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ).

أقول: والكلام فيه يقع فى مواضع: الاول أن زيادة النوافل فى شهر رمضان على غيره من الاشهر هو الاشهر بل المشتهر صرح به الصفواني ومحمد ابن ابیى قرة في كتابه عمل شهر رمضان والاسكافي و الشيخان والمرتضى والديلمي والحلبيون الثلاثة والقاضي وابن حمزة والحلي، وهو المفهوم من الكليني حيث قال: باب ما يزداد من الصلاة فى شهر رمضان، وروي خبر ابی بصیر عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفيه فصل يا أبا محمد زيادة رمضان. فقال: كم جعلت فداك ؟ فقال: في عشرين ليلة تصلي في كل ليلة عشرين ركعة ثماني ركعات قبل العتمة واثنتي عشرة ركعة بعدها سوى ماكنت تصلي قبل ذلك، فاذادخل

العشر الاواخر فصل ثلاثين ركعة فى كل ليلة ثماني ركعات قبل العتمة واثنتين وعشرين ركعة بعدها سوى ما كنت تفعل قبل ذلك.

وخبر البقباق وعبيد بن زرارة عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان رسول الله صلى الله عليه و آله يزيد في صلاته في شهر رمضان اذا صلى بعدها، فيقوم الناس خلفه فيدخل ويدعهم ثم يخرج أيضاً فيجيئون ويقومون خلفه فيدعهم ويدخل مراراً. قال: وقال لاتصل بعد العتمة فى غير شهر رمضان.

وخبر الحسن الجعفري عن ابی الحسن علیه السلام صل ليلة احدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين مائة ركعة تقرأ في كل ركعة قل هو الله أحد عشر مرات.

وخبر محمد بن مطهر أنه كتب الى أبي محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) يخبره بماجاءت به الرواية أن النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) كان يصلي في شهر رمضان وغيره من الليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتا الفجر، فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فض الله فاه صلى من شهر رمضان في عشرين كل ليلة عشرين ركعة ثماني بعد المغرب واثنتي عشرة بعد العشاء الاخرة واغتسل ليلة تسعة عشر وليلة احدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين وصل فيهما ثلاثين ركعة اثنتي عشرة بعد المغرب وثمانية عشر بعد العشاء الآخرة، وصل فيهما مائة ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد عشر مرات وصل الى آخر الشهر كل ليلة ثلاثين ركعة كما فسرت لك.

وهي كما ترى كلها دالة على اثبات الزيادة، وتردد محمد بن بابويه في الفقيه فقال فيه بعد عقده الباب لصلاة شهر رمضان وروايته أخباراً ثلاثة دالة على عدم الزيادة: الاول خبر زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل عن الباقر والصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أن الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة،

والثاني خبر الحلبى، والثالث خبر ابن، والثالث خبر ابن سنان كلاهما عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان الصلاة في شهر رمضان بالليل كغيره ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتان قبل الفجر وان الزياد لو كانت خيراً لم يتركها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وممن روى الزيادة في التطوع في شهر رمضان زرعة عن سماعة وهما واقفيان قال: سألته عن شهر رمضان كم يصلى فيه ؟ قال: كما يصلى في غيره، الا أن لشهر رمضان على سائر الشهور من الفضل ما ينبغي للعبد أن يزيد في تطوعه، فإن أحب وقوي على ذلك أن يزيد في أول الشهر الى عشرين ليلة كل ليلة عشرين ركعة سوی ما كان يصلي قبل ذلك، يصلي من هذه العشرين اثنتي عشرة ركعة بين المغرب والعتمة وثمان ركعات بعد العتمة ثم يصلي الصلاة التي كان يصليها قبل ذلك. قال: فاذا بقي من شهر رمضان عشر ليال فليصل ثلاثين ركعة في كل ليلة سوى هذه الثلاث عشرة ركعة، يصلى منها بين المغرب والعشاء اثنتين وعشرين ركعة و ثمان ركعات بعد العتمة. قال: وفي ليلة احدى وعشرين وثلاث وعشرين يصلي في كل واحدة منهما اذا قوي على ذلك مائة ركعة – الخبر.

وقال: انما أوردت هذا الخبر في هذا الباب مع عدولي عنه وتركسي لاستعماله ليعلم الناظر في كتابى كيف يروي ومن رواه وليعلم من اعتقادياني لا أرى بأساً باستعماله - انتهى.

وسكت عنه أبوه علي بن بابويه والعماني في كتابيهما الرسالة والمستمسك كما سكت هو أيضاً في كتابيه المقنع والهداية وفى كتابه في فضائل شهر رمضان.

وفي اقبال ابن طاوس: روى عبيد الله الحلبى في كتاب له وابن الوليد في جامعه ما معناه: ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لم يصل نافلة شهر رمضان، وقال لعل لروايتهما لها تأويل من التقية أو غلط الرواة أو غير ذلك

قلت: لعلهما رويا خبر الحلبي أو خبر ابن سنان المتقدمين وهما الاصل في المنع من الزيادة، والافخبر زرارة وصاحبيه لا دلالة فيه، لانه انمادل على نافلة شهر رمضان بدعة، ولا اشكال فيه.

أن الجماعة في ويمكن حمل الخبرين الاخيرين على أن المراد بهما عدم الزيادة في شهر رمضان على الثلاث عشرة ركعة الليلية بعنوان صلاة الليل، فقال الاسكافي: قد روى عن أهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)زيادة في صلاة الليل على ماكان يصليها الانسان في غيره اربع ركعات تتمة اثنتي عشرة ركعة. وسياقهما أيضاً يدل على أن الراوي توهم أن نوافله الليلية تزيد، فرد (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليه بعدم تفاوت ذلك الشهر مع غيره فيها، الا أنه يبقى ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم قال: سمعت ابا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) اذا صلى العشاء الاخرة آوى الى فراشه لا يصلى شيئاً الا بعد انتصاف الليل لافي رمضان ولا في غيره.

فانه وان حمله الشيخ على نفي الجماعة بقرينة روايته الأخرى المتقدمة، الا انه آب عما ذكره، والاولى حمله على التقية، ويشهد له خبر جابر عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: ان أصحابنا هؤلاء أبوا أن يزيدوا في صلاتهم في شهر رمضان وقد زاد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في صلاته في شهر رمضان، فان الظاهر أن المراد بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان اصحابنا هؤلاء أهل السنة والا فالامامية لا يأبون ماقال ائمتهم (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)حتى يحتاج الى نقل الزيادة عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ثم العجب أن الصدوق اقتصر في ناقلي الزيادة على رواية سماعة وقدرواه جمع غير جابر والبقباق مع عبيد بن زرارة وتقدم خبراهم.

و ابو خديجة وخبره: عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان رسول الله (صَلَّى اللّه

عَلَيْهِ وَآلِهِ‏)اذا جاء شهر رمضان زاد في الصلاة وانا ازيد فزيدوا.

ومحمد بن يحيى وخبره قال كنت عند ابی عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسئل: هل يزاد في شهر رمضان في صلاة النوافل ؟ قال: نعم - الخبر.

ومسعدة بن صدقة وخبره: عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: فيما كان يصنع في شهر رمضان كان يتنفل في كل ليلة ويزيد على صلاته التي كان يصليها قبل ذلك - الخبر.

وابو بصير وتقدم خبره عن الكليني، ونسب الشيخ روايته الى رواية علي ابن ابی حمزة وروى عن ابی بصیر خبراً آخر عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ): صل في العشرين من شهر رمضان ثمانياً بعد المغرب واثنتي عشر ركعة بعد العتمة - الخبر.

ومحمد بن احمد بن مطهر وتقدم خبره، والحسن بن علي عن ابيه وخبره: قال كتب رجل الى ابى جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يسأله عن صلاة نوافل شهر رمضان وعن الزيادة فيها. فكتب اليه كتاباً قرأته بخطه: صل في أول شهر رمضان في عشرين ليلة عشرين ركعة - الخبر.

و المفضل وتقدم في العنوان، ومحمد بن سنان على رواية استبصار الطوسي والبزنطي على رواية قرب الحميري عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): كان ابي يزيد في العشر الأواخر من شهر رمضان في كل ليلة عشرين ركعة. قلت: الظاهر أن عشرين محرف عشرة.

وعلي بن مهزیار و محمد بن سليمان عن الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) واسحق بن عمار عن الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) وابن سنان عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ثم لم أقتصر على خبر سماعة الضعيف الشاذ، وفي أخبار الزيادة عدة أخبار صحيحة، ولم نقف على من أفتى بمضمونه في العشر الاخير من جعل اثنتي وعشرين بعد المغرب، بل ه-م بين قولين جعل الثماني وهو المشهور

وجعل الاثنتي عشرة وهو قول القاضي والحلبي، ويدل عليه خبر مسعدة وخبر محمد بن احمد بن مطهر، كما لم نقف على من أفتى بما فيه في العشرين الاول من تعيين جعل الاثنتي عشرة فيها بعد المغرب، وانما المشهور جعل الثماني بعد المغرب لخبر مسعدة وخبر علي بن ابي حمزة وخبر ابي بصير وخبر الحسن بن علي عن ابيه وخبر محمد بن سليمان، والشيخ والاسكافي خيرا بين الأمرين جمعاً بين ما تقدم وخبر مسعدة وخبر محمد بن احمد بن مطهر.

(الثاني) ان الزيادة هل ألف كما في هذا الخبر و خبر محمد بن سليمان بلا واسطة عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بواسطة اسحق بن عمار عن الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسماعة و ابن سنان عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أو تسعمائة كما في خبر مسعدة وخبر سماعة و خبر ابن مطهر وخبر علي المشهور الأول، وصرح الصفواني في كتابه التعريف بالثاني، وهو المفهوم من الصدوق والكليني حيث لم يرويا خبراً مشتملا على مائة الليلة التاسعة عشر، ويمكن الجمع بكون مائة الليلتين الاخيرتين آكد.

(الثالث) هل يوزع الثمان على الجمعات وليلة السبت الاخير كما دل عليه هذا الخبر وذهب اليه المفيد في المقنعة والشيخ في المبسوط والنهاية وتبعهما الديلمى وابن حمزة والقاضي، أو يزاد على ليالي القدر كما دل عليه خبر محمد ابن أبى قرة في كتاب عمل شهر رمضان فيما أسنده عن علي بن مهزیار عن الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) على نقل الاقبال و خبر محمد بن احمد بن مطهر عن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) صريحاً وخبر امسعدة وسماعة ظاهراً، وذهب اليه المفيد في الاشراف وفي الغرية والشيخ في الخلاف والاسكافي والحلبى والحلي، الاصح الثاني لا شهريته عملا ورواية.

(الرابع) ان صلاة أربع بخمسين توحيداً هل هي صلاة أمير المؤمنين

(عَلَيهِ السَّلَامُ) كما في هذا الخبر أو صلاة فاطمة عليها السلام كما دل عليه خبر هشام بن سالم، تقدم تحقيقه في الواحد والثلاثين.

وتبين من ثم الى هنا ان الصلوات المنسوبة الى الصديقة (عَلَيهِ السَّلَامُ) أربع: احداها - صلاة ركعتين بمائة قدر ومائة توحيد، ولا دليل عليه سوى هذا الخبر الذي هو العنوان، وأما نقل المستدرك خبرين آخرين فيها عن ابن طاوس فالاصل فيهما ذاك الخبر، غاية الامر ان التهذيب والمتنعة روياه بتمامه ورواه ابن طاوس بطريقين مقتصراً على نقل صلاتها » ع » فقط، والاصل في الثلاثة ابن سنان عن المفضل عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولم اقف على من أفتى بها غير الشيخين ومن تأخر عنهما. نعم في الفقه الرضوي: ويستحب يوم الجمعة صلاة التسبيح وهي صلاة جعفر وصلاة أمير المؤمنين وركعتا الطاهرة.

وثانيتها - صلاة اربع بخمسين توحيداً، وقد عرفت الاختلاف فيه.

وثالثتها - صلاة ركعتين بستين ستين توحيداً، وقد عرفت حالها.

ورابعتها - صلاة اربع بخمسين خمسين سور مختلفة، كما تقدم في الثالث والثلاثين.

هذا، واما صلاة امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلم يذكرها غير الشيخين واتباعهما وما تقدم من الفقه الرضوي في عبارته المجملة، وأما صلاة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فلم يذكرها غير الشيخ وروى جمال الاسبوع فيها خبراً عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأما الصلوات المنسوبة الى باقي الائمة (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)فتفرد بها القطب الراوندي في دعواته وابن طاوش في جماله ولم يذكر امستنداً لها بل قالا صلواتهم (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)هكذا وذكراها بالاختلاف الا في صلاة الكاظم والرضا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) فاتفقا في كيفيتهما

نعم في مصباح الشيخ الصلاة المنسوبة الى ابى عبدالله الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذكرها ابن طاوس ولم يتفطن له العاملي فاقتصر على النقل عن ابن طاوس كما لم يتفطن له النوري في استدراكه فاقتصر على النقل عن الراوندي، ومثل صلاة الحسين صلاة أخرى لامير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) غير ما في خبر العنوان ذكرها الشيخ في مصباحه بلامستند.

الحديث الخامس والثلاثون

روى الكليني عن عدة من أصحابه عن احمد بن محمد بن عیسی عن محمد بن ابی خمير عن حفص بن البختري عن العلاء بن صبيح وعبد الرحمن بن الحجاج وعلي ابن رباب عن عبدالله بن صالح كلهم يروونه عن ابي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: المرأة المتمتعة اذا قدمت مكة ثم حاضت تقيم ما بينها وبين التروية، فان طهرت طافت بالبيت وسعت، وان لم تطهر الى يوم التروية اغتسلت واحتشت ثم سعت بين الصفا والمروة ثم خرجت الى منى، فاذا قضت المناسك وزارت البيت طافت بالبيت طوافاً لعمرتها ثم طافت طوافاً للحج ثم خرجت فسعت، فاذا فعلت ذلك فقد أحلت من كل شيء يحل منه المحرم الا فراش زوجها، فاذا طافت أسبوعاً آخر حل لها فراش زوجها.

أقول: الخبر دال على أن الحيض للمرأة غير مخل بعمرة التمتع وانها ان لم تظهر حتى ضاق وقت أعمال حجة التمتع تتم عمرتها من السعي والتقصير و تجيء بطوافها قضاءاً مع طواف الحج.

فان قلت: هذا خلاف الاجماع، فقد ادعي الاجماع على أن الحائض

اذا لم تطهر تعدل وتجعل عمرتها حجة مفردة ثم تأتي بعمرة مفردة.

قلت: ما ادعي اشتباه، كيف، وقد ادعى ابن زهرة الاجماع على مضمون الخبر فقال: ومن فاته طواف المتعة مضطراً قضاه بعد فراغه من مناسك الحج، وقال: وتؤدي الحائض والنفساء جميع المناسك الا الطواف فانها تقضيه اذا طهرت بدليل الاجماع المشار اليه.

وكيف وأفتى ابو المجد الحلبى في كتابه الاشارة بمضمون الخبر ونسب العدول الى قائل مجهول كالقول بأخذ النائب الذي لما يعلم قائله، فقال: وتصح جميع المناسك من الحائض والنفساء الا الطواف فانهامتی طهرت تقضیه وقيل تقضى عنها نيابة، وقيل يجعل حجتها مفردة وتعتمر بعدها.

وكيف وأفتى بمضمونه القاضي ابن البراج، قال في المهذب: وان كان المحرم امرأة وقد حاضت أو نفست وقت الاحرام فعلت ما تفعله الحائض وتترك الصلاة والقرآن وأحرمت وقضت مناسكها الا الطواف بالبيت ودخول المسجد حتى تظهر وتقضي ذلك.

وكيف ونقله الشهيد عن علي بن بابويه وابى الصلاح تعييناً وعن الاسكافي تخييراً، قال في الدروس: روى أنها تسعى ثم تحرم بالحج وتقضي طواف العمرة مع طواف الحج، وعليه علي بن بابويه وابن الجنيد وابو الصلاح، وجوز ابن الجنيد لها الأفراد.

وكيف وقد قال به المفيد والديلمي في عموم كلامهما، قال في المقنعة: والحائض تقضي المناسك كلها الا الطواف بالبيت فانها لا تقربه حتى تظهر لان الطواف في حكم الصلاة وله صلاة مفروضة.

وقال في المراسم: ان المرأة تقضي كل المناسك وهي رأة تقضي كل المناسك وهي حائض الا الطواف

والصلاة فلا تقربهما حتى تطهر. فإن عبارتهما كعبارة ابن زهرة وابي المجد لكنهما زادا قضاء الطواف توضيحاً.

وهو المفهوم من الكليني حيث قال (باب ما يجب على الحائض في اداء المناسك) وروى هذا الخبر وخمسة أخبار أخر بعده بمضمونه بلا معارض، ولم نقف على من أفتى: العدول سوى الشيخ وتبعه ابن حمزة والحلي، وقد حققنا المسألة بمالامزيد عليه في شرحنا على اللمعة.

ومثلها كفارة تغطية الرأس فادعوا الاجماع على أنها شاة، ومسألة حجب الام بالاخوة مع البنت الواحدة البنت الواحدة مع انه لا اجماع فيهما والحق في خلاف ما ادعوه فيهما.

الحديث السادس والثلاثون

روى الكليني عن علي بن ابراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن غير واحد سألوا أباعبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الحائض والسنة في وقته. فقال: ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) سن في الحائض ثلاث سنن بين فيها كل مشكل لمن سمعها وفهمها حتى لا يدع لاحد مقالا فيه بالرأي، اما احدى السنن فالحائض التي لها ايام معلومة قد أحصتها بلا اختلاط عليها ثم استحاضت فاستمر بها الدم وهي في ذلك تعرف أيامها ومبلغ عددها، فإن امرأة يقال لها فاطمة بنت ابي حبيش استحاضت فأتت ام سلمة فسألت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) عن ذلك فقال: تد تدع الصلاة قدر أقرائها أو قدر حيضها، وقال انما هو عرق فأمرها ان تغتسل وتستثفر بثوب وتصلي.

قال ابو عبد الله: هذه سنة النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في التى تعرف ايام أقرائها لم يختلط عليها، ألاترى أنه لم يسألهاكم يوم هي ولم يقل اذا زادت على كذا يوماً فأنت مستحاضة، وانما سن أياماً معلومة ما كانت من قليل أو كثير بعد أن تعرفها، وكذلك افتى أبى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وسئل عن المستحاضة فقال: انما ذلك عرق عاند أوركضة

من الشيطان فلندع الصلاة ايام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة. قيل: وان سال ؟ قال: وان سال مثل المثعب.

قال ابو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): هذا تفسير حديث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وهو موافق له، فهذه سنة التي تعرف أيام أقرائها لا وقت لها الا ايامها قلت او كثرت.

وأما سنة التي قد كانت لها أيام متقدمة ثم اختلط عليها من طول الدم فزادت و نقصت حتى أغفلت عددها وموضعها من الشهر، فان سنتها غير ذلك، وذلك ان فاطمة بنت ابى حبيش أتت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) « فقالت: اني أستحاض فلا أطهر فقال النبي: ذلك ليس بحيض انما هو عرق، فاذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة واذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي، فكانت تغتسل في كل صلاة وكانت تجلس في مركن لاختها فكانت صفرة الدم تعلو الماء. قال ابوعبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) أما تسمع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أمر هذه بغير ما امر به تلك، ألاتراه لم يقل لهادعي الصلاة ايام أقرائك ولكن قال لها اذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة واذا أدبرت فاغتسلي وصلي»، فهذا يبين ان هذه امرأة قد اختلط عليها ايامها لم تعرف عددها ولا وقتها، ألا تسمعها تقول اني أستحاض فلا أطهر، وكان ابي يقول انها استحيضت سبع سنين، ففى أقل من هذا يكون الريبة والاختلاط، فلهذا احتاجت الى أن تعرف اقبال الدم من ادباره وتغير لونه من السواد الى غيره، وذلك أن دم الحيض أسود يعرف، ولو كانت تعرف أيامها ما احتاجت الى معرفة لون الدم لان السنة في الحيض أن يكون الصفرة والكدرة فما فوقها في أيام الحيض اذا عرفت حيضأ كله ان كان الدم اسود أو غير ذلك، فهذا يبين ان قليل الدم وكثيره أيام الحيض حيض كله اذا كانت الايام معلومة، فاذا جهلت الايام وعددها احتاجت الى النظر الى اقبال الدم وتغير لونه ثم تدع الصلاة على قدر ذلك، ولا أرى النبى

170

(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قال اجلسي كذا و كذا يوماً فما زادت فأنت مستحاضة كمالم يأمر الاولى بذلك، وكذلك أبى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أفتى في مثل هذا، وذلك ان امرأة من اهلنا استحاضت فسألت ابي عن ذلك فقال: اذا رأيت الدم البحراني فدعي الصلاة.واذا رأيت الطهر ولو ساعة من نهار فاغتسلي وصلي.

قال ابو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): فأرى جواب أبى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ههنا غير جوابه في المستحاضة الأولى، ألاترى انه قال «تدع الصلاة ايام أقرائها » لانه نظر الى عدد الايام وقال ههنا «اذا رأيت الدم البحراني فلندع الصلاة» فأمرها مهنا الى أن تنظر الدم اذا أقبل وأدبر و تعير، وقوله «البحراني» شبه معنى قول النبي «ان دم الحيض اسود يعرف »، وانما سماه ابي بحرانياً لكثرته ولونه، فهذه سنة النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في التى اختلط عليها أيامها حتى لا تعرفها وانما يعرفها بالدم ما كان من قليل الايام وكثيره.

قال: وأما السنة الثالثة فهي التى ليس لها أيام متقدمة ولم تر الدم قطورأت أول ما أدركت فاستمربها، فان سنة هذه غير سنة الأولى والثانية. وذلك أن امرأة يقال لها حمنة بنت جحش أتت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فقالت: اني استحضت حيضة شديدة فقال: احتشى كرسفاً. قالت: انه أشد من ذلك، أنى اتجه ثجاً. فقال: تلجمي وتحيضي في كل شهر في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام ثم اغتسلي ثلاثة وعشرين أو أربعة وعشرين واغتسلى للفجر غسلا وأخري غسلا وصومي الظهر وعجلي العصر واغتسلى غسلا وأخرى المغرب وعجلى العشاء واغتسنى غسلا. قال أبو عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأرى قدسن في هذه غير ماسن في الاولى والثانية، وذلك أن امرها مخالف لامرتينك، ألا ترى ان أيامها لو كانت أقل من سبع وكانت خمساً أو أقل من ذلك ماقال لها تحيضي سبعاً، فيكون قد أمرها بترك الصلاة

ايامه وهي مستحاضة غير حائض، وكذلك لو كان حيضها اكثر من سبع وكانت أيامها عشراً أو اكثر لم يأمرهما بالصلاة وهي حائض، ثم مما يزيد هذا بياناً قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لها » تحيضى » وليس يكون التحيض الا للمرأة التي تريد أن تكلف ما تعمل الحائض، ألا تراه لم يقل لها أياماً معلومة تحيضى أيام حيضك. و ممايبين هذا قوله لها في علم الله لانه قد كان لها وإن كانت الاشياء كلها في علم الله، فهذا بي-ّن واضح ان هذه لم يكن لها ايام قبل ذلك قط، وهذه سنة التي استمر بها الدم اول ما تراه اقصى وقتها سبع وأقصى طهرها ثلاث عشرون حتى تصير لها أيام معلومة فتنتقل اليها، فجميع حالات المستحاضة تدور على هذه السنن الثلاث لاتكاد ابداً تخلو من واحدة منهن، ان كانت لها ايام معلومة من قليل أو كثير فهى على أيامها وخلقتها التي جرت عليها ليس فيه عدد معلوم موقت غير أيامها، فان اختلطت الايام عليها وتقدمت وتأخرت وتغير عليها الدم ألواناً فسنتها اقبال الدم وادباره وتغير حالاته، وان لم يكن لها أيام قبل ذلك واستحاضت أول مارأت فوقتها سبع وطهرها ثلاث وعشرون، فان استمربها الدم أشهراً فعلت في كل شهر كما قال لها، فان انقطع الدم لوقته في الشهر الاول، سواء حتى توالى عليها حيضتان أو ثلاث فقد علم الان أن ذلك قدصار لها وقتاً وخلقاً معروفاً تعمل عليه وتدع ماسواه، ويكون سنتها فيما تستقبل أن استحيضت قد صارت سنة الى أن تجلس أقرائها، وانما جعل الوقت أن توالى عليها حيضتان أو ثلاث لقول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)» التى تعرف ايامها «دعي الصلاة أيام أقرائك»، فعلمنا انه لم يجعل القرء الواحد سنة لها، فيقول لها دعي الصلاة ايام قرئك، ولكن سن لها الاقراء وادناه حيضتان فصاعداً وان اختلطت عليها ايامها وزادت و نقصت حتى لا يقف منها على حد ولامن الدم على لون علمت باقبال الدم

و ادباره، وليس لها سنة غير هذا، لقول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) اذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فاذا أدبرت فاغتسلي ولقوله ان دم الحيض اسوديعرف» كقول ابی علیه السلام) اذا رأيت الدم البحراني، فان لم يكن الامر كذلك ولكن الدم اطبق عليها فلم تزل الاستحاضة داره وكان الدم على لون واحد وحالة واحدة فسنتها السبع والثلاث والعشرون لان قصتها كقصة حمنة حين قالتانی اتجه تجاً.

أقول: المستفاد من الخبر أن التفصيل بين رجوع ذات العادة الى عادتها والمضطربة الى التميز واقبال الدم وادباره والمبتدأة الى جعل حيضها سبعة وطهرها سبعة وعشرين ومثلها المضطربة لو فقدت التميز، انما هو فى المرأة المستحاضة التي دام دمها أشهراً، فعبر بذلك فيه كراراً من أولها الى آخرها، ومن جملتها قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيه « فجميع حالات المستحاضة تدور على هذه السنن الثلاث الخ.

ويشهد له أخبار اخر رواها بعده في هذا الباب الذي عنونه بـ (باب جامع في الحائض والمستحاضة) كصحيح معاوية بن عمار عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) المستحاضة تنظر أيامها فلا تصلي فيها ولا يقربها بعلها، فاذا جازت ايامهاورأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر والعصر - الخبر.

وصحيح محمد الحلبي عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ): سألته عن المرأة تستحاض فأمرها ان تمكث ايام حيضها لا تصلي فيها ثم تغتسل - الخبر

وأما الحائض فحيضها الى اكثر أيام الحيض عشرة أيام مطلقا، سواء في ذلك ذات العادة والمضطربة والمبتدأة، وقد أفتى الصدوقان بذلك، قال علي ابن بابويه في رسالته - كما نقل عنه ابنه في فقيهه - اعلم أن اقل أيام الحيض

ثلاثة أيام واكثرها عشرة أيام، فإن رأت المرأة الدم ثلاثة أيام ومازاد الى عشرة أيام فهم حيض، وعليها ان تترك الصلاة ولا تدخل المسجد الا ان تكون مجتازة، ويجب عليها عند حضور كل صلاة أن تتوضأ وضوء الصلاة وتجلس مستقبل القبلة وتذكر الله تعالى بمقدار صلاتها كل يوم، فإن رأت الدم يوماً أو يومين فليس ذلك من الحيض ما لم تر الدم ثلاثة أيام متواليات، وعليها أن تقضي الصلاة التي تركتها في اليوم أو اليومين، وان زاد الدم اكثر من عشرة ايام فلتقعد عن الصلاة عشرة أيام وتغتسل يوم حادى عشر و تحتشي، فان لم يثقب الدم الكرسف صلت صلاتها كل صلاة بوضوء وان ثقب الدم الكرسف ولم يسل صلت صلاة الليل صلاة الغداة بغسل وسائر الصلوات بوضوء، وان غلب الدم الكرسف و سال صلت صلاة الليل وصلاة الغداة بغسل والظهر والعصر بغسل تؤخر الظهر قليلا وتعجل العصر وتصلي المغرب والعشاء الآخرة بغسل واحد تؤخر المغرب قليلا وتعجل العشاء الآخرة الى أيام حيضها، فاذا دخلت في أيام حيضها تركت الصلاة - الخ.

فتراه أطلق في الحائض وقال بأنها لو لم ينقطع دمها بعد العاشر تعمل أعمال المستحاضة الى أن تصادف أيام عادتها في الشهر القابل، ومثله ابنه في المقنع فقال: فإن رأت الدم اكثر من عشرة أيام فلتقعد عن الصلاة عشرة أيام وتغتسل يوم حادي عشر - الى أن قال - وتعجل العشاء الآخرة الى ايام حيضها، فاذا دخلت في أيام حيضها تركت الصلاة.

وكذلك المفيد وسلار، قال الاول: والمستحاضة لاتترك الصلاة والصوم في حال استحاضتها وتتركها في الايام التي كانت تعتاد الحيض قبل تغير حالها بالاستحاضة. وقال الثانى: الا أنها - أي المستحاضة - تعزل الصلاة والصيام

في ايام حيضها المعتادة.. الخ.

فجعلا الرجوع الى العادة حكم المستحاضة التي دام دمها.

ومما ذكرنا يظهر لك ما في تفصيل من تأخر عن ابن ادريس تبعاً له بأن المبتدأة وذات العادة والمضطربة اذا انقطع دمهن على العشرة فالجميع حيض، و ان تجاوز فالمبتدأة والمضطربة ترجعان الى التميز ومع فقده الى نسائهما، الى آخر ما فصل، وذات العادة ترجع الى عادتها - الخ، فانه لادليل عليه من الاثار ولاشاهد من الجمع بين الاخبار ولا أثر من ذلك في كتب من تقدم عليه من كتب الصدوقين والعماني والاسكافي والمفيد والديلمي، حتى الشيخ في نهايته الذي على وفق كتب أصحابه، وانما في مبسوطه الذي صنفه على حذو كتب العامة دفعاً لطعنهم على قلة فروع كتب فقه الشيعة فروع قريبة من ذلك، وتبعه القاضى في مهذبه، وممن اطلق القول بأن الحائض تأخذ بالعشر مطلقا من دون تفصيل بين التجاوز وعدمه المرتضى في مصباحه.

فان قيل: ان الرواية ضعيفة، لان راويه محمد بن عيسى العبيدي وقد ضعفه ابن الوليد فاستثناه من رجال نوادر الحكمة وتبعه الصدوق والشيخ، وكذاقال ابن الوليد انه لا يعمل بما تفرد عن يونس، ولذا حكم في المعتبر بضعف الخبر.

قلت: الامر كذلك، الا انه أنكر ذلك ابن نوح والنجاشي ومدحه مثل الفضل والكشي، قال ابن نوح بعد ذكر جمع استثناهم ابن الوليد من رجال النوادر: وقد أصاب شيخنا ابو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد وتبعه ابوجعفر ابن بابويه على ذلك، الا في محمد بن عيسى بن عبيد فلا أدرى مارابه فيه لانه كان على ظاهر العدالة، وقال النجاشي ذكر ابو جعفر بن بابويه انه قال: ما تفرد به محمد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا يعتمد عليه، ورأيت اصحابنا

ينكرون هذا القول ويقولون من مثل ابى جعفر محمد بن عيسى - الخ.

ونقل عن الكشي عن القينبى عن الفضل بن شاذان انه كان يحب العبيدي ويثني عليه ويمدحه ويميل اليه ويقول ليس في اقرانه مثله، وقال بحسبك هذا الثناء من الفضل - الخ.

والاعتماد عليه هو المفهوم من الكلينى حيث اكثر منه في أبواب كتابه وصدر الباب بخبره.

ثم الظاهر من استدلال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لاحكام أقسام الحائض من المبتدأة والمضطربة وذات العادة كراراً بقول النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ان أولئك الجمع الذين روى عنهم يونس عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كانوا من غير الامامية، ويحتمل أن يكونوا منهم وأراد تعليمهم الاستدلال لو أرادوا المحاجة مع العامة.

ثم ان الخبر تضمن أن الأصل في بيان النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لسنة المبتدأة سؤال حمنة بنت جحش، وهي بنت عمته أميمة واخت زوجته زينب، ولسنة ذات العادة والمضطربة معاً فاطمة بنت ابى حبيش، فالظاهر أنها كانت أولا ذات عادة ثم صارت مضطربة، والاظهر أن الأصل في احداهما حبيبة المكناة ام حبيب بنت جحش أخت زينب زوج النبی (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) واخت حمنة التي كانت مبتدأة كما يفهم من أخبار العامة.

والنسخ في «حبيش» مختلفة، ففي بعضها بالمهملة أولا والمعجمة أخيراً الباء، وفي بعضها بالعكس مع النون، وكل محتمل لانه بكل سمي، وقصة الفرزدق في ذلك معروفة.

قال البلاذري: ان تميم بن زيد العتبى ولي خراسان في خلافة هشام بعد الجنيد، وكان قد شخص معه فى الجند فتى من يربوع في الجند فتى من يربوع يقال له حبيش وانه من

طي، واتت أمه الفرزدق فسألته أن يكتب الى تميم في اقفاله و عادت بقبر غالب أبيه، فكتب الفرزدق الى تميم:

اتتني فعادت يا تميم بغالب *** وبالحفرة السافي عليها ترابها

فهب لي حبيشاً واتخذ فيه منة *** لحوبة أم ما يسوغ شرابها

تميم بن زيد لا تكونن حاجتي *** بظهر ولا يخفى عليك جوابها

فلا تكثر الترداد فيها فانني *** ملول لحاجات بطىء طلابها

فلم يدر ما اسم الفتى أهو حبيش ام خنيس، فأمر أن يقفل كل من كان اسمه على مثل هذه الحروف.

الا أن القاموس واسد الغابة ذكراها فى الحاء المهملة، وفي الثاني أنها بنت ابی حبيش بن المطلب بن اسد بن عبد العزى.

ثم ان العامة أيضاً رووا عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) موافقة الخبر، أما المتبدأة فما رواه ابو داود عن حمنة بنت جحش قالت: كنت استحاض فقلت یا رسول الله اني استحاض حيضة شديدة فماذا تأمرني؟ فقال: ابعث لك الكرسف فانه يذهب الكرسف الدم. قلت: اني أتجه. فقال: انماهي ركضة من الشيطان تحيضي سنة أو سبعة ايام ثم اغتسلي – الخبر.

وأما المضطربة فما رووه عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت ابي خنيس فقالت: يا رسول الله اني استحاض فلا أطهر فأترك الصلاة. فقال: انما ذلك عرق وليس بالحيضة، فاذا كان دم الحيض فانه أسود يعرف فدعي الصلاة - الخبر

وأما ذات العادة فما رواه ابن ماجة وغيره عن أم سلمة قالت: كانت امرأة تهراق الدماء على عهد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فقال: لتنظر عدة الايام والليالي

التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر الخبر.

قوله في الخبر «وانما سماه أبي بحرانياً لكثرته ولونه » - الخ.

ظاهر في أن المراد بالبحراني كونه مثل ماء البحر في السواد والكثرة، وحينئذ فهو نسبة الى البحر، وقال الحلي: ان في بعض الكتب ان دم الحيض أسود بحراني وأحمر بحرانى وضبط البحراني - الى أن قال - وبعد النون ياء مشددة ليست للنسب وهو الشديد الحمرة والسواد كما يقال أبيض يق-ق وأسود حالك وحانك وأحمر بحراني و باحري، هكذا أورده ابن الاعرابي في نوادره فأوردته كما اورده تنبيهاً عليه.

قلت: الظاهر أن مراد ابن الاعرابی ان قولهم «احمر بحراني» ليس كقولهم «رجل بحراني» المنسبة الى بلد البحرين، لا أنه ليس للنسبة اصلا.

ثم ان القرء بالفتح وان كان المشهور انه مشترك بين الحيض والطهر الا أنه يختلف جمعه بالمعنيين، فبمعنى الطهر يكون جمعه القروء كما في قوله تعالی «فعدتهن ثلاثة قروء» على الصحيح في المذهب، وكما في قول الاعشى:

مورثة مالا وفي الاصل رفعة *** لما ضاع فيها من قروء نسائكا

وبمعنى الحيض يكون جمعه الاقراء كما في الخبر المتواتر عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) من الخاصة والعامة «دعي الصلاة ايام أقرائك» فلا يحتاج الى ما ذكره المرتضى لما اختار أن القروء الاطهار، بأن خبر الاقراء من الاحاد و اختلاف المعنى باختلاف ما في اللفظ في لغة العرب كثير، قال الثعالبي: من سنن العرب الفرق بين الضدين بحرف كقولهم «دوى» من الداء وتداوى» من الدواء

«واخفر» اذا اجار «وخفر» اذا نقض العهد «وقسط» اذا جار «وأقسط» اذا عدل «و أقذى عينه» اذا ألقى فيها القذى «وقذاها» اذا نزع عنها القذى، أو بحركة كما يقال «رجل لعنه» اذا كان كثير اللعن «ولعنه» اذا كان يلعن، وكذلك ضحّكه وضحّكه.

الحديث السابع والثلاثون

روى الكليني عن السكوني عن جعفر عن آبائه عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: لو أن رجلا سرق ألف درهم فاشترى بها جارية أو أصدقها امرأته فان الفرج له حلال وعليه تبعة المال.

أقول: الخبر دال على أن حرمة الثمن وكونه مال الغير لا يوجب بطلان البيع، ويعارضه ظاهراً مارواه الشيخ عن الصفار قال: كتبت الى ابى محمد علیه السلام رجل اشترى ضيعة أو خادماً بمال أخذه من قطع الطريق أو م-ن سرقة هل يحل له ما تدخل عليه من ثمرة هذه الضيعة أو يحل له ان يطأ هذا الفرج الذي اشتراه من سرقة أو من قطع الطريق ؟ فوقع (عَلَيهِ السَّلَامُ): لاخير في شيء اصله حرام ولا يحل له استعماله.

وأجاب عنه في الاستبصار باحتمال الحمل على الكراهة أولا، ثم قال والدي نقوله انه لا يجوز لمن هذا صفته أن يتمسك بالضيعة والخادم، بل ينبغي أن يبيعهما ويرد الثمن على من أخذ منه. قال: والمعنى في الخبر الاول أنه لا يكون زانياً بوطي ذلك الفرج دون أن يكون المراد به جواز الاستمرار عليه واستدامته.

قلت: يرد عليه أن رد مثل الثمن اذا لم يتمكن من عينه حكم آخر فيجب عليه ابراء ذمته من أي موردكان وبيع ما اشترى دليل صحته، والظاهر أنه جعل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولا يحل له استعماله» مستأنفاً مع انه عطف على قوله « اصله حرام » فيكون في معنى الصفة، فيصير المعنى الاخير في شيء لا يحل له استعماله يعني اذا جعل ثمناً، فالخبر لا يدل الا على الكراهة لا أنه يتأول ويحمل عليها.

وجمع العاملي بينهما بوجه آخر فقال (باب انه لا يحل ما يشترى بالمكاسب المحرمة اذا اشتري بعين المال والاحل) ثم نقل الخبرين ثم قال: خبر الصفار محمول على الشراء بعين المال وخبر السكوني على الشراء في الذمة، ذكره بعض فقهائنا.

قلت: يرد عليه أن الخبرين مطلقان وانهما منصرفان الى الشراء في الذمة كما هو الغالب في المعاملات، ولا شاهد على تفصيله من الخبرين.

فان قيل: ان التفصيل مقتضى القواعد. قلت: فيكون امراً آخر لا جمعاً بين الخبرين، والتحقيق أنهما دالان على الجواز مع الكراهة اذاكان الشراء الذمة، ولا تعارض بينهما أصلا، لان الاول دال على الجواز المطلق والثاني على الكراهة، ولو كانا متعارضين لكان العمل بخبر الصفار لصحته وطرح خبر السكوني لضعفه متعيناً، لكن عرفت تطابقهما.

الحديث الثامن والثلاثون

روى الكليني في آخر نوادر الحج عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن اسماعيل عن الحسين بن مسلم عن ابى الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: يوم الاضحى في اليوم الذي يصام فيه، ويوم عاشوراء فى اليوم الذي يفطر فيه.

أقول: ورواه الصدوق في مقنعه في صوم يوم الشك مرفوعاً الى ابى الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومقتضى ايراد الكلينى له في الحج أنه يستكشف يوم الاضحى من يوم أول شهر رمضان ويوم عاشوراء من يوم الفطر، ويشهدله ظاهر لفظ الخبر، ومقتضى ايراد الصدوق له في الصوم انه يستكشف أول شهر رمضان ويوم الفطر من يومي الاضحى وعاشوراء من سنة قبل، ويؤيده قول ابن طاوس في كتاب عمل شهر رمضان: روي عن أحدهم (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)أنه قال: يوم صومكم يوم نحركم.

قلت: لكن الظاهر أن ما ذكره جزء من ذاك الخبر غير لفظه ونقل بمعناه والدليل عليه أنه قال: سمعناه مذاكرة ولم نقف على اسناده.

ومما ورد في استكشاف أول يوم من شهر رمضان خبر عمران الزعفراني سأله فقال: ان السماء تطبق علينا بالعراق اليومين والثلاثة فأي يوم نصوم ؟ فقال

182

أنظر اليوم الذي صمت فيه من السنة الماضية فعد منه خمسة أيام وصم ي-وم الخامس.

و به أفتى في المبسوط فقال: ويجوز عندي أن يعمل بهذه الرواية التي وردت بأنه يعد من السنة الماضية خمسة أيام ويصوم يوم الخامس، لان من المعلوم انه لا تكون الشهور تامة، وكذلك الاسكافى الا أنه قال في غير السنة الكبيسة وفيها يعد ستة ايام ويصوم السادس ويشهدله خبر السياري.

الحديث التاسع والثلاثون

روى الكليني عن الحسين بن محمد عن السياري قال: روى عن ابن ابی ليلى أنه قدم اليه رجل خصماً له فقال: ان هذا باعني هذه الجارية فلم أجد على ركبها حين كشفتها شعراً وزعمت أنه لم يكن لها قط. فقال له ابن أبي ليلى: ان الناس ليحتالون لهذا بالحيل حتى يذهبوا به فما الذي كرهت. قال: أيها القاضي ان كان عيباً فاقض لي به. فقال: اصبر حتى أخرج اليك فاني اجد أذى بطني، ثم دخل وخرج من باب آخر فأتى محمد بن مسلم الثقفي فقال له: أي شيء تروون عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المرأة لايكون على ركبها شعراً يكون ذلك عيباً. فقال له محمد بن مسلم: أما هذا نصاً فلا أعرفه ولكن حدثني ابو جعفر عن ابيه عن آبائه عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) انه قال: كل ما كان في أصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب. فقال له ابن ابى ليلى: حسبك ثم رجع الى القوم فقضى لهم بالعيب.

أقول: الخبر من الاخبار المتضمنة لقواعد الفقه الكلية التي يستخرج عليها مالا يحصى من المسائل الجزئية، ولذا اكتفى بها ابن أبي ليلى في حكم المرأة

التي لا شعر لركبها، و من الخبر يظهر اذعان قضاتهم وعلمائهم لائمتنا (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)بأنهم معادن علم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ).

ونظير هذا الخبر فى ذلك ما رواه الكشي عن محمد بن مسلم قال: اني لنائم ذات ليلة على سطح اذ طرق الباب طارق - الى أن قال - فأشرفت فاذا امرأة فقالت لي: بنت عروس ضربها الطلق حتى ماتت والولد يتحرك في بطنها ويذهب ويجيء فما أصنع ؟ فقال: يا أمة الله سئل محمد بن علي الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن مثل ذلك فقال: يشق بطن الميت ويستخرج الولد - الى أن قال- من قال وجهك الي؟ قالت: جئت الى ابي حنيفة صاحب الرأي فقال لي: ما عندي فيها شيء ولكن عليك بمحمد بن مسلم الثقفي فانه يخبرك فما أفتاك به من شيء فعودي الي فأعلمينيه. فقلت لها: امضي بسلامة، فلما كان الغد خرجت الى المسجد وابو حنيفة يسأل عنها اصحابه فتنحنحت فقال: اللهم غفراً دعنا نعيش. هذا والخبر في قاعدة خيار العيب.

ومما روي عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قاعدة الصيد والاطعمة ما روى عن زرارة انه قال: والله مارأيت مثل ابى جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قط سألته فقلت له: أصلحك الله ما يؤكل من الطير؟ فقال: كل مادف ولا تأكل ما صف". قلت: البيض في الاجام. قال: كل ما استوى طرفاه فلا تأكل وكل ما اختلف طرفاه. قلت: فطير الماء. قال: ماكانت له قانصة فكل وما لم وكل له قانصة فلا تأكل.

الحديث الاربعون

روى الكليني عن علي بن ابراهيم عن بعض أصحابه ذكره قال: لما سم المتوكل نذر ان عوفي أن يتصدق بمال كثير، فلما عوفي سأل الفقهاء عن حد المال الكثير فاختلفوا، فقال بعضهم مائة ألف، وقال بعضهم عشرة آلاف، فقالوا فيه أقاويل مختلفة، فاشتبه عليه الأمر، فقال له رجل من ندمائه يقال له صفوان: ألا تبعث الى هذا الاسود فتسأله عنه. فقال له المتوكل: ويحك من تعني. فقال: ابن الرضا. فقال له: وهو يحسن من هذا أشياء؟ فقال: ان أخرجك من هذا فلي عليك كذا وكذا والافاضر بنى مائة مقرعة. فقال المتوكل: قد رضيت يا جعفر بن محمود سر اليه وسله عن حد المال الكثير، فصار جعفر بن محمود الى ابى الحسن علي بن محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسأله عن حد المال الكثير. فقال له: الكثير ثمانون. فقال جعفر: ياسيدي انه يسألني عن العلة فيه. فقال ابوالحسن: ان الله يقول « لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ » فعددنا تلك المواطن فكانت ثمانين.

أقول: لفظ «الكثير» بمعنى الثمانين من الحقائق الشرعية ومثله « الزمان » بمعنى خمسة أشهر و « الحين » بمعنى ستة أشهر و «الشيء » بمعنى السدس

و « المملوك القديم » بمعنى ما مضى عليه ستة أشهر و «السهم» بمعنى الثمن و «الجزء » بمعنى السبع أو العشر، تحمل هذه الالفاظ على تلك المعاني في الوصية والنذر، ولو كان اللافظ بها غير عارف بمعانيها الشرعية كما في مورد نذر المتوكل لا في الاقرار، لانه يحمل على ما يتيقن ارادته أو كونه مداولا.

فقول الشيخ في المبسوط في كتاب الاقرار وان قال له عندى مال كثير كان ذلك اقرار أبثمانين على الرواية التى رويت فيمن أوصى بمال كثير أنه ثمانون» في غير محله، اللهم الا ان يكون المقر متشرعاً وكان تكلمه على القواعد الشرعية دون الدلالات العرفية، كما أنه لا يحمل قول المقر له علي كذا درهماً » على العشرين وقوله كذا كذا درهماً على أحد عشر وقوله كذا وكذا درهماً» على احد وعشرين الى غير ذلك حملا على الاقل في الاعداد الصريحة كما أفتى به فقهاء العامة.

فقال في المبسوط: ومن الناس من قال اذا قال له على كذا در هما» لزمه عشرون درهماً لانه أقل عدد ينصب الدرهم بعده - الخ. وتبعهم بعض فقهائنا الا اذا كان المقرعارفاً بالقواعد النحوية وملتزماً بالتكلم على طبقها والا فلا.

وزاد النظام الساوجي في تكميله للجامع العباسي لاستاده البهائى لكونه متضلعاً في الحساب كأستاده حمل الاقرار المجمل على قواعد الحساب من الجبر والمقابلة فقال ما معناه: انه لو قال « ان لزيد علي مال ونصف مال عمرو ولعمرو علي مال ونصف مال زيد يكون مال كل من زيد وعمرو بطريق الجبر والمقابلة أربعة، فيكون أقر لكل منهما بستة. وصرح بأن ذلك فيما اذا كان المقر عارفاً بالقواعد الحسابية.

هذا، وتبين مما قلنا أن للحقيقة الشرعية حقيقة واقعية، وتشكيك بعضهم

فيها في غير محله، وان كان تمثيلهم لها بلفظ الصلاة والزكاة ونحوهما خطأ والصواب ما مثلنا.

ثم لم أقف على من ذكر المراد من الثمانين موطناً الذي في الخبر، والذي يترائى في بادىء النظر أن المراد بالمواطن الغزوات، فان أريد غزواته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بنفسه فلا خلاف بين المؤرخين أنها سبع وعشرون ان عددنا وادي القرى غير خيبر، وان عددناها جزءها لانه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لم يرجع من خيبر بل مضى منها الى وادي القرى فست وعشرون.

وروی صاحب المغازي والواقدي كما نقل الطبري تعدادها هكذا: أول غزوة غزاها ودان وهى غزوة الابواء، ثم غزوة بواط الى ناحية رضوى، غزوة العشيرة من بطن ينبع، ثم غزوة بدر الاولى يطلب كرز بن جابر، ثم غزوة بدر التي قتل فيها صناديد قريش وأشرافهم وأسر فيها من أسر، ثم غزوة بنى سليم حتى بلغ الكدر - ماء لبني سليم، ثم غزوة السويق يطلب أبا سفيان حتى بلغ قرقرة الكدر، ثم غزوة غطفان الى نجد وهى غزوة ذي أمر، ثم غزوة نجران معدن بالحجاز من فوق الفرع، ثم غزوة أحد، ثم غزوة حمراء الاسد، ثم غزوة بني النضير، ثم غزوة ذات الرقاع من نخل، ثم غزوه بدر الأخرى، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قريظة، ثم غزوة بنى لحيان من هذيل، ثم غزوة ذي قرد، ثم غزوة بني المصطلق من خزاعة، ثم غزوة الحديبية لايريد قتالا فصده المشركون، ثم غزوة خيبر، ثم اعتمر عمرة القضاء، ثم غزوة الفتح فتح مكة، ثم غزوة حنين، ثم غزوة تبوك.

قال الاول: قاتل (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) منها في تسع بدر و احد و الخندق وقريظة والمصطلق وخيبر والفتح وحنين والطائف. وقال الثانى في احدى عشرة، وعد غير تلك

التسع وادي القرى وقال قتل فيها علامه مدعم ويوم الغابة وقال قتل فيها من المشركين. قال لا اختلاف أنها سبع وعشرون وانما اختلف في تقديم مغزاة قبل مغزاة.

وان اريد بالمواطن عزواته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) مع سراياه و بعوثه فقال صاحب المغازي: ان سراياه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) خمس وثلاثون وأولها سرية عبيدة ثم حمزة او بالعكس، وقال الواقدي انها ثماني واربعون، وعلى قول الأول يكون المجموع اثنتين وستين وعلى قول الثاني يكون خمساً وسبعين مع عدوادي القرى واحدة مستقلة، فيكون المجموع أيضاً أقل من الثمانين الذي في الخبر بثماني أو بخمس والتحقيق أن الموطن بمعنى الموضع المهم، قال طرفة:

على موطن يخشى *** الفتى عنده الردى

فلا يختص بالغزوة والسرية، ولم لم يكن من أهم تلك المواطن التي يخشى الفتى عنده الردى بعث امیر المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو الفتى الذي لافتى سواه بتصديق ملائكة الاله من السماء بآيات سورة براءة الى بلد كلهم حنق عليه بحد، قال ذلك القائل لويشربون دمي لم يروشار بهم»، ولقد نصره الله تعالى حتى لم يقدروا مع ذلك الى ايصال أدنى أذى واذلال اليه، وقد كان النبى(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أرسلها اولا مع ابى بكر فنزل جبرئيل من عند الجليل ببعث اميرالمؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي كنفسه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) اليهم، وان هذا الأمر عمل احدهما.

روى الطبري عن السدي قال: لما نزلت هذه الايات الى رأس الاربعين - يعنى من سورة براءة - فبعث بهن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) مع ابي بكر و أمره على الحج، فلما سار فبلغ الشجرة من ذي الحليفة أتبعه بعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأخذها منه، فرجع ابوبكر الى النبي فقال: يارسول الله بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شيء.

قال: لا ولكن لا يبلغ عنى غيري أو رجل منى. قال: وسار علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يؤذن ببراءة، فقام يوم الاضحى فأذن فقال: لا يقربن المسجد الحرام مشرك بعدعامه هذا، ولا يطوفن بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول ل الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) عهد فله عهده الى مدته، وان هذه أيام اكل وشرب، وان الله لا يدخل الجنة لا من كان مسلماً. فقالوا: نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك الا من الطعن والضرب، فرجع المشركون فلام بعضهم بعضاً وقالوا ما تصنعون وقد أسلمت قريش فأسلموا الخ.

و كذلك بعثه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) له (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى اليمن لدعوتهم الى الاسلام فأسلموا دفعة - بمجرد وروده (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد ابائهم على خالد بن الوليد، وقد كان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بعثه أولا اليهم وقد كان اقام فيهم ستة أشهر يدعوهم ولا يجيبونه.

روى الطبري في وقائع سنة 10 عن البراء بن عازب قال: بعث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) خالد بن الوليد الى أهل اليمن يدعوهم الى الاسلام فكنت فيمن سار معه، فأقام عليه ستة أشهر لا يجيبونه الى شيء فبعث النبي علي بن ابى طالب وامره أن يقفل خالداً ومن معه، فان أراد أحد ممن كان مع خالد بن الوليد أن يعقب معه تركه. قال البراء: فكنت فيمن عقب معه، فلما انتهينا الى أوائل اليمن بلغ القوم الخبر فجمعواله فصلى بنا علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الفجر فلما فرغ صفنا صفاً واحداً ثم تقدم بين أيدينا فحمد الله وأثنى عليه ثم قرأ عليهم کتاب رسول الله فأسلمت همدان كلها في يوم واحد وكتب بذلك الى رسول الله، فلما قرأ كتابه خر ساجداً، ثم جلس فقال «السلام علی همدان، السلام علی همدان» ثم تتابع اهل اليمن على الاسلام - انتهى.

فأي نصر وفتح أعظم من هذا، وكذلك اما اراد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) غزومكة سر أو كتب حاطب بذلك اليهم مع امرأة يخبرهم بمسيره اليهم، فنزل جبرئيل بذلك فبعث

أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأخذ الكتاب، ولولاه لماتم فتح مكة اذا علموا واستعدوا.

روى الطبري انه لما أجمع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)» المسير الى مكة كتب حاطب ابن ابی بلتعة كتاباً الى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله من الامر في السير اليهم. قال: وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشاً، فجعلته في رأسها ثم قتلت عليه قرونها ثم خرجت به وأتى رسول الله الخبر ل الله الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علي بن ابي طالب والزبير بن العوام، فقال: ادركا امرأة قد كتب معها حاطب بكتاب الى قريش يحذرهم ماقد أجمعناله في أمرهم، فخرجا حتى أدر كاها بالحليفة - حليفة ابن ابی حمد فاستنزلاها فالتمسا في رحلها فلم يجدا شيئاً، فقال لها علي بن ابي طالب اني أحلف ما كذب رسول الله ولا كذبنا ولتخرجن الي هذا الكتاب أو لنكشفنك، فلما رأت الجدمنه قالت: أعرض عني، فأعرض عنها فحلت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منه فدفعته اليه، فجاء به الى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فدعا رسول الله حاطباً فقال: يا حاطب ما حملك على هذا ؟ فقال: یارسول الله اني والله لمؤمن بالله ورسوله ماعيرت ولا بدلت ولكني كنت امرؤ ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة وكان لي بين أظهرهم أهل وولد فصانعتهم عليهم. فقال عمر بن الخطاب: يارسول الله دعني فلا ضرب عنقه فان الرجل قدنافق. فقال رسول الله: وما يدريك ياعمر لعل الله قد اطلع الى أصحاب بدريوم بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد عفرت لكم، فأنزل الله عزوجل في حاطب«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ».

قلت: والخبر كما تضمن نصر الله تعالى لنبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) والمؤمنين على يد أمير المؤمنين تضمن أن حواريهم أظهر الخور حيث كان مقام الشدة فسكت عن المرأة لما لم يجد في رحلها كتاباً وظن كذب النبى في اخبارهم ووهم الله تعالى

في انزاله جبرئيل اليه، وان فاروقهم أظهر الشدة حيث كان مقام الرفق فوصفه بالنفاق وقد خاطبه الله تعالى في الاية بالايمان والنبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بكونه ذاسابقة الدين وأراد قتل مؤمن حصل منه زلة لعلة، ولم لم يكن له هذه الشجاعة لما دعاه النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) كما روى الطبرى لما أراد العمرة ليبعثه الى مكة فيبلغ عنه اشرافها انه لم يأت لحرب وانماجاء زائراً، فقال له: اني أخاف قريشاً على نفسي وليس بمكة من بني عدي بن كعب احد يمنعنى - الخ.

وكذلك من تلك المواطن وقد أهل نجران في سنة (10) عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ودعاؤه لهم الى المباهلة معهم بنفسه وبأهل بيته، فتيقنوا في اجابته الهلكة فرضوا بالذلة و اعطاء الجزية، فأي نصر أعلى من هذا الموطن وقدا بان الله تعالى به حقية نبيه وحقية اهل بيته وتفضيله على العالمين، وقد تقدم في الخبر الثاني عشر تفصيله.

وكذلك من تلك المواطن دفع شر وفد بنی عامر عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفيهم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس بن مالك بن جعفر و جبار بن سلمى بن مالك بن جعفر، وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم.

قال الطبري: فقدم عامر بن الطفيل على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وهو يريد الغدر به وقد قال له قومه: يا عامر ان الناس قد أسلموا فأسلم قال والله لقد كنت آليت الا انتهى حتى تتبع العرب عقبى أفأنا اتبع قب هذا الفتى من قريش. ثم قال: لأربد اذا قدمت على الرجل فاني شاغل عنك وجهه، فاذا فعلت ذلك فاعله بالسيف، فلما قدموا على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قال عامر بن الطفيل: يا محمد خالني. قال: لا و الله حتى تؤمن بالله وحده. قال: يا محمد خالني، وجعل يكلمه فينتظر من أر بدما كان امره به، فجعل أربد لا يحير شيئاً، فلما رأى عامر ما يصنع أربد قال: يا محمد خالني. قال: لا والله حتى تؤمن بالله وحده لاشريك له، فلما أبى عليه رسول الله قال أما والله لأملانها

عليك خيلا حمراً ورجالا، فلما ولى قال رسول الله: اللهم اكفني عامر بن الطفيل، فلما خرجوا من عند رسول الله قال عامر لاربد: ويلك يا أربد اين ما كنت أوصيتك به، والله ما كان على ظهر الارض رجل هو أخوف على نفسي عندي منك، وأيم الله لا أخافك بعد اليوم أبداً. قال: لا تعجل علي لا أبالك، والله ما هممت بالذي أمرتنى به من امره الا دخلت بيني وبين الرجل حتى ما أرى غيرك افأضربك بالسيف - الى أن قال - وخرجوا راجعين الى بلادهم حتى اذا كانوا ببعض الطريق بعث الله عز وجل على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله، وانه في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يقول: يا بني عامر اغدة كغدة البكر وموت في بيت امرأة من بنى سلول، ثم خرج أصحابه حين واروه حتى قدموا أرض بني عامر، فلما قدموا أتاهم قومهم فقالوا: ماوراءك يا أربد قال: لاشيء والله لقد دعانا الى عبادة شيء لوددت انه عندي الان فارميه بنبلي هذه حتى أقتله، فخرج بعد مقالته هذه بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه، فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما، وكان اربد بن قيس اخا لبيد بن ربيعة لامه.

قلت: وعامر بن الطفيل هذا هو الذي قال الثعلبى في تفسير قوله تعالى «له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله انه جاء الى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فقال له: مالي ان أسلمت؟ قال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم. فقال: تجعل لي الامر من بعدك. فقال: ليس ذلك الي انما ذلك الى الله عزوجل يجعله حيث يشاء - الخ.

فيقرون أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قال في حياته ان الاستخلاف الى الله تعالى وليس للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فيه امر، ثم يجعلون الاستخلاف بعده الى عمر وابي عبيدة.

قلت: ومما يمكن أن يعد من المواطن وفد سعد هذيم روى الطبري انهم بعثوا ضمام بن ثعلبة الى النبي - الى أن قال - قدم على قومه فاجتمعوا اليه فكان أول ما تكلم ان قال: بئست اللات والعزى. قالوا: مه ياضمام اتق البرص اتق الجذام اتق الجنون. قال: ويحكم انهما والله لا ينفعان ولا يضران - - الى أن قال - فوالله ما أمسى ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلم. قال: قال ابن عباس: فوالله ما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة.

ومع ماذكرنا يتم ماذكره الواقدي ثمانين، ولو بنينا على ماقال صاحب المغازي أمكن تكميلها بمواطن أخر، من قبيل ماذكر ناقبل الهجرة فان كل ما ذكرنا كالمغازي والسرايا مواطن كانت بعد الهجرة.

و كذلك يمكن أن تعد من تلك المواطن مكاتباته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) الى ملوك الافاق واجابة كثير منهم. وبالجملة ما ذكره الحجة (عَلَيهِ السَّلَامُ) في معنى الكثير من كونه الثمانين هو الحجة.

وحيث بلغ نقل الاحاديث الى الاربعين وهو الانتهاء فلنقطع الكلام حامدين له تعالى في المبدء والمنتهى، وقد وقع الفراغ في يوم عرفة من سنة 1369 من الهجرة على صاحبها آلاف من السلام والتحية، على يدجامعها محمدتقى التستري حشره مع مواليه يوم القيامة.

فهرس الكتاب

مقدمة المؤلف... 3

حول رواية أربعين حديثاً...3

الحديث الأول: اخبار عن ملك بني العباس...9

الحديث الثانى: انقراض ملك بنى فلان...11

الحديث الثالث: حلة السيفية...18

الحديث الرابع: بعض علائم الظهور...21

الحديث الخامس: وصف الاتراك...28

الحديث السادس: ذم أهل البصرة...39

الحديث السابع: الاخبار عن النواب الاربعة...42

الحديث الثامن: الاخبار عن حدوث الابرة...46

الحديث التاسع: بعض الملاحم...47

الحديث العاشر: الاختلاف بين الامين والمأمون...53

الحديث الحادى عشر طرف من حب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)...58

الحديث الثاني عشر: قدوم وفد نجران...60

الحديث الثالث عشر: نزول «هل اتی»...65

الحديث الرابع عشر: حديث رد الشمس...67

الحديث الخامس عشر: فضائل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)...70

الحديث السادس عشر: تسليم الخضر...83

الحديث السابع عشر: علي أخو النبى(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)...90

الحديث الثامن عشر: قصيدة فرزدق الميمية...93

الحديث التاسع عشر: قصة الامام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)...98

الحديث العشرون: الاخبار عن المهدي(عَلَيهِ السَّلَامُ)... 103

الحديث الواحد والعشرون: الاختلاف بين ابي بكر وعمر...105

الحديث الثاني والعشرون: قصة مع عمر... 109

الحديث الثالث والعشرون: احاديث عن عائشة...116

الحديث الرابع والعشرون: اختلاف ابي بكر وعمر...122

الحديث الخامس والعشرون: قصة ابي ذر...124

الحديث السادس والعشرون: بعض ماجاء في عثمان... 133

الحديث السابع والعشرون: مشاورة النبى مع علي...136

الحديث الثامن والعشرون: الاختلاف بين علي وعثمان...138

الحديث التاسع والعشرون: قصة عثمان وطلحة...142

الحديث الثلاثون: في انساب مخدوشة...145

الحديث الواحد والثلاثون بعض الصلوات...148

الحديث الثاني والثلاثون: صلاة يوم الجمعة...152

الحديث الثالث والثلاثون: صلاة فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)...154

الحديث الرابع والثلاثون: صلاة شهر رمضان...156

الحديث الخامس والأربعون: الحيض عند الحج...165

الحديث السادس والثلاثون: الحائض والسنة في وقته...168

الحديث السابع والثلاثون: حرمة الثمن لا يوجب بطلان البيع...179

الحديث الثامن والثلاثون: صوم الاضحى وعاشوراء...181

الحديث التاسع والثلاثون: العيث في المبيع...183

الحديث الاربعون: معنى لفظ «الكثير»...185